عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

قراءة في تحويل الفن إلى سلعة

عندما تعلن جوائز "جوي" في نسختها لعام ٢٠٢٦ أن الحفل لا معنى له دون العراق، فإن هذا الإعلان لا يخلو من تناقض صارخ. فهو يأتي ضمن سياق تحويل الفن والثقافة إلى سلع تخدم مصالح طبقة رأسمالية جديدة تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي وفق رؤيتها.

لطالما كان الفن، جزءاً من البنية الفوقية التي تعكس صراعات القاعدة الاقتصادية. وعندما يتحدث البعض عن تفوق فنان مثل كاظم الساهر (هنا اقصد معنى العراق)، فإن هذا التفوق لا ينفصل عن السياق التاريخي الذي أنتج فن المقاومة والكبرياء العربي في حقبة معينة، مقابل تحويل الفن اليوم إلى أداة لترسيخ قيم الاستهلاك والخضوع. ولهذا (القيصر) هو الجائزة الحقيقية للعالم العربي.

ما نراه في فعاليات "موسم الرياض" ليس سوى إعادة إنتاج لعلاقات اجتماعية بالية تحت غطاء الترفيه. حيث لا تكمن خطورة استدعاء أعمال مثل مسلسل “باب الحارة” في نوستالجيا الماضي فحسب، بل في إعادة تدوير نموذج اجتماعي يُقدم بوصفه هوية أصيلة، بينما هو في جوهره اختزال أيديولوجي يخدم استقرار البنى الذكورية والسلطوية. فالمرأة فيه ليست فاعلاً تاريخياً، والفقير ليس ذاتاً سياسية، والصراع الطبقي يستبدل بصراعات أخلاقية سطحية تفرغ التاريخ من تناقضاته الحقيقية.

إن تحويل الفن إلى سلعة لا يتم فقط عبر الرعاية والتمويل، بل عبر إخضاعه لمعايير الربح، نسب المشاهدة، وعدد التفاعلات الرقمية. في هذا السياق يصبح العمل الفني الذي لا يُدرّ أرباحاً أو لا ينسجم مع الصورة الترويجية المرغوبة عملاً غير قابل للحياة، مهما بلغت قيمته الجمالية أو النقدية. هكذا يُستبعد الفن المقلق، ويُعاد إنتاج الفن الآمن، القابل للاستهلاك السريع، والمنزوع الدسم السياسي.

تعمل الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية، التي تمثلها دول مثل السعودية، على تركيز إنتاج الثقافة والفن في أيدي قلة. هذا الاحتكار ينتج في معظمه كمّا هائلا من المسلسلات والأفلام الفارغة، التي تكرس القيم الاستهلاكية وتقدم وعياً زائفاً للجماهير. النتيجة الحتمية هي إهمال المواهب الحقيقية وترويج لنماذج فنية مقلدة تخدم السوق لا الفن.

الفن الحقيقي، كما تشير التجربة السورية مؤخراً في بعض اعمالها، هو ذلك الفن الذي يمارس "المشاكسة" النقدية، ويكشف تناقضات المجتمع، ويفتح آفاقاً للتغيير. لكن الرأسمالية تسعى دائماً لاستيعاب الفن التقدمي وتحويله إلى سلعة، أو إقصائه لمصلحة إنتاج ثقافي يكرس الخضوع.

إن معركة الفن الحقيقي اليوم ليست جمالية فحسب، بل هي معركة ضد تحويل الفن (وحتى الثقافة) الى صناعة تخدم مصالح الطبقة الرأسمالية المسيطرة. الفن التقدمي في العالم العربي مطالب باستعادة دوره النقدي، وكسر احتكار الإنتاج الثقافي، والانحياز للطبقات الكادحة في صراعها من أجل عالم أكثر عدلا.

إن انتشار هذا النمط من الإنتاج الثقافي لا يعود إلى “سذاجة الجماهير”، كما يُروج أحياناً، بل إلى شروط مادية قاهرة: الفقر، القلق، غياب البدائل، وهيمنة منصات ضخمة تحدد ما يشاهد وما يُهمّش. في ظل هذا الواقع، يصبح الترفيه المُفرغ من أي بعد نقدي ملاذاً مؤقتاً من بؤس يومي، لا خياراً حراً بالكامل.

فن المقاومة ليس ترفاً، بل ضرورة تاريخية في زمن تحاول فيه الرأسمالية احتواء كل أشكال الوعي وصبها في قوالب استهلاكية عقيمة.

لذا، الفن التقدمي لا يُقاس فقط بشعاراته أو نواياه، بل بقدرته على زعزعة المسلّمات، كشف علاقات القوة، وفتح أفق تخيلي بديل. هو فن لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة محرجة، ويعيد للمتلقي موقعه كذات ناقدة لا كمستهلك سلبي.

***

حسام عبد الحسين

يمكن تشبيه النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب (2026) بقمة جبل الجليد التي كانت تخفي تحتها شتى العجائب والغرائب؛ فما إن أسدل الستار على هذه التظاهرة الكروية، حتى انكشف المستور، وظهر ما كان خفيا، فكان أعظم!

كرة القدم، في أصلها، لعبة جميلة وممتعة، يمارسها الإنسان مثل باقي الألعاب، إما لغرض صحي يهدف إلى ترويض الجسد وتهذيب النفس معا، أو بقصد المنافسة الشريفة التي تختبر قدرة الإنسان على التحمل والصبر والانضباط. أما المتفرج، فينحصر هدفه الأساس في التسلية والترويح عن النفس بعد عناء العمل وتعب الحياة اليومية. بهذا المعنى، تظل الرياضة فعلا إنسانيا بسيطا وعفويا، مرتبطا بالفرح الجماعي، وبحاجة الإنسان الفطرية إلى اللعب والانبساط.

غير أن الرياضة عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، شهدت في العقود الأخيرة تحولات عميقة في الوسائل والأهداف والاستراتيجيات. فقد تحولت إلى مجال واسع للإشهار والترويج والبروباغندا، لا سيما على المستوى التجاري والتسويقي، وأضحت صناعة ضخمة تتداخل فيها الأموال والسياسة والإعلام. ومع ذلك، كان من المفترض أن يبقى الهدف المركزي لكل هذا التطور هو التسلية، بالمعنى السيكولوجي الإيجابي الذي عرفته البشرية منذ أقدم العصور، حين كان الناس يستمتعون بمشاهدة المصارعة، وسباقات الخيل، ومختلف أشكال التحدي الجسدي.

إلا أن التسلية نفسها قد تنقلب إلى نقيضها، عندما تتحول الرياضة إلى أداة لتخدير الشعوب، وصرفها عن القضايا الكبرى، وإشغالها عن همومها المصيرية. عندئذ، لا تعود الرياضة وسيلة للترفيه، بل تصبح أداة للهيمنة والتحكم، تُستعمل لتوجيه الجماهير وتنفيس غضبها في قضايا هامشية، بدل مساءلة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذا ما أصبح يطبع عصرنا الراهن، حيث تزاحم الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، مجالات المعرفة والعلم والتعليم والبحث العلمي، فتدفع بها إلى مراتب ثانوية، خاصة في المجتمعات المتأخرة أو ما يصطلح عليه بالعالم الثالث. بل تكاد كرة القدم، في بعض السياقات، تتحول إلى ما يشبه "دينا جديدا"، تُستثمر فيه العواطف والولاءات، ويُمنح قداسة "إلهية" لا تليق بلعبة، مهما بلغت شعبيتها.

وهكذا، أصبح لاعب كرة القدم يُباع بملايين الأورو، ويُوفر له من الامتيازات والمتع والإمكانات ما لا يخطر على بال، في حين تُهجر مجالس العلماء والمفكرين والباحثين، الذين لا يطلبون مالا ولا جاها، ولا يحضر دروسهم ومحاضراتهم إلا القليل. امتلأت الملاعب عن آخرها، رغم غلاء تذاكر الدخول، بينما ظلت بيوت الله، حيث السكينة والطمأنينة واليقين، في كثير من الأحيان شبه خاوية. ونعتقد أن هذا التناقض الصارخ يعكس خللا عميقا في سلم القيم والأولويات داخل مجتمعاتنا.

وليس الغرض من هذا الكلام تحريم كرة القدم، ولا التبخيس من أهمية الرياضة البدنية والنفسية والعقلية في حياة الإنسان، وإنما التنبيه إلى أننا اليوم أمام ظاهرة أخلاقية وسوسيو-اجتماعية معقدة، انحرف فيها الإنسان، خصوصا في المجتمعات الجنوبية، عن المقاصد الأصلية للرياضة. فالترويح، وهو مقصد تحسيني وتكميلي في منطق علم المقاصد، يأتي في المرتبة الثالثة بعد الضروريات والحاجيات. غير أننا قلبنا المعادلة رأسا على عقب، وأصبحنا نُعلي من شأن ما هو تحسيني على حساب ما هو ضروري وحاجي، كالدين، والصحة، والتعليم، ومحاربة الفقر، وترسيخ الأخلاق.

وعند مقارنة تعامل الشعوب الإفريقية والعربية والآسيوية والأمريكية اللاتينية مع الرياضة، بتعامل المجتمعات الأوروبية معها، يظهر الفرق جليا. ففي كثير من دول الجنوب، تُجعل الرياضة أولوية الأولويات، فتُستنزف الثروات، وتُهدر الميزانيات، وتتفاقم المديونيات من أجل بناء الملاعب وتنظيم التظاهرات وتمويل الآلات الإعلامية، في الوقت الذي تعيش فيه فئات واسعة من الشعب تحت خط الفقر، وتعاني المستشفيات من الإهمال، ويتراجع التعليم، وتستشري الرشوة. في المقابل، تُنظر إلى الرياضة في أوروبا نظرة مغايرة؛ فهي ضرورة اجتماعية وصحية، لكنها ليست أبدا على حساب الأولويات الكبرى. لقد جاءت مأسسة الرياضة وتقنينها في أوروبا بعد أن حققت الشعوب قدرا معقولا من الرفاه، ونالت حقوقها الأساسية، وبلغت قطاعات الصحة والتعليم والإدارة مستويات متقدمة. لذلك، نجد أن المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات العمومية، من حيث البناء والتنظيم والخدمات، تضاهي، بل أحيانا تفوق، الملاعب والمرافق الرياضية.

ثم إن الرياضة في السياق الأوروبي لا تختلط، في الغالب، بما هو إيديولوجي أو سياسي. لكل مجال منطقه ووظيفته؛ فالرياضة تُعنى بإمتاع المواطنين والحفاظ على صحتهم، والسياسة تُعنى بتسيير الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة. قد تقع أحداث شغب معزولة بسبب نتائج المباريات، لكنها نادرا ما تتحول إلى صراعات ذات طابع سياسي أو عرقي أو ثقافي. وهو ما يختلف عما تابعناه في النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب، حيث كشفت "قمة جبل الجليد" عن حجم التوتر والشحناء بين بعض الشعوب الإفريقية، وعن انقلاب البعض على البلد المضيف، رغم ما أبداه من كرم وحفاوة تنظيمية وإنسانية. فغابت الروح الرياضية، وحل محلها خطاب عدائي لا يمت بصلة إلى معنى الرياضة ووظيفتها الإنسانية في التقريب بين الشعوب.

إن الرهان في اتجاه العمق الأفريقي أو نحو المشرق ينبغي أن لا يتجاوز ما هو شكلي ورمزي؛ لن يحترمك الغير إلا عندما تكون قويا بتاريخك وثقافتك وتراثك وشعبك. ولعل المغرب يتمتع اليوم بهذه المزايا الجميلة، ولا ينقصه إلا الالتفات الحقيقي إلى شعبه، ورد الاعتبار لمواطنيه، والرقي بمؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إن الاستثمار الرياضي كشف عن أن المغرب قادر على أن يحقق المستحيل في التشييد والتنظيم والأمن، ونأمل أن يليه بشكل عاجل استثمار صحي واستثمار تربوي واستثمار إداري وغيرها. لقد آن الأوان لننزع أنفسنا من وحل العالم المتأخر، ونحلق إلى الأفق الكوني البعيد، حيث النجاح الحضاري لا يتحقق بلعبة ترفيهية، بل بالمعرفة والتربية والتكنولوجيا والبحث العلمي.

وفي الختام، يمكن القول إن أياما معدودات كانت كافية لتعلمنا، نحن المغاربة، دروسا عميقة، لعل أبرزها ثلاثة: مقصد الرياضة، وحقيقة الجوار، وضرورة العودة إلى الذات. فالرياضة، مهما بلغت أهميتها، تظل مجالا تحسينيّا وتكميليّا، لا يجوز أن يُقدَّم على الأولويات الحقيقية كالصحة والتعليم والأمن والعدالة الاجتماعية. وحقيقة الجوار الإفريقي، كما كشفتها هذه التظاهرة، تستدعي إعادة قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدا عن الأوهام والشعارات. أما العودة إلى الذات المغربية، فتعني التركيز على الإنسان، والاستثمار في المجتمع، ورد الاعتبار للمواطن، لأن قوة المغرب الحقيقية لا تكمن في كرة القدم وحدها، بل في المعرفة، والتربية، والتكنولوجيا، وبناء الإنسان. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُقاس بألقابها الكروية، بل بما تحققه من كرامة وعدالة وتنمية بشرية مستدامة.

***

الإختصار هو تقليل الكلمات أو الحروف مع الحفاظ على المعنى، أي التعبير عن الفكرة بألفاظ أقل دون الإخلال بها، والإيجاز من محاسن كلام العرب

ومختصر: موجز

أكتب بإيجاز: بإقتضاب، عدم الإطالة، تضمين اللفظ القليل المعنى الكثير.

أجدادنا تعلموا الإختصار وحثوا عليه، وإن أسهبوا (أطالوا وتوسعوا في كلامهم) إعتذروا من القارئ، ونحن في عصرنا المتسارع نجيد الإسهاب ونتوهم بأن ما نجود به سيجد مَن يقرأه ويتنور به.

والواقع الأليم يؤكد بأننا نساهم في تنفير الناس من القراءة، بإمعاننا في حشو السطور بالكلمات التي لا تنفع، وما إستوعبنا قول الأجداد منذ عصور : "خير الكلام ما قل ودل".

فلماذا ندور حول الفكرة والمعلومة ولا تكتبها بوضوح وكثافة لغوية ذات قيمة معرفية؟

الإسهاب يشير إلى جهل صاحبه بما يريد قوله، أو أنه يتوهم بأن القارئ جاهل ويسعى لتوضيح موضوعه، لكنه يثقل عليه ويقدم له بطاقة نفران وسأم وإبتعاد عن المكتوب، في زمن صارت الصورة تنطق جميع اللغات وبآليات ومضية تحفز الأدمغة على المتابعة والتفاعل، فصوَر التواصلات المتنوعة تغني البشر عن ركام الكتب والمقالات الخالية من الشد والتشويق، فهي تقيؤات فوق رمال الهجير.

الإختصار والإيجاز من ضرورات التفاعل اللغوي بين البشر المعاصر، فما عادت الكلمات بلا قيمة وهدف، بل لكل كلمة ما تدل عليه من فعل حاصل أو سيحصل، فالكلام مقوّد البشر.

فهل سنكتب بلا إسهابٍ ممل؟!!

إذا دلّتْ بما قلّتْ عليها

فقد وَصلتْ مَقالتنا إليها

بإسْهابٍ غثيثٍ في كلامٍ

ننفّر قارئا لا يَشتريها

بإيجازٍ جميلٍ ما كتبنا

رسالتنا تَتاءتْ عن أبيها

***

د. صادق السامرائي

الحياة ليست دائمًا ما نراه في الأخبار أو ما نسمعه عن الأحداث الكبرى، بل هي اللحظات الصغيرة التي تمر بلا انتباه تلك اللحظات التي قد تبدو للبعض عابرة أو غير مهمة، لكنها في حقيقتها تحمل الكثير من الدروس والخبرات التي تشكّل الإنسان فكل مشهد صغير، كل شعور عابر، كل فكرة تمر في العقل بصمت، هو نص شخصي صغير يمكن أن يتحول إلى تجربة إنسانية غنية أو درس عميق عن الحياة.

في طفولتي، كنت أمضي ساعات طويلة في مراقبة العالم من حولي. أتذكر أحد الأيام حين كنت أجلس في فناء بيتنا، تحت ظل شجرة نخيل عالية، أراقب الشمس وهي تتسلل بين أغصانها، تلعب بأوراق الشجر فتخلق ظلالًا متحركة على الأرض، كأنها رقصة خفية لا يفهمها إلا من يتأملها بصمت والطيور كانت تتحرك برشاقة بين الأغصان أحيانًا تقفز من غصن إلى آخر، وكأنها تتحدث بلغة صامتة، لغة لا يفهمها العقل مباشرة، لكنها تترك أثرًا في القلب ولم يكن لذلك اليوم أي أهمية واضحة بالنسبة للآخرين، لكن هذا المشهد البسيط أصبح لاحقًا جزءًا من كتاباتي، مثالًا حيًا على أن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تُغذي الروح وتفتح أمام الإنسان أبواب التأمل والتفكر في الحياة.

في قريتي قرية فرج كل زاوية تحمل قصة صغيرة، وكل بيت يحفظ نصًا شخصيًا، وكل شارع يحمل ذاكرة خاصة لسكانه وكنت أمشي يومًا في أحد الطرق، ولاحظت جارتي العجوز وهي تساعد طفلًا صغيرًا على ربط حذائه. لم يكن المشهد ملفتًا في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لي كان نصًا صغيرًا عن العطاء، عن الإنسانية التي لا تحتاج إلى مناسبة كبيرة لتظهر وهذا المشهد الصغير علمني أن الرحمة واللطف يمكن أن يكونا في أبسط التصرفات اليومية، وأن الإنسانية الحقيقية تكمن في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر يوميًا دون انتظار شهرة أو تقدير.

في مرحلة لاحقة من حياتي، أثناء عملي في مكتب صغير، لاحظت أن زملاء العمل يتركون لي أحيانًا ملاحظات قصيرة على مكتبي، عبارة عن كلمات تشجيعية أو اقتباسات صغيرة وفي البداية لم أكن أعطي هذه الورقات الصغيرة أي أهمية، لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أنها كانت تحمل دفئًا إنسانيًا هادئًا، نوعًا من التواصل الصامت الذي يخفف الضغط ويذكّر الإنسان بقيمة البساطة وكل ورقة كانت نصًا قصيرًا، لكنها مليئة بالمعاني والدروس عن الصداقة والاهتمام بالآخر، والتقدير الصامت للجهود الصغيرة.

النصوص الشخصية الصغيرة ليست مجرد حكايات عن الأشخاص أو الأماكن، بل هي صوت الروح في أعمق تفاصيلها وأمي، التي رحلت منذ زمن، كانت دائمًا تضع ملاحظات صغيرة على أطباق الطعام أو في دفتر المنزل تقول فيه: "ابتسم مهما كانت الظروف صعبة" وهذه الكلمات الصغيرة التي ربما يراها البعض تافهة، أصبحت نصًا دائمًا في حياتي، تذكيرًا بأن القيمة الحقيقية لا تكمن في ضخامة الأحداث، بل في عمق الشعور، وفي القدرة على التأمل في التفاصيل اليومية.

