عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حوارات عامة

احمد بن إبراهيم يحاور القاص التونسي سعيف علي الظريف

أرشيف اللايقين وثنائية المحو والذاكرة

التقى في هذا الحوار الناقد والقاص أحمد بن إبراهيم بالشاعر والقاص التونسي سعيف علي الظريف ضمن فعاليات الصالون الادبي الهادي نعمان بالمركب الثقافي في مدينة المنستير التونسية، في مكاشفة نقدية تغوص في تفاصيل مجموعته القصصية "أرشيف الرماد". لا يقف هذا الحوار عند حدود تفكيك النصوص. انه يمتد ليمثّل وثيقة فكرية حول فلسفة الهامش، وجدلية الجنون كمسؤولية أخلاقية ضد النسيان القسري. كما يضيء اللقاء تجربة الكاتب في ارتحاله الأجناسي من سطوة القصيدة وكثافتها (كما في دواوينه نصف بيمول من مقام الرست وتمطر الآن في يدي المتوج بجائزة الشعر في معرض تونس الدولي للكتاب 2025) إلى رحابة السرد، مستكشفاً ما يسميه "المقام الوسيط" وزمن اللايقين الجميل.

أحمد بن إبراهيم: مرحبا سعيف. قرأت مجموعتك "أرشيف الرماد". أسلتك عن سبب هذا العنوان المركب الذي يجمع بين النظام (أي الأرشيف) والرماد.

سعيف علي الظريف: ولد العنوان من رحم حريق حقيقي. دار الثقافة في مسقط رأسي احترقت أثناء الثورة، وكان وضعت هناك بعض قصاصاتي الأولى فاحترقت. شعرت بعدها بأن كل ما أكتبه معرض للنار، فقررت أن جعل من الرماد نفسه موضوعا للأرشيف. الرماد عادة يُكنس ويُرمى، لكنني أرى فيه وثيقة، فهو آخر ما تبقى من الجسد المحترق للنص. أرشيف الرماد محاولة لالتقاط ما لا يريد أن يتذكره أحد. إنه فعلا طائر الفينيق.

* أريد قبل مواصلة السؤال أن اشير الى المعنى الاسطوري لهذا الرماد. الست تضعنا في حضرة طائر الفينيق أو طائر العنقاء، اي الولادة من الرماد؟ لا اريد هنا أّن احول مسار الاسئلة لكن اردت ان أشير الى هذه الثيمة. اذا الأرشيف مؤسسة سلطوية تنتقي ما تحفظ. ألست تفعل الأمر نفسه باختيارك القصص التي تضمها المجموعة؟

- أرشيفي لا يدعي الحياد. هو أرشيف شخصي بل طفولي أحيانا، مثل الأطفال في القصة الأخيرة الذين يجمعون الرماد في علب عينات طبية فارغة ويخفونه في تلفاز معطل. هذا أرشيف سخيف من ناحية رسمية لكنه ثمين من ناحية إنسانية. أنا لا أكتب تاريخا، بل أكتب ذاكرة هامشية، ذاكرة من لا مكان لهم في السجلات الرسمية: جندي مجنون، خياط في رواية، أم مطلقة تشتري دميتين، أطفال يقطفون الخوخ المسموم.

* أسرتني شخصية الهادي ناقوز.  جندي نجا من خندق انهار على رفاقه لكنه يعود إلى قريته ليعيش في مربط الحيوانات ويضرب ناقوسا نحاسيا في الشوارع ويصرخ باسمه. لماذا جعلته بهذه الدرجة من الجنون؟

-  يريد العقلاء النسيان. المجتمع يريد الصفحة الجديدة والمصالحة وطي الماضي. أما المجانين مثل الهادي فيعرفون أن الموتى لا ينامون إذا لم يذكروا. الهادي يضرب الناقوس لأن صوته وحده القادر على إبقاء رفاقه الأحد عشر يتنفسون لحظة في صدره قبل أن يعودوا إلى التراب. الجنون هنا ليس مرضا. انه مسؤولية أخلاقية، رفض للنسيان القسري. وهذا هو دور الأديب أيضا، أن يكون مزعجا بعض الشيء، أن يذكر بما يراد طمسه.

