أقلام حرة
ذكرى البياتي: حين يضيق القلب عن اتساع محبة الخير
قيمةُ الإنسان لا تُقاس بما يملكه من مالٍ أو مكانة، بل بما يحمله قلبه من صفاء. فصاحب القلب السليم يُؤتمن حتى في عداوته، لأن عداءه لا يخرجه عن حدّ الإنصاف، أمّا مريض القلب فلا يُؤتمن حتى في صدقاته، إذ تختلط نواياه بما يُفسد المعنى ويشوّه المقصد.
الغيرةُ والحقد ليسا مشاعر عابرة تولد وتموت في لحظة، بل حالتان نفسيّتان عميقتان تعكسان اضطراب الداخل حين يعجز الإنسان عن التصالح مع ذاته. فعندما يُنظر إلى نجاح الآخرين بعين النقص لا بعين المحبة، تبدأ الغيرة بالتسلل خفية، ثم تتحول — من غير وعي — إلى حقدٍ صامت، ينهش صاحبه من الداخل قبل أن يمتد أثره إلى غيره.
الغيرة في أصلها شعور فطري في النفس البشرية، وقد تكون دافعًا محمودًا حين تحفّز الإنسان على تطوير ذاته، وصقل قدراته الفكرية والعملية. لكنها تنقلب إلى داءٍ خطير عندما تتحول إلى مقارنة جارحة، ورفضٍ لما قسمه الله من أرزاقٍ ومواهب لعباده. عندها لا يعود الآخر منافسًا شريفًا، بل خصمًا يُلام على نعمةٍ لم يسعَ إليها، بل وُهبت له بحكمةٍ إلهية لا يدركها إلا من سلّم لقضاء الله.
أمّا الحقد، فهو المرحلة الأشد ظلمة؛ إذ لا يكتفي صاحبه بالحزن على ما في أيدي الآخرين من نعم، بل يتمنى زوالها. والحاقد أسيرُ سؤالٍ واحد يتكرر في داخله: لماذا ليس أنا؟ فيعيش سجين الماضي، عاجزًا عن الفرح بالحاضر، فاقدًا للأمل في المستقبل، غير مدركٍ أن الحقد نارٌ تحرق القلب الذي أشعلها قبل أن تمتد إلى الآخرين.
وما أشد فقر القلب حين يقيس ذاته بغيره، وما أعظم غناه حين يدرك أن لكل إنسان طريقه، ولكل نجاح توقيته، ولكل روح نصيبها الذي لا يشبه سواها. فالقلوب الكبيرة لا تضيق بتألّق الآخرين، بل تتّسع لهم، وتزداد نقاءً كلما ازداد غيرها نورًا.
المجتمعات التي تنتشر فيها الغيرة والحقد تفقد روحها الإنسانية؛ فتضعف الثقة بين أفرادها، وتُغتال المواهب، ويُحارَب النجاح بدل أن يُحتفى به. أمّا المجتمعات الواعية، فتُحوّل الغيرة إلى دافع، والاختلاف إلى تكامل، والنجاح الفردي إلى فخرٍ جماعي ينهض بالجميع.
إن علاج الغيرة والحقد يبدأ من الداخل: بالرضا، وبالإيمان أن الأرزاق لا تُسرق، وأن ما كتبه الله للإنسان سيأتيه في وقته مهما تأخر، وما لم يُكتب له لن يناله ولو اجتمعت الدنيا عليه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذه الآفات القلبية، فوصف أصحابها بأن في قلوبهم مرضًا، قال تعالى:
﴿فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾،
وبيّن أن الشيطان يسعى لإشاعة العداوة والبغضاء بين الناس، فقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.
كما نهى النبي ﷺ عن التحاسد والتباغض، مؤكدًا أن المحبة وتأليف القلوب هما الأساس الذي تُبنى عليه الأخوّة الإنسانية والإيمانية.
والقلب النقي هو وحده القادر على الفرح للآخرين دون أن يخسر ذاته، وعلى المنافسة دون أن يفقد إنسانيته. فطوبى لمن طهّر قلبه، وجعل النجاح بابًا للأمل لا للحقد، ونورًا يهدي الروح لا ظلمةً تُطفئها.
***
بقلم: ذكرى البياتي







