نصوص أدبية

نصوص أدبية

رُبَّ حُـسْـنٍ غَـدَا * مَـثَـلًا يُضْـرَبُ

مَا رَأَى شِبْـهَـهَا * مَـشْرِقٌ مَغْرِبُ

فَإلَـيْـهَا اَلْـبَـــهَا * دَائِـمًا يُـنـسـب

إِذْ سَنَاهَا بَـدَا * فِي السَّمَا كَوْكَبُ

حُـسْـنُـهَا آيَــــةٌ * بِـدْعَـةٌ عَـجَـبُ

أَقْبَلَتْ تَـرْفُــلُ * مِـثـلُهَا مَـوْكِــبُ

نَشَرَتْ شَعْرَهَا * نَسْمَةً تَلْـعَـــبُ

عَقَدَتْ شَالَهَا * إنْ نَـضَا تَسْـحَبُ

وَالْخُطَى نَغْمَةٌ * كَـعْبُـهَا يُــطْرِبُ

فَاعِلُنْ فَاعِلُنْ * دُمْ وتَـاكْ تُضْرَب

مَـائِـدٌ غُصْـنُـها * رَقَـصَتْ رُطَـبُ

قَدُّهَا هَـيَـفٌ * فِي الْمَدَى مَرْكَبُ

بَـحْـرُهُ زَاخِـــرٌ * هَائِــجٌ يَصْـخَب

مَـــدُّهُ جَــزْرُهُ * سَـاحِـلٌ أرْحَبُ

بِكَثِيـبٍ النّـقَـا * قـد عَـلا كَعْـثَـبُ

قَـدْ حَوَى دُرَّةً * غَوْصُهَـا يَصْـعُب

نَظَرَتْ رَشَقَتْ * نَـبْـلُـهَا أصْـوَب

مِثْلَ رِيمِ اَلْفَلَا * مَا لَــهَا مَـقْـرَبُ

وَرْدَةٌ خَدُّهَـا * وَالـشَّذَى أَطْـيَـبُ

ثَـغْـرُهَا كَـوْثَـرٌ * عَـسَلٌ يُسْـكَبُ

والجبـينُ صَـفا * صفحةً تُحسـبُ

فكتبـنا الـهوى * والهوى يُكـتـب

أحرُفًا من سَنَا * نَـقـطـها ذهـب

حُسنُـها كــامل * تَــــمَّـهُ الأدبُ

***

سُوف عبيد

بأحْداقٍ مُنوِّرةٍ لجسْرِ

ومُخبرةٍ إذا نظرتْ بأمْرِ

*

وجَهْمٌ منْ مَواطنهِ تَسامى

لسامراءَ إذ يَسعى كوِكْرِ

*

وجَعفرُها بلهوٍ وابْتهاجٍ

ببركتهِ الحَسناءِ يَسري

*

فلاقى بُحْترياً في رُباها

فأوْردهُ المَصاعِبَ بنتَ غدرِ

*

وشوَّهَ إسمهُ وبَدى عَدوّا

يُطاردهُ ببغضاءٍ وزجْرِ

*

فشاعرُنا صَديقُ القولِ حقاً

وتاجرهُم يُحاربُ دونَ عُذرِ

*

ألا تبّتْ يَدا شخصٍ رَخيصٍ

يُداهنُ شعرهُ فيها ويُقري

*

يُعاقرُ عَسْجداً أغوى بَصيراً

يُطاوعُ نفسهُ دوماً ويَدْري

*

كذوبٌ خادعٌ يُدْعى لأخْذٍ

وكمْ أثرى بمَعسولٍ ودُرِّ

*

أُصيبَ الجَهمُ من شَغبٍ بحَيْفٍ

فأوْدَعهُ الخليفةُ بطنَ طُمْرِ

*

أشاعوا أنّهُ جَلفٌ بوَصْفٍ

وما ذَكروا المَها يوماً بشعْرِ

*

رفيعٌ أصْلهُ يَبقى سَموقاً

تُنزههُ المشاعرُ حينَ يُطري

*

هوَ الصدقُ المكافحُ والمُزكى

يُنازلهمْ إذا وجَبتْ بفِكْرِ

*

عليٌّ إبنُ جهْمٍ دونَ جَهْمٍ

يغيّرُ عُسرَها برؤى ليُسْرِ

*

جَميلٌ شعرُهُ رغمَ اعْتداءٍ

على روحٍ تُبشرُنا بنَصرِ

*

تَبَحْترَ شاعرٌ وبَدى كذئبٍ

يطاردُ شاعراً فيها ويُزري

*

تَنمّرَ في بلاطٍ ذي ثَريدٍ

يُخاصمُ كلّ صَوتٍ عندَ قَصْرِ

*

أكاذيبٌ من البغضاءِ جاءَتْ

مُحمّلةٌ بعاديةٍ وجَزرِ

*

هيَ الأطماعُ تأكلنا بصَمْتٍ

وتلفظنا إلى وَجَعٍ وخُسرِ

*

كذا الدنيا على بَشرٍ تداعَتْ

وألقتْ حِملها في قاعِ بئرِ

*

تُساورُنا النوايا كيفَ شاءَتْ

مُسجّرةً بعدوانٍ وشرِّ

*

رغائبُ سوئها طفحتْ وفاضَتْ

تؤمِّرها بداعيةٍ لجَوْرِ

*

هوَ العدوانُ مَذمومٌ لئيمٌ

يُباغِتُ طيبَها دوماً بنَحْرِ!!

