عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: «بَطْنُ الأَسَاطِيرِ» لهدى عزالدين

من أرشيف الذاكرة إلى أنطولوجيا الكينونة، قراءة ببليوغرافية وأنطولوجية في قصيدة تجعل الأسطورة مرآةً للإنسان، والحصى ذاكرةً، والبوح امتحاناً للموت

ليست بعض القصائد نصوصاً تُقرأ ثم تُطوى، لأن قيمتها لا تستنفدها لحظة النشر، ولا يحدّها زمن كتابتها، وإنما تتحول، حين تبلغ درجة معينة من التكثيف والرؤية، إلى وثائق روحية تحفظ للإنسان صورته في لحظة تاريخية ونفسية وحضارية محددة. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى قصيدة «بَطْنُ الأَسَاطِيرِ» للشاعرة هدى عزالدين بوصفها نصاً يتجاوز وظيفته الشعرية المباشرة، ليغدو شاهداً على إنسان معاصر يقف بين ركام الذاكرة وقلق المستقبل، بين الأسطورة بوصفها ماضياً مؤسساً، والذات بوصفها حاضراً مأزوماً، وبين الرغبة في الخلود والوعي العميق باستحالة الإفلات من الموت.

إن أهمية هذه القصيدة لا تنبع من كثرة الرموز التي تستدعيها فحسب، وإنما من الطريقة التي تعيد بها ترتيب العلاقة بين الرمز والإنسان. فالأسطورة لا تظهر هنا باعتبارها مادة حكائية جاهزة، ولا باعتبارها زخرفاً ثقافياً يستعرض معرفة الشاعرة بالموروث، بل تتحول إلى مختبر وجودي تُعاد داخله صياغة الأسئلة القديمة في لغة إنسان جديد.

ومن هنا فإن «بطن الأساطير» ليست قصيدة عن الأسطورة بقدر ما هي قصيدة عن الإنسان الذي اكتشف أن الأسطورة تسكن داخله.

أولاً: القيمة الببليوغرافية للنص ـ حين يصبح الشعر وثيقةً للذاكرة

الببليوغرافيا، في معناها الأعمق، ليست مجرد تسجيل لاسم المؤلف والعنوان ومكان النشر وتاريخ الإصدار؛ إنها أيضاً محاولة لحفظ أثر النص في زمنه، وتحديد موقعه في سلسلة الذاكرة الثقافية التي تنتقل من جيل إلى جيل.

ومن هذه الزاوية، تأتي «بطن الأساطير» بوصفها نصاً قابلاً للأرشفة النقدية؛ لأنها تختزن مجموعة من العلامات التي تكشف عن حساسية شعرية تنتمي إلى زمن تتداخل فيه الأسطورة مع علم النفس، والوجودية مع الذاكرة، والهوية الفردية مع الموروث الجمعي.

فالقصيدة لا تتعامل مع الأسطورة كما تعاملت معها الملاحم القديمة؛ لا تعيد بناء عالم الآلهة والأبطال، ولا تستعيد الحكاية الأسطورية بوصفها حدثاً خارجياً، وإنما تُدخل الأسطورة إلى الجسد الإنساني.

وهذه النقلة هي التي تمنح النص قيمته الوثائقية.

إنها تسجل، شعرياً، انتقال الإنسان من مرحلة كان يبحث فيها عن تفسير العالم خارج ذاته، إلى مرحلة صار فيها العالم كله يُعاد تأويله من خلال الداخل الإنساني.

وبذلك تصبح القصيدة وثيقة عن تحوّل الوعي: من الأسطورة بوصفها تفسيراً للكون، إلى الأسطورة بوصفها تفسيراً للذات.

وهنا تكمن إحدى إمكانات النص في البقاء؛ فالأجيال المقبلة قد لا تعيش الظروف النفسية والثقافية نفسها التي كتبت فيها القصيدة، لكنها ستظل قادرة على التعرف إلى نفسها في سؤالها المركزي: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش وهو يحمل في داخله المتناقضات كلها؟

ثانياً: من «الحصى» إلى «الهرم» ـ أرشيف الأشياء الصغيرة

تبدأ القصيدة من مادة متواضعة:

«جَمَعْتُ بَعْضَ الحَصَى

كَيْ أَبْنِيَ هَرَمًا»

وهنا تتأسس المفارقة الأولى.

