عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

بين الآلية الصماء في الأداء وغياب العاطفة الجياشة

بات الذكاء الإصطناعي اليوم، قادرا على أداء مهام معقدة، تتطلب ذكاء بشريا لادائها، ولكنه مع ذلك، ظل يفتقر في ادائه، رغم سرعته، ودقته، إلى العاطفة الجياشة، والحس المرهف، الذي تتسم بهما الأعمال المناظرة، التي يقوم بادائها الإنسان.

فمن المعلوم أن الذكاء الإصطناعي يعتمد في ادائه الٱلي، على التغذية بالخوارزميات، والبيانات، في انظمته الحاسوبية، مما يجعله يفتقر في أداء مهامه، الى الشعور بالعواطف، والحس المرهف، كما هو الحال عند الإنسان.

ومع أن هذا الغياب للعاطفة، يمكن أن يكون ميزة للذكاء الإصطناعي، في بعض المجالات، مثل اتخاذ القرارات الصعبة، التي تتطلب التعامل مع البيانات الكبيرة، او القرارات الحدية، التي تتطلب موضوعية عالية، إلا أنها مع ذلك، تظل نقصا معيبا، في المجالات التي تتطلب فهما عاطفيا، وحسا وجدانيا، ومشاعر جياشة، مثل العلاقات الإنسانية، أو الإبداع الأدبي، والنتاج الفني.

وهكذا يكون الذكاء الإصطناعي بافتقاره الى خاصية الحس، والعاطفة، ٱلية صماء، حيث أنه يعمل وفق قواعد وبرامجيات محددة، تفتقر إلى خاصية التفكير الإبداعي، والحس الوجداني، مما يجعل نتاجاته الفنية والادبية، صماء، وٱلية مهما بدت جذابة.

وإذا ما كان ينتظر من الذكاء الإصطناعي أن يكون قادرًا على التعلم، والتكيف مع التغييرات، لتحقيق التوازن، بين غياب العاطفة الجياشة، والٱلية الصماء في الأداء، حيث ربما يمكن أن يتحقق ذلك، من خلال تطوير خوارزميات أكثر تعقيدًا، وتكاملًا، مع العلوم الإنسانية، في قادم الايام، إلا إنه ربما يظل عاجزا عن امتلاك الحس، ويظل يفتقر في نتاجاته العامة، الى العاطفة الجياشة.

***

نايف عبوش

يعتمد الرسام الأرجنتيني كلاوديو تناگلي في إنتاجه الإبداعي الفني على المواد المعادة استعمالها والتي تتوفر في الطبيعة من أقمشة وحتى قصاصات منً ورق الصحف القدية والصور القديمة في ايجاد مواضيع يربط بين الطبيعة واللون ويمزجها في ألوان بديعة كأنه يكتب الشعر.

التقيت به صدفة حيث كنت وصديقي رافاييل في زيارة إلى أرياف مدينة ملقا وهي منطقةً جبلية وعرة تفصل بين مدينة ملقا وغرناطة على الطرف الاخر من سلسلة جبال سيرانادا الشاهقة لكنها غابة خضراء بما طاب ولد من فواكه وأعناب وحمضيات واللوز الأندلسي الطيب المذاق.

وصنا هذه القرية لنحتسي القهوة في الكافيتريا الوحيدة المفتوحة في هذا اليوم الشبه الربيعي البديع وتحت شمسها الساطعة . ونحن نتجول في مركز القرية راعني وجود العديد من الأعمال الفنية من لوحات وتماثيل ونصب. ونحن في نزهتنا تلك فاذا برجل ذو شعر مجعد ابيض يتقدم الينا وكل وجهه رسم عليها ابتسامة واسعة ويتحدث الينا سائلا اهتمامنا بالتقاط الصور لتلك التماثيل.2426 clodis

ثم اصطحبنا إلى معرضه الشخصي في رحلةً خيالية والذي يقام في قاعة جميلة والظاهر ان البناية مركز ثقافي للشباب المسماة قاعة عرض مركز الفنون والتنمية في مدينة ألماشار الجبلية . تجول معنا في قاعة المعرض حيث لوحاته الجميلة التي تدخل البهجة والسرور إلى ارواح مشاهديها. هذه الرحلة الخيالية عبر ألوان وتفاصيلها الدقيقة نراه مع مجموعة من الأعمال الفنية كبيرة الحجم وأشياء عملية، كالأثاث، مصنوعة بجمالية فنية من مواد معاد تدويرها. تحدثنا طويلا مع اني لا افهم بالكامل الإسبانية لكني تمكنت فهم كلامه من سياق الحديث الذي دار حول القرية ونشاطها الثقافي وكونها قرية اشتهرت بتجفيف العنب (الزبيب) .

 تدوير المواد ظاهرة بدأت مع تكدس الكثير من القمامةً بعد السبعينات حيث بات كل منتج ذو غلاف بلاستيكي مما أدى إلى تلوث البيئة المحيط والأنهار والبحيرات وصولا إلى البحار. بدأ بذلك حركة شعبية في اوربا متمثلة بأصدقاء البيئة وكانت ألمانيا سباقة حتى لتأسيس حزب سياسي سمي بحزب الخضر. التلوث البيئي أدى إلى التفكير في إنتاج بضائع ومنتجات صديقة للبيئة ويمكن تدويرها بسهولة اي ترجع الى البيئة كما كانت دون اي تاثير كيماوي او سموم. هذه الحركة الشعبية نراه كذلك في الفنون وهنا ياتي دور الرسام الأرجنتيني كلاوديو في استخدام تلك المواد كمادة أولية لمواضيعي في لوحاته الجميلة.

وُلد الرسام في روساريو، الأرجنتين، عام ١٩٦٦، ويقيم في في مدينة ملقا، الأندلس منذ عام ١٩٨٧. تلقى تدريبه الفني في ورش عمل العديد من الرسامين، ويحمل شهادة في الهندسة الصناعية. وهو حاليًا عضو في الفريق الفني لشركة "سيبتيمو بيكسل" للإنتاج السمعي البصري، حيث يُطوّر أعماله الإبداعية.

تقرء في مقدمة تعريفه للمعرض ما يلي؛ "من بين الاتجاهات والتقنيات والتخصصات المختلفة التي تشكل النطاق الواسع للفن المعاصر، نجد أحد أهم مظاهره، ربما لأننا لا نشير فقط إلى الجودة الجمالية، ولكن إلى إعادة صياغة المعنى النفعي للأشياء والمواد التي يحولها كلاوديو تيناجليا إلى وسائل تعبيره. في بحثه الدائم عن الجمال، يركز الفنان نظره على الأشياء والأدوات اليومية التي يعيد تدويرها وتحويلها، وبالتالي يبني لغة فنية منفصلة عن الواقع"

ان إنسان المجتمعات المعاصرة يحتاج إلى الوقوف والتأمل علىً مجمل الحوادث البيئية في زحمة انشغاله بأمور الحياتية من العمل والسعي من اجل لقمة العيش والإرهاق المستمر والإجهاد في العمل.

تلك اللحظات التأملية يقدمها لنا الرسام كلاوديو وكانّه يدعونا ان ننسى كل ما حولنا كي نتأمل ما يحصل في بيئة المحيط. لكن استخدامه لألوان الطبيعة يعطي انطباعاً بأننا نتجول حالمين في غابة ساحرة من الألوان.

***

توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

....................

* للمزيد حول الرسام راجع صفحته على الانستغرام ؛

@CLAUDIOTENAGLIA66

حين تدنو خطى الشّتاء، وتخلع السّماء وقارها الأزرق؛ لتكتسي برداء من الغيم المكتنز بالوعود، يولد في قلبي شعورٌ عتيق، يشبه حنين المسافر لبوصلته الضّائعة، فالشّتاء هو طقسٌ روحيّ، وحالة من الاسترجاع الوجدانيّ، تعيد ترتيب شتات النّفس أمام صرير الرّيح وجبروت المطر.

تأمّلوا معي ذلك المشهد؛ حيث يتواطأ العالم الخارجيّ في ثورةٍ عارمة من الصّقيع، وتئنّ الرّياح خلف النّوافذ، وتلوذ أنت بملاذك الآمن.

هناك.. في تلك الزّاوية الدّافئة، حيث ينسج الضّوء الخافت خيوطا من السّكينة، تشعر بأنّك في قلب الوجود وحصنه المنيع. هي لحظة التباين الوجوديّ الفاتنة؛ فكلّما ازداد الخارج قسوة، زاد في الدّاخل منسوب الطّمأنينة، وكأنّ البرد مرآةٌ نصقل بها معنى الأمان.

إنّ لصوت المطر حين يقرع زجاج النّوافذ إيقاعا فريدا؛ فهو الضّجيج الورديّ الّذي يغسل ضوضاء الأفكار، ويهدّئ من روع العقل القلق، هو لغة كونيّة تخاطب فينا غريزة الاستقرار، وتعيدنا إلى الرّحم الأوّل حيث الدّفء المطلق والسّكينة الّتي لا يقطعها صخب.

بالنّسبة لي، في هطول المطر نوع من العزلة الاختياريّة المقدّسة؛ فهو العذر الّذي تمنحنا إيّاه الطّبيعة لنكفّ عن الرّكض خلف ترهات الحياة، لنجلس وجها لوجه أمام ذواتنا، محاطين بدثارٍ من الصّوف وفنجان من الألفة.

هذا العشق هو احتفاءٌ بمفهوم اللّحظة الصّغيرة، إذ يُستخرَج الجمال من سكون المنزل وعطر الشّتاء المعتّق.

إنّك حين تعشق الدّفء المنزليّ وسط عواصف الخارج، تمارس طقسا من طقوس الاستشفاء، حيث يصبح البيت وطنا صغيرا، وتصبح الحرارة المنبعثة من زواياه صلاةً صامتة في محراب الهدوء.

يا له من ترفٍ باذخ، أن تكون في قلب العاصفة وتكتفي بعذوبة صوتها، هو انتصار صامت للإنسان على الطّبيعة، والحوار الأجمل بين قلب يبحث عن السّلم، وفصل يضجّ بالصّخب، فالشّتاء هو الموسم الّذي تنبت فيه الأرواح في الدّاخل، حين تجفّ الأشجار في الخارج، ليبقى المنزل هو القصيدة الّتي لا تنتهي قوافيها.

في هذه اللّحظات الّتي يهطل فيها المطر بغزارة، تصبح الكتابة عندي فعلا شبيها بالصّلاة؛ فمع كلّ قطرة تقرع زجاجي، تولد فكرة كانت غافية في أعماقي. هذا الدّفء المحفوف بزمهرير الخارج يصهر الجليد عن لسان قلمي، فأجد حروفي تنساب بسلاسة، وكأنّ الرّيح في عصفها تكنس غبار التّشتّت عن عقلي، تاركةً لي صفاءً ذهنيّا خالصا. وفي عقر سكينتي، تتحوّل الورقة البيضاء إلى ميدانٍ لترميم ذاتي، وتغدو الأبجديّة وسيلتي الأرقى لتجسيد ذلك الإحساس الّذي أشعر به، فأكتب ما تفيض به روحي من صدق الشّعور والرّؤية.

هذه المتعة الّتي تنتابني وأنا أخطّ كلماتي في كنف هذا الطّقس الجميل تفوق الوصف؛ فهي مزيج من شعور المنتصر الّذي استأنس بالوحدة، والمبدع الّذي وجد في صخب العاصفة إيقاعا لقصيدته.

الكتابة في حضرة الشّتاء هي خلقٌ من نوع آخر ، حيث تتنفّس الأفكار تحت الغطاء الصّوفيّ، وتنمو الصّور البيانيّة كما تنمو الأزهار في الرّبيع؛ فأتوحّد مع قلمي لأخلّد هذه الدّهشة الحسيّة، جاعلةً من المطر ملهما أبديّا لي، وقدرةً خاصّة لاستحضار الجمال من قسوة الشّتاء، فأستبدل صوت الرّيح بترانيم القلم.

بذات الرّوح الّتي تستشعر الأمان خلف الجدران وتسكب الحروف حرارةً في ليل البرد، نرسل الأماني عاليا؛ لعلّها تلامس أطراف تلك الخيام الباردة، حاملة معها أصدق الرّجاء بالسّكينة والسّلام.

ليت هذا المطر الّذي يطرق الوجود يتحوّل إلى غيثٍ يغسل الأوجاع، ويمرّ سلاما رقيقا على الأجساد المتعبة، ليبعث فيها دفئا معنويّا لا تملكه المدافئ، ويمنح الأرواح أمانا عصيّا لا تهزّه الرّيح مهما عصفت.

هي دعوةٌ لأن يشرق النّور في تلك الزّوايا المنسية، ولأن تظلّ خيوط الأمل دثارا لا يبلّله الصّقيع، وسياجا يحمي الأحلام من قسوة الشّتاء.

***

صباح بشير

 

(لمحات جمالية في بنية النص الشعري)

في كتابه الجديد (لمحات جمالية في بنية النص الشعري) بطبعته الأولى لعام ٢٠٢٦، الصادر عن دار سومر للطباعة والنشر، في الشرقاط، محافظة صلاح الدين، العراق، يعتمد الاستاذ الدكتور ابراهيم دراسة نقدية تطبيقية، لقصائد مختارة، لعدد من الشعراء المعاصرين، في ١٥٧ صفحة، بمقدمة، وتمهيد، وقائمة بالمصادر العربية، والاجنبية.

ويأتي الكتاب دراسة متخصصة متأنية، لتلك النماذج من القصائد المختارة، لعدد من الشعراء المعاصرين، تتناول الشعرية في تلك القصائد، والألسنية، والصور البلاغية، التي ارتكزت عليها تلك القصائد، في بناء نصوصها، كما يقول المؤلف في مقدمة الكتاب.

لقد ابدع الكاتب حقاً، عندما تناول النصوص بالنقد العلمي، والغوص المهني، في مفردات بنية القصائد موضوعة بحث الكتاب، وما تضمنته من صور، ورموز، ودلالات بلاغية .

وفي هذا الإصدار الابداعي، غاص الكاتب بمهنيته الأكاديمية المتمكنة، في عمق محتويات تلك القصائد، نظما، وتوظيفا للمفردة، وبشكل يشد القاريء للإعجاب بمنهجية تناوله المقتدرة، والتفاعل مع هذه الاسلوبية الرصينة، في النقد الأدبي للنصوص الشعرية.

ولعل الكتاب بمنهجيته المهنية الجميلة، يلفت الإنتباه إلى أهمية النقد الادبي في توكيد اصالة النصوص الشعرية، وبلاغة مضامينها، للحفاظ على هوية الشعر، واللغة، من المسخ، والتشويه، بتداعيات العصرنة الصاخبة بجوانبها السلبية، والتاسيس لعملية ترادف جادة، بين رعيل الشعراء الأوائل، والاجيال المعاصرة، تقوم على التواصل الأدبي، والإستلهام الواعي، في النظم الابداعي، والقريض الرصين، وليس مجرد النسخ، الذي يقتل روح الإبداع، او المسخ، الذي يشوه جماليات النصوص.

ولاريب أن تأليف هذا الكتاب، بهذه المنهجية العلمية٫ سياخذ مكانه في الساحة الادبية، والثقافية، بجدارة، ليكون مرجعا للباحثين، والدارسين، والنقاد، وليسد فراغا لمثل هذا النوع من الدراسات الجادة.

***

نايف عبوش

قراءة في لوحة «العذراء المباركة» لدانتي غابرييل روسيتي

يخطئ من يظن أن الشوق حالة طارئة يولدها الغياب، أو أن الحب ينتهي حين يضع الموت حدا للعلاقة بين العاشقين. فالشوق، في أعمق تجلياته، لا ينشأ من الفقد بل من المعرفة، ولا يظهر إلا بعد أن يكون الوصل قد تحقق على مستوى يتجاوز الحس والزمن. من هنا يمكن قراءة لوحة دانتي غابرييل روسيتي «العذراء المباركة» ليس بوصفها مشهدا رومانسيا حزينا، بل بوصفها تأملا بصريا في مفارقة قديمة: كيف يمكن للنعيم أن يتجاور مع الألم، بل أن يتغذى عليه.

أنجز روسيتي لوحته في أواخر القرن التاسع عشر، في سياق فني كان يبحث عن الروح وسط عالم آخذ في التصنيع والتشييء. لكن اللوحة، على الرغم من انتمائها التاريخي الواضح، تفتح سؤالًا يتجاوز زمنها: هل الخلاص حالة خالية من التوتر، أم أنه وعي حاد به؟2423 ahmad

تنقسم اللوحة ظاهريا إلى عالمين: علوي وسفلي، سماوي وأرضي. غير أن هذه القسمة تخادع النظر. فالعذراء المباركة، المتكئة على شرفة من ذهب في السماء، لا تبدو غارقة في نعيم مكتمل. نظرتها ليست نظرة من وصل واستراح، بل نظرة شاهد يرى أكثر مما يحتمل. إنها لا تقف بين عالمين، بل في ذروة وحدة موجعة: وحدة تعرف فيها أن الحب لم يفقد، لكنه لم يستكمل بعد في صورته النهائية.

هنا يصبح الشوق ليس دليلا على النقص، بل أثرا للزيادة. وهو المعنى الذي عبر عنه محيي الدين بن عربي حين قلب العلاقة المألوفة بين العذاب والنعيم، قائلًا إن ما نسميه عذابا إنما هو قشر يخفي في داخله لبا من العذوبة. فالألم في التجربة الروحية ليس نقيض الرحمة، بل حارسها. القشر لا يلغى، لأنه صائن لما تحته. بهذا المعنى، فإن شوق العذراء في اللوحة ليس اعتراضا على النعيم، بل دليل عليه. إنها لا تتألم لأنها محرومة من الحب، بل لأنها واعية لاستمراره خارج مقاييس الزمن الأرضي.

أما الوجوه الملائكية الثلاثة التي تتوسط اللوحة، فليست عناصر عزاء بالمعنى البسيط، بل مرايا لثلاثة مستويات من الإدراك: إدراك النعيم، إدراك الفقد، وإدراك السؤال المفتوح الذي لا يغلق. إنها تمثيل بصري لحالة الوعي المنقسم على نفسه، حيث تتداخل الخبرة الإنسانية بين الخير والشر، الرغبة والخوف، الوصل والفراق. وهي الحالة نفسها التي يرى فيها أبو حامد الغزالي شرطا للتطهير.

فالغزالي لا يفهم الشر والخير كخيارين منفصلين، بل كعجين واحد لا يفصل إلا بالنار. إما نار الندم أو نار الهلاك. والندم هنا ليس شعورًا أخلاقيًا عابرا، بل احتراق معرفي: لحظة يرى فيها الإنسان ذاته دون أقنعة. في ضوء هذا الفهم، يمكن قراءة المسافة بين السماء والأرض في لوحة روسيتي كنار صامتة، نار لا تحرق الجسد بل تصفي المعنى.

العاشق الأرضي الممدد في أسفل اللوحة ليس ضحية الفقد، بل متدرب على الوعي. استلقاؤه على الأرض ليس سقوطا، بل تواضع وجودي، طور من التهيئة يتحول فيه الألم من صدمة إلى طريق. فالألم الذي لا يقود إلى تحول هو عذاب، أما الألم الذي يعيد توجيه القلب فهو رحمة متخفية.

بهذا كله، لا تعود «العذراء المباركة» لوحة عن الحب المستحيل، بل عن الحب الذي لم يكتمل شكله الزمني بعد. العذاب الذي نراه ليس علامة لعنة، بل دليل حياة. وهو ما يجعل اللوحة، على الرغم من عمرها، شديدة المعاصرة في زمن يسعى إلى تخدير الألم بدلا من فهمه.

تذكرنا هذه اللوحة، كما تذكرنا نصوص ابن عربي والغزالي، بأن بعض أنواع النار ليست عقابا، بل تطهيرا. وأن الشوق حين يبلغ ذروته لا يناقض النعيم، بل يكشف عمقه. فالعذراء المباركة ليست مباركة لأنها بلا ألم، بل لأنها لم تحاول النجاة منه.

