عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

غريب دوحي: شعراء السجون

اخترت ثلاثة شعراء ممن ازرى بهم الدهر فكانوا نزلاء سجون، أو أسرى في معسكرات الأعداء. وهؤلاء الشعراء من فترات تاريخية متباعدة وبيئات مختلفة، ولكن القاسم المشترك بينهم هو السجن وما كانوا يعانونه داخل هذه السجون المظلمة، وهم: الشاعر ابو فراس الحمداني وناظم حكمت، ومحمد سعيد الصكار. ولم يكن هؤلاء الشعراء وحدهم الذين عانوا من مرارة السجون، بل كان هناك العديد، على سبيل المثال: الحطيئة في سجن المدينة، والفرزدق في سجن البصرة، وأبو نواس في سجن بغداد، والمتنبي في سجن حمص، وأبو العتاهية في سجن بغداد و احمد صافي النجفي في سجن بيروت وغيرهم.

لقد تميزت قصائدهم بالقوة وكانت وصفاً رائعاً لحياة السجناء في مختلف العصور، رغم أن الشاعر هنا لم يكن طليقاً بل كان سجيناً وأسيراً يستعطف الآخرين.

* أبو فراس الحمداني في سجن القسطنطينية

شاعر عباسي عاش في ظل الدولة الحمدانية التي كان يتزعمها ابن عمه سيف الدولة في الشام. وقع أسيراً أثناء معركة مع الروم البيزنطيين، وقد امتد أسره لسبع سنوات وكثرت رسائله لسيف الدولة يطلب فيها مفاداته، ولكن ما من مستجيب، ثم افتداه سيف الدولة وأطلق سراحه.

قال قصائد يصف فيها حالته في الأسر:

جِرَاحٌ وَأَسْرٌ وَاشْتِيَاقٌ وَغُرْبَةٌ

أُحَمَّلُ أَنِّي بَعْدَهُ لَحَمُولُ

وَأَسْرً اقَاسِيه وَلَيْلٌ نُجُومُهُ

أَرَى كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَهُنَّ يَزُولُ

تَنَاسَانِيَ الأَصْحَابُ إِلا عِصَابَةً

سَتَلْحَقُ بِالأُخْرَى غَدًا وَتَحُولُ

وقال أيضاً:

أَقُولُ وَقَدْ نَاحَتْ بِقُرْبِي حَمَامَةٌ

أَيَا جَارَتَا هَلْ تَشْعُرِينَ بِحَالِي؟

أَيَضْحَكُ مَأْسُورٌ وَتَبْكِي طَلِيقَةٌ

وَيَسْكُتُ مَحْزُونٌ وَيَنْدُبُ سَالِي؟

لَقَدْ كُنْتُ أَوْلَى مِنْكِ بِالدَّمْعِ مُقْلَةً

وَلَكِنَّ دَمْعِي فِي الْحَوَادِثِ غَالِ.

ولقد عدت من روائع الشعر العربي.

* ناظم حكمت في أحد سجون تركيا

يعد الشاعر ناظم حكمت من أبرز شعراء تركيا في العصر الحديث. تأثر منذ شبابه بالأفكار اليسارية وعارض دكتاتورية الرئيس التركي كمال أتاتورك، ولأسباب سياسية زُج في السجن لفترة طويلة امتدت أكثر من (12) سنة، وعندما خرج من السجن هاجر إلى موسكو وظل فيها حتى وفاته عام 1963م.

تعتبر قصيدته (ذبحة صدرية) التي كتبها في سجنه عام 1948م من أبرز قصائده، وفيها يصف حالته الصحية فيقول:

إذا كان نصف قلبي هنا أيها الطبيب

فنصفه الآخر هناك في الصين

مع الجيش الزاحف نحو النهر الأصفر

وكل صباح عند شروق الشمس يعدمون قلبي في اليونان

وفي كل ليلة أيها الطبيب

عندما ينام السجناء ويغادر الكل المستشفى

يطير قلبي ليحط على منزل مهدوم في إسطنبول

في الليل أحدق عبر القضبان

ورغم الثقل الذي يطبق على صدري

ما زال ينبض مع النجوم البعيدة.. البعيدة

* محمد سعيد الصكار في سجن البصرة

شاعر عراقي من مواليد مدينة ديالى، هاجر إلى البصرة بين عامي 1947 - 1957 وتزوج فيها، وتبلورت أفكاره السياسية والأدبية فيها. تتميز قصائده بالسلاسة والعذوبة، تعرض في البصرة إلى السجن والاعتقال بسبب نشاطه السياسي، غادر العراق إلى فرنسا عام 1978 واستقر فيها حتى وفاته عام 2014م.

كتب قصيدته الرائعة (القمر) وهو في سجنه بالبصرة يصف فيها حالته وحالة السجناء الذين معه، وهذا نص القصيدة:

(القمر)

كان ليلاً مغمض الأَنجُمِ.. مَسلوبَ القَمَر

بارداً كَالمَوتِ وَالبَصرَةُ يَقظَى لا تَنَام

إنَّهَا لا تَعرِفُ النَّومَ إِذَا غَابَ القَمَر

إنَّهَا تَرشُقُ بِالمَوتِ عِصَابَاتِ التتر

إن تَصَدَّت لِلقَمَر

كَانَ لَيلاً بَارِداً كَالمَوتِ وَالبَصرَةُ يَقظَى

ومع اللَّيلِ احتَوَتنَا.. غُرفَةٌ سَودَاءُ عَفِنَة

كَرِوَاقِ المَجزَرَة

... رطبه خَانِقَةٌ كالمبخره

يَا صَدِيقِي وَمَعَ اللَّيلِ نسجنا لِلقَمَر.. أُغنِيَة

لَيلُنَا كَانَ غِنَاءً وَسَجَايِر

وَبُطُولَاتٍ وَأَحلَامَ مُغَامِر

وَسَمِعنَا فِي سُكُونِ اللَّيلِ أَعقَابَ البَنَادِق

نتهاوى كالمطر -تسحق العزة أَعقَابَ البَنَادِق

والينا من زَوَايَا غُرفَةِ التَّعذِيبِ كَانَت تَتَسرَّب

كَأَنِينِ الوَردِ أَصوَاتٌ جَرِيحَة

إِنَّهُم أحبابنا، إِنَّهُم، إِخوَانُنا

يَا صَدِيقِي قَبلَ أَن يَنبَلِجَ الصُّبحُ سَيَأْتِي دَورُنَا

هَا هُمَا عَامَانِ مَرَّا يَا صَدِيقِي

أَنَا لَم أُبصِركَ يَومًا فِي طَرِيقِي

مُنذُ أَن كُنَّا نُغَنِّي لِلقَمَر

مُنذُ أَن فَرَّقَنَا الخَفَّاشُ تِلكَ الأُمسِيَة

حَيثُ أَغرِتكَ عِصَابَاتُ التتر

وَأَنَا غيبني السِّجنُ وَفِي صَدرِي قَمَر.

وختاماً، المجد لقصيدة نبتت في ظل زنزانة ثم نمت إلى شجرة وافرة الاثمار وارثة الظلال.

***

غريب دوحي

في المثقف اليوم