فالهرم، في المخيال الإنساني، علامة على العظمة والاستمرار ومقاومة الزمن؛ أما الحصى فمادة صغيرة، متواضعة، متناثرة. لكن الشاعرة تجعل من هذه المادة الصغيرة أساساً لبناء ضخم.

إنها بذلك تؤسس فلسفة شعرية يمكن اختزالها في فكرة:

العظيم لا يولد بالضرورة من العظيم؛ فقد يكون الخلود نفسه محصلةً لتراكم الأشياء التي ظن الإنسان أنها صغيرة.

الحصى هنا ليس حجراً وحسب؛ إنه بقايا التجربة.

كل حصاة يمكن أن تكون ذكرى، جرحاً، خوفاً، خسارة، حلماً، كلمة لم تُقل، أو لحظة لم تجد طريقها إلى النسيان.

وحين تجمع الذات الحصى، فإنها لا تجمع الأشياء بقدر ما تجمع شظايا وجودها.

وهكذا يتحول البناء إلى فعل نفسي وأنطولوجي في آن واحد: الذات تريد أن تمنح حياتها شكلاً، وأن تحول الفوضى إلى هندسة، والبعثرة إلى كيان، والزمن المتساقط إلى أثر يقاوم السقوط.

لكن المفارقة الكبرى أن هذا الهرم يُقام على:

«أرض الأساطير»

أي على أرض غير مستقرة تماماً، لأن الأسطورة ليست تاريخاً محضاً، وليست واقعاً محضاً؛ إنها منطقة وسيطة بين الحقيقة والخيال، بين الذاكرة والتخييل، بين ما حدث وما كان ينبغي أن يحدث.

وهكذا يصبح أساس البناء نفسه موضع سؤال.

ثالثاً: «بطن الأساطير» ـ الرحم الأول للإنسان

العنوان وحده يستحق قراءة مستقلة.

«بطن الأساطير» تركيب شديد الكثافة؛ لأن كلمة «البطن» تستدعي الرحم، والمولد، والداخل، والمخبوء، والمجهول، كما تستدعي في الوقت نفسه المكان الذي تتشكل فيه الأشياء قبل خروجها إلى العالم.

أما «الأساطير» فتشير إلى الذاكرة الجمعية التي راكمتها البشرية منذ أن بدأت تسأل عن أصلها ومصيرها.

ومن التقاء الكلمتين يتشكل فضاء رمزي يمكن تسميته:

رحم الوعي الجمعي.

إن الشاعرة لا تقف خارج الأسطورة لترويها، بل تدخل إلى بطنها، إلى مكان تشكلها الأول، لتبحث عن الإنسان قبل أن تكتمل صورته.

وهنا يأخذ العنوان بعداً أنطولوجياً عميقاً:

من أين يولد الإنسان؟

هل يولد من النور وحده؟

أم من الظلام والنور معاً؟

هل يكون خيراً خالصاً؟

أم أن الشر جزء من بنيته الأولى؟

هل يستطيع أن يفهم نفسه إذا حذف نصفه المظلم؟

إن «البطن» في القصيدة ليس بطن الجسد وحده، وإنما باطن الكينونة.

رابعاً: الماء والسماء والنجم ـ صعود الذات من المادة إلى المعنى

بعد الحصى والهرم تنتقل الذات إلى الماء والسماء:

«وَهَا أَنَا أَسِيرُ فَوْقَ المَاءِ»

ثم:

«أُقَبِّلُ شَفَتَيِ السَّمَاءِ»

ثم يظهر:

«نَجْمٌ»

وهذه الحركة ليست انتقالاً مكانياً عابراً، بل هي حركة أنطولوجية من الثقل إلى الخفة، ومن الأرض إلى الماء، ومن الماء إلى السماء.

الحصى يمثل الثقل.

الماء يمثل التحول.

السماء تمثل التطلع.

والنجم يمثل الإمكان.

كأن الذات تبدأ من المادة ثم تحاول تجاوزها، لكنها لا تستطيع التخلص منها تماماً. فهي تحمل الحصى في ذاكرتها، حتى وهي تمشي فوق الماء، وتبحث عن السماء وهي تعرف أنها ابنة الأرض.

وهنا يتجلى جوهر التجربة الإنسانية:

نحن كائنات أرضية تتطلع إلى السماء.