***

د. احمد عابر

تأمل في الخوف بوصفه يقظة اخلاقية

(هكذا، فان الخوف من الخطر اكثر ارهاقا بعشرة الاف مرة من الخطر نفسه عندما يبدو للعيان؛ ونجد ان عبء القلق اكبر، بكثير، من الشر الذي نقلق بشأنه)... دانيال ديفو، روبنسون كروزو

ليس الخطر هو ما ينهك الانسان اولا، بل توقعه. فالشر، حين يتجسد امام العين، يصير محدودا، قابلا للمواجهة، واما الخوف حين يسكن الداخل فانه يتسع ويتضاعف ويتحول الى عبء ثقيل يسبق الحدث وربما لا يحتاج اليه اصلا. وليس هذا الخوف حالة استثنائية مرتبطة بالمواقف القصوى فحسب، بل هو اكثر اشكال المعاناة الانسانية شيوعا في الحياة اليومية، حيث ننهك انفسنا بما قد يحدث اكثر مما ننهك بما يحدث فعلا. بهذا التمييز الدقيق بين الخطر الموضوعي والخوف الذاتي، يمكننا ان نقترب من لوحة "المهد" لبيرت موريسو، ليس بوصفها مشهدا عاطفيا عن الامومة، بل بوصفها تاملا بصريا عميقا في القلق الانساني، وفي الكيفية التي يمكن للخوف فيها، حين ينبع من الحب، ان يتحول من عبء نفسي الى يقظة اخلاقية.2413 ahmad

تنتمي اللوحة الى المدرسة الانطباعية، غير انها تمثل جانبها الاكثر صمتا وتاملا، بعيدا عن انشغالها المعتاد بالضوء والمناظر المفتوحة. فبيرت موريسو، احدى ابرز رائدات هذه المدرسة، لم تنظر الى المشاهد الداخلية، ولا الى عالم المرأة والامومة، بوصفها موضوعات وجدانية عابرة، بل بوصفها حالات وجودية مكتملة، مشحونة باسئلة دقيقة عن الحضور والهشاشة والمسؤولية. في اللوحة نرى امرأة شابة تجلس الى جانب مهد طفل نائم، يفصل بينهما ستار شفاف من قماش رقيق. الضوء لا يسطع في الغرفة، بل ينساب بهدوء، كانه يتجنب ايقاظ الطفل او زعزعة هذا التوازن الدقيق بين السكينة والترقب. لا خطر ظاهرا في المشهد: الطفل نائم في سلام، المكان هادئ، وكل شيء يوحي بالامان. ومع ذلك، فان مركز الثقل في اللوحة ليس الطفل، بل نظرة الام. وجهها لا يحمل خوفا صريحا ولا انفعالا ظاهرا، بل انتباها مشدودا، يقظة ساكنة، كانها تصغي الى صمت الغرفة، او تترقب ما قد يختبئ خلف هذا الستار الشفاف. يدها تستند بهدوء على حافة المهد، قريبة من الستار لكنها لا تمسكه بقلق. الجسد كله يحضر، لكنه يحضر بيقظة لا تسترخي، وكان الام في حالة استعداد صامت لا يظهر منه سوى هذه النظرة التي تجمع بين الحضور والانتظار.

هنا يتجلى ما يصفه عبد الجبار الرفاعي حين يقول ان الوجه هو "نافذة الدخول الاولى الى الانسان"، ومفتاح اكتشاف شيء من اللامرئي فيه. وجه الام في اللوحة لا يصرح بما في الداخل، لكنه يحمله بصمت. انه وجه لا يكشف السر، بل يدل عليه. ومن خلال هذه النظرة نقرأ اكثر مما نرى: نقرأ القلق والترقب والمسؤولية، ونقرأ خوفا لم يتحول بعد الى رعب. فالوجه، في هذا المعنى، ليس مرآة تعكس الانفعال فحسب، بل بوابة اخلاقية ندخل منها الى عالم غير معلن، عالم الحذر الذي لا يزال في طور التكوين. هنا يتجلى عنوان هذا التامل: الخوف الذي لا يعلن. وجه الام لا يصرخ، لكنه لا يسكت ايضا؛ انه يحمل الخوف كما تحمل الغيمة المطر، دون ان تمطره بعد.

وحين ننتقل من مستوى الرؤية الى مستوى المعنى، يتبين ان هذا الخوف لا يشبه الخوف الذي يشل او يدمر، بل يقترب مما يصفه ابو حامد الغزالي حين يجعل الخوف شرطا للحذر، لا نقيضا للطمأنينة. فالخوف، في تصوره، بذرة في القلب، وثمرتها اليقظة في الجوارح. وهذا ما نراه هنا: الام لا تهرب، لا تصرخ، لا تظهر هلعا. جسدها لا يسترخي تماما، جلستها غير منحلّة، يدها قريبة من المهد، وكان الجسد نفسه يشارك في هذا الانتباه الصامت. الخطر غير موجود، لكن مجرد امكانية الخطر كافية لتوليد هذا النوع من الحضور الاخلاقي. هنا يتحول الخوف الى طاقة رعاية، الى استعداد يسبق الضرر ويدفعه، لا الى عبء نفسي يثقل الروح. انه الخوف الذي يجعل الانسان يقظا لا مذعورا، حاضرا لا منهزما.

اما الستار الشفاف الذي يفصل الام عن الطفل، فليس تفصيلا جماليا عابرا، بل هو جوهر اللوحة ودلالتها الاعمق. انه حجاب لا يخفي تماما ولا يكشف تماما، حجاب يقيم المسافة الضرورية بين الرؤية والاطمئنان. وهنا يلتقي المعنى الصوفي بالتصوير الانطباعي على نحو لافت. فابن عربي يميز بين الخوف من العذاب والخوف من الحجاب، والخوف في هذه اللوحة ليس خوفا من اذى منظور، بل مما قد لا يرى: من الانقطاع، من الغياب، من ان يتسلل شيء عبر هذا الحجاب الرقيق. الام لا تخاف مما تراه، بل مما قد لا تراه. انها تخاف من الغياب، من ان ينام الطفل ولا يستيقظ، من ان تفيق هي على فراغ. هذا الخوف ليس له اسم، وليس له خطر محدد يواجهه. انه الخوف من الحجاب: الخوف من ان ينقطع الاتصال، لا ان ينقطع الامان. وهذا ارقى اشكال الخوف، لانه خوف يولد من الحب لا من التهديد. انها تخاف لانها تحب، ولان الفقد ممكن، ولان الحياة، مهما بدت امنة، لا تعطى بلا هشاشة. في هذا الخوف من الحجاب، لا تخاف الام على الطفل فقط، بل تخاف عليه من العالم، ومن الغياب، ومن الزمن نفسه، وكانها تدرك، دون تنظير، ان الحجاب ليس قماشا فحسب، بل شرط الوجود الانساني كله.

وحين نعود في النهاية الى قول دانيال ديفو، يتضح ان اللوحة لا تناقضه، بل تجسده بهدوء بالغ. فالخوف هنا بالفعل اكبر من الخطر، لا لانه وهمي او مرضي، بل لانه انساني. الخطر قد لا ياتي ابدا، لكن القلق موجود لان الحب موجود. في المهد لا نرى كارثة، لكننا نرى الاستعداد لها. لا نرى الخوف وحشا مفترسا، بل يقظة اخلاقية، ووقوفا صامتا عند عتبة الحياة. هكذا لا تصور اللوحة الخوف ضعفا، بل تعيد تعريفه: الخوف الحقيقي، الخوف الذي لا يعلن، ليس رعبا من خطر قادم، بل هو الوجه الاخر للحب، ويقظة الروح على هشاشة من تحب. انه، باختصار، الشاهد الاصدق على اننا احياء.

***

د. احمد عابر

 

بين الرقابة العائلية والرقابة الحكومية

يُعَدُّ مسلسل "لام شمسية" من الأعمال الدرامية الرمضانية التي أثارت الجدل بسبب معالجته لقضية التحرش الجنسي بالقاصرين. ورغم محاولته تسليط الضوء على هذه الظاهرة بأسلوب درامي، فإنه أخفق في تحقيق التوازن بين الواقعية الفنية والالتزام بالحقائق القانونية، مما أضعف مصداقيته وجعله يبدو كاريكاتيريًا في بعض الأحيان.تدخلت الرقابة المصرية وقامت بتعديل الحلقات الأخيرة التي تناولت موضوع زنا المحارم، حيث تم حذف مشهد تحرش الأب بابنته، بالإضافة إلى حذف مشهد التحرش الذي قام به "وسام"، كما تم تعديل مشهد تحرش آخر ظهر في لقطة فلاش باك لشخصية "نيللي".

إشكالية الواقعية القانونية في الحكم على المتحرش

يتمحور المسلسل حول شخصية "وسام الألفي"، التي يجسدها الممثل محمد شاهين، والمتهم بالتحرش بالطفل "يوسف"، الذي يؤدي دوره علي البيلي. ووفقًا لسياق المسلسل، تم الحكم على وسام بالسجن المؤبد بناءً على شهادات الطفل ووالده "طارق" (أحمد السعدني)، إضافة إلى حكم المحكمة الذي نص على أن المتحرش قام بلمس الأعضاء التناسلية للطفل وإغوائه بلمس أعضائه هو الآخر.

إلا أن هذا الحكم لا يتوافق مع القانون المصري، حيث إن القانون يميز بين التحرش الجنسي وهتك العرض والاغتصاب، ولكل جريمة منها عقوبة مختلفة. فوفقًا للمادة 306 مكرر (ب) من قانون العقوبات، فإن التحرش الجنسي بطفل يُعاقب عليه بالسجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات إذا لم يتضمن استعمال القوة أو التهديد. أما هتك العرض، كما ورد في المادة 268، فيُعاقب عليه بالسجن المشدد من 7 إلى 15 سنة، ويصل إلى السجن المؤبد إذا كان الطفل أقل من 12 عامًا. في المقابل، فإن الاغتصاب، وهو الجريمة التي تستوجب السجن المؤبد أو الإعدام، يتطلب إثبات المواقعة الجنسية الكاملة.

لذا، فإن الحكم الذي صدر ضد "وسام" في المسلسل غير منطقي، حيث تم وصف الجريمة على أنها تحرش وليس هتك عرض أو اغتصاب، ومع ذلك تم إصدار حكم بالسجن المؤبد، وهو ما يخالف القواعد القانونية المصرية.

هل خضعت الكاتبة مريم نعوم للرقابة المجتمعية؟

السؤال الأبرز هنا: لماذا تجنبت كاتبة المسلسل، مريم نعوم، الإشارة إلى المواقعة الجنسية رغم أنها العقوبة التي تبرر الحكم بالسجن المؤبد؟ هل كان ذلك خوفًا من الرقابة الحكومية أم من الرقابة المجتمعية؟

يبدو أن المسلسل حاول الموازنة بين تقديم قضية حساسة وتجنب الصدام مع المجتمع، لذا اكتفى بالإشارة إلى التحرش دون الخوض في تفاصيل أشد صدمة للجمهور. ولكن هذا التحفظ جعل الحبكة تفقد مصداقيتها القانونية، مما أدى إلى شعور المشاهدين بأن المسلسل يفتقد للواقعية.ومن المشكلات الأخرى التي وقع فيها المسلسل هي نمذجة الشخصيات، حيث تم تقديم شخصية المتحرش "وسام الألفي" بطريقة نمطية جعلته يظهر كشرير خالص دون أي تعقيد نفسي أو بعد إنساني، وهو ما أضعف تأثير العمل. كذلك، فإن نهاية المسلسل كانت متوقعة إلى حد كبير، حيث حصل المتحرش على العقوبة القصوى رغم عدم ملاءمة الأدلة للحكم، مما جعل الأحداث تبدو غير منطقية.

التأثير النفسي على الممثل الطفل علي البيلي

إحدى النقاط الجدلية الأخرى هي التأثير النفسي على الطفل الممثل علي البيلي، الذي أدى دور الضحية. فتقديم طفل في مشاهد مرتبطة بالتحرش قد يعرّضه لآثار نفسية سلبية لاحقًا، حتى وإن تم توفير دعم نفسي أثناء التصوير.

في علم النفس، هناك مفهوم يُعرف باسم "تأثير الفاكهة المحرمة" (Forbidden Fruit Effect)، والذي يشير إلى أن الأطفال يميلون إلى تجربة الأمور التي يتم تسليط الضوء عليها كشيء ممنوع أو خطير. فإذا تم توعية الطفل بمفهوم التحرش قبل أن يكون مؤهلًا لفهمه بشكل كافٍ، قد يؤدي ذلك إلى إثارة فضوله بطريقة غير مرغوبة، مما قد يدفعه إلى تجربة ما سمع عنه.

وبالتالي، فإن تقديم طفل في مثل هذه الأدوار قد يكون له تأثير سلبي عليه، سواء من خلال التجربة المباشرة أو من خلال فهمه المشوه للمواقف الاجتماعية.

رغم أن "لام شمسية" حاول تقديم قضية شديدة الأهمية، إلا أنه فشل في تحقيق التوازن بين الواقعية القانونية والمعالجة الدرامية، مما أضعف تأثيره وجعله عرضة للانتقادات. فقد أخطأ في تقديم الحقائق القانونية، ونمذج الشخصيات بشكل سطحي، ولم يأخذ في الاعتبار التأثير النفسي على الطفل الممثل. وكان من الأفضل أن يعالج المسلسل القضية بجرأة أكبر، أو أن يلتزم بالحقائق القانونية بدقة، لضمان تقديم عمل درامي أكثر تأثيرًا ومصداقية.

***

ياسين غالب

 

ما هو وضع القصة القصيرة اليوم.. هذه القصة التي ادخلت لكثيرين من كتابها إلى ديوان الخلود الادبي الإنساني في العديد من اللغات، وسجلت لهم بالتالي انجازات معروفة لدى القراء المتابعين في شتى بقاع العالم، هؤلاء القراء الذين يعرفون تمام المعرفة هذه القصة وإعلامها المجلين امثال الأمريكي ادجار الان بو والفرنسي جي دي موباسان وقبل هذين وبعدهما الروسي المبرز انطون تشيخوف. أما في أدبنا العربي فإن هذا القارئ يعرف العديد من أصحاب الأسماء التي سطرت أعظم القصص وافضل الإبداعات القصصية لدى كتاب أذكر منهم المصري يحيى حقي صاحب البوسطجي وقنديل ام هاشم. السوري زكريا تامر صاحب صهيل الجواد الابيض. وقبل هذا وذاك المصري المبرز يوسف ادريس صاحب المجموعة القصصية المميزة بيت من لحم.

حقا ما هو وضع هذا النوع الأدبي الذي استولى على اهتمام القراء والنقاد على حد سواء، فخصص له الناقد الانجليزي فرانك اوكونور واحدا من الفضل المؤلفات وأقصد به كتابه المميز الصوت المنفرد. كما خصص له العديد من النقاد والدارسين في العديد من اللغات، الوفير من الدراسات والابحاث، اكتفي لوفرتها بذكر بعض منها مثل كتاب في القصة العربية المصرية للناقد البارز شكري محمد عياد وقبله الكتاب المرجع عن فن القصة القصيرة للدكتور رشاد رشيد، ولا بأس من أن نشير إلى الكتاب الجميل عن فن القصة للفلسطيني/ السوري محمد يوسف نجم. فهو كتاب جيد جدا، وتم تدريسه في العديد من الجامعات.... باستحقاق وجدارة.

بالعودة إلى السؤال المطروح انفا، نقول ضمن محاولة محبة للإجابة عليه، أنه لا شك في أن هذا الفن الجميل، عانى منذ فترة وما زال يعاني، الأمر الذي دفع أكثر من ناقد ومتخصص لنعي القصة القصيرة متسائلا هل ماتت هذه القصة؟ بل انه وجد هناك من نعى موت القصة وفق الطريقة الكتابية التشيخوفية، نسبة إلى الروسي انطون تشيخوف الآنف ذكره. إن ما دفع هؤلاء المنذرين بوفاة القصة القصيرة بهذا الشكل أو ذاك، أسسوا كما تبدى من كتاباتهم وكما قال الواقع ذاته، رأيهم هذا على عدة أسباب نحاول فيما يلي الإشارة إلى أبرزها وسوف نتبعها برأينا في هذه الإشكالية الأدبية التي الحت وما زالت، على الكثيرين لا سيما من أمثالي أنا المفتون بالقصة القصيرة وفي كتابتها أيضا.

- يمكننا الإشارة بكثير من الثقة, أن انصراف جل الكتاب ممن يعرفون وممن لا يعرفون، الى تيار كتابة الرواية، هو واحد من أبرز الأسباب لوضع القصة القصيرة ضمن خانة التساؤلات عن موتها، أو اضمحلال وضعها على الاقل، وربما الادق، ساهم تعزيز هذا السبب واشتداد الحاحه في انصرف العديد من كتاب القصة القصيرة عن كتابتها والتحاقهم بركب كاتبيها، وكأنما القصة القصيرة هي الصفوف الدنيا في مدرسة الكتابة  والرواية هي الصفوف العليا، كما عبر أحد النقاد المهتمين بالأمر، وقد تعزز هذا السبب أكثر عندما انضم العديد من الشعراء إلى كتاب الرواية متنازلين بطيب خاطر عن مواصلة دروب الكتابة الشعرية الرائعة.

- سبب آخر ساهم في التأثير على موقع القصة القصيرة في ديوان النثر العربي تحديدا، هو ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، هذه الوسائل التي فتحت المجال واسعا أمام من يعرف ومن لا يعرف على حد سواء، لأن يكتبوا القصة القصيرة جدا، إضافة إلى القصة الومضة وما إلى هذه الأنواع القصصية المتسمة بالقصر. لقد اثر هذا كله على راهن القصة القصيرة، فبتنا نستمع إلى اراء كان من المفترض أن تكون جادة تزعم أنها باتت تنصرف عن قراءة ألمادة أو القصة القصيرة بالأحرى لطولها!!. وقد أثار حفيظتي أن هناك من انجرف في تيار كتابة القصة الومضة، معتقدا أن اجتزاءه مقطعا من قصة قصيرة سبق وقام بنشرها، يمكن اعتباره قصة قصيرة جدا او ومضة، سمها ما شئت، لكن لا تظلم القصة القصيرة أكثر د، ولا تضف إلى عاذليها المزيد.

- هناك سبب اخر تسبب في وضع القصة القصيرة في خانة التساؤلات والكتابات المنذرة، وحتى الناعية، هو تلك الفوضى العامة الطامة التي لحقت بكتابة القصة القصير، وقد تمثلت هذه الفوضى في انضمام العشرات من الكتاب، بين قوسين، إلى ركب كتاب القصة القصيرة، خاصة في فترات ازدهارها، السابقة لهيمنة الرواية وتحلب الأرياق، بحق وبدون حق على كتاباتها والانضمام إلى كتابها باية حال ودون الالتفات إلى أهمية التمكن من الصنعة وقبلها توفر الموهبة التي لا يمكن لأي من الكتاب تقديم ما يمكث ويبقى في الأرض دونها. هكذا ظهر كتاب غير متمكنين من كتابة القصة القصيرة، كتبوا ونشروا الوفير من الحكايات، ومعروف أنه يوجد هناك فارق كبير بين القصة القصيرة والحكاية، ففي حين يفترض أن تمتلك القصة الناجحة حبكة جيدة، وتعني الحبكة في أبسط مفاهيمها التطور المنطقي والعمودي للأحداث القصصية، فإن الحكاية تتنازل بشكل عام عن الحبكة، فتتحول بالتالي إلى سردية قصصية بفتح القاف، وهذه تعني القصة المحددة بقيمة معينة أو مثال اخلاقي، لا علاقة له بجماليات/ استطيقيات فن القصة القصيرة، وقد تسبب هذا كله بوضع القصة القصيرة، في خانة التساؤلات كما سلف القول.

