أقلام ثقافية
عبد السلام فاروق: سيرة الغرفة "8".. غرفة وشاعر وقبر!
كان يمكن لهذه المذكرات ألا تكتب. كان يمكن أن يبتلع النسيان “الغرفة 8” كما ابتلع آلاف الغرف التي سكنها فقراء مصر ومبدعوها المجهولون. لكن يدًا أمينة امتدت لتنتشل هذه السيرة من العدم، يد إنسان اسمه الطبيب فهمي عبد السلام. فهل نعرف نحن قيمة هذه اليد وهي تنتشل؟ هل نعرف نحن كم من المبدعين دفنوا في مقابر الفقر الجماعية دون شاهد؟
أنا أنظر إلى "الغرفة 8 " فأرى شيئًا آخر. أراها مختبرًا للوجود، بوتقة تحترق فيها النفس لتخرج ذهبًا خالصًا. الفقر ليس مجرد نقص في المال كما يتوهم أصحاب الحسابات البنكية، الفقر سؤال وجودي يوجهه الله لمن يحبهم من عباده هل تستطيع أن تكون إنسانًا بلا أقنعة؟ هل تستطيع أن تقف عاريًا أمام المرآة وترى نفسك كما أنت، لا كما يريدك الآخرون؟
أمل دنقل في "الغرفة 8" كان يجيب عن هذا السؤال كل ليلة. كان يمد يده إلى القلم فيسيل منه الشعر دمًا حقيقيًا، لا استعارة بلاغية. لأن الكتابة في ذلك المستوى من الحرمان لم تكن ترفًا فكريًا ولا زخرفة لفظية، كانت طوق النجاة الوحيد، وكانت معركة البقاء الأخيرة. من لم يجرب أن يكتب وهو جائع لا يعرف لماذا خلق الإنسان وفي فمه كلمة "كن".
أعجب من مجتمع يحكم على الإنسان بجلده وليس بجوهره! مجتمع يقيس قيمتك بعدد السيارات التي تملكها لا بعدد الأسئلة التي تسكن رأسك. هذا مرض عضال أصاب حضارتنا في مقتل. ترى الشاب القادم من أقاصي الصعيد، من "قفط" حيث الأرض صلبة والسماء واسعة، يأتي إلى القاهرة فيجد نفسه في غابة من الأقنعة. هنا الناس لا يرونك، يرون انعكاس صورتهم في سيارتك اللامعة.
وتأمل معي هذه المفارقة المرة صاحب الروائع الشعرية التي ستبقى بعد موت كل سيارات الأثرياء، يضطر أن يطرق الأبواب عارضًا كنزه على من لا يستحقونه. أليس هذا هو المشهد الأزلي المتكرر الجوهر يباع للزيف بثمن بخس، والذهب الحقيقي يقايض بالزجاج الملون؟
المجتمع المظهري مريض، نعم، لكن مرضه لا يقتل إلا أصحابه. أما أمل دنقل فكان يشفى بمرضه، كان يتطهر بالغربة ويغتسل بالحرمان. ألم يقل المسيح "طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات"؟ أليس الفقر، حين يقترن بالإبداع، هو أقصر الطرق إلى الله؟ لأنك حين تفقد كل شيء، لا يبقى لك إلا وجهه الكريم.
رفيق المجهول!
وهنا نقف عند المفارقة الثانية فهمي عبد السلام. طبيب عاش في الظل، وكتب في الظل، ومات في الظل. كتب عن كبار الروائيين دراسات تضيء ولا تحرق، حلل بهدوء العلماء لا بضجيج الأدعياء، قرأ الرواية في سياقها الاجتماعي دون أن يسقط في فخ الإسقاط. فماذا فعلت به الثقافة العربية؟ لا شيء. كأنه لم يمر من هنا. كأن كتبه طبعت على ماء النيل وذهبت مع التيار.
هذا هو البؤس الحقيقي. ليس بؤس الفقر الذي عاشه أمل دنقل، فالفقر قد يكون بوابة للخلود كما رأينا. البؤس الحقيقي هو بؤس ثقافة لا تفرق بين الغث والسمين، بين العالم الحقيقي والمزيف الأكاديمي الذي يتكثر بالألقاب. بؤس ثقافة تحول النقاد إلى موظفين، والمفكرين إلى بهلوانات إعلام، والمبدعين إلى موظفين في وزارة الثقافة ينتظرون الترقية والمعاش.
إن موت المبدع الدكتور فهمي عبد السلام دون أن تشعر به الثقافة ليس موت فرد، إنه جريمة معنوية ترتكبها ثقافة كاملة في حق نفسها. إنه انتحار بطيء تمارسه أمة تتخلى عن مصابيحها لتظل في الظلام. وكل مثقف يموت صامتًا وهو يستحق الضجيج، يوجه لنا جميعًا سؤالاً سنسأل عنه يومًا ماذا فعلتم بأمانة الكلمة؟ أين كنتم حين كان النور يخبو؟
الغرفة بداخلنا
الغرفة 8 ليست مكانًا في القاهرة، الغرفة 8 فكرة، سؤال، جرح مفتوح في جسد الثقافة العربية. هي تذكرنا بأن كل مبدع حقيقي يولد من رحم المعاناة، وأن كل قصيدة عظيمة كتبت بحبر الفقر ودموع الغربة. لكنها تذكرنا أيضًا بجريمتنا المتواصلة، أننا نعرف قيمة الشيء بعد فواته، ونكتب الرثاء ولا نكتب الإنصاف.
تأملت طويلاً في هذه المذكرات فوجدتني أسأل كم من أمل دنقل يعيش بيننا الآن في غرفة 8 أخرى، يكتب روائعه على ضوء شمعة، يطرق الأبواب فلا يفتح له؟ وكم من فهمي عبد السلام يكتب دراسات عميقة في صمت، ينتظر كلمة تقدير لا تأتي، فيموت وحيدًا كما عاش وحيدًا؟
الكارثة ليست في وجود الغرفة 8، الكارثة أننا نبني كل يوم ألف غرفة 8 جديدة، نمارس فيها طقوس قتل الإبداع ببطء، نتفرج على المبدعين وهم يموتون جوعًا ثم نبكي عليهم حين يتحولون إلى تماثيل في ميادين لا يمر بها أحد.
كلمة أخيرة للضمير
رحم الله الدكتور فهمي عبد السلام، هذا المثقف الذي عاش نظيفًا ومات صامتًا، حاملاً سره معه أن المعرفة ليست للصيت، وأن النقد رسالة قبل أن يكون مهنة. ورحم الله أمل دنقل الذي جعل من "الغرفة 8 " منارة، ومن الفقر جسرًا إلى الخلود، ومن الرفض موقفًا وجوديًا لا مجرد كلمات.
وتبقى "الغرفة 8 " شاهدة علينا، تسألنا كل صباح أين كنتم؟ ولماذا تكررون الجريمة نفسها كل جيل؟ لماذا يموت مبدعوكم فقراء ثم تثرون من بعدهم ببيع سيرهم؟ لماذا تبنون القصور للذين لا يستحقون، وتتركون أصحاب الكلمة الحقة في الغرف المظلمة؟ أسئلة ليس لها جواب، لأنها موجهة إلى ضمير مات، أو هو في غيبوبة طويلة، نتمنى أن يفيق منها يومًا.
***
عبد السلام فاروق