***

د. صادق السامرائي

سحبت نفسها من السّرير متثاقلة وهي تفرك عينيها كأنّما تمسح ما علق بهما من آثار النّوم. تمطّت في كسل ثمّ نهضت في اتّجاه المطبخ كي تعدّ قهوتها المعتادة متحاشية أن تلتفت الى السّاعة المعلّقة على صدر الحائط فهي لا تحتمل فكرة أن يقيّدها الوقت أو يسرق منها لحظات المساء الجميلة خُصوصا أيّام العطل. لطالما كانت تحرص كلّما سمحت لها الفرصة على قضاء بعض الوقت مع نفسها في غِنى عن صخب العالم وجنونه.

خرجت إلى الشّرفة وجلست الى كرسيّها كما تفعل في كلّ مساء، أصغت بشغف واستسلام لموسيقى "الفصول الأربعة" المنبعثة من الغرفة. كانت تجمعُها صداقة قديمة بالموسيقى اذ ألِفتها أذنها وصارت لها قدرة فريدة في قراءتها ممّا جعل لكلّ نوتة وقع عميق جدّا عليها. أرادت أن تتماهى كليّا مع هذه المقطوعة الخالدة فأغمضت عينيها وأرهفت السّمع لكنّ صوت أفكارها بدأ بالتّعالي حتى منعها عن ذلك. كان هذا المساء مختلفا، شعرت وكأنّ الأشياء جميعها تستغرقها وتعبث بهدوئها.

ربّما لأنّ القهوة أقلّ مرارة من المعتاد أو إنّها اليوم أقلّ حماسًا للحياة ولرؤية آخر بريق للشمس ينسحب تدريجيّا ويغرق باستسلام في أفق بعيد فيتركها لتغرق بدورها في الحنين لأمرٍ غابر. يبدو أنّه مساء برائحة الغياب. تمنّت لو باستطاعتها أن تنتزع الماضي بصخبه وجنونه من ذاكرتها، أن تعهد بنفسها الى الرّيح تحملها الى مدينة النّسيان فتبدأ من جديد، بلا تاريخ أو هويّة.

لكن الريح تمضي وكذلك المساء وتبقى وحدها جليسة هذا المقعد، سجينة ما كانت عليه وما قد تكونه. انها تعلم أنه من العبث أن تحاول امساك الوقت وإنقاذ الحاضر من التدفّق. انّه ماضٍ الآن ماضٍ الى أقاصي الغربة يحمل معه لحظاته الشّريدة وشيئا منها.

تنهّدت بعد شرود طويل وقالت كأنّها تخاطب شخصا آخر: " كلّ تلك المحاولات تبدو لي غير مجدية، لم يعلّمني أحد كيف أنجو بنفسي من الزمن ولا كيف أعيش يومي بلا ذاكرة تقيّدني الى الأمس أو خوف ممّا قد يحمله الغد. إنّ حاضري يتشكّل فقط من ثنائيّة ما حدث وما سيحدث وفي خضم ذلك تنفلت اللّحظة الحاضرة من بين أصابعي. "

قطع خيط أفكارها صوت خطوات تصعد السّلّم تبعتها طرقة خفيفة. وقفت في توجّس اذ أنّها لا تتوقّع زائرًا هذا المساء. اتّجهت بخطوات متردّدة نزولا على الدّرج ثمّ عبرت الصّالون حتى أدركت الباب. حاوطت أصابعها على المقبض محاولة طرد الهواجس من عقلها ثمّ أدارته لتجد فتاة في أواخر العشرينات ذات مظهر يحمل طابعا راقيا لكنّه غير متكلّف حتى بدا لها مألوفا بعض الشيء، كان التّوتّر باديا على ملامحها وقد ضمّت قبضتيها في محاولة لمداراة ارتباكها. وما ان فُتح الباب حتى انشقّ ثغرها عن نصف ابتسامة ثمّ قالت بصوت خفيض بدا أنّها تجاهد ليخرج مسترسلا:

- "السيّدة ايزلي"؟

تفحّصتها ايزلي قليلا ثم أجابت بنبرة جامعة بين التّأكيد عن كونها الشّخص المطلوب واستفسارٍ لمَ تريد:

- نعم؟

نظرت الفتاة الى عيني ايزلي بعد أن استردت أنفاسها وقالت بشيء من الهدوء وكأنّها تهمس بسرّ قديم:

- أنت تعرفين أنّ الماضي لا يرحل أبدًا، أليس كذلك؟

يتبع

***

مريم عبد الجواد - تونس

 

نودي على المتهم ك، تفاجأ الجميع برجلين بملابس سوداء، يجران جثة عارية، أوثقوها لعمود داخل قاعة المحكمة، سعل بقوة لتنظيف حنجرته من التراب؛ الذي منع صوته من الخروج للهواء، أحتج على تجريده من كفنه، وكشف عورته علنا أمام الحاضرين، صرخ:

- اليس عملاً معيبا كهذا، فيه اهانة كبيرة لإنسانيتي!

التفت الى السيدات الجالسات في قاعة المحكمة، وقال:

-    ألا يخدش ظهوري عارياً أمامكن الحياء!

لم يأبه أحدٌ لاحتجاجه، لأن صوته بالكاد هز طبلة اذن واحدة، وكان كطنين ذبابة خطفت عابرة.

بدأ المدعي العام بتلاوة التهم الموجهة للمتهم ك، طالب بعقوبة قاسية.

توجهت أنظار الحاضرين للمتهم ك، مطالبة بإنزال أقسى العقوبات به.

التفت اليهم المتهم ك، قال: أنتم مثلي ضحايا خدعة ما يسمى بالعدالة المعصوبة العينين، واليوم بوجودكم نزعت العصابة عن عينيها، واتضح للجميع أنها عمياء؛ حقيقة وليس مجازا، سنلتقي جميعا في يوم آخر، امام حاكم عادل... تذكروا ذلك .

