أقلام ثقافية

احمد عابر: العشاق.. وما في الموجودات إلا محب ومحبوب

كلما أحب الانسان اكثر اتسع قلبه للحب اكثر، فالقلب لا يعيش الا بالحب، كما تعيش السمكة في الماء.

- الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي

- المصدر: حوار خاص مع الکاتب

بهذه العبارة الوجودية الهادئة يفتح عبدالجبار الرفاعي افقا مختلفا لفهم الحب. الحب هنا ليس ملكية ولا عقدا مغلقا بين اثنين، بل حالة حياة. القلب لا يستهلك الحب حين يمنحه، بل يتسع به. كما ان السمكة لا تختار الماء بل تحيا فيه، كذلك القلب لا يختار الحب بل يقوم به. واذا كان الحب بهذه الطبيعة، فهو ليس شيئا نأخذه من الاخر، بل فضاء نكبر فيه معا، من دون ان يضيق او ينقص.

في لوحة التي رسمها رينيه ماغريت عام ۱۹۲۸، يتجسد هذا المعنى بصريا. رجل وامرأة يقتربان حد التلاصق، لكن قماشا ابيض يغطي رأسيهما بالكامل، فيخفي الوجوه ويمحو الملامح. ومع ذلك لا يشعر الناظر بالانفصال، بل بقرب اعمق من الرؤية. القماش لا يمنع اللقاء، بل يعيد تعريفه. نحن قريبون لاننا لا نحتاج ان نرى كل شيء. الحب هنا لا يقوم على الكشف الكامل، بل على الثقة وعلى قبول الغموض.2410 love

توجد نسخة شهيرة من اللوحة في متحف الفن الحديث في نيويورك واخرى في المعرض الوطني الاسترالي في كانبيرا. هذا التعدد لا يبدو تفصيلا عابرا، بل يعيدنا الى فكرة المرايا. الصورة تتكرر كاملة غير منقوصة، كما يتكرر الحب حين يتوزع. كل مرة يظهر كاملا، لا ينقص من ذاته شيئا، ولا يسحب من غيره.

رينيه ماغريت، الرسام البلجيكي واحد اهم رموز السريالية، لم يكن معنياً بالحلم بقدر ما كان معنيا بالفكرة. اعماله لا تهرب من الواقع، بل تزعزع بداهته. الصورة عنده سؤال، لا جوابا. والسريالية هنا ليست غرابة شكلية، بل محاولة لرؤية ما وراء المألوف. في لوحة العشاق، يصبح الحجاب وسيلة كشف. الحب قد يكون اصدق حين لا نملك، واعمق حين لا نحيط.

يتسع معنى اللوحة اكثر حين نقرأها على ضوء ما يقوله ابن عربي: "وما في الموجودات الا محب ومحبوب، حتى السالب والموجب وهما قوام الوجود، حتى ذرات الطبيعة، انما يمسكها الحب ان تزول او تحول، ولولا تعشق النفس للجسم ما تم وجودهما، ولولا حب المعاني للكلمات ما امتزجا ولا عرفا."

الحب هنا ليس شعورا نفسيا، بل قانون وجود. كل شيء قائم به ومتعلق به. الذرات، المعاني، الكلمات، النفس والجسد، كلها لا تجتمع الا بفعل الحب. بهذا المعنى، لا يعود الحجاب في لوحة ماغريت علامة نقص، بل اشارة الى ان العلاقة الحقيقية لا تحتاج الى كشف تام. الحب لا يرى فقط، بل يمسك الوجود من التفكك.

ويزداد هذا المعنى صفاءا مع ابيات لابو مدين التلمساني حيث يقول شيخ الشيوخ:

تملكتموا عقلي وطرفي ومسمعي

وروحي واحشائي وكلي باجمعي

ومن عجب اني احن اليهم

واسأل شوقا عنهم وهم معي

هذه الابيات تكشف مفارقة الحب العميقة.

كيف نشتاق الى من هم معنا، وكيف نسأل عن من يسكنون فينا. في لوحة العشاق، لا يرى العاشقان بعضهما، ومع ذلك هما متلاصقان. القماش لا يفصل، بل يؤكد ان القرب الحقيقي ليس قرب نظر، بل قرب وجود. حضور يسكن الاعماق لا الملامح.

هنا نعود مرة اخرى الى عبارة عبدالجبار الرفاعي الاولى، كأنها مفتاح التأمل في هذه اللوحة. كلما أحب الانسان اكثر اتسع قلبه للحب اكثر.

لوحة العشاق لا تقول شيئا خارج هذا المعنى، بل تراه. القماش الابيض الذي يحجب الوجوه لا يضيق العلاقة، بل يوسعها.

فالحب هنا لا يعيش بالرؤية ولا بالامتلاك، بل بالاتساع. القلب الذي لا يعيش الا بالحب يشبه هذين الجسدين المتقاربين، لا يحتاجان ان يريا كي يكونا معا. كما تعيش السمكة في الماء من دون ان تساله، يعيش القلب في الحب من دون ان يحوزه. هكذا تصبح لوحة العشاق ترجمة بصرية لهذه العبارات وشهادة على ان الحب حين يكون بعدا وجوديا لا ينقص حين يخفى، ولا يضيق حين يتسع، بل يكتمل كما هو، كاملا في كل مرة.

***

د. احمد عابر

 

في المثقف اليوم