الان نود الشروع في الاجابة عن السؤال المحوري الذي تبرعنا بإثارته حول وضعية القصة القصيرة وزعم الكثير من الأصوات أنها ماتت أو تلفظ حاليا ومنذ فترة أنفاسها الأخيرة، وما إلى هذه من الاسئلة المطروحة، فنقول إجابة عن سؤال القصة القصيرة والرواية، أن كلا من هذين النوعين الادبيين تعايشا معا وجنبا إلى جنب، عبر المئات الماضيات من السنين وأنه بإمكانهما مواصلة هذا التعايش. أما فيما يتعلق بكينونة القصة القصيرة وموقعها من الرواية، فيمكننا القول إن القصة  القصيرة الناجحة تحديدا، لا تقل أهمية عن الرواية الناجحة ايضا، يؤكد هذا قلة القصص القصيرة الجيدة والمستحقة في العديد من اللغات وفي لغتنا العربية تحديدا، فإذا ما كان يكتب حسب تقديرات معروفة، في فترة سابقة في عالمنا العربي خلال الشهر الواحد عدد يتجاوز المئات من القصص القصيرة، فبإمكاننا طرح السؤال عن ذلك العدد القليل جدا مما يبقى من هذا الكم الهائل من الكتابات القصصية القصيرة، ولعلنا لا نبتعد كثيرا اذا ما تساءلنا كم من القصصية التي تنال اعجاب القراء لهذا الكاتب المعروف، حتى من بين اعلام هذه القصة، فإننا سنفاجأ بعددها القليل. فيما يتعلق بما ذكرناه عن الفوضى التي حصلت في كتابة القصة القصيرة وانضمام الارقام المريعة من الكتاب إلى قوائم كتابها منتهجين كتابة الحكايات ومدعين انها قصص قصيرة، وهو ما دفع الكثيرين للانصراف عن قراءة القصة القصيرة، بالضبط كما حدث مع القراء عندما فرضت عليهم نماذج سيئة وغير جديرة مما أطلق عليه قصيدة النثر، نقول إن انصراف الكثير من القراء عن القصة القصيرة للسبب المذكور، لا يعني أن القصة القصيرة في أزمة اولا، وأن مثل هكذا اسباب للتساؤلات عن مصير القصة القصيرة، كانت وسوف تبقى مطروحة، ما دامت هناك فوضى في كتابة هذه القصة، وهذا كله لا يعني بالحتم أن القصة القصيرة تعاني في وضعيتها الراهنة من ازمة، الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن القصة القصيرة بخير، ويكفي أن نشير إلى أن الكاتبة الكندية أليس مونرو، حصلت قبل أعوام على جائزة نوبل الادبية، لقاء عطائها المشهود له في مجال كتابة القصة القصيرة.

***

ناجي ظاهر

One Battle After Another

في فيلمه الجديد One Battle After Another، يقدّم المخرج بول توماس أندرسون أول تعاون له مع ليوناردو دي كابريو، في عمل يتجاوز حدود الحبكة التقليدية ليغوص في أسئلة وجودية حول الثورة، الهوية، والسلطة. لا يكتفي الفيلم بسرد قصة مطاردات وهروب، بل يتحوّل إلى مجاز طويل ومعقّد عن التاريخ الذي يعيد نفسه، والبطولة التي تذوب في خيبات الواقع.يجسّد دي كابريو شخصية بوب فيرغسون، المحارب السابق الذي يعيش على هامش مدينة نسيته أو اختارت أن تتناسى نضاله. فقد زوجته، وتحوّل من رمزٍ ثوري إلى رجلٍ مكسور، يطارده خصمه القديم لوكجاج (شون بن)، الذي لا يمثل فردًا بل منظومة قمعية خرجت من رحم الثورة نفسها.في حوارٍ عميق مع شخصية سينسي (بنيسيو ديل تورو)، يقول بوب بمرارة:

"أنا لم أهرب من الثورة... الثورة هي التي جاءت ورائي."

يكبر الصراع النفسي داخل بوب بين فكرة تبرير العنف الذي كان ضروريًا في الماضي، وبين الندم الذي ينهشه في الحاضر. يتأرجح بين غريزة البقاء وخيبة المحارب الذي لم يبقَ من معركته إلا الأطلال. خيار صعب، تصبح فيه ابنته ذات الستة عشر عامًا عنصرًا حاسمًا في معادلته الداخلية. في المقابل، بينما يتحول بوب فيرغسون إلى بطلٍ فقد إيمانه، تظهر بيرفيديا (تيانا تايلور) كصوتٍ من جيلٍ جديد لا يقدّس المثاليات، بل يتبنّى ثوريةً براغماتية بلا أوهام. تتهكم من فكرة الأمومة قائلة:"لستُ هنا لأصنع حليبًا للطفل."

تمثّل بيرفيديا تحوّل الخطاب الثوري من المثالية إلى الضرورة. وحين تقتل أحد المتعاونين، تقول: "هذا ليس النقاء.. هذا الضرورة."

تتكرّر رمزية فكرة "الثورة التي تأكل أبناءها" حين يتم تصفية العناصر السرية من الداخل، في مشهدٍ يعكس كيف تتحوّل الثورة إلى أداة قمعٍ حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. شخصية لوكجاج تُبنى وتُعاد عبر الفلاش باك، والمرايا، والأحلام. ليس مجرد خصم، بل تجسيد للتاريخ حين يُترك دون محاسبة. هو العدو الذي يردد خطبًا من كتابات بوب نفسه، وكأن أيديولوجيا الرجل ارتدت عليه، ليصبح آلة التاريخ التي لا تموت.

يستخدم الفيلم التكرار كأداة سردية ومجاز سياسي: مشهد القطار يعيد تسلسلًا من الماضي، وسلاح قديم يعود للواجهة، في إشارة إلى أن الماضي لا يموت... بل يعيد نفسه ما لم يُفكّك جذريًا. في مقارنة ميتاسردية جريئة، يطرح الفيلم سؤالًا:

هل بوب هو النسخة الجادة من "الدود" مثله جيف بريدجزفي فلم  The Big Lebowski؟ إنتاج: 1998.

الدود يرفض الانخراط السياسي ويفلت من العبث بسخرية، بينما بوب انخرط حتى النهاية وخسر كل شيء، بما في ذلك إيمانه بقضيته. شخصية “الدود” و بوب تمثّيل عملي للرفض الهادئ للعالم المنهك والانزواء، وسخريه من فكرة البطولة نفسها ودعوة مفتوحة لتقدّيس اللامبالاة والعدمية بمعناها الحياتي لاالفلسفي. لكن ماذا لو أن كليهما وُضع في الثورة خطأً؟

هل تتشكّل الهوية الثورية بالصدفة، أو بتشابه الأسماء كما في Lebowski؟

يتماهى الجواب في السرد السينمائي الممتد بلا خيوط مادية  تمسك من "الدود" إلى بوب: مفارقة الهوية الثورية. فـThe Big Lebowski يسخر من البطولة المصطنعة، بينما One Battle After Another يعيد للأخطاء التافهة معناها المأساوي، ويحوّل الهويات المربكة إلى أقدار دامية.

قد يكون بوب ببساطة "الدود" بعد عقدين من الجراح. وقد تكون الثورة كلها محاولة عبثية لإضفاء معنى على فوضى لا معنى لها.

هنا تكمن عبثية الصراع: حين يولد العدو من داخلك.  ينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، بلا خلاص.

تختفي بيرفيديا، أو تتحوّل روحها الثورية إلى نسخةٍ أصغر منها — ابنة بوب — مع خيطٍ من التعقّل والمغامرة المحسوبة هذه المرة.

يُهزم لوكجاج ويتشوّه من الخارج قبل أن تُشوَى جثته بعد تخديره، في بعدٍ رمزي للتطهير بالنار، خاصة أنه تلاعب بالجينات وأنجب من امرأةٍ سوداء. لكن لا بناء جديدًا في الأفق، فقط بوب على الشاطئ، ينظر إلى المستقبل عبر الموبايل الذي يستخدمه لأول مرة.

لا يوجد نصر هنا. فقط إدراك الذات والفوز بها ... وخوف من تكرار المأساة.

الحذر، بمعناه الجديد القديم، والقلق على ابنته المتمرّدة.

***

بقلم: ياسين غالب

 

كلما أحب الانسان اكثر اتسع قلبه للحب اكثر، فالقلب لا يعيش الا بالحب، كما تعيش السمكة في الماء.

- الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي

- المصدر: حوار خاص مع الکاتب

بهذه العبارة الوجودية الهادئة يفتح عبدالجبار الرفاعي افقا مختلفا لفهم الحب. الحب هنا ليس ملكية ولا عقدا مغلقا بين اثنين، بل حالة حياة. القلب لا يستهلك الحب حين يمنحه، بل يتسع به. كما ان السمكة لا تختار الماء بل تحيا فيه، كذلك القلب لا يختار الحب بل يقوم به. واذا كان الحب بهذه الطبيعة، فهو ليس شيئا نأخذه من الاخر، بل فضاء نكبر فيه معا، من دون ان يضيق او ينقص.

في لوحة التي رسمها رينيه ماغريت عام ۱۹۲۸، يتجسد هذا المعنى بصريا. رجل وامرأة يقتربان حد التلاصق، لكن قماشا ابيض يغطي رأسيهما بالكامل، فيخفي الوجوه ويمحو الملامح. ومع ذلك لا يشعر الناظر بالانفصال، بل بقرب اعمق من الرؤية. القماش لا يمنع اللقاء، بل يعيد تعريفه. نحن قريبون لاننا لا نحتاج ان نرى كل شيء. الحب هنا لا يقوم على الكشف الكامل، بل على الثقة وعلى قبول الغموض.2410 love

توجد نسخة شهيرة من اللوحة في متحف الفن الحديث في نيويورك واخرى في المعرض الوطني الاسترالي في كانبيرا. هذا التعدد لا يبدو تفصيلا عابرا، بل يعيدنا الى فكرة المرايا. الصورة تتكرر كاملة غير منقوصة، كما يتكرر الحب حين يتوزع. كل مرة يظهر كاملا، لا ينقص من ذاته شيئا، ولا يسحب من غيره.

رينيه ماغريت، الرسام البلجيكي واحد اهم رموز السريالية، لم يكن معنياً بالحلم بقدر ما كان معنيا بالفكرة. اعماله لا تهرب من الواقع، بل تزعزع بداهته. الصورة عنده سؤال، لا جوابا. والسريالية هنا ليست غرابة شكلية، بل محاولة لرؤية ما وراء المألوف. في لوحة العشاق، يصبح الحجاب وسيلة كشف. الحب قد يكون اصدق حين لا نملك، واعمق حين لا نحيط.

يتسع معنى اللوحة اكثر حين نقرأها على ضوء ما يقوله ابن عربي: "وما في الموجودات الا محب ومحبوب، حتى السالب والموجب وهما قوام الوجود، حتى ذرات الطبيعة، انما يمسكها الحب ان تزول او تحول، ولولا تعشق النفس للجسم ما تم وجودهما، ولولا حب المعاني للكلمات ما امتزجا ولا عرفا."

الحب هنا ليس شعورا نفسيا، بل قانون وجود. كل شيء قائم به ومتعلق به. الذرات، المعاني، الكلمات، النفس والجسد، كلها لا تجتمع الا بفعل الحب. بهذا المعنى، لا يعود الحجاب في لوحة ماغريت علامة نقص، بل اشارة الى ان العلاقة الحقيقية لا تحتاج الى كشف تام. الحب لا يرى فقط، بل يمسك الوجود من التفكك.

ويزداد هذا المعنى صفاءا مع ابيات لابو مدين التلمساني حيث يقول شيخ الشيوخ:

تملكتموا عقلي وطرفي ومسمعي

وروحي واحشائي وكلي باجمعي

ومن عجب اني احن اليهم

واسأل شوقا عنهم وهم معي

هذه الابيات تكشف مفارقة الحب العميقة.

كيف نشتاق الى من هم معنا، وكيف نسأل عن من يسكنون فينا. في لوحة العشاق، لا يرى العاشقان بعضهما، ومع ذلك هما متلاصقان. القماش لا يفصل، بل يؤكد ان القرب الحقيقي ليس قرب نظر، بل قرب وجود. حضور يسكن الاعماق لا الملامح.

هنا نعود مرة اخرى الى عبارة عبدالجبار الرفاعي الاولى، كأنها مفتاح التأمل في هذه اللوحة. كلما أحب الانسان اكثر اتسع قلبه للحب اكثر.

لوحة العشاق لا تقول شيئا خارج هذا المعنى، بل تراه. القماش الابيض الذي يحجب الوجوه لا يضيق العلاقة، بل يوسعها.

فالحب هنا لا يعيش بالرؤية ولا بالامتلاك، بل بالاتساع. القلب الذي لا يعيش الا بالحب يشبه هذين الجسدين المتقاربين، لا يحتاجان ان يريا كي يكونا معا. كما تعيش السمكة في الماء من دون ان تساله، يعيش القلب في الحب من دون ان يحوزه. هكذا تصبح لوحة العشاق ترجمة بصرية لهذه العبارات وشهادة على ان الحب حين يكون بعدا وجوديا لا ينقص حين يخفى، ولا يضيق حين يتسع، بل يكتمل كما هو، كاملا في كل مرة.

***

د. احمد عابر

 

حضيري أبو عزيز الشاب القادم من ريف الشطرة، موهبة فريدة في الغناء منذ أيام صباه، صوت ريفي جنوبي ممتلئ عذوبة في الأداء واللحن، اختلف عن زملائه من مغنّي هذا اللون، كان يتطلع نحو التجدد، فامتلك جسارة ابن المدينة ليسافر إلى بلاد الشام، غنّى هناك، ومثّل في أفلام بزي مدني.

   حضيري ابو عزيز حالة فنية شديدة الخصوصية في الغناء العراقي. فهو مطرب ريفي الجذور، لكنه حاول أن ينقل صوته من الفضاء القروي إلى أفق المدينة: غير أن هذا التحول الشكلي لم يُلغِ البنية النفسية العميقة التي تشكّل وعيه الغنائي، بل جعلها أكثر توتراً، وأكثر انكشافاً.

أغنية "أحميّد" تمثل ذروة هذا التوتر، لأنها لا تُغنّى بوصفها سرداً غزلياً، بل تُبنى كـ "حوار" نفسي صراعي بين عاشق ومحبوبه، بين ذات مهووسة وذات تحاول الانفلات.

العاشق: يطارد، يتوعد، يقسم، يبالغ، ويحوّل الحب إلى فعل امتلاك.

- الحبيب ينسحب خائفاً. خوفاً من “العاذل” و”الأهل” و”الفضيحة”.

نحن أمام دينامية نفسية قهرية:

كلما ابتعد الحبيب ازداد إصرار ابو عزيز ملوحاً بالعنف..

العنف الرمزي

والتهديد بوصفه تعويضاً عن العجز متوعداً (احميّد): آنه لك وانت لي.

يلجأ حضيري إلى التهديد الخيالي بوصفه تعويضاً عن فقدان السيطرة.

في «أحميد» تتخذ هذه الآلية أشكالاً أسطورية:

    گتله لون بين السما والأرض

اطّير

اصعدلك منو اليعترض؟

گال إذا حبل الوصل ينگرض

گتله أشدّه وحگ الفرض خمسه العباد

واوصل لغايتي حميد يا مصايب الله

   يتحول الحب من رغبة في اللقاء إلى هاجس مطاردة، ومن وعد بالعشق إلى تهديد مبطّن بالاستحواذ ؛

گلي إذا طبيت ارض الفلا

گتله أشگ بطن الارض بقنبلة

وانزل عليك ولا هاب البلا

وألزمك من ياختك لو تنجمع كل الملا متخلصك من إيدي

متخلصك وتفل حسبتي

حميد لو موش انته؟

هنا تتصاعد السادية العاطفية، ابو عزيز يمسك برقبة الحبيب يشدد الخناق، فلا خلاص يمكن ان ينقذ الحبيب المسكين من قبضة حضيري.

گلي إذا صرت طير وطرت

گتله اصعد لجوف السما لو طرت

گلي إذا سمچه أصير وغرت

گتله اغور وياك لو ابحرت

هذا العشق القهري يختلط فيه الحب بالخوف، والغيرة، الرغبة بالعدوان، وم ثم التوسل ليس امام الحبيب سوى السؤال وهو غير مصدق: گلي صدگ هذا الحچي بداعتي؟

 هنا تكتمل المفارقة النفسية

مع كل التهديدات الخارقة التي يطلقها العاشق – وتصاعد الخيال العنيف، تراجع الأمان الداخلي. ليخاطب قلبه:

"يگلبي بيمن بعد تأمن يا ويلي يا خايب"

نكتشف أن كل تلك التهديدات لم تمنحه يقيناً، بل استنزفته.

فالعاشق الذي توعد، ينتهي إلى ذاتٍ تشكّ في أبسط ما تملك.

ابو عزيز يستعير اجنحة الحلم، معلقاً بين أرض لا تجيب، وسماء تسأل: حميد إنت لو موش انته؟ تنغلق أمامه السبل كلها.

حضيري:

لا يحجبك جدار نحو الآفاق تنادي:

على درب اليمرون أريد اگعد وانادي

من يخفف عنك حرقة الشوق ويبعث فيك السلوى؟ غير صنوك داخل حسن يشاركك النواح في ثنائية لعاشقين معذبين: يحضيري بطل النوح شالت هديه !

***

د. جمال العتابي

يقول غابرييل غارسيا ماركيز في رواية "الحب في زمن الكوليرا": إن الإنسان لا يولد مرة واحدة يوم تضعه أمه، بل تلزمه الحياة أن يعيد ولادة نفسه مرارا.

بهذا المعنى يمكن فهم داود الذي نراه اليوم، بعد خمسة قرون من نحت ميكيلانجلو، وفي استحضار جديد يقدمه نادي حكيم. ليس داود المنتصر، ولا داود الجسد المثالي، بل داود في لحظة المخاض الأبدي: لحظة أن يلد الإنسان نفسه بنفسه، قبل أن يعرف إلى أين سيقوده مصيره.

ما يفعله حكيم جريء ودقيق في آن. فهو، بصفته جراحا يعرف الجسد من الداخل، ونحاتا يعرف كيف ينقذ الشكل من مادته، لا يعيد إنتاج داود، بل يعيد تفكيكه. يجرده من الجسد، لا ليلغي القوة، بل ليكثفها في موضعها الأصلي: الرأس، الوعي، اللحظة التي تسبق الفعل. ثم يضع هذا الرأس فوق الماء، لا على أرض ثابتة، ولا في ساحة معركة، بل على سطح متحرك، عاكس، بلا قرار.2400 ahmad

وهنا يبدأ التأمل....

الرأس العائم فوق الماء ليس صورة جمالية فقط، بل سؤال وجودي. الماء مرآة، لكنه أيضا هاوية. هو الحياة في سيولتها، واللايقين في عمقها، والعدم في صمتها. داود لم يعد واقفا بثبات، بل حاضرا في فضاء معلق، حيث لا يحمل الجسد وزنه، ولا تضمن الأرض توازنه. كأن حكيم يقول: في اللحظات الفاصلة، لا نحتاج إلى الجسد كله، بل إلى الوعي فقط. إلى تلك الحقيقة الدقيقة التي تعرف الإنسان لا بعضلاته، بل بإدراكه.

هنا يلتقي العمل مع ما رآه أبو حامد الغزالي في الإنسان: أن جوهره ليس الجسد، بل تلك اللطيفة العارفة التي تدرك وتحاسب وتخاطب. داود فوق الماء ليس جسدا بلا رأس، بل رأس صار إنسانا كاملا، حضورا مجردا من كل حماية زائفة: لا درع، لا سلاح، ولا أرض تحت القدمين. فقط وعي كامل في مواجهة المجهول. وهذا الوعي هو عين القوة.