حتى لحظات الخسارة تحمل نصوصًا صغيرة ودروسًا عظيمة وأذكر يومًا فقدت شيئًا ماديًا بسيطًا لكنه كان عزيزًا علي وكيف لاحظت في أعماق نفسي رد فعل مختلف عن أي فقدان آخر ولم يكن مجرد فقدان، بل نصًا صغيرًا عن الصبر، عن القدرة على إعادة ترتيب المشاعر، وعن استيعاب الحياة بما فيها من ألم وخيبة أمل وكل لحظة خسارة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تحمل درسًا كبيرًا إذا ما فهمناها وتأملناها بعمق.

النصوص الصغيرة اليومية تشبه شظايا المرايا؛ كل قطعة تعكس جانبًا مختلفًا من الحياة. ابتسامة طفل، كلمة طيبة، مساعدة غير متوقعة، فكرة عابرة تمر في العقل، كل هذا نص صغير يحمل دلالات كبيرة وحتى في الأعمال اليومية البسيطة، مثل ترتيب الغرف، تحضير الطعام، أو الحديث مع جارٍ هناك نصوص صغيرة يمكن أن تتحول إلى تأملات عميقة عن الحياة، عن طبيعة الإنسان، وعن الروابط الخفية بين الناس.

قررت أن أجمع هذه النصوص الصغيرة لأنني أؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بما يصنعه في الأحداث الكبرى فقط، بل بما يشعر به ويعيشه في تفاصيل يومه الصغيرة وإن كتابة هذه النصوص هي محاولة للتوقف للتأمل، لإعادة النظر في الحياة من منظور مختلف، منظور يقدّر اللحظة، ويبحث عن المعنى في البسيط قبل الكبير.

النصوص الشخصية الصغيرة تمنح الكتاب حياة وروحًا، وتجعل القارئ يشعر بأن كل تجربة إنسانية، مهما كانت عادية أو متكررة لها معنى وقيمة وإنها ليست مجرد سرد للأحداث، بل محاولة لفهم النفس والآخرين ومرايا للوجود البشري في أدق لحظاته. كل نص قصير، سواء كان موقفًا يوميًا، فكرة عابرة، أو مشهدًا من الطفولة، يهدف إلى إظهار جمال التفاصيل والعمق الخفي وراء الأشياء العادية وهذه النصوص عند جمعها تشكل لوحة كبيرة للحياة، لوحة لا تُرى في الأحداث الكبرى فقط، بل تُرى في الصمت في حركة الأيدي، في الضوء والظل، في التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما نتجاهلها.

إن الحياة الحقيقية ليست محصورة في الأحداث الكبرى أو اللحظات التاريخية، بل تتشكل من سلسلة متصلة من اللحظات الصغيرة التي نعيشها كل يوم، غالبًا دون أن نلاحظها وكل ابتسامة عابرة، كل كلمة طيبة كل حركة صغيرة، كل فكرة تمر في العقل بصمت، هي نص شخصي صغير يحمل معه دروسًا عميقة عن الإنسانية والحياة وهذه النصوص الصغيرة هي التي تشكّلنا، تعلمنا الحب، الصبر، اللطف، الرحمة، والتأمل في كل ما حولنا.

حتى الروتين اليومي يحمل نصوصه الخاصة والاستيقاظ صباحًا تناول الطعام السير في الشارع مشاهدة الناس وهم يمارسون حياتهم، كلها نصوص صغيرة يمكن أن تتحول إلى تأملات عميقة عن الإنسان والعالم وكل لحظة صمت تحمل نصًا عن التفكير الداخلي عن القدرة على الانتباه لما هو مهم وما هو عابر.

والحياة نفسها عند النظر إليها من خلال هذه اللحظات الصغيرة تتحول إلى سلسلة من النصوص المستمرة نصوص عن الفرح والحزن عن النجاح والفشل عن الحب والرحمة عن الوحدة والصداقة عن الحلم والواقع وكل نص صغير يحمل جزءًا من قصة أكبر، قصة الإنسان والوجود وكلما أدركنا هذه التفاصيل أصبحنا أكثر وعيًا وأكثر امتنانًا، وأكثر قدرة على تقدير الحياة بكل تعقيداتها وبساطتها في آن واحد.

إن جمع النصوص الشخصية الصغيرة والتأمل فيها ليس مجرد هواية أدبية بل هو ممارسة فلسفية وروحية وكل نص صغير هو مرآة تعكس جزءًا من الإنسان جزءًا من مشاعره أفكاره أحلامه وذكرياته وهذه النصوص تعلمنا أن الحياة ليست فقط ما يحدث على نطاق واسع أو ما نراه في الأخبار بل هي في التفاصيل اليومية التي نعيشها في المشاعر التي نشعر بها بصمت في العلاقات الصغيرة التي نبنيها وفي اللحظات العابرة التي قد لا نلاحظها إلا بعد مرور الوقت.

إن النصوص الصغيرة تجعلنا نتوقف ونتأمل، تجعلنا نرى الجمال في البسيط ونقدر اللحظة الحالية وتعلمنا أن الحب والرحمة والصبر يمكن أن تظهر في أبسط التصرفات وأن الإنسانية الحقيقية تكمن في التفاصيل اليومية لا في الأحداث الكبرى وحدها والنصوص الصغيرة هي شهادة على حياة الإنسان على نضجه على قدرته على التعلم من كل موقف، وكل تجربة، وكل لحظة حتى لو بدت بسيطة أو غير مهمة.

عند كتابة النصوص الشخصية الصغيرة نحن لا نسجل الأحداث فقط بل نسجل المشاعر الأفكار الأحاسيس والعمق الإنساني الذي يختبئ خلف كل تفصيل وإنها رحلة في الذات رحلة لفهم الآخرين رحلة لاكتشاف معنى الحياة من خلال كل لحظة عابرة وكل نص صغير هو دعوة للتأمل دعوة للتوقف، دعوة للانتباه لما يحيط بنا وما يمر بنا بصمت.

وفي النهاية يمكن القول إن الحياة تتكون من لحظات صغيرة كل منها يحمل في طياته درسًا شعورًا فكرة أو ذكريًا وهذه اللحظات هي التي تصنع معنى وجودنا وكل ابتسامة كل كلمة كل حركة صغيرة هي نص شخصي صغير يمكن أن يغير طريقة رؤيتنا للعالم ويمكن أن يعلمنا كيف نعيش بوعي أكبر كيف نحب بصدق أكبر وكيف نكون إنسانيين حقًا في تفاصيل يومنا البسيطة وإن الاهتمام بالنصوص الصغيرة هو اهتمام بالحياة نفسها، هو محاولة لفهم النفس والآخرين وهو إدراك أن كل لحظة عابرة قد تكون نصًا طويلًا من المعاني والدروس إذا ما نظرنا إليها بعين التأمل والفهم.

وهكذا تبقى اللحظات الصغيرة نصوصًا خالدة في ذاكرتنا في كتاباتنا وفي قلوبنا تشكل روح حياتنا وتذكرنا دائمًا بأن الإنسان في النهاية يُقاس بما يعيش ويشعر به في تفاصيله اليومية لا بما يحدث حوله فقط. إنها شهادة على قيمة كل لحظة على عمق كل شعور وعلى قوة التفاصيل الصغيرة في تشكيل حياة كاملة مليئة بالمعنى والجمال حتى لو كانت الحياة في الظاهر بسيطة أو عابرة.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في متابعتي لمباريات كأس إفريقيا لكرة القدم، لم أكن أتابع مجرّد كرةٍ تتقاذفها الأقدام، بل كنتُ أراقب ـ بحسرةٍ متزايدة ـ ما يتسرّب من تحت المدرّجات إلى الوعي الجمعي: شقوقًا في الروح، وتصدّعاتٍ في المعنى، ونيرانًا صغيرة تُشعلها العصبيّة ثم تتركها تحترق في جسد العلاقات بين شعوبٍ يفترض أنّها شقيقة في الذاكرة والمصير.

لقد تحوّلت بعض هذه التظاهرات الرياضية، مع الأسف، من فضاءٍ للفرح والتنافس النبيل إلى مسرحٍ لإثارة النعرات القُطرية، وإيقاظ الأحقاد الطائفية، واستدعاء الخلافات السياسية إلى حيث لا ينبغي لها أن تكون. صار الجمهور الكروي، في لحظات التشنّج والانفعال، يُفرغ ما فيه من غضبٍ مكبوت، فيخلط بين الهزيمة الرياضية والهزيمة الوجودية، وبين هدفٍ ضائع وكرامةٍ موهومة، فتُقال كلمات لا تُقال، وتُرفع شعارات لا تشبه إلا الخسارة الأخلاقية.

ومع كلّ ذلك، يمكن ـ على مضض ـ تفهّم صدور هذه السلوكيات عن جمهورٍ متعصّب، تحكمه اللحظة، وتستدرجه الغريزة، وتغلبه الحماسة العمياء، دون أن يملك أدوات النقد أو مسافة الوعي. غير أنّ المأساة الحقيقية، والجرح الأعمق، هو انخراط بعض المثقفين، ممّن يُفترض أنّهم ينتمون إلى النخبة الثقافية، في هذا التيار الخلافي المشحون بالكراهية والتحريض على التفرقة، وكأنّ الثقافة عندهم قميصٌ يُخلع عند أول مباراة، والعقلُ رفاهيةٌ مؤجّلة إلى ما بعد صافرة الحكم.

هنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون فكريًا: ما قيمة المثقف إن لم يكن ضميرًا نقديًا في زمن الانفعال؟ وما جدوى المعرفة إن لم تتحوّل إلى حكمةٍ تضبط اللسان وتُهذّب الموقف؟ لقد كان الأجدر بالمثقف الحقيقي أن ينأى بنفسه عن هذه الصغائر، لا تعاليًا، بل مسؤولية ، وأن يتخذ لنفسه دور الواعظ بالمعنى الثقافي العميق، ذاك الذي يُعيد الأمور إلى نصابها، ويذكّر بأنّ الرياضة لعبة، وأنّ الأوطان لا تُختزل في نتائج، وأنّ الشعوب لا ينبغي أن تتخاصم لأنّ كرةً عبرت خطًّا أبيض أو أخطأت المرمى.

إنّ المثقف، في لحظات كهذه، ليس مشجّعًا إضافيًا يصرخ أعلى من الآخرين، بل هو مساحة عقل داخل الضجيج، ونقطة ضوء في عتمة التعصّب، وصوتٌ يقول: يمكننا أن نختلف دون أن نتشظّى، وأن نشجّع دون أن نكره، وأن نفرح دون أن نُهين الآخر.

ومع الأسف، باتت هذه التظاهرات الرياضية، حين تُفرَّغ من قيمها الجمالية والإنسانية، معولَ هدمٍ لا بناء، وسببًا من أسباب الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، بدل أن تكون جسرًا للتلاقي والتعارف. والخطر ليس في كرة القدم ذاتها، بل في ما نُسقطه عليها من عقدنا وهشاشتنا وغياب وعينا.

لعلّنا نحتاج، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة المعنى: أن نعيد للرياضة روحها، وللثقافة دورها، وللمثقف مكانته كحارسٍ للقيم، لا كوقودٍ للفتنة. فالأمم لا تتفكك بسبب مباراة، بل بسبب صمت العقل حين يجب أن يتكلم، وبسبب خيانة الوعي لوظيفته في اللحظة التي يُطلب منه أن يكون إنسانيًا… قبل أي شيء آخر.

***

مجيدة محمدي

 

في خريطة العلاقات الإنسانية المعقدة، هناك خط رفيع بين القرب الذي يولد التعلق، والبعد الذي يخلق الجفاء. هذا الخط هو ما نسميه "المسافة الآمنة"؛ وهي ليست جدارًا نبنيها بيننا وبين القلوب، بل هي منطقة حماية تجعل العلاقة أكثر إتزاناً وواعيًا، تحفظ الود وتمنع التعدي، وتسمح للعلاقات بأن تتنفس.

الحفاظ على هذه المسافة فن وهو احترام متبادل ينبع من إدراك عميق بأن لكل إنسان دائرته الخاصة من المشاعر والأفكار التي لا يجوز اقتحامها دون إذن.

هكذا نخلق لنا مساحة من الحرية المنضبطة التي تمنح النفس راحة، وتمنح العلاقات استقرارًا.

المسافات الأمانة تعتبر بوصلة العقل: فكيف نحافظ على هذه المسافة؟ الحفاظ على هذا التوازن الدقيق ليس سهلاً، فهو يتطلب وعيًا وحكمة. إنه يبدأ بتحكيم العقل لا القلب وحده. فالقلب قد يندفع، وقد يغريه الحب أو يدفعه الغضب، بينما العقل يزن الأمور بميزان الواقع المنطقي.

فأنت قد تحب شخصًا ما جدًا لكنه يخطئ كثيرًا، هنا يأتي دور المسافة التي تُبقي الود دون أن تفقدك اتزانك، وفي المقابل قد تكره شخصًا، ولكنك تعلم في قرارة نفسك أنه على حق؛ فالعدل يقتضي أن تنصفه. لذلك فإن الأمر يتطلب أيضًا إنصاف الآخر مهما كانت مشاعرك تجاهه.

المسافة الآمنة لا تحميك من التعلق فحسب، بل تحميك أيضًا من ظلم الآخرين تحت تأثير الهوى.

إنها مهارة تحديد الحدود بوضوح ولكن دون جفاء. فالتقرب المفرط يفقدك مساحتك الشخصية، والابتعاد الزائد يجعلك قاسيًا ومنغلقًا. الحكمة تكمن في أن تكون قريبًا بقدر يسمح لك بالتواصل، دون أن تنصهر في الآخر أو تفقد فرديتك.

ما وراء الدفاع: ماذا لو كانت المسافة ليست مجرد درع دفاعي؟ ماذا لو كانت أداة إصلاح بناءة، هدفها تقويم العلاقة لا قطعها؟ هنا نرتقي بفهمنا للمسافات... عندما نحتفظ بالود تجاه الآخرين، مع وضع حدود تحفظ احترامنا ومبادئنا، نكون قد فتحنا بابًا للحوار الهادئ دون أن نسمح للأذى بالاستمرار. وتصبح المسافة "إصلاحية" عندما تكون النوايا صادقة ومفتوحة للإصلاح، لا للكبرياء أو إثبات الذات. عندما نبرر مواقفنا بلطف ووضوح، نمنح الآخر فرصة ليراجع نفسه دون أن يشعر بالإدانة، فتتحول المسافة إلى طريق للحوار بدلاً من وسيلة للانسحاب. هذه المسافة الإصلاحية تعيد ترتيب العلاقة على أساس الاحترام المتبادل، وتمنح الطرفين فرصة لإعادة التفكير دون انفعال. إنها ترسخ النية الطيبة، لأننا لا نهرب من العلاقة، بل نسعى لرفعها إلى مستوى أنضج.

قيمة المسافة: لماذا هي ضرورية؟ لأنها تحافظ على كرامة الفرد ووضوح شخصيته، وتحمي العلاقات من التآكل الناتج عن التعلق المرضي أو التطفل الزائد. إنها تسمح بالنضج العاطفي والفكري، لأن الإنسان حين يعرف حدوده وحدود غيره يصبح أقدر على فهم الآخرين وتقديرهم. في جوهرها، المسافة الآمنة هي مظهر من مظاهر العدل، فلا إفراط في المودة يجعلنا أسرى، ولا تفريط في البغض يجعلنا ظالمين.

الاقتراب الجميل هو الذي لا يلغي المسافة، والمسافة الحكيمة هي التي لا تطفئ دفء القرب.

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

 

عُرف البشر منذ القدم بإقبالهم على القيام بكل ما يدخل السعادة على قلوبهم، ويمكنهم من العيش في مرح وبهجة، ومن أقدم الحكايات التي تصور لنا مظاهر ولع الناس بالحفلات والرقص والغناء والتمتع بأوقات الفراغ تلك التي سجلتها كتب الآثاريين وعلماء المصريات الأجانب، نقلاً عن مئات الجداريات، والرسوم، والنقوش، التي تركها قدماء المصريين على جدران مقابرهم ومعابدهم القديمة، وسجلوا من خلالها تفاصيل حياتهم اليومية قبل آلاف السنين، ومن تلك الجداريات والنقوش والرسوم التي تحتفظ بألوانها على جدران تلك المقابر والمعابد في الأقصر وأسوان وأبيدوس والمنيا ودندرة وغيرها حتى اليوم. تحكي لنا كتب الآثاريين وعلماء المصريات، عن أن شعب مصر القديمة كان من أكثر شعوب العالم حرصًا على تحويل أوقات الفراغ إلى أوقات للسعادة والمرح بعد كل يوم من الكدّ والعمل الجاد في الزراعة والصيد، ووصل الأمر إلى حدّ أن جعل قدماء المصريين للسعادة أربابًا وآلهة تُعبد، وكانوا يمارسون طقوس مرحهم داخل المعابد.

وليس أكثر دهشة من أن مظاهر الحياة اليومية، التي سجلتها الجداريات والنقوش والرسوم التي تركها قدماء المصريين داخل مقابرهم ومعابدهم، وبخاصة مقابر النبلاء والصناع والتجار والزراع، نقلت لنا تفاصيل ذلك الصراع بين القط والفأر، والذي استلهمت منه قصص تومي وجيري، وهو صراع أزلي عرفته مصر القديمة وسجلته نصوصهم ورسومهم القديمة قبل آلاف السنين. تناول الفلاسفة القدامى الضحك والكوميديا من منظور أخلاقي، فثمنوه أو قللوا من شأنه كلٌ حسب مشروعه الفكري والسياسي. فالضحك والإضحاك عند أفلاطون هو فعل هدام من شأنه أن يضر بالدولة، إذ إنه في اعتقاده قادر على: "تخريب الوضع الراهن وإفساده بكفاءة عالية وتحويل خطوط الدفاع القوية للسلطة إلى مجرد أبنية هشة من القش" (شاكر عبد الحميد، كتاب "الفكاهة والضحك رؤية جديدة، أرسطو فتحتل الكوميديا مرتبة هامة في سلّم الفنون، إلى جانب التراجيديا والرسم. بينما يعبّر الضحك عند ديوجين الكلبي عن أسلوب حياة مضاد للتعقيدات والقوانين المزيفة، وفعل انعتاقٍ وتماهٍ مع الطبيعة.