عاد يواجه القاضي، معترضا على شرعية المحكمة؛ لأنها لم تعين محاميا للدفاع عنه، فلو كان حاضرا لرد تهمة الدافع من وراء الجريمة، ولأثبت أن اركان الجريمة المدعاة ضده ناقصة، وذلك لغياب ركنين اساسين آخرين، وهما السبب وتوفر الفرصة، ولما سأل المدعي العام المتهم ك: بماذا تفسر تواجدك في شقة الرجل الذي قتلته؟ أجاب:

- دعاني لزبارته، فجئته مساء ذاك اليوم المشؤوم، جلسنا نتحدث في غرفة الضيوف، إبتدرته معتذرا عن الخلاف الذي شجر بيننا، سألني: أنحن برأيك أصدقاء! فقلت فورا وبحماس: طبعا، وصداقتا قديمة. فتساءل: ألا يحتمل أن تنقلب فجأة الى عداوة! في تلك اللحظة التي سمعته فيها؛ شعرت بعطش شديد، فتناولت كأس الماء الذي امامي، ودون أن أقربه لفمي، اسرعت لأعيده لمكانه، غطيت بجمع أصابع كفي اليمنى، إبتسامة ساخرة كادت تفضح إشمئزازي من كلامه، قلت جائز في حالة واحدة ؛ عندما تكون الصداقة زائفة، ونفس الشئ ينطبق على الجسد الصحيح، عندما تهاجمه الجراثيم القاتلة، ويعجز جهازه المناعي عن الدفاع، عندئذ يحصل المرض وينتهي بالموت. فقام مهتاجا؛ وإتهمني بأنني خنته، بإفشاء اسمه للسلطات الأمنية، علما بأنه لم يشارك في أي مظاهرة، بينما واضبت انا في نهاية كل اسبوع ؛ بالمشاركة بالمظاهرات الإحتجاجية الصاخبة، التي عمت ارجاء البلاد التي نقيم فيها، وأنني قد تعرضت للإعتقال والتهديد بالترحيل، لكوني أحمل إقامة غير دائمية، في هذه الدولة الغربية، التي التجأت اليها، بينما هو قد إكتسب جنسية البلد وأصبح مواطناٌ، شهر مسدسه؛ فقمت لتهدئته. قال: انت حكمت على نفسك بالموت، وأطلق علي النار.

أشار ك الى مواضع الجراح الأربعة في جسده، لرصاصتين إستقرتا في الصدر بجوار القلب، وإثنتين كل واحدة منهما هشمت فخذا، أراد ان يطلق النار على الرأس فأخطأ، ربما أهتزت قبضته ونزلت للاسفل.

قاطعه المدعي العام: لكن التقرير الطبي أكد أن سبب الوفاة كانت مقذوفات نارية أطلقها البوليس في الهواء؛ لتفريق اعمال الشغب، ربما اصابتك بمقتل، وليس كما تدعي . رد ك، وهذه ربما كذبة آخرى، قطعا أنفي ذلك، المظاهرات كانت سلمية كما شاهدها العالم من خلال شاشات التلفاز، فكبف تحولت الى أعمال شغب! هذه كذبة أفتراها علينا البوليس، صديقي أتهمني بالخيانة، وأنتم تتهموني زورا بأني مشاغب ..

بعد أن انهى ك كلامه، قال كنت عطشانا جدا؛ حين سقطت صريعا، أتوسل اليك سيدي القاضي، أن تطلب لي كأس ماء، اريد أن اشرب، اشعر بعطش شديد...

لم يُستَجبْ لطلبه، أحنى راسه يائسا، ينتظر قرار المحكمة، فسقطت جمجمته بين قدميه.

أعلن القاضي رفع الجلسة للإستراحة، وبعد فترة وجيزة استؤنفت الجلسة، وصدر الحكم بسحب إقامة المتهم ك المؤقتة، وحجزه في مركز الأبعاد حتى موعد طرده من البلاد.

كان ك الحي بالروح المتأججة في جسده، قد أطفأ تلك اللية جهاز التلفاز، بعد ان سمع ورأى آخر نشرة أخبار منتصف الليل عن الفضاعات المرتكبة؛ في الأرض المنكوبة التي ينتمي اليها، أطفأ النور في غرفة الجلوس، وتلمس طريقه لغرفة النوم؛ بضوء هاتفه المحمول، إستلقى على فراشه، تراقصت أمام عينيه، صور ضوئية بالوان حمراء وصفراء، وارتعشت شرارت متطايرة في الفراغ، رآى في الظلام أشباحا بشرية، تهرب في كل إتجاه، الى لا مكان آمن تلجا اليه، وعمارات تخر الى الأرض؛ كأن كفا جبارة تسحقها، فتختفي الطبقة الارضية؛ تليها التي فوقها، الى ان تصبح أثرا بعد عين..

غفا ونام مقهورا، كان منسحقا الى درجة اليأس، وعندما صحا صباحا، تحسس جسده فحمد الله انه لا يزال حيا، لكنه لم يتعجب مطلقا، من الكابوس الذي رآه في المنام، وقال في نفسه، لا عجب ان يحدث هذا في الواقع لي او لأحد غيري.

***

قصة قصيرة

صالح البياتي - سدني / أستراليا

29 / 11 / 2024

 

لَسْتُ أَدْرِيْ، يَا دَوَاتِـيْ،

كَمْ أَسَاطِـيْـرُ حَـنِـيْـنِكْ؟

كُـلُّ مَـا أَدْرِيْـــهِ أنْ لَا

بُـدَّ مِـنْ فَـرْقَـاكِ يَوْمَـا

مِنْ مَتَى؟ أَمْ كَيْفَ؟ أَمْ أَيـْ

ـنَ التَقَـيْنَا في أَتـُـوْنِكْ؟

ظَـلَّ هـذَا سِـرَّكِ الأَنـْـ

ـأَى.. ويَنْأَى ظَـلَّ دَوْمَا!