أما محيي الدين ابن عربي، فقد رأى الإنسان الكامل بوصفه نقطة توازن بين العوالم، لا غالبا ولا مغلوبا، بل شاهدا وحافظا للمعنى. داود، في هذه اللحظة، لا يحفظ العالم بقوته، بل بوجوده الواعي، بحضوره في البرزخ: بين الفعل وإمكانه، بين الحياة والموت، بين اليقين والاحتمال.

وهنا تتضح المسافة بين ميكيلانجلو وحكيم. ميكيلانجلو، حين نحت داود، تعمد ألا ينحته مع رأس جالوت. لم يختر لحظة النصر، كما فعل من سبقه، بل لحظة ما قبلها. جسده مشدود، عضلاته متوترة، نظرته مشحوذة نحو عدو لم يظهر بعد. إنه داود الاستعداد البدني، حيث الجسد هو ساحة التوتر. أما حكيم، فاختار لحظة أعمق. لم يعد الجسد هو الساحة، بل العقل. لم تعد العضلات هي مركز القوة، بل الوعي الصافي. الرأس وحده، فوق الماء، يقول إن المعركة الحقيقية تبدأ قبل الحجر، وقبل الجبهة، وقبل الدم.

والماء هنا ليس خلفية، بل معنى. إنه برزخ بين الوجود والعدم. داود لا يقف، بل يطفو. لا يثبت، بل يتمايل مع تيار الحياة. وهذا التمايل ليس ضعفا، بل اعتراف صريح بأن الإنسان لا يملك النتائج، بل يملك فقط حضوره في اللحظة. وهنا يلتقي داود مع عبارة ماركيز: أن نسمح لأنفسنا أن نتأرجح، وأن نعيد ولادة ذواتنا، لأن الحياة لا تمنحنا يقينا ثابتا.

العري في العملين يأخذ هنا معنى مختلفا. عري داود عند ميكيلانجلو هو اكتمال الجسد الإنساني. أما عند حكيم، فالعري أعمق: غياب الجسد نفسه. كأن الرأس العائم يقول: في النهاية، هذا ما يبقى منك. وعيك. حضورك. كل ما عدا ذلك قابل للغرق.

داود، في هذه الاستعادة، لا يسأل: هل سينتصر؟ بل: هل سيبقى حاضرا؟ هل سيحفظ المعنى قبل أن يتحول إلى فعل؟ هل سيشهد على نفسه في لحظة الاختبار؟

وهنا تتكثف الفكرة التي يشد بها هذا النص خيطه الأساسي: أن الاستعداد أعمق من النصر، وأن الوقوف أمام الاحتمال أكثر كشفا من الغلبة، وأن اللحظة التي تسبق الفعل تحمل من المعنى ما لا تحمله النتيجة أبدا.

حين يعيد نادي حكيم نحت داود، لا يعيد الرمز، بل يعيد السؤال: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في لحظة الاختبار؟ لا في لحظة النصر، ولا في لحظة الهزيمة، بل في تلك المسافة الدقيقة بين ما أنت قادر عليه، وما لم تختبره بعد.

داود فوق الماء هو إنسان البرزخ. بين الرعي والملك، بين الحجر والجبهة، بين الخوف والإيمان، بين الجسد والروح. وفي هذه البرزخية تحديدًا يصبح الإنسان جديرا بالخلافة، لأن العالم لا يحتاج دائما إلى من ينتصر، بل يحتاج أولا إلى من يشهد.

ليس المهم أن نحمل رأس جالوت دليلا على الغلبة. المهم أن نقف، بكامل انتباهنا، دون أقنعة، ودون ضمانات. أن نلد أنفسنا في كل لحظة اختبار. وأن نطفو، مثل داود، فوق ماء اللايقين، ممسكين بيقين واحد فقط: أننا هنا، أننا حاضرون، وأن هذا الحضور، وحده، هو ما يجعل الإنسان إنسانا.

***

د. أحمد عابر

 

العزلة واليوتوبيا في مئة عام من العزلة

تُعَدّ مسألةُ الهوية من أكثر المفاهيم التباسًا في الدرس النقدي المعاصر؛ إذ لا يمكن تناولها بوصفها معطًى ثابتًا أو جوهرًا مكتملًا، بل باعتبارها سيرورةً متوترةً تنشأ في المسافة الفاصلة بين ما تتصوّره الذات عن اكتمالها، وما يتيحه لها العالم من إمكاناتٍ محدودة. ومن هذا المنظور، تغدو الرواية الفضاءَ الأخصب لتمثيل هذه السيرورة، لأنّها لا تُشيّد هويةً جاهزة، بل تُسرِّدُ أزمة تكوّنها، وتحوّل النقص إلى مادةٍ تخييليةٍ وإشكالٍ جماليّ.

في هذا الأفق النظري يمكن قراءة رواية مائة عام من العزلة للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز بوصفها مختبرًا سرديًا كثيفًا لتجلّي الهوية بوصفها جدلًا دائمًا بين نقص العالم وتطلّع الذات إلى تجاوزه، وبين أصلٍ متخيَّل ويوتوبيا مؤجَّلة، وبين تصوّرٍ أخلاقيٍّ للحياة وتحقّقاتٍ تاريخيةٍ تخونه باستمرار.

أولًا: تأطير نظري – الهوية السردية بين الحبكة والأنطولوجيا

يذهب بول ريكور في كتابه الذات عينها كآخر إلى أنّ الهوية السردية تتأسّس عبر الحبكة، لأنّ الحبكة تُعيد تنظيم الزمن وتمنح الأفعال وحدةً قابلةً للفهم، وبذلك “توفّق بين الثابت والمتغيّر في الشخصية” (ريكور، 1990). غير أنّ الاقتصار على هذا التصوّر قد يُفضي إلى ردّ الهوية إلى انتظامٍ شكليٍّ في الزمن، في حين أنّ الرواية الحديثة – ومنها رواية ماركيز – تكشف أنّ المسألة أعمق من مجرد تماسك سردي؛ إنّها تتعلّق بوعيٍ أنطولوجيٍّ بالنقص، يتجاوز انتظام الأفعال إلى مساءلة إمكان المعنى ذاته.

فالهوية السردية ليست نتاج “كلٍّ” مُنجَز، بل نتاج توتّرٍ بين كُلٍّ متخيَّل وكُلٍّ متعذّر. إنّها، بتعبيرٍ تحليليّ، بناءٌ رمزيٌّ يتشكّل عبر نفي ما يتحقّق، لا عبر تثبيته. ومن هنا يتقدّم مفهوم العجز بوصفه مبدأً مولّدًا للسرد، لا عرضًا طارئًا عليه. فالعالم الروائي ليس مكتملًا، والذات لا تجد فيه استجابةً كافيةً لتطلّعاتها؛ لذلك تُنتج الحكاية بوصفها محاولةً لإعادة ترتيب ما تراه متشظيًا.

ثانيًا: ماكوندو – تأسيس العالم على هشاشة الأصل

تبدأ الرواية بمشهدٍ صار علامةً على التداخل بين الذاكرة والزمن: «بعد سنواتٍ طويلة، وأمام فرقة الإعدام، كان على الكولونيل أوريليانو بوينديا أن يتذكّر تلك الظهيرة البعيدة التي أخذه فيها أبوه ليتعرّف إلى الثلج».

هذه الجملة الافتتاحية تكثّف البنية الزمنية للرواية: المستقبل يستدعي الماضي، والذاكرة تُؤسّس الحاضر، والموت يظلّل التذكّر. فالزمن هنا ليس خطيًّا، بل دائريٌّ أو حلزونيٌّ، يلتفّ على نفسه ويعيد إنتاج مصائره. وهذا البناء الزمنيّ يُفكّكُ فكرة التقدّم، ويجعل الهوية أسيرةَ تكرارٍ لا فكاك منه.

إنّ قرية “ماكوندو” في بدايتها تبدو فردوسًا بدائيًا: «كان العالم حديث العهد بحيث كانت الأشياء تفتقر إلى أسماء، ولكي يُشار إليها كان لا بدّ من الإشارة إليها بالأصابع».

غير أنّ هذا “الأصل” ليس اكتمالًا، بل طفولةٌ ساذجةٌ سرعان ما تنفتح على التاريخ والعنف والاستغلال. فدخول شركة الموز الأجنبية – في تمثيلٍ واضحٍ لاستعمار اقتصاديّ – يُحوّل المكان إلى مسرحٍ لمجزرةٍ تُمحى من الذاكرة الجماعية، وكأنّ العالم يُعيد إنتاج نقصه عبر النسيان.

بهذا المعنى، الأصل في الرواية ليس نقطة ارتكازٍ صلبة، بل لحظةً عابرةً يُعاد استدعاؤها بوصفها صورةً عن اكتمالٍ لم يتحقّق قطّ. إنّه “مجازٌ للكلّ”، لا حضورًا فعليًا له.

ثالثًا: سلالة بوينديا – الهوية كتكرارٍ مأزوم

تتعاقب أجيال عائلة بوينديا، وتتكرّر الأسماء (خوسيه أركاديو، أوريليانو)، كما تتكرّر الصفات: النزوع إلى العزلة، الهوس، العشق المستحيل، الثورة العبثية. غير أنّ هذا التكرار لا يُنتج تراكمًا معرفيًا أو أخلاقيًا، بل يُفضي إلى إعادة إنتاج المصير ذاته.

الكولونيل أوريليانو بوينديا يخوض اثنتين وثلاثين حربًا أهلية، ويخسرها جميعًا. إنّ الفعل الثوريّ هنا يتأسّس على تصوّرٍ أخلاقيٍّ للعدالة، لكنّ تحقّقاته التاريخية تنقلب إلى عبثٍ وعزلة. في إحدى اللحظات يقول: «الحياة ليست ما عشناها، بل ما نتذكّره وكيف نتذكّره لنرويها».

هذا القول يختزل جوهر الهوية السردية: الحياة لا تُدرك في ذاتها، بل عبر تمثيلها؛ والتمثيل لا يستعيدها كما كانت، بل يعيد تشكيلها وفق منظورٍ متأخّرٍ، مشوبٍ بالخيبة. وهكذا تغدو الهوية نتاجًا لسردٍ يعيد بناء التجربة بعد انكسارها.

رابعًا: العزلة – البنية الأنطولوجية للوجود

العزلة في الرواية ليست سمةً نفسيةً طارئة، بل هي قدرٌ أنطولوجيّ. فكلّ شخصيةٍ تنسحب إلى عالمها الخاص: خوسيه أركاديو بوينديا يعتزل في مختبره محاولًا اكتشاف أسرار الكون.

أمارانتا تنغلق على عذريتها القاتلة.

أوريليانو الثاني يضيع في لذّاته الفارغة.

إنّ كلّ محاولةٍ لبلوغ معنى أو اكتمالٍ تنتهي إلى مزيدٍ من الانغلاق. وكأنّ الرواية تُجسّدُ مقولةً مفادها أنّ العالم لا يمنح الذات ما يكفي لتتطابق مع ذاتها؛ ومن ثمّ تتكاثر صور الانفصال، ويتحوّل العجز إلى هويةٍ جمعية.

خامسًا: المخطوطات والنهاية – انكشاف وهم التأسيس

في خاتمة الرواية، يكتشف أوريليانو الأخير أنّ تاريخ العائلة كان مكتوبًا في مخطوطاتٍ قديمة، وأنّ قراءته لها هي في الوقت نفسه تحقيقٌ لنهايته. تنتهي الرواية بإبادة ماكوندو: «لأنّ الأجناس المحكومة بمائة عام من العزلة لا تُمنح فرصةً ثانية على الأرض».

هذه النهاية لا تُغلق الحبكة فحسب، بل تُغلق وهم الإمكان ذاته. فالهوية التي سعت الأجيال إلى تأسيسها تتكشّف بوصفها أثرًا لنصٍّ سابقٍ عليها، وكأنّ الذات لم تكن سوى قارئٍ متأخّرٍ لمصيرٍ مكتوب.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: الذات التي ظنّت أنّها تُشيّد عالمها بالفعل، تكتشف أنّها جزءٌ من سردٍ مكتملٍ سلفًا. وبذلك تنقلب الحرية إلى وهمٍ سرديّ، ويغدو الاكتمال ضربًا من الاستحالة.

خاتمة تركيبية

تكشف مائة عام من العزلة أنّ الهوية السردية ليست بنيةً مكتملةً ولا جوهرًا قارًّا، بل حركةُ نفيٍ مستمرٍّ لما يتحقّق، ووعيٌ متزايدٌ بالفجوة بين التطلّع والواقع. إنّها نتاج جدلٍ لا يُحسم بين: أصلٍ متخيَّلٍ ويوتوبيا مؤجَّلة،

تصوّرٍ أخلاقيٍّ للعالم وتحقّقاتٍ تاريخيةٍ تخونه،

إرادةِ معنى وزمنٍ دائريٍّ يُعيد إنتاج العجز.

وعليه، فإنّ الرواية لا تُقدّم نموذجًا لهويةٍ ناجزة، بل تُشيّد جماليتها من تسريد الفشل ذاته، وتحويل الخيبة إلى شكلٍ رمزيٍّ كثيف. إنّها، في جوهرها، تأمّلٌ سرديٌّ في هشاشة الوجود، وفي استحالة أن تجد الذات نقطةَ ارتكازٍ قارّةً تضمن لها الاستمرار.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

مراجع وإحالات

ريكور، بول. الذات عينها كآخر، 1990.

ماركيز، غابرييل غارسيا. مائة عام من العزلة، ترجمة صالح علماني، دار المدى.

جورج لوكاش، نظرية الرواية.

ميخائيل باختين، الخيال الحواري.

تزفيتان تودوروف، شعرية النثر.

 

(لحظة بكاملها من السعادة.. رباه، هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟)... فيودور دوستويفسكي من رواية الليالي البيضاء

بهذه الجملة لا يصف دوستويفسكي حبًا مكتملًا، بل لحظة. لحظة وحيدة، مكتفية بذاتها، تكاد تغني عن عمر كامل. ليست وعدا بالمستقبل، ولا امتلاكا للآخر، بل حضورا مكثفا إلى حد أن الزمن نفسه يتقلص داخلها.

السعادة هنا لا تقاس بالاستمرار، بل بالكثافة. وكأن الحب، في أصفى حالاته، لا يطلب الدوام، بل الاكتمال. هذا المعنى يضع الحب خارج السرد الرومانسي التقليدي، ويقرّبه من تجربة وجودية مركزة: الحب ليس ما يمتد، بل ما يحدث. ليس مشروع حياة، بل لحظة يعاد فيها ترتيب المعنى.2397 love

لكن هذه اللحظة المكثفة، على صفائها، ليست بالضرورة متجانسة من الداخل. فحتى في أقصى حالات القرب، قد لا يعيش الطرفان الحب بالطريقة نفسها، أو بالإيقاع ذاته. قد يكون أحدهما أكثر انكشافا أو ترددا، بينما يكون الآخر أكثر هدوءا واكتفاء. وهذا الاختلاف لا يضعف اللحظة، بل يكشف طبيعتها الإنسانية:

الحب ليس تطابقًا كاملا، بل تلاقي حالتين غير متماثلتين في نقطة واحدة من الزمن.

هذا التفاوت الخفي يضيف بعدا آخر للحظة الامتلاء: فهي ليست فقط كثيفة، بل هشة أيضا. الكثافة لا تعني الدوام، والامتلاء لا يلغي قابلية الفقد، بل يجعلها أكثر حضورًا في الوعي، وإن لم تُنطق. من هنا، لا يكون الحب فعل امتلاك، بل حالة انتباه قصوى. ليس حركة نحو السيطرة، بل توقف مؤقت عن التشتت. ومع ذلك، ومن قلب هذه الكثافة، ينهض سؤال أخلاقي يتجاوز الرومانسية:

هل الحب احتكار؟.. وهل يحق للمحب أن يطلب من الآخر أن يحبه لا سواه؟.. في هذا السياق، يقدم عبد الجبار الرفاعي تفكيكا مهما لفكرة احتكار الحب، حين يشبهها باحتكار الخلاص يوم القيامة لدى بعض الأديان. فكما يختزل النجاة أحيانا في جماعة واحدة، يختزل الحب في شخص واحد بوصفه الممر الوحيد للمعنى. هذا الفهم، كما يشير الرفاعي، يتجاهل أن مراتب الحب تختلف شدة وضعفا، وتتنوع كيفياته. فالحب ليس كتلة صلبة تستحوذ، بل طيف واسع من العلاقات، لكل واحدة مقامها وحدودها.

غير أن هذا الطيف لا يلغي التوتر الذي يلتقطه المتصوفة بدقة. يقول محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية: اعلم أن الحب لا يقبل الاشتراك، فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلًا، لأن القلب لا يسعهما.

عبارة صادمة في ظاهرها، لكنها لا تتعلق بعدد الأشخاص، بل بوحدة المعنى. فالقلب لا يحتمل محبوبين متنازعين، لكنه قد يتسع لوجوه متعددة لمعنى واحد. لذلك يستشهد ابن عربي ببيت ينسب إلى علي بن أبي طالب:

ملك الثلاث الأنسات عناني

وحللن من قلبي بكل مكان

ليبين أن التعدد ممكن حين يكون المعشوق واحدًا في جوهره.

أما أبو حامد الغزالي، فيذهب أبعد في ربط الحب بالانصراف الوجودي، حين يقول في إحياء علوم الدين:

من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر.

هنا يبلغ الحب ذروته بوصفه حالة إقصاء، لا إقصاءً أخلاقيًا للآخرين، بل انشغالًا كاملًا يمنع القلب من التوزّع.

الحب، حين يبلغ أقصاه، يعيد ترتيب العالم كله حول مركز واحد. لكن هذا الانشغال نفسه لا يخلو من توتر إنساني صامت.

فالحب حين يشتد، لا يكتفي بالتركيز، بل يحمل في داخله خوفًا خفيفًا من الفقد، لا يفسد اللحظة، بل يجعلها أكثر صدقا. هنا يتضح الفارق الدقيق بين نوعين من الاحتكار:

الاحتكار بوصفه أنانية وامتلاكا، والاحتكار بوصفه كثافة حضور وانتباه. العالم لا يلغى لأن المحب يكره سواه، بل لأنه، في لحظة الامتلاء، يصبح زائدا عن الحاجة.

هنا يلتقي دوستويفسكي مع ابن عربي والغزالي والرفاعي، رغم تباعد عصورهم: الحب ليس وعدا دائما ولا حقا مكتسبا، بل لحظة امتلاء. قد تكون لحظة واحدة، لكنها قادرة على أن تمنح الحياة معناها. المشكلة لا تبدأ حين نحب شخصا واحدا، بل حين نطالب أن يكون هذا الحب خلاصًا نهائيا، أو معيارا يقصي سائر أشكال القرب الأخرى. في هذا المسار، يصبح الحب اختبارا أخلاقيا دقيقًا:

هل نحب لأننا حاضرون؟ أم لأننا نريد أن نحتكر المعنى؟ وربما، كما قال دوستويفسكي، لا تحتاج حياة الإنسان إلى أكثر من لحظة واحدة من هذا الامتلاء، إذا كانت صادقة بما يكفي.

***

د. أحمد عابر

 

لاريب أن الذكاء الإصطناعي اصبح اليوم، أداة فعالة للإبداع، في مختلف المجالات، لما يتمتع به من تقنيات متقدمة في تطبيقاته، وما تتميز به خوارزمياته المتطورة من امكانات هائلة في التغذية.

ولذلك بات الأمر يتطلب الانتباه الى ضرورة استخدامه بحكمة متناهية، لكي لا يستلب الحس المرهف في النتاج الإبداعي، فيتحول إلى نص ٱلي جاف، خال من المشاعر والعواطف الوجدانية، التي تميز النتاج الابداعي للكاتب، الذي ينبغي عليه أن يحافظ على نقاء الحس المرهف في نتاجه، ويحرص على التعبير عن أفكاره، ومشاعره الوجدانية، بطريقة مؤثرة.

وتجدر الإشارة الى انه أصبح بإمكان الآلات، إنتاج نصوص، وموسيقى، وفنون، بصورة مذهلة، ومدهشة، في ظل ثورة اتمتة المعلومات، وعصر الذكاء الإصطناعي، وبصورة قد تقترب شكلا، وتعببرا، من النتاج الادبي للكاتب، حتى بات السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح، كيف نحافظ على الحس المرهف، والنفحات الوجدانية في النتاج الإبداعي، من الإستلاب، والمسخ؟ لاسيما وان الحس المرهف، يعد كما هو معروف، من بين ابرز ما يميز الإبداع البشري من سمات عن النتاج الآلي، فالحس المرهف هو جوهر الإبداع، الذي يمنح الكاتب، القدرة على التعبير، عن مشاعره، وأفكاره بطريقة مؤثرة، حيث ان الحس المرهف، هو ما يجعل العمل الإبداعي، يلامس القلب، ويبقى في الذاكرة.

ومع ان الذكاء الإصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية للإبداع، إلا انه يمكن أن يسلب الحس المرهف، إذا لم يستخدم بحكمة، لاسيما وأن الآلات اصبح بامكانها إنتاج نصوص، وموسيقى، وفنون، بسرعة، وبدقة، ولكنها تظل تفتقر إلى الحس المرهف، الذي يميز الإبداع البشري عن غيره من النتاجات.

ولكي نحافظ على نقاء الحس المرهف من الاستلاب، والمسخ، فان استخدام الذكاء الإصطناعي، ينبغي أن ينحصر في حدود كونه أداة لإنتاج أفكار جديدة، وحسب، دون السماح له بسلب الحس المرهف للنتاج.

***

نايف عبوش

الحقيقة أنني لم أكن أعرف الدكتور سعيد السريحي شخصياً. لا أدري لماذا يشعر المرء بالحاجة إلى توثيق هذه المقدمة بهذا الشكل، وكأنه يعتذر عن شيء. ربما لأننا تعودنا ألا نكتب عن أحد إلا إذا جلسنا معه على مقهى، أو تبادلنا أطراف الحديث في مؤتمر، أو كانت لدينا صورة تجمعنا به في مكان ما. ربما لأن ثقافتنا العربية تحب الشهادة الحية أكثر مما تحب القراءة المتأنية.

لكن الحقيقة الأخرى هي أنني قرأت له. وهذا في النهاية هو السبيل الوحيد الذي يجعل كاتباً ميتاً قادراً على مصافحة كاتب حي. القراءة. هي الجسر الوحيد الذي لا تهدمه الوفاة.

***

«الحياة خارج الأقواس».

هذا العنوان وحده كان كافياً.

تذكرت وأنا أقرأ السيرة التي كتبها، تلك المقولة التي لا أعرف إن كان قالها هو أم قالها غيره، لكنها عالقة في ذهني: «لا تكتب سيرتك الذاتية لتعترف، بل لتفهم». وهكذا كان. لم يكتب الراحل الدكتور سعيد السريحي سيرته كما يكتبها غيره، لم يجمع التواريخ ويصف الأمكنة ويعدد الأسماء. كان يحفر في نفسه كما يحفر عالم آثار في تل قديم، لا يبحث عن القطع الأثرية المصقولة، بل عن الكسرات التي تروي حكاية أعمق.

هذا هو الاختلاف الجوهري.

هذا النوع من الكتابة لا يشبه السيرة الذاتية التقليدية. إنه أقرب إلى التشريح، لكن بأدوات جراح لا يخشى الدم. كنت تقرأ الفصل فتتوقف لحظة، تضع الكتاب جانباً، وتتساءل: هل يقول عني هذا أيضاً؟.

لا أدري لماذا يشعر القارئ أحياناً بأن الكاتب يتسلل إلى رأسه ليلاً. ربما لأن التجربة الإنسانية، رغم تنوعها، تشترك في نقاط التماس ذاتها: الخوف من الفشل، الهاجس بالزمن الضائع، الوحشة وسط الزحام، والشك الدائم في أننا جميعاً نؤدي دوراً لا نرغب فيه.

(السريحي) تجرأ وكتب عن ذلك. خرج من تحت الأقواس المذهبية والمنهجية والاجتماعية، ووقف في العراء. والعراء مكان مرعب.

***

ثم «حجاب العادة».

عنوان يستفزك منذ الغلاف.

الرجل لا يكتب عن الكرم كفضيلة بديهية. هذا ممل. هذا ما يفعله خطباء الجمعة وأعمدة المجلات النسائية. (السريحي) يطرح السؤال الأكثر خطورة من الذي قرر أن هذا كرم وذاك بخل؟ كيف تحولت العادات إلى أخلاق، ثم تحولت الأخلاق إلى مسلمات، ثم تحولت المسلمات إلى سجن؟

الحقيقة أنه كان يمتلك تلك العين السينمائية التي ترى ما لا يراه الآخرون. عندما ينظر إلى مشهد عادي- ضيوف يصلون، مضيف يجهز القهوة، مجاملات تتطاير في الهواء - كان يرى طبقات من الخطاب المطوي. يرى السلطة وهي تختبئ خلف الكرم، يرى التراتبية الاجتماعية تحت مسمى «تقدير الضيف»، يرى الرقابة الذاتية التي تمارسها الجماعة على الفرد عبر مدح فضيلة العطاء.

هذا النوع من القراءة لا يدرس في الجامعات.

يمكنك أن تدرس طالباً عشرين عاماً قواعد النقد ومناهج التحليل، لكنك لا تستطيع أن تمنحه هذه النظرة. إما أن تكون لديه، وإما أن تظل كتاباته صحيحة نحوياً وميتة روحياً.

(السريحي) كانت لديه.

***

«غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم».

الحقيقة المؤكدة هي أننا نمر على مئات الأشياء يومياً دون أن نراها.

تمر القهوة في أيدينا صباحاً ومساء، نتجرعها في الاجتماعات المملة، نقدمها للضيوف بآلية تخلو من التفكير، نفرح بفناجينها المزخرفة، نشتم رائحتها فنستيقظ. لكن (السريحي) نظر إلى فنجان القهوة فرأى فيه عالماً.

كان مهتماً بالخطاب. بالتحريم والإباحة. بالتسمية والسلطة.

ليس مهماً أن تختلف مع تفاصيل تحليله. المهم أنك بعد أن تقرأه، لن تنظر إلى القهوة بالطريقة ذاتها. وربما، وهذا هو الأهم، لن تنظر إلى أي شيء بالطريقة ذاتها. هذه هي المعضلة الحقيقية مع كتاب كهذا: يفسدون عليك متعة الاستهلاك الساذج. يضعون في رأسك أسئلة لا تنام.

***

ثم هنالك الجرأة.

نتحدث كثيراً عن الجرأة في الثقافة العربية. كل أسبوع نكتشف كاتباً جريئاً، وكل شهر ندفن كاتباً قالوا عنه إنه تجرأ أكثر مما ينبغي. لكن جرأة (السريحي) كانت من طراز خاص؛ ليست جرأة الصوت العالي ولا الصادم المجاني. إنها جرأة الرجل الذي يقرر أن يفكر بصوت مسموع، في مجتمع لا يحبذ أن يفكر أحد بصوت مسموع.

هذه الجرأة كلفته.

لا أحد يكتب «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث» في التسعينيات ثم يجد الطريق مفروشاً بالورود. لا أحد يفكك خطاب «الصحوة» ويكتب «كي لا نصحو ثانية» ثم يتوقع أن يصفق له الجميع. لكن المثير للاهتمام - وهو ما يبدو واضحاً لمن يتتبع سيرته - أنه لم يكن مهتماً كثيراً بالتصفيق. كانت لديه هذه العادة السيئة، يكتب ما يعتقده، لا ما يضمن له مقعداً في الصف الأول.

***

هذه هي المفارقة، أليس كذلك؟

نحن في الوسط الثقافي نمارس لعبة غريبة. نتباكى على فقدان الجرأة، ونبكي على من رحلوا، ونكتب مقالات التأبين الباكية، لكننا في حياتنا اليومية - وقبل رحيلهم - كنا ننظر إليهم بارتياب. نضعهم تحت المجهر. نبحث في سيرهم الذاتية عن هفوة، في كتاباتهم عن زلة، في مواقفهم عن تناقض.

(السريحي) لم يسلم من ذلك.

وبرحيله، اكتشفنا فجأة أننا فقدنا شخصاً لم نكن نحسن قراءته وهو حي.

***

الحقيقة التي أحاول الوصول إليها، بعد هذه الرحلة القصيرة في مشروعه، هي أن (سعيد السريحي) كان يمثل نموذجاً نادراً، مثقف يرفض أن يكون ديكوراً !.

في ثقافتنا كثير من الديكورات. لوحات جميلة معلقة على الحائط، لا تؤثر في حرارة الغرفة ولا في هوائها. كتاب يصدرون كتباً، يحضرون مؤتمرات، يظهرون في شاشات، يلتقطون صوراً مع الوزراء، ثم يرحلون وكأنهم لم يكونوا.

(السريحي) لم يكن ديكوراً.

كان - باستعارتي الخاصة - «ناراً تحت الرماد» . قد لا تراها مباشرة، قد تظن أن الرماد هو كل شيء، لكنك إذا اقتربت كفاية، وضعت يدك فوقه، شعرت بحرارته.

***

لا أعرف إن كان (سعيد السريحي) سعيداً حقاً.

العنوان الفرعي لسيرته يقول إنها «سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد». كلمة «المدعو» تحمل شيئاً من السخرية المريرة، من المسافة التي يضعها الكاتب بينه وبين اسمه. من لا يشعر باغترابه عن هويته لا يكتب هكذا.

ربما لم يكن سعيداً.

لكن السؤال الذي يلح علي، وأنا أكتب هذه الكلمات في ليلة من ليالي فبراير 2026، ليس هل كان سعيداً؟، بل هل كان يستحق العناء؟.

والإجابة، ببساطة، هي نعم.

كل كتاب تركه، كل سطر كتبه، كل محاضرة ألقاها، كل طالب علمه كيف يشك في البديهيات، كل قارئ فتح عينيه على عالم غير الذي كان يراه، كل هذا كان يستحق العناء.

***

يقولون إن الإنسان يموت مرتين.

الأولى حين يتوقف قلبه عن النبض.

والثانية حين يتوقف الناس عن قراءته.

(السريحي) لا يزال على قيد الحياة. أمسكت بأحد كتبه قبل أيام، كان موضوعاً على رف لم أفتحه منذ سنة. فتحت العشوائية، وبدأت أقرأ. بعد دقائق، وجدت نفسي أحدثه: «حسناً يا دكتور، هذه النقطة لا أوافقك عليها».

هذا هو الخلود الوحيد الذي يستحق الذكر.

***

قبل أن أنهي هذه الكلمات، أتذكر شيئاً قاله الروائي أحمد خالد توفيق - وهو الآخر رحل تاركاً فراغاً لا يملأه أحد - عن الموت والكتابة. لا أتذكر النص حرفياً، لكن الفكرة كانت: أننا نكتب لأننا لا نستطيع أن نعيش مرتين، فنحن نفعل ذلك على الورق.

(سعيد السريحي) عاش أكثر من مرة.

عاش في المملكة العربية السعودية حيث درس وعلم وأبدع، وعاش في القاهرة حيث ناقش وشكك وحاور، ويعيش الآن في كل مكتبة تضم كتبه، في كل قارئ يفتح «الحياة خارج الأقواس» لأول مرة، في كل باحث يعود إلى «غواية الاسم» ليستخرج منه دلالة جديدة.

ربما هذا هو ما تبقى لنا في النهاية.

ليس الموت هو النهاية، بل النسيان. و(السريحي)، بجدارة، لن ينسه أحد.

***

د. عبد السلام فاروق

رسم هذه اللوحة الفنان الفرنسي ويليام ادولف بوغيرو عام 1888، وهو احد ابرز رموز الرسم الاكاديمي الفرنسي في القرن التاسع عشر، المعروف بمعالجته الهادئة للموضوعات الانسانية الوجودية. لا يندفع بوغيرو نحو الدراما الصاخبة، بل يتوقف عند لحظة ما بعدها، عند الصمت الذي يعقب الفاجعة، حيث يبدأ المعنى في التشكل.

ليست كل بداية ولادة، فبعض البدايات كانت جرحا. هكذا يمكن قراءة لوحة اول الحزن، لا بوصفها مشهدا تاريخيا بعيدا، بل بوصفها لحظة تاسيسية في وعي الانسان بنفسه وبحدوده.

في هذه اللوحة لا نرى الجريمة، بل ما بعدها. لا يد الفاعل، بل جسد الضحية. لا لحظة الفعل، بل زمن العاقبة. الزمن الذي يواجه فيه الانسان، للمرة الاولى، ما لم يكن في حسابه: الموت، والفقد، والعجز، والندم الذي لا يعيد شيئا، ولا يعيد ما كان كما كان.

الاب جالس، يحتضن جسد ابنه لا بقوة، بل بتردد. كأن الذراعين فقدتا معناهما. الابوة، التي كانت اسما للقوة والحماية، لم تعد قادرة على الفعل. والام تنحني في صمت. لا صراخ ولا احتجاج، بل دهشة موجعة امام عالم خرج فجاة عن انتظامه الاول، وامام حقيقة لم تكن معروفة من قبل: ان بعض الاشياء، حين تقع، لا يمكن اصلاحها.

هذه ليست لوحة عن الموت فقط، بل عن انهيار وهم السيطرة. الخطا هنا ليس مجرد فعل عنيف، بل الاعتقاد بان الفعل يمكن التحكم بمصيره. منذ هذه اللحظة ينتقل المشهد من اطار الحدث الى اطار التجربة الانسانية العامة. لا تعود الاسئلة اسئلة ادانة او تبرير، بل اسئلة وعي، وعاقبة، وتحول داخلي. هنا تظهر الحرية، لا كقدرة على الاختيار فحسب، بل كمسؤولية عما يترتب عليه.

بوغيرو لا يضخم الماساة. باسلوبه الاكاديمي الهادئ، يجعل الاجساد مصقولة، والضوء محسوبا، والجمال متقنا. غير ان هذا الاتقان لا يخفف الحزن، بل يضاعفه. كأن اللوحة تقول: حتى في اعلى درجات النظام، يبقى الموت فوضويا، عصيا على التهذيب.

هذا هو اول الحزن، لانه اول مرة يدرك فيها الانسان انه ليس مركز الحكاية. هنا، في هذا المشهد الصامت، يحتل جسد صغير اللوحة كلها، اثقل من التاريخ ذاته. لا بوصفه موتا فقط، بل بوصفه علامة على اللاعودة.

هنا لا يكون الندم دمعة عابرة، بل تحولا داخليا عميقا. وفي هذا المعنى يعرّف ابو حامد الغزالي الندم، في احياء علوم الدين (كتاب التوبة)، بانه توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب، ويذكر ان علامته طول الحسرة والحزن، وانسكاب الدمع، وطول البكاء والفكر. فالندم الحقيقي ليس مشهدا عاطفيا، بل حالة وعي تستقر في القلب وتغير علاقة الانسان بفعله ومعناه.

في حياتنا اليومية نعيش هذا المعنى بصور اخرى. نتصرف احيانا كما لو ان كل شيء قابل للاصلاح، وكأن الاعتذار يعيد الزمن، وكأن النية الطيبة تمحو الاثر. غير ان التجربة تعلمنا ان بعض الافعال، حين تترك اثرها، لا يمكن محوه، بل يمكن فقط تحمله. وهنا، بالضبط، تخرج اللوحة من اطارها الفني الى الحياة، وتتحول الى مرآة لتجاربنا اليومية مع الخطا، والفقد، والنتائج التي لا يمكن التراجع عنها.

اللوحة لا تمنح عزاء جاهزا، ولا تعد بخلاص سريع. لا نور في الافق، ولا وعد مباشرا. فقط انسان يكتشف ثقل الفعل. ولهذا تبدو معاصرة. فنحن نعيش زمن النتائج، لا زمن الافعال وحدها.

اول الحزن ليس حدثا قديما، بل حالة متكررة. كل فقد لا تفسير له، وكل ظلم لا يمكن اصلاحه، يعيدنا الى تلك الجلسة الصامتة امام ما لا يملك الانسان حياله الا الاعتراف.

وفي هذا الاعتراف يتكشف العجز، لا بوصفه ضعفا، بل معرفة مؤسسة. وقد عبر عن هذا المعنى بدقة ابن القيم في مدارج السالكين حين قال: من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة. فالعجز هنا ليس نهاية الطريق، بل بداية رؤية اقل وهما واكثر صدقا، رؤية يتحول فيها الانسان من وهم التحكم الى تحمل المسؤولية.

من هذا الحزن يولد الضمير. ومن هذا العجز تنشأ المسؤولية. لا لان الانسان صار خيرا فجاة، بل لانه صار اقل ادعاء. كأن مسار التجربة يتضح هكذا: الانكسار يوقظ، والتكوين يثبت، ثم تاتي المسؤولية بوصفها الاثر الاكثر نضجا لثقل الفعل.

لهذا تبقى اللوحة حية. لانها لا تعلمنا كيف نتجنب الخطا، بل كيف نعيش بعده.

***

د. احمد عابر

 

هل نستمتع النظر ونحن نرى الصور والكتابات على الحائط ونحن نتجول في المدن؟ وماذا لو تغير سلوك هؤلاء من المراهقين من الخرمشه إلى انتاج فن دائم يكون جزء من تخطيط المدن الحديثة؟ وهذا ما لاحظته في مدن إسبانيا رغم ان هناك أماكن كثيرة فيها كتابات عشوائية يعبر الشاب فيه عن دواخله تجاه المجتمع بتخريب والشخابيط او إرسال رسالة ضمنية إلى حبيبته. تحويل طاقة الشباب إلى عنصر إبداعي شاهدته بين شباب العراق ابان حركة تشرين المباركة والذي تحول فيه العصيان السلمي إلى حركة ثقافية وسياسية وفنية. لكنها لم تستمر مع الأسف.2378 rafeq

كنت خلال سنوات اجلس في هيئة الثقافة في مدينتي ولأربع دورات انتخابية وناقشنا العديد من الأمور الخاصة بالشباب والاستفادة من نشاطهم وتوجيهها إلى خدمة المجتمع واقترحنا تخصيص مناطق خاصة لهم كي يمارسوا فيها رسم الحائط وإجراء مباريات في فن الگرافيت البديع .

2382 ana زرت معرض الفنانة آنا كورتيس وهي مصمه ورسامة لها العديد من الأعمال الفنية في رسم الحائط في العديد من المدن الإسبانية التي تسميها "الرسم داخل الرسومات "، أقول زرت معرضها على قاعة الفن الحديث في مدينة ابن المدينة الأندلسية الساحلية الجميلة .

أعمالها الفنية تعطي انطباعاً بالفرح والسرور وتضيف إلى اجواء المدن الكثير من الفرح . في هذا المصيف الساحلي المسماة برج الطاحونة هناك في الحي القديم التي كانت في البدا مجرد قرية لصيادي الأسماك واليوم مصيف يامه السياح من جميع انحاء العالم وكانت قبلة للفنانتين امثال بيكاسو وسلفادور دالى والعديد من أفلام الهوليودية جرى تصويرها في سواحلها الجميلة حيث أفلام امثال كيري دوگلاس، بريجيت باردو، فرانك سيناترا، ايڤا گاردنر واخرون احدى أعمالها الفنية البديعة حيث كانت المنطقة بأسرها خرائب وتحولت إلى حديقة عامة ذو خلفية جدارية كبيرة بديعة بالوانها الساحرة.

آنا كورتيس التي تستخدم الاسم الفني bosska، بوسكاً مصممة گرافيك ورسامة، وُلدت في مدينة (ألي كانتا) الساحلية على ضفاف آلبحر الأبيض المتوسط، وانتقلت للعيش في مدينة (ملقا) ملتقى الثقافات والشعوب ومدينة كبار الفنانين امثال بيكاسو وأنطونيو بانديراس واخرون، لكن أسلوب رسوماتها متاثرة بأسلوب مكسيكي واضح، وذلك كنتيجة لكونها عاشت في المكسيك سبع سنوات. تخرجت عام ٢٠١٣ بشهادة في التصميم الگرافيكي من جامعة لا سال في كانكون، المدينة التي بدأت فيها مسيرتها في التصميم والرسم. تدعونا الأعمال الفنيةً لهذه الرسامةً إلى التوقف والتأمل، والغوص في طبقات الرمزية والمعنى، والتساؤل عما هو بديهي. في حالة التداخل الحسي، تتلاشى الحدود ويتوقف الإدراك عن كونه خطيًا:

 فالشعور هو أيضًا الفهم. تُطور أسلوبها عبر الزمن، ولغتها البصرية المميزة، والتي تتسم بـ"الرسم داخل الرسومات" وسرد عضوي متأثر بفن (الآرت نوفو) اي (أسلوب الفن الحديث. يتناول في أعمالها الفضاء والهوية والرمزية، ويتجلى في مشاريع وطنية داخل إسبانيا ودولية. في هذه التجربة الحسية المتداخلة، تدعونا بوسكا إلى تجاوز الظاهر وتجربة الصورة كلقاء بين العاطفة والخيال والحواس. على مر السنين، تطورت موهبتها الفنية، واشتهرت بأسلوبها الفريد في الرسم: "الرسم داخل الرسم". وقد أدى هذا الأسلوب إلى إجراء مقابلات معها على شبكة CNN الأمريكية الشهيرة "في أعمالها تجربة على أسلوب الفن الحديث أحاسيس تستوقف النظر وتفتح على طبقات متعددة من المعاني، والصدى، والرمزية. إنها دعوة لتجاوز الحدود المعروفة، التساؤل عن البديهيات، والعيش في مكان يكون فيه الشعور فهمًا. يُغير التداخل الحسي القواعد:

"تتداخل حاسة مع أخرى، ويتوقف الإدراك عن كونه خطيًا"

كتب للتعريف على أعمالها في حائط المعرض.

***

تقرير وصور: توفيق رفيق آلتونچي

الأندلس 2026

......................

اشارات:

bosska.es

مركز مدينة ابن المدينة للمعارض؛ من الأربعاء إلى السبت: من 9:30 صباحًا إلى 1:30 ظهرًا / من 5:00 مساءً إلى 7:00 مساءً أيام الأحد والعطلات الرسمية: من الساعة 10:00 صباحاً إلى الساعة 2:00 مساءً. ‏ce@benalmadena.es / هاتف: 952 56 28 20

هذا الموضوع ليس لمجرد القراءة العابرة، بل هو دعوة للتأمل العميق. لو أنزلنا فلسفة المفكر الجزائري مالك بن نبي على واقعنا المعاصر في عام 2026، لادركنا حقيقة مرة: أننا برغم كل مظاهر التطور، لا نزال نعيش جهلاً مركباً؛ نجهل جوهر ديننا، وننساق خلف "دراويش العصر الجديد".

وثنية "صنم الذات" وضياع العقيدة

في هذا العصر، انتشرت وثنية خطيرة جداً؛ حيث نصبنا "صنم الذات العليا" بدلاً من الخضوع لله، مما أدى لغياب عقيدة كاملة من وجداننا. أصبح الموت مجرد كلمة باردة لا نخشاها ولا نعمل لها، لأن بريق "الروحانيات الزائفة" وتنمية الذات طرح أفكاراً وثنية مغلفة بأسماء براقة مثل "الجسد الأثيري" و"العقل الباطن".

وحين ظهر صنم العقل الباطن، اختفى التوكل الحقيقي على الله والرضى بأقداره. حتى الإيمان بالقدر (خيره وشره) تم تمييعه ليصبح مجرد "جذب للأفكار" السلبية والإيجابية. ومع صعود صنم "الطاقات"، ضاع الأمان النفسي وحلت الأنانية، وأصبحت الشعوذة تُقدم لنا كـ "درع حماية".

لقد أصبحنا اليوم أكثر جهلاً من عجائز الماضي؛ فهنَّ كنَّ يبخرن بالجاوي ويتمتمن بالطلاسم، أما نحن "المتعلمون"، فنتأمل ونفعل الطاقات، ونستخدم الموسيقى والخيال لتسكين أرواحنا المنهكة، هرباً من مواجهة الحقيقة.

تحذير مالك بن نبي وباب "التيه"

يقول مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة:

"لقد كان من واجبنا أن ننتبه فلا نلدغ من جحر مرتين، غير أننا لم نكن في الواقع قد تخلصنا من الأسلوب الخرافي، ذلك الأسلوب الطفولي الذي نتجت عنه قصة ألف ليلة وليلة... ولو أننا احتطنا لأنفسنا بمثل هذه الاحتياطات البسيطة لاستطعنا منذ ذلك التاريخ أن نواجه الواقع، وأن نحل مشكلتنا بأيدينا حلاً واقعياً علمياً."

ماذا لو عرف بن نبي أننا نخصص ساعات لقراءة روايات الجن وعوالمهم؟ ماذا لو رأى انبهارنا بخزعبلات "الزوهرية" وطاقة الأحجار الكريمة و"ألوان الهالة"؟ إن هذا الكلام المنمق الذي ظاهره "علم ومنطق" ليس في باطنه إلا شرك ووثنية مقنعة.

الهروب من التغيير النفسي إلى "الدروشة السياسية"

المشكلة ليست في الحكومات أو القادة كما اعتدنا أن ندعي؛ فالحقيقة التي أعادها لي بن نبي هي أننا نركض خلف سراب "طاقة الحياة" لنروي عطش أرواحنا في صحراء التيه، بينما نبتعد عن حقيقة التغيير الأصيلة. نحن نسعى لـ "التميز الخارق" وتفعيل الطاقات بينما دواخلنا تعاني من انهيارات وانجرافات تحتاج لتنظيف قبل البناء فوق الركام.

يقول مالك بن نبي موضحاً أصل الداء:

"ألم تكن المعجزة الحقة في تحويل الأمة وتقدمها شيئاً أغلى من هذا السراب؟ ألم يكن موطن المعجزة هو ما دل عليه القرآن؛ أي في النفس ذاتها؟.. إن الاستعمار ليس من عبث السياسيين، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار، والتي تمكن له في أرضها."

إن التحرر الحقيقي لا يأتي بكلمات أدبية أو خطابات حماسية، بل بـ تحول نفسي يجعل الفرد جديراً بكرامته. وحين يتغير الإنسان، يتغير وضع حاكميه تلقائياً.

زردة 2024.. مبخرة التقليد الأعمى

إننا لسنا في زمن تحرر، بل نحن مأسورون بأفكار غير إسلامية؛ من خيالات الروايات وشعوذات "شيوخ الطاقة" وأدبيات الأغاني والمسلسلات. إنها شرعة السماء الخالدة: "غير نفسك، يتغير التاريخ".

لقد كانت "زردة" عام 1936 نكسة حين عادت البلاد للأفكار الوثنية على يد النخبة السياسية، ولكن "زردة 2024" أقوى وأشد فتكاً. اليوم، نصنع الحجب والتمائم لأنفسنا خوفاً من "الطاقات"، ونتخلى عن هويتنا وسترنا باسم "الانفتاح" و"الموضة". نلقي بهويتنا العربية على مبخرة التقليد الأعمى للغرب، فنجعلها تتبخر وتتلاشى كدخان في الهواء.

تذكروا دائماً كلمة بن نبي عن الحقوق والواجبات: إن الحقوق لا تُؤخذ ولا تُعطى كهدية أو غنيمة، بل هي "نتيجة حتمية للقيام بالواجب". الشعوب لا تنشئ دستور حقوقها إلا إذا عدلت وضعها الاجتماعي المرتبط بسلوكها النفسي.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

.......................

* هذا المقال هو جزء من الفصل الثالث من كتابي الجديد:

[ما بعد شروط النهضة: قراءة في فكر مالك بن نبي ٢٠٢٦]

يظل للمكان سحره في وجدان الإنسان.. فالمكان ليس مجرد ربوع، ومعالم جغرافية، وحسب، بل هو حس رمزي ينبض بوهج الحياة، حيث تتشكل في معالمه الهوية، وتتجسد في ربوعه كل الذكريات.

ولذلك فقد احتل المكان في الأدب والشعر، مكانة خاصة، حيث يتحول إلى رمز يعبر عن تفاعلات أعماق الوجدان، ويجسد لحظات الإنتماء لربوع النشأة.

فالمكان باعتباره مسرحا للذكريات، يحتضنها بصدق، لتكون جزءا لا يتجزأ من وجود الإنسان، وبهذا يتحول بربوعه الساحرة، عندئذ، إلى رمز يعج بكل تلك الذكريات، التي ترعرعت في ربوعه .

وهكذا يكون المكان فضاء متوهجا، يلهم الوجدان بكل مشاعر الحنين إلى ذكريات الماضي، والاشتياق إلى تلك اللحظات الجميلة.

ولذلك يظل المكان، أكثر من مجرد ربوع، ووهاد، وانهار، وتلال، وحسب، فهو تجسيد للوجود الإنساني المكتض، بلحظات الإمتلاء بالذكريات، والانتماء للربوع، التي تم التعايش معها، حيث يتحول المكان بإيحاءاته المتوهجة، إلى رمز، يعبر عن مكنونات أعماق الوجدان، والحنين لكل الذكريات.

***

نايف عبوش

برليناله 2026: حين تختبر السينما قدرتها على قول الحقيقة

تشهد العاصمة الألمانية "برلين" من 12 ولغاية 22 فبراير 2026 انطلاق الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale)، أحد أعرق المهرجانات السينمائية في العالم وأكثرها انخراطا في قضايا الإنسان والواقع المعاصر. وعلى مدار عشرة أيام، تبدو برلين وكأنها تستعيد دورها التاريخي ليس فقط كعاصمة للسينما، بل كمساحة مفتوحة للصراع الرمزي بين الصورة والواقع. ففي عالم يتجه ـ اليوم ـ نحو تحولات الاستقطاب، والانغلاق، وتطبيع العنف، يعود مهرجان "برليناله" ليؤكد أنه ليس مهرجانا للحياد، بل منصة واعية، ورؤى فنية، وأسئلة كبرى تنحاز بوضوح إلى الإنسان حتى حين يكون هذا الانحياز مكلفا.. لتكون برلين محطة فنية وثقافية بارزة تجمع صناع السينما والنقاد وعشاق الفن السابع من مختلف أنحاء العالم. 

منذ نشأته في قلب الحرب الباردة، حمل المهرجان طابعا سياسيا لا لبس فيه، ومع مرور العقود لم يتخلَّ عن هذا الإرث، بل أعاد صياغته بلغة سينمائية أكثر تعقيدا وعمقا. دورة 2026 تأتي لتؤكد أن السياسة في برليناله ليست شعارا، بل بنية تفكير. وان  مهرجان برليناله لازال يُعد واحدا من أهم الأحداث السينمائية العالمية، لا من حيث عدد العروض فقط، بل أيضا لما يقدمه من منصة للنقاش والتأمل حول قضايا الإنسان المعاصر. في دورة 2026، اختارت إدارة المهرجان برنامجا يعكس هموما إنسانية وسياسية واجتماعية، ما يجعل السينما ليست مجرد فن للتسلية، بل أداة لفهم التحولات الكبرى في عالم اليوم.  بمعنى آخر، مساحة تجمع بين البعد الفني والبعد السياسي والاجتماعي.

أجل، دورة هذا العام تنعقد في ظل عالم مضطرب: حروب طويلة بلا أفق، صعود خطابات اليمين المتطرف، أزمة لاجئين متجددة، وتآكل مفاهيم العدالة والحرية. هذه السياقات لا تظهر في أفلام برليناله بوصفها خلفية، بل كموضوع مركزي يتسلل إلى السرد، والشخصيات، وحتى إلى اختيارات الشكل والأسلوب. السينما هنا لا ترفع لافتات مباشرة، لكنها تشتغل على ما هو أعمق: تفكيك بنية العنف، مساءلة السلطة، واستعادة صوت الفرد في مواجهة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا تحديدا، يظل برليناله مهرجانا “غير مريح”، لكنه ضروري. بل منصة للحوار الثقافي والفكري، حيث تتحول السينما إلى لغة عالمية مشتركة قادرة على طرح الأسئلة الصعبة، ومساءلة الواقع، وبناء جسور بين الشعوب.

يعرض المهرجان هذا العام أكثر من 276 فيلما من أكثر من 35 دولة، فيما تضم المسابقة الرسمية 22 فيلما تمثل نحو 28 دولة. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المشاركة، بل تكشف عن خيار واضح: فتح المنصة لأصوات متعددة، كثير منها يأتي من مناطق نزاع أو هامش ثقافي وسياسي. الإنتاجات المشتركة العابرة للحدود تشكل نسبة لافتة، وكأن السينما نفسها تبحث عن بديل لفكرة الحدود الصلبة التي يعاد تكريسها سياسيا في العالم. لكن الأهم من الأرقام هو طبيعة هذه المشاركات. الدورة الحالية تشهد حضورا قويا للسينما الأوروبية، خصوصا من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والنمسا وبولندا وإيرلندا، لكن هذا الحضور لم يعد مهيمنا. إلى جانبه، تتقدّم السينما الآسيوية من اليابان وكوريا الجنوبية ونيبال، وسينما الأمريكيتين، إضافة إلى حضور أفريقي وعربي (تونس، المغرب والسنغال) ضمن إنتاجات مشتركة، خصوصا عبر أقسام Panorama وForum، تحضر بوصفها شريكا في صياغة خطاب سينمائي عالمي جديد، لا تابعا ولا هامشيا. ابتعدت عن الخطاب التقريري، والأهم: اشتغلت على التفاصيل اليومية، وعلى العلاقة المعقدة بين الفرد والدولة، وبين الجسد والتاريخ. إنها سينما أقل صخبا، لكنها أكثر عمقا وأكثر ثقة بلغتها الخاصة.

اللافت أثناء مشاهدتنا العديد من الأفلام في عروض خاصة للصحفيين المعتمدين  akkreditierte Journalistenفي مواعيد محددة قبل إنطلاق المهرجان، أن إدارة المهرجان لم تبحث عن “أفلام شعارات” بل عن أعمال تنطلق من الخاص لتلامس العام، ومن التجربة الفردية لتكشف البنية العميقة للواقع. هنا، السينما ليست خطابا مباشرا، بل مساحة تفكير..أفلام المسابقة الرسمية هذا العام تبدو وكأنها مختبر للأسئلة الكبرى: ما معنى العائلة في عالم متحوّل؟ كيف تُستعاد الذاكرة الفردية في مواجهة تاريخ جماعي عنيف؟. أين يقف الفرد أمام سلطة المجتمع أو الدولة أو التكنولوجيا؟. اللافت أيضًا هو حضور الأنيميشن ضمن المسابقة، في إشارة إلى كسر الحواجز التقليدية بين “السينما الجادة” والأنواع الفنية الأخرى، والاعتراف بأن اللغة البصرية قادرة على التعبير عن أعمق القضايا، مهما كان شكلها.

الأقسام الموازية للمهرجان ـ حيث تولد السينما القادمة، لا تبحث عن الإجماع، بل عن الصدمة الفكرية، وعن زعزعة المسلّمات الجمالية والسياسية السائدة. فإذا كانت أفلام المسابقة الرسمية تمثل واجهة المهرجان، فالأقسام الموازية هي روحه الحقيقي. ففي Panorama“ و “Forum مثلا، تتجلى الروح السياسية للمهرجان بأوضح صورها. هنا نجد أفلاما تتناول قضايا اللجوء والهجرة، الجسد والهوية، العنف البنيوي، تركة الاستعمار والذاكرة الجمعية. فيما يذهب القسم الآخر أبعد، لعب دوره كمساحة للأصوات المهمّشة والسينما السياسية الجريئة. نحو تفكيك اللغة السينمائية نفسها، وتقديم أعمال قد تكون صعبة، لكنها ضرورية. „Generation“ يؤكد أن مخاطبة الأجيال الجديدة لا تعني التبسيط، بل الذكاء الفني. بينما„Berlinale Shorts“  يظل مؤشّرا حقيقيا على مستقبل السينما، حيث تظهر غالبا التجارب الأكثر طزاجة وجرأة في عالم مضطرب ـ يجعل ـ مهرجان سينمائي عريق مثل "برليناله" أن يوازن بين الجماليات الفنية والرهان الأخلاقي والسياسي؟.

تتولى هذا العام لجنة تحكيم دولية مكوّنة من سبعة أسماء بارزة مهمة تقييم أفلام المسابقة الرسمية، برئاسة المخرج الألماني الكبير "ويم ويندرس" WIM WENDERS، أحد أهم الأصوات السينمائية في أوروبا. وتضم اللجنة: باي دونا (كوريا الجنوبية) ـ ممثلة، مين بهادور بهام (نيبال) ـ مخرج، هكاري (اليابان) ـ مخرجة وكاتبة، رينالدو ماركوس غرين (الولايات المتحدة) ـ مخرج، شيفندرا سينغ دنغاربور (الهند) ـ مخرج ومنتج، إيفا بوششينسكا (بولندا) ـ منتجة.

مهرجان ’’برليناله،، لا يكافئ “أفضل فيلم تقنيا” بقدر ما يكافئ الفيلم الذي: يطرح سؤالا إنسانيا ـ سياسيا راهنا، يمتلك لغة سينمائية واضحة وغير تصالحية، ينحاز إلى الهامش، أو يعيد تعريف المركز ولا يخشى أن يكون “غير مريح”. لذلك غالبا، الدب الذهبي يذهب لفيلم ’’موقف،، والإخراج يذهب لفيلم ’’شكل،، فيما التمثيل يذهب لـ ’’الأداء،، مكثف لا استعراضي. بهذا المنطق، يمكن قراءة التنافس بصفة نقدية استشرافية مبنيّة على منطق برليناله وتاريخه. لهذا، فإن الرهان الحقيقي هذا العام ليس على الفيلم “الأكثر إتقانا”، بل على الفيلم الذي: يوسّع أفق التفكير ويواجه الواقع دون تجميل ويستخدم السينما كأداة وعي لا كملاذ هروب. ملامح دورة 2026. يميل لمنح الدب الذهبي لفيلم “يصعب تلخيصه” لكنه يظل عالقًا في الذهن.

ليس من السهل التنبؤ بجوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي 76، لأن برليناله، بخلاف كثير من المهرجانات الكبرى، لا يكافئ “الأفضل” وفق معايير تقنية أو جماهيرية، بل وفق منطق أخلاقي ـ سياسي وجمالي متشابك. الجوائز هنا ليست تتويجا بقدر ما هي تصريح موقف..

