كانت الأم السومرية الفراتية، وهي تهدهد طفلها لينام، تغني بصوت عذب: (دللول يا الولد يا ابني دللول، عدوك عليل وساكن الجول)... و«الجول» هنا لفظٌ يُقصد به المكان البعيد الخارج عن حدود الأمان.
يمثل هذا النداء أول نص ثقافي وتلقين وجودي باكر يزرع غريزة اليقظة والمنعة في نفس الوليد، موازناً بين التحذير من الخطر وتحجيم هيبة الخصم بجعله عليلاً ومنبوذاً في ذلك القفر البعيد، لكي يحذره دون أن يهابه.
وإذا كانت الأم قد جعلت العدو في (الجول) ولم تنبه طفلها إلى إمكانية تسلله إلى الداخل، فذلك لأنها أرادت تأسيس مرجعية نقية للداخل تقوم على الطمأنينة والسلم النفسي أولاً، تجنباً لزرع الشك المرضي والرعب في مهد الطفولة، مؤكدةً أن الشر منبوذ بطبيعته، وأن مكانه الطبيعي هو الفراغ والعدم.
غير أن التراجيديا الوجودية الراهنة تكمن في خيانة الوعي والجهل بالعدو، الأمر الذي أدى إلى انعكاس الآية؛ إذ تحول ذلك الخطر القابع وراء الحدود إلى داء يتغلغل في عمق الدار، حين أُعلِن الانقياد الفكري لوصاية عابرة استغلت غياب البصيرة.
وبذلك تحول الجهل المعاصر إلى بنادق محلية طيعة بيد الغريب، مما يثبت أن الائتمان المطلق لغرباء (الجول) هو انتحار للهوية وغفلة كبرى.
إن تلك الهدهدة الفراتية لم تقصر في التحذير، بل إن غفلة الأبناء هي التي شرّعت الأبواب، ليتسلل القفر ويمسخ نقاء الدار وسيادتها.
***
د. نسرين ابراهيم الشمري