قد يعتقد البعض أن كتابة فن الكوميديا وصناعة الضحك أمر يسير، وهو ما يكتنف ذلك الاستسهال والتهريج في بعض الأعمال التي نراها اليوم، على أنها نوع من أنواع الكوميديا

فإذا كانت الكتابة المسرحية من أصعب أنواع الخلق والابتكار، فإن الكوميديا تبلغ ذروة هذه الصعوبة وهذا العناء. ومن الغريب في فنون هذه الصناعة أننا نجد جذورها عند الفلاسفة العرب، وقد تعرض الكثير من المنظرين والعلماء والفلاسفة لصناعة الضحك؛ ومنهم على سبيل المثال جان كوهن في كتابه "الهزلي والشعر"، وقد احتوت نظريته على وجهة نظر فلسفية حيث كانت السخرية تتأرجح بين الجد والهزل في نظرتها للعالم غير أنها تعتمد على الضحك والسخرية عن طريق التعامل مع الوجدان

صناعة الضحك هي إعطاء جرعة من الطاقة تعمل على التخلص من الطاقة الزائدة في الجسد مما ينتج عنه السرور والانبساط.. وكلمة الانبساط هنا نجدها دارجة عند العامة من الناس حين الضحك أو السرور، ويرجع أصل هذه الكلمة إلى انبساط العضلات والتخلص من التوتر الزائد عن طريق شحنة مضافة من هذا التوتر، فنجدهم يقولون "نضحك وننبسط

ولعل أكثر نظريات الضحك التي تبناها الفلاسفة هي نظرية "التوقع" (يختلف الاسم طبعًا من فيلسوف إلى آخر، لكنها تظل في الإطار العام نفسه، والمقصود منها أن الضحك يأتي كنتيجة لتوقّعنا حصول شيء أو صدور قول عن أحدهم، ثم نفاجأ بعدم وقوع ذلك. وقد عُرف إيمانويل كانط أكثر من غيره بنظرية "اللاشيءأو الرجاء الخائب، حيث يحل اللاشيء محل انتظارنا لمسار الحكاية، ثم جاءت نظرية شوبنهاور للمفارقة المنتجة للضحك بمثابة تفصيل لرؤية

وليس أكثر دهشة من أن مظاهر الحياة اليومية، التي سجلتها الجداريات والنقوش والرسوم التي تركها قدماء المصريين داخل مقابرهم ومعابدهم، وبخاصة مقابر النبلاء والصناع والتجار والزراع، نقلت لنا تفاصيل ذلك الصراع بين القط والفأر، والذي استلهمت منه قصص تومي وجيري، وهو صراع أزلي عرفته مصر القديمة وسجلته نصوصهم ورسومهم القديمة قبل آلاف السنين

***

نهاد الحديثي

لقد أصبح الإنترنت الذي نستخدمه اليوم مثالاً حياً على قوة التعاون الدولي، بفضل الجهود المشتركة للعالم البريطاني تيم بيرنرز لي والمهندس البلجيكي روبرت كايليو، الذين عملا معاً في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN).

في ظل التحديات العالمية الملحّة مثل تغير المناخ، والصحة العامة، وندرة الموارد، تزداد أهمية التعاون العالمي بشكل استثنائي. غير أن العديد من العلماء يحذرون من أن التوترات الجيوسياسية باتت تعيق دراسة هذه القضايا وإيجاد حلول فاعلة لها.

خلال فعالية استضافتها جامعة هونغ كونغ يوم الاثنين السابق، جمعت ستة من الحائزين على جائزة نوبل من دول متنوعة كالمجر وبريطانيا وروسيا وسويسرا والولايات المتحدة، أشار (وانغ يانغ)، نائب رئيس الجامعة وعالم الرياضيات البارز، إلى أن بيئة التعاون العلمي الدولي تواجه تحديات كبيرة حالياً في ظل المناخ السياسي السائد.

وأوضح وانغ أنه "في الماضي، كانت التبادلات العلمية تسير بسلاسة، لكننا نشهد الآن حواجز متزايدة، لا سيما مع الولايات المتحدة. وهذه المشكلات في الغالب من صنع الإنسان." يُشار إلى أن وانغ حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد وبدأ مسيرته الأكاديمية في الولايات المتحدة قبل انتقاله إلى هونغ كونغ.

وأضاف وانغ أن الباحثين الدوليين الذين يزورون الصين يواجهون صعوبات متزايدة بفعل القيود التي تفرضها الحكومة الأمريكية، مثل إجراءات الإبلاغ المتعددة وغيرها. ومع ذلك، يجد هؤلاء الباحثون مرونة نسبية عند العمل في هونغ كونغ. وأكد أن التعاون مع الباحثين الأوروبيين ما زال مستمراً بسلاسة.

وعند التطرق إلى التوترات بين الولايات المتحدة والصين، شدد وانغ على أن العديد من الباحثين الأمريكيين من أصول صينية يشعرون بضغط السياسات التقييدية الأمريكية، ما يدفع البعض منهم للعودة إلى الصين.

ولفت النظر أيضاً إلى أن التخفيضات الكبيرة في تمويل الأبحاث منذ عهد إدارة ترامب أثرت سلبًا على الباحثين من مختلف الجنسيات. نتيجة لذلك، يتجه العديد من العلماء لمغادرة الولايات المتحدة والاستقرار في الصين أو أوروبا، مما يوفر فرصاً جديدة للعالم العلمي، خاصة لهونغ كونغ.

من جانبه، أوضح رئيس جامعة هونغ كونغ والمهندس الميكانيكي البارز (شيانغ تشانغ) أن التحديات الجيوسياسية تحول دون مشاركة دول معينة في البحث العلمي. وعلّق قائلاً : رغم إيمان العلماء بأن العلم لا يعرف حدوداً، إلا أن الواقع الجيوسياسي الحالي يجعل التعاون العلمي الدولي أكثر تعقيداً.

وأشار تشانغ إلى أن تقدم العلم يعتمد كثيراً على قدرتنا على التعاون ونقل المعرفة عالمياً. وقد أعرب عن أمله في أن تصبح هونغ كونغ جسراً للتعاون بين الصين والمجتمع الدولي قائلاً: في جامعة هونغ كونغ، نحاول ربط هذه العلاقات بالرغم من وجود مجال محدود حالياً للتعاون.

وفي نفس السياق، عبّر (فيرينك كراوس)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2023 وأستاذ كرسي فيزياء الليزر بجامعة هونغ كونغ، عن قلقه حيال صعوبة استمرار التعاون الدولي بسبب الانقسامات السياسية. وأشار إلى وجود قادة سياسيين بارزين يعملون على تقسيم العالم بين نصفه الشرقي والغربي.

وأضاف كراوس محذراً: "هناك خطر متزايد بأن يؤدي تقسيم العالم إلى احتكار المعرفة داخل كل نصف من الكرة الأرضية على حدة، وهو ما سيكون كارثياً". وشدد قائلاً: "إن العلماء يتحملون مسؤولية كبيرة لتوحيد الجهود والتأكيد على أن المعرفة المكتسبة هي ملك للبشرية جمعاء".

رغم المعوقات التي تعترض طريق التعاون العلمي العالمي، يواصل العلماء الرائدون التزامهم بدفع عجلة البحث إلى الأمام بلا هوادة.

***

شاكر عبد موسى/ ميسان

باحث وكاتب - العراق

متى تُدرك الزوجة قيمة زوجها؟

في زحمة الحياة اليومية، وبين مسؤوليات البيت وضغوط العمل وتفاصيل الخلافات الصغيرة، (النق) قد يغيب عن بعض الزوجات إدراك القيمة الحقيقية للزوج، لا لأنه مقصّر، بل لأنه حاضر دائمًا. فالحضور المستمر، قد يُفقد الأشياء بريقها، ويجعل العطاء يبدو أمرًا عاديًا لا يستحق التوقف عنده

كثير من الأزواج يحملون صفات إنسانية نادرة؛ ثقافة واعية، قلب يتسع للآخرين، احترام في القول والفعل، سخاء في المشاعر قبل المال، ونقاء في العلاقات. ومع ذلك، تمر هذه القيم بصمت، تُنسى تحت وطأة الاعتياد،

في كثير من العلاقات الزوجية، لا تُقاس قيمة الشريك بما يقدّمه يوميًا من دعم واحترام وتضحية، بل تُدرك هذه القيمة أحيانًا بعد الغياب أو عند حدوث الفقد، حين يصبح الحضور ذكرى، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى حقائق مؤلمة.

تشير تجارب اجتماعية متعددة إلى أن بعض الزوجات لا يلتفتن إلى قيمة أزواجهن إلا بعد فوات الأوان، ليس تقليلًا من شأن المرأة أو تحميلها مسؤولية أحادية، بل بوصفها ظاهرة إنسانية ناتجة عن الاعتياد، وضغط الحياة، وتسارع الإيقاع اليومي الذي يُغيب التقدير المتبادل.

فالزوج الذي يتحلى بالثقافة، وحب الآخرين، والاحترام، والسخاء، ونظافة العلاقات، غالبًا ما يُنظر إلى صفاته بوصفها أمرًا طبيعيًا أو مضمونًا، لا يستدعي التوقف عنده أو شكره. ومع مرور الوقت، تتراكم الغفلة العاطفية، وتُهمَّش القيم الجوهرية لصالح تفاصيل عابرة أو خلافات يومية، حتى يأتي الغياب ليكشف حجم الخسارة.

وعند الفقد، تبدأ المقارنة القاسية؛ حيث تدرك الزوجة أن كثيرًا من الصفات التي كانت متوفرة في شريكها ليست بالضرورة متاحة في الآخرين، وأن ما كان يُؤخذ على أنه أمر اعتيادي كان في الحقيقة نعمة نادرة. حينها، لا يكون الندم مجرد شعور عاطفي، بل وعي متأخر بقيمة إنسان لم يُمنح التقدير الكافي في وقت حضوره.

هذا الموضوع يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أهمية الوعي العاطفي داخل الأسرة، وضرورة تعزيز ثقافة الامتنان والتقدير المتبادل بين الزوجين، قبل أن تتحول العلاقات إلى مساحات صامتة من الاعتياد، أو قبل أن يأتي الفقد ليعلّم دروسه القاسية.

فالاعتراف بالقيمة في وقتها ليس فقط إنصافًا للشريك، بل حماية للعلاقة، وصون للأسرة، وتأكيد على أن المشاعر، مثل القيم، إن أُهملت طويلاً قد لا تُستعاد.

***

اعداد /خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/سدني

إنحط: نزل وانحدر

الفِرية: الكذب

الإنحطاط فكرة آثمة ترددت في كتاباتا على مدى القرن العشرين ولا تزال، وهي مصطلح ربما مدسوس لإيهام الأمة بأنها منحطة: هابطة.

والقراءة الموضوعية تشير إلى أن الأمة لم تمر بهذه المرحلة الموصوقة بها في مسيرتها منذ ما قبل الإسلام، وإنما تفاعلت مع عصورها وفقا لمقتضياتها وظروفها المتاحة.

أما القول بالإنحطاط لأن القوة السياسية للأمة قد تغيرت، فهذا سلوك طبيعي يسري على كل الأمم، فلماذا لا يُقال على الإمبراطوريات التي إنهارت بأنها منحطة؟

لماذا لا توصف ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بالمنحطة وكذلك إيطاليا؟

لماذا الإنحطاط وصمة في جبين أمتنا لوحدها لا غيرها؟

لا أجد في هذا التوصيف إنصاقا وصدقا، بل أنه مفردة عدوانية تفندها الموروثات والمدونات المتواصلة وبكميات هائلة تتفوق على مخزونات الأمم الأخرى.

فلو قارنا مدونات أي فترة من فترات مسيرة الأمة مع غيرها لوجدناها تتفوق عليها بالنوعية والكمية، مما يشير إلى أن عقول الأمة كانت في نشاطات متواصلة ومتراكمة ومتفاعلة، وما توقفت عن الإبداع الأصيل في جميع المراحل، ومهما قست الظروف وتفاقم الدمار.

إن أدعياء الإنحطاط والتداعي المرير، والذي بموجبه يجدون أجوبة جاهزة لتساؤلات "لماذا"، يغفلون الحقائق الدامغة الواضحة التي تبرهن على عدم صدقهم، ونهج التبعية للآخرين الذي يعبرون عنه في كتاباتهم المسطورة بمداد المغرضين.

يقولون أن الأمة إنهارت بسقوط بغداد والقضاء على بيت الحكمة، ويغفلون أن بيت الحكمة كان أشبة بدار نشر وترجمة، وتوجد مكتبات أمثاله في حواضر الدولة العباسية، وهي تضم نسخا عديدة مما موجود في بيت الحكمة الذي إنتهى دوره الحقيقي منذ خلافة المعتصم بالله.

كما أنهم يتجاهلون إستمرار الخلافة العباسية ولو بشكلها الرمزي في مصر، حتى تسليم رايتها للعثمانيين..

أمّةُ الأنوارِ تحيا عِزّها

سَرمدياً في أعالي مَجدِها

لا تقلْ كانتْ وعاشتْ عَصرَنا

بانْحِطاطٍ مُستبيحٍ فِكرَها

أمّةٌ فيها رسالٌ خالدٌ

تَتحدّى كلَّ نهجٍ ضُدَّها

***

د. صادق السامرائي

 

لم نصل إلى زمن التفاهة صدفة. حين تتصدّر الوجوه الفارغة الشاشات، وتُقصى العقول الجادّة، فاعلم أن ما تراه ليس مجرّد "ذوق عام"، بل سياسة ناعمة تُدار بذكاء.

التفاهة تُصنع، وتُموَّل، وتُسوَّق، لأنها تضمن عقلًا مشغولًا لا يسأل، ومجتمعًا سطحيًا لا يُطالب. فليس من الضرورة أن يكون الناس هم من اختاروها، بل السؤال الحقيقي هو: من قدّمها لهم؟ ومن سحب البدائل من تحت أقدامهم؟

التفاهة ليست بريئة، بل أداة. فمن الرابح حين يُصبح التافه نجمًا، والعميق غريبًا؟

في عصر تتسارع فيه وتيرة الإعلام الرقمي وتنتشر المنصّات الاجتماعية، بات من الصعب التمييز بين ما هو جدير بالاهتمام وما هو فارغ المضمون. فهل التفاهة التي نشهدها اليوم في الخطاب العام والسياسة الفن والإعلام هي نتيجة خيارات المجتمع؟ أم جزء من مشروع سياسي مقصود؟

يرى البعض أن التفاهة ظاهرة اجتماعية طبيعية، تعكس اهتمامات الناس وسلوكياتهم في زمن العولمة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا التفسير يغفل الدور البنيوي الذي تمارسه الأنظمة السياسية في توجيه الذوق العام، إمّا بالتضييق على الإنتاج الثقافي العميق، أو بدعم المحتوى السطحي بهدف إشغال العقول عن القضايا الكبرى.

على سبيل المثال، في بعض الدول التي تمرّ بأزمات سياسية أو اقتصادية، تُفتح الأبواب على مصراعيها لبرامج الواقع، والمسلسلات التي تتاجر بالمشاعر، وحفلات الترفيه المبالغ فيها، بينما يُضيَّق على الأعمال النقدية أو التوعوية. ليس لأن الناس لا يريدون العمق، بل لأن التفاهة أسهل في السيطرة وأقل خطرًا على البنى القائمة.

وتتفاقم التفاهة أيضًا تحت تأثير الحروب، والعقم السياسي، وفقدان الأمل بالتغيير، وهي عوامل تقتل الحافز في الناس، وتزرع فيهم شعور اللاجدوى، فتدفعهم إلى البحث عن المتعة السريعة بأي شكل، لينحدروا من دون وعي إلى ضحالة التفكير وسطحيّة المعنى.

أما الوجه الأشدّ وضوحًا للتفاهة، فيبدو جليًا في بعض الوجوه المتصدّرة للمشهد الانتخابي. حين تقلّب صفحات تاريخهم، وتعليمهم، ومواقفهم، تشعر بالخيبة من ضحالتهم. وحين تتابع تصريحاتهم ومنشوراتهم، تدرك أن البلاد تسير نحو الهاوية إن احتلّ هؤلاء التافهون مقاعد البرلمان.

وفي نهاية المطاف، وإن حاربت السلطة ما يُسمّى بـ"المحتوى الهابط"، إلا أن هذا المحتوى هو أكثر ما يخدم وجودها فعليًا. فالتفاهة وسيلة للهيمنة.. وتغييب الوعي يصنع مجتمعًا يتكيّف مع التفاهة، بل يستهلكها، إلى أن يفقد المعنى قيمته.

***

بشرى الهلالي

 

ولد في مدينة فاس المغربية (20\1\1910)، وتوفي في رومانيا \ بوخارست (13\5\1974)، زعيم وطني ومن كبار الخطباء والعلماء في المغرب، وسياسي ومفكر وكاتب، وزعيم ورمز الحركة الوطنية المغربية التي طالبت بالإستقلال، ومؤسس حزب الإستقلال، عين وزيرا عام (1960)، وأستاذا للشريعة في جامعة القرويين، وجامعة محمد الخامس، ودار الحديث الحسنية في الرباط. رئيس حزب الإستقلال وأمينا عاما له (1960 - 1967).

أساتذته:

الفقيه محمد الخمسي، الفقيه محمد بن العربي في جامع القرويين، الشريف المفتي الحسين العراقي، القاضي أحمد بن المأمون البلغيثي، القاضي عبدالله الفصيلي، الفقيه الشيخ إبي شعيب الدكالي

من كتبه:

 التقد الذاتي، الحركات الإستقلالية في المغرب العربي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، حديث المغرب في المشرق، منهج الإستقلالية، معركة اليوم والغد، دفاعا عن وحدة البلاد، وغيرها العديد من الكتب والمقالات والخطابات.

علال الفاسي مفكر عربي فذ، من رعيل محمد عبدة، والكواكبي، والأفغاني، وعلي عبد الرازق، نادى بالعودة الواعية لجوهر الدين والتعلم من الأخطاء، والإنفتاح على باقي الأمم والثقافات كما جاء في كتابه النقد الذاتي.

هذه ظاهرة في مسيرة الأمة تبرهن على يقظتها ووعيها للتحديات ولمفاتيح حل المشكلات، والسؤال الصعب كيف لم تتمكن الأجيال من الإستثمار في أنوارها الفكرية، وتعاصر زمانها وتعمّر مكانها؟!!

أمّة الأنوارِ ألغتْ نورَها

فاْستضامَتْ وأضاعَتْ عَصرَها

كمْ حصيفٍ في رُباها إنْبرى

لجديدٍ سوفَ يَرعى مَجْدَها

عطّلتْ عَقلا وعَقلاً هجّرتْ

وتواصَتْ بغريبٍ ضُدَّها

***

د. صادق السامرائي

في البدء كان الحق، وهو الله تعالى، الحق الأول والأعظم. ووصفه بالأعظم إنما هو من باب المقارنة مع غيره، وإلا فهو في ذاته لا يحتاج إلى أن يُسمّى بذلك. كان الله هو (الحقّ الأول)، لا شيء معه، ثم خلق المخلوقات، فصار خالقًا بالفعل، وكان أهلًا (للخالقية) قبل الخلق. ثم أمر المخلوقات أن تؤلهه وتعبده، فصار إلاهًا بالفعل، وكان أهلًا للألوهية قبل ذلك.

والحق تعالى هو (مصدر الحق) و(الحقوق)، ولا يصح نسبة الحق أو الحقوق إلى غيره إلا تَبعًا له تبعيةً مشروعة. وهو تعالى وحده له الحق في أن يحكم بالحق لصاحب الحق. والله تعالى هو أيضًا (مصدر الخير)، والخير هو مظهر تعامله مع المخلوقات.

وقبل خلق المخلوقات لم يكن محتاجًا إلى النفع ولا إلى التعامل بالخير مع أحد، إذ هو (الغني). وإنما يتعامل بالخير مع المخلوقات لما فيه نفعهم هم، لا لنفعٍ يعود إليه، فالغني (الأعظم) لا يحتاج إلى نفعِ نافع.

الحق الأول هو الحق الذي وجوده بذاته، وكل حق سواه قائم به ومستمد منه. والحق تعالى لا ينتفع من خير أو عدل يُقام، بل المخلوقات هي التي تستقيم بهما. فالله هو الخير بالتحقق وبالصفة، بالنسبة إلى المخلوقات.