نعيش في الجسد، لكننا نحلم بالمعنى.

نولد في الزمن، لكننا نتوق إلى الخلود.

نسكن الأرض، لكننا لا نتوقف عن البحث عن نجم يدلنا على الطريق.

خامساً: حين يتكلم الحصى ـ انقلاب العلاقة بين الإنسان والعالم

من أكثر اللحظات دلالة في القصيدة أن الحصى يفقد صمته:

«حَدَّثَنِي الحَصَى قَائِلًا»

هنا تنقلب العلاقة التقليدية بين الذات والموضوع.

لم تعد الشاعرة هي التي تمنح الأشياء معناها؛ الأشياء نفسها أصبحت قادرة على مساءلتها.

وهذا التحول يعيدنا إلى بنية قديمة في الوعي الإنساني، حين كان الإنسان يرى في الأشياء علامات ورسائل وأصواتاً. لكن الشاعرة لا تعود إلى ذلك الوعي عودةً ساذجة؛ بل تستثمره لكي تجعل العالم الخارجي لغةً للداخل.

الحصى يتكلم لأن شيئاً في الذات يريد أن يتكلم.

ومن هنا يصبح السؤال الذي يوجهه الحصى سؤال الذات نفسها:

«هَلْ جَمَعْتَنِي لِرَجْمِ شَيْطَانٍ،

أَمْ أُقِيمُ فِي بَيْتٍ خَالٍ مِنَ المَلَائِكَةِ؟»

إن السؤال لا يضعنا أمام الخير والشر وحدهما، بل أمام سؤال أخطر:

ماذا يحدث للإنسان حين يحارب الشر ولا يجد الخير؟

فالفراغ من الملائكة قد يكون أفظع من حضور الشيطان.

وهذه إحدى أكثر الطبقات الفلسفية عمقاً في النص؛ لأن الشر يمكن مقاومته، أما غياب المعنى فيجعل المقاومة نفسها موضع شك.

سادساً: الشيطان والملك ـ أنطولوجيا الإنسان المزدوج

تبلغ القصيدة ذروتها في الصورة:

«لَيْتَنِي أَشُقُّ بَطْنِي نِصْفَيْنِ،

لِأَكُونَ حَبْلَى بِشَيْطَانٍ وَمَلَكٍ»

إنها ليست صورة غرائبية لمجرد الإدهاش؛ إنها قلب القصيدة الفلسفي.

فالذات لا تقول: أريد أن أقتل الشيطان.

ولا تقول: أريد أن أكون ملاكاً.

بل تقول، في جوهر رؤيتها:

أريد أن أحمل الاثنين.

وهذا يعني أن الإنسان، في التصور الشعري للنص، ليس كائناً أحادي البنية، وإنما كائن مركب من النقيضين.

وهنا تتجاوز الشاعرة الثنائية الأخلاقية المبسطة لتصل إلى سؤال أنطولوجي:

هل يمكن للإنسان أن يكون إنساناً من دون ظله؟

إن محاولة حذف الجانب المظلم من الذات قد تكون في بعض الأحيان محاولة لحذف جزء من الحقيقة الإنسانية.

فالشيطان هنا يمكن أن يكون رمزاً للرغبة، والغضب، والتمرد، والخوف، والجموح، والجانب المكبوت؛ بينما الملك يمثل النقاء، والضمير، والرحمة، والتعالي، والبحث عن المعنى.

والذات تريد ولادة الاثنين.

وهذا يعني أن القصيدة لا تدعو إلى الشر، ولا تمجد النقيض، وإنما تقول شيئاً أكثر تعقيداً:

إن اكتمال الإنسان لا يتحقق بإنكار تناقضاته، بل بالوعي بها.

سابعاً: الهرم من الرمل ـ مأساة الخلود الهش

ثم تأتي المفارقة:

«فِي هَرَمٍ مِنْ رَمْلٍ»

وهنا يعود الهرم، لكن بعد أن فقد صلابته.

في البداية كان الهرم مشروع خلود؛ وفي النهاية يتحول إلى بناء رملي.

وهذا من أجمل مفاتيح القصيدة.

فالإنسان يريد أن يبني ما يبقى، لكنه يبني بمواد قابلة للفناء.

يكتب، كي يقاوم النسيان.