**

غَيْرَ أَنـِّـيْ، يَوْمَ أَعْرَضْـ

ـتِ بِهَـتَّـانِ فُـتُـوْنِـكْ

وانْـتَـهَى مَا دَارَ عَـتْـبًا،

وابْـتَـدَا مَا ثَـارَ لَـوْمَـا

أَبْصَرَتْ عَيْنِـيْ عِظَامِيْ

فـي دَهَـالِـيْزِ عُـيُوْنِـكْ

أَبْصَرَتْ قَـلْبِيْ وِسَادًا،

وشُمُوْسَ الصَّحْوِ نَوْمَا!

**

رِحْلَـةٌ، مَا مِثْـلُهَا، انْهـَا

رَتْ بِهَا أَعْصَى حُصُوْنِكْ

بَعْدَمَا شَابَـتْ بِـرَاحِ الرُّ

وْحِ والإِبــداعِ هَـيْـمـا

مِنْ... إِلَى أَيْـنَ تَطِـيْرِيْـ

ــنَ مَعَ الدُّنْـيَا بِكَـوْنِكْ؟

حَيْثُ لَا شَمْسَ ولَا نَجْـ

ـمَ بِوَجْـهِ الشَّـرْقِ أَوْمَا!

**

آهِ، قُوْلِـيْ: أَيْـنَ لِيْ في الـ

ـقَحْطِ بِاسْتِمْطَارِ غَيْنِكْ؟

كَيْفَ تَـرْجُوْ فـي مَرَايَـا

نَـاهِـدِ الـمَـوْمَاةِ غَـيْـمَا؟

المُحِـيْطُ الشَّامِـخُ الوَقَّـ

ـادُ قَـدْ أَوْدَى بِـنُـوْنِـكْ

أَغْـرَقَ الـبَحَّـارَ في الـلَّا

مَـاءَ أَعْـوَامًـا وعَـوْمَـا!

**

إِنَّ مِـيْرَاثَ السَّـوَافِـيْ،

لَا الشَّوَافِـيْ، في جَبِيْـنِكْ

وأَنـَا حَــظِّـيْ مَـوَارِيْـــ

ـثُ ابْنِ عُـرْقُوْبٍ بِتَـيْـمَا

تَـتَـوَارَيْــنَ عَـنِ الأَنـْــ

ـظَـارِ، في أَفْـلَاكِ لِـيْـنِكْ

في غِـيـَـابٍ كَحُـضُـوْرٍ

وحُضُـوْرٍ حَـاكَ ضَيْـمَا!

**

مَنْ تُنَاجِـيْ، يَا فُؤَادِيْ؟

فَانْجُ مِنْ فَارِيْ وَتِيْنِكْ!

لَمْ يَعُدْ مَنْ قُمْتَ تَدْعُـوْ

هُمْ بِأَرْضِ العُرْبِ قَوْمَا

يَعْـصِفُ النِّسْيَـانُ بِالنَّـا

سِ، فَـتَـنْسَاكَ لِـحَيْـنِكْ

إِنَّـمَا تَـذْكُــرُكَ الأَسْـــ

ـوَاقُ مَا سَامَـتْكَ سَوْمَا

**

لَا تَقُوْلِـيْ لِـيْ: «مَسَاءَ الـ

ـخَيْرِ!»؛ لَا خَـيْرَ بِدُوْنِكْ

بَلْ «صَبَاحَ الطَّـيْـرِ» حَامـَتْ

في سَـمَاءِ الشِّـعْـرِ حَـوْمَا!

***

شِعر: أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

عبد الامير العباديامرأةٌ في اقصى الجهاتِ

قالوا جُرِحَ قلبها

استوطنتْ ادغالَ الدنيا

تبحثُ عن ضماداتٍ لِقلبها

قلتُ اني انهيتُ إعدادَ حقيبةِ اسفاري

حملتُ شرايين قلبي كي اقطبَ جراحاتها

 

امرأةٌ تهزُ مهدَ الالهةِ

تداوي ساعاتِ السحرِ

أنى لكِ تلكَ الشموعُ

اخبرتني ثمةَ عيونٍ لا تعرفُ الحسدَ

ايقضتْ صحوي ارجوحةُ مصيرٍ

عفيفةٌ من احببتها

فتحتُ لها اسرارَ صمتي

انتصبتُ الهاً نذرتُ له العمرَ قرباناً

 

تسألني النساءُ عن اصولِ العشقِ

أتهافتُ ابحثُ عن فكِ طوقِ عذاباتي

اقولُ لعلني اخطأتُ يا امرأة

يأتي الصدى اقتربَ

السماءُ تحتضنُ من عشقتْ

تعلقها كوكبٌ سماويٌ يا رجلُ

 

يا أمراه لقد تعاقدتُ مع الالهةِ

اشتري لكِ جبلاً ومنصةَ شعرٍ

القي في حضرةِ الكهنةِ

قصيدةً، قلتُ دونوها

بأحبارِ اوردتي 'انثروها

مع كلِ الصباحاتِ الفيروزيةِ

 

الان خذي ما تبقى

من شذراتِ نزفي 'قولي ما تشائين

قررتُ ان تكون جذوراً

لعمري الذي افنى جذوره

تبركاً باغصانِ حبكِ

 

أنا وانتِ اي حرفٍ يجمعنا

احرفُ الحبِ ما خُلقتْ الا لاجلكِ

كي تكوني مليكةً لحبٍ انتِ تاجه المؤبدِ

 