والخير عند الله مظهر كماله، وتعاملُه بالخير هو مظهر رحمته.

والحق الإلهي سابق على التشريع، والتشريعات إنما تكشف عن الحق ولا تُنشئه.

وكل ما لا يستند إلى الحق الأول، بشكل مباشر أو غير مباشر، فهو باطل وشر.

وغاية هذه المقاربة هي إثبات وتأكيد أن الله تعالى هو (الحق الأول)،

ولكونه الحق الأول فهو وحده يستحق أن يكون خالقًا وإلهًا كما أنه أهل لذلك وجدير به.

وهو وحده مصدر الحق والخير (والجمال) كمعايير وموازين أولية أصلية، والحاكم الذي له سلطان على ما سواه.

ولا يحق لأي موجود أن يكون مصدرًا أصليًا للحق أو الخير (أو الجمال)؛ لأن ذلك يتطلب الحقانية والملك، والقدرة، والأهلية الكاملة، وكل ذلك له وحده تعالى دون غيره.

وجعلُ غيرِ الله مصدرًا للحق أو الخير (أو الجمال) اعتقاد باطل وعمل باطل، واعتداء على حقه في الحقانية (الأولى والعظمى) واعتداء على حقه في الألوهية.

وانتماء الموجودات أو الأشياء إلى الحق والخير و(الجمال)، أو إلى الباطل والشر (والقبح)، إنما يكون بحقانية الحق الأول الأعظم ثم بجعله وحكمه وأمره تعالى.

وحياد الأشياء عموماً، في ذاتها، هو مبدأ عام، وهو مظهر من مظاهر تجلي (الحق الأول) في عالم الوجود، ودليل أساسي على وجود الله تعالى وعلى حقانيته وألوهيته وكما قدرته وهي صفاتٌ متعالقةٌ متلازمةٌ كما هو بديهي وضروري وواضح.

والإنسان كائن خالط كما هو معلوم، يخلط الأمور ويخلط المعايير والموازين. ومن أكبر وأخطر أشكال الخلط خلط القيم الثلاثة المعايير، (الحق والخير والجمال) أثناء الممارسة النظرية والعملية بأضدادها وهي الباطل والشر والقبح، توهّماً، حيث يستعمل الباطل والشر والقبح معايير وموازين وهو يتوهم أنه يستعمل الحق والشر والقبح. خاصة عند غلبة فساد الواقع والنفوس والعقول.

ولا حُجة بعد التناقض، الذي يهدم كل حجة.

ومعلوم كذلك أن الباطل والشر والقبح، الصريحة أهون وأقل شرا وسوءا وضررا من الباطل والشر والقبح المتستر أو المغطى بالحق والخير والجمال. خاصة أن البشر غالبا بارعون في الخداع بارعون الإنخداع معا.

كذلك من الأسباب الأساسية لضياع واختلاط المعيار الأصلي أو المعايير الأصلية هو التفصيل والتفاصيل، حيث يتوهم الإنسان عادة أن التفصيل كل تفصيل يعني المطابقة، مطابقة الحكم الذهني للواقع؛ أو مطابقة التفاصيل للموضوعات، خاصة إذا كانت تفاصيل دقيقة أو غامضة أو معقدة. وهذا وهم أساسي وشائع وخطير. لا يسلم منه إلا من أدرك وفهم وأتقن أن الحق ألأول هو مصدر الحقائق ومصدر المعيار أو الميزان الأصلي الأعلى، معيار أو ميزان الحق والخير والجمال.

***

جميل شيخو

16 / 1 / 2026

عبد السلام جاد الله في البرنامج الإذاعي طربيات (نموذجا)

لم يسبق لي أنْ التقيتُ به، ولكني صحبته قرابة سنتين عبر الأثير، في برنامجه الإذاعي طربيات في إذاعة صوت الخليج القطرية، إنه الإعلامي الكبير عبد السلام جاد الله، ومن خلال المعلومات المنشورة عنه فهو مقيم في قطر من خمسين عاما، من أصل فلسطيني، وقد صدرت له دواوين شعرية.

برنامج طربيات بحسب الموقع الرسمي لإذاعة صوت الخليج هو: "برنامج يسلط الضوء على الأغاني الطربية القديمة بالإضافة إلى تلبية طلبات المستمعين ويوثق ما قدمه الرواد في مجال الغناء العربي سواء من حيث الكلمات والألحان عبر تنوع المخزون الثقافي والحضاري للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، مع السعي لتعريف الأجيال العربية الشابة بموروثها الشعري والموسيقي العريق".

اعتدتُ على سماعه صباحا ما أمكنني ذلك، وأحرص على ضبط جدولي كلما سنحت الفرصة، ورغم أنه تربطني بالموسيقى علاقة وثيقة خصوصا طرب الزمن القديم إلا أنه ما يستهويني جدا هو عذوبة التدفق الثقافي وفرادته، والذي يبديه الأستاذ عبد السلام في المجال الموسيقي والشعري.

وما زلت أذكر المرة الأولى التي تابعته فيها، إذْ كنت أظن بادئ ذي بدء أنني أمام نسخة أخرى من مثل برامج ما يطلبه المستمعون، لا يعدو أن يكون دور المذيع فيها تلقّي طلبات الجمهور من الأغاني، إلا أنه ما هي إلا هُنَيْهة حتى تبدَّّد ذلك الظن وتلاشى، لأجدني متابعا دائما حتى اليوم، حريصا على أن أنهل من ثقافة لا نتعثّر بها كل يوم.

ما شدّني - وما زال - في الأستاذ عبد السلام أنه باذخ العطاء حين يتعلق الأمر بالتعقيب على الأغاني بكلماتها وألحانها وتاريخها وما يتصل بها في مختلف فقرات البرنامج، متنقلا برشاقة بالغة بين تصحيح معلومة سائدة، إلى تقديم معلومة صادمة جديدة، إلى كشف حقائق مرتبطة بالأغاني ليست مما يمكن العثور عليه بسهولة، بنبرة خالية من عجرفة الصغار أو جلافة الكبار، كل ذلك يقوم به بأسلوب إعلامي راقٍ، وبلغة فصيحة بليغة، وتفاعل متخم بدماثة الأخلاق مع الجمهور، فتخرج من الحلقة الواحدة بحصيلة قيّمة ليس على صعيد الموسيقى فحسب بل وعلى صعيد الوعي المستنير على حد سواء، فهو بذلك يعطي للموسيق موسيقى، وللإيقاع طبقةً متعالية من المعنى.

وحينما يكون أحد المتخصصين في ضيافته، فإنك ترى محاورًا ضليعا في مجاله، يطرح أسئلة لا تخرج إلا مشكاة الإلمام الدقيق والفاحص، فتنقل الحوار إلى درجة متقدمة من الطرح، وكأني بالضيف المتخصص تتهلَّل أساريره جذلًا أنْ ساقته مجريات الأحداث إلى مَن لديه قدرة فائقة على أن يُخرج ما في جَعبته ببراعة، ويغرف من قِدْره أعزّ ما يكون، فيتلقى المشاهد جرعة زائدة من الوعي الفني القيّم، منتشلا إيّانا من كومة السطحية التي نتلقاها من الإعلام ليل نهار، فمثل هذه البرامج تستحق ما يُستثمر فيها من وقت، وأنْ يُدعى الآخرون إلى مائدتها.

إن ثقافة المذيع الواسعة، وأسلوبه الحواري الاحترافي له شأْوٌ عظيم في قوة الرسالة الإعلامية من حيث أمران: أولهما ضمان تحقيق الرسالة الإعلامية رسالتها التأثيرية المتوخّاة منها، وثانيهما أن يكون فحوى الرسالة الإعلامية قيمة مضافة عالية، تعزز رصيد ثقافة المتابع، وكلا الأمرين يطفحان بوضوح مع الأستاذ عبد السلام.

إن خامة الصوت، وجمالية المظهر - في الإعلام المرئي -  وغيرها من العوامل هي بلا ريب عوامل فاعلة في الرسالة الإعلامية، ولكن الحضور الثقافي للإعلامي والتمكّن من أدوات الحوار تعقيبا ومساءلة لهو عنصر يتربّع عرش نظيراته التي تدفع بالإعلامي للتموضع عاليا في صف الكبار.

ما نجده في جملة واسعة من ممارسات الإعلاميين هو مستوى غريب ومقزز من السطحية، والسوقية في أحايين كثيرة، ولعل من أبرز الأدوات التي تُظهِر حقيقة هذا المستوى هو حين يمارس الإعلامي دور المحاوِر مع قامة سامقة، لتتلجلج في صدرك أمنية واحدة: (ليته سكت!) فالحوار مع الكبار يستلزم تحضيرا جادا وثقافة واسعة وتمكنا من إدارة الحوار واقتناص الأفكار التحويلية، فإن قصُر الإعلامي عن ذلك فيكاد يخلو الحوار من قيمته المرجوّة، ويتشتّت معه بريق الضيوف المتخصصين، فأنّى لملعقة الشاي أن تغرف من قِدْر ضخم.

إن الأستاذ عبدالسلام يجمع مقومات الإعلامي الفذ، وهو مدرسة بذاته، وأعتقد أن مسيرته الإعلامية من الاستحقاق بمكان أن تسلّط عليها الأضواء من المتخصصين في الإعلام والتواصل؛ لتصديره لإعلاميينا بما هو نموذج يستحق الاحتذاء به، وإنني بحق لا أدري إن كان الأستاذ عبدالسلام سيطلع على ما كتبت، ولكني أرجو أن تصله كلماتي، من باب متابع قَدَّر، وممتنٍ عَبَّر، فهي شهادة من محب استفاد، وليس من ناقد من علٍ، فشهادتي في الكبار مجروحة، وهي مناسَبة أستغلها لألفت النظر إلى وجود قامات إعلامية يمكن الاهتداء بهم وسط مستنقع السطحية والسوقية التي يغرق فيها إعلاميونا حتى الأذقان، فرسالة الإعلام مقدّسة وخطيرة في آن، ومقدّمها ينبغي أن يعي أنها أكبر بكثير من (سكريبت) يُلقى بصوت رخيم! أو الاكتفاء بأسئلة عقيمة سطحية معدّة سَلَفًا في حوار في موضوع ذي أهمية بالغة، إنها ليست مجرد وظيفة، بل رسالة.

يمتلك وطننا العربي عيّنات من عمالقة الإعلام بلا ريب، وحينما أطلق وصف عملاق فلا أعني به البتة عدد سنين الممارسة، فكم من إعلامي أمضى عدة عقود لكنك تجد حرجا كبيرا في وضعه مع الصف الأول من الإعلاميين في كفة واحدة، فمعيار السنين لا يعدو أن يكون إشارة لمدة الممارسة، وبين التمكّن والممارسة بَوْن شاسع، قد يجتمعان، ولكن يَرِدُ جدا أن يفترقا، وإنما أعني بالعملاق هو ذلك الذي يقدم مادة إعلامية عميقة متمكنا من أدواته الإعلامية، وبمثلهم يمكن المراهنة على توجيه المجتمعات نحو الممارسات المُثلى والوعي الذي من شأنه أن يقلب المعادلة.

***

محمـــد سيـــف – سلطنة عُمان

المكان والذاكرة والسرد الشخصي

المكان يحمل في ثناياه كل ما عشته كل ما شعرت به كل همسة فرح وكل دمعة حزن وهو ليس مجرد فراغ نتحرك فيه بل هو عالم حي يتنفس معنا يشهد خطواتنا ويسجل أصغر التفاصيل التي قد نظن أنها عابرة، لكنه في الحقيقة يحمل مفاتيح فهمنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه وأحيانًا حين أسير في شارع قديم أو أعود إلى بيت طفولتي أشعر وكأن جدرانه تتحدث بصمت وكأن الأركان تنطق بذكريات لم تمحها السنوات وكأن كل ضوء يسلل من نافذة وكل ظل يتراءى على الأرض يحمل قصة لم تُروَ بعد قصة عني أنا وعن الآخرين وعن لحظة واحدة من الزمن ربما لم ينتبه لها أحد، لكنها كانت حية في وجدان المكان.

المكان هنا يصبح ليس مجرد خلفية للأحداث بل شريكًا في السرد يشارك في تشكيل الأحداث يوجه المشاعر يحرك الذكريات ويحفز التأمل وأجد نفسي أستعيد تفاصيل لم أكن أظن أنها مهمة رائحة الخشب القديم حفيف الريح بين الأشجار صوت خطوات أحدهم على الرصيف، حتى أصوات المدينة البعيدة التي كنت أسمعها وأنا صغير كل ذلك يعود إليّ في نصوصي الشخصية وكأنها شعلة مضيئة تنير لي الطريق بين الماضي والحاضر.

الزمن في هذا المكان ليس خطيًا بل هو متشابك ومتموج يتداخل فيه الحاضر بالماضي بطريقة لا تشبه أي حساب زمني دقيق، بل تشبه إحساسًا داخليًا بالوجود والرحلة وعندما أكتب عن يومياتي، عن اللحظات التي تبدو بسيطة أكتشف أن كل تلك التفاصيل الصغيرة تحمل معاني عميقة ونظرة عابرة من شخص لا أعرفه، ابتسامة طفل همسة الريح بين أغصان الشجر كل ذلك يصبح جزءًا من نصوصي، جزءًا من تجربتي الذاتية التي أحاول فهمها وتفسيرها. هذا السرد الشخصي يجعل اللحظة حية يخلق رابطًا بيني وبين المكان بيني وبين نفسي، وبين القارئ الذي ربما يشعر بما شعرت به في تلك اللحظة وكأن النص يفتح له نافذة على وجداني.

الذاكرة هنا تلعب دورها الكامل، فهي ليست مجرد استدعاء للأحداث بل هي إعادة تجربة الشعور الكامل بكل تفاصيله وأستطيع أن أشعر برائحة المطر على الأرض بعد سنوات، أن أسمع صدى ضحكات أصدقاء الطفولة أن أستحضر لون السماء عند غروب أحد الأيام التي لم أكن ألاحظ فيها أي شيء سوى صمت داخلي يملأ المكان كله وهذه القدرة على استدعاء الذكريات على إحياء اللحظات القديمة تجعل المكان أكثر من مجرد مساحة وتجعل النص الشخصي أكثر من مجرد حكاية، بل تجربة حياتية متكاملة تجربة تشعر بها بكل حواسك تجربة تتحرك فيها بين الماضي والحاضر بين المكان والروح بين الذاكرة والوجود.

هناك شيء غريب وعميق يحدث حين نتوقف عند هذه المشاهد اليومية فالأشياء التي كانت عادية تبدو فجأة مليئة بالمعنى أصغر التفاصيل تصبح دروسًا تعكس علاقاتنا مع الآخرين تثير تساؤلات عن هويتنا عن الزمن عن الطريقة التي نعيش بها حياتنا وربما يكون ضوء شمس ينسل من نافذة الغرفة القديمة أو صوت خطوات على رصيف متصدع، أو رائحة خبز في أحد الصباحات البعيدة كل ذلك يصبح نافذة لفهم أوسع للوجود والمكان هنا ليس ثابتًا بل يتحرك معنا يتغير بتغيرنا يحمل ذكرياتنا ويخزنها في طياته ليعيدها لنا في لحظات التأمل والكتابة.

إن السرد الشخصي الذي يتعامل مع المكان والذاكرة لا يكتفي بالسرد السطحي للأحداث بل يحقق تفاعلًا حيًا بين الإنسان وما حوله وحين أصف غرفة في البيت القديم لا أصف الجدران فقط بل أصف ما تحمله من صدى ضحكاتي من أصوات أمّي وأبيّ من رائحة الكتب القديمة التي كانت تنتشر في كل ركن من الشعور بالأمان أو الحنين الذي شعرت به وأنا أجلس هناك ساعات طويلة أتأمل العالم من نافذة صغيرة وكل هذه العناصر تجعل النص معيشًا نابضًا بالحياة ومفتوحًا لتجربة القارئ الخاصة.

وعندما أمشي في الشارع العام ألاحظ التفاصيل الدقيقة للمدينة ألوان المحلات ضحكات الأطفال أصوات السيارات حركات الناس كل ذلك يصبح جزءًا من نصي وكل حركة تحمل معنى وكل التفاصيل اليومية تتحول إلى رموز إلى إشارات لفهم الحياة للسؤال عن علاقاتنا عن تجاربنا عن طرقنا في التعامل مع العالم والحياة اليومية البسيطة، التي نمر بها عادة دون الانتباه إليها، تصبح عند الكتابة عنها مصدرًا لا ينضب للفهم والتأمل لأنها تعكس الصدق الكامل لتجربتنا البشرية بعيدًا عن المبالغة أو التصنع.

الذاكرة هنا تصبح جسرًا بين الماضي والحاضر بين اللحظة التي نعيشها واللحظات التي مرت بنا والنصوص الشخصية هي المكان الذي يمكن أن تعبر فيه هذه الذكريات بحرية أن تنبض بالحياة مجددًا أن تحمل كل ألوان المشاعر والأفكار. وحتى أصغر تفاصيل الحياة اليومية تصبح عند هذه الكتابة مشاهد عميقة للتجربة الإنسانية.

في النهاية عندما أعود إلى هذه النصوص أشعر أن كل مكان كتبته، كل شارع، كل بيت كل لحظة يومية ليس مجرد ذكرى أو وصف، بل رحلة كاملة في الزمن رحلة بين نفسي والمكان بين ذكرياتي والعالم من حولي والنصوص الشخصية عن المكان والذاكرة تمنحنا القدرة على استعادة الزمن على فهم أعماق مشاعرنا، على رؤية العالم من منظورنا الخاص على أن نعيش التجربة كاملة بكل حواسنا لا مجرد سرد الكلمات وإنها تجربة تفتح لنا نافذة على النفس والوجود تجعل من كل زاوية وكل ضوء وكل صوت نافذة للحياة وتجعل من الكتابة رحلة مستمرة عبر المكان والذاكرة رحلة لا تنتهي رحلة تستمر معنا في كل لحظة في كل خطوة في كل نفس نتنفسه في كل لحظة نعيشها.

وهكذا يصبح المكان ليس مجرد موقع بل روح متحركة والذاكرة ليست مجرد استدعاء بل حياة ثانية نعيشها مرة أخرى والسرد الشخصي ليس مجرد حكاية بل رحلة متواصلة عبر الزمن والوجود والوعي رحلة تجعل من حياتنا اليومية نصًا عميقًا وممتدًا نصًا يحمل كل الألوان كل المشاعر كل التفاصيل نصًا يعكس الإنسان بكل أبعاده بكل خباياه بكل أحلامه وآلامه، نصًا يظل حيًا طالما نحن أحياء، طالما نستعيد اللحظات طالما نكتب طالما نتذكر طالما نعيش.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

الآيديولوجيات بأنواعها تتحطم في عصر العلم والتكنولوجية المتطورة المتسارعة الخطوات نحو آفاق مطلقة، فما عادت هناك قيمة لغيرها، وبموجب ذلك ستتهاوى منظومات الأخلاق، وتتفشى التفاعلات الجافة المبنية على المصالح وحسب.

وتجدنا أمام آيديولوجيات تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتنهار معنويا وتكتشف أنها كانت تطارد خيط دخان وتشرب من السراب وتحسبه ماءً.