يحب، مع علمه بالفراق.

ينجب، وهو يعرف الموت.

يبني، وهو يعرف أن الزمن سيعيد تشكيل ما بناه.

إن مأساة الإنسان ليست في أنه يموت فحسب، بل في أنه يبني وهو يعرف أنه سيموت.

ومن هنا تصبح الكتابة نفسها فعلاً مضاداً للفناء.

والقصيدة، في هذه الحالة، ليست مجرد تعبير عن الموت؛ إنها مقاومة شعرية له.

ثامناً: الخوف بوصفه مادةً ـ حين يتحول المجرد إلى محسوس

تصل التجربة إلى:

«بَيْنَ حَصَوَاتِ خَوْفِي»

وهنا تعود الحصوات من جديد.

لكن الحصى الذي بدأ بوصفه مادة بناء يتحول الآن إلى مادة خوف.

وهذه الدائرة الداخلية شديدة الإحكام:

الحصى → البناء → الهرم → الخوف → الحصى.

كأن الإنسان قد يبني من مخاوفه ما يظنه خلاصاً، ثم يكتشف أن خلاصه نفسه يحمل آثار خوفه.

فالخوف ليس شعوراً عابراً في القصيدة، بل مادة تتشكل منها الذات.

وهذا يمنح النص بعداً نفسياً وفلسفياً معاً: الإنسان لا يعيش فقط بما يحب، بل أيضاً بما يخافه.

تاسعاً: البوح ـ اللغة حين تصبح هاوية

تقول القصيدة:

«ثُمَّ يُغْرِقُنِي البَوْحُ»

وهذه العبارة تختزل موقفاً شعرياً بالغ النضج.

فالكتابة ليست خلاصاً دائماً.

والبوح ليس تطهيراً مضموناً.

قد يكون الكلام أحياناً أشبه بفتح سدٍّ أمام مياه الذاكرة.

حين نتكلم، لا نخرج الجرح دائماً؛ قد نستدعيه.

وحين نكتب عن الموت، لا نبتعد عنه بالضرورة؛ قد نصير أكثر قرباً منه.

وحين نكشف أعماقنا، قد لا نتحرر من غموضها، بل نكتشف طبقات جديدة من المجهول.

ولهذا فإن البوح في القصيدة فعل مزدوج:

نجاة وغرق، كشف واختفاء، تطهير واستدعاء للجرح.

وهنا تتحول اللغة من وسيلة اتصال إلى كائن وجودي؛ فالقول نفسه يصبح تجربة، وليس مجرد وصف للتجربة.

عاشراً: «موعد جديد للموت» ـ الموت الذي يتكاثر

تختم القصيدة بكشف:

«مَوْعِدًا جَدِيدًا لِمَوْتِي»

ولعل كلمة «جديد» هي مفتاح الخاتمة.

فالموت ليس موعداً واحداً.

هناك موت الجسد، ولكن هناك أيضاً موت الأحلام، وموت اليقين، وموت العلاقات، وموت الأمكنة في الذاكرة، وموت النسخ القديمة من ذواتنا.

قد يموت الإنسان مرات كثيرة قبل موته الأخير.

ولهذا يصبح الموت في «بطن الأساطير» عملية وجودية مستمرة، لا مجرد نهاية بيولوجية.

والقصيدة، إذ تنتهي بالموت، لا تنتهي فعلياً؛ لأن سؤال الموت يعيد فتح سؤال الحياة.

حادي عشر: القصيدة بوصفها أنطولوجيا للإنسان

إذا أردنا اختزال البنية العميقة للنص في سؤال واحد، فلن يكون:

ما معنى الأسطورة؟

بل:

ما الذي يعنيه أن يكون الإنسان إنساناً؟

ومن هنا يمكن قراءة القصيدة باعتبارها أنطولوجيا شعرية صغيرة، ترسم الكائن الإنساني في حالاته المتناقضة:

إنسانٌ يبني وهو يعرف الفناء.

ويحب وهو يعرف الفقد.

ويبوح وهو يخشى الغرق.

ويطلب النور وهو يحمل الظلام.

ويبحث عن الخلاص وهو يعرف أن الخوف يسكنه.

ويصنع الهرم من الرمل، ثم يقف أمامه مبهوراً وهشاً.