من هذه الزاوية تحديدا، يمكنني قراءة ملامح توزيع الجوائز الكبرى لهذه الدورة على النحو التالي: الدب الذهبي مرشح للذهاب إلى فيلم يحمل عبئا سياسيا واضحا دون الوقوع في المباشرة، فيلم يضع الفرد في مواجهة السلطة لا عبر الشعارات، بل من خلال اليومي والهشّ. في هذا السياق، يبرز فيلم Yellow Letters  بوصفه العمل الأكثر انسجاما مع روح برليناله التاريخية: سينما ترى في الفن فعل مقاومة، وفي القمع بنية تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة للحياة. فوز هذا الفيلم بالدب الذهبي سيكون امتدادا طبيعيا لتقليد المهرجان في مكافأة الأفلام التي تقول “لا” بهدوء، ولكن بوضوح. "حروف صفراء" إخراج: إيلكر تشاتاك ∙ بطولة: أوزغو نامال، تانسو بيشر، ليلى سميرنا كاباس ∙ ألمانيا، فرنسا، تركيا ∙ 127 دقيقة ∙ باللغة التركية يواجه الزوجان الفنانان ديريا وعزيز تعسف الدولة، فيفقدان وظيفتيهما بين ليلة وضحاها، ومعهما مصدر رزقهما. ويُصبح التوفيق بين مُثلهما وضرورات الحياة تحديا كبيرا لزواجهما. أما جائزة أفضل إخراج (الدب الفضي)، فتبدو أقرب إلى فيلم يغامر باللغة السينمائية نفسها، فيلم لا يطلب تعاطفا مباشرا، بل يدعو المشاهد إلى اختبار الزمن، والصورة، والذاكرة. هنا يبرزDao  للمخرج آلان غوميس كمرشح منطقي: عمل عابر للجغرافيا، يتعامل مع الهوية بوصفها حالة سيولة لا تعريفا مغلقا. برليناله غالبا ما يفصل بين “الفيلم الذي يمثّل اللحظة” و”الفيلم الذي يوسّع حدود السينما”، وهذه الجائزة تحديدا تُمنح عادة للثاني. في المساحة الثالثة، حيث تقف جائزة لجنة التحكيم، يفضّل المهرجان غالبا الاعتراف بالأفلام التي تثير الانقسام داخل اللجنة: أعمال صارمة، صامتة، لا تسعى لإرضاء المتفرج. فيلم My Wife Cries  لأنجيلا شانيليك يقع في قلب هذه المنطقة الرمادية. هو فيلم قد لا يحظى بإجماع، لكنه يحمل نقاءً أسلوبيا وفكريا يجعل تجاهله مستحيلًا. منحه جائزة لجنة التحكيم سيكون إشارة احترام لسينما التأمل القاسي، دون تحميلها عبء الجائزة الكبرى.

بهذا التوزيع المحتمل، لا تكون برليناله قد كافأت ثلاثة أفلام فحسب، بل ثلاث وظائف مختلفة للسينما: سينما تواجه السلطة، وسينما تعيد اختراع اللغة، وسينما تصرّ على الصمت كخيار جمالي وأخلاقي. وهو تقسيم، إن تحقق، سيجعل من دورة 2026 واحدة من أكثر دورات المهرجان انسجاما مع تاريخه، ومع قلق العالم الذي يعكسه.

***

عصام الياسري

 

أن تصادف كتابًا يُفصح عمّا بداخلك بشفافية ودقة، فذلك ليس حدثًا عابرًا في حياة القراءة، بل تجربة أشبه بالمكاشفة. ثمّة كتب تمنحك معرفة، وأخرى تمنحك نفسك، ضمن هذا العمق النفسي يأتي كتاب (الجلاد تحت جلدي) للدكتور عماد رشاد عثمان، عمل يتجاوز الطابع التنموي السريع ليغوص في طبقات النفس محاولًا تفكيك واحدة من أكثر العقد شيوعًا في الإنسان المعاصر: الكمالية وجلد الذات.

عالم تحكمه المقارنات والإنجازات المتلاحقة، يبحث الإنسان عن السعادة والسكينة، لكنه كثيرًا ما يجد نفسه عالقًا في سباق لا ينتهي مع ذاته قبل الآخرين، يريد أن يكون أفضل دائمًا وأكثر نجاحًا وأكثر قبولًا، غير أنّ هذا السعي، حين يفقد توازنه، يتحول إلى محكمة داخلية لا تعرف الرحمة، هنا لا يبدو طلب الكمال نعمة، بل قيدًا خفيًا يضيّق الخناق على صاحبه ويدفعه إلى ملاحقة معايير يستحيل تحقيقها.

العنوان الذي اختاره المؤلف يحمل دلالة عميقة، فالجلاد ليس قوة خارجية تمارس سلطتها علينا، بل صوت داخلي يتشكّل عبر السنوات، نحن الذين نُسرف في محاسبة أنفسنا بلا هوادة ونضاعف أخطاءنا، ونربط قيمتنا الإنسانية بمدى اقترابنا من صورة مثالية متخيلة، هذه الفكرة تشكّل المنطلق الأساسي للكتاب، مصدر الألم غالبًا ليس في العالم، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع ذواتنا.

يستند المؤلف إلى خبرة بحثية وعلاجية امتدت لسنوات، تناول خلالها أنماط السلوكيات الإدمانية وإساءات الطفولة وصدمات النشأة، بوصفها جذورًا محتملة لتكوين الشخصية الكمالية، وهو يؤكد أنّ الكمالية ليست مرضًا منفصلًا يمكن وصمه أو استئصاله، بل دفاع نفسي معقد في محاولة لحماية نفسها من الألم أو الرفض، تبني معايير صارمة للنجاة، لكنها تتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل. 

يتوسع الكاتب في تحليل البنية الداخلية للشخص الكمالي: دوافعه الخفية، ومخاوفه، وصراعاته الصامتة، الشخص الذي يبدو شديد الانضباط أو مفرط الطموح قد يكون في الحقيقة مدفوعًا بشعور عميق بعدم الكفاية، الإنجاز لديه ليس رغبة في التفوق فحسب، بل محاولة مستمرة لإثبات الاستحقاق، الفشل هنا ليس تهديدًا وجوديًا بل تجربة عابرة.

من الجوانب اللافتة في الكتاب رفضه للحلول السريعة والشعارات التحفيزية الجاهزة النصائح من قبيل (كن لطيفًا مع نفسك) أو (لا تؤجل عمل اليوم) قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها لا تعالج الجذور النفسية للمشكلة حسب قوله، التعافي، كما يطرحه المؤلف، يتطلب وعيًا أعمق وفهمًا لتاريخ الفرد الشخصي، ومواجهة صادقة للمشاعر المؤجلة، لا مجرد تعليمات سطحية.

يدعو الكتاب القارئ إلى الانتقال من القراءة الباردة إلى المشاركة الفعلية في المعنى، الفكرة ليست استهلاك المعلومات، بل تحويلها إلى تجربة ذاتية شريكًا في بناء المعنى، لا مجرد متلقٍّ.

لا يعالج (الجلاد تحت جلدي) وصفة جاهزة للسعادة، بل يقدّم مرآة تكشف مصادر القسوة الداخلية، وتفتح باب المصالحة مع الذات، بهذا الوعي الصريح يبدأ الطريق الحقيقي نحو التعافي.

***

فؤاد الجشي

 

يفاجئك دروب المعنى للدكتور الرفاعي بمجرد أن تلِج صفحاته، وتأخذك الدهشةُ الممتعة تمامًا كما هي حين تلتقيه شخصيًّا أوّل مرّة.

أنت الذي خبرته، وهو الذي يخوض بك في أرضٍ طالما حُذِّرت منها؛ يتوغّل معك برِفقٍ ما بين الاغتراب الميتافيزيقي والظّمأ الأنطولوجي. فكلّ كتابٍ من كتبه يفتح لك عوالم جديدة، ويرتقي بفكرك ونضجك ووعيك بدرجات متقدّمة، تتعمق الفكرة، وقد تحتاج إلى إعادة الصفحة عدّة مرّات، لتناقش وتبحث وتراجع كتبًا أخرى، وتغوص معه حيث علم الكلام والفلسفة الغربية، حديثِها وقديمِها. تتعرّف من خلال سلاسة أسلوبه على شخصيّات كان من الصعب فهم نظريّاتهم والوقوف على رؤاهم، لتجد نفسك أمام المعلّم الموسوعي.

لكنّ دروب المعنى، منذ بداياته، وجَدَتني أمام كتابٍ يُقتنى ليكون مرجعًا، لا لتقرأه مرّة واحدة؛ بل تحتاجه كلّما أرقك سؤالٌ مُحيِّرٌ في هذا العالم الظالم، تبحث فيه عن الله:

«الله حيٌّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطة باسم الدين».

تعود إليه مُتلهّفًا لتجد ما يُسكّن قلقك الوجودي، بأنّ السؤال لا ينتهي:

«تتجلّى قوّة العقل في أنّ الأسئلة فيه لا تنتهي إلى إجابات نهائية مغلقة، بل إنّ الإجابات تتوالد منها أسئلة أعمق من الأسئلة التي وَلَدت أحيانًا».

في كلّ بحثٍ تخوض فيه، وتحاول الاستشهاد بمن يدلّك على الطريق، تشعر أنّ تجربتك ليست استثناءً عن البشر، وأنّ خطأك طبيعيّ في مجتمعٍ يعتبر الخطأ ذنبًا وأسرًا لا سقف لها، فيهرب منها أبناؤها:

«يتخفّف الإنسان بالاعتراف بالخطأ داخليًّا أوّلًا… لو اعترفنا بأخطائنا لتخلّصت عوائلنا من كثيرٍ ممّا يهدّد كيانها ويعصف بأمنها».

في عالم،  التنافس فيه شعار، والمثالية وامتلاك الحقيقة تُشعرنا بالعجز والضعف:

«حاولتُ أن أدرّب نفسي على أن أنظر إلى هشاشتي وضعفي البشري قبل أن أنظر إلى ما أتوهم أنّي أتميّز به على غيري».

فتتوازن، وتشعر أنّ هذا الضعف جزءٌ من بشريّتنا، ولا يُخلّ بشخصيّاتنا.

وتتعلّم، على بساطة كلماته، أنّ:

«حكمة الحكيم تجعل حياته آمنة، وتمكّنه من إدارة علاقاته بسلام».

حين تتيه بين نزاعات الأديان وحروبها، ويؤرق الشكّ لياليك، تجد فيه ما ينساب على روحك كالماء الزلال:

«لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلام بين الأديان في فضاء الإيمان».

ويعلّمك أنّ الإنسان الذي يستهدف أن يواصل تعليمه:

«ينبغي الإصغاء لحديث كلّ شيء في الطبيعة مهما كان، وينصت لصوت الوجود… كلّ شيء في الوجود يتحدّث إلينا بلغةٍ خارج اللغات البشرية المتداولة».

الكتابُ حديقةٌ غنّاء تتجوّل فيها، فتتيه بين جمال النرجس ورِقّة التوليب وعطر الياسمين. تفتّش في كلّ حرف، تريد أن ترى صورتك فيه بكلّ تجلّياتها.

تسمع فيه صوت الرحمة، وتغيب عنه صور العقاب والانتقام.

وكما تتفاجأ وأنت بحضرة المفكّر الكبير والفيلسوف، بالإنسان الهادئ؛ حيث لا بدّ لك أن تهدأ حتى تستطيع الإمساك بحديثه. المحبّ الذي يحتضن من عرفه ومن لا يعرفه، الموافق لفكره والمختلف معه.

فالحبّ عنده دين، والدين حبّ. فتتعدّد تجلّيات الحبّ بثراء شخصيّته وقدرته على العطاء، كما تتعدّد بكتبه وحروفه. فهو الذي يؤمن أنّ طريق القلب يوصل إلى الله، وأنّ العقل يؤسّس إيمانًا يملأ الفكر بدهشة عظمة وجود الله.

فأنت أمام إنسانٍ في كتاب.

فـدروب المعنى هو رفيق كلّ باحثٍ عقلُه مشاكس، وقلبه مطمئن .

***

منى الصالح

 

في ظل النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، غالباً ما يُطرح سؤال جوهري حول دور المثقف والفنان: ما هي مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم؟ هل هم صوت الضمير الجمعي، أم أن فنهم يجب أن يعلو فوق صخب السياسة؟ الإجابة ليست بالأبيض والأسود، بل تقع في منطقة رماديّة معقدة تشكل تحدياً أخلاقياً وإنسانياً.

الصمت ليس حياداً دائماً:

في خضم المعاناة، يُنظر إلى صمت بعض المبدعين على أنه تواطؤ أو تخلي عن المسؤولية. المجتمع يتوقع من أصحاب المنصة والتأثير أن يكونوا صدى لمعاناته. هذا التوقع، وإن كان مُفهوماً، قد يتجاهل المخاطر الحقيقية التي يواجهها الأفراد وأسرهم في الأنظمة الاستبدادية. البقاء في المناطق الخاضعة للسلطة لا يعني بالضرورة التأييد، فقد يكون نتيجة ظروف قاهرة أو خوف حقيقي.

مسؤولية الكلمة:

من ناحية أخرى، يُحاسب المبدع على كلمته. عندما يختار التعبير، تكون لتلك الكلمة ثقلها. تقديم الدعم العلني لقوى مرتبطة بانتهاكات، أو تبرير العنف، أو التقليل من معاناة الضحايا تحت أي ذريعة، هو أمر يخضع للنقد الأخلاقي وليس فقط السياسي. هنا لا يكون النقاش حول حرية التعبير، بل حول التوظيف الأخلاقي لتلك الحرية.

بعد العاصفة: تحديات المصالحة والذاكرة:

ما بعد الصراع يمثل الفصل الأصعب. كيف تتعامل المجتمعات الممزقة مع أولئك الذين صمتوا، أو الذين وقفوا في "الجهة الخطأ" بحسب الرأي السائد؟ الإقصاء المجتمعي الكامل والتشهير قد يؤديان إلى مزيد من التمزق، ويعيقان عملية بناء السلام الهشّة. لكن غياب أي شكل من أشكال المساءلة الأخلاقية أو الاعتراف بالألم المشترك قد يغذي الاستياء ويؤجج جراح الماضي.

معايير عالمية وإنسانية:

توضح التجارب الدولية أن مسار التعافي الوطني لا يمر عبر "محاكمات النوايا" أو التطهير المهني الجماعي. الحلول غالباً ما تكون في:

1. ضمان حرية التعبير: للجميع، بما في ذلك أولئك الذين نختلف معهم، ضمن أطر القانون التي تحظر التحريض على العنف والكراهية.

2. خلق مساحات للحوار: تسمح بسماع روايات مختلفة، وفهم السياقات المعقدة التي تحرك الأفراد.

3. العدالة الانتقالية: التي تركز على كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا كأولوية، بدلاً من الانتقام.

4. الفصل بين النقد والإقصاء: يمكن نقد موقف فنان أو مبدع أخلاقياً وفنياً دون الدعوة إلى منعه من ممارسة حقه في العمل والتعبير.

خاتمة:

الحرب لا تترك أحداً بلا أثر، والمبدع جزء من نسيج مجتمعه الجريح. اختبار الإنسانية الحقيقي يأتي في قدرتنا، بعد انتهاء القتال، على التمييز بين الجلاد والمتورط، وبين الخائن والخائف. بناء مستقبل مشترك يتطلب شجاعة للاعتراف بالألم من جهة، وشجاعة للتخلي عن ثقافة الإلغاء من جهة أخرى. ربما تكون مهمة الفن العليا في هذه المرحلة هي استعادة الجسور بين الذاكرات المتصارعة، وليس تكريس هوامش جديدة بيننا.

***

بهيج حسن مسعود

 

الكاتب عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، شاعر ومفكر وناقد، وعاش مشعلا ثقافيا متوقدا في النصف الأول من القرن العشرين، وألف العديد من الكتب التي تجاوز عددها المئة، ويلقب بعملاق الفكر العربي، وحائز على جائزة الدولة التقديرية (1959) .

والحديث عنه يطول، لكنه من أبرز المعبرين عن العصامية وسلوك التحدي والإصرار، فهو لم يتخرج من جامعة أو يحصل على شهادات أكاديمية، لكنه إنغمس في حب المعرفة وكان موهوبا في المجالات التي خاض فيها، وأكد أن الموهبة بمكن صقلها مهما كانت الظروف مناهضة لها.

تعرفت على كتبه وأنا في المتوسطة، وأصابني هوس جمع ما أستطيعه منها، ومضيت أقرؤها وأعيد قراءتها، ولا تزال بعضها ترافقني، قرأت عبقرياته وإسلامياته، ومنازلاته الأدبية والفكرية مع أنوار عصره، وأشعاره، وما جادت به يراعه من بحوث ودراسات ومحاججات وردورد على تهم وإدعاءات.

تعلمت من كتبه قيمة اللغة والفكر وضرورة البحث والصبر والإصرار على الإنجاز، فكنت أستمد لغتي من كتاباته في حينها، وأتخذه قدوة لإنارة دروب يراعي.

وفي ثمانينيات القرن العشرين إلتقيت بأديب مشهور وشكوت له ولعي بهذا الكاتب، فأرشدني إلى التواصل مع كتبه لأنه سيعلمني اللغة الأدبية الرفيعة، وأسلوب الإقتاع الواضح.

فعدت مرة أخرى إلى البحث عن كتبه في مكتبات بغداد وجمعت ما لم يكن عندي منها، وقرأتها ومضيت أقرؤها، لكن العجيب في الأمر، أنني اليوم عندما أتصفحها وأعاين ملاحظاتي وتعليقاتي على حواشي الصفحات، أفتقد تلك المتعة التي كنت أعيشها وأنا أقرؤها، وينتابني شعور بأنها قد غادرت عصرنا، ولا تنتمي إلا لزمانها.

لكن كتبه كانت مدرستي وأسهمت في توجيهي وتكويني، وإن صح القول فهو أستاذي بلا منازع، وقد زرت قبره ونصبه والحبيب يُزارُ!!

يُرافقني كتابٌ في حياتي

ويُخبرني بأحْجيةِ السعاةِ

لتنويرٍ وتحْريرٍ لشعْبٍ

وتثويرٍ لماحقةِ العُتاةِ

بعقادٍ أبانتْ مُحتواها

جواهرُ أمّةٍ رغمَ الغزاةِ

***

د. صادق السامرائي

 

قراءة في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لابن المقفع

كان ابن المقفع يمشي وحيدًا في دهاليز العقل، لا يحمل سيفًا ولا راية، بل مصباحًا صغيرًا من حكمة.  لم يكن يكتب ليُدهِش، بل ليُوقِظ. كأن كلماته خرجت من فرن التجربة، ساخنة، بسيطة، لكنها قادرة على إنضاج العقول الباردة.

 في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لا نقرأ كتبًا، بل نطلّ على مرآتين: واحدة يواجه فيها الإنسان نفسه، وأخرى يرى فيها الحاكم صورته عارية من الزينة. في الأدب الصغير، الدرس من الداخل.  هنا لا عروش ولا بلاطات، بل نفسٌ بشرية تتقلب بين عقلٍ وهوى.

يتحدث ابن المقفع عن العقل كما لو كان بذرةً مدفونة في تربة الروح؛ لا تنبت وحدها، ولا تُثمر إن تُركت بلا رعاية.

 الأدب عنده ماءٌ خفيّ، إذا سقينا به العقل استقام، وإذا حُرم منه يبسَ ولو امتلأت اليد ذهبًا. يحذّر من الخطأ الصغير، لا لأنه صغير، بل لأنه يتكاثر في الظل.  يوصي بالصمت حين يغلب الهوى، وبالتأني حين تُغرينا العجلة.

 كأن النص همسٌ طويل يقول: أصلِح نفسك، فالعالم يبدأ من هناك الباب على ساحة الحكم، حيث لا يُمتحَن الذكاء بل الضمير.

أما في الأدب الكبير، أرض زلقة اسمها السلطة. كلمةٌ واحدة طائشة قد تزلزل بلدًا، ورأيٌ أعمى قد يورث خرابًا طويل الأمد.

يرسم المؤلف صورة الحاكم العادل كما لو كان شجرةً وارفة: جذورها في الحكمة، وساقها في الحلم، وأغصانها في المشورة.

 ويُذكّر بأن العدل ليس قرارًا مفاجئًا، بل عادة يومية، وبأن الاستبداد لا يبدأ بالقسوة، بل بتجاهل النصيحة. ثم يهبط ابن المقفع من علياء السياسة إلى دفء الإنسان.