آيديولوجيات حزبية ودينية وقومية، وإدعاءات مقاومة وتحدي ومشاريع تحرير وتنوير، كلها ذهبت مع الريح ورفرفت رايات المصالح فوق الرؤوس المعفرة بالأوهام، والمباركة بالتضحيات الجسام.

أصحاب الآيديولوجيات يستفيقون من غفلتهم، وخدرهم الذي إستنزف أعمارهم، وزعزع أوهامهم، وحولهم إلى عصف مأكول.

فهل إستفاقت الشعوب المؤدلجة من صدمتها الكبرى، وظهرت أمامها الحقائق، وقدرات العلوم التكنلوجية، والإبتكارات العلمية، لتجد نفسها تهرول وراء الأوهام، والدنيا تنطلق نحو آفاق كونية، ومعظمها يندحر في خنادق الأجداث التي ما بقي فيها رميم.

الا هبّي يا أمة الأفكار المتعفنة، وتحرري من قيود الضلال والبهتان، وواجهي التحدبات بعقل فاعل رشيد، "فما فات مات وكل ما هو آتٍ آت"، فالدموع لا تنفع، وجلد الذات لا يدفع الويلات المهلكات، ولا يقلل من أعاصير التداعيات القاصمات.

"لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

فإن تولى سراة القوم أمرهم

نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

تلفى الأمور بأهل الرشد ما صلحت

فإن تولوا فبالأشرار تنقاد

كيف الرشاد إذا كنت في نفر

لهم عن الرشد أغلال وأقياد

أعطوا غوايتهم جهلا مقادتهم

فكلهم في حبال الغي منقاد"

***

د. صادق السامرائي

 

في بلادٍ أنهكتها التناقضات، لا يبدو المشهد الأكاديمي أقلَّ التباسًا من المشهد الاجتماعي العام، بل لعلّه أشدّ خطورة؛ لأنّ الأكاديمي، بحكم موقعه، لا يُنتِج معرفةً فحسب، بل يُعيد إنتاج الوعي، ويُشرعن ما يمرّره من أفكار، صامتًا كان أم ناطقًا. وهنا تكمن المأساة: أن ترى حملة الدكتوراه، والأساتذة، وأصحاب الماجستير، وقد بلغوا مراتب عالية في التحصيل العلمي، لكنّهم ما زالوا يدينون بالخرافة، ويخضعون لها خضوع العامّة، بل ويدافعون عنها دفاعًا مستميتًا، وكأنّ الشهادة التي يحملونها لم تمرّ يومًا على عقولهم، بل مرّت على أوراقهم فقط.

ليس الحديث هنا عن الجهل البسيط، ولا عن الإيمان الشعبي العفوي، فذلك مفهوم في سياقه الاجتماعي والنفسي، بل الحديث عن انحرافٍ معرفيٍّ عميق لدى من يفترض بهم أن يكونوا حرّاس العقل، وأمناء المنهج، وحملة أدوات التحقق والنقد. إنّ الأكاديمي الذي يمتلك مفاتيح الشكّ المنهجي، وأدوات التفكيك، ومناهج النقد التاريخي والنصي، ثمّ يعطّلها طوعًا، لا بدّ أن يُساءل أخلاقيًا قبل أن يُساءل علميًا.

تراهم، في مشهدٍ يكاد يكون سورياليًا، يجلسون تحت منابر وعّاظ لا يملكون من العلم إلا صوته، ولا من المعرفة إلا تكرارها، يستمعون إلى خرافات تُلقى كما تُلقى النفايات في عقول الناس، فلا يهتزّ لهم عقل، ولا ينتفض لهم سؤال، ولا يتحرّك لهم لسان. خرافات منقولة من كتبٍ كتبت في عصور الصراع السياسي والطائفي، ودوِّنت بأيدٍ عرفت كيف تحرّف التاريخ، وكيف تُلبس الأسطورة لباس العقيدة، وكيف تجعل الكذب مقدّسًا حين يخدم السلطة أو الطائفة.

والأدهى من ذلك، أنّ هذه الخرافة لا تبقى في فضاء الوعظ الشعبي، بل تتسرّب إلى قاعات الدرس، وإلى عقول مئات الطلاب الذين يتلقّون “علمًا” لم يُمحّص، ولم يُنقَّد، ولم يُفكَّك، رغم أنّ من يدرّسه يملك القدرة الكاملة على ذلك. لكنّه لا يفعل. لا عن جهل، بل عن خوف. خوف من المجتمع، من التسقيط الاجتماعي، من تهمة “الخروج عن المألوف”، من وصمة “المساس بالمقدّس”، وكأنّ العلم خُلِق ليكون تابعًا للمجتمع، لا ناقدًا له.

إنّ هذا الخوف، في جوهره، ليس ضعفًا شخصيًا فحسب، بل خيانة للعلم نفسه، وخيانة للمنهج، وخيانة حتى للعقيدة التي يدّعي الأكاديمي الدفاع عنها. لأنّ العقيدة، إن كانت حقًا، لا تخاف من السؤال، ولا ترتعد أمام النقد، ولا تحتاج إلى حراسة الجهلة، بل تزداد صفاءً كلما خضعت للتمحيص.

وكم من مثالٍ يفيض به واقع جامعاتنا، ولا سيما في العراق، حيث تُكسر أقلام الباحثين قبل أن تُنشر أفكارهم. أحدهم، وقد نال الدكتوراه حديثًا، توصّل في أطروحته إلى نتائج علمية دقيقة تنقض كتابًا تاريخيًا ودينيًا متداولًا، مليئًا بالأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة. لكنّ النتائج، بدل أن تُناقَش علميًا، وُضعت تحت مقصلة “المقدّس الطائفي”. قيل له صراحة: هذا لا يُنشر، وهذا لا يُمرَّر. لا لأنّه ضعيف المنهج، بل لأنّه يمسّ كتابًا “مقدسًا” عند طائفة معيّنة. وهنا، تخلّى المشرفون عن كل ما درّسوه من معايير البحث، وارتدّوا إلى موقع الحارس الاجتماعي، لا العالم.

في مثل هذه اللحظة، لا يعود الأكاديمي ضحيةً فقط، بل يصبح جزءًا من الجريمة حين يقبل، ويجامل، ويعدّل، ويصمت. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل انحياز. والانحياز ليس بريئًا، بل مشاركة في تكريس الوهم، وفي تعميق المستنقع الذي يغرق فيه المجتمع.

إنّ الأكاديمي الذي لا يجرؤ على مراجعة ما ورثه من الآباء، ولا على نقد الكتب البالية التي يدرّسها، ولا على مواجهة المقدمات التاريخية الفاسدة التي بُنيت عليها معتقدات بأكملها، هو أكاديمي بلا رسالة. شهادته، مهما علت، تصبح ورقة بلا روح، ولقبه العلمي يتحوّل إلى قناع اجتماعي، لا أكثر.

المجتمعات لا تنهض بالوعّاظ، ولا بالخطباء، ولا بحفَظة الروايات، بل تنهض بأصحاب الأسئلة الشجاعة، وبالعقول التي تضع الحقيقة فوق الطائفة، والمنهج فوق الموروث، والعلم فوق الخوف. وحين يغرق الأكاديمي في مستنقع الخرافة، فإنّه لا يغرق وحده، بل يسحب خلفه أجيالًا كاملة، ويؤجّل خلاص المجتمع عقودًا أخرى.

ولذلك، فإنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل الشعبي، بل الجهل المتعلّم؛ ذلك الجهل الذي يرتدي عباءة الدكتوراه، ويتحصّن بلقب الأستاذية، ويخون العلم باسم الحكمة، ويخون العقل باسم السلامة، ويخون الحقيقة باسم المقدّس. هنا، فقط، نفهم لماذا تتعثر نهضتنا، ولماذا يبقى المستنقع أعمق من أن يُجفَّف، ما دام حرّاس العقل أنفسهم قد قرروا السباحة فيه بدل أن يخرجوا الناس منه.

***

بقلم: د. علي الطائي

15-1-2026

الحنين الزائف ليس ذكرى، بل خيالًا عاطفيًا. لا يأتي من ماضينا، بل من ماضٍ مستعار ورثناه من الأفلام والكتب والصور والحكايات. إنه حنين إلى ما لم يُعَش، شوق قد يذكّرنا بمصطلح بالـ saudade باللغة البرتغالية، وإن لم يكن هو نفسه تمامًا. كما يسميه الفرنسيون mémoire inventée – «ذاكرة مُختلَقة» – وله خاصية غريبة: يتجذّر فينا بالقوة نفسها التي تتجذّر بها الذكريات الحقيقية. وقد استشعر "والتر بنيامين" هذا المعنى حين كتب أن الماضي يُبنى انطلاقًا من الحاضر، لا بوصفه زمنًا ميتًا، بل «زمنًا ممتلئًا بالآن».

لقد ضاعفت شبكات التواصل الاجتماعي من حدة هذا الإحساس. نعيش محاطين بصور تقترح علينا نسخة جمالية، وغالبًا مثالية، من الماضي: فلاتر، أسطوانات الفينيل وهي تدور، سيارات قديمة، أزياء عتيقة، وأصوات تناظرية. كأن الماضي تحوّل إلى صنف جديد من الاستهلاك. نحن مستهلكو ماضٍ، لكنه ليس ماضينا. إنه حنين مُصنَّع سلفًا، كديكور من كرتون مزيّف، ومع ذلك ينجح في إثارة مشاعرنا. غير أن ما يحرّكنا ليس حقيقة ذلك الماضي بقدر ما هي الوعد الذي يحمله: ما نتخيله أنه كان، وما نودّ لو أنه كان كذلك.

كانت الشاعرة "ماري أوليفر" تتساءل: «ماذا ستفعل بحياتك الوحيدة، المتوحشة والثمينة؟». وهناك من، لعجزهم عن الإجابة من داخل الحاضر، يديرون وجوههم نحو أمسٍ لا ينتمي إليهم. يتشبثون به كما لو كانوا سيجدون هناك جوابًا أو اتجاهًا أو طمأنينة. لكن في العمق، وكما يقول ميلان كونديرا في روايته خفة الكائن التي لا تُحتمل: «الإنسان لا يستطيع أبدًا أن يعرف ما الذي ينبغي أن يريده، لأنه لا يملك سوى حياة واحدة، ولا يمكنه مقارنتها بحيوات سابقة أو تصحيحها في حيوات لاحقة». بعبارة أخرى: ليس أننا نشتاق إلى الماضي، بل نحاول أن نمتلك حياة مختلفة.

يحمل الحنين الزائف في طياته شيئًا من الملاذ وشيئًا من الفخ. يستقبلنا برفق، بموسيقاه الناعمة، وألوانه الدافئة، ومشاهده التي تبطئها الذاكرة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى شكل من أشكال الهروب: أن نتوقف عن النظر إلى الأمام لأن الماضي — حتى وإن كان متخيّلًا — يبدو أكثر أمانًا. هناك مثالية لا مفر منها. فالماضي البعيد يظهر بلا صراعات أو تناقضات. نتذكر عشرينيات القرن الماضي من خلال موسيقى الجاز، لا من خلال الكساد العظيم الذي أعقبها. نُفتَن بموضة الخمسينيات، لكننا ننسى البُنى الاجتماعية القمعية التي كانت سائدة آنذاك.

هناك شباب اليوم من يشعر بالحنين إلى الديكتاتورية دون أن يعرف حقيقتها؛ أو إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي كما لو كانت زمن نظام وانسجام؛ أو إلى ثمانينيات القرن الماضي، وكأنها لم تكن سوى موسيقى سينثيسايزر وصداقة بلا شاشات.

ولا يقتصر الأمر على الأفراد وحدهم، بل يطال المجتمعات أيضًا. فهناك حركات سياسية تتغذى على هذا الحنين، واعدة باستعادة عظمة مفقودة، أو عصر ذهبي لم يوجد في الواقع قط. تُحرَّك الرموز، والأعلام، وخطابات ماضٍ مُؤطَر. لكن، كما حذّر جورج أورويل: «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل». لذا، من الضروري تعلّم النظر إلى الماضي بعمق، لا كبطاقة بريدية، بل كحيّز معقّد ومتناقض؛ أن نتذكر أن لكل حقبة جمالها وألمها، موسيقاها وصمتها.

ومع ذلك، فهذه المشاعر المصنوعة ليست عديمة الجدوى تمامًا. فقد قال غابرييل غارسيا ماركيز: «الحياة ليست ما عاشه المرء، بل ما يتذكره». وربما يكون هذا الحنين المختلَق طريقتنا في إعادة كتابة العالم، وفي البحث داخل ما كان — أو ما كان يمكن أن يكون — عن بذور لما يمكن أن يكون. حين تؤثر فينا أغنية قديمة لا نعرفها، أو صورة غريبة نشعر بأنها تخصّنا، فنحن لا نهرب فحسب، بل نرسم، في العمق، خريطة رغباتنا الأعمق: التوق إلى التواصل، إلى الأصالة، إلى الجمال. وفي هذا الشعور أيضًا بعدٌ تربوي: رغبة في فهم من أين أتينا، حتى وإن لم نعشه بأنفسنا.

في النهاية، الحنين الزائف مرآة. لا يعكس ما كان، بل ما نشتاق إليه؛ ما ينقصنا، ما نظن أننا فقدناه، وما لم نبنه بعد. إنه بوصلة عاطفية تشير إلى مكان لا وجود له، لكن اتجاهه يحمل معنى بالنسبة لنا. لذلك، بدل أن نخجل من الإحساس به، علينا أن نتعلم التعرّف عليه: أن نفهم أنه ليس ذاكرة، بل رغبة؛ ليس تاريخًا، بل خيالًا؛ ليس ماضيًا، بل صورة من المستقبل متنكرة في هيئة ماضٍ.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

نحن لم نعد نعيش أزمة نقص في المعرفة، بل أزمة فائض مربك منها. هذه الأزمة لم تُنتج وعيًا أعمق، بقدر ما أنتجت تشوشًا داخليًا، وتيهًا فكريًا، وإنهاكًا نفسيًا صامتًا.

في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نفكر؟ ومن يوجه هذا التفكير؟ لم تعد الحقيقة غائبة، لكنها لم تعد واضحة أيضًا.

لقد اختلطت القيم بالمصطلحات، وتغيرت المسميات، وتحوّلت كثير من المفاهيم الإنسانية إلى شعارات براقة، تُستهلك أكثر مما تُفهم.

وفي خضم هذا الضجيج، بات الإنسان مهددًا لا بفقدان المعرفة، بل بفقدان ذاته.

هذا المقال ليس اتهامًا، ولا دعوة للانسحاب، بل محاولة للوقوف لحظة  مع النفس صادقة، وطرح سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه شديد العمق:

هل ما نعيشه تطور حقيقي… أم فوضى وعي تحتاج إلى إسعافات أولية؟

فوضى المعلومات وضياع البوصلة

نحن نعيش في زمن الفوضى المعلوماتية، حيث كثرت المصادر وتعددت طرق الطرح لمواضيع مهمة، ومع هذا التكاثر تشتّتت العقول بين متعصب لا يصدق إلا مصدره الموثوق في نظره، ومتساهل لا يصدق حتى الحقيقة، ضاعت حرية الرأي والحرية الفكرية بسبب التحرر الزائد في طرح مواضيع حساسة ومهمة دون ضوابط حقيقية.

في زماننا تسهّلت كل الطرق العلمية والعملية، لكن المعلومات الحقيقية تاهت منا وتشعّبت في مسارات مختلفة.

عصرنا لم يعد عصر التطور والحداثة كما يعتقد البعض، بل أصبح عصر الضبابية والسرابات الخادعة.

لم تُسلب العقول بالقوة، ولم تُقيَّد بالسلاسل، بل أُغرقت بالخيارات حتى عجزت عن الاختيار، وفقدت أبسط حقوقها: حق التفكير، وحق اتخاذ القرار، وحق تجديد الأفكار.

في محاولتنا للحاق بالزمن، وربما لسبقه، أضعنا إنسانيتنا في مشروع تطوير مرتبك، لقد جَرينا كثيرًا دون بوصلة، فدخلنا متاهات متعددة؛ متاهة تسويف المبادئ على حساب الإنجازات، ومتاهة التزين بواجهة الحداثة والرُقي، بينما كنا نتخلى بهدوء عن أنبل ما فينا.

تزييف المصطلحات وانهيار القيم

تخلينا عن مبادئ إنسانية كانت تحمينا من التهشم النفسي والتدني الأخلاقي.

انهارت القيم الإنسانية، وارتفعت الأنانية كشعار أنيق، وأُعيدت تسميتها بـ “حب الذات”، تمامًا كما غيّر بعض روّاد التنمية البشرية أسماء الكِبر والغرور ليصبحا “ثقة بالنفس”.

الاحترام الذي تربينا عليه، وربينا أبناءنا به، أصبح يُوصَف اليوم بأنه قمع مشاعر وكبت نفسي، بينما تحولت الوقاحة — التي كانت جريمة أخلاقية — إلى فن له جمهوره وصَداه.

فن اللامبالاة، وفن “الأجوبة المسكِتة”…

أليس هذا هو التشدّق الذي نهانا عنه ديننا؟

وقد قال رسول الله ﷺ:

«لعن الله المتشدقين والمتفيهقين».

وهنا يطرح السؤال نفسه بهدوء وصدق:

هل نحن فاعلون في هذا العصر، أم مجرد متلقين داخل منظومة تُعيد تشكيل وعينا بصمت؟

ما كان يُسمّى يومًا “نظرية مؤامرة” لم يعد تهمة جاهزة، بل سؤالًا مشروعًا:

من يملك المعلومة؟ ومن يوجه الوعي؟ ومن يحدد ما نراه، وما نتجاهله؟

نحن — إلى حدٍّ ما — كالسمك داخل الشباك، نرى الخطر يقترب، ونشعر بالاختناق، لكننا نعجز عن الحركة؛ لا لأن الأيدي مقيدة، بل لأن الوعي مُثقل، ومُرهق، ومتردد.

ربما لا يكون الحل في الخوف، فالخوف حاضر رغماً عنا، لكنه ليس سبيل النجاة.

الأمان هو السبيل، وهذا الأمان ليس غائبًا، بل متجذر في عمق العقيدة، في المعنى، في الإيمان الذي حين تم التلاعب به، سَهُلَ تهشيم النفوس، وتبليد الأفكار، وتغيير المسارات.

خطة الإنقاذ: الإسعافات الأولية للوعي

لسنا أمة بلا هدف، ولسنا كيانًا وُلد للتيه.

في مرجعيتنا، وفي رؤيتنا للإنسان والحياة، معنى واضح للوجود، ومعنى أعمق للأمان. العمل على هذا المعنى هو ما يحمي الإنسان من الضياع، لا كثرة المعلومات ولا تسارع التطور.

لكن حين تكون الحالة خطِرة، لا نبدأ بالعلاج الطويل، بل نحتاج أولًا إلى إسعافات أولية نفسية.

أولًا: التوقف

التوقف عن التفكير بنفس القوالب الجاهزة، وعن تصديق كل ما يُقدَّم بزخارف لغوية براقة.

التوقف عن السير خلف القطيع دون وعي.

التوقف هنا لا يعني الانسحاب من العالم، بل الانتباه.