من الحماقةِ ان لا تعشقي

لا مدوناتٍ ترصعُ سحرَ غورنا

انتِ المخطوطةُ الازليةُ

وانتِ النقوشُ والازاميلُ

وقلبي اللوحُ الذي ينتظرُ لبَ ريشتكِ

لنكتبَ قصةَ حضاراتِ هذا الوله الخالدِ

 

يا خاتمتي المؤبدةِ

لقد مخرتِ كل عبابِ البحورِ

أنا يا سيدتي مولوي في النسكِ

ادعو لاكونَ آخرَ المتصوفةِ

وأشعاري حتفٌ يسوقني قنديلاً

يضيئُ لشهداءِ الحبِ

***

عبد الامير العبادي

 

ناجي ظاهرجمع صخر العدوان في اسمه ما بين اسمين، يكمل احدهما الآخر ويعزّزه ايضًا، وكنا نرى فيه اسمًا على مسمى، فقد قسا علينا، نحن ابناء حارته، واحدًا تلو الآخر، ولم يوفر أيًا منا ليوم كريهة وسداد ثأر. كأنما هو يقتصُ منا.. وينزل فينا عقابًا كان يفترض ان ينزله بقتلة والده قبل ولادته بأشهر، الامر الذي دفع احد ساخرينا إلى القول: " مقدرش على الجمل دق بالبُردعة". أما أنا فقد راقبته منذ بداياته أيام أراد أن يكون شاعرًا مفلّقًا، وأصدر مجموعة من الشعر دلّت على موهبة متدفقة، وعلى قدرة معجزة في الاغتراف من بحر الشعر، وليس النحت من صخره، وقد كنت معجبًا به آنذاك.. كل الاعجاب، فرُحتُ اكيلُ له المديحَ على الطالع والنازل، ما حبّب الكثيرين من أبناء حارتنا به ودفعهم لأن يخطبوا ودّه.. وحتى حينما وقع الحادث الاكبر في حياته، ذلك الحادث الذي بقي متحفظًا عليه.. كما يتحفّظ الموجوع على دُمّله، بقيت واقفًا معه.. وإلى جانبه، أما عندما انقلب من العدوان الركيّض، إلى عدوان الاعتداء، فقد كان لا بد لي من توجيه السؤال الخالد إليه: لماذا؟، فبرر عدوانيته المستجدة.. بقوله إنها كانت ملجأه الوحيد للمضي في رحلة الحياة الصعبة، وإنه إنما أراد بها أن يُعلّم الحياة درسًا لا تنساه، مضيفًا ان الحياة هي الناس، الاخصام والاحباب أيضًا.

بعد ذلك الحادث الذي تكتم عليه صخر حتى أيامه الاخيرة في الحياة، لم يعد هو.. هو وإن كنا بقينا نحن، أنا على الاقل، أنا.. أنا، وكان سبب بقائي على ما أنا عليه، هو إيماني المطلق به وبرسالته الشاعرية، غير أن ما حصل فيما  بعد، هو أن طرقنا اختلفت وتصالبت مع بعضها بعضًا، وقد جاءت النتيجة على النحو التالي، هو ترك عبادة ربة الشعر هاجرًا إياها إلى ربة المال، وأنا بقيت على حبي للربّة الاولى، الامر الذي دفعه لأن يُعيد.. وأن يكرر وصفي بـ الابله. وقد تقبلت وصفه ذاك، لمحبة تأصلت في نفسي تجاه ابطالنا المُهجّرين أولًا وتجاه ابنائهم الميامين.. وهو منهم ثانيًا.

للحقيقة أقول إن صخرًا كان عنيدًا وطموحًا أيضًا، في كل ما يقوم به ويمارسه من أفعال، وهو لم يكن يؤمن كثيرًا بالأقوال، وكان يراها بضاعة الخائبين، أمثالي، لذا عندما انتقل من عبادة الشعر إلى عبادة المال، كان دائم السعي والتنقيب عن المصادر المترخنة الغنية بالأموال، فتنقّل من عمل إلى آخر.. ومن منصب حسّاس.. دسم إلى آخر، وكان أن توصل في فترات حياته الأخيرة، بحنكته وتخطيطه المحكم، لتولي ادارة مؤسسة ثقافية ذات قيمة وشيمة، وذلك بعد حكاية تروى، فقد تم تعيينه خلال، وبعد ندوة أقامتها تلك المؤسسة وحضرها مستخدموها جميعهم تقريبًا، ومما نُمّي إلي أقول: إنه ما أن انتهى رئيس المؤسسة من طرح وجهة نظره القائلة بأن على الجميع أن ينصاعوا لأوامره، إذا ما أرادوا وضعًا أفضل لهم وللمؤسسة، موضّحًا أن السفينة إنما تُقاد بهمّة ربانٍ واحد فقط، وأن الطبخة إذا ما كثُر طباخوها شاطت، حتى انطلقت تذمرات مستخدمي المؤسسة الرافضة لمنطق، لا يرى أي منطق سوى منطقه الخاص سليمًا، ويبدو أن صخرًا رآها فرصة سانحة، فراح يكيل المديح للرئيس.. ولما فاض به لسانه من حكم تشبه الدرر، بل إنه تمادى في موقفه ذاك، فراح ينتقد المنتقدين داعمًا رأيه بأهمية نقد النقد.. منطق صخر ذاك أعجب رئيس المؤسسة، فما كان منه إلا أن أشار إليه بهزة من رأسه، طالبًا إليه أن يتبعه بعد انفضاض الاجتماع إلى غرفته في أعماق المؤسسة.