وهذا تحديداً ما يمنح القصيدة قيمتها العابرة للزمن؛ لأنها لا ترهن نفسها لحدث واحد، ولا لمناسبة محددة، ولا لموقف سياسي عابر، بل تنزل إلى الطبقة التي لا تتغير كثيراً في الإنسان: خوفه، ورغبته، وذاكرته، وحاجته إلى المعنى، ورعبه من الفناء.

ثاني عشر: من الأسطورة الجمعية إلى الأسطورة الشخصية

الأسطورة في القصيدة ليست ماضياً جاهزاً، بل مادة أولية لصناعة أسطورة جديدة: أسطورة الذات.

وهنا يتحقق التحول الأكبر.

فالأساطير القديمة كانت تمنح الإنسان تفسيراً للعالم.

أما الشاعرة فتستخدم الأسطورة لكي تمنح الإنسان تفسيراً لنفسه.

وهذا انتقال من:

الميثولوجيا إلى السيكولوجيا،

ومن السيكولوجيا إلى الأنطولوجيا،

ومن الأنطولوجيا إلى الشعر.

فالشيطان والملك ليسا شخصيتين أسطوريتين وحسب؛ إنهما احتمالان داخل الإنسان.

والهرم ليس بناءً أثرياً؛ إنه صورة للذاكرة.

والحصى ليس حجارة؛ إنه فتات التجربة.

والماء ليس عنصراً طبيعياً؛ إنه فضاء للتحول.

والسماء ليست سقفاً كونياً؛ إنها أفق التطلع.

والنجم ليس جسماً سماوياً؛ إنه علامة على إمكان الخروج من العتمة.

والبطن ليس عضواً جسدياً؛ إنه المختبر الأول للكينونة.

ثالث عشر: اقتصاد اللغة وكثافة العلامة

من الناحية الفنية، تقوم القصيدة على اقتصاد لغوي واضح؛ فهي لا تحتاج إلى الإسهاب كي تنتج فضاءً تأويلياً واسعاً.

وهذا من سمات الشعر الذي يثق بالصورة.

فالمفردة في النص لا تؤدي وظيفة معجمية فقط، بل تحمل شبكة من الإيحاءات.

الحصى يحمل معنى الصلابة والتفتت معاً.

الهرم يجمع الخلود والهشاشة.

الماء يجمع الحياة والغرق.

السماء تجمع العلو والبعد.

النجم يجمع الظلام والهداية.

الشيطان يجمع الخوف والتمرد.

الملك يجمع النقاء والسلطة الروحية.

البطن يجمع الولادة والانقسام.

الرمل يجمع التراكم والانهيار.

البوح يجمع النجاة والغرق.

الموت يجمع النهاية والبداية.

وهكذا لا تعمل الرموز منفردة، بل داخل منظومة دلالية واحدة؛ وهذا ما يجعل القصيدة قابلة لإعادة القراءة من زوايا متعددة.

رابع عشر: لماذا يمكن أن تبقى «بطن الأساطير» وثيقة للأجيال؟

لأن الوثيقة الأدبية الحقيقية لا تحفظ الحدث فقط؛ إنها تحفظ طريقة الإنسان في الشعور تجاه الحدث.

وقد لا يعرف قارئ بعد خمسين أو مئة عام كل الظروف الدقيقة التي أحاطت بكتابة هذه القصيدة، لكنه حين يقرأها سيجد فيها إنساناً يسأل:

كيف أحمي نفسي من خوفي؟

كيف أحمل تناقضاتي؟

كيف أبني شيئاً يبقى؟

كيف أواجه الموت؟

كيف أقول ما لم أستطع قوله؟

كيف أكون خيراً من دون أن أنكر ظلي؟

هذه الأسئلة لن تنتهي بانتهاء زمن الشاعرة؛ لأنها أسئلة الإنسان نفسه.

ومن هنا فإن القيمة التاريخية للقصيدة لا تكمن فقط في أنها تنتمي إلى مرحلة شعرية معينة، وإنما في قدرتها على أن تصبح شهادة على الوعي الإنساني في عصرها.

إنها تسجل لحظة كان الإنسان فيها محاطاً بكثرة المعلومات، لكنه لا يزال يواجه الأسئلة القديمة ذاتها: الخوف، المصير، الحب، الشر، الخير، الموت، والبحث عن المعنى.

