أقلام ثقافية

عبد السلام فاروق: محمود درويش.. صوتنا جميعًا

كلما أتى شهر مارس، وتحديدًا في الثالث عشر منه، يتذكر عشاق الشعر العربي أن شاعرًا عظيمًا قد ولد في ذلك اليوم من عام ١٩٤١ في قرية البروة بالجليل. ومثل كل عام، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة لماذا نظل نقرأ محمود درويش، رغم رحيله منذ ما يقرب من عقدين، ومع ذلك لا تغيب قصائده عن ألسنتنا ولا تغادر رفوف مكتباتنا؟

الإجابة ليست معقدة كما قد يتخيل البعض. نحن نقرأ محمود درويش لأن أسئلته ما زالت حية. نعم، بهذه البساطة. أسئلته عن الوطن، عن الهوية، عن المنفى، عن الحب، عن الموت، كلها أسئلة نطرحها نحن أيضًا كل يوم، وكلها أسئلة لم نجد لها إجابات شافية بعد.

درويش لم يكن مجرد شاعر يكتب قصائد جميلة نرددها في المناسبات. كان حالة ثقافية متكاملة، وكان صوتًا استثنائيًا لقضية عربية كبرى، لكنه بطريقة ما استطاع أن يجعل من هذه القضية الخاصة قضية إنسانية عامة. هو لا يتحدث عن الفلسطيني فقط، بل يتحدث عن كل إنسان له أرض يخاف عليها، وله ذكريات يتمسك بها، وله حلم في العودة ولو كان مستحيلاً.

سؤال الهوية

من أكثر الأسئلة إلحاحًا في عالمنا المعاصر هو سؤال الهوية. في زمن العولمة، وفي زمن الانفتاح الثقافي الكبير، وفي زمن الهجرات واللجوء والتشرد، صار الإنسان أكثر حيرة من أي وقت مضى من أنا بالضبط؟ إلى أين أنتمي؟ ما الذي يميزني عن غيري؟

هذه الأسئلة بالضبط هي ما طرحها محمود درويش في قصائده عبر سنوات إبداعه الطويلة. في قصيدته الأشهر "سجل أنا عربي"، لم يكن يرفع شعارًا سياسيًا فقط، بل كان يبحث عن ذاته في عالم يحاول اختزاله في أرقام وتصنيفات. عندما يقول "أنا عربي.. وأنا اسم بلا لقب"، إنه يصرخ في وجه كل من حاولوا تجريده من إنسانيته، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن حالة إنسانية عامة، حالة من يشعر أن هويته مسلوبة أو مشوهة في عيون الآخرين.

في زمننا هذا، حيث تتصاعد خطابات الكراهية والعنصرية في العالم، وحيث تزداد الأسئلة حول الانتماء والمواطنة والاختلاف، نجد في محمود درويش ملاذًا فكريًا وحالة استثنائية. إنه الشاعر الذي استطاع أن يقول كلمته في وجه الظلم دون أن يتحول إلى خطيب سياسي جاف، واستطاع أن يتغنى بالحياة والحب والجمال دون أن يتخلى عن قضيته الكبرى. وهذا التوازن الصعب هو ما يميزه عن كثير من شعراء المناسبات.

المنفى وطن بديل!

نقرأ محمود درويش اليوم لأن المنفى لم ينتهِ. للأسف الشديد، لا يزال الملايين من البشر في عالمنا يعيشون حالة التشرد واللجوء والبحث عن وطن آمن. ولا يزال الفلسطينيون أنفسهم، الذين كان درويش صوتهم الشعري الأول، يعانون من الاحتلال والتهجير والشتات.

لكن محمود درويش في شعره لم يقتصر على منفى الجغرافيا فقط. لقد عاش وعلمنا أن نعيش منفى أعمق وأقسى؛ منفى الإنسان داخل وطنه، منفى المبدع داخل مجتمعه الذي لا يفهمه دائمًا، منفى العاشق داخل علاقته التي لا تكتمل، منفى الإنسان داخل جسده الذي يمرض ويهرم.

في قصيدته الجميلة "أحن إلى خبز أمي"، يتحول الحنين إلى وطن مفقود إلى حنين أوسع وأشمل، حنين إلى الطفولة، إلى البراءة، إلى الدفء العائلي، إلى ذلك الشعور بالأمان الذي نفقده جميعًا كلما تقدم بنا العمر. هذه القصيدة التي يحفظها الصغار والكبار على حد سواء ليست فقط عن فلسطين، بل هي عن كل بيت دافئ، عن كل أم حنون، عن كل ذكريات جميلة نحملها في قلوبنا أينما ذهبنا.

يقول درويش في هذه القصيدة الخالدة:

"أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر في الطفولة

يومًا على صدر يوم

وأعشق عمري لأني

إذا مت،

أخجل من دمع أمي!"

هذا هو سر درويش الحقيقي: قدرته الفائقة على تحويل القضية السياسية إلى قضية إنسانية، وتحويل الهم الوطني إلى هم وجداني، وتحويل الحجر البارد إلى نبض دافئ.