* أنت تؤطر كلّ قصة كوثيقة من صندوق أرشيف برقم مرجعي. أهذه سخرية من اللّغة البيروقراطية أم محاولة لمنح الخيال شرعية التوثيق؟

- الأمران معا. أنا أعشق الأوراق الإدارية وأرقامها وطوابعها وهرطقاتها، لكنني أعرف أنّها غالبا ما تكون فارغة أو كاذبة، قررت أن أسرق لغتها لأغراض أخرى. عندما يقرأ القارئ الوثيقة رقم كذا، ينتبه وكأن شيئا مهما سيأتي. هذه خدعة سينمائية تشبه مستند حقيقي، لكنه في النهاية خيال. وأنا أعتقد أن الخيال هو أصدق وثيقة عندما تفشل الوثائق الحقيقية.

* قصة مانيفستو الخياط تجريبية بامتياز. خياط يدرك أنه يعيش داخل رواية ويقرر أن يتمرد على كاتبه فيحذف مشهدا دراميا ويفسد عليه النص. أهذا تمرد الشخصية على خالقها أم استعارة لعلاقتك أنت بنصوصك؟

 - هي لعبة لكنها ليست مجرد لعبة. أنا أؤمن بأن النص بمجرد أن يكتب تبدأ له حياة مستقلة، وشخصياتي تصبح أحيانا أكثر ذكاء مني. الخياط كان فكرة ثانوية ثم بدأ يكبر ويتكلم ويتشكى، فقال لي إنني أحشره في رواية مليئة بروائح الدجاج والمشاهد المبتذلة، فأجبته أن يفعل ما يشاء. هذا التمرد هو حلم كل مقهور بأن يقلب الطاولة على من يتحكم في سرده. في المجتمعات العربية، الكل تقريبا مقهور من السرد الكبير، خطاب السلطة وخطاب الدين الرسمي وخطاب التقاليد. الخياط الصغير يقول لهم إنه سيحذف مشهدهم الدرامي وسيكتب مكانه فراغا أبيض وسيقول إن حدثا آخر حدث لم يستطع الكاتب كتابته. هذا هو أرشيف المقاومة الصغرى.

* هناك قصص واقعية جدا مثل قاعدة فرنسية والزيتوني. الأولى تتحدث عن غازات سامة من مخلفات القاعدة الفرنسية القديمة تسمم أطفال مدينة صغيرة، والثانية عن مهاجر إفريقي يحاول العبور إلى أوروبا. لماذا اخترت هذين الموضوعين؟

 - لأنهما يمثلان استمرارا للاستعمار والعنف لكن بطريقة غير مباشرة. الاستعمار الفرنسي لم ينته سنة 1956، بقي في الأرض كغازات وفي القوانين وفي العلاقات الدولية. عبارة "الموضوع معقد" كما يقول المسؤولون في نهاية القصة هي عين الجريمة. أما الزيتوني فهو عن المهاجر الذي يأتي إلى تونس، وهي بدورها مهاجرة إلى أوروبا، ليحلم بحياة أفضل. الحلم يتحول إلى كابوس، يسرقه صديق وقوارب الموت، لكن الزيتوني يصل في النهاية وربما لم يصل لان في الامر مخاتلة. هذه القصة إهداء إلى روح لا تستسلم. أرشيف الرماد ليس كئيبا فقط، فيه أمل عنيد مثل الخوخة التي تبقى في الصندوق ثلاثين سنة أو الصغار الذين يجمعون الرماد رغم طفولية الفعل.

8 تعتمد لغتك جملاً قصيرة متقطعة أحيانا تتحول فجأة إلى فيض من الصور. أهذا التذبذب مقصود؟

- هذا مقصود. لأن الذاكرة ليست خطا مستقيما، الذاكرة تهتز وترتجف وتتسارع أحيانا وتبطئ أحيانا أخرى. جملتي القصيرة المتتالية تحاكي لهاث الحفظ، مثل من يلتقط رمادا يطير في الهواء، ثم فجأة تهدأ الجملة وتطول وتسبح، وهذه لحظة التأمل. الذاكرة تحتاج إلى التنفس، وأريد أن يشعر القارئ بأنه يلهث معي أحيانا ويغفو معي أحيانا أخرى.