خامس عشر: هدى عزالدين ـ الشاعرة التي تستدعي الأسطورة لكي تنقض سلطتها

لا تستعير هدى عزالدين الأسطورة لتختبئ وراءها؛ بل تستخدمها لكي تكشف هشاشتها.

إنها لا تقول لنا: هذه هي الأسطورة.

بل تقول، على نحو مضمر:

هذه هي الأسطورة حين تمر عبر جسد إنسان معاصر.

وبذلك لا تعود الأسطورة سلطة فوق الإنسان، وإنما تصبح مادة طيعة في يد الوعي الشعري.

وهذه نقطة مهمة في تجربة الشاعرة؛ لأنها تكشف عن كتابة لا تتعامل مع التراث باعتباره متحفاً مغلقاً، وإنما باعتباره مادة قابلة لإعادة الخلق.

إنها لا تكرر الأسطورة، بل تُشخّصنها.

لا تستعيدها، بل تؤنسنها.

لا تعيد روايتها، بل تجعلها تعبر من الخارج إلى الداخل.

وهنا تكمن حداثة الاشتغال.

خاتمة: حين يصبح الشعر أثراً يقاوم النسيان

إن «بطن الأساطير» قصيدة صغيرة في حجمها، لكنها واسعة في مجالها الوجودي. تبدأ بحصى، وتنتهي بالموت، وبين البداية والنهاية تقطع الذات مسافةً هائلة من الأرض إلى الماء، ومن الماء إلى السماء، ومن السماء إلى الباطن، ومن الباطن إلى الخوف، ومن الخوف إلى البوح، ومن البوح إلى سؤال المصير.

إنها قصيدة لا تسأل فقط: ماذا نبني؟

بل تسأل:

ممَّ نبني؟

ونكتشف أن الإنسان لا يبني أهرامه من الحجارة وحدها؛ بل يبنيها من ذاكرته، وخوفه، وحبه، وفقده، وأخطائه، وأسئلته، وأحلامه، ومن الكائنات المتناقضة التي تسكن أعماقه.

ثم يقف أمام ذلك البناء ويسأل:

هل شيدتُ أثراً يقاوم الموت؟

أم صنعتُ قبراً جميلاً للخوف؟

وفي هذه المنطقة المعلقة بين الخلود والفناء، بين الملاك والشيطان، بين الهرم والرمل، بين البوح والغرق، تستمد القصيدة قوتها الحقيقية.

إن «بطن الأساطير» لا تقدم إجابة نهائية؛ وهذه إحدى فضائلها الكبرى. فالنص الشعري الكبير لا يغلق السؤال، وإنما يمنحه قدرةً جديدة على البقاء.

ولعل هذا هو ما يجعل القصيدة جديرة بأن تُحفظ في الذاكرة الأدبية لا بوصفها نصاً منجزاً في زمنه فحسب، بل بوصفها وثيقةً عن إنسان ظل، عبر الأزمنة، يحاول أن يفهم نفسه وهو يعرف أن نهايته تنتظره في آخر الطريق.

إن هدى عزالدين، في هذه القصيدة، لا تكتب الأسطورة من خارجها؛ إنها تدخل إلى بطنها، وتبحث هناك عن الإنسان الأول: ذلك الكائن المرتجف أمام المجهول، الحالم بالخلود، الحامل للنور والظلام، الذي يجمع حصواته واحدةً واحدة، ثم يبني منها هرماً، ويضع فوق قمته سؤالاً لا يموت:

ماذا يبقى من الإنسان حين يسقط كل شيء؟

ولأن السؤال أقدم من القصيدة وأبقى منها، فإن القصيدة تكتسب فرصتها في الخلود.

فالشعر الذي ينجح في أن يجعل من تجربة فردية ذاكرةً إنسانية مشتركة، لا يعود ملكاً لكاتبه وحده؛ بل يصبح جزءاً من الأرشيف الروحي للبشر.

وهكذا يمكن أن تبقى «بطن الأساطير» شاهداً للأجيال على أن الإنسان، مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة، سيظل يحمل في داخله ذلك الرحم القديم نفسه: رحم الأسطورة، ورحم الخوف، ورحم الحلم، ورحم السؤال؛ ومنه، كلما ضاقت به الحياة، يولد الشعر.

***

عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم