أقلام ثقافية
في أفول نجمة عراقية
برحيل لطفية الدليمي يخسر الأدب العراقي صوتاً نادراً ويترجل صوتٌ أدبيٌّ مميّز من قافلة الثقافة العراقية، صوتٌ ظلّ لسنوات طويلة يكتب بهدوء العارفين وعمق الباحثين عن المعنى. لم تكن الدليمي مجرد قاصة أو روائية، بل كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً، تمزج في كتابتها بين حساسية الأدب وفضاء المعرفة، فتفتح أمام القارئ نوافذ واسعة على العلم والفلسفة والإنسان.
عرفها القرّاء كاتبةً تمتلك لغة شفيفة وقدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة كبرى عن الوجود والحرية والوعي. وفي أعمالها كانت المدن العراقية تمرّ كظلالٍ حنونة، وكانت المرأة حاضرةً بصوتها العميق وتجربتها الإنسانية الغنية، بعيداً عن الضجيج، قريبةً من جوهر الحياة. لقد كتبت عن الإنسان وهو يواجه قلق العصر، وعن المعرفة بوصفها طريقاً للخلاص من العتمة.
امتازت تجربتها الأدبية بخصوصية واضحة؛ فهي من القلائل الذين أدخلوا العلم والفكر العلمي إلى السرد الأدبي العربي بهذا القدر من الرهافة والوعي. كانت تؤمن أن الأدب لا ينفصل عن أسئلة الكون الكبرى، وأن الكاتب ليس مجرد راوٍ للحكايات، بل شاهدٌ على عصره، وحارسٌ للمعنى في زمن الاضطراب.
ومع رحيلها يخسر الأدب العراقي والعربي قامةً ثقافيةً وضميراً إبداعياً ظلّ وفيًّا للكلمة النزيهة. غير أن الكتّاب الحقيقيين لا يغيبون تماماً؛ فهم يتركون في كتبهم حياةً أخرى، تمتد في ذاكرة القرّاء وتواصل الحوار مع الأجيال الجديدة.
ستبقى لطفية الدليمي حاضرة في قصصها ورواياتها ومقالاتها، وفي تلك الروح المعرفية التي بثّتها في نصوصها، حيث يمتزج الجمال بالتأمل، والسرد بالفكر، والحلم بالمعرفة.
رحلت الجسد، لكن الكلمة التي كتبتها ستظل حيّة، تمضي من قارئ إلى قارئ، ومن زمن إلى زمن، شاهدةً على أن الأدب الصادق لا يشيخ ولا يختفي.
سلامٌ لروحها،
وسلامٌ للكلمات التي تركتها لنا ضوءاً في دروب القراءة والمعرفة، وللكلمات التي ستظل تمشي بيننا، حتى بعد أن غابت صاحبتها.
***
جورج منصور