* تحمل المجموعة رائحة الموت والفقد والغازات والرصاص والطلاق، لكن في نهاية قصة أرشيف الرماد يتحول الرماد إلى هواء تتنفسه المدينة الجديدة. أهذا يعني أن الأرشيف الحقيقي هو أن نستنشق الماضي دون أن نختنق به؟

ـ هذا خلاصة ما أريد قوله. لا أريد لرمادي أن يدفن في صندوق مغلق، أريده أن يطير ويدخل في رئات الناس ويصبح جزءا من دمائهم. الذاكرة الحية ليست تابوتا هي تنفس. الاأطفال في القصة لم يبنوا نصبا تذكاريا للثورة لكن  جمعوا رمادا في علب صغيرة ثم صبوه تحت جذور شجرة حتى لا يسرقها الكبار.كبرت الشجرة وأصبح الناس يتنفسون هواءها. أرشيف الرماد كتاب عن التحول، فالرماد ليس نهاية. هو بداية شكل آخر من الوجود، كالقصص التي تحترق ثم تعود رمادا ثم تنمو كأشجار.

*عرفتك شاعرا قبل أن تكون قاصا. ديوانك نصف بيمول من مقام الرست وتمطر الآن في يدي يحملان حساسية شعرية عالية، زد اليهما باب الذي لا يرى المتوج  بجائزة معرض الكتاب الدولي بتونس 2025، لكنّك في هذه المجموعة تقتحم عالم القص بجسد مختلف. كيف ترى العلاقة بين زمن الشاعر وزمن القاص في تجربتك؟ أيمكن اعتبار هذا الكتاب مغامرة سردية بمعنى التحول من لغة إلى أخرى أم هو امتداد طبيعي؟

- في زمن الشاعر تعرف وادرك أن القصيدة تكفي، لأنّ القصيدة تقول الكثير بالقليل وتضرب في العمق بسرعة. لكنني  اعرف أن بعض الجروح تحتاج إلى مساحة وتمدّد وأنفاس أطول. الرماد لا يمكن حشره في بيت شعري واحد، فالرماد يحتاج إلى قصة وإلى شخصيات تلمسه وإلى أمكنة تحترق ثم تروى. أقول عدت الى ما كنت قد بدأته أي الى السرد فانا سارد قديم سيد احمد وأول تتويج صغير كان في قصة احترقت تحصلت عليها في ملتقى محمد البشروش ولا اريد ان ازيد.

* اذا هو تحول؟

ـ لست ممن يؤمنون بأن الكاتب يولد مرة واحدة. أعتقد أننا نولد كلما غيرنا جنسا كتابيا. انتقالي من الشعر إلى القص كان نوعا من الغربة الطوعية. في الشعر، اللغة سيدة، أما في القص فاللغة خادمة للشخصيات والحكاية. كان عليّ أن أتعلم التواضع، أن أترك للحكيم وهو الخياط أن يتكلم بوقاحة، وأن أترك للحمار أن يرفس الجدار، وأن أترك للخوخة المجففة أن تكون بطلة. هذا لم يكن سهلا لمن تعود على سلطان القصيدة.

* لكن القصص تحمل طابعا شعريا واضحا، تكثيفا وإيقاعا وصورا غريبة. أليس هذا هو زمن الشاعر يتسلل إلى زمن القاص؟

ـ هو كذلك ولا أراه عيبا لكنه ورد بقدر محسوب ومنضبط. كل قاص جيد يحمل شاعرا بداخله، وكل شاعر جيد يحمل قاصا بداخله. لا أريد أن أقتل الشاعر في داخلي. أريد أن يتحول إلى رئتي الثالثة في عالم السرد لكنني مارست عليه قمعا وجعلت جملي قصيرة حتى اتخلص من سطوته وقبلت منه ما خدم النص ورميت الكثير لذلك بامكاني القول أنني تخلصت منه في هذه المجموعة وما بقي هو العالم الشاعري أو الشعرية وهذا امر يخص جميع الكتاب. هناك جملة في الهادي ناقوز تقول إنه رأى النجمة التي سقطت في ليلة الانهيار ولم يرها أحد سواه، وهذه الجملة قصيدة في حد ذاتها لكنها تخدم القصة لأنها تمنح الهادي خصوصية نبوءة واستبصار تبرر جنونه. يمنح زمن الشاعر زمن القاص كثافة الحلم، وزمن القاص يمنح زمن الشاعر جسدا يمشي على الأرض.

