قرأت ما كتبه الدكتور سعيد إسماعيل علي عن تجربتيه مع عملاقين من عمالقة الفكر العربى، الدكتور عبد الرحمن بدوى والدكتور جمال حمدان، فوقفت طويلاً أمام هذه الشهادة الصادقة التى تكشف وجهًا آخر من وجوه عظمائنا. وجهًا لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، لأننا ببساطة نفضل أن نعيش فى أسطورة العبقرى الإنسانى النبيل الذى يجمع بين نبوغ العقل وسمو الأخلاق. لكن الحقيقة المرة التى تكشفها هذه الشهادات أن العبقرية فى عالمنا العربى كثيرًا ما تكون عبئًا على صاحبها قبل أن تكون إضافة للفكر، وأنها كثيرًا ما تنمو فى تربة الوحدة والانعزال، حتى تصير نوعًا من الوحدة المرضية التى تحول صاحبها إلى جزيرة معزولة عن بحر الإنسانية.
إننى لا أكتب هذه السطور لأجلد الدكتور بدوى أو الدكتور حمدان، رحمهما الله، فهما بحق من أعلام الفكر العربى الذين لا يمكن تجاهل إسهاماتهم. لكننى أكتب لأطرح سؤالاً أظنه مشروعًا وهو ما الثمن الذى يدفعه المجتمع العربى نظير هذه العبقريات المعزولة؟ وما الثمن الذى يدفعه العبقرى نفسه حين يصبح سجين عبقريته؟!
لنبدأ من الدكتور عبد الرحمن بدوى، الفيلسوف الذى جمع من العلم ما يعجز عنه عشرات الأساتذة مجتمعين. المفكر الذى ترجم وألف وحقق ما يفوق قدرة أى مؤسسة علمية كاملة. حين تقرأ قصته مع الدكتور سعيد إسماعيل علي، تجد أن بدوى لم يتعامل مع زائر له ببرود فحسب، بل بتعالي واستعلاء يصل إلى حد الازدراء. لم ينظر إليه، لم يرحب به، لم يدعه للجلوس. سلوك لا يمكن تبريره بأى منطق علمى أو فلسفى. فيلسوف الوجودية العربية الكبير، الذى كتب عن الحرية والاغتراب، كان هو نفسه ممارسًا للاغتراب بأسوأ صوره؛ اغتراب لا ينتج فكرًا، بل ينتج جفاء إنسانيًا لا مبرر له.
والسؤال هنا هو هل كانت عبقرية عبد الرحمن بدوى سببًا فى هذا السلوك أم أن هذا السلوك كان ثمنًا للعبقرية؟ إننى أميل إلى أن بدوى كان ضحية لمفهوم خاطئ عن العبقرية، مفهوم يظن أن العبقرى يجب أن يبتعد عن الناس لأنهم لا يفهمونه، وأن من واجبه أن يحافظ على (قداسته) ببناء الأسوار بينه وبين الآخرين. وهذه معضلة أرى أنها عربية بامتياز، ففى ثقافتنا نميل إلى تقديس العظماء حتى نعزلهم عن الحياة، ثم نلومهم عندما يتحولون إلى طغاة معرفيين يحتقرون من عداهم.
أما الدكتور جمال حمدان، فرغم أن قصته تبدو مختلفة، إذ كان رقيقًا مهذبًا، فإن منطق رفضه للهدية يكشف عن أزمة أعمق. إنسان يرفض علاقة إنسانية كاملة، حتى لو كانت مجرد تبادل إهداءات كتب، لأنه ببساطة "لا يريد علاقة مع أحد". هذا ليس سلوكًا عاديًا لعالم معتزل، بل هو إعلان حرب غير مباشرة على فكرة التواصل الإنسانى نفسها. والدكتور حمدان، مؤلف (شخصية مصر)، الذى حلل الشخصية المصرية بعمق غير مسبوق، عجز عن فهم شخصيته هو، أو ربما فهمها أكثر مما ينبغى فاختار الهروب من البشر تمامًا.
ما يجمع بين القصتين أن كلاً من العبقريين انتهى إلى نوع من الانفصال عن الواقع الإنسانى، بينما كانا يكتبان عن الإنسان ووجوده وشخصيته. وهذه مفارقة يمكن أن نسميها (مفارقة العبقرية العربية)؛ أن يكتب مفكرونا عن الإنسان من برج عاجى عالي لا يرون فيه الإنسان ذاته. كتب بدوى عن الوجودية، لكنه لم يستطع أن يمارس أبسط قواعد الوجود المشترك مع الآخرين. وكتب حمدان عن شخصية مصر، لكنه لم يستطع أن يتعامل مع شخصية واحدة من أبناء مصر.