الانتباه للترندات التي تُستهلك بلا معنى، والتي قد تكون في حقيقتها تقليدًا فارغًا لا يضيف وعيًا ولا قيمة، سوى الاستخفاف بالعقول وإهدار الوقت.

التوقف عن اللهاث خلف الاعجابات والمتابعات بوصفها غاية.

نحن أصحاب رسالة، وأصحاب معنى، ومهمتنا أعمق من جذب العقول الفارغة بمحتوى فارغ — مع كامل الاحترام لأصحاب المواهب الحقيقية الذين يتركون أعمالهم تتحدث عنهم دون توسل.

ثانيًا: الفرز

أن نميز بين المهم والتافه، بين ما يبني الوعي وما يستهلكه.

أن لا نبحث عن ذواتنا في الأماكن الخطأ، ولا نضيّع أعمارنا في تفاصيل لا تستحق.

ثالثًا: الشك الصحي

أن نتفقد قلوبنا وأرواحنا، لا أجسادنا فقط.

فليس كل تعب سببه فيروس، وأمراض هذا العصر لم تعد جسدية فحسب؛ كثير منها نتيجة فراغ عاطفي، وغياب الأمان، والانفصال عن القيم التي كانت تمنح الروح اتزانها.

قد تكون الروح خاوية، رغم امتلاء الحياة بالوسائل.

والبعد عن الله هلاك للأرواح، والعبادة الشكلية لا تسد فراغًا روحيًا، بل قد تزيده اتساعًا إن لم تُلامس القلب.

رابعًا: استعادة حق السؤال

حين كنت تسأل عن معنى وجودك، لم تكن جاهلًا، بل كنت في ذروة نضجك.

الأسئلة الوجودية ليست ضعفًا، بل بداية الوعي.

عندما صارت الأسئلة تُكتب في محركات البحث، والروبوتات، وتأتي الإجابات جاهزة، توقف العقل عن التفكير، وتجمد القلب عن التأمل.

امتلأنا بإجابات لم نُجهد أنفسنا في طرح أسئلتها.

المعلومات التي تبني الإنسان أهم من المعلومات التي تُخزَّن في الذاكرة.

والمعلومة الناقصة أحيانًا أكثر فائدة؛ لأنها تُحرّك السؤال، وتوقظ العقل.

لقد انشغلنا بتنمية جاهزة، وتطوير مُعلّب، وبنينا واجهات جميلة دون أساس متين.

وأي بناء بلا أساس، لا يصمد أمام التغيرات.

نحن بحاجة إلى العودة للأساس، وبنائه حجرًا حجرًا، لا أن نترك غيرنا يحدد شكله، وحجمه، واتجاهه، ثم نكتشف في النهاية أن أعمارنا مضت، دون أثر، ودون معنى يدل على أننا كنا هنا يومًا ما.

لسنا عاجزين، ولسنا بلا خيارات، لكننا مُرهقون ذهنيًا، ومثقلون بتفسيرات جاهزة، وحلول سريعة لا تلامس الجذور.

الوعي لا يُستعاد دفعة واحدة، ولا يُفرض من الخارج، بل يُبنى بهدوء، من الداخل، حين نملك الشجاعة للتوقف، والفرز، والسؤال.

لسنا بحاجة إلى مزيد من المعلومات، بل إلى إنسانٍ حاضر قبل المعلومة، وإلى أساس متين قبل أي بناء.

وحين نعود إلى هذا الأساس، نكتشف أن النجاة لم تكن يومًا في الهروب من العالم، بل في فهمه دون أن نفقد أنفسنا داخله.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

من التقنيات الميكانيكية إلى تقنيات الإلكترونيات الرقمية

لا ريب أن ثورة تقنية المعلومات، هي واحدة من أهم التطورات التقنية، التي شهدها القرن العشرين، بعد ان تحولت من مجرد أفكار نظرية محضة، إلى واقع علمي ملموس، بات متاحا، وفي متناول الجميع.

ولكي نستكشف كيف تطورت تقنية المعلومات، من مجرد خيال وافكار نظرية، إلى موضوعية علمية، متجسدة بالحواسيب والهواتف الذكية، والانترنت، فإنه لابد من الإشارة إلى الأفكار المبكرة للعلماء، الذين وضعوا الأسس العلمية والتقنية للحوسبة، وفق فرضية (الحاسوب يمكن أن يفكر)، كما كان يرى (ألان تورينج).

في حين تمكن (شانون) من تطوير (نظرية المعلومات)، التي أصبحت أساس الاتصالات الرقمية، باعتبار ان (المعلومة) هي وحدة القياس الأساسية .

وقد تمثلت الموضوعية العلمية في مخرجات التطور التكنولوجي، الذي شهدته الحواسيب الرقمية الاولى، اعتمادا على فرضية تقوم على فكرة أن (الحاسوب هو آلة يمكن برمجتها)، والإستفادة منها.

ثم تلا ذلك، تطوير الشبكة العنكبوتية، (شبكة الويب العالمية) وتطوير الإنترنت التي هي شبكة الشبكات.

وقد تتوج كل ما تقدم من انجازات في الثورة الرقمية، بالتطور الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعلم الآلة، ليكون الذكاء الاصطناعي، هو أداة الاستخدام الرقمي الذكي، على أوسع نطاق، لاسيما في المجالات الصناعية، واتمتة العمليات الانتاجية في المصانع .

ولابد من الإشارة إلى أن ذلك التطور السريع في معطيات ثورة المعلوماتية التقنية، كان له انعكاساته، وتأثيراته الإجتماعية، من خلال تغيير كيفية تواصلنا، وتبادل المعلومات، مع بعضنا البعض، بعد أن أصبح التواصل يتم بشكل أسرع، وأسهل، وأجود.

ولاشك ان ذلك التطور الرقمي، قد انعكس أيضا على التعليم، بتحويله من الفصول الدراسية التقليدية المعروفة، إلى التعليم الإلكتروني الحديث، حيث بات التعليم، مفتوحا، ومتاحًا للجميع، اضافة إلى استخدامه في المجالات الطبية، والصناعية.

كما يلاحظ التأثير الكبير للتطور الرقمي على الاقتصاد العالمي، من خلال التوجه الى التجارة الإلكترونية، لتكون هي تجارة المستقبل.

ومع كل تلك الإنجازات التكنولوجية الكبيرة، فانه لابد من الإشارة إلى التحديات الكبيرة، التي باتت تواجه تلك الإنجازات في الوقت نفسه، حيث اصبح الأمر يتطلب حمايةالبيانات، والخصوصية، باولوية مطلقة، للحفاظ عليها من التهكير، وتأمينها ضد مخاطر الاختراق، والقرصنة الرقمية.

وعلى الرغم من كل التحديات، فانه لابد من الاستمرار في استكشاف هذه التكنولوجيا،

والعمل على تطويرها، والتوكيد على استخدامها بحكمة، وبطريقة مسؤولة، لتكون أداة في خدمة المجتمع، على افضل نحو ممكن.

وهكذا يمكن القول بان ثورة تقنية المعلومات، كانت رحلة معقدة، من مجرد الحلم والتجريد الفكري، وصولا إلى الموضوعية العلمية، التي غيرت واقع حياتنا الراهنة، بطرق فنية متقدمة، لم يكن بالإمكان تخيلها من قبل.

***

نايف عبوش

انجبت القارة السوداء عدد لا يستهان به من القادة الذين قاوموا الاستعمار الأوربي بكافة اشكاله فعلى سبيل المثال باتريس لومومبا ونلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا وكوامي نكروما رئيس جمهورية غانا ويوليوس نيريري رئيس دولة تنجانيقا. لقد ظهر هؤلاء الزعماء في فترة الستينات من القرن الماضي والتي شهدت ظهور حركة الكفاح المسلح في آسيا وافريقيا بهدف طرد الاستعمار الأجنبي وتحرير البلدان وإقامة حكومات اشتراكية أو ديموقراطية وتخليص ثروات هذه الدول من هيمنة الشركات الأجنبية.

إلا إن القوى الاستعمارية الكبرى كانت قد تصدت لهؤلاء الزعماء بالتآمر عليهم فكان مصيرهم إما الاغتيال أو الإطاحة بهم عن طريق الإنقلابات العسكرية الرجعية كما حصل للرئيس نكروما.

أما فيما يخص الزعيم باتريس لومومبا (1925-1961) فهو قائد وطني كونغولي وأحدى الشخصيات الافريقية المناضلة لتحرير القارة الافريقية من الاحتكارات الاجنبية التي تنهب ثروات شعوب هذه القارة. أسس الحزب الوطني الكونغولي عام 1958 وترأس أول حكومة بعد الاستقلال الذي حصلت عليه بلاده من بلجيكا عام 1960.

في عام 1961، قام جوزيف موبوتو رئيس أركان الجيش في حكومة لومومبا بإنقلاب عسكري ضد لومومبا وأعلن نفسه رئيساً للجمهورية ووزيراً للدفاع. وهكذا، تعرضت الكونغو إلى هزة عنيفة عرضت البلاد إلى الخطر والعودة بها إلى أيام الاحتكارات الأجنبية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان أحد زعماء الكونغو وهو (تشومبي) وقد أعلن انفصال مقاطعة (كاتنغا) عن الوطن الأم بتأييد بلجيكا والمرتزقة الأجانب.

لقد ادرك لومومبا حجم مؤامرة موبوتو فأرسل أولاده إلى القاهرة لأأنه كان يتوقع اغتياله بين لحظة وأخرى وقد أعتقلت بعد ذلك زوجته وأرسلت في سيارة (لوري) إلى مدينة (ليوبولدفيل).  ثم قام الانقلابيون باعتقال لومومبا وحجزه في غرفة الصغيرة في مقر الحكومة، عندها أدرك إن هناك مؤامرة تدبر لإغتياله وقد أخذ يتصل بانصاره رغم الحصار الحديدي المفروض عليه.

أخذ لومومبا يفكر في وضع خطة للهروب من السجن مع زوجته التي أطلق الانقلابيون سراحها، ولم يكن الهروب سهلاً، ولم يعد ممكناً تحديد الوقت إلا لإنه وضع خطة مع بعض أنصاره تكون بشكل تدريجي وقد وصفت زوجته (بولين) هذه الخطة كما يلي: كان المتفق عليه أن يتسلل بعض أنصاره ومعهم كميات كبيرة من البيرة وكانت مهمتهم أن يعقدوا بالتدريج وبدون أن تعرف هوياتهم صداقات مع الحراس ويتناولون فيها قناني البيرة وفي الليلة المتفق عليها جاءوا ببراميل البيرة فداخت رؤوس الحراس وفي تلك اللحظات وخرجت مع لومومبا إلى سيارتين معدتين للهرب وطوت السياراتان أكثر من (80 كم) وأمر لومومبا سائق السيارة عدة مرات أن يقف كي يخطب بين ابناء الشعب، لكن السيارة أضطرت إلى التوقف في مكان وفجأة وقفت سيارة أمامها ونزل منها عدة جنود من قوات موبوتو وقد أرسل هؤلاء الجنود برقية إلى موبوتو يطلبون منه إرسال طائرة لإعتقال لومومبا وإرساله إلى العاصمة وبعد فترة وجيزة هبطت طائرة بلجيكية صغيرة وقاد جنود لومومبا إليها. أما زوجته فقد أقتادوها إلى سيارة أخرى.

وبعد أن نزل لومومبا من الطائرة التي أقلته من مدينة (ليوبولدفيل) إلى مقاطعة (كاتنغا) صرخ بالضباط الذين أسروه: إني اسألكما لماذا جئتم لإعتقالي؟ هل أنتم مقتنعون بإن هذا لمصلحة الوطن؟ إنه سيناريو يشبه إلى حد كبير سيناريو اعتقال وأعدام الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، ثم قال لهم: هذه النجوم التي تضعونها على أكتافكم من وضعها لكم؟ فلومومبا هو الذي كون جيشاً نظامياً في الكونغو وهو الذي أعطى هؤلاء الضباط رتبهم العسكرية. ثم تقدم إليه بعض الجنود وقيدوا يديه بالحبال ووضعوه في سيارة لوري مكشوفة وأعتدوا عليه بالضرب لكنه لم يرضخ لهم أبداً. كان يرى إن حرية بلاده هي التي توثق بالحبال وإن الضربات توجه إلى جسد الكونغو وليست إلى جسده.

لقد أخذ الأوغاد ينقلونه من سجن إإلى أخر وكان لومومبا يخطب في حراس السجون التي يحل فيها ويوضح لهم أهداف الانقلاب الرجعي الذي أطاح به وعن المؤامرة لتي تدبر ضد الوطن فقد كان بين الجدران اقوى من الذين كانوا يملكون كل السلطات.

وذات ليلة نقلوه مقيداً بالأغلال إلى (كاتنغا) وسلموه إلى المجرم (تشومبي) فأطلق عليه الرصاص لحظة وصوله وكان ذلك اليوم هو 17/1/1961 وكان يهتف بحرية الكونغو وهو يتلقى الرصاص تماماً كما فعل بعده عبد الكريم قاسم وهو يتلقى الراصاص انقلابيي شباط في دار الاذاعة عندما كان يهتف بحياة الشعب العراقي عندما هتف: يحيا الشعـ... ولم تمهله رصاصات الانقلابيين في إتمام هتافه.

ورفض الطغاة تسليم جثمان لومومبا إلى زوجته لدفنه كما ورفضوا أن تلقى عليه نظرة الوداع. لقد كان لومومبا أقوى منهم جميعاً وهو جسد قتيل. هذا ما تحدثت به زوجته (بولين) عن اعتقاله وأعدامه. لقد عاشت زوجته كفاحه لحظة بلحظة ولم تكن مجرد زوجة لقد كانت رفيقة طفولته في مدرسة القرية التي درسا فيها سوية، تقول عنه: "كان عمله السياسي هو رسالته في الحياة، وهو يحلم بمستقبل الكونغو، ثم قادة الثورة في ستانلي فيل عام 1959 ودخل السجن بعدها."

لقد كانت بلجيكا وملكها (بودان) مسؤولة مسؤولية مباشرة عن مقتل لومومبا لأنه كان عازماً على تأميم شركات المناجم البلجيكية الكبرى في مقاطعة (كاتنغا).

وتخليد لذكرى هذا الثائر الافريقي تأسست في موسكو في ستينات القرن الماضي جامعة باسم (جامعة لومومبا) أو جامعة الصداقة بين الشعوب ومنحت الجامعة وسام الصداقة بين الشعوب لرئيسها (فيليبوس) بتاريخ 54 شباط 1975.

وهكذا عاش لومومبا كأسطورة خالدة في كل قلب.

***

غريب دوحي

 

صليتُ حيث تكون الصلاة سموا وارتقاء، حيث تكون قلباً ينبضُ بالحياة، ركعتُ مع الشمسِ في انحناءتها وسجدت بإيماءة منها عند الغروب، هناك رتلتُ وردي وسبحت تسبيحة الكون حيث يُعزف أجمل لحن للوجود.

وبين بسمة طفل وضحكة كبير وهما يتقاسمان قطعة لحم صغيرة تذوقت طعم الصلاة وكانت هي الصلاة. وفي مشهد آخر حيث يقيمون الصلاة يُطرح ألف سؤال وسؤال؟

لِمَ نُصلي؟! وهل الرب الرحيمُ يحتاجُ صلاتنا بحيث يكون العقابُ عليها شديداً؟!

ولم نُرددُ منذ قرون بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وواقعنا يشهدُ مقدارَ تخلفنا الأخلاقي، مقدار تخلفنا القيمي!

كم من جريمة تُرتكبُ باسم الصلاة، كم من حريات صُودِرت باسم الصلاة، وَكم عقول وُأدتْ لأجل الصلاة، وَكم مُصلٍ لليل وَالنهار وَهو أكثر وحشيةً مع أسرته، قد تجد بيدهِ المسبحةَ في كل الأوقات وَهو لا يتورعُ عن الظلم وَأكلِ حقوقِ الآخرين!

طبيب يترك مرضاه ليؤدي الصلاة، شاب يقطع إشارة المرور مسرعاً للحاقِ بصلاة الجماعة! وَآخرُ يركلُ سيارته بوسط الشارع معرقلاً حركة الناس من أجل الفوز بالصف الأول!

لم نجد الصلاة تمنع المصلي من تخطي حدود السرعة المسموح بها فتكن أحد أسباب انخفاض نسب وفيات الحوادث، وَلم نجد الصلاة كانت وراء تقليل نسب الطلاق في مجتمعاتنا؟!

هذه الصلاة التي نتهالك عليها وَنُقيمُ الحد على تاركها، الصلاة التي أصبحت علامة فارقة لدخول الجنة وَالنار! الصلاة التي دوماً نسمع أنها عمود الدين، فَأن قُبلت قُبل ماسواها وإن رُدت رُدَّ ما سواها.

هل يُعقل أن أدخُلَ الجنة لـِـ كَمٍ من الركعات وإن كانت الحياة لا تَذكر لي أي أثر؟! هل يُعقل أن علاقتنا بالرب الرحيم تحددها عدد معين وَطريقة معينة قد تكون جوفاء لا روح فيها؟! لم هذا الاهتمام السطحي بحيث أصبحنا كالطبل الأجوف؟!

ما أكثر مساجدنا وَما أجمل صوت المؤذن وَهو يعلو بأحيائنا والمُدن..! وَما أشد اهتمامنا وَنحن نتراسل وَنتواصى بصلاة اليوم وَصلاة الشهر وَعدد الركعات وَنضع لهذهِ العلاقة حاسبة خاصة تراها تزين أصابعنا كخاتم وَننهج بذكر الله وَنحن نسمع وَنحن نطبخ وَنحن نمارس أعمالنا، وَلا تجدُ الطالبة التي تلبس المسبحة وَالذاكرة ضيراً من الغش، بل تجد مدارسنا الحريصة جداً على اقتطاع وقت لأداء الصلاة، بعيدة جداً عن شغف العلم، خاوية من الباحثين وَالمخترعين بل من أبسط أسس التعليم السليم، وَلمْ يتورع شبابنا المصلي عن التسكع بالطرقات، وَلمْ تتورع نساؤنا وَهنّ المصليات عن التدخل في خصوصيات الآخرين!

هذا التدقيق الشديد بالفتحة وَالضمة وَالغين وَالقاف، بل هذا التشدد بالركوع وَكيفية السجود يزدادُ بشكلٍ ممرض بالحج وَ العمرة نفقد من خلال تفاصيله الدقيقة وَالمقيتة كلروحانية اللحظة!

بل تزداد الحالة لنُرعب أطفالنا من رب يمسك بيده عمود نار لتارك الصلاة، وَنرسُمَ صورة للصلاة حين تأخذنا الروايات وَالقصص حيث الإمام يغرق طفله وَهو يصلي فلا يلتفت لذلك الطفل وَكأنها هي هذه التي لأجلها خلقنا!

وحين تزداد لأجلها مساحة الطغيان وَالاستبداد بنفوسنا، نجدنا نتعبد بصنمية فارغة فتصبح الصلاة وَالحجُ أصناماً تُبعدنا عن المحيط الرحب، عن الحب، عن التسامح، عن التناغم الكوني، والتسبيح الإلهي!