* أفضل تسمية هذا مغامرة سردية بدلا من تحول، لأن التحول يوحي بترك شيء بينما المغامرة توحي بإضافة شيء.

ـ نعم، مغامرة سردية. عندما بدأت الكتابة القصصية كنت أخاف من كيفية ملء كل هذه الصفحات بالحكايات، لكن المغامرة كانت مدهشة، فكلما تقدمت كانت الحكايات تأتيني من حيث لا أدري، وكأنّ الرماد نفسه كان يروي نفسه، وكأن شخصياتي كانت تنتظرني خلف كل صندوق أرشيف وهمي.

* هل هذه المجموعة وثيقة تحولك من شاعر إلى قاص أم هي مقام وسيط؟

ـ ساجيبك ما دمت تصر على هذا الارتحال. هي المقام الوسيط وربما هو أصدق مقام لي.. أنا كاتب رماد، أكتب عند حافة الاحتراق وأجمع ما تبقى. زمني ليس زمن الشعر ولا زمن القص، بل زمن اللايقين الجميل الذي يسمح للغتين بالتداخل دون أن تذوب إحداهما في الأخرى.

* إذا، أرشيف الرماد هو أرشيف هذا اللايقين.

ـ هو أرشيف مقامه في ألا أكون واحدا، ودعوة مبطنة للقراء أن يغامروا هم أيضا، أن يقرؤوا ببطء وأن يسمحوا للجملة القصصية أن تشبه قصيدة وللصورة الشّعرية أن تروي حكاية.

* سعيف، طفنا طويلا حول هذه الصناديق. رسمت لنا خارطة لبلاد تتنفس من ثقب إبرة الخياط، وتائهين يطوفون بنواقيس جرحى. لكن دعني أواجهك بالمنطقة التي تتحاشى الغوص فيها علنا: ألا ترى أنك في أرشيف الرماد لم تكن مجرد موثق لآلام هؤلاء. كنت جلادا سرديا آخر؟ لقد حشرت الخياط في طابق سابع لرواية، وتركت الهادي ناقوز يعفن في زريبة، وسقت محمد الصغير إلى الرازي باسم الفرح. لماذا هذا الإصرار على سلب أبطالك التذكرة المؤكدة للنجاة؟ هل تصفية الحسابات هنا هي مع الواقع التونسي، أم مع الكتابة نفسها؟

- سيد أحمد، أنت تقرأ الأرشيف كقاضي تحقيق، بينما أنا مجرد حارس للمقبرة التي نسيها الجميع. النجاة في واقعنا المعاصر أصبحت تهمة، أو على الأقل شبهة. عندما وضعت الخياط في عمارة يائسة تعاني من ديستوبيا خانقة، لم أكن أمارس عليه سادية أدبية، بل كنت أعيد صياغة روتيننا اليومي. الخياط يمثلنا جميعا حين نكتشف فجأة أننا نتحرك وفق نص مكتوب سلفا في كواليس السياسة، أو الاقتصاد، أو حتى الخيبات الاجتماعية المتوارثة. تمرد الخياط علي واختراقه لحاسوبي لم يكن هزيمة لي ككاتب، بل كان أقصى أمنياتي. أنا لا أسلبهم النجاة، أنا أمنحهم فرصة الرفض الهستيري حين تصبح الحلول العقلانية ضربا من العبث.