بسرعة التوافق بين الطيور المتجانسة، تمّ الاتفاق على أن يتولّى صخر، ابتداء من اللحظة، بل من الآن، منصب مدير المؤسسة، فالثقافة تحتاج إلى مَن يصونها ويرعاها، وليس إلى مَن يُميّعها.. كما اتفق الاثنان، الرئيس وصخر. في اليوم ذاته تولّى صخر منصبه، حمل حقيبته الديبلومات، وتوقّف في أعلى مرتفع في المؤسسة مُراقبًا كل ما يحدث فيها، وكان أن أجرى لقاءات تعارف أولية بينه وبين موظفيه، بهدف اعطاء كل ذي حق حقه وتوكيل الانسان المناسب بالمهمة المناسبة.

أجرى المقابلات مع موظفيه واحدًا تلو الآخر، وعندما توقف قبالته الموظف الثالث، ادرك انه عثر على بغيته، فطلب منه أن يقترب منه وهمس في أذنه قائلًا له إنه وقع الاختيار عليه ليكون الساعد الأيمن له في مراقبة ما يدور في المؤسسة، من أجل نجاعة أكثر في أدائها. انتهى الاجتماع بين المدير الجديد وبين مستخدميه الجُدد في المؤسسة، ليتفرق كل عائدًا إلى مكتبه وعمله.

في اليوم التالي، وهذا ما عرفته من ذاك الموظف "العَين" ذاته، بعد حكاية سأؤجل سردها قليلًا، جاءه هذا الموظف بخبر مفاده أن هناك تذمرًا جديًا بين الموظفين بسبب تجاوز رئيسهم لهم وجلبَ شخصٍ من خارج المؤسسة ليكون مديرًا عليهم، وأشار إلى موظف مشاكس عُرف بالرفض وعدم القبول للكثير من الاوامر. هزّ صخر رأسه علامة على أن حَبَّ الموظف المقصود وصل لحظة الطحن، فوضعه تحت المجهر طوال أربع وعشرين ساعة ليدعوه فيما بعد، انت قمت بالكثير من التقصيرات في عملك خلال الاشهر الماضية، لذا فإنني أسلمك كتاب الفصل. بإمكانك التوجه إلى محاسب المؤسسة لتقاضي أجرتك واتعابك مع حبّة مسك. وعبثًا حاول الموظف استعطافه، متوسلًا إليه بأنه أب لخمسة اطفال ويحتاجون للكثير من أجل إعالته لهم، فقد اصم اذنيه، فما كان من هذا الموظف إلا أن توجّه إلى رئيس المؤسسة طالبًا منه إعادة النظر في فصله المباغت من العمل، وقد عرفت مما نمي إلي، أن الرئيس فتح ملف الفصل عن العمل، ليتأكد من أنه عثر على المدير المناسب، وليواصل رفضه لإعادة النظر المطلوبة في فصله عن عمله. وعندما دخل صخر غرفة رئيس المؤسسة.. وقع ما كان يتوقعه، لقد قررنا رفع درجتك، لتكون مساعدًا اوليًا لي. لكن كيف سنملأ الفراغ الذي خلفه ذاك الموظف الكبير؟ ابتسم صخر وهو يرسل نحو رئيسه ابتسامة ذات الف معنى ومعنى.. أترك هذا علي.. في اليوم التالي كان صخر قد ملأ الفراغ بأحد اتباعه الراضخين له.. على طول المدى.

وكان صخر كما قال لي جاسوسه ذاك الموظف، قد استبدل معظم موظفي المؤسسة، بأشخاص آخرين هو راضٍ عنهم. بعد هذا، كان عليه ان يُسدّد ضربته الأخيرة إلى ساعده الايمن، ذلك الموظف، ولم يكن صعبًا عليه أن يخيط له ملفًا، يمكن أن يدخله السجن، وليس الاقالة من عمله في المؤسسة وحسب، إلا أنه وُجه هذه المرة بقوة كبيرة، فما كان من هذا الموظف إلا أن فرط كيسه من أسفله إلى أعلاه، وهو ما أدى إلى موافقة رئيس المؤسسة الفصل.. شكليًا.. اولًا، ووضع مديرها، صخر العدوان ثانيًا، تحت المراقبة أربعًا وعشرين ساعة، مستعينًا بالموظف المفصول ذاته، وطالبًا منه أن يكون عونًا له في كشف عورات مدير المؤسسة. لم تمض سوى أيام حتى تبين أن صخر العدوان قد سيطر على المؤسسة الثقافية سيطرة شبه تامة، وعندما توقف رئيسها حائرًا ما بين الشك واليقين، قرّر أن يلعب لعبته الكبرى، .. في أن يمتحن قدرته وأن يكتشف العطل، فاستدعى صخرًا وسلّمه كتاب إقالته من عمله مديرًا لمؤسسته. تقبّل صخرٌ الامرَ ببرود أعصاب عُرف به، منذ ذلك الحادث الذي تكتم عليه حتى يومه الأخير في عالمنا، وما أن خرج من غرفة رئيسه، حتى عقد اجتماعًا لأصدقائه الموظفين، تباحث معهم في كيفية الرد على مديرهم، فاتفق هؤلاء على مقاطعة المدير، وعدم العودة إلى العمل إلا بعد إعادة صخر إلى عمله.

