أقلام ثقافية
رافد القاضي: قريةُ فَرَج حيثُ يبدأُ الحرفُ من الطين وينتهي في اتساع السماء
هناك بقعةٌ صغيرة على خارطة الوطن لكنها واسعةٌ في القلب والذاكرة… قريةٌ تحمل اسماً لا يشبه إلا أصالته قرية فرج القرية التي سُمّيت باسم جدّي، فكانت امتداداً لروحه وامتداداً لجذور عائلتي ومسرحاً لأول دهشات الطفولة التي علّمتني أن للتراب لغةً، وللمكان ذاكرةً لا تموت.
كبرتُ في تلك الأرض التي تبدأ بالحكاية ولا تنتهي أرضٌ تشبه جدّي في وقارها وتشبه أمي في حنانها، وتشبه العراق في جراحه وصبره. في قرية فرج تعلّمتُ أن الطين انتماء، ليس لأنه مادة تُبنى بها الجدران، بل لأنه يبدأ ببناء الإنسان نفسه فالذي يطأ الطين بقدميه يعرف أن الأرض ليست شيئاً نعيش فوقه فقط، بل شيئاً يعيش فينا.
هناك بين نخلةٍ تطاول الغيم وعرق فلاحٍ يقطّر عمراً فهمتُ أن النخيل شموخ؛ وأن الانحناء ليس من قاموس هذه الأرض. كانت النخلة تخاطبني بصمتها الطويل تقول لي : “قف، فالشموخ يبدأ من الجذور”.
في الليالي حين يتسلل البرد إلى جسد القرية، كانت رائحة البرتقال تشتعل دفئاً في البيوت، كأنها نارٌ بلا لهب. من بساتينها تعلمت أن البرتقال انتماء آخر، طعمه يشبه طفولتي، لونه يشبه حلمي، ورائحته تشبه يد أمي حين تعصر لنا الفرح في كفوف صغيرة لا تعرف غير البراءة.
ومن مواسم القمح، من سنابله التي يهزّها الهواء في الحقول الممتدة، عرفتُ معنى الحنطة.. خبز الفقراء. عرفتُ أن البساطة ليست فقراً، وأن الكفاف ليس عجزاً وأن الخبز الذي يخرج من فم التنور أكثر صدقاً من كل خطابات الدنيا وكان الفلاحون يعلمونني أن قيمة الإنسان ليست بما يملك، بل بما يعطي.
وفي هذه القرية التي تجمع بين الماء والطين والنخيل والقمح، تعلّمتُ نطق الحروف… هناك كان أول حبرٍ يلامس أصابعي، وأول كلمة تخرج من صدري، وأول دهشة تجعلني أفهم أن الحرف ليس مجرد صوت، بل حياة تتنفس عبر الورق ومن قرية فرج تعلمتُ كيف أكتب الشعر، كيف أفتح للمعنى نافذة، وللوجع باباً وللفرح ممراً صغيراً يمشي عليه نحو القلب.
تعلّمتُ فيها الرسم، حين كنت أراقب خطوط الطبيعة وهي تشكّل السماء، والحقول والوجوه المتعبة التي تحمل في تجاعيدها قصصاً أطول من كل الروايات وتعلمتُ النحت حين فهمت أن الطين ليس مادة تُشكَّل، بل روح تصرخ وتتشكل بين اليدين.
وتنقلتُ بين فروع الأدب كأنني أتنقل بين بساتين القرية… الشعر، النثر، النقد البحث… كلها كانت طرقاً تعبّدها أمامي تلك الأرض الصغيرة التي أحبّتني قبل أن أعرف كيف أحبها شيئاً فشيئاً صرتُ باحثاً ذا شأن أقرأ وأكتب وأفسّر، حتى أصبحتُ—بفضل الله وبفضل تلك القرية—أقترب من عتبة الموسوعية، وكأن كل تجربةٍ مررتُ بها كانت تُعدّني لتكون المعرفة وطناً آخر لي.
قرية فرج ليست مجرد مكان ولادة… إنها مدرسة حياة. علّمتني أن الإنسان لا يكبر حين يبتعد عن جذوره، بل حين يعود إليها، ويعرف أنها كانت أول معلم، وأصدق مرشد، وأوفى ذاكرة.
وهكذا… كلما تقدمتُ في العمر، وكلما ازددتُ علماً وتجربة أدركت أن كل ما فيّ من صلابة وشموخ وشغف ومعرفة… هو هدية من تلك القرية التي حملت اسم جدّي وحملتني معها إلى هذا الطريق الطويل.
قرية فرج…
ستظل جزءاً من كتابي، من قصائدي، من أبحاثي، ومن كل حرف أخطه… لأنها ببساطة:
أول وطنٍ يحبّك قبل أن تعرف أنت معنى الحب.
***
د. رافد حميد فرج القاضي