فهل هذه الصلاة التي نصليها وَنلتزم بها، هي التي صدحت بها آيات الله في كتابه الكريم؟! وَهل الله الرب الرحيم يحتاج صلاتنا لتكون هي محك دخولنا الجنة أو النار؟! وهل سيكون راعي الخراف الذي يرفض بيع خراف سيده بأعلى الأثمان لأنها ليست ملكه وَلا يقبل خيانة صاحبها لأن الله يراه، أحق بدخول النار لعدم أدائهِ الصلاة التي نعرفها؟!

وَأدخل أنا الجنة وأنا التي تصلي بالليل مئة ركعة رغم عدم تورعي عن الغش وَإهدار الوقت وَالمال؟!

ماذا عساي أجيبُ ولدي الصغير حين يسألني لماذا نصلي بعد أن ضربته لأجلها وَهددتهُ بالنار وَالعقابِ الإلهي وَهو يراني أختلفُ مع جارتي فأكيلُ لها الاتهامات وَأستصغرُ عاملتي وَسائقي وَلا أحترمُ إنسانيتهم ثم أجيبه: يا ولدي الله لا يحتاج صلاتنا بل هي لأجلنا، لأجل صلاح أمورنا، فتدور عينيه باستغراب مندهشاً يبحث عن الصلاح!

تمهل قارئي الكريم، لا تتهمني بالكفر وَتُقيمَ علي حدَّ تارك الصلاة! فأنا أقرأ القران وَتُثير آياته تساؤلاتي: {وصلِّ عليهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهم..}- التوبة:103-، فلا أجد السكن وَ الحب وَ اتساع النفوس بصلاتنا.

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} ﴿٤٥ البقرة﴾

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ* أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } ﴿١٥٧ البقرة﴾

فالكثير من القيم وَالأخلاق التي لا تستقيمُ الحياة إلا بها نجدها مفقودة بين المصلين!  وَحين تضعُ عقولنا علامات استفهام غير قابلة بأمر فهذا لا يعني أننا نوجه الاتهام لآيات ربنا الرحيم أو أننا شككنا بمصداقية القرآن العظيم، بل هذا اتهام لقصور فهمنا وَ سطحية التعامل مع الآيات!

ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق... كما قال سيد الحكماء علي- عليه السلام- فجمودنا عند زمن لم نتجاوزه وَفهمٍ لم نتخطاه أورثنا هذا الضيق بالأفق وَجعلنا ننشغل بالزخرف غير ملتفتين إلى تعلم كيف نمسك بالحرف وَمدلولِ اللغة لنُبحرَ بهما حيث بحور الكتاب فَبقينا عندَ الشاطئ عاجزين عن خوض غمار المحيط الذي يأخذنا للعمق الذي يكشف الأستار عن النور الذي يُخرجنا من الظلمات.

لِـمَ نُغلقُ أعيننا وَعقولنا وَنكتفي بالمتعارف وَالموروث رغم ما يسبب لنا من تناقضات وَأزمات نفسية وَروحية؟

فإن كنا غير قادرين على استيعاب الحاضر فأقلها لنُفسحَ الطريق وَلا نُعلنَ الحربَ على من يَفتحُ أبواباً جديدة للفهم!

-نحن أحوج ما نكون اليوم لاستنطاق القرآن من خلال حاضرنا وَمن خلال احترام عقولنا التي انفتحت على عوالم جديدة لم تأهلها سابقا.

-نحن أحوج ما نكون لانتفاضةٍ ثقافيةٍ تُحركُ الخامد وَالميت من أفكارنا؛ لتبعث الحياة من جديد في صلواتنا وَترجعَ غضةً يانعةً تُدرب (تُحيي) إنسانيتنا وَتُقوّم ما أعوج منها، وَتصبحُ حقاً مدرسة للعروج نحو الله!

-صدق ذاكَ الإنسان الأفريقي العظيم حين كنا ندور معه بين تراتيل الطبيعة وَبين قرى لم ترَ ضوء المصباح الكهربائي وَلم تتذوق طعم الماء النقي وَلكنها تذوقت طعم الفرح الإنساني  وَسألته حين الشمس قاربت على الغروب: نحتاج أن نسرع لنصلي... فـأجابني بصاعقة أعادت لي الحياة": لقد كنت تصلين طيلة اليوم فما حاجتُـكِ للركعات"! وَهو يبتسم ابتسامة العرفان، حينها فقط أدركتُ أن هذه الركعات لا تكون صلاة إذا لم تُحِل كيانككُلهُ صلاة!

حينها يصبح حُبُ الأمِ صلاة…

وَانتظام الشاب بقوانين المرور صلاة…

وَحِفظُ العهدِ صلاة…

وَإطعام القطة صلاة..

وَاحترام الكبير صلاة…

والتغافل صلاة..

والحب صلاة.

***

منى الصالح

في تاريخ الفكر الإنساني لم يكن الجسد يومًا مجرد كتلة لحمٍ صامتة ولا كانت اللذة عرضًا هامشيًا في حياة الإنسان بل شكّلا معًا إحدى أعقد الإشكاليات الفلسفية التي انشغل بها العقل منذ بداياته الأولى فالجسد هو أول ما نكون واللذة هي أول ما نشعر ومع ذلك ظلّ الاثنان موضع ريبة وتوجّس وصراع طويل بين الفلسفة والأخلاق والدين والسياسة وإن الحديث عن فلسفة الجسد واللذة ليس حديثًا عن الغريزة وحدها بل هو حديث عن السلطة والمعنى والحرية والهوية وعن الحدود التي رُسمت للإنسان بين ما هو طبيعي وما هو مصنَّع ثقافيًا.

منذ أفلاطون وُضع الجسد في مرتبة أدنى من النفس بوصفه سجنًا للروح ومصدرًا للاضطراب المعرفي وكانت اللذة في هذا السياق شبهة أخلاقية لأنها تشدّ الإنسان إلى المحسوس وتبعده عن الحقيقة المتعالية هذا التصور الثنائي الذي يفصل بين الجسد والروح لم يكن مجرد موقف فلسفي عابر بل تحوّل إلى بنية فكرية عميقة تسللت إلى الأخلاق والدين وأسّست لخطاب طويل يرى في الجسد عبئًا يجب تهذيبه وفي اللذة خطرًا ينبغي ضبطه أو إقصاؤه.

غير أن هذا التصور لم يكن قدرًا مطلقًا ففي الهوامش وُلدت فلسفات أكثر تصالحًا مع الجسد كما في الأبيقورية التي لم تمجّد اللذة بوصفها إفراطًا شهوانيًا بل باعتبارها غياب الألم وطمأنينة النفس واتزان الرغبة هنا يصبح الجسد شريكًا للعقل لا عدوًا له وتغدو اللذة معيارًا للحكمة لا نقيضًا لها وهذا الفهم يحرّر الجسد من شيطنته دون أن يسقطه في فوضى الرغبة العمياء

ومع العصر الحديث أعيد إنتاج القطيعة على نحو أكثر حدّة مع ديكارت الذي فصل بين النفس المفكرة والجسد الممتد فغدا الجسد آلة خاضعة للتشريح والقياس والسيطرة العلمية.

هذا الفصل مهّد لتحويل الجسد إلى موضوع للمعرفة والضبط وأقصى اللذة إلى هامش غير عقلاني لكن اللذة لم تختفِ بل عادت متخفية، مكبوتة أو مشوّهة تنتقم من هذا الإقصاء بطرق غير مباشرة ثم جاء نيتشه ليعلن ثورته العنيفة على هذا الإرث كله معتبرًا احتقار الجسد أخلاق عبيد وإنكار اللذة علامة مرض حضاري والجسد عنده هو العقل الأكبر وهو إرادة الحياة المتجسدة. اللذة ليست خطيئة بل تعبير عن الامتلاء والقدرة والفرح الوجودي بهذا المعنى، تتحول فلسفة الجسد إلى فلسفة مقاومة لكل القيم التي تعادي الحياة باسم الطهر أو العقل أو النظام.

وفي القرن العشرين تعمّق هذا التحول مع الفينومينولوجيا والتحليل النفسي ميرلو-بونتي أعاد الاعتبار للجسد بوصفه شرط إمكان الوجود في العالم فنحن لا نملك أجسادنا بل نوجد بها ومن خلالها والجسد ليس شيئًا نراه من الخارج بل هو أفق التجربة كلها أما فرويد فقد كشف كيف تقوم الحضارة على قمع اللذة وكيف يعود هذا القمع في صورة أعراض واضطرابات.

الجسد هنا ساحة صراع بين الرغبة والقانون بين اللذة والنظام بين ما نريده وما يُسمح لنا أن نريده وان ميشيل فوكو نقل المسألة إلى مستوى أكثر راديكالية حين بيّن أن الجسد ذاته نتاج تاريخي وأن اللذة ليست بريئة ولا طبيعية كما نتخيل بل تُنتَج وتُنظَّم عبر شبكات السلطة والمعرفة والطب والدين والقانون والأخلاق كلها تكتب الجسد وتحدّد له كيف يشعر ومتى يشعر وبأي شكل.

الجسد في هذا المعنى نص سياسي، واللذة ممارسة مراقَبة لا مجرد إحساس فردي

وفي السياق العربي بقي الجسد موضوعًا ملتبسًا محاطًا بالمحظورات وسوء الفهم فالتراث لم يكن واحدًا أو بسيطًا إذ جمع بين نزعات زهدية صارمة وقراءات أكثر تصالحًا مع الجسد بوصفه نعمة ومسؤولية غير أن الغلبة التاريخية كانت غالبًا لمنطق التحريم والخوف فترسّخت القطيعة بين الجسد والمعنى وغدا الجسد ساحة ذنب دائم واللذة مرادفًا للانحراف لا للتجربة الإنسانية العميقة.

من هنا فإن التفكير في فلسفة الجسد واللذة اليوم ليس ترفًا فكريًا بل ضرورة وجودية وأخلاقية ونحن نعيش في عالم يستهلك الجسد بلا رحمة عبر الإعلانات والصور والسلع وفي الوقت نفسه يقمعه أخلاقيًا وسياسيًا وتُستثمر اللذة تجاريًا وتُدان ثقافيًا في تناقض يكشف عمق الأزمة وكيف نستعيد الجسد دون أن نختزله ؟ وكيف نفهم اللذة دون أن نبتذلها أو نجرّمها ؟

إن الجسد ليس مسألة منتهية ولا حقيقة طبيعية خام بل هو تراكب معقّد بين البيولوجي والثقافي بين الفردي والجماعي بين الرغبة والسلطة واللذة ليست نداء غريزيًا أعمى بل اختبار وجودي يكشف نقص الإنسان وسعيه الدائم إلى الاكتمال ولو لحظة عابرة وكل لذة هي اقتراب لا يكتمل وكل اقتراب يترك أثره في الوعي والذاكرة والهوية.

لقد أثبت التاريخ أن قمع الجسد لا ينتج الفضيلة بل ينتج إنسانًا منقسمًا على ذاته يعيش ازدواجية بين ما يُعلنه وما يعيشه كما أن تمجيد اللذة بوصفها غاية قصوى لا يقل خطرًا لأنه يحوّل الجسد إلى سلعة ويُفرغ التجربة من معناها وفلسفة الجسد لا تقف مع الإفراط ولا مع الحرمان بل تبحث عن توازن هشّ يعترف بالرغبة دون أن يستعبد لها ويمنح اللذة معناها دون أن يحوّلها إلى صنم.

إن إعادة التفكير في الجسد واللذة هي في جوهرها إعادة تفكير في الحرية فالحرية لا تُقاس بالشعارات بل بكيفية عيش الجسد وبالحدود المفروضة على الرغبة وبالمسافة بين ما نريده وما يُسمح لنا أن نريده وكل مجتمع يكشف حقيقته العميقة في علاقته بأجساد أفراده وفي الطريقة التي يشرعن بها اللذة أو يجرّمها.

وفي الختام يمكن القول إن الجسد ليس نقيض العقل ولا اللذة نقيض الأخلاق بل إن كليهما شرط لإمكان إنسانية أقل زيفًا وأكثر صدقًا. الجسد الذي يُفكَّر فيه لا يُقمع واللذة التي تُفهَم لا تُدمِّر وبين الوعي والرغبة وبين القبول والنقد تتشكّل إمكانية إنسان متصالح مع ذاته لا يخجل من جسده ولا يختزل نفسه فيه وهكذا تتحول فلسفة الجسد واللذة من خطاب عن المتعة إلى مشروع فلسفي وأخلاقي يسعى إلى إنقاذ الإنسان من انقسامه الداخلي وردّه إلى وجوده كاملًا بلا إنكار ولا تزوير.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

لاريب ان مكان النشأة، بما يحمل في طياته معالمه الشاخصة، من ذكريات الطفولة، والأصدقاء، وملاعب الصبا، يظل جزءا من الهوية، بما تركه من انعكاسات وجدانية، وبما يؤججه من هواجس الوجد، وحنين الإنتماء، لحظة الاستذكار.

فلاشك أن التأمل في تجليات ربوع مكان النشأة، يوقد في الوجدان، ذكريات جميلة لا تُنسى.. بما تمده به من بهجة، وسعادة غامرة، في اللحظة، حتى وان كانت عابرة.

وهكذا يساهم مكان النشأة، في تشكيل ملامح الهوية، والإنتماء، بالاستذكار، باعتبارهما جزءا من الكيان، وما يتعالقان به معه، من موروث العادات والتقاليد، التي سادت في مكان النشأة يوم ذاك، والتي تنعكس، بتجلياتها الوجدانية، على تفاصيل الحياة اليومية.باعتبارها هي الجذور.

ولذلك يظل هاجس الحنين إلى مكان النشأة، حسا وجدانيا متوهجا، وشعورا عاطفيا طبيعيا، ينبض بكل مقومات الأصالة، بما هو رحلة وجدانية إلى الماضي، حيث الإشتياق للأهل، والأصدقاء، والربوع .

 ولاشك ان التردد الى ربوع مكان النشأة، والتفاعل الوجداني معه، يمكن أن يكون تجربة عاطفية، ممتعة ومؤثرة، حيث العودة إلى الأصل، هي عودة إلى الذات.

ولان مكان النشأة، هو جزء لا يتجزأ من الهوية، بما يحمله في ربوعه من ذكريات جميلة، فان هاجس الوجد، وحنين الإنتماء. من خلال استرجاع الذكريات، يؤجج حس الشعور بالإنتماء، والحفاظ على اصالة الهوية.

***

نايف عبوش

العلاقة بين النخيل والبشر تفاعلية في معادلة متوازنة ذات آفاق متجددة حيوية الأبعاد والمنطلقات، وعدد النخيل يتناسب طرديا مع عدد البشر في البقاع التي يتوطنها، أي كلما زاد عدد النخيل زادت أعداد البشر والعكس صحيح، ومن يقاتل النخيل يقاتل البشر، فالنخلة معيل للبشر والمواشي وأي إعتداء على حياة النخيل إعتداء سافر على حياة البشر.

قد يبدو الكلام غريبا لكن الواقع يشير إليه ويؤكده بوضوح وصراحة، غير أن الناس تتغاضى عن حقائق التفاعل البقائي فوق التراب.

النخلة كائن حي يتأثر بالحالة النفسية للبشر من حوله، ويكون مرآة لما فيهم، فالنخلة الشامخة الزاهية المتباهية تمثل ما حولها من البشر، والذابلة المهمومة الحزينة هي صورة البشر الذي يعاني من القهر والحرمان في مرابعها.

النخلة شجرة مباركة عظيمة النفع، ترمز للخير والبركة . وقد وردت آيات عنها في القرآن:

"..والنخل والزرع مختلفا أكله..."

"...وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا"

"وزروع ونخل طلعها هضيم"

"...كأنهم أعجاز نخل منقعر"

."...فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام"

"فيها فاكهة ونخل ورمان"

"...كأنهم أعجاز نخيل خاوية"

"وزيتونا ونخلا"

وقال النبي الكريم: "أكرموا عماتكم النخل"

ويبدو أن هناك علاقة خفية بين النخيل والبشر، ويمكن تقدير حالة أي بلد من حال نخيله الذي يستوطنه، ولا فرق بين قتل النخيل وقتل البشر، ومن يريد تركيع شعب وتدميره عليه بمحاربة نخيله.

كان النخيل في بلاد الرافدين أضعاف أعداد البشر على مر العصور، وعندما زاد البشر على عدد النخيل، صار الموت بركانا هائلا أكل الأجيال وأطعمهم للتراب بكثافة غير مسبوقة.

المطلوب إحترام النخيل وزيادة أعداده لتكون أضعاف أعداد البشر، وأن ينال الرعاية والتقدير والعناية اللازمة للقضاء على الجوع وتأمين الحياة الحرة الكريمة، في بلاد أعزها الله بالنخيل الوافر العطاء.

عِمادُ وجودِنا نخلٌ كثيرُ

يُباركهُ ويرعاهُ القديرُ

إذا اقْتلعوا نخيلاً من بلادي

تولانا العَناءُ المُستطيرُ

جياعاً أصْبحوا قومُ اقْتلاعٍ

يُطاردهمْ إلى حتفٍ عَسيرُ

أبادوا نخلةً ترعى خليقاً

فأمْحَلتِ المزارعُ والنَضيرُ

***

د. صادق السامرائي

 

في حياتنا اليومية والمهنية نقف أمام مشاهد متعددة من السلوك الإنساني، فتنبهر من صنفين من الناس يختلفان اختلافاً جذرياً وظاهراً في طريقة حديثهم ونظرتهم للحياة ولأنفسهم والآخرين من حولهم. أحدهما يزن كلماته بميزان الآداب والسمت والانضباط والضمير والممارسات الإنسانية والأخلاقية، فينتقي عباراته بدقة ووعي ويترفع  ويسمو عن الخوض فيما لا يعنيه أو يضعه في مكان ليس مكانه أو موضع لا يليق به أن يكون فيه. يدرك أن الكلمة تستطيع أن ترفع قدر الإنسان أو تضعه في مهاوٍ من السقوط الأخلاقي، لذلك لا يسمح للسانه أن ينزلق نحو الغيبة أو القسوة أو السخرية أو التنمر على أحد أو التقليل منه. هذا الصنف يتحدث بوعي واعتماد على قيم راسخة تمنعه من التشهير أو الطعن أو تتبع زلات الآخرين، فتراه محافظاً على نفسه وعلى علاقاته وعلى صفاء روحه، يراقب أفعاله قبل أن ينشغل بمراقبة أفعال غيره.

وفي المقابل نجد الصنف الآخر الذي لا هم له إلا ذكر الناس في مجالسه أو مكان تواجده، يراقب أخطاءهم ويتفنن في تصويرها وتضخيمها، وينشغل بعيوبهم أكثر مما ينشغل بإصلاح نفسه وتهذيبها. يطلق لسانه بلا رقيب أو ضوابط، فيحول المجالس إلى منصات للقدح والتشهير والاستهزاء. هذا الصنف يفقد قيمة الكلمة ويفلس في قلبه قبل أن يفلس في لسانه وكلامه، إذ يتحول الحديث عنده إلى نقمة لا رحمة، وإلى معول هدم بدل أن يكون جسر بناء وتشييد العلاقات وبنائها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون من المفلس؟"  "كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة": [ أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ (رواه مسلم).