أوصل ذلك الموظف المفصول شكليًا، الانباء إلى رئيسه أولًا بأول، فما كان من الرئيس إلا أن ضرب ضربته القاصمة، وشبه الانتحارية لانقاد سفينة مؤسسته.. وافق على استقالة جميع موظفي مؤسسته غير آسف على أيٍ منهم، وكان آخر من أقالهم ذلك الموظف الجاسوس الملازم للجميع. الامر الذي دفعه لطلب اللقاء بي، على اعتبار انني من اصدقاء صخر العدوان.. وسرد تفاصيل ما جرى له في أيامه الاخيرة. وها انذا اروي لكم ما رواه لي، دون زيادة او نقصان، أما صخر العدوان فقد عاد إلى بيته.. وقد اعتمت الدنيا في عينيه.. واستسلم لنوم عميق... عميق..

 

قصة: ناجي ظاهر

 

 

سوف عبيدفي عامه الخمسين

لجلوسه على العرش

اِنتصب أنو شروان في صدر الإيوان

بين يديه الأمراء والوزراء والأعيان

والجواري والغلمان

*

ظلّ أنو شروان صامتا

لم ينبس ببنت شفة

ولا حتّى اِبن لسان

أطرق زمنا

وجم الحاضرون في أماكنهم

لا أحد يجرؤ على الكلام

طال إطراق أنو شروان

فجأة هزّ رأسه كسرى أنو شروان

وقال ـ أتدرون ما ألذّ شيء

في الدنيا؟

لا أحد عزم أمره أجاب

*

حينذاك قال كسرى أنو شروان

ـ أخذت من الدنيا كلّ شيء

شربت حلو الشّراب

أكلت شهيّ الطعام

لبست فاخر الثياب

أنا الذي سلطانه من هنا

إلى أقاصي البلدان

ونلتُ من كلّ حسن وجمالْ

فلم أجدْ في الدّنيا

ألذَّ

من مُحادثة الرّجالْ !

***

سُوف عبيد

 

عبد اللطيف الصافيلأجلكِ يَا حَبِيبتي

سأجْعلُ منْ رذاذِ الغيْمِ

زاداً للقُلوبِ البائِسةِ

وأَرْوي عطَشَها بدَمِ الرِّيحِ

سأُربِّي الحلْمَ الذِّي يطْفُو فوقَ ملْحِ عَيْنيكِ

أبثُّهُ قواعِدَ العشْقِ الأربَعونَ

وآياتٍ بيِّناتٍ منَ الجُنونِ

سأكرِّسُ كلَّ حَواسي لِرَائحةِ المَطرِ

أجْعلُ منْ ثغْركِ العَذْب

معْزوفةً متْرعةً بالجَمالِ

تداعبُ أوْتارَ قَلبي

سأَهْدِمُ كُلَّ معَابِدِ الْحُبِّ الْقَدِيمةِ

أهْزِمُ الْحَنِينَ الَّذي يُسَيِّجُ رُوحِي

وأمْضِي مِثْل ضوْءِ البرُوقِ

أفضُّ بَكارةَ اللَّيلِ

فترقصُ النُّجومُ بينَ تلالِ نهْديكِ

تُضيءُ وُشُومَ الْفرحِ

البَادِيةَ عَلى جَسَدِكِ الْمُرْتجِفِ

مثلُ بُرْكانٍ

حِينئذٍ

سَيكونُ بوُسْعي يا حَبيبتي

أنْ  أحتضِنَ صوْتَ النُّبوءاتِ

المشْتعلِ في دمكِ

وأنْ أهزَّ عُروشَ خيْلكِ المُسرَّجةِ

خلفَ أبوابِ الصَّمتِ

وأصْرُخَ في العالَمِين

مِلءَ أَشْواقِي

من فَوْقِ الْمآذِنِ

بيْنَ شُقُوقِ الْماءِ الْمُتَوهِّجِ فِي صَلَوَاتِي

فِي سرِّي و عَلانِيَّتي

وعَلَى مَائدة إحْتِضارِي

أحِبُّكِ.

***

عبد اللطيف الصافي/المغرب

 

محسن عبد المعطيقِصَّةُ الْغَزَالِ فِي ضَوْءِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفْ

يَا رَوْعَةَ الْغَزَالِ!!!=فِي قِمَّةِ الْجَمَالِ

رَشَاقَةٌ وَخِفَّةٌ=يَا مَضْــــرِبَ الأَمْثَالِ

إِشْرَاقَةٌ وَسُرْعَةٌ=تَعِيشُ فِـــي خَيَالِي

عِنْدَ الشُّرُوقَ – إِخْوَتِي=يَا فَرْحَــةَ الْأَطْفَالِ!

وَالْمِسْكُ – يَا أَحِـبَّتِي-=بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ

                      ***

عُرْبٌ كِـــــــرَامٌ لَقَّبُوا=الشَّمْسَ بِالْغَزَالةْ

فِي وَقْتِ إِشْرَاقٍ لَهَا=بِفَضْلِ ذِي الْجَلاَلَةْ

                      ***

لَحْمُ الْغَزَالِ طَيِّـبُ=وَالْمِسْـكُ مِنْـهُ أَطْيَبُ

كَمَا أَبَانَ سَــيِّـدِي=خَيْرُ الْأَنَامِ الْمُهْــتَدِي

فَطَيَّبَتْهُ عَائِشَةْ=قَبْلَ الطَّـــــوَافِ الْأَمْجَدِ

فِي يَوْمِ نَحْـرٍ خَالِدٍ=لَدَى الزَّمَانِ الْأَبْعَدِ

               ***

اَلْمُسْلِمُونَ فِي الطَّوَافْ=كَأَنَّهُـــــــــمْ غِزْلاَنْ

فَحِينَمَا جَــــاءَ الرَّسُولْ=اَلْمُصْطَفَى الْإِنْسَانْ

وَقَصْدُهُ أُمُّ الْقُرَى=فِي الْعُمْرَةِ الْمُقَدَّرَةْ

وَمَعَــــهُ أَصْحَابُهُ=كَعُصْبَةٍ مُسْتَبْشِرَةْ

مِنْ بَعْدِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةْ=بِسَنَةٍ يَا صَحْبِيَهْ

يَأْمُرُهُمْ بِالْهَرْوَلَةْ=رَسُولُنَا مَـــــــا أَنْبَلَهْ!

فَالْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْ=رٌ وَالْجُمُوعُ مُكَبِّرَةْ

وَالْمُشْرِكُونَ أَبْصَرُو=هُـــــمْ قُوَّةً مُعَبِّرَةْ

عِنْدَ الطَّوَافِ الْهَرْوَلَةْ=وَالْمَشْيُ بِالرُّكْـنِ الْيَمَانِي

فَشَبَّهُوهُمْ عِـــــنْدَ ذَا=كَ الْحَالِ بِالْغِــــــــــزْلاَنِ

                 ***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

 

فرات المحسنفي الجنوب البعيد، في قرية نائية. هناك حيث يغور الجوع والمرض بعيدا في تلك الشعاب والسواقي وبيوت الطين، ليصطاد ويغل حقده في صدور البشر دون رقيب وحسيب. كان جبار مطشر مهودر، بعامه الذي لم يدون في تأريخ محدد، يشذب سعفاته، استحضارا لطلب جديد. فقد أمتهن منذ طفولته صناعة المقاعد والمناضد من سعف النخيل.  

 يروي جبار مطشر مهودر بفيض من كلمات، إن عمره من عمر ملك العراق فيصل الثاني، الذي قتلته اليد الظالمة في اليوم الأول من جمهورية عبد الكريم وعبد السلام. هذا ما يؤكده جبار مطشر  بتلذذ يخالطه شيء من الحزن، حين يُسأل عن عمره. يدون في ذاكرته هذا التأريخ مع تفاصيل أخرى، يلذ له الحديث حولها، ويردف ذلك بالقول تأكيدا لما يرويه، بأنه سمع ذلك وغيره، من عمته لطيفة، التي ماتت بالتدرن بعد وفاة أمه بعشرة أعوام، لذا أحتاج لمعرفة يوم مولده مدة ليست بالقصيرة، ودائما ما يقول بأنه ما عاد يأسف لضياع أيامه، ولا حتى سنوات طويلة قضاها هاربا من الخدمة العسكرية، يجوب الهور، يعبر الحدود نحو إيران هربا من رجال الأمن العراقيين، ومن ثم يعود هاربا حين يطارد من الشرطة الإيرانية.

 كان يمط شفتيه ويشعر بالنشوة وهو يتحدث عن عمره، الذي يقرنه بولادة ملك العراق، بالرغم من أنه لا يعرف بالضبط في أي عام أو يوم ولد ذاك الملك. ولكن جبار مطشر مهودر يقول إن عمته لطيفة كانت ذكية نبهة وتؤرخ للقرية حوادثها وأبناءها، لذا لا يمكن الشك فيما تقوله أو تعلن عنه.

 دائما ما يبدو جبار مطشر في حديثه عن عمره، وكأن له علاقة قربى بذاك الشاب الجميل الطلة الأنيق الذي اغتالته رصاصات رعناء، لم تأخذ بالاعتبار حتى صلة الرحم التي تربطه بآل بيت النبوة، هكذا يصف جبار الملك فيصل الثاني والواقعة التي أسست للجمهورية الأولى في العراق.

 يسرح في البعيد، ومع دقات فأسه فوق اللوح الخشبي وهي تشذب السعف وتنضده، يتذكر سنوات عمره التي سارت بعجالة، دون أن يتغير حاله كما حال قريته المنسية الراقدة بين الماء والسماء.

فوق حصير جوار باب كوخه الطيني، جلس جبار مطشر مهودر يبسط يده ويرفعها في عمل دؤوب مثابر،تحيطه كومة سعف نخيل، وجواره جلس حفيده ذو التسعة سنين، ينظر لكف جده وهي تعمل بترو ودقة، فيشعر بذات الزهو الذي يعتمر قلب جده.

ـ جدي ، مَن هو بوش؟!

قال الحفيد وهو يتطلع لفأس جده وهي تنقر برتابة غصن السعفة لتشذبه. 

بوجه باش وابتسامة عريضة أجابه الجد

ـ بوش هو رئيس أمريكا.

ـ أهو من عشيرتنا؟!

ـ كلا يا ولدي فهو رئيس أمريكا.

ـ وأين تسكن عشيرة أمريكا؟

ـ أمريكا ليست عشيرة، أمريكا دولة يا ابني.

ـ وأين تقع دولة أمريكا؟

ـ إنها بعيدة جدا عنا.

ـ أبعد من سوق الشيوخ؟

ضحك الجد بصوت مكتوم قبل أن يرد، وراح يمسد شعر حفيده :

ـ أبعد وأبعد.

ـ أبعد من الناصرية ؟.

ـ أبعد وأبعد يا ولدي. قالها وتغضن جلد خديه، حين انفرج فمه عن ابتسامة برزت معها عظام وجهه المكدود الهرم، وبقايا أسنان نخرها دخان التبغ.

ـ أبعد من بغداد؟ 

ـ إنها بعيدة عنا جدا، بعد السماء عن الأرض.

ـ ولكن لماذا تأتي وتضربنا بالقنابل مثلما يقول أبي.

ـ إنها تريد أن تأخذ نفطنا.

ـ ولكن جارنا أبو أرحيم جاء وأخذ منا صفيحة نفط ، برضانا دون أن يؤذينا.

ــ إنه قدر فرض علينا يا ولدي.

***

فرات المحسن 

 

 

 

 

في نصوص اليوم