أقلام ثقافية
أمين صباح كبة: مناجاة الظامئين (مقامة)
بسم الله مُنجي الصادقين، رافع المستضعفين، مدرك التائهين، راوي أفئدة المشتاقين، صريخ الملتاعين، مبير الظالمين، وقاصم الجبّارين. والحمد لله الذي انقادت الحقائق بأزمّتها إليه، وانكبّت الخلائق في تضرّعها عليه. وجود وجوده حساب، وسكون حركته اضطراب. أذلّ لنا مصاعب الأمور، وتولّانا عن قوارع الدهور، وزيّن بنا قفار الحقائق، وكفانا في دهمائنا فواجئ البوائق. حتّامَ تنساني يا ربّ، وتحجب وجهك عني، جاعلًا من أقاويلي وبالًا، ومن عقائدي ضلالًا، مصيّرًا نجواي هذه هربًا من اليقين، وفرارًا من كل انكسار ولين؟ فأنت القادر ونحن الضعفاء، أنت الواجد ونحن العدماء، أنت الراوي بعد الظماء، وأنت الغنيّ ونحن الفقراء. إلى متى تنساني يا الله؟ إلى متى أحمل الغصّة في نفسي، والحسرة في قلبي؟ حتّام تُطفئ شمعتي وتُلهب لوعتي، وتحجب من اختبارك فكرتي؟ سرّحني من قيد هذه الحال الكدِرة، ومن معاناة هذه الأحوال الوضِرة. فقد تقلقلت من التعذّر في تصديق قضائك، واضطربت من التسليم إلى جوهر ندائك. إلهي، قد توجّرت روحي بجمرات الحسرة، وتطلّعت إلى سيل رحمتك قطرةً قطرة. عطشت إليك روحي يا ربّ، ولهج بذكرك لساني، وانطوى من فراق نورك زماني. فأنت سِرَاجي عندما تشتدّ الظلمة حولي، وأنت في الضرّاء قوتي وحولي، منك المنجى والخلاص، فأنت المصبّر على رَوع الزمان الغاصّ. أنت الشافي من وباء فتنته وبساطها الشائك، وأنت المنجي من ظلمات المهالك. وإنما ألهج بذكرك عند القريب والبعيد، لتشفع لي ببذل المزيد. وإنما أُعذّب روحي بالظمأ إليك، حتى تملكها بالأنس معك. إلهي، ما ألذّ رضاك في قلوب العارفين، وما أوسع رحمتك على أفئدة الحائرين. جالت بي الخطى وما اهتديت إلى سنا رضاك، وتاه بي الجوى وما وجدت زلال هُداك. إلهي، جعلت الحيرة غلالةً بيني وبين نورك، وجعلت العجلة حائلةً بيني وبين فيوضك. قد انكسرتُ من ذنوبي، وأُرديتُ من نُدوبي، و تفرّطتُ من رباطة جأشي، وصدئتُ من غُلّة عطشي. فلا تحرمني من حبيبي، ولا تُضعني في محاولاتي وتجريبي. أدعوك سرًّا وجهارًا، أدعوك صامدًا ومنهارًا، أدعوك ليلًا ونهارًا. انصرف أهل الورد حين بلغوك، وانقضى فصل أهل الجزم حين درسوك، وأنا محجوب عنك بك، فارٌّ منك إليك. يا من أسكرني بحبّه، وحيّرني في ميادين قربه، أسألك نبعًا يفيض بما فاض به أوّل الخلق، وطمأنينةً لا عطشَ فيها بطلب الحقّ. يا من بَلا وبرأ، يا من ألوذ به وألجأ، يا من سقاني بالظمأ، قوّني وضعّفني، واروِ منّي وعطّشني، واسقني من رحيق رضاك، كما كرّمت أولياءك بالسقيا، ولا تجعل سَهوتي غايتي في الدنيا. اللهم لا تؤدّبنا بعقوبتك، ولا تُحيّرنا بقطع وصلك، ولا تُسرّحنا في ميادين شبعك، ولا تُفتنّا برحيق ابتلائك، ولا تُشغلنا بما ليس لنا. فلم أستطع، مع إقراري بابتلائك، صبرًا… وكيف أصبر على ما لم أُحط به خبرًا؟ يا ساكنًا في الكوامن، يا من لا تحويه الأماكن، يا من لا تفوته الأقدار، يا نابعًا بالقرار، يا من لا يفوته قرار، ولا تُدركه الأبصار. إليك أشكر رحمةً منك منقطعة، وعطشةً لقرب رحمتك متلوّعة. فمن ذا الذي ذاق حلو المحبّة وفرّ منها؟ ومن ذا الذي أدرك حقيقتك ولم يَرْوَ عنها؟ ومن ذا يعرف جوهر أسرارك ولا يتيه فيها؟ ومن ذا يتيه في صحراء حقيقتك ولم يجُل فيها ؟ فحيرتنا من هذا القول فلاة، ونحيبنا للوصل بأذنك صلاة، وهيامنا في تلقّيه معارف، بها يفتقر إلى القرب كلّ تائه خائف، ويدرك جوهر الحنين كلّ ملتاع وعارف. واصقل، يا ربّ، معرفتنا بالأفهام، فقد قيل إنّ من أحبّ الله فهم عنه. ولا تصرف عنّا وجهك، واجعلنا من أهل الحظوة عندك، واحفظنا، اللهم، بعينك الرحيمة، واسقِ حيرتنا من منابعك المقيمة.
" طاب لي خلعُ عذاري *** في هوى البدر التمام
بافتقاري وانكساري *** أرتجي نيل المرام
خمرةُ الأحباب تُجلى *** هيَ حِلٌّ لا حرام
من دموع العين تُملَى *** صانها البرّ السلام
في سماء الحُسن هلّت *** غادةٌ تسبي الأنام
ولسيف اللحظ سلّت *** قاطِعٌ تحت اللثام
يا عذولي لا تلمني *** ما على العاشق ملام
ادنُ مني واروِ عني *** أنا في العشق إمام "
***
أمين صباح كُبّة
.......................
* اشارة الى قوله تعالى (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)
* اشارة الى قول ابو الحسن الشاذلي( المحبّة أصل في الافهام فمن أحب الله فهم عنه)
* الأبيات لعبد الغني النابلسي