إننى أتذكر هنا كلمات الفيلسوف الألمانى نيتشه عن "الإنسان الأعلى"، ذلك الكائن الذى يسمو عن البشر لكنه يدفع ثمن سموه هذا وحدته القاتلة. ولعل بدوى وحمدان كانا نسختين عربيتين من هذه الفكرة؛ عباقرة حقيقيون، لكنهم عباقرة سجناء وحدتهم، لا يجدون فيها راحة ولا يتصالحون معها.
والمشكلة الأكبر أن المجتمع العربى يقدس هذا النموذج ويروج له. نحن نحب العبقرى المعتزل الغامض، نصنع منه أسطورة، ونروى حكايات غرائبه بفخر، دون أن نسأل أنفسنا هل هذه العبقرية المعزولة تخدم المجتمع حقًا؟ كم من طالب أراد أن يتعلم من بدوى فصد ببرود؟ وكم من باحث شاب أراد أن يسترشد بحمدان فوجده هاربًا من البشر؟ إن العبقرية التى لا تتواصل مع مجتمعها تتحول إلى متحف مغلق، نعجب به من الخارج لكننا لا نستفيد منه.
لست أدعو هنا إلى مصادرة خصوصية العباقرة أو إلزامهم بالاختلاط بالناس رغمًا عنهم. فمن حق أى إنسان أن يعتزل إذا شاء، ومن حقه أن يحافظ على وقته وجهده. لكن ما لاحظته فى هاتين القصتين ليس مجرد اعتزال محترم للوقت والجهد، بل هو سلوك غير إنسانى يجرح مشاعر الآخرين وينتهك أبسط أصول اللياقة. والفرق بين الأمرين واسع
وإنى لعلى يقين بأن الدكتور عبد الرحمن بدوى حين مد يده المتراخية دون أن ينظر إلى زائره، لم يكن يفكر فى أن هذا الزائر سيحفظ هذه اللحظة لعقود من الزمن، وسيرويها كشهادة على أن العبقرية قد تكون وحشًا جميل المظهر مخيف المخبر. كما أن الدكتور جمال حمدان حين رفض الهدية بمنطقه العجيب، لم يدرك أنه كان يكتب فصلًا جديدًا فى قصة العزلة العربية التى تبدأ بالانفصال عن البشر وتنتهى بالانفصال عن الذات!.
وفى النهاية، أقولها بصراحة إننا كمجتمع عربى بحاجة إلى إعادة تعريف العبقرية نفسها. العبقرية ليست فقط قدرة استثنائية على التفكير والإبداع، بل هى أيضًا قدرة على التواصل الإنسانى، وعلى تحويل الأفكار إلى قيم حياتية، وعلى التعامل مع الآخرين باحترام مهما بلغ شأن صاحبها. والعبقرى هو من يستطيع أن ينزل من برجه العاجى دون أن يفقد قدرته على الارتفاع الفكرى.
أما أولئك الذين يظنون أن العبقرية رخصة لاحتقار الآخرين أو الهروب منهم، فهم بحاجة إلى أن يقرأوا التاريخ جيدًا ليعرفوا أن أعظم العقول البشرية كانت أيضًا أعظم القلوب إنسانية. آينشتاين الذى غير فهمنا للكون كان يرد على رسائل الأطفال ويجيب على أسئلة طلبة المدارس بكل صبر. وطه حسين الذى خاض معارك فكرية ضخمة لم يغلق بابه يومًا أمام طالب يطلب العلم.
رحم الله بدوى وحمدان، وغفر لهما ما كان من جفاء. وسامح الله أولئك الذين صنعوا من هذا الجفاء أسطورة، وجعلوا من العبقرية سجنًا، ومن الوحدة قيدًا. إننا بحاجة إلى عباقرة يحبون البشر، لا إلى عباقرة يحتقرونهم أو يهربون منهم. فالفكرة التى لا تلامس الإنسان ليست فكرة عظيمة، والعبقرية التى لا تخدم البشرية ليست عبقرية تستحق الاحتفاء.
***
عبد السلام فاروق