- لكنك في قصة السيد محا، جعلت من شخص يحمل اسما يشبه اسمك مع فارق الفاء سعيد علي هو الأداة التي فضحت الخصوصية واغتالت الرجل رقميا على الواتساب. أليست هذه إدانة مبطنة ليدك التي تكتب؟ أنت لا تحرس المقبرة يا سعيف، أنت تشعل الرماد الذي يختنق به هؤلاء. خذ عندك ثنائية عثمان وأحمد سالم، بدلا من أن ينتشل العاقل المجنون، جعلت العقل ينهار ويتماهى مع هذيان حرق القرية. هل وصلت النخبة أو الوعي التونسي إلى هذا الحد من الإفلاس الذي يرى في الرماد والحرائق المخرج الوحيد؟

ـ سيد أحمد، عندما يتساوى الصحو مع الهذيان، يصبح الجنون هو الفعل الأخلاقي الوحيد المتبقي. أحمد سالم لم ينقد وراء عثمان عبثا، لقد اكتشف أن القرية التي تعيش على كذبة مقاطعة الخوخ لثلاثين عاما لأن أحدهم مات مسموما بمبيد رشه أبوه، كما في قصة عبد العظيم، هي قرية قائمة على الزيف. نعم، سميت العابث بخصوصية السيد محا باسم يشبه اسمي، لأن الكاتب ليس نبيا مبرأ. نحن جميعا متواطئون. نقتات على حكايات الضحايا، نلتقط صورا لندوب المهاجر الغابوني الزيتوني ونحللها في الصالونات الثقافية بينما هو ينتظر قارب الموت. أرشيف الرماد ليس لجلد الشخصيات، بل لجلد هذه الرفاهية المزعومة التي نجلس فيها أنا وأنت الآن، نناقش جماليات الألم بينما ناقوس الهادي يرن في الخارج ولا يترك أحدا ينام.

* إذا كان هذا الأرشيف هو صرخة جلد لضمائرنا جميعا، ما الذي تنتظره من القارئ الذي سيفتح هذه الصناديق؟ هل تريد منه أن يتواطأ كمراقب القطار ويمرر الخديعة صامتا؟ أم تريده أن يفعل مثل ذلك المشاهد الذي اخترق الشاشة ليموت مع أمل في شوارع المطاردة؟

 - أريد منه أن يتوقف عن كونه قارئا باردا يقلب الصفحات. أريده أن يتسخ برماده. أن يضيق صدره فجأة في غرفته المريحة، وأن يشك في كل استعارة جميلة كتبتها. أريده أن يغضب على الهادي لأنه أيقظ موتاه، ثم يغضب على نفسه لأنه ظل نائما كل هذه السنوات. أريد منه أن يفتح الصندوق الخشبي لعم علي، لا ليبكي فقط، بل ليسأل: هل لي يد في هذا السم؟ أريد القارئ الذي يغادر الكتاب ويذهب إلى النافذة، يرى شارعا عاديا، فيتذكر أن كل شجرة نمت على رماد، وأن كل هواء يتنفسه يحمل ذرات حريق قديم. هذا القارئ سيكون قد تحول إلى جزء من الأرشيف، ليس لأنني أمسكته، بل لأنه قرر أخيرا أن يختنق قليلا ليعرف كيف يتنفس حقا.

*  اعترف أنّ  نصوصًا أخرى مثل "وشم" و"جرح في اللوحة" و"السجين" تبدو أقل حضورًا في النقاش لاسباب تخص المقام ربما او توارد الأفكار، مع أنها تضيف طبقات أخرى إلى عالم أرشيف الرماد. هل كنت ترى المجموعة مجموعة قصص متجاورة، أم مشروعا سرديا واحدا تتكامل فيه جميع النصوص

-  لم أفكر في القصص باعتبارها وحدات مستقلة فقط.  اعتبرتها وثائق داخل الأرشيف نفسه. صحيح أن بعض النصوص مثل الهادي ناقوز أو مانيفستو الخياط تستوقف القارئ  بسبب غرابة بنائها أو صخبها، لكنني لا أرى أن هناك قصة مركزية وأخرى هامشية. فـ"وشم" مثلا تشتغل على الذاكرة التي تنتقل عبر العلامة، و"جرح في اللوحة على التلصص والجرح الداخلي، و"السجين"على معنى الحرية داخل القيود، وكلها تتجاور لتشكّل رؤية واحدة. أفضل أن تُقرأ أرشيف الرماد ككتاب واحد متعدد الوجوه، وكمجموعة يمكن فصل قصصها عن بعضها؛. قد يبدو هذا تناقضا لكن ما لا تقوله قصة، تكمله قصة أخرى وقد لا تكمله.نعم هذا مقصدي..

 * شكرا سعيف.

***

حاوره: احمد بن إبراهيم

 

في المثقف اليوم