الشعر والكلمات العادية

نقرأ محمود درويش لأنه يمنحنا لغة جديدة نعبر بها عما نعجز عن التعبير عنه. في زمن السرعة، زمن التغريدات المقتضبة، زمن الصور الجاهزة، زمن "السوشيال ميديا" الذي يختزل المشاعر في أيقونات وإيموجيات، نفتقر بشدة إلى اللغة العميقة التي تستوعب تعقيد مشاعرنا. درويش هو من يمدنا بهذه اللغة.

خذوا مثلاً قصيدته الرائعة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". كم مرة سمعتموها في الأفراح والأتراح؟ كم مرة نشرها أصدقاؤكم على فيسبوك في لحظات الفرح الغامر أو الحزن العميق؟ لأن هذه القصيدة ببساطة تلتقط ذلك الشعور المتناقض الذي ينتابنا عندما نرى جمال الحياة وسط كل هذا القبح الذي نعيشه.

يقول درويش:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد نيسان،

رائحة الخبز في الفجر،

آراء امرأة في الرجال،

كتابات أيسخلوس،

أول الحب،

عشب على حجر،

أم تقفون على شعري."

هذا المقطع يختصر فلسفة درويش في الحياة: الحياة تستحق أن تعاش رغم كل شيء. ليس تفاؤلاً أعمى يتجاهل الواقع، ولا تشاؤماً قاتلاً ينكر الجمال، بل نظرة متوازنة تحتضن المتناقضات: الحرب والحب معًا، الموت والحياة معًا، القهر والجمال معًا.

قصائده مرآة لكل منا

عندما سألت القراء عن أقرب قصائد درويش إلى قلوبهم، تنوعت الإجابات بشكل لافت. قال البعض "أحن إلى خبز أمي"، وقال آخرون "سجل أنا عربي"، وفضل ثالث "وتنسى كأنك لم تكن"، ورابع "عابرون"، وخامس "في البال أغنية"، وسادس "الجدارية"، وسابع "بيروت"، وأخيرًا "معظم ما كتبه محمود درويش يستحق القراءة مثلما على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

هذا التنوع في الإجابات يكشف حقيقة مهمة، هي أن محمود درويش ليس شاعراً أحادي البعد. هو شاعر يستطيع كل قارئ أن يجد فيه ما يناسبه، ما يعبر عن مرحلته العمرية، ما يلامس تجربته الشخصية. "أحن إلى خبز أمي" تناسب لحظات الحنين، "سجل أنا عربي" تناسب لحظات التحدي والصمود، "الجدارية" تناسب لحظات التأمل العميق، "وتنسى كأنك لم تكن" تناسب لحظات المرارة والخيبة.

وهذا هو سر الخلود الأدبي، أن يكون النص قادراً على أن يعيش خارج سياقه الزمني، وأن يجد فيه كل جيل ما يعبر عنه، وأن يظل مفتوحاً على تأويلات متعددة.

بين المأخذ والإبداع

الموضوعية تقتضي أن نقول إن درويش لم يكن خالياً من المآخذ النقدية. بعض النقاد يرون أن مرحلته الأخيرة، رغم عمقها الفلسفي الكبير، افتقدت إلى تلك العفوية والحميمية المباشرة التي ميزت قصائده الأولى. كما أن بعض قصائده الطويلة مثل "الجدارية" قد تكون صعبة على القارئ العادي، وتحتاج إلى أكثر من قراءة وتأمل لفك شفراتها.

أيضاً، هناك من ينتقد درويش لأنه في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، ابتعد قليلاً عن الهم المباشر للقضية الفلسطينية وانشغل بهموم إنسانية أوسع. البعض اعتبر هذا تطوراً طبيعياً لأي شاعر كبير، والبعض الآخر اعتبره تراجعاً عن دوره الوطني كناطق باسم المقاومة.

لكن الشيء المؤكد أن محمود درويش ظل طوال حياته صادقاً مع نفسه ومع تجربته الشعرية. لم يكرر نفسه، لم يرضَ بالسهل، لم يستسلم للشعارات الجاهزة. ظل يبحث، يجرب، يطور أدواته، يقلق نصوصه، حتى الرمق الأخير. وهذا هو الفرق بين الشاعر الحقيقي وصانع القصائد.

كلمة أخيرة

لماذا نقرأ محمود درويش اليوم؟ لأننا في أمس الحاجة إلى من يذكرنا أن القضية الفلسطينية ليست مجرد أرقام وإحصائيات وتقارير في الأمم المتحدة، بل هي قصص إنسانية حية، ومشاعر جياشة، وذكريات مؤلمة، وأحلام مؤجلة. نحتاج إلى من يحول الحجر البارد إلى قصيدة نابضة، والمفتاح الصدئ إلى رمز خالد، واللاجئ المنسي إلى إنسان له كرامة ووجه وقضية.

في النهاية، سيظل محمود درويش حاضراً في وجداننا ما دام هناك من يتذكر أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وما دام هناك من يشعر أنه "عابر في كلام عابر"، وما دام هناك من يبحث عن وطن، أو عن هوية، أو عن لغة تعبر عما في داخله من مشاعر متدفقة.

كل عام وأنت يا محمود أيقونة الفلسطينيين، وضمير العرب، وصوت كل من لا صوت له. كل عام وأنت في قلوبنا ووجداننا، تماماً كما كنت دائمًا، وكما ستبقى دائمًا وأبدًا.

***

د. عبد السلام فاروق

 

في المثقف اليوم