 الصديق عنده ليس زينة مجالس، بل مرآة صادقة، إن كسرتَها جرحتك الشظايا. الصداقة امتحان أخلاقي، واختيارها فعل عقل، لا انفعال عابر.  هنا يصبح الإنسان كائنًا اجتماعيًا لا بثرثرة اللسان، بل بصدق العلاقة.

وحين نجمع الكتابين، نكتشف أن ابن المقفع لم يكتب فصلين منفصلين، بل طريقًا واحدًا ذا مرحلتين:

مرحلة تهذيب النفس، ثم مرحلة تدبير الناس.

كأن الرسالة تقول: من لم يحكم نفسه، لا يصلح أن يحكم غيره....

أسلوبه، هذا السهل الممتنع، يشبه نهرًا هادئًا يخفي تيارًا عميقًا. لا زخرف لغوي، ولا ضجيج فلسفي، بل جمل تمشي على مهل، وتصل. كأن ابن المقفع كان يخاطب قرّاء المستقبل، أولئك الذين سيتعبون من الخطب العالية، ويبحثون عن كلمة صادقة تنقذهم من فوضى الداخل والخارج.

في زمننا، حيث تتزاحم الأصوات وتُصفِّق الشاشات للسطحي، يعود ابن المقفع مثل ناسكٍ قديم يضع إصبعه على الجرح....

العقل إن لم يُؤدَّب صار أداة خراب، والسلطة إن لم تُقيَّد بالأخلاق صارت وحشًا، والعلم إن لم يتحول إلى سلوك بقي حبرًا باردًا....

هكذا يظل «الأدب الصغير» درسًا في أن تكون إنسانًا،

ويظل «الأدب الكبير» تذكيرًا قاسيًا بثمن الحكم،

ويبقى ابن المقفع شاهدًا على أن الكلمة، حين تُكتب بصدق، تعيش أطول من السيوف....

***

بقلم: بلحمدي رابح -  الجزائر

الإبداع هو عملية انجاز شيء جديد ومبتكر، نتاجا اديبا كان، او انجازا تقنيا، وهو وليد توهج الحس المرهف، والاقتدار المتمكن على رؤية الأشياء المحيطة بالانسان، والتفاعل معها ايجابيا من زوايا مختلفة.

 ولاشك ان الرؤية المتأملة للمدركات المحيطة بالانسان، توهج في وجدانه مشاعر الحس المرهف في اللحظة، وتستولد في وجدانه، ارهاصات الإبداع الحقيقي، بحيث يكون الإبداع هو نتاج رؤية ما لا يراه الآخرون، وذلك من خلال توقد الحس المرهف، الذي يساعد على التقاط التفاصيل الدقيقة لتلك الأشياء، برؤية إبداعية.

وهكذا يكون الإبداع الحقيقي، تعبيرا حيا عن المشاعر والأفكار الصادقة، التي استولدته، فالإبداع هو نسغ الحياة.

وتجدر الإشارة الى ان الانغلاق على الذات، يستولد التبلد، الذي يؤدي إلى فقدان القدرة على الإبداع، والتوقف عن العطاء.

ولذلك يظل التبلد عدوا للإبداع، ودافعا إلى تقليد الآخرين، ونسخ نتاجاتهم، بدلاً من اللجوء إلى الابتكار، والتجديد، ليكون التقليد الأعمى عندئذ، قتلا للإبداع.

وللحفاظ على توهج الحس المرهف، يتطلب الأمر، الحرص على ادامة التغذية الفكرية، بقراءة المزيد من الكتب، ومشاهدة الأفلام، والوقوف على التجارب الابداعية الجديدة، فالتغذية بالمستجدات، وممارسة الكتابة، والتعبير عن الأفكار المتوقدة، هي وقود الإبداع المتجدد .

كما أن الانفتاح الجاد على العالم، والسفر، والتعرف على ثقافات جديدة، هي عوامل تحفز الابداع، وتفتح ٱفاقه على مصراعيها.

وهكذا فالإبداع، بما هو توهج الحس المرهف، يمكن أن يتحول إلى تبلد مقرف، بتداعيات صخب الحياة، ويطفىء وهج التالق، ما لم تتم المحافظة عليه، وادامة وهجه، من خلال التغذية الفكرية الدائمة، ورفده بالمستجدات الثقافية.

***

نايف عبوش

الرمزية مفهوم يشير إلى استخدام الرموز في النصوص، والنتاجات الأدبية، والخطابات، للتعبير عن مرادات، أو مشاعر معينة، دون اللجوء لتسميتها بشكل مباشر، وتحضر عادة بشكل واضح، في مجال الأدب، والفن، بينما تتجسد الإيحاءات الوجدانية، في القدرة على إثارة المشاعر، وتحفيز العواطف لدى المتلقي، قارئا كان، أو مشاهدا أو مخاطبا.

ولاريب أن استخدام الرمزية، والإيحاءات الوجدانية في الأدب، والفن، يتم بصيغة توظيف الرموز ببلاغة، تعبيراً عن المرادات والأفكار، أو المشاعر، باعتبار أن الرمز، هو مفتاح المعنى المقصود، حيث تكون الرموز، عندئذ، لغة العقل. فاستخدام مفردة البحر في الأدب، مثلا، قد يأتي تعبيرا عن الحياة، بينما قد يعبر استخدام اللون الأبيض، عن النقاء الخالص.

وتتعدد أنواع الرموز، حسب المقصود منها في التوظيف، فهناك الرموز الطبيعية، والرموز الثقافية، والرموز الاجتماعية .

ويلاحظ أن الإيحاءات الوجدانية، تعبر عن القدرة على إثارة المشاعر، وتحفيز العواطف، وبذلك ينعكس الإيحاء حسيا، من خلال قوة تأثيره في مشاعر المتلقي. وتتجسد أدوات الإيحاء الوجداني، باستخدام بلاغة اللغة، باعتبارها أداة الإيحاء، بالاضافة الى استخدام الصور، والألوان، والأصوات، وغيرها من المؤثرات. كما تتجسد الإيحاءات الوجدانية، باستخدام الموسيقى في الأفلام، لإثارة حس المشاهد، باعتبارها لغة المشاعر, بينما يتم استخدام الصور في الإعلانات، للتأثير في مشاعر المتلقين.

وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الرمزية، والإيحاءات الوجدانية في الأدب، يتم باستخدام الرموز، والإيحاءات، بقصد تعميق مضامين النتاجات الادبية، وتحسين جمالية النصوص الإبداعية, باعتبار الأدب هو فن الإيحاء، كما هو معروف، بينما يأتي استخدام الرموز، والإيحاءات الوجدانية في الفن، لإثارة المشاعر، باعتبار الفن هو لغة التعبير عن العواطف.

وهكذا يلاحظ ان الرمزية، والإيحاءات الوجدانية، تاخذان بعدهما الفعال في الأدب والفن، اذ من خلال استخدامها، يمكن للمبدع إثارة المشاعر، وتأجيج العواطف، إضافة إلى تعميق جماليات العمل الفني، باعتبار ان الرمز، هو مفتاح تجليات المعنى، بينما يجسد الإيحاء، قوة التأثير في المتلقي.

***

نايف عبوش

 

بين يدي الآن نسخة قديمة من الطبعة الأولى لكتاب "في الشعر الجاهلي"، تتناثر بين صفحاتها هوامش بقلم رصاص، وتحتفي حواشيها بعلامات استفهام وتعجب، وكأن القارئ الذي مر عليها قبل عقود كان يحاور النص بحرارة، أو يستفهم منه بقلق المستنير. هذا الكتاب الذي صدر قبل مائة عام، لا يزال ينبض بسؤال النهضة، وينزف جرح الهوية، ويثير غبار المعارك الفكرية التي ظننا أنها انتهت، فإذا بها تعود في ثياب جديدة، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة.

نظم معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفالية بمئوية هذا الكتاب المثير للجدل، إلى جانب اختياره نجيب محفوظ شخصية للمعرض. لا أعرف إن كان القرار مقصوداً أم مصادفة، لكن الثنائية عميقة الدلالة: طه حسين ونجيب محفوظ، رجل الشك ورجل التساؤل، صاحب "في الشعر الجاهلي" وصاحب "أولاد حارتنا". كلاهما اخترق المناطق المحرمة، وكلاهما دفع الثمن، وكلاهما أصبح جزءاً من أسطورة الثقافة العربية الحديثة التي تتراوح بين التقديس والتحريض.

جرح ثقافي لم يندمل!

عندما صدر الكتاب عام 1926، كانت المنطقة العربية تمر بلحظة تأسيسية حرجة: خروج من سبات العثمانيين الطويل، مواجهة مع الاستعمار الجديد، بحث عن هوية في عالم يتشكل بمنطق القوميات والدول. وفي هذا المناخ، جاء كتاب طه حسين ليسأل أسئلة أبعد من الشعر الجاهلي، ليتناول أسس الهوية نفسها: كيف نقرأ تراثنا؟ بأي منهج نتعامل مع موروثنا؟ أين يبدأ الدين وأين تنتهي السياسة؟

لم يكن طه حسين يكتب عن الشعر فقط، كان يكتب عن منهج التفكير. كان يستعير ديكارت ومبدأ الشك المنهجي ليضعه في قلب الثقافة العربية التي كانت تعتمد التسليم والاتباع. قوله بأن الشعر الجاهلي موضوع، وأنه منحول من العصر الإسلامي لأسباب سياسية وقبلية، لم يكن مجرد رأي في النقد الأدبي، بل كان ضربة في الصميم لكل السرديات المستقرة عن الأصل والهوية.

أحس كثيرون أن طه حسين لا يشكك في الشعر فقط، بل يشكك في "الجاهلية" ككل، وبالتالي في "الإسلام" كقطيعة وحلول. وإذا كان الشعر الجاهلي منحولاً، فما قيمة كل ما بني عليه من قيم وأخلاق وتاريخ؟ السؤال كان وجودياً، والخشية من أن يؤدي الشك في الشعر إلى الشك في كل شيء كانت حقيقية.

ما فعله طه حسين هو محاولة نقل العقل العربي من حالة اليقين المطلق إلى حالة التساؤل النسبي. اعتماده على منهج الشك المنهجي كان ثورياً في زمانه. لقد طرح سؤالاً بسيطاً وجوهرياً: إذا كان هذا الشعر قد دون في العصر الإسلامي، بلغة قريش الموحدة (لغة القرآن الكريم)، فكيف نوفق بين ذلك وتعدد لهجات القبائل في الجاهلية؟ كيف نصدق أن هذه اللغة الموحدة كانت لغة شاعرة من شعراء الجاهلية المزعومين؟

السؤال اللغوي كان مدخلاً لإشكالية أكبر، إشكالية التدوين والسلطة. من يدون؟ ولمن؟ ولماذا؟ وهل يمكن فصل عملية التدوين عن الأغراض السياسية للدولة الإسلامية الناشئة التي أرادت توحيد اللغة كما توحد الأرض؟

هنا كان طه حسين يلامس أعصاباً حساسة: العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين السياسي والديني، بين التوحيد والتعدد. كان يقول، بطريقة غير مباشرة، إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وإن الشعر الجاهلي لم يسلم من هذه القاعدة.

ما حدث بعد نشر الكتاب كان أشد إثارة من الكتاب نفسه. تحول النقد الأدبي إلى معركة سياسية، والجدال الفكري إلى صراع حزبي. سعد زغلول يهدد بالاستقالة من البرلمان، نواب الوفد يستجوبون الحكومة، صحفيون يقدمون بلاغات، كتاب يسحب من الأسواق، مؤلف يحاكم.

لكن المحاكمة كانت لحظة فارقة. فالقاضي محمد نور، في مرافعته التي اكتشفها خيري شلبي لاحقاً، برأ طه حسين بلغة النقد الأدبي. كان القاضي يقول، في جوهر كلامه: إن قضية الشعر قضية أدبية يجب أن تحسم بأدوات النقد، لا بأدوات القانون. كانت هذه المحاكمة اعترافاً بوجود مجال مستقل للأدب والفكر، له منطقه الخاص المختلف عن منطق المحاكم.

لكن اللافت أن الردود على الكتاب جاءت من مواقع مختلفة: الرافعي في "تحت راية القرآن" دافع عن القديم بقدسيته، محمد الخضر حسين هاجم المنهج، محمد فريد وجدي حاول النقد الموضوعي. كل رد كان يكشف عن موقف من التراث، عن رؤية للعلاقة بين الدين والمعرفة.

سؤال المنهج: هل انتهينا منه؟

بعد مئة عام، السؤال الذي يفرض نفسه: هل انتهينا من معركة المنهج التي أطلقها طه حسين؟ الإجابة المؤسفة هي لا. ما زلنا نعيش انقساماً بين منهجين: منهج يرى في التراث نصاً مقدساً مغلقاً، ومنهج يرى فيه نصاً تاريخياً مفتوحاً. منهج يرفض الشك، ومنهج يتخذه مدخلاً للمعرفة.

اللافت أن أسئلة طه حسين عادت تطفو على السطح في السنوات الأخيرة، لكن في ثياب جديدة: سؤال الهوية، سؤال العلاقة بين الدين والسياسة، سؤال القراءة التاريخية للنصوص التراثية. وكأننا نعيش لحظة مشابهة لتلك التي عاشها طه حسين، لكن بأدوات مختلفة وصراعات أكثر تعقيداً.

ماذا بقي من في الشعر الجاهلي؟

إذا قرأنا الكتاب اليوم، بعد مائة عام، قد نختلف مع كثير من فرضياته. الأبحاث اللغوية والأثرية والتاريخية تقدمت، وأصبحنا نملك أدوات أكثر دقة للحكم على الشعر الجاهلي. لكن قيمة الكتاب لم تكن في صحة فرضياته بالضرورة، بل في منهجه، في شجاعته في طرح السؤال، في كسر تابوهات التفكير.

طه حسين علمنا أن القراءة يجب أن تكون نشاطاً نقدياً، لا ترديداً آلياً. علمنا أن التساؤل حق، وأن الشك منهج، وأن اليقين المطلق وهم. علمنا أن التراث ليس جثة نقدسها، بل حياة نتعايش معها، نناقشها، نتفهمها في سياقها التاريخي.

الاحتفاء بمئوية الكتاب اليوم يجب أن يكون مختلفاً عن الاحتفاء التكريمي البارد. يجب أن يكون فرصة لإعادة القراءة، لإعادة النقاش، لإعادة السؤال. لنعيد طباعة الكتاب كما صدر أول مرة، مع كل الردود عليه، مع وثائق المحاكمة، مع كل ما دار حوله من جدل.

لنضع كل هذا بين يدي القارئ الجديد، ليقول كلمته، ليحكم بنفسه. الثقافة الحية هي التي تعيد قراءة تراثها باستمرار، التي لا تخاف من أسئلتها، التي تتقبل تعدد القراءات.

طه حسين لم يرد أن يقتل الشعر الجاهلي، إنما أراد أن نقرأه قراءة جديدة. لم يرد أن ينفي التراث، بل أراد أن يفهمه فهماً تاريخياً. كان رجلاً يؤمن بأن النهضة لا تتحقق إلا بنقد الذات، بمراجعة التاريخ، بطرح الأسئلة المحرجة.

نحو ثقافة التساؤل

بعد مائة عام، ما زلنا نحتاج إلى روح طه حسين، إلى شجاعته الفكرية، إلى إصراره على الحق في الشك والسؤال. في عالمنا العربي اليوم، حيث تتصارع اليقينيات وتتصادم المطلقات، نحتاج إلى أن نتعلم أن المعرفة تبدأ بالتساؤل، وأن الحقيقة نسبية، وأن القراءة النقدية للتراث ليست خيانة له، هي إحياء له.

الاحتفاء بكتاب "في الشعر الجاهلي" بعد مئة عام هو احتفاء بحرية الفكر، بحق الاختلاف، بضرورة الحوار. هو اعتراف بأن الثقافة العربية مرت بلحظات تأسيسية عظيمة، كان فيها المثقفون على استعداد لدفع الثمن من أجل فكرهم.

طه حسين يخاطبنا اليوم من صفحات كتابه القديم، اقرأوا كما لم تقرأوا من قبل، اسألوا كما لم تسألوا من قبل، فالنقد ليس هدماً، هو بناء، وليس تخريباً، بل هو تأسيس. والشك ليس كفراً، بل هو إيمان أعمق بالعقل وبقدرته على المعرفة.

هكذا يظل الكتاب، بعد قرن كامل، ينبض بالحياة، لأن أسئلته حية، ولأن النهضة التي حلم بها طه حسين ما زالت مشروعاً ناقصاً، ينتظر من يكمل الطريق.

***

عبد السلام فاروق

من البطولة الأسطورية إلى النهضة الفكرية

تمهيد: عن الكتاب

يُعد كتاب "شروط النهضة"، الصادر في عام 1948، حجر الزاوية في مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (مشكلات الحضارة). وفيه يقدم بن نبي تشريحاً دقيقاً لأسباب أفول الحضارة الإسلامية وقابلية الشعوب للاستعمار، مؤكداً أن النهضة ليست "تراكم بضائع" بل هي تفاعل حيوي بين ثلاثة عناصر أساسية: (الإنسان، والتراب، والوقت)، ضمن إطار عقدي ناظم.

في هذا الكتاب أفكارٌ غزيرة تلمس نقاطاً حساسة في جروح حضارتنا التي أصبحت مستعمرة؛ ليس بالسلاح والقوة فحسب، وإنما بتقييد الفكر ومحاولة محو إرادة النهوض. إن جوهر أزمة الشعوب الإسلامية اليوم ليس في نقص الموارد، بل في غياب "البناء الحضاري" والغرق في "دور البطولة الأسطوري.

فخ البطولة وغياب المشروع

يفرق بن نبي بين "عهود الملاحم" و"عهود البناء"؛ فالشعوب التي تعيش على الأمجاد والبطولات دون وعي حقيقي بأسباب التخلف، تظل تائهة في التاريخ. إن البطولة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى مشروع حضاري واعٍ يرتفع بالفكر إلى مستوى الأحداث الإنسانية، ويتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.

الاستعمار الفكري والوهم الافتراضي

بإسقاط رؤية بن نبي على واقعنا، نجد أننا لا نزال مستعمرين فكرياً؛ مسلوبي العقل الحضاري، ومشغولين بعوالم افتراضية أُتقنت صناعتها لإلهائنا. نحن نتوهم التقدم ونحن في "وضعية الجلوس"، بينما الحقيقة أن الكلمة المؤثرة – كما وصفها بن نبي – هي تلك التي تحول الفرد إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، كصرخة جمال الدين الأفغاني التي كانت نداءً للاستيقاظ لا لمجرد الثورة المسلحة.

من المقاطعة المادية إلى المقاطعة الفكرية

لقد أثبتت أحداثنا الحالية أن للكلمة والوعي تأثيراً قوياً، تجلى بوضوح في "سلاح المقاطعة". ولكن، لكي تصبح هذه المقاطعة ثورة حضارية حقيقية، يجب أن تتجاوز المنتجات المادية لتشمل "المقاطعة الفكرية".

إن النهضة الحقيقية تقتضي منا نبذ التقاليد الدخيلة، ومقاطعة المحتوى الفكري والسينمائي الأجنبي الذي يطمس هويتنا. كما تخلصت الشعوب قديماً من مظاهر التبعية، علينا اليوم الانتصار على "الذات المستعمرة"، والتخلص من الملهيات الافتراضية للتركيز على بناء حضارة حقيقية تحترم عاداتها ويضرب لها العالم ألف حساب. إن أي نهضة لا تبدأ من السلاح، بل تبدأ من الداخل؛ من الوعي الذاتي والتمسك بالهوية، فلكي تنهض أمتنا، يجب أن ننهض نحن أولاً.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

في المثقف اليوم