ثم وضح أن المفلس صلى الله عليه وسلم من يأتي يوم القيامة بأعمال كثيرة لكنه ظلم هذا وشتم ذاك، فيؤخذ من حسناته حتى لا يبقى له شيء. فأي خسارة أعظم من أن يخسر الإنسان حسناته بسبب كلمة لم يحسن ضبطها أو التفوه بها؟

إن اللسان مرآة للقلب، وما يختلج في الصدر يظهر أثره في الكلام. فمن كان قلبه نقياً طاهراً من كل عيب أو تقيصة كان حديثه موزوناً ورقيقاً رحيماً، ومن كان قلبه مظلماً سواداً خرجت منه الكلمات جارحة قاسية تفتك بالصخر قبل البشر. الكلمة قد تداوي جرحاً في الروح، وقد تفتح جراحاً لا تندمل أو تشفى، وقد ترفع إنساناً مكاناً علياً في قلوب الآخرين وأفئدتهم، وقد تهوي به إلى قاع الاحتقار والنفور والتيه والنسيان. لذلك كانت حصائد الألسنة سبباً في سعادة الإنسان أو شقائه.

لا قيمة لإنسان يكثر الحديث عن القيم ثم يهدمها بلسانه وبكلمه. ولا رفعة لمن يظن أن التفوه على الناس بطولة، أو أن السخرية ذكاء، أو أن الانتقاص قوة. إن الفارغين من المعاني هم أكثر الناس ضجيجاً وجلبة وصوتاً خواءاً، والممتلئين بالحكمة يختارون الصمت حين يكون الصمت وقاراً وتهذيباً وقيمة، ومن عرف قدر نفسه عند الله لم يتعرض لنفوس الناس بسوء. وما أجمل أن ينشغل كل واحد منا بإعمار نفسه وإصلاح قلبه، بدل أن يتخذ اللسان سلاحاً فتاكاً يجرح به الآخرين ويحاول أن يقتنص عيوبهم وأخطاءهم ليشغلهم عن عيوب نفسه وقباحة شمائله وصفاته.

إن الحياة لا تقاس بكم ما نقوله، بل بقدر ما تحفظه كلماتنا من كرامات، وما تضيفه لأرواح من نخاطبهم. فلتكن كلماتنا زادًا لنا لا عبئاً علينا، ولنتذكر أننا نوقع بالكلمة على صحائف أعمالنا ما سنقرأه يوم لا ينفع الندم. من أراد النجاة فليجعل لسانه مطية للخير، ولا يتحدث إلا حين يكون للحديث قيمة ومعنى ورحمة. فالكلمة أمانة، وصاحب اللسان الطيب غني بروحه وإن خسر الدنيا، أما المفلس حقاً فهو من يخسر الناس وقلبه وحسناته بلسان لا يعرف حدوداً.

ثمَّ قال: ألا أُخبِرُك بِرأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروَةِ سَنامِه؟ قلت: بلَى، يا رسولَ اللهِ، قال: رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قال: ألا أخبرُك بمِلاكِ ذلِك كلِّه؟ قلتُ: بلَى، يا نبيَّ اللهِ، فأخذَ بلسانِهِ، وقال: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكلَّمُ بِه؟ قال: ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِ علَى وجوهِهِم، أوعلَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم. (رواه الترمدذي والنسائي وابن ماجه)

فلا تكن مفلساً في لسانك ولا في قلبك، واجعل ما تقول شاهداً على خيرك لا شاهداً عليك. فقد تنسى الوجوه، وتنسى الأسماء، لكن الأثر الذي تتركه الكلمات يبقى طويلاً بعد رحيل أصحابها.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

13-1-2026

قيمةُ الإنسان لا تُقاس بما يملكه من مالٍ أو مكانة، بل بما يحمله قلبه من صفاء. فصاحب القلب السليم يُؤتمن حتى في عداوته، لأن عداءه لا يخرجه عن حدّ الإنصاف، أمّا مريض القلب فلا يُؤتمن حتى في صدقاته، إذ تختلط نواياه بما يُفسد المعنى ويشوّه المقصد.

الغيرةُ والحقد ليسا مشاعر عابرة تولد وتموت في لحظة، بل حالتان نفسيّتان عميقتان تعكسان اضطراب الداخل حين يعجز الإنسان عن التصالح مع ذاته. فعندما يُنظر إلى نجاح الآخرين بعين النقص لا بعين المحبة، تبدأ الغيرة بالتسلل خفية، ثم تتحول — من غير وعي — إلى حقدٍ صامت، ينهش صاحبه من الداخل قبل أن يمتد أثره إلى غيره.

الغيرة في أصلها شعور فطري في النفس البشرية، وقد تكون دافعًا محمودًا حين تحفّز الإنسان على تطوير ذاته، وصقل قدراته الفكرية والعملية. لكنها تنقلب إلى داءٍ خطير عندما تتحول إلى مقارنة جارحة، ورفضٍ لما قسمه الله من أرزاقٍ ومواهب لعباده. عندها لا يعود الآخر منافسًا شريفًا، بل خصمًا يُلام على نعمةٍ لم يسعَ إليها، بل وُهبت له بحكمةٍ إلهية لا يدركها إلا من سلّم لقضاء الله.

أمّا الحقد، فهو المرحلة الأشد ظلمة؛ إذ لا يكتفي صاحبه بالحزن على ما في أيدي الآخرين من نعم، بل يتمنى زوالها. والحاقد أسيرُ سؤالٍ واحد يتكرر في داخله: لماذا ليس أنا؟ فيعيش سجين الماضي، عاجزًا عن الفرح بالحاضر، فاقدًا للأمل في المستقبل، غير مدركٍ أن الحقد نارٌ تحرق القلب الذي أشعلها قبل أن تمتد إلى الآخرين.

وما أشد فقر القلب حين يقيس ذاته بغيره، وما أعظم غناه حين يدرك أن لكل إنسان طريقه، ولكل نجاح توقيته، ولكل روح نصيبها الذي لا يشبه سواها. فالقلوب الكبيرة لا تضيق بتألّق الآخرين، بل تتّسع لهم، وتزداد نقاءً كلما ازداد غيرها نورًا.

المجتمعات التي تنتشر فيها الغيرة والحقد تفقد روحها الإنسانية؛ فتضعف الثقة بين أفرادها، وتُغتال المواهب، ويُحارَب النجاح بدل أن يُحتفى به. أمّا المجتمعات الواعية، فتُحوّل الغيرة إلى دافع، والاختلاف إلى تكامل، والنجاح الفردي إلى فخرٍ جماعي ينهض بالجميع.

إن علاج الغيرة والحقد يبدأ من الداخل: بالرضا، وبالإيمان أن الأرزاق لا تُسرق، وأن ما كتبه الله للإنسان سيأتيه في وقته مهما تأخر، وما لم يُكتب له لن يناله ولو اجتمعت الدنيا عليه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذه الآفات القلبية، فوصف أصحابها بأن في قلوبهم مرضًا، قال تعالى:

﴿فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾،

وبيّن أن الشيطان يسعى لإشاعة العداوة والبغضاء بين الناس، فقال سبحانه:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.

كما نهى النبي ﷺ عن التحاسد والتباغض، مؤكدًا أن المحبة وتأليف القلوب هما الأساس الذي تُبنى عليه الأخوّة الإنسانية والإيمانية.

والقلب النقي هو وحده القادر على الفرح للآخرين دون أن يخسر ذاته، وعلى المنافسة دون أن يفقد إنسانيته. فطوبى لمن طهّر قلبه، وجعل النجاح بابًا للأمل لا للحقد، ونورًا يهدي الروح لا ظلمةً تُطفئها.

***

بقلم: ذكرى البياتي

من الصعب إقناع الآخر (المتحجر) والذي يتنفس بنفس عطر اعتقاد (الدوغمائية /Dogmatim) الجازم بالرأي الأحادي، وإنكار البراهين اليقينية الأخرى والتي حتما تفكك نسب تزايد أسطورة التحجر الجديدة في السياسات الوطنية والدولية. من المعيقات النازحة إزاحة متحجر التفكير (قيد أنملة) والدفع به في تبني نسق تغيير المفاهيم، وآليات التفكير الفسيحة (الرأي و الإعتراف بالرأي الآخر)، ولما لا الإيمان بضرورة المراجعات البديلة في الفكر السياسي النظامي عبر خلق حوافز بنيات تبادلية ثقافية بدون غالب ولا مغلوب، ولا من سنن التحدي والمقامرة بلعبة الاستشراق مرة ثانية.

من الصعب الخروج بمجاديف سباحة تقليدية في ظل نمو أعلام جيل جديد من المتحصنين ضمن عمق قوقعة حدود تفكير صندوق شائكة لا مفاتيح لها غير الأحادية/ الفردية، والنفخ في فخفخة الاسمتتاع المريح عبر تمجيد الذات والذوات والأقوام، وخلق التصنيفات الوهمية للسياسات الداخلية والعالمية، ولما بناء السدود القضائية المحمية بعسكر يمنع الاختراق عند كل فجوات تفكير ضحل لإرضاء الأنانية التفوقية. تفكير متراخي لا غير وسنده الركيز يقف عند حد رفض البراهين اليقينية. هنا  ليست القضية قضية رياضة حسابية نهائية، ولا جدال في مناقشة المتغير بالسفسطة وبنوع من البلاهة، بل قد يبقى (الآخر) المتحجر في الأفكار والآراء يُواصل تمجيد الجمود الفكري المرتبط بالطيعين، ونيل مكارم المصالح والمنافع، ومهاجمة كل مارق عن رؤيته الدوغمائية.

تغيير زاوية الرؤية مهمة ليست بالسهلة، كما قد نعتقد بالوهلة الأولى التنظيرية والمعيارية، بل هي ذات فعل التناول المنهجي الذكي بالأسباب النسقية، والذي يجعل من خط الانطلاقة خطا للبداية، ومنه بالضبط قد يكون الإخفاق في الوصول إلى حلبة تتويج المجتمع التفاعلي والكوني بامتياز الرأي والرأي المضاد، ولما لا كسب رهانات الانزياح عن القيم والمنطلقات الاعتقادية والاجتماعية غير المعيارية بالتوصيف الطاهر!!!

فمن البديهي أن نخلص إلى أن (الآخر) الكامن وراء فخاخ (الدوغمائية /Dogmatim)، يمارس سلطة الآراء المتسرعة والحاضرة في الذاكرة والتخيل بامتياز وتفوق، ويمارس سلطة استبداد التعصب الكثيف للأفكار والمعتقدات المتنوعة والآراء بالخلفيات الظلية المريحة لذاته ورؤيته النفعية وللأتباع المنبطحين والمهرولين له بالتأييد والتصفيق، وقد يمارس حروبه التي لا تنتهي خارج حدود ذاته ودولته الوهمية، وخارج هويته وتكون بعيدة عن صفقات الحدود والقانون الدولي.

قد لا نمتلك الحقيقة المطلقة دائما، وحرية المصداقية الاعتبارية والواقعية، ولكن عند رؤية (الدوغمائيين الجدد) يمتلكون البدائل والمتمثل في لغو الكلام المفرط في التعميم وصناعة الحلم (الوردي لا المفزع !!!)، ولما لا اللعب على تصنيف الذكريات ومخلفات الماضي حتى ولو بمناهج المقايسة والتفاضلية وخدمة المصالح المجالية.

حقيقة بأبعاد ناتئة الحافة، فمن خصائص (الدوغمائي) المميز لسلوكه الاجتماعي، أنه يصنع من الصراعات العقيمة والوهمية، وحتى المخصية منها بفشل التلاقح التصالحي ضجة من التفاهة، وتفعيلا بديلا يحرك البلاهة والوهم والاستئثار بالحقيقة المطلقة الأحادية! هنا قد نلحظ مدى مناولة فعل التمادي في مجارات لاعبي (قمار البوكير) في استغلال عمق قسوة الرأي الأحادي على المحيط (المجازف)، لعدة اعتبارات ومؤشرات أخرى مبنية على صواب رأيه الذي يروم إلى خلق توليفة سوية من المضادات المنيعة، ومن لعبة الفوضى الإنتظامية للمحافظة على الدلالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والنوعية لذات النوع وخلق الإئتلاف المريح في أسرار أخوية السياسة الدوغمائية المتحجرة عبر الأزمنة والأمكنة والتاريخ. وهذا كله فيه نوع من التمادي في إرساء مسابقة أولمبية للسباحة ضد التيار الديمقراطي، ولما لا استغلال الفوضى المنظمة لصالح عالم التسيد في التحجر والتحدي، ولصالح مدارك التفكير النفعي.

اليوم قد تبيت المعرفة غير المتحجرة، تعيش حرب الكر والفر الداخلي والخارجي، وقد ترفض كل النوعيات التأييدية لفعل إصدار صكوك الغفران عن  (الدوغمائية /Dogmatim) المتجدرة، خاصة في الفعل الثقافي والسياسي والحزبي والاجتماعي... وترغب المعرفة الكونية غير المفروضة بالتحدي على تلبية نظام العقل والنقل ولما لا حتى (الحدس) في اقتناص فرص مثيلة من المعرفة المدنية والكونية والتي وزنها من ذهب، ولا تقاس بالعملة الافتراضية (بيتكوين / Bitcoin)!!! وتصنع خفض حتما لهيب الحقد الاجتماعي البيني والإنساني/ الكوني وما بين الحدود. ويبقى الحل الأمثل عدم تزكية التفاهة ولا البلاهة، والتي بحق تجعل من (الدوغمائية) سيدة مرحلية تتسيد، وقد تهزم في مواقع أخرى، ولا محالة لها مع ظاهرة بروز نوعية خامسة من الذكاء الاصطناعي المتغول.

***

محسن الأكرمين

كانت جدتي تحدثني كثيرا عن "تل الصوان"، ومن حكاياتها التي أذكرها كانت تقول:" يابة الإنكليز ينبشون بالتل، وما أدري إشياخذون منه"، البعض كان يقول أنهم يعثرون على مجوهرات، وتحف ذهبية. وجدتي كانت تصر على أن تل الصوان فيه خزينة!!

ومع الأيام قرأت كثيرا عن "تل الصوان"، وتبين أنه متحف أثري، يحوي شواهد عن حضارة سامراء (5500- 4800 قبل الميلاد) التي سبقت جميع الحضارات في بلاد الرافدين، وإستمرت لما يقرب من (700) سنة.

والغوص في هذا الموقع الأثري يستدعي المزيد من الدراسات والتنقيبات والبحوث الأكاديمية الرصينة، ومن الواضح أن الذي دلنا عليه  في بداية القرن العشرين هو الأثاري الألماني (أرنست هرتسفيلد)!!

ففي المدينة كانت صناعة الخزف والزجاج في ذروتها، و"تل الصوان" يضم عينات متنوعة منها، وتم العثور على أشياء مرمرية وكلسية وفخارية وتماثيل من الرخام والأواني المنقوشة، والتي تشير إلى أنها كانت توضع في أفران.

ودل المنقبون على وجود قرية متطورة في أنظمتها الدفاعية والعمرانية، وبنظام الإرواء وزراعة الحنطة والذرة والشعير والكتان وتربية الحيوانات وصيدها.

ويبدو أن صناعة الخزف كانت سائدة في حينها، وتمثل مصدرا إقتصاديا مهما، إذ يتم بيع المنتجات الخزفية والإتجار بها.

ومن الخزافين المعاصرين المعروفين إبن سامراء الأستاذ ماهر لطيف السامرائي، الذي عمل أستاذا للنحت الفخاري في أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد، تخرج منها عام 1974 وأصبح معيدا فيها، وحصل على الماجستير في الفنون والنحت الفخاري والتزجيج.

وهو من الخزافين البارزين والمتميزين، أعرفه منذ الصبا، وكان في غاية الخُلق والطيبة والألفة والمحبة والأدب.

وله العديد من الأعمال الخزفية الرائعة، ذات القدرة على المنافسة العالمية، وأملي أن يترك أثرا خالدا معبرا عن روح المدينة الحضارية.

وفي المدينة طاقات شبابية إبداعية واعدة بعطاءاتها المتميزة الأصيلة في الخزف والنحت والرسم، وأثبتت دورها الفعال في الساحة الفنية، وبعضها يمتلك مواصفات عالمية، وقدرات فذة في الإبداع الفائق المواصفات.

وما ينقص العديد من الأعمال الفنية غياب روح سامراء الحضارية ومؤثراتها الروحية والفكرية الخلاقة، فهي التي قادت أكبر ثورة عمرانية، وأثرت في سلوك الدنيا المعماري، وفيها من الإرث الحضاري ما يميزها عن غيرها من مدن الدنيا.

تآلفتِ العصورُ بما عَلاها

وأوقدتِ الضياءَ بمُرتقاها

مَدينةُ أمّةٍ رفعتْ لِواها

وسامقتِ الزمانَ وما كفاها

تلوّى رمزُها لعنانِ مَجدٍ

لأكوانٍ سَعى ونَضى حَجاها

جمالُ عيونِها أشقى مَهاها

إذا نظرتْ أصابتْ مُبتغاها

بسامرّا بديعٌ مِن خَيالٍ

يُجسّد فكرةً عَرفتْ أباها

أسائلُها وروحُ العرشِ فيضٌ

يُساقينا بدائعَ مُحتواها

***

د. صادق السامرائي

 

الفلسفة، كما هو معروف، هي البحث في غير المنظور من حقائق الوجود، والميتافيزيقا، والقيم، بقصد التوصل الى ماهياتها، ومعرفة جواهرها، واستكشاف القوانين التي تحكمها. ولانها تبحث في تلك المجالات المعقدة من المعرفة، وتستخدم مصطلحات، ومفاهيم معقدة، يصعب على غير المختصين، تناولها، فقد ظلت الفلسفة مجالًا معقدا، وتجريديا، محصورا في دائرة النخبة، بعيدًا عن متناول، وفهم العوام.

على ان منهجية التفكير التجريدي للفلسفة، وصعوبة تداوله للبعض، هو ما يجعل من الفلسفة رحلة في عالم الأفكار التجريدية، بعيدا عن معطيات الواقع، لتكون الفلسفة ثقافة النخبة، وبالتالي هي للمتخصصين فقط .

وحيث أن الفلسفة تحظى باهتمام كبير في الأوساط الأكاديمية، فقد عزز ذلك التوجه المهني، من دائرة انفصالها عن العوام، وحصر البحث فيها على الوسط الأكاديمي، لتظل الفلسفة، ذات سمة أكاديمية بحتة، باعتبارها أساس كل العلوم .

ونظرا لتجريديتها الشديدة، وتمحضها النظري، وبعدها عن الارتباط بالواقع، وتفاصيل الحياة اليومية، وافتقارها لتقديم الحلول للمشاكل الحياتية اليومية، فقد ظلت محصورة التداول بالمختصين، والاكاديميين، وبعيدة عن اهتمامات العامة من الجمهور.

 ولجعل الفلسفة أكثر قربًا للعوام، فإن الأمر، يتطلب تبسيط مصطلحاتها، واستخدام لغة سهلة الفهم، وبسيطة التعبير، لشرح المفاهيم الفلسفية، لتكون الفلسفة، بعد ذلك للجميع، بدلا من اقتصارها على النخبة فقط.

كما يتطلب تعميم تعليم الفلسفة في المدارس، والجامعات، بطريقة تفاعلية سهلة محببة للدارسين، بعيدا عن جفافها النظري البحت، لكي تكون بعد ذلك، أكثر قبولا، وقربا للعوام، وبعيدة عن حكرها على النخبة.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم