عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

ليس من المعتاد أن يجتمع محمد مهدي الجواهري وإرنست همنغواي في نص واحد. لكن البحر، والمنافي، والمقاهي، والنساء، قادرة على نسج حوار يتجاوز اللغة والجغرافيا. من هذا التقاطع، تنطلق هذه الرحلة بين شاعرٍ عراقي وروائي أميركي، جمعتهما شغفات الحياة أكثر مما فرّقت بينهما المسافات.

الجواهري وفيلّا «لافيهيا»

كنت وأنا أتجوّل في فيلّا همنغواي «لافيهيا»، التي تبعد نحو 20 كيلومتراً عن هافانا، أستعيد مع نفسي قصيدة الجواهري «ذكريات من أثينا.. سجا البحر» التي كتبها في العام 1977، والتي تتألف من 68 بيتًا من البحر الطويل، ويقول في مطلعها:

سَجا البحرُ وانداحَتْ ضِفافٌ نَدِيّةٌ

 ولوّحَ رَضراضُ الحَصى والجَنادلِ

*

وفُكَّتْ عُرًى مِن موجةٍ لِصقِ مَوجةٍ

 تَماسَكُ فيما بينَها كالسَّلاسِلِ

إلى أن وصلت إلى البيتين الآتيين:

وما حَملَ "الإصباحُ" شوقًا إلى الضُّحى

  مِن الوَرَقِ النَّديانِ أشْهى الرَّسائلِ

*

وخَيّمَ صَمتٌ فاستكنَّتْ حَمائمٌ

 وقَرَّ على الأغْصانِ شَدْوُ البلابلِ

ولفت انتباهي أن مرافقي كان يراقبني وأنا أدندن بعبارة «شدوَ البلابل»، ونحن في حديقة الفيلا الغنية بأنواع الطيور والبلابل والحيوانات الأليفة، وتساءلت مع نفسي ماذا لو كان الجواهري هنا مكان همنغواي؟ وهو سؤال أجبت عليه مع نفسي أيضًا، لأنني أعرف كم أن الجواهري مأسور بالبحر والنهر، وخلدهما بقصائد رائعة مثل «يا دجلة الخير..» و«سجا البحر»، الأولى كتبها في براغ وهو بعيد عن بغداد، حين اضطرّ إلى مغادرتها بعد خلاف مع الزعيم عبد الكريم قاسم في العام 1961، وكان يومها رئيسًا لاتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين ونقيبًا للصحفيين، وبقي فيها سبع سنوات عجاف على حدّ تعبيره.

 وفي حواراتي معه في أوائل الثمانينيات، وبعضها جئت عليه ودوّنته في كتاب «الجواهري- جدل الشعر والحياة» (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997. دار الآداب، ط2، بيروت، 2009. ط/3، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2010)، سألته وماذا كان هناك في المنفى يا أبا فرات، زمهرير الغربة أم فردوس الحريّة؟ أجابني بعد أن أخذ نفسًا عميقًا من سيكارته وتأمّل طويلًا: "الإثنان معًا... إي والله الإثنان معًا". أما قصيدته الثانية فنظمها في أثينا، كما أشرت، في فترة وجوم اتّسمت بها الحياة السياسية في العراق. وكانت إحدى أمنيات الجواهري أن تكون له شقة على البحر، وهو ما يستعيده من ذكرياته في أيامه الخوالي، عندما كان بيته على نهر دجلة، ويتذكّر شط الفرات في الكوفة.

مشتركات ومختلفات

ظلّت مفارقة همنغواي تشغل الجواهري طيلة حياته، فهو لا يريد أن يصدق أن همنغواي مات منتحرًا، فكيف لشخص يعيش بكل هذه الأُبهة والأريحية والرخاء أن يفارق الحياة منتحراً، ( تموز/ يوليو1961)، ومن المفارقات أيضًا أن همنغواي غادر الحياة في نفس الشهر الذي ولد فيه، حيث ولد في مدينة أوك بارك (إلينوي) في الولايات المتحدة في تموز / يوليو 1899، ولعلّ تلك مفارقة أخرى ما بين الجواهري وهمنغواي، فقد ولد الجواهري في النجف الأشرف في 27 تموز (يوليو) عام 1900 حسب أكثر التقديرات رجاحة بشأن ولادته، وتوفي في دمشق في اليوم نفسه من العام 1997، أي أن كليهما ولد وتوفي في نفس الشهر.

وإذا كان ثمة ما يجمع بين الجواهري وهمنغواي، فثمة ما يفرّق بينهما، وإذا كان كلاهما يعشق النساء، إلاّ أن همنغواي كان ما أن يتعرّف على امرأة حتى يسارع بطلب الزواج منها. يقول هو عن نفسه: «تلك هي طبيعتي مع النساء، لا أعرف من أين جاءت إليّ...؟ عندما أحبُّ، أحب أن أتزوّج فوراً، فلا مكان لأوقات الغزل وساعات الانتظار»، ومع أن الجواهري تزوّج مرتين، فبعد وفاة أم فرات في العام 1938، تزوج شقيقتها أم نجاح «أمّونة»، التي رافقته حتى العام 1992، حيث توفيت في لندن، إلاّ أنه يقول عن نفسه إنه لم يعرف طعم الحب، أو يتذوق طعم المرأة الحقيقي إلاّ وهو على مشارف الخمسين، وذلك يوم أحب أنيتا الكورسيكية من بنات السين في باريس العام 1949، ونظم فيها خمس قصائد، كما يقول في حواراته المنشورة في كتابي المشار إليه «الجواهري- جدل الشعر والحياة»، وفيما بعد علاقته مع بارنيا وماريا التشيكية، التي كان يحب أن يسمّيها «ماروشكا»، وكنت قد تعرّفت عليها في براغ في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، وهي من مدينة بلزن.

كان همنغواي يصطاد السمك ولكنه يحبُّ تناوله في مطعم لا تراسا الشهير، حيث تنـزل شرفته إلى البحر مباشرة في خليج صغير، في ضاحية على مشارف هافانا حيث الموقع الاستراتيجي، وبالقرب من المطعم اليوم ينتصب تمثاله على الساحل، بمحاذاة البحر أيضًا، ومثلما في حانته الشهيرة وفي مزرعته، كان همنغواي يطبع المكان بطابعه، حيث اتّسمت حانة بودغيتا دل ميديو بالبساطة والشعبية، وبالرغم من ذلك فقد أصبحت محجّاً يتسابق إلى زيارتها آلاف المشاهير ممن يزورون هافانا، حيث يبادر القائمون عليها بوضع صورهم وأسمائهم، على جدرانها المزدحمة بالأسماء والتواريخ لزيارات من كل أصقاع الدنيا، هكذا كان «الشقيّ» همنغواي يعشق النساء والخمور والملذّات بجميع أنواعها، ويستهويه السفر بلا حدود، وهناك يوزّع شيئاً من فوضاه الأثيرة، حيث يكون، وهو الأمر الذي كان ينظر إليه الجواهري بحيرة لا تخلو من إعجاب ودهشة.

وبالرغم من أنه عاش في الوقت الضائع كما يُقال، حيث كان قد أصيب ﺑ 237 جرحاً وأجريت له 12 عملية، ومكث في المستشفى في ميلانو نحو 6 أشهر، وقد حدث ذلك يوم كان في الجبهة الإيطالية عندما عمل مراسلاً حربياً في الحرب العالمية الأولى، فقد تشبث لاحقاً بالحياة على نحو شديد وخوّض في غمارها مواصلاً مغامراته التي بدأها منذ صباه، بكل ما في ذلك من حيوية وعنفوان، وهو ما ترك حيرةً واستفهاماً كبيرين حول موته.

لقد وصف همنغواي الموت الذي تعرّض له في الحرب العالمية الأولى عندما قال: «لقد متُّ في تلك اللحظة. أحسست روحي تخرج من جسدي. افهموا هذا الإحساس كما تريدون. شعرت بأن روحي تنسلّ من جسدي كما ينتزع منديل حريري من جيب سترة، لكن هذا الشعور تبدّد فجأة وعاد إليّ شيء أنعش جسدي من جديد، وعرفت أنني لم أمت». وقد استوحى همنغواي من هذه الحادثة فيما بعد قصته الشهيرة «وداعاً للسلاح»، وكان قد وصف الحرب باعتبارها أخطر قضية في حياة الإنسان وأصعب مشكلة للعقل البشري.. إنها الشيء الرهيب في حياة البشر، ولا نستطيع تناولها إلّا إذا قدّرنا خطورتها بصدق وحرارة.

كان أول ما نشره همنغواي، وهو ينتقل من الصحافة التي أحبّها لأنها تُعنى بالواقع إلى الرواية التي تُعنى بالمتخيّل، هي قصة «لا تزال الشمس تشرق » العام 1926، وهي تصوير حزين للحياة القلقة المتشردة، لاسيّما بعد الحرب العالمية الأولى، وبخاصة للأمريكيين في أوروبا، وبمجرد صدور الكتاب أصبح همنغواي مشهوراً، حيث هيمن على نفوس القرّاء، لاسيّما من الشباب، شعور بأن ثمة من يُحسن التعبير عن مشاعرهم. وبقدر ما كان الجواهري شاعرًا، بل حالة شعر حقيقية، كانت موهبته في الصحافة يُشهد له فيها أيضًا، فقد أصدر عدّة صحف منذ العام 1930، ولعلّ أبرزها وأكثرها حضورًا صحيفة الرأي العام، كما أن نثره امتاز بجمالية وسحر خاصّين، يكفي أن نقرأ مقدمات دواوينه «على قارعة الطريق»، التي صبّها في قالب حواري فلسفي برمزية عالية بينه وبين عابر سبيل، حيث يصف نفسه بالشريد والمغني لنور الشمس. 

التحق همنغواي بالجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، فترك كل شيء، وكان همّه الأساسي هو القضاء على الفاشية، وكما يقول، فإنه لم يكتفِ بالقتال، بل اشترى سيارة إسعاف وأهداها إلى الثوار. وكان حصيلة مغامرته الإسبانية قصة «موت بعد الظهر».

وقد التقى همنغواي في إسبانيا بالكاتب الفرنسي المعروف أندريه مالرو (André Malraux) وارتبط معه بصداقة مديدة، وقررّا الاشتراك في مشروع أدبـي هو الكتابة عن الثورة واقتسما المراحل، حيث ألف مارلو كتاب «الأمل» في العام 1938 في حين أصدر همنغواي روايته الشهيرة «لمن تقرع الأجراس» (Whom the bell tolls) عام 1940. وقد تحوّلت روايات وقصص همنغواي إلى أفلام مثيرة غزت الشاشة، وتركت انطباعات إيجابية على قدرته في تصوير حياة الحرب وتفاصيلها وآلامها. وهو ما قدّر لي أن أشاهده في أواخر الخمسينيات وبدايات الستينيات.

في عام 1946 تزوّج للمرّة الثالثة وقررّ الرحيل إلى كوبا للعيش فيها نهائياً، ونشر في العام 1950 روايته «عبر النهر وتحت الشجر» (Across the river and under the trees)، ثم روايته الرائعة «الشيخ والبحر» العام 1952 التي نال على إثرها جائزة نوبل العام 1954، وقد اعتبر الناقد روجيه غرونر (Roger Gruner) أن همنغواي كتب تلك الرواية «الشيخ والبحر» (The old man and the sea) متأثراً بالكاتب ملفيل وروايته «موبـي ديك» (Moby Dick)، وذلك كما ورد في كتاب لصدقي إسماعيل بعنوان «نبلاء الإنسانية» الصادر عن دار رياض نجيب الريس، بيروت، 2008.

وإذا كانت حياة همنغواي عرفت كل هذه المنعرجات والمغامرات والتحديات، فإن عزاءه كان في التأمل والعزلة والتفكير، وهو يتقدّم في مرحلة الكهولة، إلى أن أنهى حياته بضربة واحدة من قدر غامض، لعلّه كان مثل غموض بعض شخصياته، التي عبّرت شخصيته الغامضة أيضاً.

مقاه وحانات

لا شكّ أن الحانات والمقاهي التي كان يرتادها همنغواي هي غيرها التي كان يرتادها الجواهري في بغداد، فالمقاهي ذكوريّة، وكان يجتمع في بعضها عليّة القوم والأدباء والشعراء، مثل مقاهي البرلمان وحسن عجمي والبلدية والشابندر وغيرها، وقد تمّت الإشارة إليها في الحلقات السابقة، ولكن الجواهري حاول تعويض ذلك خلال غربته في براغ، حيث ظلّ لسنوات يرتاد مقهى سلوفانسكي دوم، التي كتب فيها قصيدة أهداها إلى وزير الدفاع صالح مهدي عمّاش، وعُرفت بقصيدة «الميني جوب» أو «رسالة مملّحة»، وتتألف من مئة بيت من البحر المجزوء الكامل:

نبئت أنّك توسع الـ...أزياء عتّا، واعتسافا

تَقفو خُطى المُتأنِّقا...تِ كسالِكِ الأثَرِ اقتِيافا

وتَقيسُ بالأفتارِ أرْ...دِيَةً بحُجّةِ أنْ تَنافى

ماذا تُنافي؟ بلْ وما...ذا ثمَّ مِن خُلُقٍ يُنافى؟

أتَرى العفافَ مَقاسَ أقْـ ...مِشَةٍ؟ ظَلمتَ إذنْ عَفافا

هُوَ في الضَّمائرِ لا تُخا...طُ ولا تُقَصُّ ولا تُكافى

منْ لمْ يَخَفْ عُقبى الضَّميـ ...رِ فمِنْ سِواه لنْ يَخافا

إلى أن يقول:

أ"أبا هُدى" إنْ كنتَ مُتَّـ ... ـهِمًا، فخُذْ منِّي اعتِرافا

إنِّي وربٍّ صاغهُنَّ ... كما اشْتَهى، هِيفًا لِطافا

وأدَقَّهُنَّ وما وَنى... وأجلَّهُنَّ، وما أَحافا

لأرى الجِنانَ إذا خَلَتْ... مِنهُنَّ أولى أنْ تُعافا

لو قيلِ ما سِفْرُ الحيا...ةِ؟ لقلت: ما كُنَّ الغِلافا

أو قيلَ: كيفَ الحُبُّ قلْـ ...تُ بِأنْ تُداءَ فما تَشافى

ومن المقاهي الأخرى التي كان يتردّد عليها الجواهري مقهى أوبيتسني دوم، وفي الثمانينيات انتقل إلى مقهى سلافيا على نهر الفلتافا مقابل المسرح الوطني، وتوضع اليوم صورة له على إحدى جدرانها، ولهذه المقاهي تاريخ عريق جئت عليه في هذه السردية (الحلقة الأولى – المقاهي وذاكرة المدن).

لقد توزّعت تماثيل الجواهري على العديد من المواقع والمدن العراقية، حيث ينتصب تمثاله أمام مبنى اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين في بغداد، وله تمثال شمعي في منزله في حي القادسية في بغداد، وآخر في مسقط رأسه في النجف، إضافة إلى تمثاله في منتزه سامي عبد الرحمن في أربيل ومنتزه هواري شار في السليمانية وكلية ابن رشد جامعة بغداد وكلية القادسية.

الشيخان همنغواي والجواهري، استلهما من البحر الشيء الكثير، ففيه عالم الأسرار والغموض واللانهايات والمتعة في الاكتشاف الأبدي.

***

د. عبد الحسين  شعبان

 

في تموز عام 1849 اضطر كارل ماركس إلى مغادرة باريس بناءً على أمر من الحكومة الفرنسية، نصحه بعض الأصدقاء بالسفر إلى لندن التي وصلها في التاسع من آب عام 1849، انضمت إليه فيما بعد زوجته جيني وأبناؤهما، أقامت العائلة في البداية في فندق بالقرب من ميدان ليستر، لكن سرعان ما غادروه لعدم قدرتهم على دفع الإيجار. وبناءً على اقتراح لاجئ ألماني، انتقلوا إلى منطقة سوهو، في شقة متواضعة من غرفتين، كانت سوهو منطقة رخيصة وملتقى للمنفيين.

في لندن، يقرر التفرغ للقراءة، يحصل عام 1850 على هوية مستخدم لقاعة القراءة في المتحف البريطاني – الأمر لم يكن سهلاً آنذاك -، في ذلك الحين كانت مكتبة المتحف البريطاني تحوي أربعمئة ألف كتاب، بعد عشرين عاماً عندما نشر الجزء الأول من "رأس المال" بلغ عدد كتب المكتبة مليون عنوان. في قاعة القراءة جلس ماركس من الساعة التاسعة صباحاً حتى السابعة مساءً، كان ينهض بين الحين والآخر، يتحرك، ويمد ساقيه، حيث كان يعاني من الروماتيزم، ومن آلام في الظهر، في قاعة القراءة كان يعيد قراءة صفحات من "فاوست" لغوته، وكذلك أعمال أرسطو. ولم يقرأ كتباً عن الفلسفة والاقتصاد فقط، بل أعمالاً أدبية لشكسبير، وميلتون، وديفو، وديكنز.

في قاعة القراءة انتهى ماركس من كتابة الجزء الأول من "رأس المال" الذي صدر عام 1867، وكذلك الكثير من الإضافات والمخطوطات، التي قام إنجلز فيما بعد بجمعها وترتيبها في الجزأين الثاني والثالث من الكتاب. إن القسم الأكبر من الثلاث والثلاثين سنة التي أمضاها في هذه القاعة لم تكن مكرسة للكتابة، وإنما للقراءة، وقد نتج عن جزء من القراءة الفعالة آلاف الصفحات ثبّت فيها ما كان يجده جديراً بالملاحظة أثناء القراءة" – توماس شتاينفلد "سيد الأشباح" ترجمة نبيل الحفار –. قرأ ماركس ما يقارب "1500" كتاب في مكتبة المتحف البريطاني من أجل كتاب "رأس المال".

قدّمت قاعة القراءة معلومات بالغة الأهمية لمقالاته التي كان ينشلرها في صحيفة ديلي تريبيون، ولأهم أعماله الفلسفية والاقتصادية.

خلال إقامته في سوهو، كان بإمكانه الوصول إلى قاعة القراءة سيراً على الأقدام، وكثيراً ما كانت ملاذاً له من ضغوطات حياته الشخصية واضطراباتها، أو مكاناً للقاء أصدقائه وزملائه. في سنواته الأخيرة، كان يصطحب بناته لمساعدته في أبحاثه. أصبحت إليانور التي حصلت على هوية مستخدم، من رواد قاعة القراءة، وهناك التقت بشريك حياتها إدوارد أفيلينغ، ويتفق معظم كتاب سيرة ماركس على أهمية قاعة القراءة في أبحاثه، حيث يصعب تخيّل تطوّر فكر ماركس أو أعماله من دون السنوات التي قضاها في قاعة مكتبة المتحف البريطاني.

في مقدمة الطبعة الأولى من "رأس المال" شرح كارل ماركس، أنه في هذا العمل قد اعتبر الشكل الاقتصادي للمجتمع كعملية في التاريخ الطبيعي قال: "إن الغاية النهائية من هذا العمل هي اقتفاء أثر القانون الطبيعي للحركة الاقتصادية لهذا المجتمع".

في بداياته كان كارل ماركس ينظر إلى نفسه على أنه أديب قبل أن يكون فيلسوفاً أو عالم اقتصاد، قال لصديقه إنجلز وهما يضعان مسودات كتابهما الشهير "البيان الشيوعي": "علينا أن نتطلع إلى الشعراء والروائيين أكثر مما نتطلع إلى الفلاسفة والمحللين الاقتصاديين، فمع الأدباء سنبصر جيداً دوافع الإنسان من أجل الحرية ومحاربته للظلم وسعيه إلى المساواة والعدالة".

في الجامعة وأثناء دراسته للقانون كتب مسرحية شعرية حاول أن يُقنع مجموعة من أصدقائه لتقديمها على مسرح الجامعة إلا أن المحاولة باءت بالفشل، بعدها تفرغ لكتابة رواية وضع لها عنوان "العقرب وفيليكس" متأثراً برواية لورانس ستيرن "تريسترام شاندي". غير أن كارل ماركس أقرّ في النهاية بالهزيمة: "فجأة، كما لو كان الأمر لمسة سحرية – كانت اللمسة في البداية بمثابة لطمة مدمرة – أدركت أن المسافة بعيدة بيني وبين مجال الرواية الحقيقي، مثلها مثل المسافة إلى قصر الجنيات، وأن كل إبداعاتي تحطمت إلى لا شيء… انسدل الستار وانهار قدس الأقداس الخاص بي، وكان يجب خلق آلهة جديدة". - المصائر التاريخية للواقعية، ترجمة محمد عيتاني -. لكن يبدو أن ماركس واصل طريقه في كتابة الشعر حيث صدرت له عام 1841 مجموعة شعرية بعنوان "أغانٍ وحشية" تتضمن قصائد كُتبت في مرحلة الشباب، وقد ترجم لنا الشاعر صلاح فائق عدداً من هذه القصائد نُشرت عام 1976 في مجلة المعرفة السورية.

يخبرنا فيلهلم ليبكنخت، والذي كان مقرباً من ماركس، أن صاحب "رأس المال" كان بمقدوره تلاوة قصائد كاملة من هوميروس، وكان يحفظ معظم مسرحيات شكسبير، بالإنكليزية والألمانية على السواء، وكان يحفظ عن ظهر قلب فولتير وروسو – "حكايات عن ماركس"، ترجمة كامل ناصر –. وفي موسوعته "ماركس وإنجلز" – ترجمة إلياس مرقص – يكتب أوغست كورنو: "لا شكَّ في أنَّ ماركس، الذي كان شديد الميل إلى الشعر ويحسّ بأنّه هو نفسه شاعر، كان يفضل دراسة الأدب على دراسة الحقوق. وهذا يفسر لماذا كان يتابع محاضراتٍ في الأدب وعلم الجمال إلى جانب محاضرات الحقوق". ، لكن ماركس يتوقف عن مغامراته الأدبية: "فجأةً... بضربةٍ ساحقة... تقوّضت إبداعاتي جميعاً وتلاشت... وكان لا بدّ من تنصيب آلهةٍ جديدة" – فرانسيس وين، "رأس المال لكارل ماركس.. سيرة"، ترجمة: ثائر ديب –.

وبحسب فرانز مهرينغ، فإن ماركس نفسه أصدر حكماً بالإدانة على أشعاره ورأى أن تلك القصائد: "تتكشف، بشكل عام، عن نَفَسٍ من الرومانسية التافهة، ونادراً ما يتخللها نَفَسٌ شعريٌّ حقيقي. وبالإضافة إلى ذلك فإنّها كانت من الناحية الفنّيّة خرقاء وبائسة" – فرانز مهرينغ، "كارل ماركس"، ترجمة خليل الهندي –.

في عام 1842 يكتب ماركس أولى مقالاته الفلسفية، والتي خصصها للحديث عن الفيلسوف اليوناني "هيراقليطس"، في هذه المقالة يشرح ماركس للمرة الأولى مفهومه للجدل ويُعيد أصوله إلى الفيلسوف هيراقليطس، في تلك السنة يكتب في إحدى رسائله: "أشكر هيراقليطس جزيل الشكر. لطالما شعرتُ بمودةٍ كبيرةٍ تجاه هذا الفيلسوف، الذي أفضّله على جميع الفلاسفة القدماء. أما الفلسفة اللاحقة، ولا سيما إبيقور والرواقية، والشك، فقد جعلتها موضوعاً لدراسةٍ متعمقة، ولكن لأسبابٍ سياسيةٍ أكثر منها فلسفية".

في مكتبة المتحف يحصل ماركس على نسخة من كتاب "أصل الأنواع" لتشارلز داروين الذي نُشر عام 1860، يقرأ الكتاب بشغف ويعيد قراءته بعد عدة أشهر، وقد كتب إلى إنجلز قائلاً: "على الرغم من أن الكتاب مفصل بأسلوب جاف فإنه يمثل الأساس في التاريخ الطبيعي لأفكارنا"، بعدها ازداد حماسه أكثر لكتاب داروين فكتب في رسالة أخرى: "إن كتاب داروين هام جداً وهو يفيدني كأساس في العلم الطبيعي للصراع الطبقي اجتماعياً"، وسنجد في رأس المال حاشيتين تتعلقان بداروين، وكان ماركس قد أهدى نسخة من كتاب رأس المال إلى داروين عام 1873، وقد تلقى رسالة شكر من داروين كتب فيها:

(سيدي العزيز، أشكرك للشرف الذي منحتني إياه بإرسال كتابكم عن رأس المال، ولقد تمنيت من كل قلبي لو كنت جديراً بهذا الشرف بفهم أكبر لموضوع الاقتصاد السياسي الهام والعميق، وعلى الرغم من اختلاف موضوعات بحوثنا فإنني أعتقد أننا نعمل سوياً على مد آفاق المعرفة وأن هذا سوف يضيف في المدى الطويل إلى سعادة البشرية) .

في خريف عام 1887 وبعد وفاة ماركس بأربع سنوات تُرجم الجزء الأول من كتاب رأس المال إلى الإنكليزية وجرت محاولة لإهداء الترجمة إلى تشارلز داروين، حيث بعث زوج ابنة ماركس رسالة إلى داروين الذي اعتذر وبرر ذلك بقوله: "صحيح أنه أيضاً غير مؤمن، لكنه لأسباب عائلية يرفض أن تكون له صلة بعمل ملحد علناً".

كانت السنوات الأخيرة من حياة ماركس سنوات القراءة، يقدم لنا أحد معارفه صورة لرجل: "مثقف جداً من النمط الأنجلو – ألماني، علاقته الوثيقة بهاينريش هاينه أكسبته أسلوباً مبهجاً وقدرة على السخرية الذكية، ولأن ظروف حياته الشخصية أصبحت ميسورة بقدر الإمكان، كان رجلاً سعيداً".

وفي استبيان ملأه لبناته، أفاد ماركس بأن نشاطه المفضل هو "القراءة النهمة". .في كتابه الأفكار الثورية لكارل ماركس يكتب أليكس كالينيكوس - ترجمة أشرف عمر -: "شعر بالراحة في كلاسيكيات الأدب من العصور الوسطى إلى عصر غوته، وعوالم دانتي وثيربانتس وشكسبير، والرواية الفرنسية والإنجليزية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأظهر اهتماماً بالغاً بأي شعر معاصر".

في مقطع من كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" يتساءل ماركس لماذا " حتى الفن الإغريقي والشعر الملحمي يعتمدان على أشكال معينة من التطور الاجتماعي، وهما لا يزالان يزوداننا بمتع فنية، ولا نزال نعتبرهما معياراً فنياً ونموذجاً يستحيل الوصول إليه". كان ماركس أيضاً شديد الإعجاب ببلزاك لتصويره الواقعي للعلاقات الطبقية في فرنسا ما بعد الثورة، كان ماركس يطمح أن يضع دراسة عن بلزاك لكنه لم ينجزها.

في رسالة يبعثها إلى أنجلز عام 1856: "والآن ففيما يتعلق بكتابي الجديد – يقصد رأس المال – سوف أفضي إليك بالحقيقة الواضحة، مهما تكن العيوب القائمة في الكتاب، فإن ميزته ستكمن في أنه عمل فني بامتياز، لقد تطلعت إلى الشعراء والروائيين أكثر مما تطلعت إلى الفلاسفة والمحللين الاقتصاديين باحثاً لديهم عن تبصرات في دوافع البشر ومصالحهم المادية".

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

أثناء عملي في احدى المكتبات كنت أضع خططاً غريبة للقراءة، فأختار الروايات التي يتحدث عنها النقاد. في ذلك الوقت، كنت أرى أن روايات مثل "أحدب نوتردام" و"دايفيد كوبرفيلد" و"جين آير" و"توم جونز" و"الأحمر والأسود"، هي التي يجب أن أرشحها لزبائن المكتبة، كان دليلي في ذلك كتاب سومرست موم الذي قدّم فيه لعشر روايات اعتبرها "خالدة".

ذات يوم قلت للراحل جبرا إبراهيم جبرا: كيف أعرف أن هذه الرواية مهمة ويجب أن أقرأها؟

قال: بالتأكيد لا أحد يعرف.. ولا توجد مفردة "يجب" في القراءة.. كل ما عليك أن تجرب بنفسك.

في مقال بعنوان "كيف تقرأ كتاباً؟ " تقول فرجينيا وولف إن: "تكون النصيحة اليتيمة التي يصح أن يسديها القارئ الخبير إلى من يتحسس الطريق في دروب القراءة، إنما تكون ماثلة في توعيته بأن لا يأخذ بنصيحة أحد، وأن يترك العنان لفطرته وميوله الخاصة كيما يسوقانه كيفما اتفق لهما، وأن يستعمل عقله الخاص وحده حتى يصل إلى خلاصة للأمر بنفسه".

قلت لجبرا إبراهيم جبرا: وجدت في نصيحتك عن القراءة خارطة طريق جديدة، ابتسم ليقول لي بصوته الهادئ: اترك الخرائط جانباً، وادخل مغامرة القراءة من دون خطط مسبقة.

يخبرنا هرمان هيسه إننا جميعاً في بعض الأحيان نقرأ بسذاجة، نستهلك الكتاب كما نستهلك الطعام، نأكل ونشرب حتى نشبع، وبهذا نتحول إلى مجرد متلقين، لا ننظر إلى الكتاب كندٍّ لنا، بل مثلما ينظر الحصان إلى سائقه، أينما يقود الكتاب تجدنا نتبعه، نأخذ الأفكار وكأنها أمر واقع، ويطلب منا أن نواجه قضية القراءة بحرية كاملة، وأن لا نتطلع إلى التثقيف أو التعليم من خلال الكتب، بل علينا أن نستخدم الكتاب كما يستخدم أي شيء آخر في العالم، القراءة يجب أن تكون مجرد نقطة انطلاق وتحفيز.

كان من عادة همنغواي أن يستيقظ في وقت مبكر ليتجه إلى مكتبه مباشرة: "أكتب كل صباح في وقت أقرب ما يكون إلى الفجر. ليس ثمة وجود لمن يضايقك، ويكون الطقس منعشاً أو بارداً، وعندما تبدأ بالكتابة يتسلل الدفء إليك"، يقول لمحرر باريس ريفيو الذي التقاه في منزله في هافانا، إنه يحب الكتابة وهو واقف "يقف منتعلاً حذاءين واسعين فوق جلد الوعل القديم، بينما الآلة الكاتبة على ارتفاع صدره، بمواجهته"، المعروف عن همنغواي أنه يؤلف مخطوطاته بقلم رصاص على أوراق، في واحدة من رسائله يكتب: "أحب الكتابة حباً جماً ولا شيء في هذا العالم يجلب لي السعادة مثلها. وعندما أكتب 1200 كلمة في اليوم الواحد يغمرني الفرح بشكل يفوق الوصف" – مباهج الكتابة وأوجاعها ترجمة جوهر عبد المولى –. يعترف أن القراءة تشغل معظم وقته، تضم مكتبته أعمالاً لتولستوي وستندال وتورغنيف ودستويفسكي وموباسان وتشيخوف وأندريه جيد وسوفوكليس ودانتي وثورو، يقول إنه يعيد باستمرار قراءة هيرمان ملفيل وشكسبير فهما لا يخرجان من ذاكرته.

لا يمكنك أن تعمل في مكتبة دون أن تصادف أعمال إرنست همنغواي، وسيطلب منك بعض الزبائن أن تبدي رأيك في أفضل رواياته، عندما قرأت رواياته لأول مرة، كنت تحت تأثير أحاديث رواد المكتبة، سألت الروائي عبد الخالق الركابي عن أفضل أعمال همنغواي فقال بلهجة الخبير: "همنغواي يفتح للقارئ رؤية بصرية للواقع، كما أنه بارع بوصف الانفعالات الإنسانية". قلت للركابي: ما هي الرواية التي تنصحني بقراءتها؟.

قال: معظم أعماله تستحق القراءة، ففيها تتعرف على تاريخ صراع النفس البشرية بين حب الحياة والسعي إلى الموت، لكني أنصحك أن تبدأ مع "الشيخ والبحر"؛ إنها حكاية عن أهمية الكفاح في حياة الإنسان.

يكتب جبرا إبراهيم جبرا: "لقد غيرت الكتب دورها في حياتي، فعلمتني من ناحية أن أخشى على الإنسانية، وعلمتني من ناحية أخرى أن الإنسانية لا تساوي قشة واحدة إذا لم ينتصر الفرد لرأيه".

في المكتبة التي كنت أعمل بها تخضع اختياراتي للكتب للمنطق العشوائي، كل الكتب كانت تثير اهتمامي، وكنت أتمنى أن لا أترك كتاباً دون أن أتصفحه أو أقرأ منه صفحات قليلة، أكتشف الكتب من خلال أحاديث الزبائن وطلباتهم، كان السؤال المعتاد: هل لديكم روايات همنغواي؟ في ذلك الوقت كانت أغلفة كتب إرنست همنغواي المترجمة إلى العربية، تحمل لوحات براقة ملونة، أتذكر غلاف "ولا تزال الشمس تشرق" وكان يحمل صورة تخطيطية للممثلة آفا غاردنر التي قامت ببطولة فيلم مأخوذ عن الرواية، فيما يبدو بطل الفيلم تايرون باور يركب على ظهر ثور هائج، وغلاف "وداعاً للسلاح"، يصور رجلاً وامرأة على متن قارب نهري. كانت هذه الأغلفة تجذب القراء، تبدو مليئة بالمغامرة والإثارة.

قرأتُ قدر استطاعتي جميع روايات همنغواي الموجودة في المكتبة، تعلقت بـ "الشيخ والبحر" و"وداعاً للسلاح"، فقد بدتا لي تجسيداً لقوة الحياة. كانت قراءة روايات همنغواي في تلك الفترة من عمري واحدة من أعظم المُتع بالنسبة لي، فقد وقعتُ في سحر هذا الكاتب المغامر الذي كتب في رسالة إلى والده، إنه لكي يكتب بالطريقة التي أرادها، عليه أن يُظهر القبح والجمال: "لأنه إذا كان كل شيء جميلاً، فلن يُصدّق المرء به". كان لابد أن أتحدث مع دليلي في قراءة الروايات، الزبون المبتسم الروائي غالب هلسا، الذي ما إن نطقتُ باسم همنغواي أمامه حتى سرح كأنه يتذكر شيئاً مر بحياته ليقول لي: "همنغواي أكثر كاتب أثّر على جيلنا.. كنا قبله متأثرين بالمدرسة الرومانسية ثم سيطرت علينا الواقعية الاشتراكية، ظهر همنغواي فجأة ليطرح تصوراً جديداً للعمل الروائي، ويقدم صورة مغايرة للعالم الذي نعيش فيه، كما علمنا كيف نتخلص من اللغة الرومانسية المترهلة". كان همنغواي يضع الدرس الأول للروائي والذي لخصه بهذه الكلمات: "انهل من معرفتك وخبرتك الشخصية لكي تكتب وتخترع القصص، ولا تُغيّر سِيَر الناس الذاتية التي كانت سبباً في تكوينهم".

كان المقربون من همنغواي يعرفون شغفه الكبير بالقراءة، وقد كتب ذات مرة: "أنا أقرأ باستمرار، مهما بلغ عدد الكتب". كان يقرأ دائماً حين لا يكون مشغولاً بالعمل، ومن عادته أن يطالع أربعة كتب في وقت واحد. ويعود الفضل في هذا التعلق إلى مكتبة والده التي كانت تضم مئات الكتب؛ إذ تتذكر أخته مارسيلين أنها قرأت مع شقيقها أعمال ديكنز، وستيفنسون، وشكسبير، ووالتر سكوت، التي كانت "تملأ رفوف مكتبة عائلتنا".

ومع تقدم همنغواي في العمر، ازداد شغفه بالقراءة، ولم تعد الكتب مجرد أمر ثانوي لديه، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من روتينه اليومي، حيث كان يقضي معظم فترة بعد الظهر والمساء في القراءة، موضحاً ذلك بقوله: "عندما كنت أكتب، كان من الضروري أن أقرأ بعد الانتهاء؛ فلو استمررت في التفكير في عملي، لفقدت تركيزي قبل أن أتمكن من استكماله في اليوم التالي. لقد كان من الضروري أن أقرأ لأتوقف عن التفكير في عملي أو القلق بشأنه، إلى أن يحين وقت الكتابة مجدداً".

يأخذنا إرنست همنغواي، في مغامراتٍ طويلة وممتعة، يقدم من خلالها نظرةً واقعية على عالمٍ نجهل الكثير من خفاياه. وكما يقول الفيلسوف الرواقي سينيكا: «من المعهود في جوهر الأشياء أن أي نجاحٍ في نيل المرام ينجم عنه ما يجعل الكفاح الشديد ضرورةً من الضرورات». وعلى هذه القاعدة، سار  ابطال همنغواي؛ إذ تقدم  رواياته للقارئ تجسيداً لكفاحٍ بالغ الشدة. وكما قال همنغواي يوماً: «أحاول في قصصي أن أنقل إحساس الحياة الحقيقية، لا أن أكتفي بتصويرها أو نقدها، بل جعلها نابضةً بالحياة، بحيث يعيش القارئ التجربة بنفسه».

***

علي حسين - رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

دعوة واستشكال: حين دعاني "المجمّع الثقافي الجعفري" للحديث عن "الإصلاح العاشورائي في خدمة الإنسان"، وجدتها فرصة مناسبة للحديث عن الشجاعة في مواجهة الظلم، لحدث تاريخي رمزي كبير ظل العالم يستذكره باستلهام وأمل، فلم يكن استشهاد الإمام الحسين (ع) في العام 61 هجري في معركة الطف الشهيرة في كربلاء حادثًا عابرًا، بل كان فاصلًا تاريخيًا مهمًا ظلّ استحضاره يتصاعد عامًا بعد عام حتى أصبح حدثًا كونيًا بكل ما تعني هذه الكلمة من تحقق ومعنى ودلالة.

والحق يُقال فقد تردّدتُ في الاستجابة للمشاركة، خشيةً من إقحام اسمي خارج نطاق اهتمامه واختصاصه وتوجهه الفكري والثقافي، وكي لا تذهب التفسيرات وربما الظنون إلى أن مثل هذه المساهمة تستهدف  التقرّب أو التزلّف للتيار الديني السائد وتفريعاته ذات الأبعاد المذهبية، ولذلك اقترحت على الجهة المنظمة أن أتحدّث عن تجارب ملموسة تحت عنوان "اليسار وعاشوراء"، وهي جزء من مشهد بانورامي لعاشوراء في النجف الأشرف في الخمسينيات التي عشتها، ودور اليسار والحركة الشيوعية في إحياء مناسبة استشهاد الإمام الحسين، حيث لم يكن هناك وجود لأحزاب الحركة الإسلامية، كما ظهر لاحقًا، وخصوصًا بعد ثورة  14 تموز (يوليو) العام 1958.

ولكنني وضعت كل ذلك جانبًا لأقدّم صورة حيّة من قلب المشهد وهي شهادة تاريخية لا علاقة لها بما يجري من اصطفافات سياسية، وذلك بحكم نشأتي في بيئة دينية لا أتنصّل منها ولا أتكبّر عليها أو أستخف بها، بل كنت ولا أزال أحترمها وأعتزّ بها كجزء أصيل من تكويني الثقافي والمجتمعي، مثلما ترعرعت في عائلة يسارية، وذلك جزء لا يتجزأ من روافدي الروحية، وهو أمر لا أخفيه، وكنت قد قلت في وقت سابق أن أهم ينابيع التكوين الأولى كان القرآن الكريم وماركس والأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص، حيث كبرنا مع الجواهري.

ومع ذلك فقد كان ينمو معي الفكر النقدي للتيار الديني واليساري معًا، وهو ما انعكس على كتاباتي منذ نحو 4 عقود من الزمان، على الرغم من أنني من دعاة تقاربهما مثلما هي دعوتي للتقارب مع التيار العروبي كجزء من الخبرة والدرس التاريخي، وهو درس لا غنى عنه بتقديري، لاسيّما الاعتراف بالآخر.

وفي مطالعة لي قبل ثلاثة عقود من الزمن عن السيد محمد باقر الصدر (نشرت في صحيفة المنبر التي كان يصدرها السيد حسين الصدر في لندن)[2]، جئت على أهمية التفاهم بين التيارين وما سبّبه صراعهما من تأثير سلبي على كل منهما، سواء على الصعيد الفكري أو العملي، والشيء بالشيء يذكر فقد كان الصراع الذي نشب بين التيارين اليساري والعروبي أشد قسوة وعبثية ولا معنى له، وقد دفعتْ جميع الأطراف ثمنه باهظًا.

خواطر واستذكارات

ابتدأت حديثي ببعض الخواطر والاستذكارات من وحي المناسبة الجليلة، وحاولت أن استفزّ الذاكرة لتخرج من زواياها، حتى وإن كانت مبعثرة أو متناثرة، للذهاب إلى عبق تلك الأجواء بطقوسها الاحتفالية المهيبة، وفي محفل استذكاري، حرص المشاركون فيه على مساهمتي، على الرغم من أنني أشرت في بداية حديثي بالقول "لا يُفتى ومالك في المدينة"، لكن المشهد البانورامي الذي قدَّمته بحضور متميّز لبناني وعربي، مسلم ومسيحي ودرزي ومن طوائف مختلفة، كان مؤثرًا كما فهمت ولاحظت.

وحينما نتحدّث عن المأساة الإنسانية للإمام الحسين الذي خرج في مواجهة الظلم، خصوصًا قوله الأثير "إني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي"، فإنما نقصد استعادة (الحدث) بالتحقّق: كيف وأين؟ واستحضار التاريخ (بامتلاء السردية بمعناها الإنساني)، فإنما لتأكيد حضور المعنى (لماذا نحن نحتفل وما هي رمزية مثل هذا الحدث؟) وذلك للوقوف عند الدلالة، فما هي العبر والدروس من ذكرى استشهاد الإمام الحسين؟

ولعلّ ذلك ما كان يقصده اليسار حين يواجه الظلم ويتصدّى للظالمين، أي أنه يستغلّ إيجابيًا هذا الحدث كجزء من فضاء شعبي للتحريض والتعبئة خارج دائرة الدين أو التديّن وخارج التفريع الطائفي أو المذهبي، فذلك لم يكن يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، بل كان واضحًا في رفع شعاراته الوطنية وسط حشود شعبية تستلهم مسيرة الإمام الحسين وكفاحه البطولي في مقاومة الظلم، وعدم الرضوخ للظالم كجزء من عقيدتها الإيمانية.

والمسألة بقدر ما هي يقينية إيمانية عقائدية لدى البعض، فإنها وجدانية وواقعية ضد الظلم لدى اليسار، الذي كان آنذاك يُحسن استخدامها بدقة واقتدار كجزء من توجّهه التحريضي التنويري، مع أن خيطًا رفيعًا فاصلًا بين اليقين الديني الإيماني وبين التوجّه المدني اليساري في توجيه الأنظار صوب الظلم، وكان فيدل كاسترو[3] في حواره مع القس بيتو في العام 1986 قد طرح المشتركات بين الكنيسة والماركسية على أساس الكفاح الدنيوي لتحقيق العدالة والمساواة بين البشر، لكن الأمر لا يخلو من حيرة، وهذه الأخيرة تعبير عن سؤال قلق وخشية من الاستثمار لغير صالح التوجّه الإنساني، لأنها تطرح أسئلة تتعلّق بالفلسفة وهذه تولد أسئلة جديدة، خصوصًا وأن للشهادة والتضحية بالنفس بطولة وشجاعة رمزية ونبلًا وصميمية لا تتعلق بالزمان ولا بالمكان، بل تتجاوز ذلك إلى الفضاء الإنساني، وحسب ابن عربي فـ"الزمان مكان سائل والمكان زمان متجمّد".

كثيرون يحتفلون بهذه المناسبة، بعضهم عن إيمان، ولكن الإيمان بدون العقل يقود إلى يقينية صماء وسيكون متعصبًا ومتطرفًا وحتى عنيفًا وقد يصل إلى الإرهاب، ولنتوقف عند بعض الممارسات التي لا علاقة لها بالمناسبة ولا علاقة لها بالدين والمذهب، وهي كثيرة لدرجة أصبحت من الطقوس المسكوت عنها، حتى وإن كان بعض علماء الدين لا يقرّونها، لكنهم لا يواجهون العامة بها، بل يعبرون عنها بطريقتهم الخاصة الأقرب إلى الهمس والمواربة منه إلى الإفصاح والإعلان.

والبعض الآخر يحتفي بالمناسبة انطلاقًا من تقليد طقوسي ديني أو حتى اجتماعي متوارث، وبالطبع فهناك فارق كبير بين الإيمان والعادة أي ما استقر عليه الحال من تواتر الاستعمال وكثرة الاستخدام، والفارق يتعلق بالمدخلات، فحتى الإيمان سيكون مختلفًا بين شخص وآخر، فهناك إيمان واعي وآخر أعمى، مثلما يتعلق بالمخرجات من حيث التوجه والأداء وما يترتب عليه سواء بالإيمان أو التقليد.

الشجاعة وفضيلة القلب

شخصيًا ما يهمني من هذه المناسبة هو القيم والمثل الإنسانية، فشجاعة الإمام الحسين حين يواجه الظالم إنما هي "فضيلة من فضائل القلب"، والشجاعة كرم أخلاقي وسمّو إنساني، وهي عكس الجبن والخنوع وشحّ الأخلاق، لأن الشجاعة تتعلّق بالخير، والسياسة بهذا المعنى هي "فعل خير"، أما الجبن والخنوع بما فيه من غدر وخسّة، فهو "فعل شر" ولا علاقة له بالسياسة، والشرير ليس شجاعًا في حين أن الشجاع خيرٌ.[4]

والإيمان دون ضمير سيكون كاذبًا ومشوّهًا، لا يمت إلى جوهر الدين وقيمه، بل سيكون تعبيراً عن مصالح خاصة أو حزبوية أو طائفية لضيق أفق واستعداد لإلغاء الآخر أو إقصائه أو تهميشه، وهكذا يكون الفرق كبيرًا بين العارف وغير العارف والمؤمن الحقيقي والمؤمن المزيّف، مثلما هو الفرق كبير أيضًا بين العالِم والجاهل و "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (القرآن الكريم، سورة الزمر- الآية 9).

يقول ابن عربي "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تره، فإنه يراك". وهكذا يختلف الإيمان الواعي عن الإيمان المتخلّف. وكان الإمام جعفر الصادق يعبّر عن جوهر الدين وقيمه السمحاء حين يقول "وما الدين سوى الحب"، ففيه يُكشف نور القلب وصدق السريرة. ولذلك حين نتحدث عن الإيمان، فماذا نقصد وأي مؤمن نعني؟ لأن المؤمن دون وعي سيكون منقادًا وخاضعًا ومسخّرًا، وقد يرتكب أفحش الأعمال، فيحمل سكينًا ليطعن أقرب إنسان إليه أو كاتم صوت ليطلق النار عليه أو يلبس حزامًا ناسفًا ليفجّر متجرًا أو مدرسة أو مستشفى أو يسرق من المال العام أو الخاص، سواء باسم الدين أم تحت غطائه، لا يهمّه من الدين سوى المظاهر، أطال لحيته أم لبس العمامة أم انتسب إلى هذا الحزب أو تلك الجماعة، إن كان رجلًا، أو ارتدت النقاب أو الحجاب إن كانت امرأة.

وهؤلاء كانوا المادة الخام، وخصوصًا من الشباب والشابات، للتنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة" وربيبتها "داعش" والجماعات المسلحة بمختلف تسمياتها خارج القانون، فإيمانها يختلف عن إيمان الروحانيات، وإسلام القيم الإنسانية وروح التسامح والسلام ومحبة الآخر وإيمان العدل والمساواة الذي خاطب فيه الإمام علي عامله في مصر مالك بن الاشتر النخعي بقوله: لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعًا ضاريًا لتأكلهم "فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".[5]

لعلّ هدف الأديان جميعها، والإسلام تحديدًا والإمام الحسين بشكل خاص، هو الإنسان لأنه القيمة العليا والحقيقة الأهم التي استخلفها الله على الأرض، وهو ما يعطي البشر المؤمنين الحقيقيين الكشف والفيض والإلهام، فهناك علاقة للخير بالإيمان، فهل يمكن أن يكون السفاح والجلاد شجاعًا أم أن الشجاعة صفة لصيقة بالخير؟

الحسين لا يخص الشيعة وحدهم ولا يعني المسلمين فقط ولا يقتصر على المؤمنين، وإنما هو قيمة إنسانية لبني البشر، لكل من يناضل ضد الظلم ومن أجل إحقاق الحق، وفلسفته التي تقوم على مقاومة الظلم تعني جميع المظلومين وفي جميع العصور، فهناك علاقة بين الظاهر والباطن والعلّة والمعلول والسبب والنتيجة والماضي والحاضر، وكل فعل تضحية ومقاومة ضد الظلم إنما هي استلهام لسيرة معطّرة مصحوبة بالفداء النبيل، تلك التي أقدم عليها الإمام الحسين براحة ضمير ووعي وطهارة روحية.

ولهذه الأسباب كان اليسار، وخصوصًا الماركسي، معنيًّا بقضية استشهاد الإمام الحسين، بل إنه في الأربعينيات والخمسينيات كان القوة السياسة الأبرز التي تحتفل به مع جمهرة الناس، وبرز منهم:

1- قرّاء المنابر الحسينية، مثل الشيخ محمد الشبيبي والد حسين الشبيبي الذي أُعدم في العام 1949 مع فهد (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الشيوعي حينها وزكي بسيم ويهودا صدّيق من قيادة الحزب. وكان "مجلس الشبيبي الحسيني العاشورائي" يكتظ بالناس في هذه المناسبة، وهم إذْ يستذكرون مأثرة الحسين في مقاومة الظلم والظالمين، إنما يقصدون ظروفهم أيضًا.

2- شعراء المواكب الحسينية، مثل الشاعر عبد الحسين أبو شبع وهو عضو في الحزب الشيوعي منذ العام 1956 واسمه الحزبي "علي"، وكان في الستينيات عضو لجنة المثقفين في النجف، حيث كان المشرف عليه السيد صاحب جليل الحكيم، سكرتير محلية الحزب الشيوعي في النجف حينها.

3- القرّاء المحرّضون (الرواديد) ومنهم فاضل الرادود، وكان محسوبًا على ملاك الحزب الشيوعي، وكان يقرأ القصائد الحسينية، التي يكتبها أبو شبع وعدد من الشعراء الشعبيين حينها.

4- منظّمو الجمهور، حيث كانت خلايا خاصة تفرّغ لهذا الغرض في عاشوراء والمناسبات الدينية الأخرى، ويتصدّرها بعض أبناء المدينة من الشيوعيين أو امتداداتهم أحيانًا من عوائل معروفة، وكان "عزاء محلّة البراق" الأشهر في النجف وشعاراته الأكثر ثورية وتتحسب لها السلطات أكثر من حساب في كل عام.

وكان العديد من العوائل الدينية في النجف على ملاك اليسار والحركة الشيوعية ولديها نفوذ كبير حتى داخل أوساط الحوزة والمدارس الدينية والمقامات المقدسة، ومن هؤلاء: آل الرفيعي الذي كان منهم الكليدار وآل شعبان ومنهم (سرخدمة، أي رؤساء الخدم المرشدون) وآل الحكيم وآل الخرسان وآخرين، وهؤلاء جميعهم في حضرة الإمام علي. ولم يكن الأمر يقتصر على عدد من الرجال، بل إن بعض النسوة انخرطن في صفوف الحركة الشيوعية ورابطة المرأة وهن من العوائل الدينية المعروفة.

أما خارج الحضرة العلوية، فهناك آل الشبيبي وآل الجواهري وآل بحر العلوم وآل زيردهام وآل الدجيلي وآل سميسم وآل مطر وآل الخليلي وغيرهم، كانوا من المحسوبين على الحركة الشيوعية.

وفي مدرسة الخليلي في عكد السلام درس الشيخ حسين مروّة والشيخ محمد شرارة في العشرينيات، وتحوّلا لاحقًا من الدراسة الحوزوية إلى الحركة الشيوعية، وقال حسين مروّة في استذكاراته: لقد تعرّفت على ماركس في النجف، وذلك حين أعطاه حسين الشبيبي كتاب "البيان الشيوعي" ليقرأه وقال: لقد قرأته مرتين، لكن لم أفهم معناه في بداية الأمر. ثم زادت اهتماماته، حتى أصبح من كبار الماركسيين، لاسيّما حين كتب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية".[6]

الوطنية والعاشورائيات

كانت الاحتفالات العاشورائية مهيبة وصبغتها العامة وطنية لتمجيد البطولة والاستشهاد والقيم والمثل الشُجاعة والإنسانية، والمقصود بذلك استنهاض الهمم لمقاومة الاستبداد، بشكل مباشر أو غير مباشر، وكان لبعض علماء الدين من المجدّدين دور مهم في تجديد الحوزة العلمية النجفية التي كانت تقليدية وراكدة قياسًا لما حصل حولها من تطوّر، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر عددًا من علماء الدين الذين سعوا لتخليص الحوزة ومناهجها من الماضوية التلقينية، وفتح نوافذ  للجدل والحوار والعلم عليها، وفي مقدمتهم: الميرزا محمد حسين النائيني والسيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني والشيخ علي كاشف الغطاء والشيخ عبد الكريم الزنجاني، الذي انشغل بالفلسفة، وكان السيد محمد الحسني البغدادي مثار جدل سياسي، ومجلسه عامر في النجف لحوارات معمّقة، خصوصًا بعد فتوى السيد "محسن الحكيم" بشأن الشيوعية "كفر وإلحاد" العام 1960.

ومن التيار الجديد كان الشيخ محمد رضا المظفّر، الفيلسوف وعالم المنطق والمجدّد في الحوزة العلمية ومؤسس جمعية منتدى النشر وكلية الفقه. وشملت المدرسة التجديدية الحديثة السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد بحر العلوم والسيد مصطفى جمال الدين والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد صادق الصدر وغيرهم.

وأدّى اليسار الماركسي دورًا في تسييس التوجه الديني للدفاع عن مصالح الناس ضد الإقطاع والنظام الملكي وحلف بغداد وللتضامن مع العرب والعروبة، وذلك بنزع ثوب السلطة عن الدين وإبراز الجانب الوجداني الضميري والقيمي الإنساني في قضية استشهاد الحسين لتأكيد الاستعداد للتضحية بأبعادها الرمزية والنفسية وبجانبها الاجتماعي والروحي، ومن جهة أخرى بالاستقامة، لاسيّما باستلهام المُثل النبيلة التي دفع الحسين حياته من أجلها، علمًا بأنه واجه عدوًا شرسًا ومدججًا بالسلاح والمال والمغريات، بأنصار لا يتجاوزن 73 شخصاً بينهم 17 من أهل بيته، لكنه أصرّ على المواجهة ، لأنها مواجهة للظلم، وهكذا انتصر الحق على الدم والخير على السيف، لأن قضية الحسين ظلّت قائمة ومستمرة ويتغنى بها كل من يريد مواجهة الظلم ، وكما يقول الجواهري:

فداءٌ لمثواك من مضجع / تنوَّر بالأبلج الأروع

بأعبق من نفحات الجنا / ن روحًا، ومن مِسكِها أضوع

ورعيًا ليومك يوم "الطفوف" / وسقيًا لأرضكَ من مصرع

وحزناً عليك بحبس النفوس / على نهجكَ النيّرِ المهيعِ

ولديّ نماذج عديدة لتثوير حركة الجمهور خلال الذكرى العاشورائية والمناسبات الدينية الأخرى، سواء ضد حلف بغداد العام 1954-1955 أم ضد تزوير الانتخابات النيابية وحل المجلس العام 1954 أم ضد العدوان الثلاثي على مصر أم انتصارًا لثورة الجزائر، وخصوصًا بعد خطف طائرة أحمد بن بلّة ورفاقه واعتقال وتعذيب جميلة بوحيرد، وكيف تحوّلت مناسبة عاشوراء في ساحة النبطية بجنوب لبنان، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إلى ساحة مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي أطلق شرارتها الأولى الشيوعيون اللبنانيون، وسقط لهم شهيد حينذاك. وسأكتفي بذكر ما حصل بعد العام 1956 حيث انتفض العراق، وخصوصًا بغداد والموصل والحي والنجف، فكانت المواكب الحسينية هادرة بالتنديد بالعدوان الثلاثي، لاسيّما بعد سقوط شهداء عديدين، وحيث ارتفع اسم عبد الناصر كرمز في مواجهة الإمبريالية حينها.

***

عبد الحسين شعبان

.......................

مبحث من كتاب يصدُر قريبًا بعنوان "الماركسية والتمركس والماركسلوجيا".

[1] نشرت في صحيفة الزمان (بغداد/ لندن) في 1 تشرين أول / أكتوبر 2019. والأصل محاضرة ألقيت في بيروت بدعوة من "المجمع الثقافي الجعفري" في فندق الساحة في 26 أيلول / سبتمبر 2019.

[2]  أنظر: شعبان، عبد الحسين– محمد باقر الصدر: حلّق في فضاءات شاسعة وسبح في بحور واسعة، مصدر سابق.

[3]  يمكن مراجعة القسم السابع من هذا الكتاب الذي يتعلّق بالماركسية والإيمان: قراءة في النموذج الكوبي، وخصوصًا الفقرة الخامسة منه الموسومة "كاسترو والدين".

[4]  السياسة حسب أرسطو في كتابه "السياسة" تعني الأفعال النبيلة، وحسب ابن خلدون: السياسة هي صناعة الخير العام، وهي أمانة وتفويض، في كتاب الأمير لمؤلفه ميكافيلّي الذي احتفيَ بصدوره في العام 2013 بمرور 500 عاماً مثلّت السياسة جوهر الفكرة الدارجة: "الغاية تبرّر الوسيلة"، بغض النظر عن عدالة أو شرعية هذه الوسيلة من عدمها، خصوصًا بالنسبة للحاكم لكي يدوم حكمه ويبسط سيطرته.

ووفقًا ﻟ لينين هي "تعبير مكثّف عن الاقتصاد"، أما حنة أردنت: فإن أصل السياسة هي الحريّة، وهذه الأخيرة هي جوهر الفعل الإنساني الذي يقوم على البراعة والشجاعة. ويذهب كلاوزفيتز إلى اعتبار الحرب سياسة بوسائل عنفيّة. يمكنني القول إن السياسة هي علم إدارة الدولة وفن الممكن في الواقعية السياسية وتوازن القوى، وهي تجمع الإدارة والتدبير والتنظيم والفن ضمن قواعد ومعايير إنسانية باقترانها بفعل الخير.

أنظر: طاليس، أرسطو – السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، دار الشروق، القاهرة، 2006. (الجدير بالذكر أن هذا الكتاب صدر في القرن الرابع قبل الميلاد، ويُعتبر من أقدم الكتب السياسية).

أنظر: ابن خلدون، عب الرحمن – المقدمة، مراجعة وتدقيق عبد الباقي خريّف، سيلدار (شركة مطبعة ورّاقة دار الشباب)، تونس، 2006.

أنظر: ميكيافيلي، نيكولو – الأمير، ترجمة محمد عوض، دار التنوير، بيروت، 2018.

قارن: إن عبارة لينين المشهورة والتي كثيرًا ما ردّدها، صاغها المستشار الألماني أوتو فون بيسمارك في القرن التاسع عشر، وهو الذي قام بتوحيد ألمانيا، والمقصود بها الموازنة بين المُثل العليا والواقع، الذي ينبغي أن يتّسم بالمرونة وتقديم التنازلات، والمقصود بذلك البراغماتية السياسية. وفي الفقه الإسلامي الموازنة بين المصالح والمفاسد.

أنظر: أردنت، حنا – ما هي السياسة؟، (والكتاب مجموعة محاضرات كتبتها بين عام 1956 – 1959، ونشرت بعد وفاتها في العام 1993، ترجمة خزعل الماجدي، دار الساقي، بيروت، 2001.

أنظر: كلاوتزفيتز، كارل فون – عن الحرب، ترجمة سليم شاكر الإمامي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997.

[5] أنظر: ابن أبي طالب، علي – نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982. (الجدير بالذكر أن مفتي الديار المصرية الأسبق الشيخ محمد عبده كان قد شرح وعلّق على طبعة دار المعرفة والتي صدرت بشكل متكرّر عبر السنوات).

[6]  أنظر: مروّة، حسين - النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1978

 

في بعض الأمسيات، حين يهدأ البيت وتخفت الأصوات من حولي، أجد نفسي أعود إلى فتى أعرفه جيدا. أراه يخرج من المدرسة حاملا كتبه تحت ذراعه، يسير في شوارع لا يدرك أنها تقوده إلى عقود كاملة من الخيارات والصدف والرهانات.

أتأمله من بعيد كما لو أنني أراقب شخصا آخر، ثم أفكر: ماذا لو ناديت عليه الآن؟ ماذا لو أوقفت خطاه لدقيقة واحدة فقط، وقلت له إن الطريق الذي يراه واضحا أمامه ليس الطريق الوحيد؟.

كلما تقدمت في العمر، أصبحت هذه الأسئلة أكثر حضورا. ليس لأنني أتحسر على ما فات، بل لأن المسافة الطويلة التي تفصلنا عن البدايات تمنح الأشياء شكلا مختلفا.

ما بدا لنا يوما حقيقة نهائية يتحول مع الزمن إلى احتمال بين احتمالات كثيرة.

وما اعتقدنا أنه القرار الصحيح الوحيد يصبح مجرد قرار من بين قرارات أخرى كان يمكن أن نتخذها.

في مراحل متأخرة من الحياة، لا يعود الإنسان منشغلا بما أنجزه بقدر انشغاله بالطرق التي لم يسلكها.

يجلس أمام نفسه كما يجلس قاض عجوز أمام ملفات قديمة تراكم عليها الغبار. يفتحها واحدا بعد آخر، لا ليصدر أحكاما جديدة، بل ليتأمل الأحكام القديمة.

وعندها يكتشف أن كثيرا مما بدا له يقينا في سنوات الشباب كان يحتاج إلى شيء من التروي، وإلى قليل من الشك، وإلى خبرة لم يكن يمتلكها آنذاك.

الطريق الذي لم أسلكه

أحيانا أتخيل أن الزمن عاد إلى الوراء، لا سنوات قليلة، بل عقودا كاملة. أراه يعود إلى ذلك الفتى الذي كان يغادر الصف السادس الابتدائي في مدرسة النجاح، حاملا كتبه تحت ذراعه، غير مدرك أن الطريق الممتد أمامه سيقوده إلى عالم المسرح والكتابة والفن.

في تلك اللحظة المتخيلة، كنت سأضع يدي على كتفه وأقول له: توقف هنا. لا تكمل الطريق الذي يصفق له الآخرون. اذهب إلى مكان آخر تماما.

كنت سأقوده إلى ورشة نجارة تفوح منها رائحة الخشب الطازج. هناك، بين المناشير والمطارق وألواح السنديان، سيتعلم كيف تتحول المادة الخام إلى شيء نافع وجميل في الوقت نفسه.

أو ربما كنت سأدفعه نحو كراج صغير لتصليح السيارات، حيث يتعلم الإصغاء إلى أصوات المحركات كما يصغي الطبيب إلى نبض المرضى. وربما رأيته واقفا أمام فرن حدادة تتطاير منه الشرارات، يصنع أبوابا ونوافذ ستبقى شاهدة على مهارته سنوات طويلة.

وربما وجدته في موقع بناء، يحمل أدواته بثقة، ويرفع جدارا يعرف أن الناس سيحتمون بظله.

أو سائقا لشاحنة تشق الطرق الخارجية، يعرف المدن والقرى من خلال الطرق المؤدية إليها، لا من خلال الكتب التي تتحدث عنها.

المهن التي تترك أثرا ملموسا

أي مهنة من هذه المهن كانت ستمنحه شيئا لم يجده لاحقا في الأماكن التي ذهب إليها. كانت ستمنحه علاقة مباشرة وواضحة مع العالم. فالنجار يرى الطاولة التي صنعها. والحداد يرى الباب الذي ركبه. والبناء يرى الجدار الذي شيده. أما العامل في الحقل الثقافي، فكثيرا ما يقضي سنوات طويلة وهو لا يعرف على وجه اليقين ماذا أضاف إلى العالم، أو إن كان قد أضاف شيئا أصلا.

ليس في هذا الكلام ازدراء للفن أو الأدب أو المسرح. على العكس، فهذه المجالات كانت دائما من أكثر ما يمنح الحياة معناها الرمزي.

لكنها، في الوقت نفسه، من أكثر المجالات قسوة على الذين يهبونها أعمارهم. إنها لا تقدم مكافآتها بطريقة واضحة. وقد لا تقدمها إطلاقا.

أوهام المثقف الشاب

لقد أمضيت سنوات طويلة متنقلا بين خشبات المسرح وصفحات الكتب. كنت أعتقد أن العمل الثقافي قادر على تغيير الواقع، وأن الكلمة تمتلك قوة خفية تجعل العالم أفضل مما هو عليه. بدا هذا الاعتقاد منطقيا في سنوات الشباب، حين تكون المسافة بين الحلم والواقع قصيرة إلى الحد الذي يسمح للمرء بالقفز فوقها.

لكن الأعوام اللاحقة تكفلت بإطالة تلك المسافة حتى صارت أشبه بواد سحيق.

كل سنة كانت تضيف شيئا جديدا إلى الشكوك القديمة. وكل تجربة كانت تطرح سؤالا جديدا عن معنى ما يجري. وحين أنظر اليوم إلى الحصيلة النهائية لذلك الطريق، أجد نفسي مضطرا إلى الاعتراف بأن النتائج لا تشبه الآمال التي انطلقت منها الرحلة.

ما الذي جنيته حقا؟

سؤال يبدو بسيطا، لكنه يزداد تعقيدا كلما حاولت الإجابة عنه.

هناك كتب نُشرت، ومقالات كُتبت، وعروض مسرحية قُدمت، وعلاقات إنسانية تشكلت عبر العقود. لكن حين أحاول قياس أثر كل ذلك في الحياة العامة، أجد أن الأمر أكثر ضبابية مما كنت أتصور. ليس لأن تلك الأعمال كانت بلا قيمة بالضرورة، بل لأن العالم نفسه لا يقيس القيمة بالطريقة التي كنا نتصورها.

حين لا يكافئ الزمن أحدا

في بدايات الطريق، كنت أعتقد أن الجهد والإخلاص والموهبة عناصر كافية لصناعة أثر حقيقي. كنت أظن أن الزمن يقف إلى جانب من يعملون بجد، وأنه يكافئ الصادقين بطريقة أو بأخرى. غير أن التجربة الطويلة علمتني شيئا مختلفا.

لقد رأيت أشخاصا كنت أصفهم بالأغبياء يحققون نجاحات واسعة. ورأيت آخرين كنت أراهم محدودي الموهبة يعيشون حياة أكثر استقرارا وسعادة. ورأيت انتهازيين ومنافقين يتقدمون بخفة وثقة، فيما ظل آخرون، أكثر كفاءة منهم بكثير، عالقين في أماكنهم.

في الماضي، كنت أفسر ذلك كله بوصفه خللا في المجتمع أو انحرافا في المعايير.

أما اليوم، فأنا أقل يقينا من أي وقت مضى.

ربما كنت مخطئا في بعض أحكامي.

وربما كنت أنظر إلى الآخرين من زاوية ضيقة.

بل ربما كانت الحياة نفسها تعمل وفق قواعد مختلفة تماما عن تلك التي تعلمناها.

فالسعادة ليست جائزة أخلاقية.

والنجاح ليس دائما دليلا على التفوق.

والفشل ليس بالضرورة علامة على النبل.

هذه الحقائق تبدو قاسية، لكنها تصبح أكثر وضوحا كلما تقدم الإنسان في العمر.

العالم لا يعمل كما نظن

إن أكثر ما يثير الدهشة في التجربة الإنسانية هو أن الزمن لا يسير بالطريقة التي نتخيلها.

في شبابنا نتصور أن التاريخ يتحرك نحو الأفضل، وأن الخبرة ستقودنا تلقائيا إلى الحكمة، وأن السنوات ستنصف الذين تعرضوا للظلم. لكن الوقائع لا تؤكد ذلك دائما.

الزمن يشبه نهرا لا يهتم كثيرا بالأفكار التي نحملها عنه. إنه يمضي في اتجاهه الخاص، سواء أحببنا ذلك أم لم نحب.

لقد قضى كثيرون أعمارهم وهم يعتقدون أن الشرف قيمة رابحة. وأن الإخلاص فضيلة لا بد أن تجد مكافأتها. وأن الوطنية، والعقلانية، والاعتدال، والزهد في المكاسب السريعة، كلها صفات ستمنح أصحابها موقعا أفضل في النهاية.

لكن الحياة قدمت أمثلة لا حصر لها على العكس من ذلك.

كم من شخص عاش نزيها ومات مجهولا؟

وكم من شخص امتلك قدرة استثنائية على المراوغة فحصل على ما أراد؟

إن السؤال ليس أخلاقيا بقدر ما هو وجودي. إنه يتعلق بطبيعة العالم نفسه. فالعالم لا يعمل دائما وفقا لموازين العدالة التي نرغب فيها. وهذا الاكتشاف، مهما بدا بسيطا، يحتاج أحيانا إلى عمر كامل كي ندركه.

عبء المعرفة

حين كنت أصغر سنا، كنت أعتقد أن الوعي قوة. وأن المعرفة تمنح صاحبها امتيازا حقيقيا. لكنني رأيت مع السنوات أن المعرفة قد تكون عبئا أيضا. فكل حقيقة إضافية يكتشفها الإنسان تضيف وزنا جديدا إلى روحه.

الجاهل قد ينام بسهولة لأنه لا يرى التعقيدات التي تحيط به. أما الذي يدقق النظر في الأشياء، فإنه يكتشف طبقات جديدة من الأسئلة كلما اقترب من الإجابات.

لهذا لا أستغرب اليوم أن أجد بعض أكثر الناس سعادة هم أولئك الذين لم يشغلوا أنفسهم كثيرا بالقضايا الكبرى. كانوا يعملون، ويكسبون رزقهم، ويربون أبناءهم، وينامون مطمئنين إلى أن العالم سيستمر في الدوران من دون الحاجة إلى آرائهم.

ربما كان في ذلك قدر من الحكمة العملية التي لم ننتبه إليها في الوقت المناسب.

لقد كنا نظن أن التاريخ ينتظر مساهماتنا. وأن المجتمع يحتاج إلى أصواتنا. وأن الثقافة قادرة على إعادة تشكيل الواقع. لكن الواقع كان أقل حماسة من أحلامنا.

الحياة الأخرى التي لم نعشها

ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة تكمن هنا بالتحديد.

فحتى بعد كل هذه المراجعات، لا أستطيع أن أجزم بأن الطريق الآخر كان سيجعلني أكثر سعادة.

ربما لو أصبحت نجارا لتمنيت أن أكون كاتبا.

وربما لو قدت شاحنة على الطرق البعيدة لكنت أحلم بالوقوف على خشبة مسرح.

وربما لو أمضيت عمري في الحدادة أو البناء، لكنت أنظر بحسرة إلى الكتب التي لم أكتبها.

فالإنسان لا يعيش حياة واحدة فقط، بل يعيش أيضا حياة أخرى متخيلة تلاحقه باستمرار. حياة كان يمكن أن تحدث ولم تحدث. وكلما تقدم في العمر ازدادت تلك الحياة المتخيلة حضورا وإلحاحا.

الزمن لا يقف إلى جانب أحد

لهذا لا يتعلق الأمر بندم كامل على ما مضى، بقدر ما يتعلق بإدراك متأخر لطبيعة الزمن.

فالزمن ليس حكما عادلا.

وليس معلما أخلاقيا.

وليس مؤسسة تمنح المكافآت بحسب الاستحقاق.

إنه حركة مستمرة لا تعبأ كثيرا بالأمنيات البشرية.

نحن الذين نمنحه المعاني.

ونحن الذين نطالبه بالإنصاف.

ونحن الذين نشعر بخيبة الأمل حين لا يتصرف وفقا للصورة التي رسمناها له.

في النهاية، يبدو أن أكبر أوهام الإنسان هو اعتقاده أن الزمن يقف إلى جانب فكرة معينة: إلى جانب الوعي أو الأخلاق أو النزاهة أو الإيثار. غير أن الزمن لا يقف إلى جانب أحد. إنه يواصل جريانه فحسب.

أما نحن، فنظل واقفين على الضفة، نحاول أن نفهم :

لماذا وصل آخرون إلى أماكن لم نصل إليها ؟

ولماذا بقيت بعض أحلامنا معلقة في منتصف الطريق؟.

وحين نطيل النظر إلى ذلك النهر، نكتشف أن المشكلة لم تكن في أحلامنا وحدها، ولا في العالم وحده، بل في اعتقادنا القديم بأن الزمن يشبهنا.

لكنه لا يشبهنا.

إنه يذهب دائما إلى الضفة الأخرى. ونحن لا ندرك ذلك إلا بعد أن تصبح المسافة بيننا وبين البدايات أبعد من أن تُقطع.

***

مروان ياسين الدليمي

(اعْصِ الهَوَى، وأَطِعْ مَن شِئْتَ) الكندي

ليس ثمة ما يثير الحيرة في النفس الإنسانية مثل الأشياء التي نعيش داخلها وتعيش داخلنا كل يوم دون أن نستطيع رؤيتها مباشرة. نحن نرى الأشجار ولا نرى الحياة التي تسري في عروقها، نرى الوجوه ولا نرى الذكريات المختبئة خلفها، ونرى المباني والطرقات والقاعات ولا نرى المعنى الذي يجعل من هذه الأشياء كياناً واحداً نابضاً بالحياة. وربما لهذا السبب ظل سؤال العقل من أكثر الأسئلة الفلسفية استعصاءً على الإدراك المباشر.

أتذكر حكاية قديمة عن طفل سأل والده ذات صباح: ما هو العقل يا أبي؟ أريد أن أراه. بدا السؤال بسيطاً لكنه أربك الأب. فالعقل ليس شيئاً يمكن الإشارة إليه بالإصبع كما نشير إلى شجرة أو منزل أو كتاب. وبعد تفكير طويل اصطحب الأب ابنه إلى الجامعة. طافا بين الكليات والقاعات والمختبرات والمكتبات والساحات، وشاهدا الطلاب والأساتذة والإداريين والعمال، ثم سأله في نهاية الجولة: هل رأيت الجامعة؟ فأجابه الطفل: لم أرها، لقد رأيت مباني كثيرة وأشخاصاً كثيرين وأشياء كثيرة، لكنني لم أر الجامعة نفسها.

ابتسم الأب وقال: الجامعة هي كل ما رأيت.

منذ سنوات طويلة ما زلت أستعيد تلك الحكاية كلما فكرت في العقل أو الذاكرة أو حتى في معنى الإنسان نفسه. فهناك أشياء لا يمكن رؤيتها منفصلة عن أجزائها، لأنها ليست شيئاً إضافياً فوق تلك الأجزاء، بل هي نمط العلاقة التي تجمعها معاً. العقل ليس الدماغ وحده، ولا الخلايا العصبية وحدها، ولا الذاكرة أو اللغة أو الخيال أو الأحلام منفردة، بل هو الحصيلة الكلية لهذا التفاعل المعقد. وكما أن الجامعة أكبر من مجموع مبانيها ومكتباتها وطلابها وأساتذتها، فإن العقل أكبر من مجموع أجزائه.

ولعل هذا ما جعلني أفكر دائماً في المكتبة بوصفها ذاكرة العقل، كما أفكر في الذاكرة بوصفها مكتبة الروح.

فالإنسان بلا ذاكرة يشبه جامعة بلا مكتبة. قد تبقى المباني قائمة، وقد تستمر الحركة في الممرات والقاعات، لكن شيئاً جوهرياً يكون قد غادر المكان. إن المكتبة ليست مجرد رفوف للكتب، بل هي الوعاء الذي تحفظ فيه الجماعة خبرتها المتراكمة عبر الزمن. إنها الشكل المادي للذاكرة الإنسانية.

ولهذا السبب شعرت بشيء من الحنين العميق وأنا أتجول ذات صباح في أروقة المكتبة المركزية بجامعة عدن. لم أكن أزور مبنى عادياً، بل كنت أزور جزءاً من ذاكرتي الشخصية. هناك بين القاعات والرفوف والممرات كانت صور سنوات كاملة تعود إليّ من غيابها الطويل. وجوه أساتذة رحلوا، وأصدقاء تفرقت بهم السبل، وكتب قضيت معها أجمل ساعات العمر، وأحلام صغيرة كانت تبدو آنذاك بحجم العالم كله.

كانت الحرب قد مرت على المدينة كما تمر العواصف على البساتين، تاركة آثارها على البشر والحجر. ولذلك كان أول ما سألته لمديرة المكتبة: هل نجت المكتبة؟

وحين أجابتني بأنها سلمت من النهب والتخريب، شعرت براحة داخلية لا أستطيع وصفها. ربما لأنني كنت أرى في سلامة المكتبة شيئاً يشبه سلامة الذاكرة نفسها. فالمكتبات ليست مخازن للكتب فقط، بل مستودعات للزمن. إنها تحفظ ما يتعرض في العادة للاندثار والنسيان.

وأنا أتجول في القاعات الهادئة تذكرت حقيقة بسيطة كثيراً ما نغفل عنها: أن الصورة والذاكرة تنتميان إلى العائلة الوجودية نفسها. كلاهما يحاول مقاومة الفناء. الصورة تحتفظ بالشكل، والذاكرة تحتفظ بالمعنى. الصورة توقف لحظة من الزمن، والذاكرة تعيد إحياءها كلما استدعيناها.

وحين رأيت الأجنحة المخصصة للمكتبات الشخصية التي أهداها ذوي أصحابها للجامعة بعد رحيلهم، شعرت بأنني لا أتجول بين الكتب فقط، بل بين حيوات كاملة ما زالت تقاوم الغياب. كانت أسماء الأساتذة الراحلين معلقة فوق رفوف الكتب كما لو أنها ترفض مغادرة المكان. أجسادهم رحلت، لكن آثارهم ما زالت حاضرة في تلك الكتب التي تركوا هوامشهم على صفحاتها، وفي الأفكار التي أودعوها بين السطور.

هنا تحديداً أدركت أن الذاكرة ليست استعادة للماضي فحسب، بل شكل من أشكال الحضور.

فالإنسان يغيب مرتين: مرة حين يرحل جسده، ومرة حين يُنسى. وما دام هناك من يتذكره، فإنه يظل حاضراً بطريقة ما.أحياناً أتساءل: كيف تستطيع الذاكرة الاحتفاظ ببعض الوجوه كل هذه السنوات بينما تمحو وجوهاً أخرى عشنا معها زمناً أطول؟ربما لأن بعض الأشخاص يتحولون في وعينا إلى رموز. إنهم لا يبقون مجرد أفراد، بل يصبحون جزءاً من تكويننا الفكري والروحي.

أتذكر ذلك اليوم البعيد حين كنت أجلس تحت شجرة كلية التربية الوارفة الظلال مع زميلة جميلة العينين، وكان الحديث معها أكثر إغراءً من أي محاضرة أكاديمية. فجأة ظهر الأستاذ الدكتور نمير متجهاً نحو القاعة. وقفت بين إغراء البقاء وإلحاح الواجب. كان القلب يدعوني إلى الجلوس مع الزميلة الجميلة ، بينما كانت صورة أبي وأمي اللذين أرسلاني للدراسة الجامعية تحضر بقوة في ذهني. الحت عليا بالبقاء للتعارف ولكنني بحافز لا شعوري نهضت ومضيت إلى المحاضرة. فضلا عن تأثري بحكمة فيلسوف العرب الاول الكندي التي كنت أرددها دائما في شبابي (اعْصِ الهَوَى، وأَطِعْ مَن شِئْتَ) كتبتها في جدار غرفتي فوق سريري.

ربما كان ذلك قراراً بسيطاً في ظاهره، لكنه تحول مع الزمن إلى صورة رمزية لصراع أكبر بين الرغبة والمسؤولية، بين اللحظة العابرة والمستقبل البعيد. مثل هذه الوقائع الصغيرة هي التي تصنع ذاكرتنا الحقيقية وربما كان هذا القرار الحكيم سببا لنجاحي الأكاديمي وحصولي على المركز الأول في دفعتي بمرتبة الشرف ونيلي جائزة التفوق العلمي في عيد العلم ب جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي كانت في عدن عام 1988م وساعة سيكو سويسرية من رئيس الجمهورية التي كانت هناك.

فالذاكرة لا تحفظ الأحداث الكبرى فقط، بل تحفظ أيضاً التفاصيل التي تبدو هامشية ساعة وقوعها. نظرة عابرة، طريقاً اعتدنا السير فيه، كتاباً قرأناه في لحظة مناسبة، أو محاضرة غيرت طريقة تفكيرنا إلى الأبد.

وحين وصلتني رسالة الأستاذ الدكتور نمير العاني بعد سنوات طويلة من الانقطاع، شعرت أن الزمن قد التف حول نفسه وعاد إلى نقطة البداية. كانت الكلمات القادمة من مدينة سان بطرسبورغ البعيدة تحمل معها رائحة قاعات الدرس القديمة، وضجيج النقاشات الفكرية، وأحلام الشباب التي كنا نعيشها في ثمانينيات القرن الماضي.

وفي تلك اللحظة فهمت أن الذاكرة لا تعمل كأرشيف جامد، بل ككائن حي يعيد ترتيب الماضي باستمرار. إننا لا نتذكر الأشياء كما حدثت فعلاً، بل كما أصبحت تعيش داخلنا الآن.

ولهذا كانت صورة الصديق عمر عباد حاضرة أيضاً بكل تفاصيلها. منزل الشيخ عثمان، أمسيات الشعر، قصائد محمود درويش، وأغاني مارسيل خليفة، والنقاشات التي كانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل. لم تكن تلك اللقاءات مجرد تسلية شبابية، بل كانت مختبراً لتشكيل وعينا الفكري.

هناك تعلمنا أن الفكر ليس معلومات تحفظ، بل حوار مستمر مع الذات والعالم.

ومن رحم تلك اللقاءات ولدت أول جمعية فلسفية عرفناها. كنا نلتقي كل أسبوع لمناقشة كتاب أو فكرة أو قضية عامة. لم تكن لدينا إمكانات كبيرة، لكن كان لدينا ما هو أهم: الشغف.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، تبدو تلك الأمسيات كصور قديمة معلقة على جدار الذاكرة. لكنها ليست صوراً ميتة. إنها ما تزال تؤثر فينا وتعيد تشكيل فهمنا لأنفسنا.

إن الصورة الحقيقية ليست تلك التي تلتقطها الكاميرا، بل تلك التي تلتقطها الروح. الكاميرا تحفظ الملامح، أما الذاكرة فتحفظ المعنى.

ولهذا فإن أجمل ما في الذاكرة أنها تمنح الغائبين قدرة غامضة على البقاء. فالأصدقاء الذين رحلوا، والأساتذة الذين غادروا، والأماكن التي تغيرت، لا تختفي تماماً. إنها تستمر في العيش داخلنا بوصفها صوراً متحركة لا تتوقف.

وحين نتقدم في العمر نكتشف أن حياتنا ليست سوى أرشيف هائل من الصور والذكريات. بعض هذه الصور يبهت مع الزمن، وبعضها يزداد وضوحاً كلما ابتعدنا عنه.

وربما لهذا السبب لا يكون الحنين مجرد اشتياق إلى الماضي، بل محاولة لفهم الحاضر من خلاله.

فالذاكرة ليست سجناً للزمن المنقضي، بل الجسر الذي يربط ما كنا عليه بما أصبحنا عليه.

وهكذا تبدو الجامعة، والمكتبة، والصداقة، والأستاذ، والكتاب، والصورة، والذاكرة، حلقات في سلسلة واحدة. كلها أشكال مختلفة لمقاومة الغياب. كلها محاولات إنسانية للإبقاء على شيء من المعنى في مواجهة النسيان.

ولعل أجمل ما تمنحه لنا الذاكرة أنها تعلمنا أن الغياب ليس نقيض الحضور دائماً. فبعض الغائبين أكثر حضوراً من كثير من الحاضرين. وبعض الصور تبقى حية في القلب رغم مرور العقود. وبعض الأماكن تواصل العيش في أرواحنا حتى بعد أن تتغير ملامحها أو تختفي من الوجود.

لهذا فإن الصورة ليست مجرد أثر بصري، والذاكرة ليست مجرد وظيفة عقلية. إنهما معاً الصيغة التي يبتكرها الإنسان لكي يتحدى الزمن. وحين نعجز عن إيقاف الزمن، نحاول على الأقل أن نمنح الغياب شكلاً من أشكال الحضور. وربما كانت هذه هي المهمة الأعمق للذاكرة: أن تجعل ما مضى قابلاً للحياة مرة أخرى، وأن تحول الغياب إلى حضور مستمر في القلب والوجدان.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

وعدتُ القرّاء باستكمال سرديّتي عن "المقاهي: ذاكرة المدن" بالإطلال على مقهى وحانة بودغيتا دل ميديو، التي جئت على ذكرها في كتابي الموسوم "كوبا الحلم الغامض" (دار الفارابي، بيروت، 2011)، وهي الحانة التي كان يرتادها الروائي إيرنست همنغواي في هافانا، وتذكّرت حواراتي مع الشاعر الكبير الجواهري في ثمانينيات القرن المنصرم بشأن طريقة عيش بعض الفنانين والأدباء الكبار وعلاقته بهم ورأيه فيهم، مثل بيكاسو وبابلو نيرودا ولوركا وماركيز وهمنغواي، وسبق أن جئت على ذلك في كتابي "الجواهري: جدل الشعر والحياة" (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997).

استذكرت ذلك وأنا أحتسي كأس الموهيتو اللذيذ (الموهيتو نوع من الروم Rum مضافًا إليه الليمون والنعناع والثلج) في حانة بودغيتا دل ميديو، فقد كان الجواهري يرى في همنغواي شخصية محيّرة، وغالبًا ما يتساءل عن غموض موضوع انتحاره، وحسب الجواهري فإن الكاتب الأمريكي الكبير همنغواي اكتسب شهرة كبيرة ومالًا كثيرًا وجاهًا عظيمًا وتقديرًا كبيرًا من جانب قائد مسيرة جبال السييرا مايسترا فيديل كاسترو ورفاقه، فلماذا ينتحر؟ هكذا كان يردّد ويتساءل مع نفسه.

وقد توقّف الجواهري عند ذلك في مذكراته أيضًا الموسومة "ذكرياتي" (جزءان، دار الرافدين، دمشق، 1988)، وجاء على ذكره صباح المندلاوي في كتابه "الليالي والكتب" (بغداد، 2009)، أن همنغواي كان يطلب من الناشرين 750 ألف دولار للاتفاق على طبع رواياته، وعاش مرفهًا في جزيرة حالمة وبأوضاع متميّزة، وبالمناسبة كنّا هادي العلوي وكاتب السطور نطلق في تسعينيات القرن الماضي على صهر الجواهري صباح، اسم صباح النجيب لموقفه النبيل في مساعدته في سنواته الأخيرة.

لقد ظلت ظروف مقتل همنغواي غامضة وملتبسة، وهي التي جعلت الجواهري يستعيدها أكثر من مرّة "كيف يستطيع من هو في هذه البحبوحة أن يقدم على الانتحار؟" فقد قيل إنه توفي بانطلاق رصاصة من بندقيته، التي أردته قتيلا في ظروف غامضة في 2 تموز (يوليو) 1961، وهو الذي ولد لأب طبيب في أواخر العام 1899 في مدينة صغيرة اسمها أوك بارك Oak Park، غير بعيدة عن شيكاغو، ونشأ في أسرة محافظة، لكنه أبدى ميلًا إلى التمرّد منذ نعومة أظفاره، وبالرغم من أنه كان تلميذًا نابهًا فإنه كان كثير الفرار من المدرسة، ومنذ وقت مبكر دخل عالم الصحافة والكتابة، ولم يكمل دراسته، لاسيّما عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، فتوجه همنغواي إلى ساحات القتال، كمراسل حربي.

وتروي ذاكرة الجواهري حكاية ذلك الصحافي الهاوي، الذي تقدّم للعمل في إحدى الصحف، فاشترط عليه رئيس التحرير أن يجري لقاءً مع الكاتب الشهير همنغواي لكي يقبل تعيينه، وبعد سلسلة اتّصالات وتنقّلات يحط الصحافي في هافانا، حيث يقيم همنغواي، ليلتقي به في حانة بودغيتا دل ميديو، ويخبره برغبته في إجراء اللقاء وشروط وحيثيات عمله المنشود، ويشعر همنغواي بالتعاطف معه، بل والإعجاب به، وبعد كأسين من الموهيتو يعرض عليه العمل معه سكرتيرًا  خاصًا بظروف أفضل، فيتفاجئ الصحافي "هوتشنر"  ويغمر قلبه الفرح والسرور ويبدأ على الفور بمرافقة همنغواي، بعد أن كان جلّ طموحه لقاء صحافي معه، وبعد رفقة ومعايشة لسنوات عديدة، يطالعنا هوتشنر بنشر كتاب قيّم عن همنغواي بعنوان "بابا همنغواي"، يورد فيه تفاصيل شائقة وماتعة عن حياته.

مزرعة همنغواي

خلال زيارتي لهافانا بحثت عن أثر همنغواي، ولطالما فكّرت في سبب اختياره كوبا، أو بالأحرى بقائه فيها بعد نجاح فيديل كاسترو ورفاقه في مسيرتهم الثورية لدكّ صرح الدكتاتور باتيستا (1 كانون الثاني / يناير 1959)، على الرغم من العداء المستحكم بين بلاده (الولايات المتحدة) وكوبا، فزرت فيلّته لا فيهيا "مزرعة همنغواي" في منطقة سان فرانسيسكو دي باولا، وهي ضاحية قريبة من العاصمة.

دُهشت حقًا وأنا أتجوّل في المزرعة، ففيها أنواع مختلفة ونادرة من الزهور والأشجار، جلبها من جميع أنحاء العالم، ولعلّ ذلك ما كان يشغل الجواهري كثيرًا، وكم تمنّيتُ لو كان الجواهري على قيد الحياة لأخبره بما رأيت، لاسيّما المركب الصغير الذي كان يصطاد (همنغواي) فيه السمك في عرض البحر الكاريبي، وكانت تلك إحدى هواياته، وما زال هذا المركب الأنيق موجودًا في مزرعته، وتحتوي المزرعة على صالات وغرفة ضيوف وغرفة طعام ومناظير وأنواع من البنادق وصفارات، إضافة إلى سينما صغيرة وأفلام وصور ولوحات وخمور وكؤوس متنوعة.

ذكرتني فيلّا همنغواي بزيارتي لفيلّا بابلو نيرودا الجميلة (Chascona) على ساحل جزيرة نيغرا الذي يبعد نحو 100 كيلومتر عن سنتياغو في تشيلي (2005) ، والتي كانت تحتوي هي الأخرى على أنواع الخمور والزجاجات والكؤوس، إضافة إلى إسطبل للخيول، وفيه حصان بكل متطلباته، مصنوع بمهارة ودقة كعمل نحتي وفني جميل، مع أن نيرودا لا يجيد ركوب الخيل، مثلما لا يجيد السباحة، بالرغم من أن فيلّته مطلة على البحر مباشرة، ولعلّ أجمل ما فيها هو غرفة الحبيبة ماتيلدا، التي تقع في الطابق العلوي، حيث بدت وكأنها تجلس فوق البحر، وكأنه أراد أن يستمع إلى موسيقاه المختلطة بالحب وأمواج البحر، حين يداعب النوم عيونه.

أينما وطئت قدماك

أمامك بحر

من الدُّريات

وخلفك بحر

من الحوريّات

الحسان

يغنين يرقصن

بوليرو.. ومامبو.. وتشاتشا

ورومبا.. وسلسا.. وصون

ويعشقن صفو الحياة

الجميلة، كأساً

وحباً

وأنساً

ويعشقهن صحبٌ

يدخّن روميو وجولييت

سيجارهن الأثير

رحيق اللسان

الحفيّ الحنون

***

(الشاعر المغربـي إدريس الملياني)

وللبحر وهمنغواي والجواهري قصة أخرى، أرويها تحت عنوان "الشيخان والبحر".

***

د. عبد الحسين شعبان

الشاب الذي أُغرم في صباه بكتابات العقاد وطه حسين، وجد نفسه وهو يدرس الفلسفة وجهاً لوجه أمام معلم من طراز خاص، اسمه زكي نجيب محمود، أستاذ فلسفة يعشق الشعر ويكتب في نقد الرواية ويناقش أصعب المسائل الفكرية، وكان إمام قد أُعجب بأسلوب زكي نجيب محمود في مناقشة معظم مفاهيم الأدب والفن والفلسفة والنقد، مناقشة جادة ومنطقية. في نهاية الخمسينيات، سيصدر زكي نجيب محمود كتابه "قشور ولباب في الأدب والنقد"، وسيكتب إمام عبد الفتاح إمام أولى مقالاته التي نُشرت في مجلة "المجلة"، وفيه يشيد بأستاذه زكي نجيب محمود الذي يناقش كل شيء، ولا يفوته شيء، ويغريه أن يعيد صياغة مفاهيم الأدب والفكر ويطالب بتجديدها، وستنشأ علاقة بين الأستاذ والتلميذ، وفي قاعة الدرس سيشرح الأستاذ معنى مفردة "الطاغية"، وسيشير الأستاذ إلى أن الفيلسوف الألماني هيجل أشار منذ عام 1840 إلى أن: "أهل الشرق لا يعرفون إن الإنسان حرٌ لمجرد كونه إنساناً عاقلاً، إنهم لا يعرفون إلا أن تكون الحرية لرجل واحد، ثم لا تكون حرية هذا الرجل الواحد إلا اندفاعه وراء نزواته".. يكتب إمام عبد الفتاح إمام في مقدمة كتابه "الطاغية": "الأصل في الاستبداد أن يكون بشرياً فيذوق إنسان بلسان وفم دنسين دماء أهله ويشرّدهم. وينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية ويتحول إلى ذئب – على حد تعبير أفلاطون! لكن البشر هالهم أن يتحول واحد منهم إلى طاغية. فإذا كانت له هذه الطبيعة الغريبة فلابد أن يكون من سلالة أخرى تفوق سلالة البشر فأضفوا عليه طبيعة قدسية إلهية".

تتسم معظم أعمال إمام عبد الفتاح إمام بالنبرة التساؤلية القلقة جراء الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا، حيث تأتي قيود الفكر في صدارة أوجاع عصرنا الراهن، ليس فقط لأنها تعكس حقيقة التخلّف الذي تعيش فيه هذه المجتمعات، بل لأنها شاهد على نمط القمع الذي تتعرض له الثقافة الحقيقية. وفي تصديه لمشكلات الفكر والحرية يحاول أن يصبح امتداداً لأستاذه زكي نجيب محمود الذي لم يكف يوماً منذ عودته من إنجلترا في الأربعينيات بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الفلسفة عن الدعوة إلى المنهج العلمي بكل ما يملك من حماسة وإيمان، وبكل ما يتاح له من وسائل النشر: كتب، صحف، مجلات، حوارات إذاعية، ولهذا سينصب جهد التلميذ إمام عبد الفتاح إمام على تتبع مفهوم "العقل" الذي حار في تفسيره الفلاسفة؛ العقل الجدلي كما أراد هيجل أن يكون، والعقل الذي يجب أن يرشدنا إلى حقيقة الوجود كما أراد له كيركجارد.

في الجامعة سيتعرف على هيجل وسيهيم بفلسفته، يتذكر أنه في أول شبابه قرأ هيجل لمدة عامين: "دون أن أفهم شيئاً"، كان أول كتاب قرأه لهيجل ظاهريات الروح، لكنه لم يتقدم خطوة واحدة، وسيعرف أن السبب ليس في كتب هيجل ولا في محاولة فهمها، بل لأنه كان يقرأ هيجل بعقلية أرسطو ومصطلحاته عن الفلسفة: "ولم أدرك وقتها أن هيجل – كأي فيلسوف عظيم – نحَت لنفسه مصطلحات جديدة من ناحية، وحوّر في معاني المصطلحات القديمة لتناسب أغراضه الفلسفية من ناحية أخرى".

يقرر أن تكون رسالته للدكتوراه عن "المنهج الجدلي عند هيجل"، وسيهدي رسالته إلى أستاذه زكي نجيب محمود: "الفيلسوف.. والمعلّم.. والإنسان.. وصاحب الروح الحرّة"، وسيتعلم من هيجل مثلما تعلّم من زكي نجيب محمود، أن الفلسفة إذا أُريد لها أن تكون معرفة منظمة فينبغي عليها ألا تستعير منهجاً من علم آخر، بل لا بد أن ينبع من صميم موضوعها ذاته، حيث نجد إمام عبد الفتاح يؤكد فيما بعد في معظم مؤلفاته واختياراته المترجمة، أن الفلسفة ليست مجرد تجميع لآراء، أو رواية لأفكار معزولة، وسيؤمن مثل هيجل أن الفلسفة: "تصبح رواية عاطلة أو بحثاً متحذلقاً" حيث يعتبرها البعض مجرد حصر لآراء مختلفة، وإنما باعتبارها مساهمة جادة وفاعلة في تغيير المجتمع.. وإن الفلسفة يجب أن تكون علماً وليست سراباً خادعاً. وسيتعلم من هيجل أيضاً مثلما تعلّم من كيركجارد وماركس وأفلاطون، أن كل مذهب من مذاهب الفلسفة يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة: "إذا قرأت الماركسية اقتنعت بها، وأصبح الاقتصاد هو الذي يقوم. عندما أقرأ الوجودية التي هي صرخة لإنقاذ الفرد أشعر أنها على حق في كل ما قالته.. – في حين إنني لا أرتاب في صحة البرجماتية التي تحيل الأفكار إلى عمل نافع وسلوك مفيد." يجعله الهيام بهيجل أن يتفرغ لترجمة أعماله الكاملة، وإصدار أكثر من مؤلف عنه باللغة العربية، كما سيتناول بالدراسة عدو هيجل الأول الفيلسوف الدنماركي كيركجارد، فيصدر عنه أوسع دراسة باللغة العربية بمجلدين يهديها إلى أستاذه فؤاد زكريا الذي كان بينه وبين فيلسوف الوجودية خلاف وتناقض في الأفكار، وسيعترف إمام عبد الفتاح إمام في دراسته عن كيركجارد بأنه لا يقاس بذرة من هيجل، وقد لا يكون عظيماً مثل كانط، أو فيلسوفاً شامخاً مثل أفلاطون وأرسطو، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون كيركجارد فيلسوفاً من طراز نيتشه مزج فلسفته بإيمانه أو بـ "دمه كما أراد هو" ... ويعترف إمام عبد الفتاح إمام أن فلسفة كيركجارد لم تكن إلا ثورة على الفلسفة الهيجلية التي ألقت ضوءاً جديداً على النزعة العقلية، وجعلتها تستغرق جميع الموضوعات، فكيركجارد يجعل شعاره: "ابتعدوا عن المذهب، ابتعدوا عن الفكر النظري، ابتعدوا قبل كل شيء عن هيجل".

من بين الموضوعات التي شغلت إمام عبد الفتاح إمام مسألة ذكورية الفلسفة، وهل إن المرأة لم تكن تعرف الفلسفة في عصور اليونان والرومان، وسينشر أكثر من بحث وكتاب عن هذا الموضوع يناقش به النظرة الدونيّة إلى المرأة التي كرّسها الكثير من الفلاسفة، ولاسيما فلاسفة اليونان، من أمثال أفلاطون وأرسطو، بل وبعض الفلاسفة المحدثين، مثل جون لوك وروسو وكانط وغيرهم، وهي النظرة التي تقول بعجز المرأة ونقص في قدراتها العقلية، وأنّ العاطفة تحكمها أكثر من العقل، فلا تقوى بذلك على ممارسة الفكر النظري التجريدي المنوط بالرجال لتعلقها الشديد بالحسيّات، وغير ذلك من الآراء والمواقف التي يحاول إمام عبد الفتاح إمام أن يدحضها بالموقف العلمي ويفنّدها، فيصدر موسوعته الشهيرة "المرأة في الفلسفة" بأجزائها العشرة وفيها يسلط الضوء على آراء أفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل وجون لوك وروسو وجون ستيوارت ميل الذي سيترجم كتابه الشهير "استعباد النساء" وسيخصص أحد الأجزاء إلى "النساء الفيلسوفات"، فالمرأة في الفلسفة كما يفهمها إمام عبد الفتاح إمام هي في حد ذاتها نص فلسفي منفتح على القراءة والتأويل فهي: "حاضرة في تاريخ الفلسفة، وإن جاز لنا أن نقول إن المرأة هي الفلسفة عينها. إذن فليس تاريخ الفلسفة إلا تاريخاً للمرأة، ومن هذه المقاربات الفهميّة، نجد أن صعوبة تعريف الفلسفة هي نفسها صعوبة تعريف المرأة وفهمها، فكلاهما متقلبتان، مراوغتان. كثيراً ما تدفعان العقل الذكوري في لحظة من لحظات يأسه، للابتعاد عنهما، ونسيانهما للأبد، إلا إنه لا يستطيع، فيهمّ بالعودة إليهما".

لقد كان الدكتور إمام عبد الفتاح إمام مفكراً تصدى لمشكلة الاستبداد والتخلّف والديمقراطية، مثلما تصدى لمشكلات الفلسفة بجميع جوانبها بوعي فلسفي وفكري منظم ويقظ، وكان عمله أشبه بالطبيب الذي أجرى الفحص وقام بالتحاليل واستقصى الأعراض، فعزل الداء وسمّى نوع المرض، وأوصى بنوع العلاج الذي هو الديمقراطية مهما كانت النتائج التي ستؤول إليها، لأنها في النهاية طريق ويجب أن نسلكه.. وكان في كل كتبه ومقالاته وعمله الأكاديمي أنموذجاً للمثقف الملتزم بقضية الإنسان والوطن، وللكاتب المخلص في العمل بلا مجاملات أو خداع للحقيقة.

تتسم أعمال إمام عبد الفتاح إمام - الذي رحل عن عالمنا يوم الثامن عشر من حزيران عام 2019 - في مجال التأليف والترجمة والتي تجاوزت الـ "مئة كتاب" بأنها تُعلي من شأن العقل، وفي جميع هذه الكتب كان الراحل يسعى لأن تكون الفلسفة في متناول الجميع، لأنها وحدها التي تحرّض على "إعمال العقل"، ولأن الفلسفة تبحث في نشاط العقل كما يتجلى ذلك في تاريخ الفكر، إذن "فالمنهج الفلسفي هو منهج عقلي، أو هو المنهج الذي يعبّر عن نسيج العقل نفسه.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

لم أتمكن من اقتناء كتاب الصديق عبد الجبار الرفاعي، الذي اختار له عنوانًا فرعيًا: "فصل من سيرة كاتب"، إلا منذ فترة قصيرة، في معرض الرباط للكتاب 2026، على الرغم من مرور ثلاث سنوات على صدوره، وما حظي به من احتفاء واسع في المشرق والمغرب.

التهمتُ الكتاب في زمن قياسي، ولا أشك أنني مررتُ على فقرات كاملة مرورًا خاطفًا، من دون تروٍّ أو تأمل، حتى إني لو عدت إليها اليوم لما تذكّرت أنها عبرت أمام ناظري. كنت أبحث فيه عن سيرة أخٍ تواصلت معه بعض مساراتي خلال العقود الأربعة الأخيرة، غير أنني ما إن بلغت صفحته الأخيرة حتى شعرت أن نفسي قد انقطع، وأن عطشي ما زال قائمًا.

 ليس هذا الكتاب سيرةً عادية كما ألفنا في المذكرات والسير الشخصية، على الرغم من أن مؤلفه أضاف إلى عنوانه الرئيس عنوانًا فرعيًا، هو: "فصل من سيرة كاتب". وأحسب أنه فعل ذلك عن وعي، احترازًا مما قد يوحي به العنوان الأصلي: "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة"، من أن الكتاب دراسة فكرية موضوعية في القراءة والكتابة. غير أن القارئ يكتشف سريعًا أنه أمام نص تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، والذاكرة بالرؤية الفكرية، إلى الحد الذي يغدو معه الحديث عن القراءة والكتابة حديثًا عن تكوّن الذات ومسار تشكّلها الروحي والأخلاقي والمعرفي، وتغدو السيرة نافذة لفهم عالم الكاتب أكثر من كونها تسجيلًا لأحداث حياته وتعاقب مراحلها.

يصبح العنوان الفرعي، إذًا، تنبيهًا إلى أن المسرّات والمخاض يعنيانه شخصيًا، وليسا مرتبطين بالقراءة والكتابة بوصفهما موضوعات "باردة". نحن في حضرة "حفلة موجعة" عاشها الرفاعي، وما زال يعيشها، على مرّ السنين، تطبع كيانه بكلّيته، عوانٌ بين بهجة القراءة وألم مخاض الكتابة. لذلك يقول في أول سطر من هذه "السيرة": "أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء".127 masarat

تعالوا نفكك طبيعة النص نفسه، ونبحث في علاقة الجُبّة التي ألبسه إياها المؤلف بالغاية الدفينة من إهدائنا هذه القطعة الأدبية. هل النص سيرة ذاتية؟ هل هو نص فكري أو فلسفي عن القراءة والكتابة؟ هل هو تأملات شخصية في موضوع مخصوص أمْلتها تجربة الكاتب الممتدة لعقود من الزمن؟ أم أنه مزيج من هذه جميعًا، تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، على نحو يصعب معه إخضاعه لتصنيف جاهز أو وضعه في قالب مألوف؟

 نؤكد منذ البدء أن الرفاعي حاول، من خلال العنوان، أن يساعدنا على ولوج أسرار نصه، حين أخبرنا أن محتواه يتعلق بما منحته له القراءة من مسرّات، وما عاناه من آلام المخاض في كل مرة يخوض فيها تجربة الكتابة. نعم، من هذه الزاوية يمكن اعتبار النص سيرة شخصية، وإن كانت سيرة مخصوصة ومتميزة عن نظائرها.

غير أن هذا الإحساس الأولي، أو هذا الاستعداد لفهم الكتاب بوصفه حديثًا عن مسرّات القراءة ومخاض الكتابة، سرعان ما يتعقّد، وربما يختلّ، كلما تقدمت في تصفح الكتاب. فعندما تتوقف عند فهرس الفصول، وعددها ثلاثة وعشرون فصلًا، تكتشف أن الكتابة ومتعلقاتها تتكرر في عناوين واحدٍ وعشرين فصلًا، أي بنسبة تزيد على 91%، في حين لا تظهر القراءة إلا في أربعة عناوين فقط. ويعبّر الرفاعي عن ثقل الكتابة على نفسه منذ المقدمة، حين يصرّح: "كلما فكرت بعمق وأنا أكتب ضاق فضاء الأجوبة واتسعت الأسئلة، ذلك ما يجعلني أتهيب اقتحام الكتابة، وأحاول ألوذ بخيمة القراءة" (ص 8).

قطعا لا تنتمي هذه الصفحات إلى طابع المذكرات الشخصية في شكلها التقليدي. لن تجد فيها تفاصيل حياة عبد الجبار الرفاعي والمراحل التاريخية التي مرّ بها وعلقت تفاصيلها بذاكرته، ولا يذكر شخوصها وتواريخها إلا بالقدر الذي يقتضيه السياق، كقصته مع مكتبته الشخصية التي يجددها في كل مرة بسبب الظروف القاهرة، أو حديثه عن علاقة القراءة بالواقع في سياق علاقته بأبنائه، أو علاقته الحميمة بأخيه الأكبر عند حديثه عن الكتابة الأيديولوجية في الفصل السادس عشر... إلخ. بل إن المؤلف لا يركّز حتى على شخصه فاعلًا في الأحداث أو متفاعلًا معها، وإنما يعرض حالاته، أو أطواره الذهنية والنفسية والعاطفية، التي يمرّ بها وهو يقرأ أو يكتب. تصبح الكتابة والقراءة الموضوع الرئيس في عملية السرد، ولا يحضر هو إلا باعتباره متفاعلًا، أو أداة، أو مولّدًا لهذا الموضوع. يقول: "حاولت في هذا الكتاب التحدث عن سيرتي ككاتب... أذكر خبرتي ككاتب وقارئ بغض النظر عن كيف يقرأ ويكتب الآخرون" (ص 89).

الكتاب هو بطل هذا السفر، وليس الرفاعي؛ لذلك كان حضوره بلسمًا للروح، لأنه كما يقول: "يشعرني بالأمن النفسي، ويؤنسني حين أشعر بوحشة الوجود"، بل ويصبح "أحد مهدئات الاكتئاب" (ص 22). يصف الكاتب بدايات شغفه بالقراءة، والتِهامه كل ما يقع بين يديه من صحائف، ويقرر سريعًا أن القراءة العشوائية: "حالة ملازمة للقراءة، تأكل عمر القارئ وتستنزف وقته"، لذلك يحذّر منها وينبّه إلى ضرورة تجاوزها عاجلًا (ص 31). يغوص الكاتب في أعماق فعل القراءة نفسه، فيستشهد بكانط وقولته الشهيرة: "ليست كل الكتب نافعة للقراءة"، ويفكك القراءة باعتبارها "ضربًا من الدهشة" و"متعة اكتشاف" (ص 32). لذلك يخصص إحدى فقراته لـ "تبذير العمر بقراءة كتابات تُفقر العقل" (ص 35)، ويفصّل في ذلك النوع من القراءات التي تزيد الجهل وتسطّح الوعي، ويضرب مثالًا على ذلك بمجال التنمية البشرية ودوره في تعطيل العقل وتفشي الرداءة والانحطاط.

يمكن تصنيف هذا "الفصل من سيرة كاتب" في خانة أنثروبولوجيا الكتابة والكتاب، وما يحيط بهما من دوائر، لا بمعناها المتداول بوصفها مبحثًا علميًا مخصوصًا، وإنما باعتبارها تجربة شخصية جدًا، يرفض صاحبها أن تكون بالضرورة معبّرة عن تجارب الآخرين: "ليست هناك وصفة جاهزة... تنطبق على كل إنسان في القراءة أو الكتابة" (ص 33). غير أن ذلك لم يمنعه من استخلاص محصلات من التجربة هنا وهناك، يتخذها أحكامًا عامة، كحديثه المطوّل في الفصل الحادي عشر عن علاقة الكتابة، ويقصد كتابته هو، بالاعتراف، والتخلص من الأوهام، والتحرر من قيود الجماعة والواقع التاريخي، وصولًا إلى موضوع الكتابة بوصفها حرفةً: "الكتابة هي الهوية المعرفية والأخلاقية للكاتب.كل كتابة تخون لغة كاتبها وتغرق بلغة مستعارة، كتابةٌ تخون قارئها وكاتبها" (ص 85).

عندما نقول إن أنثروبولوجيا الكتابة عند عبد الجبار الرفاعي، كما سطّرتها تجربته الشخصية، هي موضوع هذا الكتاب، فإننا نحيل بالأساس إلى ذلك العدد الكبير من الفقرات التي خُصصت للتفصيل في هوية الكتابة، ووصف حالاتها ومراتبها تحت عناوين، من قبيل: "الكتابة بوصفها مرانًا متواصلًا"، و"الكتابة بوصفها تجربة وجود"، و"الكتابة بوصفها سلطة"، و"الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي"... إلخ. وهي عناوين تتقصّى العلاقات الداخلية لفعل الكتابة، وتستكشف صلته العميقة بفعل القراءة وما يتولد عنه من أسئلة وتحولات.

بالرغم من المتعة والمسرّات التي وجدها الكاتب وحصّلها من وسط آلام المخاض التي عرفتها كتابته طيلة عقود، فإن هذه السردية لم تخلُ من بعض الفراغات التي اقتصر الكاتب على إلقاء حصى فيها لتحريك مياهها الراكدة، وهي فراغات تحتاج، ربما، إلى تفكيك وتشريح بالآليات نفسها المستعملة في هذا الفصل. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تعرضه في أكثر من موضع لنقد كتابات سيد قطب وأضرابه من أنصار تيار الإخوان المسلمين، وما جرّه طابعها الأيديولوجي المغلق من كوارث على العقل العربي والواقع المتردي لكثير من البلدان الإسلامية (ص 18؛ 115-118؛ إلخ).

غير أنه يسرد علينا على امتداد كتابه، أسماء كتّاب قرأ لهم وكان تأثيرهم سلبيًا، وأكثرهم من فضاء التيارات الإسلامية السنية، بينما يمرّ مرورًا عابرًا على كتّاب التيارات المنتمية إلى الفضاء الشيعي، مع أن الوصف نفسه، وربما النقد نفسه، يمكن أن ينطبق على بعض نتاجاتهم، خاصة أن الرفاعي انتمى إلى الحوزة العلمية في النجف ثم في قم، ومكث فيهما سنوات طويلة. من هنا يبرز سؤال يفرض نفسه: هل كان أولئك غائبين فعلًا عن المشهد؟ أم أن الساحة الحركية الشيعية لم تعرف في تلك المرحلة كتّابًا ومفكرين يمكن تطبيق النقد الذي ساقه الرفاعي على نتاجهم الأيديولوجي؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، ويستحق مزيدًا من الإضاءة والتأمل.

 غير أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن الرفاعي لا يستثني الإسلام السياسي الشيعي من نقده في مؤلفاته الأخرى؛ فكتابات هذا النوع من الإسلام السياسي شأنها في ذلك شأن كتابات سيد قطب والمودودي ويكن وغيرهم. ويبدو أن تركيزه في هذا الكتاب على الإسلام السياسي السني يعود إلى أن معظم أدبيات الحركات الإسلامية الشيعية وُلدت في سياقه وتأثرت به، وكانت كتابات البنا والمودودي والنبهاني أسبق من جميع كتاباته. التساؤل لا يتعلق بموقفه الفكري العام من الإسلام السياسي الشيعي بقدر ما يتعلق بالمساحة التي خصصها له في هذه السردية، وبحدود ما اختار استعادته من ذاكرته القرائية وتجربته الفكرية، ويعود ذلك إلى تأثره في مرحلة مبكرة من حياته في الدراسة الثانوية بكتابات سيد قطب.

 يبقى نص عبد الجبار الرفاعي بديعًا في بابه، فهو يتموضع في "برزخ" بين التأمل الفلسفي الأنثروبولوجي ومحاولة التعبير عن حالة التجربة الشخصية وهي تتشكل في صيرورة متواصلة، أي قبل أن تتحول إلى سيرة أو ذكرى أو إحداثيات.

كما أنه بديع في لغته المغمّسة برداء الشفافية والمباشرة والصدق والبوح والانكسار والاعتذار... إلخ. وهي لغة تأسر القارئ، لأنها تحكي، أحيانًا، عن كثير مما هو مدفون في غياهب نفسه.

وهو بديع في الرسائل التي يحملها إلى القارئ؛ إذ يريك كيف أن المكانة العلمية وهيبة الموقع الفكري لم تستطع أن تحجب عنه طيبة أجدادنا القدامى، ولا تواضع علمائنا الكبار، ولا شفافية روحه المحبة للإنسان، حيثما كان، وفي أي زمان ومكان.

***

عبد الحق الزموري - باحث وكاتب تونسي

عندما يطالع القارئ غلاف كتاب (كفاحي) للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد سيُثيره العنوان حتماً، وستعود به الذاكرة إلى كتاب (كفاحي) للزعيم النازي (أدولف هتلر)، الأمر الذي جعل بعض القراء يسخرون من الكاتب الذي يحلم أن يصبح مشهوراً باستخدام أسماء تثير حفيظة الناس.. يكتب كناوسغارد: «ليسَ هناك فرصة لأنّ يصبحَ أي أحدٍ نازياً من خلالِ قراءةِ الكتاب».. والمثير في الأمر أن كتاب كفاحي لهتلر وكتاب كفاحي لكناوسغارد انضما إلى قائمة الكتب الأكثر تأثيراً، الأول حين اختير ضمن مئة كتاب أثّرت على القرن العشرين، فيما اختير كتاب كناوسغارد ضمن قائمة نشرتها مؤخراً صحيفة (الغارديان) البريطانية لأفضل مئة كتاب صدرت في القرن الحادي والعشرين.. فيما تنظر إليه الأوساط الثقافية في النرويج باعتباره نجمها المفضل .

صدر الجزء الأول من سداسية كناوسغارد (كفاحي) عام 2009، آنذاك كان يبلغ من العمر 41 عاما -ولد في السادس من كانون الثاني / يناير عام 1968- وكان قد نشر بعض الروايات القصيرة، فازت إحداها بجائزة النقاد النرويجيين، لكنه قرر أن يكتب سيرة حياته، يسترجع الماضي، فوضع قرب سرير النوم رواية (البحث عن الزمن المفقود) لمارسيل بروست: «أردت أن أكتب شيئاً مختلفاً تماماً، أن أكتب عني وعن والدي».. والده كان يعمل في مهنة التعليم، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، يذهب كل انتخابات للتصويت للحزب الليبرالي، لكنه في يوم من الأيام تتغير حياته ليتحول إلى مدمن مخدرات، يتذكر أن والده كان في الأربعين من عمره عندما غادر المنزل دون أن تعرف العائلة ما الذي حصل، ليُتوفى بعد ذلك بسنوات قليلة. بعد عشر سنوات على موت الأب يقرر كناوسغارد أن يعيد رواية ما حدث من دون أية محاولة لتزويق الوقائع: «فقط الحقيقة من دون ألاعيب ولا ذكاء».

في البداية كان الكتاب يسير ببطء، مجرد خمس صفحات كل يوم، ثم أصبح الأمر نوعاً من التعويد؛ 20 صفحة يومياً، لا يهتم فيها بالمراجعة والتدقيق.. إنه يكتب عن كل شيء مرّ في حياته: «تفاهة كل يوم. يمكنني الكتابة عن أي شيء». لكنه بعد ذلك سيشعر بالخجل لأنّ الرواية كانت تروي ذكريات مؤلمة عن مرحلة الطفولة، وفترة المراهقة: «كان مثيراً للاهتمام بالنسبة لي فقط. لقد شعرت بالخزي من عرضه على دار النشر».

إضافة إلى سيرة الأب المتناقضة، كان هناك سبب للكتابة، إنها رواية مارسيل بروست التي تحدّته، فقد كان يسأل أصدقاءه: «هل يمكن قراءة رواية تتجاوز صفحاتها الـ 2000 صفحة، ومن ذا الذي لديه الوقت لذلك»، عندما نشر الجزء الأول من (كفاحي)، أعلن للقراء أن روايته ستتفوق على رواية بروست بعدد الصفحات: «أما الفن.. لا يجرؤ أحد أن ينازل العبقري الفرنسي»، بيعت أكثر من 500 ألف نسخة من الجزء الأول، في بلاد يبلغ عدد نفوسها خمسة ملايين. قال مرة للصحفيين «إن هناك أكثر من سبب للكتابة، فهو إنسان خجول بطبعه، لكنه في قرارة نفسه يعتقد أنه نسخة من أبيه، أراد من خلال الرواية أن يعيش حياة أُخرى وأن يمزج ما بين حياته الداخلية والخارجية، يروي الجزء الأول من (كفاحي) حادثة موت الأب ويمرّ على سيرة العائلة: طلاق والديه، مغامرات المراهقة، الجامعة، الزواج الأول، الأبوة، الضجيج والفوضى التي كان يحدثها والده في البيت، موت الأب. عندما قرر أن يروي كل هذه الأحداث لم يخبر حتى زوجته، اختلى في غرفته الخاصة مع حاسوبه الشخصي، يتذكر أن الساعة كانت تشير إلى الثالثة ليلاً، يشعر بالأرق، زوجته نائمة في غرفة مجاوره، ذهب يطمئن على أطفاله الثلاثة، عاد إلى الحاسوب وبدأ بكتابة الجملة الأولى: «وبالنسبة للقلب، الحياة أمر بسيط: ينبض طالما ظل قادراً على النبض، ثم يتوقف عاجلاً أو آجلاً»، وسيجد نفسه يواصل البوح عبر جهاز الكومبيوتر قبل أن ينتبه إلى أصوات أطفاله وهم يستعدّون للذهاب إلى المدرسة.. أصر أن يبقى الأمر طيّ الكتمان، كان يعرف أن الرواية ستسبب له مشاكل مع عائلته، «في مجتمع محافظ لا يمكن لك أن تنشر غسيل عائلتك القذر»، بعد نشر الجزء الأول حاولت عائلته التي أغضبتها الروية أن توقف نشر الأجزاء الباقية، هددت بمقاضاة دار النشر، أقامت دعوى قضائية على الابن العاق الذي يكذب، لكنه ظل يحاججهم دون جدوى: «كتبتُ الحقيقة، لكنه يصرون على أنها أكاذيب». ومثل كاتبه المفضل (روبرت موزيل) الذي أراد لروايته أن تستمد أحداثها من تجارب شخصية عاشها، يتذكر أن رواية موزيل الشهيرة (رجل بلا صفات)، جعلته يكتشف أن مشكلة الإنسان هي أنه لا يستطيع الحسم، ويخاف من المستقبل، بعد أن نُشرت (كفاحي) عاش كناوسغارد وهو يتوقع أن والده سيعود في يوم من الأيام ليعاقبه على ما ارتكبه من فضيحة بحقّ العائلة، التي وجدت نفسها مطاردة من الصحفيين يسألون: «هل حقاً فعلتم هكذا؟»، كانت زوجته هي الوحيدة التي اطّلعت على المسودات، قرأتها في رحلة قطار طويلة إلى ستوكهولم، قالت له بعد الانتهاء منها: «إن حياتنا معاً لا يمكن أن تكون رومانسية أبداً مرة أخرى»، وفي مرة أخرى اتصلت وهي تبكي، مر الزوجان بأزمة عميقة بعد النشر، يقول كناوسغارد إن القلق يطارده وهو ينظر إلى وجوه أطفاله: أتخيل أنهم سيقرؤون الرواية ويعرفون أشياء فظيعة عن والدهم.. كيف سيكون ردّ فعلهم على ما قرأوه؟ إنهم الآن سعداء بالحصول على الكتب التي كتبها، أما في المستقبل، فلا أعرف. وما أعرفه جيداً أنني لم أقصد إيذاء أحد، لقد كتبتُ بقلب نقيّ، لقد حاولت أن أقدم حياتي كما هي، إن تقديم العالم كما هو يجعل حياتي تستحق العيش». يصرّ على أن الحقيقة يجب أن تُكتب بلا تزويق. قال إن الكتابة جعلته يطرد الخجل من حياته: «حين تكتب، فالفكرة كلّها كيف تصير حرّاً. مِمَّ تصيرُ حُرّاً؟ من الناس الذين يبحلقون بك. أعتقد أن الخجل يلعب دوراً رئيساً في الحياة الاجتماعيّة. إنّه ينظّم كلّ شيء ويجعل الناس يتصرّفون بأدب ولياقة تجاه بعضهم البعض. لكنّني أملك الكثير منه، جرعاتٍ مفرطة. أنا مقيّدٌ للغاية وليس بوسعي فعل شيء" .

في سن المراهقة أراد أن يصبح كاتباً مشهوراً، يتذكر مقابلة أُجريت معه لإذاعة الكلية حين قارن نفسه بإرنست هيمنغواي وكنوت همسون، بعد صدور رواية (كفاحي) اكتشف أن بإمكانه الاختفاء داخل كتابته: «لطالما اختفيت حين كنتُ أقرأ، كانت هذه تقريباً هي غاية القراءة لديّ، ألّا تكون أحداً لبضع ساعات. الآن تحقّق ذلك أثناء كتابتي. أن تختفي بهذا المعنى، أن تدخل حالة نكران للذات، هو أمر أؤمن أن كل موسيقيّ، رسام، ممثّل، مُخرج وكاتب يعرفه. إنّه أمر كامن في جوهر الخلق ذاته. على خلاف أي وسيط آخر، بإمكان الأدب أن يكسر الحدود التي أقامها المُجتمع. إنّه يتحدّث بصوتٍ تأثّر بأصوات كل الأوقات والآداب الأخرى. المفارقة هي أن الشهرة، التي ما تفتأ تؤكّد على الفرد، وثيقة الارتباط بنكران الذات، الذي هو طمسٌ للفرد؛ فالرغبة بأن تُرى وثيقة الارتباط بمتعة إخفاء الذات».

في الجزء الأخير من الرواية يخصّص مقالة صغيرة عن هتلر ومذكراته، معترفاً بأن جزءاً من شعبيته المكتسبة نتيجة بوحه الذاتي المؤلم موازية لذات الحالة المدهشة التي أصابت الألمان عندما قرأوا كتاب هتلر (كفاحي) فتعاطفوا معه وتبعوه. والغريب في حياة كناوسغارد أنه لم يكن في يوم من الأيام مهتماً بالسياسة، وفي كل مرة يقول للصحفيين إن «مهمتي هي تقديم صورة شديدة السطوع عن ذلك الفخّ الذي وقعَت فيه البشريّة في هذه الأيام والتي يسمونها أيام الرأسماليّة المتأخرة، حيث فقدت روحها وتاهت بأروقة الضجر والكذب».

يعترف كناوسغارد بأن الكتابة جعلته يدمن على الشهرة، مثل إدمان والده على المخدرات، لكن الخجل لا يزال يطارده: «ما زلت أعاني من هذا الإحساس لدرجة لا أستطيع معها أن أحمل نفسي على ذكر ما حدث -وجهي على صفحات الجرائد الأولى، وجهي في التلفزيون- لأنّني، إذا ذكرتُ ذلك، كأنّني أقول: لقد صرتُ أحداً، انظر لي! لكن هذا ما أفكّر فيه فعلاً. لقد صرتُ أحداً، انظر لي. وفي الوقت نفسه، يخبرني شيءٌ آخر بالعكس: أنت لا أحد. لماذا تعتقد أنّك صرتَ أحداً؟ وهي فكرة جيّدة. إنّها فكرة أحتفظ بها ليس لأنّني مازوشي، بل لأنني واقعيّ».

بعد صدور الرواية بأجزائها الستة وما أثارته من ردود أفعال يسأل كناوسغارد نفسه: هل كان الأمر يستحقّ كل هذا الغضب والنبذ العائلي والاضطراب والكره الشديد؟: «دائماً ما أواجه بهذا السؤال المثير: هل تعتقد أن أدبك كل هذا الضجيج؟ هل الأدب أكثر أهمية من معاناة الناس بكشف أسرارهم؟ وفي كل مرة يكون دفاعي عن كل هذا، بالقول لقد فعلت هذا بقلب نقي». يؤمن أن الكتابة مهمتها تغيير مفاهيم الناس عن الحياة والموت، وأن مهمتها طرح سؤال: «ماذا يفعل الناس، وليس ماذا يقولون؟"

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

كأن الغياب الاختياري منذ سنوات طويلة لم يكن سوى نصّه الاحتجاجي الأخير.. يرحلُ الأديب الكبير سعيد عولقي، حارس الأسئلة القلقة، بعد أن ترك في جبين الذاكرة الأدبية والثقافية خطوطاً ومساراتٍ متينةً وبارزةً. لم تكن "التركة" مجرد مسرحية عابرة في سيرة البلاد، بل كانت وصيةً مكتوبةً بحبر النبوءات، وصدىً عميقاً لأوجاع وطنٍ تنهشه الحكايات المتنازعة. كانت نصوصه مرايا تعكس تشظي ذواتنا على سطح مياه التاريخ المتقلبة، والمتفرقة بعنفوان في كل الاتجاهات والمتاهات. يرحلُ اليوم ابن الأرض المتعبة، ليضيف إلى حزننا حزناً، وإلى لغتنا يُتماً جديداً، وكأن الموت بات لا يحلو له إلا أن يقطف حرّاس المعنى، واحداً تلو الآخر.

وُلد سعيد عولقي في عدن المُستعمَرة عام 1946، وكانت المدينة في شكلها الاجتماعي صورةً مكثفةً لتلاقي كل خطوط الطول والعرض للكون الكوسموبوليتي، ولتقاطعات اتجاهاته المتعارضة، فتكثّفت بالتفاصيل والعوالم المتنوعة، ثم تلتها فترة الاستقلال الوطني التي اعادت ضبط كل تفاصيل الحياة وفق توجهٍ إيديولوجيٍّ وحيدٍ وصارمٍ. وهكذا جاءت روايته "السمار الثلاثة"، الصادرة عام 1993، لتُقيم من هذه المدينة فضاءً روائياً بالغ التركيب، يعتمد على تقنية المفارقة والاسترجاع (الفلاش باك) بين أزمنة وحُقب مختلفةٍ تماماً.

ولعل رواية "السمار الثلاثة" أبلغ شهادة على ما أودعه عولقي في كتابته من فلسفة مضمرة، لا تُقرأ على سطح الحكاية، بل تتكشّف في طبقاتها الأعمق. فقد اختار أن يجعل من "النادي الثقافي" المحاذي لطريق الملكة أروى في عدن ليس مجرد حيزاً جغرافياً، بل فضاءً وجودياً بامتياز، هو المكان الأخير الذي غدا فيه النسيانُ فضيلةً، والفرحُ بالتالي ممكناً. وحين اُغلِقَت أبوابه أمام الفنانين والمثقفين وهُجِر، لم يسقط بناءٌ من الإسمنت، بل سقطت حصانة الحياة العادية في وجه جبروت اليومي وقسوته، لقد تم سلبهم نعمة النسيان، وردم كل ثقبٍ يتسرب منه الضوء إلى الوجدان الجمعي.

وفي هذا الفضاء الروائي المثقل بالدلالة، يتجلى "السمار الثلاثة" - الكاتب والملحن والمخرج - كأنهم أوجه متعددة لشخصية واحدة: المثقف العربي الذي أُوقف على حافة المعنى وخُيّر بين الصمت أو الانكسار. أحمد القاضي يحمل الشعر سلاحاً في معركة لا يُعلن عنها، لكنه يخوضها يومياً حين يكتب ما تفرضه المهنة لا ما تمليه القناعة. وأنور خان يعرف أن الأغنية التي تُصنع لأرواح ميتة لن تُحرك فيها ساكناً، فيقف أمام آلته الموسيقية كمن يقف يشدو أمام مقبرة. أما مهدي باسنبل فلا تمزقه الرقابة لأنها تسرق أعماله، بل لأنها تسرق منه حق التساؤل ذاته؛ ذلك الحق الذي هو أصل الفن وينبوعه.

وفي هذه الرواية، ابتدع الكاتب أسلوباً حوارياً فريداً أسماه صراحةً "العبارات الطائشة"، حيث يتراشق الأصدقاء بعبارات مجنونة تنطلق من أفواههم في كل الاتجاهات كالرصاص، لكنها دون هدف. هذا التراشق الحواري يتميز بالإيقاع السريع والتنقل المفاجئ بين المواضيع السياسية والاجتماعية الحساسة دون روابط منطقية ظاهرة، كما تتسم لغة الوحدات الحوارية بكثافةٍ تناصِّية تستدعي الأمثال الشعبية وشخصيات التراث والمرجعيات الفلسفية في آنٍ واحد، مُحوِّلةً السخرية السوداء إلى سلاح نقدي يُعريّ جميع أنواع التناقضات. وهذه التقنية تبرز حالة الغضب والتمزق الفكري للمثقفين، كما يصفها السارد بأن خطورتها تكمن في أنها لا تؤذي أحداً سوى المصدر الذي تنطلق منه (أي المثقفين أنفسهم). إنها ليست فوضى أسلوبية، بل هي صورة دقيقة لحال المثقف الذي فَقَد مرجعيته الصلبة وصلابته الذاتية وثباته الانفعالي؛ فكلامه الطائش يؤذيه هو قبل غيره، وغضبه يعود إليه سريعاً مثل رجع الصدى، ولهذا فقد بات يعيش في نظام لا يحتاج إلى قمعه، بل يكتفي بأن يجعله يقمع نفسه بعنفً من الداخل، ومع كل جملة يتفوه بها. هذا ما أدركه عولقي بعمق: أن أخطر أشكال التسلط هو الذي يتحول إلى حالة نفسية مكثّفة داخل ضحاياه أنفسهم.

وداعاً يا صانع الدهشة.. قد مضيتَ جسداً، لكن "تركتك" ستظل نقشاً على صخور وألواح البلاد، تقرأها الأجيال القادمة كلما اشتاقت إلى صوتٍ يُشبه تفاصيلها الكثيرة والمتنوعة، يلامس جوهر قلقها ومتاهاته المستدامة. رحلتَ ولم تُغلق سؤالاً واحداً، وهذا وحده كافٍ لتظل حياً في كل نص يُكتب على هامش الحكاية.

نبذة ذاتية - البطاقة التعريفية:

كاتب مسرحي، روائي، وباحث يمني بارز، من مواليد عام 1946م. يُعد من الرعيل الأول المؤسس للحركة المسرحية والثقافية في اليمن، وصاحب بصمة واضحة في الإدارة الثقافية والعمل النقابي.

المسيرة المهنية والقيادية

تدرج العولقي في عدة مهام ومناصب محورية ساهمت في تشكيل المشهد الثقافي اليمني:

- تأسيس الفرق المسرحية: شارك كعضو مؤسس في تكوين "فرقة الجنوب للمسرح" (1965م)، ثم "فرقة المسرح الحديث" (1969م).

- إدارة الأبحاث: انتقل للعمل بوزارة الثقافة والسياحة عام 1978م، حيث أسس وترأس "قسم الأبحاث والدراسات المسرحية" حتى عام 1979م.

- الصحافة الثقافية: ساهم في تأسيس وإصدار "مجلة الفنون" مطلع عام 1980م، وتولى مهام مدير تحريرها في فترة التأسيس.

- العمل النقابي: انتُخب عام 1987م رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين (فرع عدن).

- المناصب الحكومية: عُين مديراً عاماً للإدارة العامة للثقافة بوزارة الثقافة في صنعاء (1990م - 1995م)، ليصدر بعدها قرار جمهوري عام 1995م بتعيينه مديراً عاماً للمؤسسة العامة للمسرح والسينما.

الإنتاج الأدبي والفكري

زاوج العولقي في مسيرته بين الإبداع الخيالي والتوثيق المنهجي، ومن أبرز أعماله:

المسرح: عمله الإيقوني "مسرحية التركة"

التوثيق والدراسات: أصدر كتابه المرجعي المهم "سبعون عاماً من المسرح في اليمن" عام 1983م.

الأعمال الروائية والقصصية: صدرت له رواية "السمار الثلاثة" عام 1993م. كما حظيت قصته "الخلافة" باهتمام دولي وتُرجمت إلى اللغة الإنجليزية لتُنشر ضمن مجموعتين أدبيتين.

المقالات والصحافة: أصدر عام 1993م كتاب "شقلبانيات"، والذي يضم مختارات من كتاباته ومقالاته الصحفية، كما دوام على الكتابة الصحفي

***

أمين اليافعي

 

وُلد الباحث والناقد ثامر الحاج أمين البياتي في مدينة الديوانية عام 1955م، في مدينة تمثل إحدى أهم الحواضن الثقافية في جنوب العراق، حيث تتقاطع فيها القصيدة الشعبية مع السرد الشفاهي، وتتشكل فيها ملامح الوعي الجمعي عبر اللغة والإنشاد والذاكرة الريفية المتصلة بنهر الفرات. في هذا المناخ الثقافي المشبع بالإيقاع الشعري والحس الشعبي، تفتحت ملامح وعيه الأول، وتكونت لديه مبكراً علاقة خاصة بالكلمة بوصفها أداة فهم للعالم ووسيلة لتأمل التحولات الاجتماعية والثقافية.

أكمل دراسته الأولية في مدينته، ثم واصل دراسته الجامعية ليتخرج في كلية القانون حاملاً شهادة البكالوريوس، جامعاً بين دقة التفكير القانوني ومنهجيته من جهة، وبين الحس الأدبي المتنامي من جهة أخرى. هذا التداخل بين القانون والأدب أسس لشخصية نقدية تميل إلى التحليل الدقيق، دون أن تفقد حساسيتها الجمالية أو انحيازها للمعنى الإنساني في النصوص الإبداعية.

لم يكن القانون سوى محطة معرفية، بينما ظل الأدب هو المسار الأعمق في تكوينه. فقد انشغل منذ سنوات مبكرة بالقراءة الواسعة، وتابع النتاج الأدبي العراقي والعربي، وانفتح على التجارب النقدية الحديثة، الأمر الذي أسهم في صقل أدواته الفكرية وتشكيل رؤيته النقدية لاحقاً. ومع مطلع سبعينيات القرن الماضي، بدأ مسيرته الأدبية بكتابة القصة القصيرة، حيث نشر عدداً من نصوصه في الصحف العراقية الصادرة آنذاك، قبل أن يتدرج تدريجياً نحو المقالة النقدية والدراسة الأدبية، التي أصبحت لاحقاً المجال الأكثر حضوراً في إنتاجه الثقافي.

ومع اتساع تجربته، انخرط ثامر الحاج أمين في المشهد الثقافي العراقي بوصفه كاتباً وناقداً فاعلاً، فنشر مقالاته ودراساته في عدد واسع من الصحف والمجلات العراقية والعربية، من بينها: الزمان، طريق الشعب، المؤتمر، بغداد، الاتحاد، الشرارة، الصباح، الصباح الجديد، الدستور، الحقيقة، البينة الجديدة، القدس العربي، القبس الكويتية، الثقافة الجديدة، والتراث الشعبي وغيرها من المنابر التي شكلت فضاءً للحوار الثقافي في العراق والعالم العربي. ويكشف هذا التنوع في النشر عن اتساع اهتماماته النقدية، ومرونة خطابه الثقافي، وقدرته على مخاطبة جمهور متنوع في اهتماماته ومستوياته الفكرية.

ينتمي ثامر الحاج أمين إلى جيل من المثقفين الذين لم يكتفوا بالكتابة الفردية، بل انخرطوا في الفعل الثقافي المؤسسي، إذ أصبح عضواً في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، كما شغل موقع رئيس اتحاد الأدباء في الديوانية لدورتين متتاليتين. ولم يكن هذا الموقع مجرد منصب إداري، بل كان امتداداً لدوره الثقافي الفاعل، حيث أسهم في تنشيط الحركة الأدبية في مدينته، ورعاية الفعاليات النقدية والإبداعية، ودعم الأصوات الأدبية الجديدة، والعمل على تعزيز حضور الديوانية في المشهد الثقافي العراقي العام.

وتكشف سيرته عن نزعة واضحة نحو التوثيق الثقافي وحماية الذاكرة الأدبية، إذ لم يقتصر جهده على النقد والتحليل، بل امتد إلى جمع تراث الأدباء والشعراء وتقديمه للأجيال اللاحقة. وقد أولى اهتماماً خاصاً بالشعراء الراحلين وتجاربهم التي كادت أن تضيع لولا مبادرات فردية مخلصة في التوثيق والحفظ.

ومن أبرز أعماله في هذا السياق مساهمته عام 2008 في إعداد ومراجعة وطبع المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي الراحل كزار حنتوش، وهو عمل وثائقي بالغ الأهمية أسهم في إعادة تقديم تجربة أحد أبرز شعراء القصيدة الشعبية الحديثة في العراق. وفي العام ذاته، أعد وقدم ديوان الشاعر صاحب الضويري الموسوم (كتابات على جدار الزمن)، في إطار اهتمامه بتثبيت المنجز الشعري العراقي وتوثيقه.

أما في مجال التأليف، فقد أصدر مجموعة من الكتب التي تعكس تنوع اهتماماته بين النقد الأدبي والدراسات الثقافية والتأملات الفكرية، ويمكن الوقوف عند أبرزها:

- نهارات مشمسة (دار تموز، دمشق، 2011)، وهو كتاب يضم قراءات نقدية في تجارب إبداعية متنوعة، ويعكس بدايات نضج رؤيته النقدية.

- ما يمكث في القلب (دار كانون، 2015)، وهو عمل يجمع مقالات ودراسات تتناول الشعر والرواية وقضايا الفكر والثقافة، ويكشف عن حس إنساني واضح في مقاربة النصوص.

- سيرة وجع عراقي (منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، 2020)، وهو كتاب يمزج بين السيرة والنقد في قراءة تجربة الشاعر الراحل علي الشباني، ويعكس اهتمامه بتوثيق التجارب الإنسانية الموازية للإبداع.

- مرايا الطين (دار نيبور، 2021)، ويضم دراسات نقدية في نصوص أدبية مختلفة، تتسم بالتحليل الهادئ والقراءة المتأنية.

- قطاف ما بعد الموسم (2023)، وهو مجموعة مقالات تتوزع بين السياسي والاجتماعي والثقافي، وتكشف عن انشغاله بقضايا الواقع العراقي وتحولاته.

- التحليق في سماء ممطرة (دار رؤى، 2024)، وهو كتاب نقدي يعكس تطور أدواته التحليلية واتساع أفقه الثقافي.

- البقاء على قيد المهزلة (دار رؤى، 2025)، وهو مجموعة نصوص تأملية نقدية تقترب من الواقع العراقي برؤية تجمع بين القسوة والسخرية، وبين التشخيص والقلق الفكري.

وتبرز في تجربته سمة أساسية تتمثل في الوفاء للمبدعين العراقيين، إذ كثيراً ما انشغل بقراءة تجاربهم، وتوثيق سيرهم، وكتابة دراسات عنهم، خاصة أولئك الذين رحلوا بصمت أو غابت أعمالهم عن التداول الثقافي. وقد جعل منه هذا الاهتمام أقرب إلى (مؤرخ أدبي غير رسمي) للوسط الثقافي في الديوانية، حيث أسهم في حفظ جزء مهم من الذاكرة الإبداعية المحلية من الضياع والنسيان.

كما يلاحظ في كتاباته ميل واضح إلى اختيار الموضوعات غير المستهلكة نقدياً، والاقتراب من النصوص التي لم تحظَ بالقراءة الكافية، وهو ما منح أعماله طابعاً استكشافياً، وجعل مقالاته تتسم بروح البحث والاكتشاف، أكثر من كونها مجرد قراءات وصفية.

وفي شهادات أصدقائه ورفاقه، يقدم ثامر الحاج أمين بوصفه شخصية تجمع بين الرصانة الفكرية والإنسانية الهادئة، وبين الدقة النقدية والوفاء العاطفي، وهي سمات جعلت حضوره في الوسط الثقافي حضوراً مميزاً ومستمراً. وقد عبّر أحد أصدقائه عن هذا الأثر الإنساني بقوله إن (ثامر هو الذي مكث في القلب)، في إشارة إلى عمق أثره الشخصي والثقافي في من عرفه ورافقه.

ورغم تنوع مشاريعه وتعدد اهتماماته، فإن خيطاً ناظماً يظل حاضراً في تجربته، يتمثل في الإيمان بأن الكتابة ليست ترفاً معرفياً، بل مسؤولية تجاه الذاكرة الثقافية العراقية، ومحاولة مستمرة لحماية ما يمكن أن يضيع من التراث الأدبي في ظل التحولات السريعة التي يعيشها الواقع الثقافي.

إن تجربة ثامر الحاج أمين البياتي يمكن قراءتها بوصفها مشروعاً ثقافياً متكاملاً يقوم على ثلاثة محاور رئيسة: النقد بوصفه أداة فهم، والتوثيق بوصفه حراسة للذاكرة، والكتابة بوصفها التزاماً إنسانياً. ومن خلال هذه المحاور تتشكل ملامح ناقد لا يكتفي بقراءة النصوص، بل يسعى إلى حماية سياقاتها، وإعادة وصلها بتاريخها وبيئتها وتجارب أصحابها.

وبذلك يغدو ثامر الحاج أمين واحداً من الأصوات الثقافية التي لم تنفصل عن همّها الإنساني، وظلت ترى في الأدب العراقي مساحة للمعنى، وفي النقد وسيلة لإعادة الاعتبار للذاكرة، وفي الكتابة التزاماً لا ينتهي.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

قال الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف ذات مرة:

"لو سُئلت عن هويتك، أعلن بفخر: أنا من قيرغيزستان، موطن جنكيز أيتماتوف."

لم تكن هذه العبارة مجرد مجاملة أدبية لصديق أو زميل في الكتابة، بل كانت اعترافًا بمكانة كاتب استطاع أن يجعل من وطن صغير في آسيا الوسطى جزءًا من الخريطة الثقافية للعالم. فمن خلال أعماله تعرف ملايين القراء إلى قيرغيزستان وسهوبها وأساطيرها وشعبها، كما تعرفوا إلى واحد من أكثر الأصوات الأدبية صدقًا وعمقًا في القرن العشرين.

تمر ثمانية عشر عامًا على رحيل جنكيز أيتماتوف، الذي غادر العالم في العاشر من حزيران/يونيو 2008، لكن حضوره الأدبي لم يتراجع. فما تزال رواياته تُقرأ بلغات عديدة، وما تزال شخصياته تعيش في ذاكرة أجيال متعاقبة من القراء، وكأن الزمن لم ينجح في إبعادها عن الوجدان الإنساني.

ولد أيتماتوف عام 1928 في قرية شكر بمنطقة طلاس في قيرغيزستان. عايش منذ طفولته المآسي التي تركتها الحقبة الستالينية، بعد إعدام والده توره قول أيتماتوف. وفي المقابل وجد في جدته آيقمان مصدرًا غنيًا للحكايات والأساطير الشعبية، فشبّ بين عالمين: عالم التاريخ القاسي، وعالم المخيلة الشعبية. وسوف يرافقه هذان العالمان في مجمل مشروعه الأدبي.

حين بدأ الكتابة كان الاتحاد السوفييتي يعيش ذروة حضوره الثقافي والسياسي، وكانت الواقعية الاشتراكية تمثل الإطار الرسمي للأدب. وقد ظهرت بعض ملامح هذا المناخ في أعماله المبكرة التي انشغلت بالإنسان العامل، والتعليم، والتحولات الاجتماعية، كما في "المعلم الأول" وغيرها من النصوص الأولى.

غير أن أيتماتوف لم يبقَ أسير هذا الإطار. فمع تطور تجربته أخذ يبتعد تدريجيًا عن النماذج التوجيهية والأيديولوجية المباشرة، متجهًا نحو أسئلة أكثر عمقًا واتساعًا. لم يعد اهتمامه منصبًا على المجتمع وحده، بل على الإنسان نفسه؛ على ذاكرته، وحريته، ومصيره، وعلاقته بالطبيعة، والزمن، والموت، والحب.

ولهذا يصعب اختزال تجربته كلها في توصيف نقدي واحد. فكاتب "جميلة" ليس هو تمامًا كاتب "الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر"، وكاتب "وداعًا يا غولساري" ليس هو نفسه كاتب "يوم يمتد أكثر من قرن". كانت تجربته تتطور باستمرار، وكانت رؤيته للعالم تتسع مع الزمن لتستوعب التاريخ والأسطورة والفلسفة والأسئلة الوجودية الكبرى. ومن هنا جاءت فرادته.

لقد كتب عن السهوب القيرغيزية، لكنه كتب في الوقت نفسه عن الإنسان في كل مكان. كتب عن الرعاة والخيول والقرى النائية، لكنه كان يكتب أيضًا عن الحرية، والكرامة، والذاكرة، والحب. ولهذا وجد قراؤه أنفسهم في أعماله، سواء كانوا في آسيا الوسطى أم في أوروبا أم في العالم العربي.

وتبقى الذاكرة الموضوع الأكثر رسوخًا في عالمه الروائي. فالذاكرة عند أيتماتوف ليست أرشيفًا للماضي، بل هي جوهر الهوية الإنسانية. وفي رواية "يوم يمتد أكثر من قرن" ابتكر شخصية "المانقورت"، التي تحولت إلى رمز عالمي للإنسان المقتلع من تاريخه ووعيه وذاكرته. لقد أدرك أن أخطر أشكال الاستلاب ليست السيطرة على الجسد، وإنما السيطرة على الوعي. ولهذا يستحق أن يُوصف بحارس الذاكرة.

كان يقاوم النسيان في أكثر من مستوى: نسيان التاريخ، ونسيان الجذور، ونسيان القيم الإنسانية التي تمنح الحياة معناها. وكانت رواياته أشبه بمحاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من التحول إلى كائن بلا ماضٍ ولا معنى.

ولعل أبلغ ما يلخص فلسفته تلك العبارة الشهيرة المنسوبة إليه:

"أصعب شيء على الإنسان هو أن يكون إنسانًا كل يوم."

في هذه الجملة القصيرة يكمن جوهر مشروعه الأدبي كله. فشخصياته تواجه باستمرار امتحان الإنسانية: كيف تبقى وفيًا للخير وسط الشر؟ كيف تحافظ على كرامتك وسط القسوة؟ كيف تصون ذاكرتك وسط محاولات المحو؟ وكيف تحب دون أن تفقد حريتك أو حرية الآخر؟

ولم يكن تأثير أيتماتوف في العالم العربي أقل من تأثيره في موطنه أو في أوروبا. فقد وصلت أعماله إلى القارئ العربي مبكرًا عبر الترجمات المتميزة التي قدمها مترجمون كبار، وعبر إصدارات دور النشر السوفييتية التي انتشرت في العواصم العربية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

غير أن سر حضوره العربي لا يكمن في الترجمة وحدها. فقد وجد القارئ العربي في أعماله عالمًا قريبًا من وجدانه؛ عالم القرية والأسرة والأرض، والأسطورة، والوفاء، والحنين. ووجد فيه أيضًا أديبًا شرقيًا استطاع أن يمنح التجربة المحلية أفقًا إنسانيًا عالميًا. لهذا لم يكن أيتماتوف مجرد كاتب سوفييتي تُرجمت أعماله إلى العربية، بل أصبح جزءًا من التكوين الثقافي لأجيال كاملة من القراء العرب.

واليوم، بعد ثمانية عشر عامًا على رحيله، ما تزال رواياته تُقرأ بالحب نفسه تقريبًا. وما تزال شخصياته تتحرك في الذاكرة الإنسانية. وربما تنطبق عليه أكثر من أي وقت مضى العبارة التي آمن بها وكرّس أدبه للدفاع عنها:

"لا يموت الإنسان طالما هناك من يتذكره."

وهكذا يظل جنكيز أيتماتوف حاضرًا؛ ليس بوصفه روائيًا كبيرًا فحسب، بل بوصفه حارسًا للذاكرة، وحارسًا للإنسان أيضًا.

***

بولص آدم

‏يصعب عليَّ شرح سبب اصراري على مطاردة الكتب التي يتوجس زبائن المكتبة من الاقتراب منها، والاصعب شرح لماذا اقضي ساعات طويلة في محاولة حل لغز هذه الكتب. حين استرجع اليوم ذكرياتي اتخيل ذلك الصبي الذي يجلس وبيده الكتاب كأنه يتصارع مع صفحات تدفعه الى اليأس في بعض الاحيان، إلى أن يعتريه شعور بالاعياء أو الملل. لم اكن اعرف في ذلك الوقت الفرق بين متعة القراءة، وحشو الرأس بكلمات ستطير ما ان اخرج من غرفتي. كانت بعض الكتب ثخينة جدا، صفحات محشوة بسطور مضغوطة، مقاطع سوداء مكدسة الواحد فوق الآخر، وكان صاحب المكتبة عندما يشاهدني اتأبطأ كتابا سميكا، يبتسم وهو يقول لي ان مثل هذه الكتب ستخرب عقلك. ابقنت فيما بعد أن حالتي تشبه بطل رواية سيرفانتس " دون كيخوته " الذي نعرف ما حصل له من جراء كثرة قراءاته عندما كان: " يعذب نفسه في فهم بعض العبارات واستخلاص المعنى من احشائها " – دون كيخوته ترجمة عبد الرحمن بدوي -. لقد تحولت القراءة عندي الى إلى عادة، إن لم اصفها بالهوس. تجعل فرجينيا وولف من القراءة حاجة شبه فيزيولوجية.

‏كنت آنذاك اضع قائمة بالكتب التي سأقرأها، وقد اخذت هذه القائمة تتضخم بين الحين والآخر نتيجة لكثرة الكتب الجديدة التي تضاف الى المكتبة. يكتب سارتر ان القراءة: " تتألف من مجموعة فرضيات، من احلام تليها صحوة "، وكانت احلامي مرتبطة بالكتب، لكنها احلام من دون صحوة. احلم دائما أن اقرأ الكتب الصعبة، كل يوم ما ان ادخل المكتبة حتى اذهب باتجاه بعض الكتب التي امني نفسي بان احل الغازها ذات يوم.

‏في خضم ذلك وانا ممتلأ دهشة لاني امرر اصابعي على رفوف الكتب، سالني صاحب المكتبة: لماذا تطيل النظر الى بعض عناوين الكتب ؟. وجدت نفسي اقول له: لا اعرف.

‏كنت حقا لا اعرف لماذا انا مشدود مثلا لكتاب ضخم عنوانه " المنطق " مؤلفه جون ديوي، اسمه موجود على عدد من الاغلفة منها " الفن خبرة " و " البحث عن اليقين " وكناب آخر بعنوان " المدرسة والمجتمع ". اقلب كتاب " المنطق " وانا ادرك انني اواجه تحديا مخيفا مكونا من اكثر من " 800 " صفحة. انتبه لتحذير صاحب المكتبة: هذه الكتب ليست للقارئ العادي. إنها من النوع الذي يجعل رأسك يؤلمك.

‏في الحادية عشر من عمره عثر جون ديوي على كتاب تشارلز داروين " اصل الانواع " الذي اصابه ايضا بالصداع، ومن المثير ان عمر الكتاب هو نفسه عمر جون ديوي، حيث صدر كتاب داروين في نفس السنة التي ولد فيها جون ديوي. كان الفتى الذي يأمل والده أن يدرس التجارة، قد اثرت الكتب على خياله، حين قرر ان يصبح رحالة يطوف العالم على ظهر سفينة شبيهة بتلك التي تنقل فيها داروين بين البحار والمحيطات. في المدرسة يقرأ افلاطون وارسطو، وفي الوقت نفسه يتابع التطور العلمي الذي آمن به وقرر أن يستعين بالمناهج العلمية في تعزيز افكاره الفلسفية.

‏ولد جون ديوي في العشرين من تشرين الاول عام 1859 في مدينة برلينجتون مركز ولاية فيرمونت الامريكية، وهو نفس العام الذي ولد فيه الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون والفيلسوف الالماني ادموند هوسرل، كان ديوي الابن الثالث لعائلة من الطبقة الوسطى، الاب يعمل بقالا، لكنه كان شغوفا بقراءة شكسبير وملتون، يسمى جون على اسم شقيقه الذي توفي قبل ولادته بنحو اربعين اسبوعا، كان الصبي جون عاشقا للقراءة يذهب مع والدته الى المكتبة العامة، عمل في شبابه بمهنة بائع صحف ليتمكن من شراء كتب الفلسفة والعلوم، اصرت امه ان يكمل ابنائها تعليمهم الجامعي، دخل الجامعة في سن السابعة عشر حيث اختار دراسة الفلسفة، يتفرغ لقراءة افلاطون ويعترف ان كتاب " الجمهورية " أثر فيه كثيرا، وان الفلسفة الحقيقية تعود مصادرها الى افلاطون. بعد التخرج يلتحق للعمل مدرسا في احدى مدارس بنسلفانيا، بعدها يقرر الاقتراض من عمه مبلغا من المال ليتمكن من اكمال دراساته العليا،.دخل جامعة " جونز هوبكنز "، وهناك يتعرف على " تشارلز بيرس " ابرز الفلاسفة البراغماتيين، بعد التخرج يعمل ديوي مدرسا في جامعة شيكاغو، وقد تزامنت فترة الدراسات العليا لجون ديوي مع الفترة القصيرة التي قضاها وليام جيمس في جامعة هوبكنز. في تلك الفترة اعاد تشارلز بيرس احياء النادي الميتافيزيقي، حيث يصبح ديوي عضوا فيه، في شيكاغو ينشئ جون ديوي مدرسة يحاول ان يطبق فيها منهجه في التربية والتعليم: " اول الامور في تطور تفكيري اهمية التربية نظريا وعمليا في نفسي، وبخاصة تربية الصغار، لأنني لم اشعر ابدا بتفاؤل كثير فيما يخص التعليم العالي إذ بني هذا التعليم على اسس ضعيفة " – جون ديوي رسالة في فلسفة التربية المعاصرة ترجمة احسان القوصي – وهو يشدد على الحاجة الى جعل المدرسة مجتمعا حقيقيا، والعمل على تطوير ان يساهم في حياة المجتمع من خلال تدريبه على البحث العقلي. يصدر اول كتبه بعنوان " علم النفس الجديد " عام 1884، بعدها بثلاثة اعوام يصدر كتابه الثاني " علم النفس ".

‏عام 1905 يتم اختياره رئيسا للجمعية الفلسفية الأمريكية، يواصل اصدار مؤلفاته وكان ابرزها الخبرة والطبيعة، البحث عن اليقين، الفردية القديمة والجديدة، الفلسفة والحضارة، الفن كخبرة، تجديد في الفلسفة، وكتابه الرئيسي " المنطق.. نظرية البحث " والذي صدر عام 1938..

‏اهتم جون ديوي في سنواته الاخيرة بموضوعة " التربية " والتي لخصها في عدد من النقاط ابرزها:

‏1- ان التفلسف يجب ان يدور حول التربية باعتبارها تاج الاهتمامات الانسانية

‏2- اعتبار العلم هو التفكير النقدي، والاخلاق هي السلوك العملي. وقد اطلق على منهجه اسم " الادائية "

‏3- تخليص علم النفس من النزعات المثالية وتطبيق العلوم على درسة نفسية الانسان

‏4- تطبيق العلوم ومناهجه على العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصاد واللغة والادب.

‏في سنواته الأخيرة تعرض الى ازمات صحية، وعاني من الالتهاب الرئوي ليتوفي في الاول من حزيران عام 1952.

‏ربما من حسن حظي وأنا اجازف بقراءة كتاب جون ديوي " المنطق " ان المترجم زكي نجيب محمود قدم للكتاب باسلوب شيق اتسم بالسهولة واليسر، وكنت امني النفس لو ان المؤلف سار على منهج المترجم في الكتابة الفلسفية الميسرة، لكن يبدو ان الفيلسوف الامريكي أراد ان يحذرني من استسهال الدخول الى عالمه الفلسفي، حيث يكتب في الصفحات الاولى من كتابه انه: " امعن في الاصطلاح العلمي، اكثر مما يحتمله القراء ". اما النصيحة التي يقدمها لنا نحن القراء، هي أن نفسر صفحات الكتاب من خلال منهج عقلي. واذا لم يفهم القارئ فالخطأ كما يقول جون ديوي: " خطئي انا ولا ذنب له فيه "

‏في كتاب " المنطق " حاول ديوي ان يعرض منطقا يساير ويلائم تطور العلم الحديث، ويختلف مع منطق ارسطو ويؤكد زكي نجيب محمود في المقدمة التي كتبها ان هدف جون ديوي من كتابه هو: " تحليل عملية الفكر نفسها، فالأفكار ما طبيعتها وما أصلها؟ وكيف تطورت في عقل الإنسان من أصولها البيولوجية والاجتماعية الأولية البسيطة حتى أصبحَتْ ما أصبحَتْ؟ وبعبارة أخرى كان المنط هو أهم ما خلفه لنا هذا الفيلسوف، فكما أن أرسطو قد خلَّف من بعده منطقًا أقامه على أساس المنهج الاستنباطي الرياضي الذي يصوّر طريقة اليونان الأقدمين — وطريقة أهل العصور الوسطى المتديّنة — فقد كان ديوي في عصرنا الحاضر من بين من أقاموا منطقًا جديدا يصور طرائق البحث في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية" – المنطق ترجمة زكي نجيب محمود -.وقد اطلق على هذا المنطق اسما فنيا هو نظرية البحث، قاصدا بكلمة البحث هنا أن ينخرط الإنسان في مسلك عملي يعالج به موقفا مشكلا حتى يَنفض إشكاله، حيث يدعونا ديوي الى ان نؤمن بأن المفاهيم الفلسفية تابعة للظروف الاجتماعية، فهناك أسبقية للواقع الاجتماعي والنفسي على الفكر: "اهم خاصية فكرية للعصر الحاضر هي يأسه من بلوغ أية فلسفة، فبعد تقدم القرن الماضي أشواطاً بعيدة أصبحنا الآن نحس باهتزار أركان المعتقدات الفلسفية وانقلابها. ان انهيار الأفكار التقليدية فرصة نرحب بها، فبالإمكان حصول التعاون بين العلم والفن للتأثير في الصناعة والسياسة والدين والحياة المنزلية وعلى العلاقات الإنسانية بوجه عام "- المنطق ترجمة زكي نجيب محمود -

‏اشتهر جون ديوي بتاكيد مبدأ الخبرة، مقابل مبدأ التجربة. فالخبرة هي مجموع ما يحصله الانسان ثمرة تفاعله بالبيئة التي يعيش فيها، وتظل هذه الخبرة تتزايد طبقا للمبدأ الذي يؤكده جون ديوي وهو " خبرة التواصل "، وقد قدم ديوي معنى الخبرة وصلتها بالانسان والطبيعة في عدة كتب اهمها " الخبرة والطبيعة " وكتاب الخبرة والتربية – ترجمه الى العربية محمد رفعت رمضان – وكتاب " الفن خبرة – ترجمة زكريا ابراهيم – وفي هذا الكتاب يكشف عن طبيعة الفن ومسائل علم الجمال.

‏في فلسفته البرغماتية يرفض جون ديوي الرجوع الى سلطة اعلى من سلطة الانسان نفسه، ومن خبرته التي يكسبها من خلال العمل والتفكير والبحث، وهو الأمر الذي اثار عليه رجال الدين، لانه ينكر السلطة العليا، والقول بوجود سلطة في عالم السماء.

‏في كتابه "إعادة البناء في الفلسفة"، يرى ديوي أن الفلسفة ضلّت الطريق حين فصلت الفكر عن التجربة العملية. وهو يرى ان الفلسفة ومناهجها وموضوعاتها لم تعد لها قيمتها النظرية التي يمكن الاستفادة منها في عصرنا الحديث، ويستند ديوي في دعوته لإحلال العلم والديمقراطية والتربية بدلا من الفلسفة، الى التغير الذي حدث في مفاهيم العقل والخبرة والمنطق والمجتمع في القرن التاسع عشر، حيث كان يرى ان الفلسفة بمناهجها القديمة اصبحت عائقاً أمام تطور الأفكار، ومالم تؤسس الأفكار الفلسفية على مفهوم الخبرة والتجربة، فإنها تصبح افكاراً مجردة.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

إمتطىَ صهوة الشِّعر ولم يُبالِ بالمَوْت الحِمام

يقول الناقد البريطاني "إيّان جيبسُون" المتخصّص في شعر وحياة لوركا، فى كتابه الذي يحمل عنوان: (إغتيال غارسيا لوركا): " أنّ أعداء الحرية سلبوه منّا دون أن نرى صورته وهو عجوز، فقد إغتالوه في عمر الزهور ".ولوركا في مسرحيته الشهيرة (منزل برناردا ألبا) - التي أفردنا دراسة مطوّلة عنها- يقول : "الموت ينبغي لنا أن ننظر إليه وجهاً لوجه "، ويقول الشاعر والرّوائي والموسيقار الكندي “ليوناردُو كوهين": "أنا لا أفهم كيف لم تقم إسبانيا كلها لتحفر بأيديها جميع حقول غرناطة لتبحث عن رفات الشاعر لوركا"، ويقول الناقد الإسباني "ألفارو ماتياس": "إن غارسيا لوركا قد قيل عنه وفيه الكثير، ومع ذلك إنه ما زال يدعونا للمزيد من الدراسة، والتأمّل، وإعمال النظر فى شعره وإبداعاته،وهو يقف عاماً بعد عام شامخاً أمامنا، وقد غدا رمزاً للإبداع سواء لدى الشعراء التقليديين أوالمحدثين، وأمسىَ أيقونة الإبداع في هذا العصر، ولقد أصبحت أشعاره اليوم تنتشر في وسائل التواصل الإجتماعي على أوسع نطاق ". صادف الثامن عشرمن شهر أغسطس 2026 الذكرى التسعين لرحيل هذا الشاعر المنكود الطالع الذي خطفته يد المنون قسراً وقهراً وغبنا وعُنوةً في عزّ شبابه (38 سنة) ( وُلد في الخامس من يونيو 1898– واغتيل في 18 أغسطس 1936) مع انطلاق شرارة الحرب الأهلية الاسبانية التي أتت على الأخضر واليابس واستمرّت حتى 1939. .

رسائل لوركا من نيويورك ولا هافانا إلى أهله

من بين وثائق الشّاعر التي تمّ إيداعها مؤخراً في “مركز لوركا” بغرناطة كتاب عن لوركا خلال وجوده في مدينة نيويورك وفى العاصمة الكوبية لا هافانا (1929ـ1930) يضمّ هذا الكتاب 14 رسالة كلها تلقي الضوء على جوانب مهمّة من حياته واهتماماته خلال هذه الفترة من عمره . ويقف القارئ على المفاجأة الكبرى في هذه الرسائل وهي عدم رغبة الشاعر في نشر هذه الرسائل لأنه كان يعتبرها حميميّة وخاصة ونقرأ رغبته في هذا الصدد في الرسالة السادسة من هذه الرسائل الموجّهة لعائلته حيث يقول: "رسائلي ينبغي أن تقرأوها أنتم وحدكم، ولا يجب أن تقع في أيدي الغرباء، بمعنى هي مقصورة على العائلة فقط، إنها رسائل حميمية، هي لكم وليس لأحد، كما أنه ليس لها أيّ قيمة أدبية، بل لها قيمة عائلية، وان قيامكم بغير ما أوصيتكم به سيكون تصرفاً مُسفّاً من طرفكم".

ويقول الناقد الاسباني"خوسّيه غارسّيا نييطو" عن هذه الرسائل: "كنا سنُحرَم من هذه المصادر الرفيعة المتعلقة بالشاعر في حالة استجابة عائلة لوركا لوصيته والعمل بها وتطبيقها، ذلك أنّ الفقرات الواردة في هذه الرسائل هي من البساطة ولا تنطوي على أيّ مشاغل أدبية ذات أهمية قصوى، إلاّ أنها تحمل معلومات تسهم في فهم حياة الشاعر ودراسة معنوياته في تلك الفترة، وما كان يعتمل في ذاته من مشاعر، وما كان يساوره من قلق وارهاصات ابداعية كبرى خاصّة في مدينة مثل نيويورك". وبالنسبة لكثير من الكتّاب والنقاد فإنّ أجمل ما في هذه الرسائل ـ بغض النظر عن قيمتها ـ هي كونها تتعلق بقمّةٍ من قمم الشعر الاسباني في القرن العشرين.

إن التساؤلات ما زالت تطرح حتى اليوم حول الدواعي التي دفعت بالشاعر إلى القيام بهذه الرحلة إلى نيويورك، ويجيب “كريستوفر مور” في تقديمه لهذه الرسائل المخطوطة: ”إنّ الأزمة العاطفية التي كان يجتازها الشاعر في ذلك الوقت حقيقة وليست من اختراع النقاد، ولا شكّ أنّ العمل الأدبي غير قابل للتفسير من اجتهادات الشاعر والإندفاعات الحيوية للمبدع. وانّ تطلعاته في تلك الفترة كان يبترها سيف مأساوي عزاءً، ومرارةً، إنه يقول لأصدقائه في تلك الرسائل: إنه “يجتاز أقسى وأهمّ مرحلة من المراحل التي مرّت به في عمره”، كان لوركا بالفعل في ذلك الوقت يمرّ بمرحلة مخاض إبداعي حول موضوعات تتعلق بعدّة مجالات، انعكس ذلك في غير قليل من قصائده، حيث تفتّحت وتفتّقت قريحته عن أعمال عاطفية دفينة، وكذا عن اكتشاف عوالم جديدة لشعره، فضلاً عن عادات، وتقاليد، وأناس، كلّ ذلك عمل بطبيعة الحال بشكل ايجابي على تغذية تجربة الشاعر واثرائها، والذي يفاجئنا في هذه الرسائل هو جانبها الانساني، ذلك أنّه يكتب فيها لأبويْه ولإخوته فى فوينتي باكيروس، ويقدّم فيها دروساً لأسلوب العذوبة والرقة كما يمكن أن نلمس حماسه نحو هؤلاء الذين يحبّهم والذين يخشون عليه هم بدورهم مغبّة مغامراته.

 جذوة الحنين المتأجّجة عند الشاعر

كانت حقبة وجود الشاعر لوركا في نيويورك فترة ذهبية في حياته، كان لوركا يصف العالم الجديد بأنه عذب ومريح، كما يصف أصدقاءه الجدد ونجاحاته الأولى فيقول: "هذه الأيام أجدني منسجماً مع وسط نيويورك وهو وسَط مبتهج ويوحي بالترحاب” . كانت حياته في جامعة كولومبيا في نيويورك تسحره، وعنها يقول في احدى رسائله: ”أنا الآن محاط بالعديد من الأصدقاء، بأناس يهتمّون بي، والذين حاولت قدر استطاعتي أن أكون لطيفاً معهم، ولست في حاجة إلى القول أنّهم يحيكون هالة من الرضى حولي".

كان لوركا يشعر بحنين مفرط إلى بلده اسبانيا، وبشكل أكثر إلحاحاً إلى منزله الأوّل ومسقط رأسه في قرية " فوينتي باكيروس" ب “الأندلس” التي يحملها دائماً معه حيثما كان، يدفع به ذلك إلى إجراء مقارنات شعرية رائعة في هذا القبيل": يالها من روعة تلك الأغاني ـ يقصد غناء السّود – والتي يقارنها بالغناء الاسباني الأصيل ".ولا تحيد ذكرى الأندلس عن ذاكرته: "تلك الأندلس، أندلس البحر يا لرقتها، يا لروعتها، هنا يعرف المرء أهمية جمال اسبانيا".ونجد في هذه الرسائل لوركا الشاعر المُعبّر، المتواصل، المُتحمس، كما نجد طريقة حياته المرنة، وعمقه وانشغاله الانساني الكبير. كلّ ذلك كان يمهد لإقلاع سفينة ابداعاته بظهور إحدى أعظم قصائده التي عرفها شعره فيما بعد وهي"شاعر في نيويورك".

 في حالة ضياعي ابحثوا عنّي فى الاندلس !

الرّسالة الرابعة من هذه الرسائل كتبت من العاصمة الكوبية لاهافانا في الخامس من شهر أبريل 1930، وفيها يقول لوركا: “في حالة ضياعي لا تبحثوا عنّي سوى في الأندلس أو في كوبا” التي كانت إقامته بها طيبة ومريحة، كما يصف لوركا في رسالته لقاءاته مع غير قليل من الشخصيات المهمّة التي كانت موجودة في كوبا في ذلك الوقت مثل المشتغل بالدراسات الاسبانية "خوسّيه ماريا شاكون " الذي يُعدّ من أبرز الشخصيات التي كان لها تأثير على لوركا وقد جمعته به صداقة متينة. وهكذا يُفصح الشاعر عن بعض الجزئيات التي لا تلبث أن تصبح اتجاهاً مُميّزاً في شعره، كما ستغدو معالم واضحة في شخصيته: " لا تنسوا نصيحتي اليكم، أن يكون المرء شاعراً في أميركا خير من أن يكون أميراً في أوربّا"!

واتضح لنا الوجه الآخر لهذه الرسائل عندما ألقى الشاعر محاضرة عن “شاعر في نيويورك” إذ يقول: " لايمكن لأحد أن يكوّن لنفسه فكرة عن العزلة التي يشعر بها المواطن الاسباني هناك، وهذه الغربة تزداد وتتضاعف حدّتها إذا كان الإنسان من الجنوب (من الأندلس)، ففي حالة وقوعك فإنك تُداس، وفي حالة انزلاقك في الماء فإنهم يرمونك بالأوراق المُستعملة”، هل يناقض الشّاعر نفسَه أم تعيش في داخله شخصيتان متناقضتان لشخصية واحدة؟.إنّ لوركا يعيش "دائما ما يعيش" وتتجلّى أحاسيسه العميقة في آلامه، ومعاناته، وازدواجيته. وتعتبر هذه الوثائق والمراسلات من الأهميّة بمكان بالنسبة للشاعر ولعمله وابداعاته خاصّة وأنها تُنشر خلافاً لرغبته، وهي تفصح بجلاء عن المراحل التي تدرّجَ فيها في تحصيل معارفه، وصقل مواهبه وتطوير تجاربه، في هذه الحقبة من حياته.

حقبة المراهقة وريعان الشباب

عندما ظهرت هذه المجموعة من وثائق ورسائل الشاعر لوركا اعتبر ذلك حدثاً أدبياً كبيراً، ولقد تمّ العثور عليها في منزل المحامي "فيثنطي لوبيث غارسيا" الذي كان متزوّجاً من ابنة عمّه "كارمن غارسيا لوركا"، وهي تتألف من 78 رسالة وُجِّهت من طرفه إلى أبويْه وهي تلقي الضوء بشكل جليّ على ظروف مهمّة في حياته إذ تتعلق بفترة المراهقة وريعان الشباب عنده.

يشير الناقد الاسباني "ميغيل بوسادا": " إنّ مراسلات لوركا تُعدّ من أغنى المراسلات في الأدب الاسباني الحديث، إذ يحرّكه دوماً فيها همّه الدائم وشغله الشاغل في البحث عن الحقيقة بواسطة التعبير الأدبي. هذه الرسائل تسمو فوق بؤس الحياة اليومية لتحلق في الفضاء اللاّنهائي المفتوح للخلق والإبداع، وهذا ما يفسّر وجود العديد من الأشعار، والرسومات في بعضها، فضلاً عن إشارات الشاعر الدائمة إلى مغامراته الإبداعية، إنّ المتحدّث دائما فيها هو الشاعر الذي جعل من الشّعر مادة أساسية لحياته، لذا فإنه عندما يتوجّه بالكتابة إلى أقرب الناس إليه أو إلى الذين يحبّونه، فإنّ كتاباته على الرّغم من ذلك، لا تخلو من الإشارة إلى الشعر وهمومه ومعاناته.

تؤكّد هذه الرسائل لنا ما كنّا نعرفه عن لوركا، ففيها يمكننا أن نتأمّله شاباً مراهقاً وهو يلامس المأساة الإنسانية للوجود، والذي يشعر بالزّهو والفخار من مقالاته الأولى التي يدافع فيها عن توجّهاته الأدبية إزاء الاختيارات التي كان يريدها له والده، كان لوركا يكافح وينافح ويصارع من أجل امتطاء صهوة الابداع وركوب مركبة “الشعر الخالص النقي” والذي كان يفعل كلّ ما في وسعه من أجل إيصال شعره إلى الجمهور في كل مكان. .

يا أبتي لقد انطلقت كالسّهم ولا يمكن تغيير وجهتي!

ويقول لوركا في رسالة مخطوطة كان قد وجّهها إلى والده من دار إقامة الطلبة / بمدريد في ربيع 1920: والدي العزيز لقد وصلتني رسالة منك ذات لهجة رصينة وجادّة، وبنفس اللهجة أجبتك الآن كذلك، إن بي شوقاً كبيراً إليكم، أنا أكثر منكم، لأنكم هناك مجتمعون، وأنا هنا بمفردي، ولكن عندما تفرض الظروف نفسها على المرء فلا مردّ لها، إنني لن أتحمّل مشقّة الذهاب والإياب لأنّ ذلك يضرّ بي كثيراً، وينبغي لي أن أختار موقفاً قوياً للعمل، فهذه اللحظات مهمّة جدّاً بالنسبة لي، إنني أعرف جيّداً فيما تفكر (مع الأسف) إلاّ أنني أقول لك وأعدك- بكل وقار- وأنا الذي أحبك كثيراً، أنه عندما ينطلق رجل في طريقه فلا الذئاب ولا الكلاب بمقدورها أن تثنيه أو تحيده عنه، ولحسن الحظ أنّ لي سهماً يشبه سهم "دون كيخوته"، إنني في طريقي يا والدي، وأرجو أن لا تجعلني أرجع بنظري إلى الوراء، إنني أعرف أنكم تحبونني كثيراً، وأنتم لا تريدون لي سوى نفس العُملة إذ أنا أحبكم كذلك أكثر، أعلم أنكم تتمنّون أن أكون إلى جانبكم إلاّ أنّ ذلك أمراً تفرضه الظروف، ماذا سأفعل أنا الآن في غرناطة؟ أن أستمع إلى الخزعبلات، والترّهات، والأحقاد، والدناءات (هذا بطبيعة الحال لا يحدث سوى للرّجال الذين يتوفرون على موهبة)، وهذا أمر لا يهمّني في شيء لأنني أعلى من هذا كله، إلاّ أنه في آخر المطاف شيء مزعج، مزعج حقاً، إذ الحمقىَ لا تناقشهم في شيء، في مدريد هنا أناس محترمون، وأنا أخرج للتنزّه وسوف أعلمكم بالخبر الكبيرعندما أخرج على الناس بأشياء جديدة، وهكذا حتى يصبح لي اسم أدبي كبير، النجاح السّريع في كل شيء على آخر الخط قد يكون مضرّاً بالنسبة للفنان، هذا شيء، ومن جهة أخرى فأنا بصدد إعداد بعض كتبي، فأنا أمشي على أرجل من رصاص بتؤدة وتأنٍّ حتى أمخض كتاباً رائعاً، هنا أكتب، وأعمل وأقرأ، وأدرس، وهنا جوّ أدبيّ ممتاز، إنني أكاد لا أبرح المنزل إلاّ لماماً، والأصدقاء وهم كثيرون يأتون لزيارتي، إنني لا أغادر المنزل سوى للذهاب إلى "غريغوريو مارتين سيرّا" أو قسم تحرير جريدة "اسبانيا" مع جماعة من المثقفين المميّزين الشبان، إلاّ أنّ أهمّ شيء يمنعني من السّفر ليست كتبي بل لأنني أوجد في منزل للطلبة وهو ليس فندقاً، والإلتحاق بهذه الإقامة ليس أمراً هيّناً، بل يعود السبب إلى مميّزاتي وخصالي الشخصية وصداقاتي إذ أمكنني الالتحاق بها سريعاً، وظفرت بالمكان قبل عشرة كانوا ينتظرون قبلي، لأنني وصلت بيدين نقيتين، إنه شيء صعب أن أقول لهم في وسط العام الدراسي أنني سأغادر، لهذا السبب أرجو أكثر من أي شيء آخر أن تتركني هنا، إنني يا والدي العزيز رجل مُستقيم وجِدّي، هل أزعجتك يوماً؟ ألم أكن مطيعاً لك باستمرار؟ إنني أتصرّف هنا كما ينبغي لي التصرّف، أحسن ممّا كنت أتصرّف في منزلي، ذلك إنني هنا يجب أن أتّبع نظاماً جدياً، لقد سبّبتْ لي رسالتك الأخيرة إنزعاجاً وقلقاً بليغيْن، أشعر بشوق كبير لرؤيتكم، تقول لي إذا شئت أن أعود لفعلت ذلك، إلاّ أنني أؤكد لك أنك سوف تندم من ناحيتي، إنني أطيعك لأن ذلك واجبي، إلاّ أنك تكون بذلك قد سددت لي ضربة موتٍ قاضية، لأنك عندئذ سوف تملأني بالحزن، والكدر، والجزع، إنك سوف تسلبني الحماسة التي تغمرني الآن.

أرجوك والدي أن تتركني هنا حتى نهاية العام الدراسي وعندئذٍ سوف أعود إليكم صحبة كتبي منشورة، وبضمير مرتاح أكون قد كسّرتُ سيوفاً من جراء صراعي ضدّ المارقين دفاعاً وحماية وصوناً للفنّ الخالص، الفنّ الحقيقي. إنه ليس بمقدوركم تغييري الآن فقد خُلقتُ شاعراً، وفناناً مثل الذي يُولد أعرج، أو أعمى، أو وسيماً، اتركوا جناحيَّ في مكانهما، وأنا أضمن لكم أنني سأطير جيّداً هكذا، هذه هي الحقيقة يا والدي فلا داعي لإلحاحك على عودتي، لأن ذلك يملأني بالمرارة والألم.

لقد أعطيتك تبريراتي، ولئن كنت ثقيلاً فقل لي ذلك فأنا أعرف عندئذٍ الإجابة كرجل، أنه إذا كان للرجل ذكاء وفطنة فلا يصعب عليه كسب النقود، إنني أفكر هكذا، وأعتقد أنه معي الحقّ، إن الحياة والعالم ينبغي أن يُنظر إليهما بعيون صافية ملأى بالتفاؤل، وأنا يا والدي متفائل وأشعر بسعادة غامرة.

أرجو أن تجيبني كما أجبتك أنا، ولآخر مرّة أتوسّل إليك من قلبي أن تقرأ جيّداً هذه الرسالة وأن تراجع معانيها جيّداً، فكّر أنني لست مجرّد "شيء" أو "بضاعة" هي ملك لك وعزيزة عليك. فكّر أنّ لي حياة خاصّة بي وأنّ الذهاب والإياب يضرّان بي، إنه ينبغي لنا أن نكون جَسُورين جريئين كما ينبغي لنا أن لا نرضى بالوسط أو القليل فهذا شيء ممقوت، لا تسأل عن مثل هذه الأمور أصدقاءك المحامين والأطباء والبياطرة، هؤلاء الرّجال القليلو الهمّة الثقلاء، بل أسأل والدتي والأطفال، أظنّ أنه معي الحقّ وأنت تعلم أنني أحبك من كلّ قلبي..ابنك فيدريكو "(**).

لوركا تراث وطني اسباني

كانت مدينة غرناطة مسقط رأس شاعرها الكبير لوركا في (فوينتي باكيروس) قد اقامت مؤخراً احتفالات كبرى بالذكرى المائوية الثمانية والعشرين لميلاده، وقد تصادفت هذه الاحتفالات مع وصول جميع محفوظات ومخلفات لوركا، من مخطوطات، ورسومات، ورسائل وصور شخصية وأعمال نثرية ومسرحية ولقدتمّ إيداع هذه المخلفات في "مركز لوركا". وهذه الوثائق النفيسة أصبحت اليوم تراثاً وطنياً إسبانياً، وأن التظاهرات الاحتفالية التي تقام بين الفينة والاخرى احتفاءً به تدخل في نطاق تسديد دَيْن هذه المدينة المعنوي معه، وردّ الاعتبار له، وأنّ التكريم الذي حظي به كان على غرار التكريم الذي أقيم للعبقري بابلو بيكاسُو بمالقة في تاريخ سابق، هذا فضلاً عن تنظيم العديد من التظاهرات الثقافية، والأدبية، والشعرية، والنقدية، والفنية هذه الاحتفالات .(***)

(القسم الثاني من هذا المقال قريباً إن شاء الله) .

***

السّفير د. محمّد محّمد خطّابي

...................

(*) كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية -الأميركية للآداب والعلوم- بوغوتا- كولومبيا.

(**) نصوص رسائل لوركا المُدرجة أعلاه من ترجمة صاحب المقال عن الإسبانية .

 (***) تحريراً في مسقط رأس لوركا (فوينتي باكيروس) غرناطةفي ظهيرة الثامن من شهر يونيو 2026 (انظر صورتي المرفقة قبالة المنزل الذي ولد فيه لوركا) .

في ذكراه الحادية والتسعين

أعترف، وقد أعتدت أن أبدأ اعترافاتي في مستهل ما أكتب لا في ختامه، أنني كلما هممت بالكتابة عن محمد عفيفي مطر تملكني إحساس غريب بالخوف. ليس الخوف من شبحه، فرحمه الله كان في حياته من أرق الناس وأودعهم، بل الخوف من ألا أوفيه حقه، من أن تخونني العبارة، من أن أبدو سطحيًا وأنا أحاول الغوص في أعماق إنسان كان الغوص في الأعماق مشروعه الوحيد.

 واليوم، في ذكرى ميلاده الحادية والتسعين، أتشجع وأمضي. لا لأنني صرت أكثر ثقة، ربما لأن الصمت على هذا الرجل صار، في تقديري، ضربًا من ضروب العقوق الثقافي الذي لا يليق بأمة تدعي أنها تحتفظ بذاكرة.

خرج من الطين فصار فيلسوفًا

في قرية "رملة الأنجب" بالمنوفية، وفي عام 1935، ولد محمد عفيفي مطر. ولا بد لي هنا من وقفة، لأنني لا أستطيع المرور على هذا الاسم مرور الكرام. "رملة الأنجب" - يا للاسم! كأن القدر كان يدخر لهذا الطفل اسمًا على مسمى، كأن القرية نفسها كانت تعرف، بضرب من الحدس الغامض، أنها ستنجب شاعرًا استثنائيًا. نشأ مطر في ريف الدلتا، حيث الأرض السوداء التي لو غرست فيها حجرًا لأنبتته، وحيث الفلاحون الذين يعرفون قيمة الطمي أكثر مما يعرفها أساتذة الجيولوجيا في أعرق الجامعات. كان يمكن لهذا الصبي أن يصبح فلاحًا يزرع القطن والبرسيم، ويموت كما يموت ملايين الفلاحين، منسيًا في سجلات المواليد والوفيات. لكن شيئًا ما كان يختلف. شيئًا ما كان يتحرك في أعماقه كجنين لا يريد أن يولد فلاحًا.

ذهب إلى القاهرة. إلى جامعة فؤاد الأول التي صارت فيما بعد جامعة القاهرة. وهناك، حدث ما يشبه الانشطار النووي في روح هذا الشاب انقسم بين طين الريف الذي خرج منه لتوه، وفلسفة الإغريق التي كان يقرؤها لأول مرة. بين أرسطو وأغاني الحصاد. بين أفلاطون وطقوس الفلاحين. بين ابن عربي وأمثال الريف السائرة.

تصوروا معي المشهد، شاب ريفي، في يده اليمنى "جمهورية" أفلاطون، وفي يده اليسرى ذاكرة طفولته في الحقول. ماذا يمكن أن ينتج عن هذا التصادم؟ لا شيء أقل من زلزال شعري. وهذا بالضبط ما حدث.

لماذا تأخر مطر حتى السابعة والثلاثين؟

هناك سؤال يلح علي كلما قرأت سيرة محمد عفيفي مطر وهو لماذا أصدر ديوانه الأول "الجوع والقمر" في السابعة والثلاثين من عمره؟ في زمن صرنا فيه نرى شعراء لم يتجاوزوا العشرين ويصدرون دواوين تحصد الجوائز، يبدو مطر كائنًا من كوكب آخر. أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أنه كان شديد البطء إلى حد الشلل الإبداعي، وإما أنه كان شديد الاحترام للشعر إلى حد التقديس. وأنا أميل، وكل ما قرأته لمطر يؤكد لي ذلك، إلى أنه كان من الصنف الثاني.

لقد كان مطر يعرف، وأظنه تعلم ذلك من الفلاحين الذين عاش بينهم، أن الزرع الحقيقي يحتاج إلى وقت. فلا يمكنك أن تزرع اليوم وتحصد غدًا. لا بد من انتظار، من صبر، من ترك الحبة تحت الطين حتى تتشرب الماء وتتصدع قشرتها ويخرج منها البرعم على مهل. وهكذا كان يفعل بقصائده. كان يدفنها في أدراج مكتبه شهورًا وسنوات، يعود إليها كل فترة، يعدل، يحذف، يضيف، يغير كلمة هنا وكلمة هناك. كان ينتظر حتى تستوي القصيدة كما يستوي الثمر على الشجرة. لا قطف قبل الأوان.

وحين صدر "الجوع والقمر" عام 1972، كان عنوانًا صادمًا بكل المقاييس. "الجوع والقمر" - ليس "الحب والقمر" كما جرت العادة في الشعر العربي منذ امرئ القيس، وليس "الليل والقمر" كما عند الرومانسيين، بل "الجوع والقمر". الجوع الذي يعرفه الفقراء معرفة شخصية، والقمر الذي طالما حلموا به من بعيد. بين هذين القطبين وضع مطر الإنسان، ممزقًا بين ضرورات الجسد التي لا فكاك منها، وأحلام الروح التي لا سبيل إلى تحقيقها. وكان هذا هو محور شعره كله.

الطمي يتكلم... والمثقفون يصمتون

ثم جاء ديوان "ويتحدث الطمي" عام 1977. وهنا، اسمحوا لي أن أتوقف طويلاً، لأن هذا الديوان، في تقديري المتواضع، هو أحد أهم ما كتب في الشعر العربي في القرن العشرين كله، وليس فقط في السبعينات. ما الذي فعله مطر في هذا الديوان؟ لقد حول الطمي- هذه المادة الصماء التي ندوسها بأقدامنا ولا نلقي لها بالاً - إلى شاهد على التاريخ. إلى راو عليم. إلى ذاكرة جمعية. الطمي عند مطر ليس مجرد استعارة بلاغية، الطمي هو شخصية درامية بكل ما في الكلمة من معنى. هو الراوي الذي رأى الفراعنة وهم يبنون الأهرام، ورأى الرومان وهم يدخلون مصر، ورأى الفتح الإسلامي، ورأى المماليك والعثمانيين والفرنسيين والإنجليز، ورأى هزيمة 1967. رأى كل شيء، وظل صامتًا، حتى جاء محمد عفيفي مطر فكسر هذا الصمت بقصائده.

الطمي عند مطر هو التاريخ الحي. هو الشاهد الذي لا يموت. هو الصوت الذي يروي ما حدث حقًا، لا ما كتبه المؤرخون المنتصرون. وفي هذا، يشبه مطر أولئك الكتاب الكبار- ماركيز، فوكنر، نجيب محفوظ- الذين جعلوا من مكانهم المحلي الصغير نافذة تطل على التاريخ الكوني كله. قرية "رملة الأنجب" عند مطر هي "ماكوندو" ماركيز، هي "يوكنا باتاوفا" فوكنر، هي "الحارة" عند نجيب محفوظ. هي المكان الصغير الذي يحتوي العالم كله.

واللغة في هذا الديوان... ماذا أقول عن اللغة؟ إنها لغة لا تشبه أي لغة أخرى في الشعر العربي. لغة مكثفة إلى أقصى حد، كأنها قطعة ألماس مضغوطة. لغة تستعيد كلمات نسيتها العربية منذ قرون، وتشتق من الجذور اللغوية فروعًا جديدة لم تخطر على بال أحد.

لغة تشبه الحفريات الأثرية، كلما تعمقت فيها اكتشفت طبقة جديدة من المعنى، وكلما أعدت القراءة وجدت ما لم تجده في المرة السابقة. وهنا، لا بد لي من سؤال صريح، وقد تعودت أن أكون صريحًا حتى لو أغضبت صراحتي البعض لماذا لم يقرأ أحد "ويتحدث الطمي" كما يستحق؟ لماذا ظل هذا الديوان حبيس أدراج النقاد والمتخصصين، بينما كان يجب أن يكون في كل بيت، في كل مدرسة، في كل جامعة؟ هل لأن مطرًا كان صعبًا إلى حد يستحيل معه الفهم؟ أم لأننا - وهذه هي الحقيقة المرة - أمة لا تقرأ، وإذا قرأت فإنها تقرأ ما لا يوجع رأسها؟

الفرح... الذي لا يشبه ما تظنون!

في التسعينيات، كان محمد عفيفي مطر قد صار عجوزًا. شعره أبيض، وتجاعيده صارت تشبه تضاريس الأرض التي طالما تغنى بها. وفي هذه الفترة، أصدر رباعية "الفرح" (1990) و"احتفالية المومياء المتوحشة" (1992).

وهنا، حدث ما لم يكن متوقعًا، المبدع الذي ظل طوال عمره يكتب عن الجوع والطين والموت، بدأ يكتب عن الفرح! لكن الفرح عند مطر ليس الفرح الذي نعرفه نحن. ليس فرح العيد، ولا فرح النصر، ولا فرح الحب. إنه فرح تراجيدي، فرح يخرج من قلب الألم كما تخرج الزهرة من شق في جدار متهدم. إنه فرح نيتشه الذي يقول نعم للحياة رغم كل مآسيها. إنه فرح المتصوفة الذين يضحكون وهم يصلبون لأنهم رأوا وجه الحقيقة. هل يمكن أن تفرح وأنت تعرف أن النهاية هي الموت؟ هل يمكن أن تضحك وأنت ترى العالم من حولك ينهار؟ مطر يقول نعم. بل إن الفرح الحقيقي- في رؤيته- لا يولد إلا من هذه المعرفة. الفرح الذي لا يعرف الألم ليس فرحًا، بل سذاجة. الفرح الذي لا يعرف الموت ليس فرحًا، بل غفلة. أما فرح محمد عفيفي مطر فهو فرح العارف، فرح الذي رأى القاع وابتسم في وجه الهاوية.

ثم جاءت "احتفالية المومياء المتوحشة". وهنا، اسمحوا لي أن أقول إن هذا العمل هو واحد من أكثر الأعمال الشعرية العربية جرأة وإدهاشًا. المومياء- تلك الجثة المحنطة الراقدة في المتحف - تنتفض وتقوم. لا لترويع الناس كما في أفلام الرعب الهوليودية، بل لتحريرهم. المومياء تصير ثائرة. تصير رمزًا للإنسان العربي الذي حنط في توابيت التخلف والقهر والاستبداد، ثم رفض أن يظل ميتًا، فقام من قبره يبحث عن حياة. ألا تشعرون، ونحن نعيش هذه الأيام التي نعيشها، أن عفيفي مطر كان يكتب عنا؟ ألا ترون المومياء المتوحشة تنتفض في شوارع المدن العربية، ترفض أن تظل حبيسة التوابيت، تبحث عن هواء، عن حرية، عن كرامة؟ لقد كان مطر، بضرب من النبوءة الشعرية، يرى ما هو آت.

إشكالية الشاعر الفيلسوف!

من أكثر الأسئلة التي حيرت دارسي محمد عفيفي مطر هو هل كان شاعرًا فيلسوفًا، أم فيلسوفًا شاعرًا؟ والسؤال ليس لغوًا ولا ترفًا فكريًا، السؤال هو مفتاح أساسي لفهم هذا المبدع . الفرق دقيق لكنه حاسم. الشاعر الفيلسوف هو الذي يكتب شعرًا ثم يضيف إليه بعض الأفكار الفلسفية كما يضيف الطباخ البهارات إلى الطعام. أما الفيلسوف الشاعر فهو الذي يفكر كفيلسوف ويكتب كشاعر. الذي يمتص الفلسفة في دمه وعظامه وأعصابه، ثم حين يكتب الشعر، تخرج الفلسفة من بين أصابعه بشكل طبيعي، كما يخرج العرق من المسام.

ومطر، في رأيي الذي لا أزعم أنه صواب مطلق، هو من الصنف الثاني. لقد درس الفلسفة في جامعة القاهرة، وقرأ أفلاطون وأرسطو وهيجل ونيتشه، وتأثر بابن عربي والحلاج والسهروردي. لكنه لم يضع هذه الفلسفة على شعره كما توضع الكريمة على وجه الحلوى. لقد هضمها. حولها إلى جزء من نسيجه. ثم حين كتب الشعر، كانت الفلسفة حاضرة لا كأفكار مجردة، لكن كرؤية للعالم، كطريقة في النظر إلى الأشياء، كأسئلة وجودية كبرى تطل من بين سطور القصيدة.

اسألوا أنفسكم كم شاعرًا عربيًا قرأتموه فشعرتم أنه يطرح أسئلة حقيقية عن معنى الحياة والموت والوجود؟ كم شاعرًا جعلكم تتوقفون في منتصف القصيدة لتسألوا أنفسكم: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وما معنى كل هذا؟ هذا هو الفرق بين مطر وغيره. مطر لا يمنحك إجابات، يمنحك أسئلة. يربك يقينياتك. يهز قناعاتك. يجعلك تشك في كل ما كنت تظنه ثابتًا. وهذه، في رأيي، هي مهمة الشاعر أن يربك لا أن يريح.

اللغة... المغامرة المجنونة

لا يمكن أن أكتب عن محمد عفيفي مطر دون أن أتوقف عند علاقته باللغة العربية. فعلاقته بالعربية كانت علاقة عاشق بمعشوقة. حيث كان يتعامل مع اللغة العربية كما يتعامل النحات مع الرخام؛ يحفر فيها، يكتشف عروقها، يستخرج منها أشكالاً لم تكن متخيلة، يعيد تشكيلها حتى تصير شيئًا جديدًا تمامًا. إنه يستخدم مفردات لم تسمع بها من قبل. يستعيد كلمات ماتت منذ العصر الجاهلي. يشتق من الجذور اللغوية ألفاظًا جديدة على النسق الذي تتيحه العربية بطبيعتها الاشتقاقية. يركب الجمل على نحو غير مألوف يكسر أفق التوقع. يخلق إيقاعات خاصة به تنبع من أعماق النص لا من قوالب العروض الموروثة.

وقد قيل الكثير عن صعوبة لغة الشاعر محمد عفيفي مطر. قيل إنها معقدة، إنها غامضة، إنها نخبوية. وأنا لا أنكر هذه الصعوبة. نعم، مطر صعب. نعم، قراءة مطر تحتاج إلى قاموس وإلى معرفة بالتاريخ والأسطورة والفلسفة وإلى صبر طويل. لكن السؤال الذي أود طرحه هو منذ متى كانت السهولة معيارًا للقيمة الفنية؟ هل "ألف ليلة وليلة" أسهل من "عوليس" جويس؟ بالتأكيد. فهل هذا يعني أن "ألف ليلة وليلة" أعظم من "عوليس"؟ ليس بالضرورة.

صعوبة محمد عفيفي مطر ليست صعوبة مجانية ناتجة عن عجز عن التعبير أو خلط في الأفكار. إنها صعوبة تأتي من الكثافة، من تعدد طبقات المعنى، من الطموح إلى أن تقول القصيدة أكثر مما تقوله عادة. إنها صعوبة الجبل الذي لا يمكنك تسلقه وأنت ترتدي حذاءً جلديًا أنيقًا. تحتاج إلى أدوات، إلى تدريب، إلى جهد. لكن المنظر من القمة يستحق كل هذا العناء.

وهنا، أتوجه بسؤال إلى المؤسسات الثقافية والتعليمية في عالمنا العربي لماذا لا يدرس محمد عفيفي مطر في المدارس والجامعات؟ لماذا يحفظ طلابنا قصائد المتنبي وأبي تمام ويجهلون تمامًا أن شاعرًا بحجم المتنبي وأبي تمام عاش بيننا ومات منذ سنوات قليلة؟ أليس هذا تقصيرًا؟ أليس هذا جريمة ثقافية؟ إن جيلاً كاملاً من القراء العرب نشأ وهو لا يعرف شيئًا عن محمد عفيفي مطر. وهذا ليس ذنبه. هذا ذنبنا نحن. ذنب مناهجنا التعليمية التي لا تعترف إلا بالأموات، والتي تنتظر حتى يموت الشاعر بمئة عام لتبدأ في تدريسه.

الاعتراف الذي جاء متأخرًا

حصل محمد عفيفي مطر على جوائز: التشجيعية (1989)، العويس (1999)، التقديرية (2006). وصدرت أعماله الكاملة عن دور نشر كبرى. لكن السؤال الذي يلح علي هو هل كان هذا كافيًا؟ هل اعترفت به المؤسسة الثقافية العربية حقًا؟ أم أنها منحته جوائزها وأبقت شعره حبيس الأدراج؟

أنا، عن نفسي، لا أعتقد أن الجوائز وحدها تكفي. الجوائز شيء، والحياة في وجدان القراء شيء آخر. وشتان بين الشيئين. كم من كاتب حصل على جوائز الدولة التقديرية ثم مات ونسيه الناس تمامًا؟ وكم من كاتب لم يحصل على شيء وبقي اسمه متداولاً على الألسنة؟ الجوائز قد تكون اعترافًا من المؤسسة، لكنها ليست بالضرورة اعترافًا من القراء.

ومحمد عفيفي مطر، في رأيي، ظل محتاجًا إلى اعتراف القراء، إلى أن يمسك شاب في العشرين من عمره ديوانه ويقرأه بشغف، إلى أن تكتب عنه أطروحات جامعية بالمئات لا بالعشرات ، إلى أن يترجم إلى لغات العالم كما يترجم أدونيس ودرويش.

في سياق مختلف تمامًا

عندما نضع محمد عفيفي مطر في سياق الشعر العربي المعاصر، نكتشف أمرًا مدهشًا إنه لا يشبه أحدًا. وهذا هو مصدر قوته وضعفه . قارنه بصلاح عبد الصبور: كلاهما فيلسوف، لكن عبد الصبور أكثر سردية، أكثر اتصالاً باليومي، أقرب إلى الناس. ومطر أكثر تكثيفًا، أكثر انطلاقًا إلى الأسئلة الوجودية الكبرى، أكثر صعوبة وأقل شعبية. أو قارنه بأدونيس: كلاهما يحفر في التراث، لكن أدونيس أكثر جدلية، أكثر صراعًا مع الموروث، أكثر ميلاً إلى الثورة على الثوابت. ومطر أكثر تصالحًا، أكثر امتصاصًا للتراث وتحويلاً له إلى نسيج حي. ثم قارنه أخيرا بمحمود بدرويش، ستدرك أن درويش هو شاعر القضية والحياة والموت اليومي. أما محمد عفيفي مطر فهو شاعر الوجود والتاريخ واللغة. درويش يقرأه الملايين، ومطر يقرأه المئات. وكلاهما عظيم، لكن بطرق مختلفة تمامًا.

إنه لا يشبه أحدًا. وهذا يعني أنه لم يرث جمهورًا جاهزًا من مدرسة شعرية سابقة، ولم يجد مكانًا محجوزًا له في الذائقة الجمعية. كان عليه أن يصنع كل شيء من البداية: لغته، جمهوره، مكانته. وهذا مشروع لا يكتمل في حياة شاعر واحد، بل يحتاج إلى أجيال.

كلمة أخيرة... أو ربما رسالة إلى المستقبل

في 28 يونيو 2010، مات محمد عفيفي مطر. مات الشاعر الذي أنطق الطمي وأحيا المومياء وجعل من الجوع والقمر ثنائية وجودية لا تنسى. مات كما عاش بهدوء، في الظل، بعيدًا عن الأضواء التي كان يهرب منها طوال حياته. لكن شعره لم يمت. لا يمكن أن يموت. إنه هنا، بين أيدينا، في دواوينه التي تنتظر قارئًا من طراز خاص. قارئًا لا يريد الشعر ليتسلى به، إنما ليغير حياته. قارئًا يقبل التحدي، يغامر في دروب اللغة الوعرة، يصعد جبل الصعوبة صابرًا محتسبًا، حتى يصل إلى القمة. هناك، في القمة، ينتظره محمد عفيفي مطر، بابتسامته الريفية الوديعة، ليهمس في أذنه: "أتعرف؟ لقد كنت أنتظرك. لقد كتبت هذا كله من أجلك."

وهنا، في ذكرى ميلاده الحادية والتسعين، أوجه دعوة إلى كل من يقرأ هذا المقال، اقرأ محمد عفيفي مطر. لا تقل إنه صعب، لا تقل إنه غامض، لا تقل إنك لا تملك وقتًا. فقط ابدأ. اقرأ صفحة، ثم صفحة أخرى. ثم سترى. سترى كيف تتغير علاقتك باللغة العربية. سترى كيف تصير القصيدة رحلة. سترى كيف يصير الشعر مغامرة في أعماق الوجود. وربما، بعد أن تنتهي، ستكتشف أنك لم تعد الشخص نفسه الذي بدأ القراءة. وهذا، بالضبط، ما كان يريده محمد عفيفي مطر.

***

د. عبد السلام فاروق

 

قراءة في الإرث العلمي للشيخ محمد إسحاق الفياض

برحيل الشيخ محمد إسحاق الفياض، لا يُطوى اسم فقيه من أعلام الحوزة فحسب، بل تُستعاد، في مستوى أعمق، أسئلة بنيوية تتعلق بطبيعة تشكّل المرجعية الشيعية الحديثة، وبكيفية إنتاج الشرعية العلمية داخل الحقل الحوزوي، وبحدود العلاقة بين “المدرسة” و“التاريخ” و“التحول المعرفي”. فالأسماء الكبرى في هذا السياق لا تُقرأ بوصفها سِيَراً فردية، بل بوصفها علامات على مسارات طويلة من التكوين والتراكم والتنازع الهادئ بين أنماط مختلفة من إنتاج المعرفة الدينية.

في هذا الأفق، يغدو الشيخ الفياض أكثر من مجرد امتداد لمدرسة السيد أبي القاسم الخوئي؛ إنه علامة على لحظة تاريخية حاولت فيها الحوزة النجفية أن تحافظ على بنيتها الكلاسيكية، وفي الوقت نفسه أن تتعامل مع الأسئلة الجديدة التي فرضها التحول الفكري الذي مثّله مشروع المفكر الإسلامي الرائد السيد الشهيد محمد باقر الصدر. بين هذين القطبين تتحدد ملامح تجربة لا يمكن اختزالها في الانتماء المدرسي، بل ينبغي قراءتها ضمن دينامية أوسع تتعلق بـ“اقتصاد الاعتراف العلمي” داخل الحقل الديني.

لقد تشكل وعي الشيخ الفياض العلمي داخل فضاء المدرسة الخوئية، وهي مدرسة لم تكن مجرد اتجاه فقهي، بل بنية معرفية متكاملة أعادت تنظيم العلاقة بين النص والعقل، وبين الاستدلال واليقين، وبين الفقه بوصفه ممارسة يومية والفقه بوصفه نسقاً معرفياً صارماً. وفي هذا السياق، لا يظهر الفياض بوصفه متلقياً سلبياً، بل بوصفه أحد الفاعلين الذين أعادوا إنتاج هذه البنية من داخلها، حتى غدا جزءاً من امتدادها التاريخي الطبيعي.

وتكشف الشهادة المنسوبة إلى السيد الخوئي في تقريظه لكتاب «محاضرات في أصول الفقه»، حيث وصفه بـ«قرة عيني العلامة المدقق الفاضل»*، عن أكثر من مجرد علاقة أستاذ بتلميذ. إنها، في عمقها، لحظة اعتراف داخلية في بنية المدرسة نفسها، حيث لا تُمنح الشرعية بوصفها امتيازاً اجتماعياً، بل تُنتج بوصفها نتيجة لمسار طويل من الاختبار العلمي داخل الدرس الحوزوي. إن هذه العبارة، بما تحمله من كثافة رمزية، تعكس انتقال التلميذ من موقع التلقي إلى موقع المشاركة في إنتاج النسق نفسه.

غير أن هذا النسق لم يبقَ مغلقاً على ذاته. فالحوزة، بوصفها حقل معرفة، لا تتحرك خارج التاريخ، بل تتشكل داخله. ومع بروز مشروع السيد محمد باقر الصدر، دخل علم الأصول في لحظة مراجعة عميقة، لم تقتصر على الأدوات، بل مست البنية المفهومية ذاتها. فقد أعاد الصدر طرح سؤال المعرفة الأصولية من داخلها، وأدخل مفاهيم جديدة أعادت تشكيل أفق التفكير الفقهي، ولو جزئياً.

في هذا السياق، يمكن فهم موقع الشيخ الفياض بوصفه موقعاً وسيطاً لا يقوم على القطيعة ولا على الذوبان. إنه موقع إعادة التوازن داخل حقل متحرك: من جهة، وفاء واضح للمنهج الخوئي في صرامته التحليلية وبنيته الاستدلالية؛ ومن جهة أخرى، انفتاح محسوب على الأسئلة التي أثارها المشروع الصدري، من دون الدخول في إعادة تأسيس جذرية للمباني الأصولية. هذا النمط من التوسط لا ينبغي فهمه بوصفه تردداً، بل بوصفه شكلاً من أشكال إدارة التحول داخل بنية معرفية تقليدية شديدة التعقيد.

ولعل ما يزيد هذه الصورة تعقيداً هو أن الشرعية العلمية في الحوزة لا تُبنى فقط من الأعلى (الأستاذ)، بل أيضاً من تفاعل الحقول المختلفة داخل الوسط العلمي نفسه. وفي هذا السياق، تشير بعض المعطيات المتداولة في الأوساط الحوزوية إلى أن السيد محمد محمد صادق الصدر لم يتعامل مع الشيخ الفياض بوصفه حالة إشكالية، بل بوصفه أحد الفقهاء الذين تتوفر فيهم شروط الاعتبار العلمي والاجتهاد، وهو ما يعكس درجة من القبول العابر للاتجاهات، حتى داخل سياقات فكرية مختلفة منهجياً. وهذه الإشارة، في بعدها الرمزي، تُقرأ بوصفها اعترافاً ضمنياً بسلامة البناء العلمي للشيخ الفياض، حتى داخل سياق فكري مختلف عنه منهجياً.

ومن زاوية أوسع، وفي سياق التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003، لا بد من الإشارة إلى أن موقع الشيخ الفياض داخل الحقل المرجعي اتسم بدرجة ملحوظة من التحفظ تجاه الانخراط المباشر في المجال السياسي، وهو ما لا ينبغي قراءته بوصفه موقفاً سلبياً أو غياباً عن الشأن العام، بقدر ما يُفهم ضمن نمط محدد من أنماط اشتغال المرجعية النجفية، القائم على التمييز بين وظيفة الفقيه بوصفه منتجاً للمعرفة الشرعية، وبين موقعه بوصفه فاعلاً سياسياً مباشراً. ففي حين اتجهت بعض المرجعيات إلى توسيع مساحة التفاعل مع المجال السياسي الجديد بكل تعقيداته، حافظ الشيخ الفياض على مسافة محسوبة من هذا المجال، مفضلاً إبقاء مركز الثقل في الدرس الفقهي والأصولي بوصفه مصدر الشرعية الأول. ويمكن قراءة هذا الخيار ضمن ما يمكن تسميته بـ“التحفظ المؤسسي للمرجعية التقليدية”، الذي يسعى إلى حماية استقلال الحقل الديني من التداخل الحاد مع ديناميات السلطة، دون أن يعني ذلك الانسحاب من المجال العام أو تعطيل وظيفة التوجيه الديني والاجتماعي. وبذلك يندرج هذا الموقف ضمن تعددية داخلية في بنية المرجعية الشيعية المعاصرة، لا تنفي أحد أنماطها، بل تكشف عن اختلاف في تصور حدود العلاقة بين العلم الديني ومجال الدولة الحديثة.

ومن ثم فإن اجتماع شهادتين من هذا النوع - تقريظ السيد الخوئي من جهة، والقبول النسبي داخل الامتداد الصدري من جهة أخرى - يُنتج دلالة مزدوجة مهمة: الأولى تتعلق بشرعية التكوين العلمي داخل المدرسة الأم، والثانية تتعلق بقدرة هذا التكوين على العبور بين الحساسيات المدرسية المختلفة دون أن يفقد اعتباره العلمي.

ومن زاوية أوسع، يمكن النظر إلى الشيخ الفياض بوصفه أحد نماذج الاستمرارية المركّبة في الحوزة النجفية، حيث تتقاطع المحافظة المنهجية مع قابلية محدودة للتجديد، ضمن إطار لا ينفصل عن البنية الكلاسيكية للدرس الأصولي، ولا ينخرط بالكامل في مشاريع إعادة التأسيس.

إن ما تكشفه هذه القراءة ليس سيرة فقيه فحسب، بل بنية كاملة لإنتاج الشرعية داخل مؤسسة معرفية تقليدية لا تزال قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر التوازن بين الثبات والحركة. وفي هذا المعنى، فإن دراسة الشيخ الفياض ليست دراسة في الفرد، بل في كيفية اشتغال الحقل الحوزوي نفسه: كيف يحفظ تماسكه، وكيف يستوعب اختلافاته، وكيف يعيد تعريف ذاته عبر الزمن دون أن يقطع جذوره.

لقد رحل الشيخ محمد إسحاق الفياض، لكن السؤال الذي يتركه خلفه لا يتعلق بشخصه، بل بالبنية التي أنتجته: كيف يمكن لحقل معرفي تقليدي أن يستمر في إنتاج شرعيته في ظل تحولات فكرية عميقة؟ وكيف يمكن للمدرسة أن تبقى مدرسة، وفي الوقت نفسه أن تستجيب لتاريخ لا يتوقف عن مساءلتها؟ في هذا التوتر تحديداً، بين المدرسة بوصفها تراثاً والمدرسة بوصفها سؤالاً مفتوحاً، تتجلى القيمة الأعمق لهذه التجربة، وتتحدد دلالتها بوصفها جزءاً من تاريخ أوسع لا يزال يتشكل داخل الحوزة النجفية المعاصرة، بين الخوئي والصدر، وبين الاستمرار وإمكان التجديد.

***

د. وسام حسين العبيدي

.....................

* اعتاد أساطين علماء الفقه والأصول في حوزة النجف وقم أن يكتبوا تصديرا لأبرز تلاميذهم الذين حضروا أبحاثهم وقرروا مبانيهم على مدار تلك الدورة، فبعد اطلاعهم يكتبون هذا التصدير الذي يعد شهادة بحق ذلك التلميذ تدلل على مدى استيعابه تلك الدروس وحسن صياغته لأفكار أستاذه، وبعضهم لا يكتفي بتقرير درس أستاذه، بل يحاول مناقشة ما ورد في تلك الدروس التي حضرها تفنيدًا لبعض الأفكار أو تعميقا لها وتفريعًا، بما يكشف عن ذهنية واسعة لذلك التلميذ وألمعية تميزه عن مجايليه ممن حضر واكتفى إما بالاستماع أو بتقرير ما سمعه ووعاه، وكلمة زعيم الحوزة آنذاك السيد أبي القاسم الخوئي، تدلل على إعجاب منقطع النظير بتلميذه الشيخ الفياض، وهي تكشف من وجهٍ آخر على شهادة الأستاذ باجتهاد تلميذه. والسياق الذي ورد فيه وصفه أعلاه، هو قوله: (فإني أحمد الله تعالى على ما أولاني به من تربية نفرٍ من ذوي الكفاءة واللياقة حتى بلغ الواحد منهم تلو الآخر درجة رفيعة من العلم والفضل وممن وُفِّقتُ لرعايته وحضر أبحاثي العالية في الفقه والأصول هو قرة عيني العلامة المدقق الفاضل الشيخ محمد إسحاق الفياض دامت تأييداته وقد عرضَ عليّ الجزء الأولل من كتابه "المحاضرات في أصول الفقه" الذي كتبه تقريرا لأبحاثي باسلوب بليغ وإلمام جدير بالإشادة والإعجاب).

في ربيع آذار من عام 1984، وبين أنفاس ليلٍ متحفّز وأسرار السليمانية المخبّأة في عمق العتمة، كنت أمارس عملي السري متلفّعًا بعباءة الظلال، أتحاشى عيون السلطة التي كانت تترصّد أدقّ الحركات وأخفّ الهمسات. كانت المدينة قد أطبقت على نفسها؛ خمدت الشوارع، وتحوّل الصمت إلى عبءٍ خانق يضغط على الصدور، حتى وجدتني أُسدل قماشًا أسود على نافذتي الضيّقة، وأطفئ آخر ما تبقّى من ضوء، خشية أن يفضحني شعاعٌ طائش يتسلّل بلا قصد. لم يكن عالمي آنذاك سوى سقفٍ واطئ يظلّل غرفة ضيّقة الاحتمال، مهملة ومنسيّة، استُخدمت كمخزن في زاوية معزولة من حديقة البيت، بعيدة عن المبنى الرئيسي، كأنها منفية عن سائر الأمكنة، تلائم تمامًا حياة رجلٍ تعلّم أن يقيم طويلًا على هامش الضوء.

وبينما كنتُ غارقًا في فرز رسائل البريد القادمة من رفاق العمل السري، شدّ انتباهي ظرفٌ يحمل اسمًا أعرفه حقّ المعرفة: «آشتي». كانت رفيقة دربٍ قديم، مناضلة جسورة قادت أكبر تنظيمٍ نسائي في المدينة، وامرأةً منحتها ثقتي عبر سنواتٍ طويلة اختبرنا فيها معًا قسوة الطريق ومرارة المواجهة. في رسالتها المقتضبة، دعتني إلى زيارتها في العشرين من آذار، بعد أن أمضيت شهرين في هذه المدينة، مؤكدة أن الأمر بالغ الأهمية، وأن ما تريد قوله يتجاوز حدود الورق، ولا يحتمل أن يُكتب.

كانت الأيام مثقلة بالترقّب والقلق؛ فقد حظرت السلطة أي مظهر من مظاهر الاحتفال بنوروز، خشية أن يتحوّل الفرح إلى شرارة احتجاج. غير أن الناس، بعنادٍ صامت لا يُقهر، احتفلوا بما تيسّر لهم، يخفون أعيادهم في البيوت والقلوب، بعيدًا عن العيون المتربّصة. ورغم موافقتي على لقاء آشتي، ظلّ الحذر يشدّ خطوتي ويقيّد حركتي؛ فكل تفصيل في تلك المرحلة كان محسوبًا بعين الأمن، وكل زلّة قد تفضي إلى ما لا يُحمد عقباه.

وحين اقترب الموعد، خرجت من مخبئي بخطواتٍ موزونة، كأنني أسير على حافة هاوية لا تسمح بالخطأ. اتجهت نحو نهاية الشارع الرئيسي، ولوّحت بيدي فاستوقفت سيارة أجرة. وقبل أن أفتح الباب، التفتُّ خلفي سريعًا، أتحسّس الفراغ والظلّ، ثم قلت للسائق بصوتٍ هادئ يخفي ما تحته من توتّر: «إلى الزقاق الأربعين، من فضلك».

ما إن وصلتُ إلى بيت آشتي حتى سبقني الإرهاق إلى العتبة؛ كان وجهي شاهداً على ليلةٍ لم أنل فيها من النوم سوى ساعتين متقطّعتين. فتحت الباب بابتسامتها الدافئة نفسها التي ألفتها في سنوات النضال، ثم مالت نحوي هامسةً بأن شخصًا ما يرغب في لقائي، وقد وصل إلى المدينة قبل يومين فقط. تسلّل شعورٌ غامض إلى قلبي؛ فلم أكن معتادًا على لقاءات تُحجب عني فيها الأسماء والملامح. حاولت أن أبدّد ثقل اللحظة بمزحة خفيفة: «ومن هذا الذي تُخفين هويته عني؟» فابتسمت بمكرٍ أنثوي رقيق وقالت: «أردتها مفاجأة لطيفة.» سألتها، وأنا أقاوم فضولي المتصاعد: «هل يعرفني؟» فأجابت بثقة لا يشوبها تردّد: «يعرفك جيدًا، وأنت تعرفه أيضًا… سيأتي حالًا.»

خفق قلبي خفقةً مضطربة، امتزج فيها ترقّبٌ لشيءٍ لا أعرفه بقلقٍ مما قد يحمله هذا المجهول، قبل أن يشقّ جرس الباب صمت البيت شقًّا حادًّا. نهضت آشتي على عجل لتفتحه، دون أن تمهل نفسها لحظةً لتعدّل وشاحها أو تمسح عن يديها أثر بلل مسحوق الغسيل.

دخل شابٌ وسيم يحمل حقيبة صغيرة، يلهث كأن المدينة بأكملها اختُزلت ركضًا في خطواته الأخيرة. بدا عليه الارتباك لوهلة، ثم انساب صوته خفيضًا، بنبرة مألوفة إلى حدٍّ أقلق ذاكرتي وأثار فيها رجفة خفيّة. تقدّمت نحو آشتي بابتسامة مطمئنة، كأنها تقول من دون كلمات: «أنت في أمان»، فيما بقيتُ أنا في الصالة، معلّقًا بين انتظارٍ ثقيل وحدسٍ غامض لم تتشكّل ملامحه بعد.

اللقاء المفاجئ:

دخل… وإذا به أخي زانا. تجمّدت اللحظة في عينيّ، وتبدّلت ملامحي على حين غفلة، فيما انقبض صدري بانقباضة حادّة كأنها تعصر القلب. لوهلةٍ حسبتُ أنه يحمل خبرًا ثقيلًا عن العائلة، أو أنه جاء يستنجد بي هاربًا من مطاردةٍ ما، غير أنني سرعان ما أدركت أن حضوره لا يشبه أيًّا من هذين الاحتمالين.

ضممته إلى صدري طويلًا، كأن المسافة التي فصلتنا كانت سنوات لا أيامًا، ثم جلس قبالتي. تحاشى أن يلتقي بعينيّ، وظلّ يحدّق عبر النافذة كمن يترقّب طارئًا لا يراه سواه. مرّت دقائق أثقلت الجوّ، قبل أن يلتفت نحوي أخيرًا، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة تخفي في عمقها ثقلًا مكتومًا في صدره، شيئًا آثر أن يؤجّل قوله… أو أن يكتمه عني.

سألته بقلقٍ فضحه صوتي قبل كلماتي: "ما بك؟ لِم تبدو مضطربًا هكذا؟" فأجابني بهدوءٍ مدهش، وبثقةٍ حاول أن يتوارى خلفها: "السياسة علّمتني الحذر. لم أقصد أن أحدّق في الباب… لكن القلق رافقني طوال الطريق."

جلسنا وحدنا في غرفة المعيشة، والصمت يفرض سيادته، فيما كان الشاي يبرد ببطء في الأكواب التي لم تمتدّ إليها أيدينا. راقبتُ حركاته بعين الأخ والموجّه معًا، بينما كانت ذاكرتي تستعيد صورته كما عرفته   دائمًا: شابًا على مشارف التخرّج في كلية الطب، جذوره ضاربة في تربة الفكر السياسي، أصغر إخوتي سنًّا وأكثرهم لمعانًا؛ طالبًا متفوّقًا، مثقفًا وفنانًا، يعزف ويخطّ ويجادل، وروحًا جريئة تفيض شجاعة، كأنها خُلقت لتتحدّى لا لتساير.

تحدّث عن التنظيم الذي كان ينتمي إليه في بغداد، وكيف أخذ حضوره هناك يخفت تدريجيًا، حتى كاد يتلاشى، بعدما تسلّل الخوف والريبة إلى تفاصيل العمل اليومية، وأصبح كل تحرّك محسوبًا أكثر مما ينبغي. بدا النشاط باهتًا، فاقدًا لحرارته الأولى، فيما راحت تصرّفات المسؤول الحزبي تثير أسئلة أكثر مما تقدّم إجابات، وتترك في النفوس شعورًا غامضًا بعدم الارتياح. وروى كيف جمعهم ذلك المسؤول في مناسبة شخصية لا تمتّ إلى النضال بصلة — حفل زفافه — في وقت كانت الظروف تستدعي أقصى درجات الانضباط والحذر، فبدت الدعوة، في نظره، إشارة مقلقة إلى أن البوصلة بدأت تنحرف بصمت.

نظرتُ إليه حينها بنبرة حاسمة لا تحتمل التردّد وقلت:

"تواصل معي فور تخرّجك؛ لم يبقَ أمامك سوى أقل من ثلاثة أشهر. سنضع خطة واضحة: إمّا أن تلتحق بالأنصار في الجبال، أو تعمل معنا سرًّا داخل المدينة".

لم تكن كلماتي اقتراحًا عابرًا، بل اختبارًا صامتًا لصلابته؛ كنت أقرأ ملامح وجهه كما لو كانت صفحات مفتوحة أمامي.

في تلك اللحظة، لمع في عينيه بريق التحدّي الذي أعرفه جيدًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، سرعان ما خبت، لتحلّ محلها قسوة هادئة، كأن قلبه انتقل فجأة من دفء الحلم إلى صلابة القرار.

ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، قبل أن ينفجر صوته متوتّرًا، كمن يقاوم اختناقًا داخليًا:

"ألا تدرك حجم القرار الذي تطلبه مني؟ إيقاف نشاطي ليس أمرًا هيّنًا… إنه يشبه الموت السريري."

اقتربتُ منه، وخفّضت نبرة صوتي كما لو كنت أحاول تهدئة موجةٍ عاتية:

"تجميد النشاط جزء من مهامنا الحزبية، وفي النهاية هو لصالح الحزب."

لم يكن في كلامي حدّة عتاب، لكنني أعرف زانا جيدًا؛ كلما اشتدّ الضغط عليه، ازداد عنادًا وتصلّبًا.

أطرق برأسه وحدّق في الأرض بصمتٍ قاتل، قبل أن يخرج صوته مكسورًا:

"حسنًا… سأنفّذ طلبكم وأجمّد نشاطي."

أومأتُ برأسي راضيًا، وبدأت أشرح له، بنبرة هادئة وواثقة، ما رأيته طريقًا أقلّ خطورة.

قلت له بهدوءٍ محسوب:

"هذا هو الخيار الأنسب لك الآن. أخبر مسؤولك أن الامتحانات هي السبب، وابتعد عن أي تصرّف قد يلفت الانتباه، ولو قليلًا."

ثم تابعت، وأنا أزن كلماتي بعناية:

"بعد أن تترك التنظيم لن يعتقلوك فورًا، لكن عيون الأجهزة الأمنية ستشتدّ عليك، سيراقبونك عن قرب. احذر كل خطوة، ولا تمنحهم ذريعة واحدة. وإن شعرت أنك غير قادر على الالتزام، فسأمنعك من السفر إلى بغداد، مهما كلّفني الأمر."

اتخذتُ هذا القرار مستندًا إلى ما أعرفه عن طبائع الأجهزة الأمنية في منطقتنا هنا. لم تكن لديّ صورة كاملة عن واقع العمل في بغداد، لكن شيئًا في داخلي كان واثقًا أن هذا التكتيك، على هشاشته، قد يمنحه قدرًا من الحماية… ولو إلى حين.

ساد الصمت من جديد، لا يقطعه سوى إيقاع دقات الساعة المعلّقة على الحائط. رفع زانا حاجبه الأيسر، تلك الإشارة التي أعرفها جيدًا حين تتزاحم الأفكار في رأسه، ثم شبك كفّيه معًا وارتشف الشاي ببطء، كمن يبتلع قرارًا مرًّا. بعد لحظات، أطلق تنهيدة خفيفة وقال بصوتٍ مثقل:

"سأبتعد عن مسؤولي في بغداد… إلى أن أتخرّج."

سافر إلى بغداد في اليوم نفسه، ثم عاد مع نهاية الشهر، لكنّه لم يكن الشخص ذاته الذي غادر؛ كان مشرق الوجه، مفعمًا برضا يشبه رضا المنتصر العائد من معركة خاضها وحده. لمعت في عينيه شرارة خفيّة وهو يقول بثقة:

"تركتُ التنظيم السابق، وصرتُ أمتلك آلة طباعة لمقالاتي."

تسلّلت إلى جسدي رجفة خفيفة من الشك، فسألته بدهشة لم أُحسن إخفاءها:

"ماذا تعني يا زانا؟ هل تنوي طباعة بيانات حزبية؟"

ظلّ صامتًا، عيناه معلّقتان بالنافذة، تحملان مزيجًا من الترقّب والتوتّر، كأن شخصًا ما قد يطلّ من خلف الزجاج في أية لحظة. وبعد صمت طال أكثر مما يحتمل قلبي، التفت إليّ وأجاب بهدوءٍ محسوب:

"لا… ليست لهذا الغرض. هذه الآلة لحاجاتي الشخصية فقط."

ابتسمتُ ابتسامة يغلّفها الشك وسألته:

"أأصدقك؟"

فأجاب بثقة لا تتزعزع:

"نعم."

عندها قلت له أخيرًا، كمن يضع شرطًا للحياة نفسها:

"أطلب منك أمرًا واحدًا حتى تنهي دراستك: أن تتوقّف عن أي نشاط حزبي، وأن تتوخّى الحذر في كل خطوة."

صمت زانا لحظة، ثم رفع عينيه نحوي بنظرة جادّة، وقال بعد تردّد ثقيل:

"أنا مقتنع بأن الأجهزة الأمنية دفعت بفتاة من الجامعة لتقترب مني، لتكون غطاءً يشغلهم عن مراقبتي الحقيقية. سأحاول أن أضلّلهم قدر ما أستطيع، وأبتعد عن أي نشاط حزبي… إلى أن تنكشف خطورتها وتنجلي الصورة"

تابعت النظر إليه، أتأمّل ملامحه المتمرّدة، وأدركت أن هذا العقل الثوري لا يعرف السكون، ولا يهدأ له بال مهما اشتدّ الخطر من حوله. غادر تلك الليلة، وتركني أغوص في قلقٍ عميق متشابك، يمتزج فيه فخرٌ طافح بشجاعته مع رعبٍ خفيّ من تماديه في تحدّي المصير.

مرّت ستّ سنوات من فرقةٍ فرضتها الظروف أكثر مما اختارها القلب، ولم تسنح لي فرصة لقائه إلا مرّتين فقط؛ لقاءان نادران كانا يملآن قلبي في آنٍ واحد فرحًا وحزنًا. فرحًا لأن مسار الأحداث انعطف قليلًا ليجمعنا، ولو للحظات، وحزنًا وخوفًا على سلامته، إذ كان عناده وإصراره يجعلان الخطر من حوله أشدّ حضورًا في عينيّ من أي وقتٍ مضى.

لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على عودته إلى بغداد، حتى جاء ذلك المساء الذي طرق فيه مناضل بابي وهو يلهث، كمن يفرّ من خطرٍ يلاحقه عن قرب. كان منهكًا، شاحب الوجه، تائه النظرات، كأن الطريق قد سلبه ملامحه. ما إن جلس حتى ألقى كلماته كحكمٍ لا رجعة فيه:

«زانا اعتُقل فجر الخامس عشر من نيسان 1984، بعدما طبع بيان الحزب في ذكرى تأسيسه، ووزّعه سرًّا في أحياء بغداد.»

قال اخي مناضل بصوتٍ خافت، وقد أثقل الإرهاق ملامحه:

"كان زانا نائمًا في غرفتنا في الطابق الثاني، حين داهمنا رجال الأمن فجأة — ثمانية على الأقل — واقتحموا الغرفة بعنفٍ لا يترك مجالًا للتفكير. حاول زانا أن يقاوم، بل حاول أن يفرّ، لكنهم كبّلوه أمام عينيّ. جلستُ في زاوية الغرفة، أطوّق ركبتيّ بذراعيّ، وأحدّق في وجوههم بغيظٍ مكتوم."

وحين بلغ زانا الحديقة، اتجه نحو أمّي بخطواتٍ مقيّدة، لكنها حاسمة. كانت واقفة هناك، متيبّسة كتمثالٍ من وجع، كأنها كانت تنتظر هذا المشهد منذ زمن بعيد من دون أن تعترف لنفسها بذلك. ارتمى على صدرها وهو مكبّل، واقترب من أذنها هامسًا:

"لا تبكي يا أمّي … هذه آخر قبلة، لن تريني بعد الآن."

قال أحد رجال الأمن ببرودٍ متعمّد وابتسامةٍ مستفزّة:

"لا تقلقي، سيعود بعد ساعات…"  ازداد عنادًا وتصلّبًا ازداد عنادًا وتصلّبًا

لكن نظرة الأم كانت أبلغ من كل الكلمات؛ عيناها وحدهما أجابتا، فقد عرفت أنه لن يعود.

جلستُ على الأريكة، مسندًا ظهري إلى الجدار، مغمض العينين. لم أبكِ. ربما لأن الحزن كان أكبر من الدموع. كنت أعرف أن زانا لن يعود، وكنت أعرف أن الوقت لا ينتظر المتردّدين.

بعد يومٍ واحد فقط، حين هدأت العاصفة التي كانت تعصف برأسي، اتخذت قرارًا كان ينبغي أن أتخذه منذ زمن. عزمتُ على ألا أكرّر خطأي مع زانا. وضعتُ مع رفاقي خطةً لإخراج مناضل من المدينة، ونجحنا في إيصالِه إلى مكانٍ آمن. غير أن الأمان كان هشًّا، كقشرةٍ فوق جمر؛ فبعد تسعة أشهر من اعتقاله وصلني خبر إعدامه. عندها شعرت بأن الأرض تنهار تحت قدميّ. اجتاحني غضبٌ مرير - غضبٌ على نفسي قبل أيّ أحد آخر - على تردّدي، وعلى تلك اللحظات التي ظننت فيها أن الوقت ما زال في صالحي. ظللتُ أقلّب قراراتي واحدًا واحدًا، كأنني أحاكم نفسي بلا نهاية.

مرّت الأشهر التي تلت إعدامه كأنها ندبة لا تندمل، وبقيت القصة تعيد نفسها في ذهني بلا رحمة. ومنذ تلك «القبلة الأخيرة على حافة الحرية»، لم يعد الوداع بالنسبة لي مجرّد لحظة عابرة؛ بل صار درسًا قاسيًا نحتته التجربة في روحي، ورمزًا لأحلامٍ دُفع ثمنها بالغالي. وبقي حلم الحرية حيًّا في الذاكرة… حتى وإن غاب الجسد.

***

سهيل الزهاوي

في الخامس عشر من شهر حزيران الحالي تمرّ الذكرى السادسة والستون لرحيل السياسي المصري الشهيد شهدي عطية الشافعي (1911 ــ 15 يونيو 1960)، أحد رموز الحركة الشيوعية في مصر والوطن العربي، ومن أبرز المؤثرين في مسار الحركة الوطنية خلال أربعينيات القرن العشرين في مصر، والذي توفي نتيجة تعذيب وحشي في معتقل «أبو زعبل»، وقد أحدث مقتله ردود فعل واسعة على المستوى الدولي.

وقبل عام 2009، لم يكن الكثيرون يعرفون عن شهدي عطية سوى نشاطه السياسي ودوره القيادي في الحركة الوطنية المصرية، ورحلة حياته التي قضاها متنقلاً مع مجموعة من الوطنيين بين أقبية السجون المصرية، والتي انتهت في واحدة منها متأثراً بأساليب التعذيب الوحشية التي تعرّض لها. كما أن معظم الكتابات التي تناولت شهدي عطية ركزت عليه بوصفه شهيداً للطغيان، ولم تكن موهبته الأدبية وتجربته في كتابة القصة معروفتين إلا لدى فئة ضيقة من المثقفين اليساريين، ومن بينهم الناقد والمؤرخ شعبان يوسف الذي كان له الفضل في الكشف عن جانب من تراث شهدي عطية الأدبي ظل خافياً على الكثيرين.

فقد بذل شعبان يوسف جهداً كبيراً للوصول إلى نص رواية حارة أم الحسيني، التي نُشرت لأول مرة عام 1956 على شكل خمس حلقات في «جريدة المساء» ــ وكان يرأس تحريرها آنذاك الأستاذ خالد محيي الدين ــ من دون اسم الكاتب، لأن شهدي عطية كان ممنوعاً من الكتابة، كما كان ينشر مقالاته في الجريدة باسم مستعار هو «أحمد ناصر». إلى أن صدر عام 2009 عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر كتاب «حارة أم الحسيني»، الذي ضمّ، إلى جانب الرواية، قصتين قصيرتين هما: «من الجامعة إلى الوظيفة» و«جمال رخيص». ويُعدّ هذا أول كتاب أدبي للشهيد شهدي عطية الشافعي، بعدما سبقه عام 1957 كتابه السياسي "تطور الحركة الوطنية المصرية 1882 ــ 1956" .

ويشير شعبان يوسف في مقدمة الكتاب إلى أن الجانب الأدبي لشهدي عطية ظل مجهولاً بعدما طغت عليه سيرته السياسية وكفاحه الفكري والثوري، وكذلك حادث اغتياله الذي كتب عنه عدد من الكتّاب والمؤرخين، من بينهم طاهر عبد الحكيم في «الأقدام العارية»، وإلهام سيف النصر في «معتقل أبي زعبل»، وفتحي عبد الفتاح في «شيوعيون وناصريون»، وسعد زهران في «الأوردي»، والسيد يوسف في «مذكرات معتقل سياسي»، وصنع الله إبراهيم في «يوميات الواحات»، الذي شاركه العمل الصحفي وحياة المعتقلات، وكان قريباً من أفكاره ومشاريعه.

تنتمي رواية «حارة أم الحسيني» إلى تيار الواقعية، وتتناول نزوح أسرة ريفية من الزقازيق إلى الإقامة في حارة «أم الحسيني» بمدينة الإسكندرية. ويتخذ المؤلف من الحارة فضاءً سردياً وميداناً لحركة أبطاله، وكما هو معروف فقد حوّل العديد من الأدباء الحارة إلى مجتمع مصغر يعكس تركيبة المجتمع الكبير، ومختبر يكشف الواقع السياسي والاجتماعي. ومن أبرز هؤلاء نجيب محفوظ في أهم أعماله مثل «الثلاثية» و«زقاق المدق» و«خان الخليلي»، وكذلك الروائي العراقي غائب طعمة فرمان في أعماله «النخلة والجيران» و«القربان». وعلى خطى هؤلاء سار مؤلف رواية «حارة أم الحسيني»، إذ وظّف الحارة التي حملت الرواية اسمها لعرض تركيبتها وواقعها الاجتماعي.

فالرواية تصور معيشة شريحة من الشعب تعاني الفقر والجهل والخرافة والتخلف، وتعصف بحياة أفرادها المشاحنات والشجارات ونوازع الغيرة والحسد، نتيجة ضغوط الحاجات الإنسانية التي تولّد البغضاء والفضول والتناحر. ومن نساء الحارة نجد «أم الحسيني» صاحبة الدار التي نزلت عندها عائلة «حسنين أفندي»، وهي امرأة جشعة مولعة بأعمال السحر والأحجبة، ( طويلة اللسان، مشاكسة، معاندة، لا يمضي يوم إلا ولها خناقة مع مستأجريها أو مع الجيران ص36). وهناك أيضاً «أم حبشي» زوجة المكوجي، التي تتلذذ بمشاجرات الجيران، مقلدةً حركاتهم ومحاكيةً تصرفاتهم، و«أم حسن المصرية» زوجة النجار وقارئة الفنجان التي تلجأ إليها نساء الحارة لقراءة الطالع، فضلاً عن «أم علي» بائعة اللحم خلسة في السلخانة، التي تذبح العجل الوقيع بنفسها، وهي فتوة الحارة لما تتمتع به من بأس شديد، حتى إن الجميع يهابها ويخشى غضبها، ويقابل هؤلاء «أم فؤاد» الأعلى طبقياً، التي تسكن بيتاً متميزاً عن بيوت الحارة، وتنفرِد بلقب «الست»، ولديها خادمان، وهي لا تتبادل السلام مع أحد ولا تزور أحداً.

وسط هذه البيئة المعقدة والصاخبة بعلاقاتها وأمراضها الاجتماعية، يجد «سيد» ــ الشخصية الرئيسية التي نزحت مع أهلها من ريف الزقازيق إلى حارة «أم الحسيني» ــ نفسه ملقى في هذا العالم الجديد بعمرانه وثقافته، لتبدأ رحلته مع الحياة، حيث يواجه سلوكيات غريبة تتمثل بالخبث والنميمة. فيرى أمه، المرأة المسكينة، محاطة بمجموعة من الجارات الخبيثات؛ فأم الحسيني، صاحبة الدار، تحرضها على الحذر من الرجال وتسعى إلى تعكير صفو علاقتها بزوجها، بقولها: ( الراجل ما يهموش إلا يلاقي الواحدة لابسة ومتوضبة ومتزوقة له ص32)، كما تحذرها من أم حبشي قائلة: ( يا أم سيد، المرة أم حبشي ناوية تلطش زوجك، دي وقعت لي بلسانها ص48) ، أما «سيد» نفسه، فتحيط به مجموعة من الصبيان المختلفين عنه في المظهر والامتيازات؛ فهو لا يملك دراجة مثل «فؤاد»، ولا طائرة ورقية مثل ابن «أم الحسيني»، الأمر الذي يثير داخله الحساسية ويقوده إلى الشجار العنيف. كما يعاني من ضغوط نفسية تتمثل في سلطة الأب «حسنين أفندي» وقسوته، فضلاً عن التعنيف الذي يتعرض له على يد الشيخ المعلم «خاطر أفندي»، ما يخلق لديه روح التمرد على العنف والظلم. وتعد المواجهة العنيفة بينه وبين «خاطر أفندي» بداية نضوج وعيه وإحساسه بالظلم ورفضه لكل أشكال الأذى، وهي نقطة تحول في حياته، إذ ينتهي به الحال إلى ترك المدرسة ليبدأ فصلاً جديداً من حياته بدخوله ميدان العمل عند المعلم "حمودة " .

ومن خلال عرضه لهذه البيئة المشحونة بالتناقضات والسلوكيات المختلطة بين الطيبة والنفاق، يكشف المؤلف عن معرفته الواسعة بتفاصيل الحياة اليومية لسكان الحارة وحجم المعاناة التي يعيشونها. ونكتشف من خلال ذلك أن حارة شهدي عطية لا تبتعد كثيراً عن حارة نجيب محفوظ؛ فملامح شخصية «حميدة» في «زقاق المدق» تبدو واضحة في شخصية "أم الحسيني" .

وفي هذا الجو القاتم يشعل لنا المؤلف شمعة أمل بمستقبل مضيء، يتمثل في العلاقة العاطفية الطفولية الجياشة التي تنشأ بين «سيد» و«أطة» ابنة «أم الحسيني»، وتطلعهما إلى مستقبل أكثر إشراقاً، وكذلك في إيمان المعلم «حمودة» بأهمية الطبقة العاملة ودورها في بناء الحياة، وهو ما يتجلى في هتافه الأيديولوجي الذي يطلقه في ختام الرواية مخاطباً "سيد" : ( شوف يا سيد… إحنا الصنايعية، إحنا كل حاجة، بص كده للبيوت دي مين اللي يبنيها؟ إحنا الصنايعية… لا تقول لي بتوع مدارس ولا أفندية ولا باشوات) .

وفي الرواية، التي تعود أحداثها إلى عام 1924، تبرز ثنائية الفصحى والعامية؛ إذ يستخدم المؤلف في حواراته اللغة العامية، على الرغم من أنه خريج كلية الآداب ــ جامعة القاهرة ــ قسم اللغة الإنجليزية، وحاصل على شهادة الماجستير من جامعة مانشستر في الأدب الإنجليزي، وقارئ نهم لآداب الغرب. لكنه آثر استخدام العامية لأنه وجد فيها قدرة أكبر على تصوير واقع الحياة الشعبية بحلوها ومرّها. كما تميزت لغته العامية بالسبك الرصين من دون ابتذال أو مباشرة فجة، وتمكن ببراعة من مزج الفصحى الرصينة بالعامية المعبرة.

وتضمنت الرواية الاستعانة في بعض حواراتها بالأمثال الشعبية، مثل: «اللي على راسه بطحة يحسس عليها»، فضلاً عن استخدام بعض العبارات الدارجة والمتداولة في الأوساط الشعبية، مثل: «مش جاي من ورا الجاموسة»، التي يقابلها في اللهجة العراقية عند التحذير من محاولة الغش قولهم: "ما جايك من وره الهوش " ، كما تتجلى قدرة المؤلف على تصوير الفوارق الطبقية من خلال عدد من المشاهد التي ترصد التباين الاجتماعي بين سكان الحارة، وما يرافقه من إحساس بالحرمان والتفاوت الإنساني

خصوصا في" زيارة خليل بك " لقريبته ام سيد ـــ برفقة زوجته البرجوازية " نبيلة هانم " وبنته الصغيرة حيث (كانت الزوجة لا ترتدي الملاءة شأن نساء الحارة، وانما كانت تكتفي بفستان قصير الأكمام يكشف عن ذراع بضة ناعمة بيضاء .. ولذا سرعان ما اطلقت عليها الحارة: الخواجاية ص 77) .

إن رواية «حارة أم الحسيني» تمثل وثيقة إبداعية غنية بالدلالات، تقدم شهادة حية على التصاق المناضل الشهيد شهدي عطية بهموم شعبه، وقربه من معاناتهم، كما تمثل شهادة إنسانية نابضة عن عالم المهمشين، مؤكداً أن الأدب يمكن أن يكون شكلاً آخر من أشكال النضال.

***

ثامر الحاج أمين

 

(آش لونها بغداد؟ أجابني: سقطت والحياة مستمرة)

التحضير لندوة مدني صالح فيلسوف العراق المتميز المزمع انعقادها مساء اليوم الموافق 3 يونيو 2026م في منبر حوار التنوير جعلني أستعيد الكثير من الذكريات والمواقف مع الاستاذ مدني ومنها: بتاريخ 23 سبتمبر ٢٠٠٤م ناقشت أطروحة الدكتوراه الموسومة؛ فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر؛ ارنولد توينبي موضوعًا) بإشراف الأستاذ الراحل مدني صالح في قسم الفلسفة بكلية آداب جامعة بغداد باب المعظم. ناقشتها بعد قرابة عام من الحرب والاجتياح الشامل للعراق في ظروف بالغة القسوة والتردي العربي العام.

اتذكر أنني اتصل بالاستاذ مدني من دمشق اتصلت بالأستاذ المشرف مدني صالح وتلك كانت المرة الوحيدة التي كلمني بها عبر الهاتف الأرضي بعد السلام والتحية قال قال لي: شلونك قاسم؟ هل إنجزت الأطروحة؟ قلت له: كيف الوضع في بغداد قال لي سقطت والحياة مستمرة؟ تعال ناقش اطروحتك. كانت هذه المكالمة أشبه بنجدة من السماء وهي التي جعلتني اتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، إذ قررت العودة إلى بغداد وأخبرت زملائي بقراري وفي غضون ثلاثة أيام حزمت أمتعتي وركبت على بغداد البعيدة.

قطعت تذكرة على باص شركة براق الصحراء. صعدت في مقعد قريب من السائق. كانت النقاشات بين الركاب محتدمة طوال مدة الرحلة عن علي ومعاوية والحسن والحسين والمهدي المنتظر وأهل العترة وآل البيات وسقوط نظام صدام واشياء واشياء كثيرة أخرى. كنت الصامت الوحيد في تلك الجلبة وحاولت أخفي هويتي. ولكن الشخص القاعد بجانبي سألني في منتصف تلك الليلة الظليمة من أين أنت يا معود؟ قلت له: من اليمن. رد يا هلا بأهل اليمن؛ أنتم أرق قلوب وآلين أفئدة! وأضاف المهدي المنتظر سوف يطلع من اليمن! هو الحوثي عجّل الله فرجه! أحسست بحالة من الحصار والاختناق وتلعثمت ولا ادري ماذا اقول له؟. قال لي: اش بيك معود ما تحكي.. أنت من اتباع علي أو معاوية؟ قلت له: علي ومعاوية من قريش وأنا من اليمن لا دخل لي بصراعاتهم .. وسألته؛ متى نصل بغداد؟ محاولا أن اتجاوز هذه الموقف الملغوم رد عليّ؛ بعد المسافة طويلة.. ربما قطعنا نصف الطريق. بتلك الحيلة الاستفهامية البريئة حولت مجرى الحدث من القرن الأول الهجري إلى اللحظة الراهنة. استجابة محدثي فتحت لي الباب للحدث عن العراق وعن تاريخ العراق العظيم منذ جلجامش وعشتار وأنت طالع.. حاولت أن اوصل له رسالة بأنني لست مهتم بالدين والسياسة.. فهمها وصمت. بعد ٢٤ ساعة من السفر ببراق الصحراء وصلنا بغداد المدمرة. كان شارع السعدون مظلما والمدينة موحشة.

من الذكريات مع الاستاذ مدني انه سألني قبل موعد المناقشة بثلاثة أيام. كنت امشي بجانبه من باب قسم الفلسفة حتى بوابة الكلية الخارجية على الشارع العام قال بصوته الهامس : ها هي هانت ! اين ساكن قاسم؟ قلت له في شارع حيفا: توقف عن السير فجاء والتفت الي؛ ايش بيك مخبل! شارع حيفا خطر.. اطلع حالا من شارع حيفأ إذا اردت مناقشة أطروحتك في موعدها. ودعته ومضيت . كان ذلك اليوم سبتا الموافق 20 سبتمبر 2003م وصلت الى ساحة الطلائع في شارع حيفاء، بالكرخ، تمام الساعة الواحدة والنصف، بدت لي الساحة مقفرة، خالية من السيارات والمارة، على غير العادة. أحسست بحالة من القلق والتوجس بأمر ما وشيك الحدوث! لم أجد نزار العاني في بقالته، ذهبت وطرقت باب منزله فتح لي وصرخ في وجهي مستغربا؛ ايش بيك معود تجي هسا.. مو شايف الشارع خالي من الحركة، الأمريكان جايين بعد قليل. قلته له ارجوك أن محتاج مصاري ضروري عندي مناقشة بعد غدا الثلاثاء. صمت لبرهة واسرع يجري تجاه الدكان في زاوية ساحة الطلائع على الشارع مباشرة. انطلقت بعده فرحاً. فتح الكشك بلمح البصر واخرج لي الأمانة ثلاثمائة دولار فقط، كل راسمالي حينذاك. مدها لي بسرعة وقال لي:: اختفي بسرعة .. الكلاب وصلوا! واختفي ولم اراه بعد ذلك ابدا. التفتت الى خلفي وشاهدت أربع مدرعات جند وأربع دبابات إمريكية عملاقة فإذا باصوات الرصاص والقناصات تنهمر عليها من كل مكان من العمارات الهولندية المحيطة .لا ادري كيف وجدت نفسي ادلف بوابة أحد العمارات، حيث كان بعض السوريين البعثيين يسكنون، دخلت ووجدت رجل سوري في الستين من عمره. قلت له اريد احتمي من نيران المعركة.كان رده قاسياً ولن أنساه ما حييت! قال لي بوجه نحاسي ممنوع الدخول هنا.خرجت مسرعا وذهبت الى العمارة المجاورة، دخلتها ولم أجد احد هناك. كانت أصوات القذائف تقترب من مكان مخبئي نزلت البردوم وإذا بشظية تأتيني من كوة صغيرة في جداره. طلعت منه محاولا البحث عن أحد يؤنسني، صعدت درجات العمارة حتى الدور الثالث وافترشت ارضية أحد الدرجات. فإذا بشلال من الماء يتدفق علي من الطوابق العليا، حيث إصابت القذائف خزانات الماء في سطح العمارة. بعد نصف ساعة سمعت صوت امرأة صاعدة من الطابق الأول، سيدة في الخامسة والعشرين من عمرها تحمل طفلة صغيرة هي ابنتها. كانت تصرخ وتبكي من شدة الخوف والفزع حينما رأتني، كفت عن الصراخ.

جلست بالقرب مني وتعارفنا ؛ اسمها كريمة واسم طفلتها أمل هي زوجة حارس العمارة الذي خرج قبل مجيء القوة الأمريكية لزيارة أحد أقاربه.. استبشرت خيرا من اسمها وأسم طفلتها أمل وكان كل ما يشغل بالي هو كيف انجو من الموت بعيدا عن أهلي لاسيما وقد شاهدت الكثير من القتلى مجهولي الهوية ملقي بهم في شوارع بغداد وربما اكلت جثثهم الكلاب! عرفتها بنفسي، طالب دكتوراه في جامعة بغداد كلية الآداب باب المعظم من اليمن.. وحينما سمعت أسم اليمن صرخة مولولة باللهجة العراقية : ياويلي ياويلي ومن اليمن يا معود! شنو اللي جابك بهذه الوكت! الأمريكان يبحثون على الأجانب هنا في شارع حيفاء، لو علموا بوجودك انتهيت! أفزعني كلامها ولكني لم اظهر لها مدى فزعي. قلت لها؛ هم يبحثون عن الصغار بالسن الشباب الخطرين.. الذين يقولون عنهم إرهابيين وقد سبق وأنا داهموا شقتنه في ليلة حصار الكرخ وتمشيطها قبل أيام واعتذروا لنا حينما لم يجدوا فينا ما يبحثون عنه. حاولت اهدي من روعها وأتمنى من الله أن تعدي هذي الأزمة بسلام، بعد ثلاث ساعات بدأت تهدى المعركة وتنفست الصعداء فإذا بكريمة تسمع صوت زوجها يناديها من أسفل... فرحت وقالت: باللكنة العراقية هاهي خلصت المعركة .. راجالي جاء .. أكيد انسحبت القوات. نزلت معها وصافحته وشكرته وأخذت رقم هاتفه وتوادعنا على أن نتواصل.. كنت ساكنا على بعد نصف كم٢ في وسط الشارع حيفاء العمارات الهولندية ذات الخمسة عشر طابقا. أخذت سيارة كيه واتفقت معه بان يأخذني الى الوزيرية شقة زميلي الدكتور عادل عوض الطاهر من السودان الشقيقة. الوزيرية وضعها الأمني أفضل من شارعنا الذي لم تهدى فيه المعارك طول مدة مكوثنا فيه .كان موعد مناقشتي بعد يومين، وكان الدرس الذي تعلمته من ساحة الطلائع شديد الأثر في نفسي، إذ بتحفيز منه وعلى عجل من أمري حزمت ما استطعت من أمتعتي وركبت السيارة الى الوزيرية، وكان افضل قرار اتخذته إذ تم إغلاق الشارع بعد أن تحركت سيارتنا مباشرة. والحكاية بقية. وليس هناك ما هو أخطر من سقوط الدول وموسساتها العامة في مجتمع معلول بالأمراض الطائفية المزمنة.

ويعد مدني صالح من المشائين ليس من باب تقليد أرسطو بل من تجربة الحياة الشخصية

وكل من عرف مدني صالح أو رافقه يعرف عن ماذا اتحدث. كتب طه جزاع " كان مدني صالح، في حضوره اليومي، أقرب إلى نصّ يمشي على قدمين. تراه عابراً مقبرة الإنكليز بين أكاديمية الفنون وكلية الآداب، مسرعاً، صامتاً، خافض البصر، متأبطاً جريدة مطوية حتى تبدو بحجم علبة سكائر. وقد يواصل طريقه من الوزيرية إلى شارع المغرب، فالأعظمية، فجسر الأئمة، ثم إلى الكاظمية، ومنها إلى الغزالية، كأنه في رحلة يومية بين الفلسفة والمدينة، بين التأمل والزحام، بين الصمت والضجيج ومن مفارقات حياته أنه ترك سيارته المرسيدس موديل 1975 في مأرب بيته حتى نبتت الحشائش تحتها وتسللت إلى محركها ومقاعدها، لأنه قرر فجأة، في سنوات الحصار، أنه لم يعد يقود سيارة، بل " يسوق سكراباً ". وهذه ليست حادثة طريفة فحسب، بل مفتاح من مفاتيح شخصيته : رجل قادر على أن يهجر الشيء حين يتحول من وسيلة كرامة إلى عبء رمزي، ومن أداة استعمال إلى علامة زائفة"

بالنسبة لي على مدى اربعة سنوات أمضيتها في بغداد لم ارى الاستاذ مدني إلا ماشيا كنا (عادل الطاهر، ومحمد فاضل وطارق خميس وأنا) نطلع من القسم بصحبته حتى جراج باب المعظم وهناك تفرق كتب علي حسين " يقال دائما ان الفلسفة ولدت مع المشي، وان فعل التفلسف يتوافق مع التأمل، وكان الراحل مدني صالح يحب ثلاثة اشياء " المشي مسافات طويلة.. والصمت الطويل.. والصيام بلا انقطاع عن الطعام مدة أيام طويلة"

وحينا قرأت كتاب (المشي فلسفة للفرنسي فريدريك غرو تذكرت تلك الأيام المدنية الحانية فالمشي ليس رياضة جسدية، بل تحرر من الأشياء ومن الأدوار والهويات الزائفة. المشي يخفف ثقل العالم عن الروح، ويمنح الإنسان فرصة للإنصات إلى ذاته وإلى الزمن . مدني صالح جسد هذه الفكرة على نحو نادر إذ بدى لي كأن الكتاب لم يكن يتحدث عن نيتشه أو روسو أو كانط أو رامبو، بل عن ذلك الأستاذ العراقي النحيل الذي كان يعبر شوارع بغداد الطويلة صامتًا، متأبطًا جريدة مطوية، وماضيًا في طريقه كما لو أنه يحاور العالم بصمته إذ لم يكن المشي عنده استراحة من التفكير، بل كان شكلًا من أشكال التفكير ذاته.

واليوم، بعد أكثر من عقدين على تلك الأيام العصيبة، أستعيد صورة أستاذي الراحل وهو يمضي في شوارع بغداد بخطواته الهادئة. أراه يعبر المدينة التي أنهكتها الحروب، لكنه لا يتوقف عن المشي. وكأن فلسفته كلها كانت تختصر في هذه الحركة البسيطة: أن تواصل السير مهما سقطت المدن، ومهما تبدلت الأزمنة.

«سقطت… والحياة مستمرة».

كانت تلك الجملة التي قالها لي ذات يوم عبر الهاتف أكثر من وصف لحال بغداد. كانت خلاصة فلسفة كاملة في الحياة.

فلسفة رجل عرف أن المدن قد تسقط، والدول قد تنهار، والأفكار قد تتبدل، لكن الإنسان يظل مطالبًا بأن يواصل السير. فالمشي، في أعمق معانيه، ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل إصرارٌ على المضي في الوجود نفسه. وحين تتهاوى المدن وتتعثر الحضارات، يبقى الإنسان بخطوته التالية شاهدًا على أن الحياة لم تستسلم بعد. لذلك لم تكن حكمة مدني صالح أن يتأمل الخراب، بل أن يعبره؛ وأن يثبت، بخطواته الهادئة، أن معنى الإنسان لا يُقاس بما يسقط حوله، بل بقدرته الدائمة على مواصلة الطريق.

***

ا. د. قاسم المحبشي

عرفتْ أعمال الكاتب الإسباني- الكطلاني خوان غويتيسُولو الأدبية تطوّراً هائلاً في خضمّ الأزمنة والأمكنة التي عاش في كنَفها الكاتب بحُكم صلاته بزملائه الكتّاب الآخرين مثل كورتاثار، وغارسيا ماركيز، وبرغاس يوسا، وكارلوس فوينتيس، وأمريكو كاسترو وسواهم الذين جاهدوا جميعُهم - وهو معهم- من أجل دعم الثورات السياسية، والسّعي وراء التجديد الإستاطيقي، سواء في اللغة أو في صناعة الأدب، وكانوا يتميّزون بنظرةٍ سياسية شمولية لم يكن لها وجودٌ في إسبانيا إلاّ لِمَاماً. كانوا يثورون ضدّ العالم الثنائي للقطبيْن الذي كانت تملأه الشكوك، والقلاقل، واكتشفوا الخديعة الكبرى التى كانت تزيّنها لهم الثقافة الرّسمية حول تاريخهم الحقيقيّ وجذورهم، وحول قدَرِهم وتوجّهاتهم الجماعيّة، حيث كانوا يَرَوْن في الأدب الحقّ فرصة لتحرّرهم وانعتاقهم.

 وسط تلك المعمعة والملحمة أطلّ غويتيسولو في مستهلّ حقبة الستينيّات من القرن الفارط، إنه الباريسيّ إقامةً، والكطلانيّ-الإسبانيّ جنسيةً، والمراكشيّ تبنّياً، كان مثبط الهمّة من جرّاء تراجع وتقهقر اليسار، ومذعوراً من تدرّج صعود اليمين المتطرّف وزمرته وذلك ما أمسينا نراه اليوم فى اسبانيا وفى بعض البلدان الأوربية . في تلك الظروف الانتقالية الصّعبة طفق غويتيسولو في كتابة روايات من نوع جديد، وسار على نفس الدّرب ما ينيف على أربع أحقاب. كان يتميّز بأسلوبه المُميّز الذي تطبعه السّخرية الذكيّة، والتلميحة المُرّة، والتهكّم اللاّذع الذي يعود بنا إلى أزمنة سيرفانتيس وكيفيدُو أو إلى أبي عثمان الجاحظ وعبد العزيز البِشْري.

غويتيسُولو صوتٌ متفرّد بين معاصريه

كان غويتيسولو من أبرز الكتّاب الاسبان نظراً لما يمتاز به من صوتٍ أدبيٍّ متفرّد بين باقي الأدباء من بني طينته، ولنوعية كتبه، ورواياته المتعدّدة، التي أثارت جدلاً ما زال يُسْمَع صداه الى اليوم ليس في إسبانيا وحسب، بل وفي الأوساط الأوربية والأمريكية والانجليزية والعربية كذلك، لجرأتها، وخاصّيتها وإشكاليةِ الإبداع فيها التي تنطلق من التعامل مع اللغة من منظور تفجيرها وتفكيكها، وتغيير مسارها، وإعطائها نفسَاً إبداعياً خلاّقا، كما انّه يُعتبر مثالاً للإستقلال الفكريّ، والثقافيّ، وممثّلا للإلتزام والتجديد في الأدب الاسباني المعاصر.

في معرض إعجاب غوستيسُولو بالعرب وتراثهم وحضارتهم ولغتهم نلاحظ أنّ إستيعابَه وتمثلَه للفضُول الأوروبيّ الشّره جعله يتحوّل شيئاً فشيئاً الى مُواطن إسباني من نوع خاص، عاشقٍ لأنماط الحياة والثقافات واللغات من مختلف المناطق الجغرافية، لا ينحصر عشقُه وولهُه بكيبيدُو، أو غونغورا، أو ستيرْن، أو فولتير، أو مالارميه، أو جويسْ، بل يتعدّاه كذلك الى إبن عربي، وأبي نواس، وابن حزم، والى التركيّ جلال الدّين الرّومي. إنّ هناك عوامل إيجابية، وطاقات إبداعية هائلة مختلفة من كلّ نوع لهؤلاء وأولئك على حدّ سواء، فعندما يكلّف المرءُ نفسَه عناءَ تعلّم لغةٍ صعبة جدّاً مثل اللغة العربية وقد جاوز السبعين من عمره، فانه ينبغي أن تكون هناك دواعٍ عميقة لذلك، والحقيقة أنّ الدواعي كانت موجودة عنده فهو يعتقد جازماً وعن كلّ قناعةٍ أنه يستحيل فهم الثقافة الإسبانية وهضمها بشكلٍ شاملٍ ودقيق دون استيعاب التراث الإسلاميّ، ومعرفة الثقافة العربية، وكلما دخل في هذه الثقافة، تأكد له بشكلٍ جليٍّ قيمة وأهمية ما ورثه الاسبان عن تلك القرون للوجود الاسلاميّ في شبه الجزيرة الايبيرية.

إنه يرى أنّ هناك من ناحية أخرى جانب المودّة في العلاقات الإنسانية التي إنعدمت في المجتمع الأوروبي الذي كان يعيش فيه وينتمي إليه، ففي مدينة مراكش التي كان قد اختار الاقامة فيها يخبرنا أنه كان فى إمكانه أن يكتب وأن يقرأ، كما يمكنه الخروج للنزهة والتحدّث الى الناس البسطاء وليس مثل ما هو عليه الأمر في باريس ونيويورك اللتين انعدمت فيهما العلاقات الإنسانية وتلاشت.

نستشفّ من هذا الكلام العميق أنّ غويتيسولو كان يشعر بتعاطفٍ كبير نحو الثقافة الاسلامية، فقد قرأ نصوصاً دينية إسلامية كثيرة تهمّه جدّاً، مثلما يقرأ أعمالاً لماغلان، أو ابن عربي المُرسي، أو سان خوان دي لاكرُوث، بمعنى أنها كانت تبدو له وسيلة تعبير أدبي راقٍ جدير بالإعجاب.

 أثار غويتيسولو بهذه الافكار ردودَ فعلٍ متباينةٍ في الأوساط الأدبية والثقافية الإسبانية، التي ضمّنها كتبَه أومقالاتِه التي لا تخلو من نقدٍ لاذعٍ للمجتمع الاسباني، وللمثقفين الإسبان بشكل عام، ورميهم بروح الإنغلاق، وعدم تفتّحهم على ما يدور حولهم من تظاهرات ثقافية خاصّة لدى جيرانهم العرب.

مراكش الحمراء فى قلب اهتمامته وابداعاته

كان خوان يثير هذه المواضيع في مختلف المحافل والمنابر، نظراً لما يربطه بالعالم العربيّ من أواصر المودّة والإعجاب، حيث تحتلّ مراكش بالذات حيّزاً مهمّاً في أدبه، وبالخصوص فى روايته "مقبرة" أو في سيرته الذاتية "منطقة مُسيّجة محظورة"، و"أسابيع الحديقة" التي تجري بعض أحداثها في حيّ القصبة.أو في سواها من الدراسات حول الحضارة العربية مثل كتابه "إسبانيا في مواجهة التاريخ..فكّ العُقد"، وحول الدّور الكبير الذي اضطلع به المسلمون خلال وجودهم بالأندلس، وإيمانُه القويّ في قُدْراتهم الابداعية، وعطاءاتهم الثرّة في مجالات العلوم على اختلافها، وفي حقول الآداب والشعر والفكر والفلسفة والموسيقى والمعمار، وحول التقارب الذي ينشده بين العرب واسبانيا بحُكم العوامل التاريخية والحضارية والجغرافية، ودعوته المتواصلة الى إسدال ستائر الحقد والضغينة، وإزاحة حُجب التجاهل والتنافر والتنابذ والبِعاد، والتعرّف عن قرب على ما يجري في البلدان العربية من غليان فكريّ، ونهضة ثقافية، وتطوّر حضاريّ في مختلف الميادين.

إذا كانت " ساحة جامع الفنا" الشهيرة قد أصبحت تراثاً إنسانياً لا ماديّاً اليوم، من طرف منظّمة اليونسكو العالمية، فالفضل فى ذلك يعود لغويتيسولو، يقول صديقُه الكاتب "فرناندو ديّاث بلاخا " عن هذه الساحة الفريدة : ” إنه لكي نغوص فى عمق التاريخ، ونجول فى الماضي البعيد، ينبغي لنا أن نقوم بإطلالة على “ساحة جامع الفنا “، فساعة يدنا فى هذا المكان السّحري قد تتحوّل فى رمشة عين إلى ساعة رملية، إذ نشعر ونحن فى خضمّها أنّنا قد عُدنا الزّمانَ القهقرىَ مئات السنين، إنّها السّاحة التي تُرْوىَ فيها قصيدة ” السّيد” و” لاثيليستينا” و” كورباتشّو”، حيث يغدو الشارعُ شبيهاً بسيرك كبير مباشر مُقسّم إلى أطراف، وأجزاء، إلى أناس يتجمهرون زرافاتٍ ووحداناً فى كلّ مكان، تتوفّر فيه جميع الأذواق التي تستجيب لكلّ الرّغبات، وتُرضي كلَّ الأعمار".

 لقد عشق غويتيسولو مراكش وساحة جامع الفنا التي اعتبرها امتيازاً فريداً تمكّنه من الغطس في عالم قد اختفىَ، وعندما كان يتحدّث عن مراكش، فإنه يشير إليها بأنها مدينته. كانت إقامته الطويلة فى المغرب فرصة للتأمل والكتابة والقراءة في التراث والحضارة المغربية والعربية والإسلامية، وهو ما ساعده على ما أنتجه من كتب وقصص وروايات مستوحاة من عمق الثقافة المغربية، ومن واقع المجتمع المغربي بمختلف تجليّاته وخصوصيّاته.

 في حفل تكريمه بعد رحيله تحدّث عنه عدد من الكُتّاب المغاربة، فأشارُوا إلى أنه تعلّم لغة ولهجة أهل مراكش وخاطبهم بها، وجلس في مجالسهم، واندمج في حياتهم البسيطة، حيث يعرفه الصانع التقليدي، والتاجر، وأصحاب الحلقة، وجيرانه في الحيّ الذي يقطنه، وسكان الأحياء العتيقة فى المدينة، التي كان يرتادها، كما عاشر وجالس ثلة من المثقفين والمبدعين وأهل العلم والسياسة وحقوق الإنسان. وعند تسلّمه جائزة سرفانتيس من ملك إسبانيا عام 2015 أعلن أنه "يتشرّف بإهدائها إلى سكّان مدينة مراكش الذين احتضنوه بحنوّهم ومودّتهم ورحّبوا بشيخوخته المتعبَة".

ليست الضيافة المتميّزة التي حظي بها الكاتب وحدها التي جعلته الابن الروحي للمغرب، بل جاء ذلك من إهتمام وتقدير الكُتّاب والمترجمين والقراء في هذا البلد له الذي تمتاز فيه الحركة الثقافية بالحيوية والانفتاح والتفاعل مع الآخر. وتضيء شهادة الصّديق إبراهيم الخطيب وصديق غويتيسولو جانبًا من هذه الصورة: "الرّجل يُعتبر آخر المورسكييّن، الذي اهتمّ بالثقافة العربية والإسلامية اهتمامًاً كبيرًاً".

 عندما كان الشاعرالصّديق حسن نجمي رئيسًا لاتحاد الكتاب عام 2003، مُنحت لغويتيسولو العضوية الشرفية فى هذا الاتّحاد. وفي السنة نفسِها طلب منه نجمي أن يكرّمه اتّحاد كتّاب المغرب فرع مراكش، فأبىَ، وقال له أنه لا يحبّ التكريم، ولم يقنعه إلاّ عندما قال له : "إننا سنقيم لك يومًاً دراسيًاً حول أعمالك، إذّاك استجاب وتمّ دعوة العديد من المثقفين المغاربة لهذا اليوم الذين تناولوا فيه بالدراسة أعمالَ خوان الروائية والفكرية، وكانت سعادته عارمة". كانت موضوعات فكره وثقافته لا تخلو من شجاعةٍ أدبية، وإنصافٍ مُحقّ للعرب والشهادة لهم بمواكبة التيارات الفكرية المعاصرة وإتّهام بني طينته الإسبان بالقصور في هذا المجال. كما أنّه كان معروفاً بمناصرته ودفاعه عن قضايا الإسلام والمسلمين والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص .

دفاعُه المُستميت عن التكامل الثقافيّ العربيّ - الاسبانيّ

 يدافع غويتيسولو عن مغزىَ التداخل والتكامل بين الثقافيين العربية والاسبانية عكس ما يحدث في إسبانيا في الوقت الراهن من ميولاتٍ إقليمية وانفصالية منكمشة ومنغلقة على نفسها، إلاّ أنّ تدخّلاته في هذا القبيل لم تكن مفهومة بما فيه الكفاية. إنّه يشير في هذا الصّدد: "أنّ الدفاع عن التعدّد الثقافي والتنوّع الفكري أو تعدّد قنوات الثقافات القائمة في محيط بلدٍ مّا شيء، وإقامة حواجز بين هذه الثقافات وتصنيفها في حيازة فرَضيات ذات مضامين معّينة وطنية أو محليّة شيءٌ آخر مخالف للسّابق. إنّ ثقافة من هذا القبيل منكمشةعلى نفسها لهي ثقافة مُنكِرَة لوجود سواها من الثقافات، فالتزوير المتعمَّد للماضي التاريخي، وتشذيب أو حذف أو التغاضي عن كلّ ما هو أجنبيّ من الثقافات من شأنه أن يُفقر أو يُفسد الحقيقة في حدّ ذاتها. كما أنّ ذلك يُشكّل حاجزاً يقف حجرَعثرة في سبيل التداخل المتناغم للثقافات. إنّ المثال الأعلى للفكر التعدّدي هو أن يكون فكراًً متقبّلا ومفتوحاً خلاّقاً. وانطلاقاً من هذا المفهوم، فإنّنا نورّط أنفسَنا ونجعلها تغيّر موقعَها الحقيقي من تاريخ إسبانيا. إنّ النيّة المبّيتة التي تُجرِِّد جميع تلك المعطيات من عناصرها الصالحة بشكلٍ تعسّفيّ لهويّة وطنية مّا، لهي نيّةٌ تتّسم بنظرة ضيّقة ومنغلقة، ذلك أنّ تاريخ أيّ شعب إنّما هو خلاصة التمازج الحضاري والتأثيرات الخارجية التي استقبلها وهضمها، وإسبانيا خيرُ مثالٍ للبلدان التي استفادت بشكلٍ إيجابي مباشروكبير من الحضارة العربية التي تألّقت وازدهرت وبلغت أوجها فوق ترابها زهاء ثمانية قرون ونيّف، بالعطاءات الثرّة في مختلف مجالات الحياة التي ما زالت تطبع الحياة الإسبانية وتميّزها عن سواها حتى اليوم .

المغرب واسبانيا بَلَدَان محكومٌ عليهما بالتفاهم!

يصرّ غويتيسولو انه من الضروري أن نتعارف أكثر فيما بيننا، فما أفدحَ الجهل المتفشّي فينا، ينبغي أن نمحي من رؤانا المشترَكة جميعَ الصّورالمشوَّهة، والأفكار الخاطئة، كما ينبغي أن نُقصي عنّا جميعَ الرّواسب والتأويلات التي تحُول دون تعرّفنا ونطردُها من أذهاننا، أظنّ أنّ اسبانيا والمغرب ليسا ورثة القليل، ولقد طبعت فكرَهما معرفة عامّة كجاريْن عاشا على امتداد التاريخ واحداً بجانب الآخر، فرّقهما الجهلُ أحياناً بشكل يُجاوز كلَّ حدّ، إنه كان يرى انّ المهمّة الملقاة على عاتقنا واسعة ومتشعّبة، إذ ينبغي على اسبانيا ان تعمل على إعادة نشر لغتها وثقافتها في مجموع منطقة شمال افرقيا، وإيفاد الأساتذة والمحاضرين، وإقامة جولات مسرحية، وتنظيم عروض سينمائية، وعلى المغرب من جانبه أن يقوّي حضورَه الثقافي باسبانيا، وتقديم الصّورة الحقيقية للثقافة المغربية للرّأي العام الاسباني بنشر أعمال كُتّابه، وفنّانيه، وفولكلوره الثريّ .

 ذلك ما أكّده فى إحدى مقالاته فى هذا الصدد إنه يقول : “إنّ تاريخ العلاقات الاسبانية المغربية، كان موسوماً بنوعٍ من التباعد الذي يشكّل وصمةَ عارٍ في جبين الاسبان، تطبعه محاولات ذات نيّة حسنة من الجانبين، ولكنّها جاءت متأخّرة، وتميّزه كذلك فرصٌ محمُودة للتفاهم والتقارب ولكنّها غالباً ما تُقبَر في مهدها، إنّها جملةُ جهود إلاّ أنها غيرُ ذات جدوى لأّنّها تسير ضدّ التيّار، تيار الزّمن الذي لا يُقاوَم.

إنّ بُعْد اسبانيا عن المراكز المحرّكة للإمبريالية الأروبية كان في إمكانه أن يجنّبها إرتكاب التعسّف التاريخي للدّول العظمىَ عندما قرّرت بجرّة قلم توزيع القارّة الإفريقية فيما بينها كما لو كانت توزّع قطعةَ حلوىَ، إنّ المنطق السليم كان معدوماً بالنسبة لإسبانيا في ذلك الوقت إزاء هذا الأمر بتورّطها فيه. بل إنه على الرّغم من الفتات الذي كان نصيبَها في هذا الحفل الاستعماري جدير بنا أن نتساءل: كيف يُعقل أن يكون في مقدوراسبانيا إحتلال جبال الريف؟ إذا لم يكن في إستطاعتها تفجير وإستغلال وتسكين المساحات الشّاسعة لمناطق” أراغون” و”إستريمادورا”، أو منطقة” سييرّا مورينا”..؟ لقد كان لابدّ لها أن تتحمّل آثارَ مرحلتين مُخزيتين لحرب لا فائدة فيها: إندحارُها في معركة أنوال، وفضيحة خروجها مستغاثة من هذه الحرب بفضل التدخّل العسكري الفرنسي.

انّ قيام الجمهورية الثانية كان في إمكانها إستغلال فرصة محو أخطاء اسبانيا الماضية لعدم ميلها للتحاور مع ممثلي الحركات الوطنية المغربية، انّ شيئاً من هذا لم يحدث، وبدلاً منه فإنّ الحكومات سواء كانت من اليمين أو من اليسار قد اكتفت بمضاعفة تقوية ما كان قد بدأه الجنرال “بريمو دي ريفيرا”وكان ذلك موقفاً مُخجلاً، ترك آثاراً وخيمة بالنسبة لقضية الديموقراطية في إسبانيا، ممّا سنح للجنيرالات المتمرّدين سنة 1936إستغلال النّصْب الإفريقي لفرض أربعين عاماً من الحُكم الفرنكاوي في إسبانيا.

إنّ إنسحاب اسبانيا من مناطق شمال إفرقيا كان يعني بوضوح المحو التام لحضورها في تلك المناطق، إنّه هجران ميئوس منه، أو بمثابة إستعمار ما يمكن أن يُوسَم بالأخذ والردّ، الذي لم يُقم أيَّ وزنٍ لمناطقها “المحروسة” في كلٍّ من الرّيف، وجبالة، وطرفاية وإيفني، لقد حمل الاسبان معهم ما أمكنهم حمله ممّا كان في ثكناتهم ومراكزهم الرّسمية حتى الرّصاص، والميازيب، والصنابير، انّ مشروع إحلال اللغة والثقافة الفرنسيتين بدل الإسبانية في منطقة الشمال ما زال مستمرّاً بشكل يصعب تداركه، انّ شباب الناظور، والحسيمة، والشاون، وتطوان، والعرائش، وطنجة يتحدّثون الآن الفرنسية حتى وإن كانوا في العمق يوثرون اللغة الإسبانية، وعدد المغاربة الذين يجيدون الاسبانية في تضاؤل سنةً بعد أخرى وهم يتلاشون كما يتلاشى جلد مطرقة”.

ثمّ بدأت مهزلة حرب إيفني عام 1957 وعدم القدرة على السّيطرة على السّاقية الحمراء ووادي الذهب، وتشجيع اسبانيا لخلق حركة انقسامية أو إنفصالية بين الصحراويين التي أفضت الى نتائج خطيرة شبيهة بتلك التى سبّبتها إنجلترا في فلسطين (كذا)، ممّا أدّى من جهة أخرى الى خلق مواجهة بين دول المنطقة والوقوف حجرعثرة أمام الجهود المبذولة من أجل بناء المغرب الكبير، انّ أعمال الفئة السياسية في إسبانيا وعدم وضوح رؤيتها، واطّلاعها على مشاكل شمال افرقيا تُبيّن لنا بشكلٍ يدعو للأسف فقدان إستراتيجية وطنية واضحة للحفاظ على المصالح المشتركة، فى سيدي إيفني كان الوضع أكثر إثارةً للشّفقة والحُزن، فعندما إنسحبت إسبانيا من هذه المنطقة فإنّها جلت عنها بصفةٍ نهائية، وقد تركت مبانيَ شبحية مخيفةً لا نوافذ لها ولا أبواب، ولم يبق أيّ قاطن إسباني واحد في هذه المنطقة، ولم تكن بها أيّة مدرسة إسبانية، ومن أجل إقتلاع كل شئ والقضاء على أيّ أثر في هذه المنطقة فإنّ إسبانيا حملت معها حتى أمواتها في توابيتهم !

انّ المغرب واسبانيا لا يلبثان من تكرار التعبير المأثور وهو انّهما بلدان محكوم عليهما بالتفاهم، وعلي الرّغم من انّ هذه الصيغة مضبوطة وصادقة الّا انها مع ذلك لا ينبغي ان تشطّ بنا بعيدا، انّ الصداقة بين البلدين لا يمكنها ان تترعرع في ظلّ أو شكل حُكْم مفروض بواسطة قدَرية جغرافية، بل لابدّ لنا ان نخطو خطوة أخرى الى الأمام، انّ كلاًّ من القطاعات الاقتصادية، والسياحية، ومخططات التعاون، والمشاريع الصناعية إلخ لابد أن يواكبها تبادل ثقافي خصب ومكثف يزيد بلداننا تعارفاً وتقارباً أكثرمن ذي قبل.

كما أنّ أهم وأبرز الجوانب في مسيرة غويتيسولو من جهة اخرى تكمن في اندماجه العميق مع فئات مسحوقة تعاني القهر والظلم، وتبنّيه لقضاياها ودفاعه عنها، فعندما كان لا يزال مقيماً في باريس تعرّف على بعض مناضلي حركة "فتح" الفلسطينية ووضع قلمه في خدمة قضية فلسطين. وفى سنة 1988 سافر إلى فلسطين حيث كتب عن ثورة الحجارة بصفته "رجلاً معنياً مباشرة بالنضال الذي يخوضه شعبٌ للدفاع عن أرضه في مواجهة فظاظة الاقتلاع ومناخ الأساطير الخادع.

سافر خوان أيضاً إلى سرايّيفو أيام الإبادة العِرقية التي مارسها الصّرب على أهلها البوسنييّن. وألّف عن رحلته تلك كتاب "حصار الحصارات" عام 1999. وعندما ذهب الى الشيشان ورأى الويلات أصدر كتاباً بعنوان "عندما تُسدل الستارة" وعمل مراسلًا حربياً في سراييفو والشيشان، وهي التجارب التي تحوّلت إلى تحقيقات ذات بُعد تحليلي عميق. كان غويتيسولو في كل مرّة يُحرج الغربَ بكتاباته ويَفضح الأنا الأوروبية المنغلقة على نفسها وأكاذيبها، ولقد سجّل مواقف مؤيّدة للحراك العربي بعد عام 2011.

ينبغي ألاّ يَعزُب عن بالنا فى هذا المقام أنّ غويتيسولو وصف عمليات الطّرد التعسّفي، والتهجيرالقسري، والترحيل الجبري لأكثر من 300 ألف موريسكيّ من شبه الجزيرة الايبيرية بأنها "بقعة سوداء " في تاريخ إسبانيا، وأنها كانت "عملية تطهير عرقيّ دمويّ"، ووصف الاحتفال بـ"استرداد إسبانيا" بمثابة الوصمة السوداء. وانتقد خوان التاريخ الإسباني الرّسمي على إنكاره للدّور المحوري للعرب والمسلمين في صياغة الشخصية الحضارية لإسبانيا في القرون الوسطى.*

***

د. السّفير مُحمّد مَحمّد الخطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

..........................

* من مداخلة د. محمد محمد خطابي في ندوة"خوان غويتيسُولو عاشق المغرب والإنسانيّة" بمعرض الكتاب الدّولي الأخير بالرباط التي شارك فيها كذلك الناقدان ابراهيم الخطيب، ود. محمد آيت لعميم.

اعتاد أن يستيقظ في الخامسة صباحاً، يجلس وراء المكتب الصغير وخلفه شهادة الابتدائية التي نالها عام 1932، يعتز بها لأنها الشهادة الوحيدة التي حصل عليها، وإلى يمينها إجازة العمل حلاق مؤرخة 1942، وبينهما صورة لمكسيم غوركي بشاربه الكث: "عندما قرأت كتاب طفولتي لغوركي أيقنت أن حلاقاً مثلي يمكن أن يصبح كاتباً"، لكن حياته كأديب تبدأ عندما يهديه أحد رفاقه في الميناء نسخة ممزقة من رواية "الأم" لمكسيم غوركي، يكتب حنا مينة بعد سنوات عن هذه اللحظة: "وأنا أتابع حكاية الأم بيلاجيا، اكتشفت أن البؤس واحد في كل الأمكنة وفي جميع الأزمنة، لكن الأهم عرفت كيف أن النضال في سبيل تحسين الحياة، يجعلنا نطرد البؤس خارج حياتنا".

في الروسية تعني كلمة غوركي "المر" وحين اختار أليكسي مكسيموفتش بيشكوف هذا الاسم المستعار فكأنه أراد أن يضع الكلمة الدالة على حياته وحياة أبطاله، وقد رسم غوركي صورة "مرة" للحظة الأولى التي جاء بها إلى الحياة: "في الساعة الثانية ليلاً من الثامن والعشرين من آذار 1868 ولدتني الطبيعة بمسحة فرشاة على أثر حبها المغفل للممازحات الرديئة، ولإتمام مبلغ الحماقات التي اقترفتها بصور مختلفة. ورغماً من أهمية هذا العمل فإنني لم أحتفظ منه بأي تذكار شخصي. ولكن جدتي قالت لي إنني صرخت عندما أعطيت الروح الإنسانية. وأريد أن أعتقد أنها كانت صرخة كراهية واحتجاج".

كنت في سن الشباب عندما وقعت بيدي رواية حنا مينة "بقايا صور"، كان للروائي حنا مينة سمعة جيدة في المكتبة، القراء يتلاقفون رواياته حالما نضعها على الرفوف، رشحها لي القاص والروائي الراحل عبد الستار ناصر، وكان مغرماً بحنا مينة، قال لي ذات يوم: "لم يستطع أي كاتب أن يرغمني على شراء عجائبه كما يفعل حنا مينة وقبله احسان عبد القدوس ". بعد هذه النصيحة رحت إلى الرف الذي يضم كتب حنا مينة، كانت هناك كما أتذكر المصابيح الزرق، الشمس في يوم غائم، الثلج يأتي من النافذة، وبقايا صور فاخترت الأخيرة.

يرى الفيلسوف أوغسطين أن القراءة: "أتاحت أكثر من جميع النشاطات الأخرى، مساحة يستطيع فيها العقل أن ينفصل عن محيطه اليومي"، وهذا ما حصل معي وأنا أنغمس في قراءة "بقايا صور"، كان صاحب المكتبة يراني غارقاً في القراءة، وكان البعض يضعني في صورة "أحمق الكتب" لأنني أقرأ كثيراً دون تعمق، كنت أشبه بالوصف الذي أطلقه ألبرتو مانغويل: "مخلوق تائه في برية من الكلمات، لا يملك أي شيء عن الواقع اليومي، يعيش في عالم من الخيال".

انتهيت من قراءة "بقايا صور"، وقررت أن أقرأ روايات حنا مينة المتوفرة في المكتبة، بعد أيام سيطل عبد الستار ناصر بقامته الرشيقة ووجهه الوسيم، والوميض العابث في عينيه، والابتسامة اللطيفة، كان قارئاً مذهلاً، واسع المعرفة، ألف قصصاً مدهشة، قلت له وأنا أستقبله مرحباً: أعجبتني جداً رواية "بقايا صور".

قال لي: يوجد نوعان من الروائيين المهرة، أولئك الذين يحاولون إقناعك أن رواياتهم جيدة، والذين لا يجدون أي حاجة لإقناعك بأنهم كتبوا رواية جيدة؛ حنا مينة من النوع الثاني، الذي كلما تعيد قراءة رواياته، تكتشف أن القراءة الثانية لها مذاق آخر.

يخبرنا حنا مينة أن المكونات التي شكلت حياته الأدبية والفنية تشكلت من البيئة الاجتماعية التي خرج منها إلى العالم، والتي وصفها لنا في ثلاثيته "بقايا صور.. المستنقع.. القطاف"، ويشير مينة إلى والده الذي كان يقص عليهم تجاربه في الحياة ومعاناته، يُضاف إلى ذلك الكتب التي رافقت الصبي منذ بداية حياته، وكان أبرزها روايات الأدب الكلاسيكي الروسي التي غرست في نفسه الطموح لأن يُصبح كاتباً، يضاف إليها كتابات همنغواي وناظم حكمت ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران، إلا أن الاكتشاف الأكبر كان مكسيم غوركي الذي تعلم منه: "إن الحياة والإنسان مصدر كل علم. نعم إن الناس يعلمون في ألم وقسوة، ولكن هذا العلم وحده هو الذي يبقى ثابتاً راسخاً".

نبهني عبد الستار ناصر فيما بعد إلى أهمية قراءة ثلاثية مكسيم غوركي "طفولتي.. بين الناس.. جامعاتي"، فقد ظهر هذا الكاتب في الأدب الروسي حاملاً معه حكايات قطاع الطرق والمتسكعين، وأفكاراً مشحونة بآمال ثورية.

ولد أليكسي ماكسيموفيتش بيشكوف في الثامن والعشرين من آذار عام 1868، بعد سبع سنوات من تحرير الأقنان، في مدينة نيجني نوفغورود على نهر الفولغا، إحدى أهم مراكز التجارة النهرية في الإمبراطورية القيصرية. كان والده يعمل في حوض بناء السفن، ومات بالكوليرا عام 1872، لتعود به أمه إلى منزل جده فاسيلي فاسيليفيتش كاشيرين، صاحب المصبغة الصغيرة، وكان إنساناً بخيلاً وعصبياً، عامل حفيده معاملة قاسية، سيتذكرها غوركي في كتابه "طفولتي": "ملأ الحقد منزل جدي كضباب كثيف"، توفيت والدته بعد ست سنوات بمرض السل. في الثامنة من عمره، أُرسل إلى المدرسة، لكن جده أخرجه منها بعد بضعة أشهر ليعمل جامعاً للخرق على ضفاف نهر الفولغا، بالمقابل كانت الجدة إنسانة وديعة وطيبة، تقص على الصبي مكسيم الأساطير وتغني له الأغاني القديمة: "كانت هي الشخص الذي أدخلني الحياة اللذيذة، على صعوبتها، الحياة بين الناس. وحين أفكر بها، يزول الألم كله والجراح كلها، كانت تتكلم فتطبع الكلمات بنغمة خاصة، وترسخ تلك الكلمات في ذاكرتي شبيهة بزهور ناضرة، حية، عذبة" - طفولتي ترجمة سهيل أيوب.

 في الحادية عشرة من عمره، يغادر المنزل ليعمل صبياً على متن السفن النهرية، لينفتح أمامه عالم اللاعدالة الرهيب، عالم البؤس والقسوة، فكان يلاحظ كيف كان التجار الجشعون يستغلون العمال، فتولدت بداخله بذرة حب الناس البسطاء. في تلك السنوات كان يلتهم ليلاً كتب بوشكين، وتولستوي، ونيكولاي غوغول، وإيفان تورغينيف، وفيودور دوستويفسكي، وإميل زولا، وتشارلز ديكنز، وبلزاك، وفلوبير وجميع الكتب التي استطاع الحصول عليها، وقد لعبت هذه الكتب دوراً في حياته، وجعلته برغم ظروفه التعيسة يبحث عن الحقيقة: "هذه الكتب غسلت نفسي وأزالت عنها ما علق بها من أقذار الحقيقة المؤلمة. . أدركتُ الآن قيمة الكتب العظيمة، وأدركتُ أيضاً مدى ضرورتها لي وعدم استغنائي عنها." .

عام 1884، كان غوركي قد بلغ السادسة عشرة من عمره، فقرر أن يكمل دراسته، سافر إلى مدينة قازان، أملاً في الالتحاق بالجامعة، ولكن بالنسبة لفتى أنهى في طفولته الصف الأول، ثم أكمل الدراسة بعد سنوات، سيجد حتماّ أبواب الجامعة مغلقة في وجهه، يقرر العمل حمالاً في الميناء، يعيش في قبو مع مجموعة من الطلاب والعمال والمشردين الذين سيصبحون فيما بعد أبطال مسرحيته الشهيرة "الحضيض" التي نشرها عام 1902. حيث يصف لنا بشكل مبهر البؤس الذي يعيشه المواطن الفقير، فأحداث "الحضيض" تدور وسط بيئة المعدمين والبائسين والمشردين الذين بالكاد يجدون قوت يومهم، أو مكاناً يؤويهم، ومع ذلك نراهم يتمسكون بالعيش وبحب الحياة.

في «الحضيض» تتردد كلمات بطل المسرحية (ساتين) التي يعلن فيها حق الإنسان في الحرية والكرامة البشرية: " إنَّ الإنسان حرّ. الإنسان - هو الحقيقة! ما هو الإنسان؟.. إنَّه ليس أنت، ولا أنا.. كلا، إنَّه أنت وأنا، هم، في واحد. أتفهم! إنَّ هذا العظيم، فيه كل البدايات والنهايات.. كلُّ شيء في الإنسان، يوجد الإنسان فقط، وكل ما تبقى، إنما هو صنع يديه ودماغه. ينبغي احترام الإنسان، لا الإشفاق.. ولا إذلاله بالإشفاق.. وإنما احترامه" .

بعد عام، ينتقل للعمل في مخبز، وكان ينام ليلاً بجوار الفرن،أدّى به بؤسه إلى اكتئاب حاد، وفي سن التاسعة عشرة حاول الانتحار بإطلاق النار على قلبه، أخطأت الرصاصة هدفها، لكنها ألحقت ضرراً دائماً برئته اليسرى، وبدأ يعاني من الأعراض الأولى لمرض السل. بعدها سينطلق برحلة إلى موسكو وأوكرانيا والقوقاز والبحر الأسود وبحر قزوين، يمارس عدة مهن ويلتقي بالاشتراكيين ويتعرف على الأفكار الثورية. كتب في كتابه "طفولتي": "كنت أعيش في دوامة من الأفكار والرغبات والمشاعر المتناقضة، أبحث عن شيء في الحياة والناس يخفف عني عبء قلبي".

في العشرين من عمره بدأ يدرك ان مشاهداته وتجاربه في الحياة تستحق ان تروى للناس :" راودني شعور بأنني اعرف وأشعر بشيء لا يعرفه ويشعر به الآخرون .. كنت عند قراءتي كتب اساتذة مثل تورغنيف أفكر أحياناً بأنني قادر على أن أروي ( مذكرات صياد ) مثلاً بطريقة تختلف عن طريقة تورغنيف " – كيف تعلمت الكتابة ترجمة احمد الرحبي - 

نُشرت قصته القصيرة الأولى، "ماكار تشودرا"، التي تتناول حياة المتشردين والرحالة الذين التقاهم في رحلاته، عام 1892، وكان آنذاك يعمل في ورشة طلاء السكك الحديدية، "المرّ". كتب: "مرارة حياتي هي التي صنعت مني كاتباً. كلما اشتدت عليّ الصعاب، ازددت قوةً وحكمةً".

جذبت كتابات غوركي مزيداً من الاهتمام، لكنها في المقابل وضعت خطواته تحت مجهر الرقابة الروسية. في عام 1900، سُجن مجدداً لمشاركته في احتجاج طلابي ضد التجنيد الإجباري دعا فيه إلى الإطاحة بالقيصر. وبعد إطلاق سراحه، التقى غوركي بكل من تولستوي وأنطون تشيخوف للمرة الأولى، وشاهد عرضاً لمسرحية تشيخوف "الخال فانيا"، التي ألهمته لكتابة مسرحيته "البرجوازيون"‘  وهي صورة كوميدية سوداوية لعائلة تعيش حالة من الفوضى بعد اكتشاف الأبناء أن والدهم قد وشى بأصدقائهم للسلطات بتهمة التحريض على التمرد . وقد صادرت الشرطة مخطوطات "البرجوازيون" وروايته الثانية "الأصدقاء الثلاثة"، التي تتناول قصة ثلاثة أصدقاء يحاولون العيش وفق مبادئهم الثورية. وعقب ذلك، نُفي غوركي إلى شبه جزيرة القرم، حيث حُمل إلى القطار على أكتاف الجماهير بوصفه بطلاً.

في نهاية عام 1902 اختارت الأكاديمية الروسية غوركي عضو شرف، وكان هذا القرار اعترافاً بقيمة الأعمال الأدبية التي قدمها، وقد أثار قرار الأكاديمية غضب القيصر الذي طالب بإلغاء القرار، وسبب الطلب سخطاً في الأوساط الثقافية مما اضطر أنطوان تشيخوف إلى رفض عضوية الأكاديمية تضامناً مع غوركي .

للفترة من عام 1902 وحتى عام 1905 عانت روسيا من اضطرابات سياسية واحتجاجات عمالية، في هذه الأثناء أعلن القيصر الحرب على اليابان. وبعد ستة أشهر، اجتاحت البلاد موجة جديدة من الإضرابات، احتل الطلاب الجامعات، وأدت الحرب إلى تصاعد الدعم للثوريين. في التاسع من كانون الاول / يناير عام ١٩٠٥، انضم غوركي إلى عشرين ألف عامل في سانت بطرسبرغ الذين ساروا إلى القصر لإبلاغ القيصر بمعاناتهم. قُتل أكثر من ألفي عامل برصاص قوات الشرطة، وكانت هذه الأحداث الشرارة التي أشعلت فتيل أول ثورة في روسيا. شارك غوركي في التظاهرات رافعاً العلم الأحمر، وزار المضربين المعتقلين في السجن، ووزع منشوراً يدعو إلى "نضال موحد ضد الاستبداد". في شباط / فبراير، أُلقي القبض عليه وحُكم عليه بالسجن الانفرادي لمدة ستة أشهر. نجح أكثر من 300 كاتب في أوروبا وأمريكا في تقديم التماس إلى القيصر للإفراج عن غوركي، خرج من السجن  ليوُضع تحت الإقامة الجبرية لمدة شهرين، قدم رسالة يطالب فيها بحقه في المحاكمة:"  " لأشرح للعالم لماذا أنا ثوري، ودوافع 'جرائمي' ضد النظام الاجتماعي القائم، الذي يذبح مواطنين روس مسالمين عُزّل، بمن فيهم الأطفال".

عاش غوركي حياة مليئة بالأحداث، شارك في الاحتجاجات التي قمعها القيصر عام 1906، اضطر إلى مغادرة روسيا، تجول في برلين وباريس وروما والولايات المتحدة، كتب رواية "الأم" التي قررت السلطات مصادرتها، وكانت هذه الرواية الخطوة الأبرز في تطور أدب مكسيم غوركي، فيها يصبح العمال الثوريون الشخصيات المركزية، حيث تنطلق الطبقة العاملة للمرة الأولى إلى مسرح الأحداث كسيد كامل السلطة، قادر على تحويل الحياة وتغييرها باسم القيم الاشتراكية. إن غوركي في "الأم" يؤكد على إمكانية الحلم بالمستقبل الأفضل، ويقدم صورة البطل الإيجابي في مرحلة جديدة من التاريخ.

في مسيرة حياته التي استمرت ثمانية وستين عاماً - توفي في الثامن عشر من حزيران عام 1936 - التقى غوركي بلصوص وقتلة وحمالين وخبازين وبحارين وشرطة ومجرمين وفوضويين وثوريين وماركسيين وبرجوازيين، تحدث معهم، وكتب عنهم ضمن فلسفته التي أراد أن يبثها في معظم كتاباته، وهي فلسفة تؤمن بالإنسان، الذي يرى أنه سيد الحياة: "تقولون ماركسي، ولا في ذلك شك. ولكن ليس جرياً وراء ماركس، بل لأن جلدي قد دُبغ هكذا. لقد تعلمت الماركسية من سيمونوف الخباز في قازان، أفضل مما لو تعلمتها في الكتب". وسنجده يصف إيمانه بالإنسان في رسالة يبعثها إلى تشيخوف: "لا شك أنك توافقني على أن مهمة الأدب هي أن يعين الإنسان على أن يفهم ذاته، وأن يرتفع بإيمانه بنفسه، وأن يطور عاطفة الصدق عنده، وأن يحارب الشر في الآخرين، وأن يعثر على الخير فيهم، وأن يوقظ في أرواحهم الخجل والغضب والشجاعة، وأن يعمل باختصار كل ما يجعل الناس أقوياء، بما تحمله القوة من معاني النبل، وأن يجعلهم قادرين على جعل حياتهم روح الجمال" - مراسلات بين غوركي وتشيكوف ترجمة جلال فاروق الشريف -.

يصف تولستوي غوركي بأنه "كله عيون"، فعيناه تريان ما لا تلاحظه عيون الآخرين. قرأ فلاديمير لينين أعمال غوركي الأولية كما يقول في رسالته إلى شقيقته. وعندما ظهرت رواية "الأم" قرأها ولم يتمالك إلا أن يكتب: "لقد جاءت هذه الرواية في الوقت المناسب"، وعندما التقى غوركي عام 1905، كان قد قرأ كل ما كتبه، كان اللقاء سريعاً، وبعد عامين سيجمعهما لقاء طويل في لندن، تحدثا عن الأوضاع في روسيا، وتطرق غوركي إلى طفولته ونهر الفولغا وجدته وشبابه ومغامراته، كان لينين يستمع إليه بانتباه كبير وهو يقول له: "سوف تكتب كل هذا يا أبتِ الصغير".

في "جامعاتي" يكتب غوركي: "لماذا أكتب عن الأشياء الكريمة التي حدثت في حياتي، إنها حياة قذرة تعيسة عشناها جميعاً، ولكن علينا ألا نكون عاطفيين، ولا نخفي الحقيقة بكلمات بليغة، وأكاذيب صغيرة"، وقد اضطره الصدق أن يقحم في كتاباته، كل ما يعرفه عن الحياة: "إن السعي إلى الكتابة لم يعد بدافع فقر الحياة، بل بسبب ثرائها ووفرة الانطباعات والرغبة الداخلية في التحدث عنها" – كيف تعلمت الكتابة ترجمة أحمد الرحبي -.

التزمت بنصيحة عبد الستار ناصر والتقطت نسخة من كتاب غوركي "طفولتي"، كانت نسخة قديمة صادرة عن دار اليقظة العربية، وهي دار نشر سورية اهتمت بالروايات الكلاسيكية، وكان يشرف عليها ويترجم العديد من كتبها الأخوان سهيل وفؤاد أيوب، كان غلاف الكتاب بسيطاً صورة لغوركي بملامحه الجادة.. في المكتبة التي كنت أعمل فيها كان بإمكانك أن تجد كتب غوركي متوفرة طوال الوقت، ففي تلك السنوات – السبعينيات – كان غوركي الكاتب المفضل عند زبائن المكتبة.

تبدأ "طفولتي" بجنازة والد الكاتب: "كان والدي مستلقياً على الأرض تحت نافذة غرفة صغيرة مظلمة تعج بالغبار. يبدو لي طويلاً بشكل ملفت ويدعو إلى الدهشة، وقد اكتسى بالبياض من قمة رأسه حتى أخمص قدميه"، يلتقط غوركي صورة لجدته التي كان يختبئ وراءها وهي تقول له: "لا بأس لا تخف يا بني". بعض التفاصيل التي تجسد خوف الطفل أليكسي وحيرته وعلاقته بجده الذي كان يضربه بسبب أو من دون سبب. ذكريات حياة مبكرة، مليئة بالعنف، مؤلمة في كثير من الأحيان، لكن "الحقيقة أنبل من الشفقة على الذات". ورغم لحظاتها القاتمة، تحمل طفولة غوركي طابعاً مُلهماً، يعكس تفاؤله، يكتب: "الحياة تُفاجئنا دائماً؛ إن قوى الخير الإنسانية الخلاقة... تُوقظ فينا أملاً لا يُقهر بأن حياةً أكثر إشراقاً وأفضل إنسانية ستولد من جديد".

آمن غوركي، الذي وصفه جورج لوكاتش بأنه "مبعوث من الجماهير الروسية المجهولة"، بقدرة الإنسان العادي على تشكيل مصيره، وأن يكون عاملاً للتغيير الإيجابي. وقد أعلن في عبارة شهيرة: "الإنسان، يا له من اسمٍ له وقعٌ عظيم!".

قال لي عبد الستار ناصر: إنك قد تعجب بكتابات مكسيم غوركي، لكن حياته أكثر تشويقاً من رواياته، حتى أنها تطغى أحياناً على كتاباته، فالحياة غمرت كيانه وتدفقت منها بحكايات وقصص غريبة. كان تولستوي يقول إن أبرز عيوب غوركي: "ولعه بالكتب وحياته التي طغت على خياله.. فقد أظهر لنا روحاً حية في شخصية المتشرد، كما أظهرها دوستويفسكي في شخصية المجرم".

ربما يتساءل قارئ في ظل تطور الأدب وفن الرواية: ما الدروس التي يمكن أن نستخلصها من قراءة أعمال مكسيم غوركي؟ قد تبدو رواياته الآن تقليدية، لكنها مفيدة في عصرنا هذا، لأنها تشير بوضوح للأشياء السيئة في الحياة، وتقدم لنا خلاصة لتجربة إنسانية، وكلما ازدادت التجارب ساهمت هذه الكتابات في إغناء القارئ: "إن هدف الأدب هو مساعدة الإنسان على فهم نفسه، وتعزيز ثقته بنفسه، وتنمية سعيه نحو الحقيقة، ومحاربة الشر في الناس، وتعليمهم كيفية إيجاد الخير فيهم، وإيقاظ مشاعر الخجل والغضب والشجاعة في نفوسهم، كل ذلك لكي يصبح الإنسان قوياً ونبيلاً".

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

ما أصعب الكتابة والتفكير في بيئة العنف والتكفير

أحب الكتابة أكثر من الشفاهية والمحادثة الكلامية. إذ بدأت الكتابة منذ كنت طالبا في الإعدادية. كنت أكتب خواطر ويوميات مراهقة عن معنى الحياة والخير والشر والناس والعالم وفي الثانوية كتبت في المجلة الحائطية وفي الخدمة العسكرية كتبت في مجلة المعسكر الحائطية مقالا عن أهمية الثقافة العامة للمجندين. وفي الجامعة انضممت إلى الجمعية الأدبية للشباب والطلاب في سنة ثانية فلسفةً وكتبت مقالات في المجلة الحائطية للكلية وفي سنة رابعة بكالوريوس بدأت بنشر المقالات الصحفية بالصحف المحلية الصادر في مدينة عدن العاصمة. كان أولها مقالا نشرته في صحيفة صوت العمال بعنوان (قتل نفسه كي لا يكون خائنا) مستوحى من رواية للأديب التركي ناظم حكمت. وبعدها نشرت في صحيفة الثوري الناطقة بلسان الحزب الاشتراكي اليمني مقالا عن

ماركس والدين وكانت صحيفة ١٤ أكتوبر العدنية هي مدرستي الأولى في الكتابة الصحفية إذ نشرت فيها مقالات فكرية وثقافية واجتماعية وتربوية ونقدية وحوارية ثم صحيفة التجمع والأيام والجمهورية والثورة والنداء وعدن الغد والصباح والحق والأمناء وغيرها كان ذلك منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. وحينما سافرت للعراق لغرض الدراسة العليا كتبت في الصحافة العراقية ومنها (الف باء والرأي والزوراء والوطني والزمان والمدى) وحينما ذهبت إلى المغرب العربي لغرض التفرغ العلمي نشرت بعض المقالات في الصحافة المغربية. وفي المملكة العربية السعودية نشرت في الشرق الأوسط وصحيفة الشرق مقالات فلسفية وسياسية وثقافية (اكثر من ستين مقالا) ومن المواقف الطريفة مع رئيس تحرير صحيفة الشرق السعودية الأستاذ محمد الشمري أنه كان يتصل بي بشأن بعض المقالات الفلسفية ويطلب مني تخفيض السقف! كان السقف المتاح للقول والتفكير والكتابة حينها -أقصد قبل الانفتاح الراهن - لا يتجاوز اللغة التقليدية وكنت اتحايل بتسريب الأفكار الفلسفية بلغة ادبية شديدة الرمزية والغموض (لغة الطير كما تقول العرب) ولا يفهني الا الطير الذي آكل من قمحي! اقصد من أحب الفلسفة وفهمها تحديدا. كتبت عن فلسفة النهضة وعن التفكير العلمي وعن أهمية التفكير النقدي وعن التعليم العقلاني بوصفه سبيلا لمناهضة التطرف والإرهاب وعن فلسفة التاريخ والحضارة وعن فلسفة العلم وعن الفلسفة النسوية وعن مخاطر العنف ضد المرأة وعن صدمة المستقبل وأشياء كثيرة والحق أقول أنني عرفت الدكتور عبدالله المطيري رئيس الجمعية الفلسفية السعودية التي تأسست موخرا في الرياض عرفته عبر كتابات إذ ربما كان الأكاديمي السعودي الوحيد الذي يكتب عن الفلسفة بالف ولام التعريف الكبيرين. وفي مصر نشرت مقالات عديدة في أخبار المساء وصدى البلد وتحيا مصر ومجلة الفكر المعاصر وبوابة دار المعارف وغيرها وبعد الإنترنت أحببت النشر في المواقع الالكترونية الحوار المتمدن وصحيفة الثقافة العالمية وخيوط والمدينة اليمنية وموقع ضياء للمؤتمرات وكتبت في المجلات العلمية والثقافية منها؛ مجلة الكاتب العربي ومجلة الفكر المعاصر الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ومجلة مثاقفات اللندنية ومجلة الجديد اللندنية ومجلة أنثروبولوجيا الجزائرية ومجلة معهد البحوث والدراسات العربية ومجلة الثقافة العراقية ومجلة الجمعية الفلسفية المصرية ومجلة جامعة المستنصرية ومجلة الحكمة اليمنية ومجلة حضرموت الثقافية ومجلة المنار العدنية ومجلة التواصل الأكاديمية ومجلة بيت الحكمة الفلسفية ومجلة صوت الجيل الاردنية ومجلة اطاريح العراقية ومجلة سبأ للدراسات التاريخية ومجلة حولية الآداب ومجلة الاصباح للدراسات الحضارية بفرنسا، ومجلة أوراق فلسفية المصرية ومجلة على باب مصر، ومجلة إمزاد الأمازيغية وصحيفة الجمهورية الجزائرية وصحيفة الوطني التونسية وصحيفة بيان المصرية وغيرها. وأتذكر أنني حينما كنت في عدن عملت تفتيش ونبش وفلترة في أرشيفي الصحفي الورقي التقليدي لمدة عشرين يوما وبتعاون فريق من الشباب في كلية الأداب بإشراف مصطفى الأزوري تمخضت المرحلة الأولى بإنجاز هذه الثامنة الإضبارات الصحفية (أربعة من الحجم الكبير وأربعة من الحجم الصغير) من قصاصات المقالات التي كتبتها ونشرتها والمقابلات التي جرت معي في أوقات متفرقة من السنوات المنصرمة منذ عام ١٩٨٨م حتى تمكني من التدوين الالكتروني ، على أمل إن تتاح لي الفرصة في إعادة طبعها بالورود نظام الأوفست في قادم الأيام حتى يسهل حفظها في مدونتي الثقافية. والسؤال هو كيف يمكن تحويلها الى نسخة الكترونية ؟! من المؤكد أن الأمر يحتاج الى المزيد من الجهد والتعب. شكراً للآنسة منى باصمد التي تعاونت مع فريق عملها الرائع في مكتبة كلية الآداب بإشرف الشاب النشط مصطفى الأزوري لإنجاز هذه الفهرسة الأولية للمقالات والمقابلات الصحفية التي أستطعت الاحتفاظ بها في أرشيفي الورقي الذي نجي من الاحتراق والضياع مرتين الأول في حرب صيف 1994 الغاشمة إذ احتلت الميلشيات الأرهابية منزلي التي دخلت عدن مع القوات الفاتحة بعد فتوى التكفير الإخوانية الرهيبة. سبعة من يطلقون على انفسهم صفة المجاهدين احتلوا منزلي ومنزل صالح أخي الكائنين في حي السعادة بخور مكسر محافظة عدن ،القرية الروسية لمدة عامين ولم يخرجوا إلا عبر متابعات ومحاكمات مضنية ولكنهم خرجوا بعد أن احرقوا كل كتبي التي جمعتها على مدى عقدين من الزمن حوالي الف كتاب تم إحراقها في حوش المنزل كما اخبرني احد جيراني الذي كان يشاهد الواقعة من نافذة منزله إذ جمع الأرهابيون الكتب التي وجدوها في مكتبتي في سوال كبير ورموها في حوش المنزل واضرموا فيها النار وهو يرددون (الله أكبر..الله أكبر..الله أكبر) بطريقة هستيرية متوحشة. طبعا كانت بعض الكتب في الفلسفة الماركسية فضلا عن احراق البومات صور العائلة ومنها صوري مع الرئيس علي سالم البيض في عيد العلم حينما تم تكريمي بميدالية التفوق العلمي عام 1988م واتذكر أن قائد شرطة خورمكسر حينها كان العقيد محمد جبران شنظور. ذهب اليهم بطقم شرطة لغرض إقناعهم بتسليم المنزل فكان ردهم أن صاحب المنزل - قصدهم أنا-لديه مكتبة شيوعية كافرة ونحن نبحث عنه واخرجوا له بعض الكتب ومنها كتاب رأس المال لكارل ماركس وكتاب لينين خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف وكتاب بيلخانون العنف في التاريخ وكتاب الوجود والزمان والوجود والعدم وغيرها. اخرجوها واحرقوها في حوش المنزل وهم مدججون بالسلاح واللحي المرسلة. وقالوا نحن نبحث عن هذا المارق الذين لازال يحتفظ بهذه الكتب الملعونة. فعاد قائد الشرطة بخفي حنين. وبعد عام من المتابعة والبحث عن أميرهم عبر وساطات وصهارات وجعالات واثبات ملكية المنزل اقتنعوا بالخروج ولكنهم اخدوا كل محتويات المنزل بما في ذلك النوافذ والأبواب حفاظة بحسب قولهم. تلك الواقعة في قلب مدينة عدن الساحلية جعلتي اشعر بحالة الغربة والاغتراب والضياع والخوف والخطر وتلك المشاعر هي التي دفعتني للبحث في الفلسفة الوجودية بإشراف الاستاذ أحمد نسيم برقاوي إذ كانت رسالتي بعنوان: الوجود والماهية في فلسفة جان بول سارتر. ناقشتها بعد عامين من الاجتياح في ظروف بالغة القسوة والاضطراب والتكتم. كانت ولازالت لحظة وجودية بامتياز. بعد عامين من المتابعات والمحاكمات والوساطات والرشاوي تمكنت من العودة إلى بيتي الخشبي رقم 19 في كورنيش ساحل أبين ولكنهم لم يكتفوا بحرق المكتبة بل اخدوا كل محتويات المنزل وأثاثه بما في ذلك المكيفات والمراوح والنوافذ والأبواب حفاظّة بحسب قولهم! بدأت اعيد بناءه المكتبة من جديد بعد أن مسحت الصفحة. فلم تمضي الا بضع سنوات ثم عادت الاضطربات في المدينة ضد قوى الاحتلال الداخلي في حركة المقاومة السلمية الجنوبية والحراك الجنوبي الذي وجهته سلطات الاحتلال الداخلي بالنار والحديد وكانت مدينتنا خورمكسر هي ساحة الاشتباكات الدامية بين الأمن المركزي والمقاومين المدنيين اذ أغتيل الشهيد أحمد الدرويش بجانب منزلنا عام 2010م وبعد عام من استشهاده "قتل شاب في العشرينيات ظهر اليوم الاثنين في منطقة خور مكسر بمدينة عدن جنوب اليمن برصاص عشوائي أطلقته قوات الشرطة على محتجين.

وقال سكان في حي السعادة بخور مكسر لـ"المصدر أونلاين" إن الشاب "صالح يوسف" (24 عاماً) قتل أثناء إطلاق قوات شرطة النجدة الرصاص الحي بشكل عشوائي لفتح طريق قطعه محتجون للمطالبة بتسليم المتهمين بقتل الشاب أحمد درويش." وقد وصلت رصاصات الأمن المركزي وقوات النجدة العفاشية إلى بلكونة منزلي أكثر من مرة واتذكر أن تلك المواجهات الدامية استمرت حتى حرب الصرخة والعاصفة التي دمرت كل شيء في عموم اليمن إذ اجتاحت المليشيات الطائفية الشمالية عدن في عام ٢٠١٥ وحالتها هشيما واطلالا.

وتلك كانت المرة الثانية التي نهبت فيها مكتبتي حينما اجتاحت المليشيات الحوثية العفاشية مدينة عدن وتلك كانت الحرب الأخيرة التي تناسلت مصائب كبيرة على اليمن واليمنيين ولازالت مستمرة حتى الآن. وهكذا تتلاقي الأطراف دائما حينما يكون الفكر والحرية هو المستهدف فكما احرق المجاهدون التكفيريون الذين فتحوا عدن بفتوى دينية اخوانية مكتبتي المسالمة فكذلك فعلت الميلشيات الحوثية الطائفية المدعومة من إيران الشيعية في حرق من تم جمعه منذ عام 1998 عام تعييني مدرسا في جامعة عدن إذ تمكنت على مدى سبعة أعوام من اعادة تكوين مكتبتي من الصفر بعداحراقها في حرب التكفير عام 1994 بالتكبير وهاهي هي الملشيات الحوثية تحرق ما تم جمعته من كتب جديدة جمعتها بشق النفس واشتريتها من عرق جبيني تحرقها وهي تردد الصرخة الحوثية (الموت لأمريكا.. الموت لاسرائيل) جرت تلك الغزوة الثانية وانا خارج البلد إذ كنت مدعوا للمشاركة بأعمال (العلوم الإنسانية أكاديمياً ومهنياً : رؤى استشرافيّة) الذي انعقد في رحاب كلية الآداب في 6_ 7 ابريل الماضي وكان لي شرف المشاركة في اعماله بورقة بحثية بعنوان : العلوم الإنسانية وسوسيولوجيا العلم المعاصر. اتذكر أنني بقيت هناك في الرياض بعد إن غادرها جميع الزملاء والزميلات المشاركين في المؤتمر من معظم البلدان العربية جميعهم عادوا إلى أوطانهم ودولهم وأهلهم وذويهم في مختلف الاتجاهات إلا أنا بقيت هناك في الرياض الوارفة الإسمنت والفنادق! ولكني بعيدا عن أهلي وبلدي بسبب الحرب الغاشمة في عدن الحبيبة أمسي وأصبح أغرد بهذه الكلمات:

يا طير يا ضاوي إلى عشك

قلي متى با ضوي على عشي

كم قلت للركاب من قبلك

باسير شلوني قدا خللي

حتى لقوني طرد في خيشه

قلبي من الفرقا آه كما الريشة

ما علينا من تلك الانفعالات الرومانسية وكل ما يهمني هنا هو كيف يمكنني جمع ما تبقى من حياتي التي أنهكتها الحروب وجمع ما يمكنني جمعه من قصاصات يستحيل الحصول عليها بعد اليوم ! ولا عزاء طالما والدولة والشعب والوطن والبلد كلها قد ضاعت في مهب العاصفة! ولم يعد لنا منها سوى تلك الذكريات التي ستروي للاجيال القادمة بأننا كنا نحلم بعكس ما جرى، ولكن أتت العواصف بغير ما كانت تشتهي الباخرة !

وكلما تذكرت مكتبتي التي احرقت مرتين الأول في حرب تكفيرية عام 1994م والثانية في الحرب الطائفية والمسيرة القرآنية كلما تذكرت محنة فيلسوف الاندلس ابن رشد نلاحظ أوجه الشبه بين الحاليين: " كان ابن رشد ينظر إلى الكتب تحترق واحداً إثر الآخر ولا يحرك ساكنا، بل يقابل كل ذلك بصبر شديد، وفيما هو يتأمل تلك المشهدية القاسية بعمق يذهب فيه إلى مدى تأثيرها على المستقبل، كان أحد تلاميذه بالقرب منه يبكي وينتحب، لكن ابن رشد كان يربت على ظهر تلميذه الوفي ويخفف من هلعه وحزنه بقوله : «إذ كنت تبكي حال المسلمين فاعلم أن بحار العالم لن تكفيك دموعاً، أما إذا كنت تبكى كتبي المحروقة، فاعلم أن للأفكار أجنحة وهي تطير" فما زال الحال هو الحال يا ابا وليد المستنير وكما عبر الشاعر الضرير عبدالله البردوني عن تلك الحالة بقوله:

لماذا استشاط زحامُ الرماد؟

تذكّرَ أعراقَهُ فاضطربْ

*

لأن “أبا لهبٍ” لم يمُتْ

وكلّ الذي ماتَ ضوءُ اللهبْ

على كل حال هذه الإضبارات تحتوي مئات المقالات والدراسات الفكرية والثقافية والنقدية والخواطر الشعرية المنشورة في الصحف المحلية والعربية العالمية بدءاً من صحيفة ١٤اكتوبر والأيام والطريق والتجمع والصباح وعدن الغد والثوري والوطني والتحديث والحريّة والقضية والجمهورية والثورة والنداء والوسط وعدن اليوم والجمهورية الثقافية و٢٦ سبتمبر والحق والجنوبية والصحف العراقية : الزوراء والرأية والمدى والصباح والوطن والزمان اللندنية وغيرها ذلك من الصحف التي لم أعد اتذكر أسماءها وسوف تكون المرحلة الثانية من الجمع والأرشفة للدراسات المنشورة في الدوريات والمجلات العلمية اليمنية والعربية وهي أخف وطئة من الأرشيف الصحفي، اما المرحلة الثالثة والآخير فسوف تكرس لفهرسة الموضوعات المنشورة في الشبكة العنكبوتية وهي كما اعتقد أسهل بما لا يقاس بالجهد والتعب المبذول في فهرسة الأرشيف الصحفي الورقي التقليدي. وهذا هو ما جعلني شديد الإعجاب والامتنان بمخترع الانترنت الانجليزي السير تيم بيرنرز لي المولود عام ١٩٥٥م أطال الله عمره وجزاه عنا كل خير.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

لم يكن أحد قد حضر إلى مجلة الثقافة، كنت أجلس وراء الآلة الكاتبة، أحلم أن أصبح مثل همنغواي الذي شاهدت صورة له وهو يضع أمامه آلة كاتبة صغيرة، طبعاً لم أصبح مثل همنغواي لأنني لا أملك خيالاً مثله، وأعتقد أن كتابة الرواية تفترض بصاحبها المزيد من الاطلاع وليس المزيد من الجلوس وراء الآلة الكاتبة، عندما أعيد قراءة أعمال صاحب "الشيخ والبحر"، أتيقن جيداً أنه كان أول روائي يمارس الصحافة على أنها أدب يومي.

 كانت الكتابة بالنسبة لهمنغواي أشبه بالطقس اليومي، فهو يستيقظ الساعة الخامسة صباحاً، كان ابنه يقول إن والده لديه مناعة ضد الأعراض الجانبية للسهر والإفراط في الشرب. في لقاء أجري معه في باريس ريفيو عام 1958، شرح همنغواي بالتفصيل أهمية تلك الصباحات: "عندما أعمل على قصة أو كتاب أبدأ كل صباح ما إن يطلع الضوء. لا أحد يقاطعك والمكتب بارد وتدفئه بالكتابة. أكتب بلا توقف، أتوقف عندما أعرف ما سيحدث لاحقاً. أكتب حتى تعرف أنك ما زلت تملك المزيد من عصير الكتابة، وأنك ما زلت تعرف ما سيحدث لاحقاً عندما تتابع الكتابة. لا شيء يمكنه أن يؤذيك، لا شيء سيحدث، لا شيء له معنى حتى يأتي اليوم التالي وتتابع ما كنت تفعله من قبل. ما يصعب تجاوزه حقاً هو الانتظار لليوم التالي" .

في ذلك الصباح، لم أكن أتوقع أن يحضر أحد للمجلة، لكني ما أن بدأت الضرب على مفاتيح الآلة الكاتبة، حتى سمعت وقع أقدام تقترب، ليس من عادة صاحب المجلة ورئيس تحريرها الدكتور صلاح خالص أن يأتي صباحاً، لحظات وسيدخل رجل مربوع القامة، كثيف الشعر ذو وجه مشرق يملك وسامة أتعبتها السنين، قال قبل أن يمد يده لمصافحتي: "ربما جئت مبكراً"، كنا في فصل الصيف وكان الزائر الغريب يرتدي جاكيت أنيقاً ويحمل بيده رزمة من الورق، أردت أن أقول إن رئيس التحرير لا يأتي صباحاً، لكنه قاطعني قائلاً: أنا غالب هلسا، ما أن سمعت الاسم حتى قفزت من خلف الآلة الكاتبة وأنا أرحب بالضيف وأدعوه لأن يجلس، لم أكن قد رأيت غالب هلسا من قبل، ولكنني قرأت روايته "الضحك" وكنت شغوفاً بعوالمها ما دفعني للبحث عن روايات جديدة له في المكتبة التي كنت أقضي فيها ما تبقى من النهار.. وفي ذلك الوقت أيضاً كانت مجلة الثقافة تنشر له سلسلة مقالات بعنوان "دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية" ، والتي جمعها فيما بعد في كتاب بعنوان "العالم مادة وحركة"، ما أن نطق صاحب الجاكيت الانيق باسمه حتى تذكرت بطل روايته "الضحك" الذي كان يذكرني بروكانتان بطل رواية سارتر "الغثيان"، ولهذا لم أتركه يجلس على المقعد إلا بعد أن قلت له: يا أستاذ أنا من المعجبين جداً برواية الضحك، إنها أجمل رواية وجودية قرأتها، لم يتوقع مني هذا الكلام، فهو معروف في الوسط الثقافي بأنه ماركسي، سكت لحظة ثم قال بعد أن سلمني رزمة الورق التي كان يحملها بيده : هذه المرة الأولى التي يقال عن أعمالي إنها وجودية، وأضاف: هل قرأت رياح الخماسين؟ قلت: لم تصل إلى المكتبة التي أعمل فيها.

- أنت كتبيّ أيضاً، قالها لي وهو يبتسم.

كنت آنذاك في بدايات العشرين من عمري، وهو بشعره "الفضي" ربما تجاوز الأربعين عاماً، يبدو عندما يتحدث كأنه قادم من عالم آخر. قال لي: عندما كتبت "الضحك" كنت محبطاً، أشعر باليأس مما وصل إليه حال هذه البلاد العربية، كل الأحلام التي حلمنا بها تبخرت.

توقف ليخرج سيجارة من علبته، أشعلها ثم سحب نفساً عميقاً ليكمل: في "الضحك" كتبت جملة أثيرة على نفسي تلخص حالتي آنذاك: "من أجل أن أكتب قررت أن أعقد اتفاقاً مع الحياة، أن أسالمها وأتجنب صراعاتها الصغيرة البائسة.. في عملي تنازلت عن كل مطالبي عدا اثنين: الوقت والعزلة، ولم أكن خاسراً.".

- قلت له: وسارتر في "الغثيان" كان يريد أن يترك كل شيء وراءه من أجل التمتع بحريته.

المقارنة ليست في صالحي، قال وهو يسحب نفساً آخر من سيجارته، لا تنسَ أن رواية سارتر هذه أقيمت عليها دعائم الوجودية، بينما "الضحك" أولى محاولاتي المتواضعة في عالم الرواية.

قلت وانا احاول استعرض قراءاتي: لكن "غالب" بطل "الضحك" إنسان متمرد أشبه ببطل من أبطال الروايات الوجودية سواء عند كامو أو سارتر.

لمعت عيناه الملونتان وهو يقول: يبدو أنك مغرم بالوجودية.. طبعاً أنا أحترم مواقف سارتر وأيضاً المواقف التي كان يتخذها كامو، لكني أقرب إلى همنغواي الذي قرأته وأنا في العشرين من عمري، فهو أول كاتب يفتح لي الطريق لرؤية بصرية للواقع، كما علمني كيف أتخلص من اللغة المترهلة التي لا تقول شيئاً.

تحولت إلى تلميذ يَّتلقى درساً في فنون الأدب، انتبه غالب هلسا للحالة التي انتابتني، نهض ومد يده بالسلام، وقبل أن يخرج طلب مني عنوان المكتبة التي أعمل فيها قائلاً: لكي نواصل الحديث عن معشوقك سارتر.

تبدأ رواية "الضحك" بوصف لحالة بطل الرواية بعدما أقام علاقة جنسية مع بغيّ، كان لديه شعور بالدنس والقذارة، وأن رائحته امتزجت بروائح عرق البغي وجسدها الآثم، ولهذا نراه يشعر بالحنين إلى النظافة والبراءة، يختلط هذا المشهد الواقعي بحلم يلاحقه، حيث يجد نفسه يطالع منظراً من قريته التي ولد فيها، ونراه يحلم بالركض في شوارع القاهرة التي كانت خالية من الناس وقد ملأها الظلام، لينتهي إلى غرفة تحقيق يحاكم فيها بارتكاب جريمة لم يقترفها.

تبدأ الصفحات الأولى من رواية سارتر "الغثيان" بمكاشفة بطل الرواية لنفسه: "أعتقد أنني أنا الذي تغيرت، ذلك أيسر الحلول وهو أكرهها أيضاً، ولكن يجب أن أعترف أخيراً أنني معرض لهذه التغيرات المفاجئة التي تشبه الأحلام.. إن الأمر أكسب حياتي مظهراً متنافراً لا منسجماً.. هل أصبحت حقاً إنساناً يحب العزلة؟".

واصل غالب هلسا زيارته للمكتبة بين الحين والآخر، وفي كل مرة يدور حوار بيني وبينه عن آخر الكتب التي قرأتها، قلت له ذات مرة: "انتهيت من قراءة رواية ألبير كامو (الغريب)" ، واضفت إن الجملة الأولى من رواية كامو محيرة: "اليوم ماتت أمي، أو لعلها ماتت أمس، لست أدري. وصلتني برقية من مأوى العجزة: الأم توفيت. الدفن غداً. احتراماتنا.. وهذا لا يعني شيئاً، ربما حدث الأمر بالأمس". وضع غالب هلسا الكتاب الذي كان يقلب صفحاته، نظر في فضاء المكتبة كأنه يتذكر شيئاً ثم قال: يتصور بطل رواية ألبير كامو أن موت أمه ليس غلطته، وعندما سئل عن السبب الذي جعله يطلق الرصاص على العربي قال إن ذلك بسبب ضوء الشمس. إنها نظرة تلغي البعد الاجتماعي. ثم أضاف: يطلق الوجوديون على حالة ميرسو في (الغريب) وأيضاً حالة (روكنتان) في (الغثيان) صفة العبثية. إنها الحالة التي يفقد فيها الإنسان ثقته بكل المسلمات الاجتماعية، ويكون عاجزاً عن إيجاد قيمه الخاصة والتزامه النابع من ذاته.

قلت له إن كامو كان متأثراً برواية "الغثيان" وإن سارتر كتب يحيي "الغريب".

أجابني ونظراته لا تزال ساهمة: أعجبا! وتحية لم تدم طويلاً، فقد اختلفا بعد سنوات وهاجم كل منهما الآخر بقسوة.

يتذكر كامو في دفاتر ملاحظاته التي صدرت ترجمتها العربية بثلاثة أجزاء، أن علاقته بسارتر بدأت العام 1938 حين اكتشفه بالصدفة بعد أن أهداه صديق جزائري رواية: "الغثيان"، ما أن أغلق الصفحة الأخيرة من الرواية حتى قرر الكتابة عنها، آنذاك كان ينشر مقالات متفرقة في الصحف الجزائرية الناطقة بالفرنسية، يظهر المقال تحت عنوان "درس في الأدب": "هذه أول رواية من كاتب لنا أن نتوقع منه كل شيء، يا لها من سكينة طبيعية جداً عند الحدود البعيدة للفكر الواعي، ويا لها من مؤشرات دالة على مواهب غير محدودة، ونرى في كل هذا أساساً مكيناً لكي نرحب بـ "الغثيان" باعتبارها أول الغيث في عقل أصيل مفعم حيوية ونشاطاً، ما يجعلنا نتحرق شوقاً إلى الآتي من دروسه". كان عرض كامو لرواية "الغثيان" ينطوي على إعجاب كبير، ومثلما تحكي رواية سارتر الشهيرة تحطم الحياة الهادئة لبطلها روكانتن، فإن "الغريب" تتناول عبء الحياة اليومية على بطلها ميرسو، يكتب كامو في دفتر ملاحظاته: "إنه فكر ملياً ببطل الغثيان ووجده قريباً إلى نفسه، إنها أول رواية تعبر عنا بالصور الذهنية".

 بعد عام على صدور "الغريب" يكتب سارتر في الأعداد الأولى من مجلة الأزمنة الحديثة: "ليست الجريمة الحقيقية هي ما يحاكم ميرسو عليه، بل هي جريمة أخرى سيفهمها فهماً تاماً في النهاية، عندما يدرك مستوى جديداً من الوعي، إن رواية الغريب عمل كلاسيكي منهجي مؤلف عن العبث وضد العبث".

عندما نشر سارتر الغثيان كان في الثانية والثلاثين من عمره، وبطل الغثيان أنطوان روكانتان في حوالي الثلاثين من عمره، يمارس الاثنان سارتر وروكانتان فعل الحرية ويطلقان مقولتهما الشهيرة "إننا ملتزمون بفعل الحياة نفسه". إن العديد من النقاد الذين كتبوا عن الغثيان كانوا يرون أن سارتر كان يريد أن يدلي بتعبير شخصي عن تجربته.

أصدر غالب هلسا روايته الضحك وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، وسيعترف في مقال كتبه عن الروائي الأردني تيسير السبول أن رواية الضحك انساقت إلى الرؤية العبثية، حيث فقد كل شيء معناه: " كانت روايتي الضحك تعبر عن أزمة جيل، ففيها تتفتت رؤيا كاملة إلى شظايا عبثية" – غالب هلسا أدباء علموني -.

يتذكر غالب أن روايته الضحك مرت بحالة من العبث، فعندما اعتقل عام 1966 في مصر، ترك وراءه مخطوط روايته "الضحك". وقد بقي في السجن ستة أشهر قام خلالها رجال الأمن باقتحام شقته واستولوا على مكتبته التي كانت تضم أكثر من ألف كتاب، لكن مخطوطة الرواية بقيت مكانها، لأن رجال الأمن كانوا يصادرون الكتب فقط.

يقتفي بطل رواية الضحك آثار الكاتب نفسه غالب هلسا وكأنه يريد أن يروي لنا سيرته الذاتية عن طريق الرغبات التي تتصارع في نفسه، إننا إزاء بطل مغترب أو كما وصفه الناقد فيصل دراج: "أضاع ما لا يريد وفتش عما يريد".

***

علي حسين - رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

فى الفاتح من شهر مايو الجاري 2026 فتح المعرض الدّولي للنّشر والكتاب بالرباط أبوابَه الواسعة للزوّار، وامتدّت فعالياته حتى اليوم العاشر من نفس هذا الشّهر، وقد تصادفت وتزامنت دورة هذا العام اختيار منظمة اليونسكو لمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026.

 على هامش هذا المعرض الكبير الذي حقق نجاحاً باهراً أدعو القارئ الكريم إلى إلقاء نظرة تاريخية فاحصة عن عالم الكِتَابة، والكِتاب، فأشير: أنّ معظمُ المصادر والمراجع والمظانّ التاريخية تؤكّد أنّ الكتابةَ بدأت في الأزمنة الغابرة الضاربة فى القدم في شكل صُور ورسومات وأشكال ترمز الى معاني ومدلولات ملموسة في الحياة اليومية للإنسان، و تشير هذه المصادر انه قد تمّ العثور علي الكثير من النقوش، والصُور، والرّموز التي تدلّ على مفاهيم معيّنة في منطقة الهلال الخصيب، خاصّة في الحضارة السوميريّة قبل حوالى ستّة آلاف سنة، وقد عُرفت الكتابة عندهم بالمسماريّة أو الإسفينيّة، كما تمّ العثور في جهاتٍ أخرى من العالم على بعض الرّسوم والصّور مثل تلك التي تمّ العثور عليها في كهوف” ألتاميرا” في إسبانيا، و”لاسكو “في فرنسا أو فى “رسوم ناسكا” في البيرو وسواها من المناطق الأخرى.

تاريخ الكتابة عند الشعوب القديمة

يؤكد الباحث فى التاريخ القديم الاستاذ إلياس غندور أيوب عطا الله فى كتابه ( الكون والأنسان بين التطوّر والعلم والتاريخ) : " أنّ الكتابة الأبجدية الكنعانية (الكنعانيون وهم من زمن 4000 ق م،) إبتكرها تاووتس الكنعاني ابن ميسور، او ميزور، ابن اميتس ابن كنعان ابن حام، بحوالي 500 سنة قبل ان يولد الفينيقيون في التاريخ، علماً أن الفينيقيين هم أحفاد الكنعانيين، وأنّ قدموس الكنعاني شقيق فينيقس وكيليكس وأوروبا، جميعهم أولاد أجينور أو أشنار ملك صور اللبنانية في القرن 13 ق م هو الذي حمل الأبجدية الكنعانية، وليس الفينيقية، إلى بلاد الأغريق حوالى 1250 ق م. وحديثاً عثر علماء الاغريق على عملات معدنية من العصر الكنعاني يظهرعليها صورة قدموس يعلّم الناس هناك الكتابة الكنعانية ".

 ويشير الأستاذ أيّوب عطا الله " أنّ اللغة اللّاتينية التي إشتقت منها معظم اللغات الأوروبية هي بنت اللغة الكنعانية، منها اشتقت، وتحمل ملامحها في جميع صورها ومعانيها. وبَعد الكنعانيين طوّر الفينيقيّون الكتابة ببراعتهم مستعينين بالإرث الكنعاني ثم بالسّومرية، والمصرية القديمة ".

كما يؤكد الباحث فى اللغة الأمازيغية من جهةٍ أخرى الأستاذ محمد حمزة: " أنّ الدراسات الحديثة أثبتت أن لغة التيفيناغ هي سابقة للأبجدية الفينيقية بقرون. وهو من الكتابات القديمة التي يُقال أنها كانت موجودة في وقت الكتابة الأولى التي عرفت في منطقة سومر ببلاد الرافدين"، وهناك مِن المتخصصّين مَنْ يؤكد أنّ هذه اللغة عاصرت الكتابات المسمارية القديمة، كما تشير عدّة نظريات من جانب آخر إلى أنّ كتابة التيفيناغ هي إنتاج محلي للأمازيغ في شمال إفريقيا. و ترجع بعض الدراسات التيفيناغ إلى الكتابة الليبية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين والمدوّنة في الرّسومات الحجرية، حيث جرى تحوّل من الرّسومات التي تجسّد كلَّ شيء إلى ما يُسمى التجريد إلى أشكال هندسية، وهذا ما يؤكد أن الإنسان في شمال إفريقيا إنتقل من الرّسم إلى الكتابة وعلى سبيل المثال إنتقل من رسم المرأة إلى الترميز إليها من خلال شكل المثلث الموجود في الكتابات والرسوم، وهو نفسه الحرف (ت) أو (T )

و تؤكد نفس المراجع الآنفة الذكر أنّ الإغريق قد طوّروا أبجديتهم نقلاً عن الكنعانيين والفينيقيّين، وأصبحت عندهم أبجدية خاصّة بهم، والتي أصبحت في ما بعد الأبجدية الخاصّة بالغرب، ثم جاء الرّومان وأخذوا الأبجدية الإغريقية، وقد سادت اللغة الرومانية واللاّتينية في مختلف الأصقاع الأوروبية بعد سيطرة الإمبراطورية الرّومانية على بلاد الغرب. وحسب الباحث إلياس غندور أيوب عطا الله السابق ذكرُه " فإنّ الكتابة العربية جاءت متأخرة، إذ يعود تاريخ ظهورها إلى حوالى 600 ق م، من التاريخ، والأبجدية العربية مشتقة من الكتابة السّامية،جاءت من رحم اللغة الآرامية السّريانية بنت الكنعانية وربيبتها ".

وبعد ظهور الإسلام بدأت اللغة العربية تنتشر فى مختلف الأصقاع والمناطق النائية التي فتحها المسلمون خاصّة بعد أن قرّر الخلفاء الراشدون تدوين القرآن الكريم على عهد الخليفة عثمان بن عفّان، ثم انتشرت الكتابة العربية إنتشاراً واسعاً مع إنتشار الدّين الإسلامي الحنيف. ولقد وصلت العربَ عن طريق الأنباط.

وفي القرن الثامن الميلادي شرع المسلمون في إستخدام الورق الذي إبتكره الصّينيون بدلاً من الرقّ أو جلود الحيوانات حيث أسّسوا مصنعاً للورق وعنهم أخذته البلدان الأوروبية في القرن الثاني عشر. وقد أنشئ أوّل مصنع للورق في إنكلترا في القرن الخامس عشر. وفي عام 1436 إخترع العالم غوتينبرغ الطباعة فكان ذلك الإختراع فتحاً عظيماً، وقفزة نوعية هامّة، وفاصلة في تاريخ الكتاب والكتابة، حيث تمّ نقل الكتاب من طور المخطوط الغميس، إلى المخطوط المكتوب أو المطبوع الصّقيل.

جرائم إحراق الكتب

من المعروف أنّ الكتبُ والمخطوطاتُ قد تعرّضت منذ أقدم العصور للمتابعة، والمصادرة، والرقابة، والتضييق، والحرق، والإتلاف… كان الكتاب منذ القدم هو الوسيلة التي تنقل بواسطته العلوم والحكمة والمعارف وأسرار الحروب وخطط الدفاع والهجوم، وفيها كانت تُسجّل الإختراعات وأسرار الدّول والصنائع، والمُخترعات، بل كان الكتاب هو السّلاح الاكثر فتكاً، والوسيلة المثلى والأنجع للتنوير والتعليم وتثقيف العقول وتهذيب النفوس وتغذية القلوب وملئها بنور الإيمان والهداية والاستقامة والتقوى. كانت كلمة " إقرأ" أوّل ما نزل من القرآن الكريم وفي سورة البقرة يرد إسم الكتاب، كتاب الله فيقول جلّ جلاله: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين). وغيرُ خافٍ أن كتب المسلمين ومخطوطاتهم في الأندلس كانت تثير الرّعبَ والهلعَ في قلوب الإسبان المتزمّتين منهم، في حين كان يحتفي ويُعْنىَ بها آخرون، وتحضرنا فى هذا المجال حادثة مؤلمة وحزينة إقترفها الكاردينال الإسباني " سيسنيروس" حيث أمر عام 1501 بحرق مكتبة مدينة الزّهراء التي كان فيها ما ينيف على ستمئة الف مخطوط في مكان يسمّى “باب الرملة ” Bib Ramblaبغرناطة، و ما زال إسم هذه الساحة مكتوباً على رخامة ملصقة بجدرانها حتى اليوم، وعلى إثر هذه الجريمة الشنعاء إختفت العديد من المخطوطات الكتب النفيسة التى أبدعها علماء أجلاّء في مختلف فروع العلم والمعارف بالأندلس، ويحكي لنا التاريخ إنّ الجنود الذين كلّفوا بالقيام بهذه المهمّة كانوا يُخفون بعضَ هذه الكتب أثناء إضرامهم النارَ فيها في ثنايا أرديتهم لفرط جمالها، وروعتها، وبهائها، إذ كان بعضها مكتوباً بماء الذهب. وقد وصف لنا العديد من شعراء الأندلس بحسرة ما بعدها حسرة كيف أنّ الإسبان بعد حروب الإسترداد كانوا يحرقون الكتبَ، ويتلفون المخطوطات العربية، ويلطّخونها على مرأىً من الملأ وفي ذلك أشعار كثيرة مشهورة ومؤثرة.

وفي بلدان أميركا اللاتينية أعاد التاريخ نفسه حيث قام الاسبان عند إكتشافهم لها عام 1492 بحرق العديد من المخطوطات، والكتب، والأسفار القديمة التي تعود لشعوب المايا، والأزتيك في المكسيك، ولشعوب الإنكا، والموشيك في البيرو، وقد تمّ ذلك أمام أعين أصحابها من السكّان الأصلييّن في هاذين البلدين وفي سواهما من بلدان أميركا الجنوبية الأخرى.

وإحراقُ الكتب أو إتلافها يجري عادة في العلن لأسباب أخلاقية أو سياسية، أو أيديولوجية، أو دينية. وقد يتمّ التخلّص من الكتب سريّاً كما حدث لملايين الكتب التي تمّ إحراقها في الكتلة الشيوعية الشرقية. ويذكر لنا التاريخ العديدَ من الأمثلة لهذه الجرائم التي لا تُغتفر. فبالإضافة الى حرق كتب المسلمين في الأندلس، وكتب المايا والإنكا في المكسيك والبيرو، نذكر حرق الكتب على عهد أسرة تشين الصينية، وحرق النازييّن لكتب خصومهم في أوروبّا. وتُعتبر حوادث حرق الكتب جرائم لا تُغتفر في حقّ العلم، والإنسانية.

نهب مخطوطات مغربية نفيسة

يعتقد غير قليل من الدارسين من باب الخطأ أنّ مكتبة دير الإسكوربال الذي يبعد عن مدريد بحوالي 45 كيلومتر، المليئة بالمخطوطات العربية الثمينة أنها من مخلّفات علماء المسلمين في إسبانيا، والحقيقة أنّ محاكم التفتيش الكاثوليكية المتعصّبة كانت أحرقت معظم الكتب العربية أينما وُجدت، ولم يبق بعد خروج المسلمين من الأندلس كتب عربية تستحقّ الذّكر. وكان المنصور الذهبي السعدي مولعاً بإقتناء الكتب وجمع منها خزانة عظيمة، وسار إبنه زيدان على سنته في الإهتمام والعناية بالكتب، فنمّى المكتبة التي كانت عند والده. ولمّا قام عليه أحدُ أقاربه، وإضطرّ للفرار، كان أوّل ما فكر فيه خزانة كتبه، فوضعها في صناديق ووجّهها الى مدينة آسفي لتُشحن في سفينة كانت هناك لأحد الفرنسيين وهو(القنصل الفرنسي كاستيلان) لينقلها الى أحد مراسي سوس بجنوب المغرب. فلمّا وصلت السفينة إنتظر كاستلان مدّة أن يدفع له أجرة عمله، ولما طال عليه الأمر هرب بمركبه وشحنته الثمينة، فتعرض له في عرض البحر قبالة مدينة سلا قرصان إسباني يُدعى (الأميرال فاخاردو) وطارده واستولى على الصناديق، ولا شكّ أنهم كانوا يظنّون أنها مملوءة بالذهب، فلمّا فتحوها ولم يجدوا بها إلا الكتب، فكروا، من حُسن الحظ أن يقدّموها هديّة لملكهم. ولما وصلت هذه الكتب إلى الملك الاسباني فيليبي الثاني، الذي كان منهمكاً في بناء الدّير الفخم للقدّيس لورينثو بالمحلّ المُسمّى اليوم الإسكوريال أوقفها على هذا الدّير، وهي التي لا تزال موجودة به الى اليوم، يقصدها العلماءُ والطلاّب من كلّ الأقطار للإستفادة من ذخائرها، ونفائسها. وما فتئ المغرب يطالب باسترجاع هذه الكتب والمخطوطات الى ايوم.

حكايات الكتاب وطرائفه

من المعروف ان الكتاب كان يحظى بعناية خاصّة عند العرب وما يزال، فقد جمع الخلفاء في المشرق والمغرب الآلاف من أمّهات الكتب والمخطوطات، فمدينة قرطبة كانت تحفل بالمكتبات وأروقة العلم و بيوت الحكمة، كانت تزيّن خزانة الحكم المستنصر بها أزيد من أربعمئة ألف مخطوط، هذا الرجل الذي قال عنه "بول لين " إنه كان دودة كتب، وعنه يقول إبن خلدون: إنّه جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله. كما إعتنى هارون الرشيد في المشرق بجلب العديد من الكتب والمخطوطات من الدّيار التي فتحها. وقد بلغ نشاط بيت الحكمة ببغداد ذروته على عهد الخليفة المأمون الذي أولاه عناية خاصّة، ووهبه كثيرا من ماله ووقته. وأهمّ ما ميّز بيت الحكمة الخزانة العظمى التي كانت بها وقد تمّ تدمير العديد من نفائسها على يد المغول عام 1258. كان العلماء يحبّون الكتب حبّا جمّا، معروف أنّ أبا عثمان الجاحظ مات تحت أكوام كتبه، وكان هؤلاء العلماء يتحمّلون المشاقّ ووعثاء السّفر لطبع كتبهم، وكانت مسألة إعارة الكتب شيئاً ممقوتاً عندهم، وكان شاعرهم يقول في ذلك:

ألا يا مُسعيرَ الكتب دعني/ فإنّ إعارتي للكتب عارُ

فمحبوبي من الدنيا كتاب / وهل ابصرت محبوباً يُعارُ.

وكانوا يقولون إنّ الكتاب الذي يعار قد لا يردّ إلى صاحبه، وهم محقّون في ذلك، إذ يُحكى أنّ الكاتب الفرنسي " إميل زولا" زاره ذات مرّة أحدُ أصدقائه في منزله، وعندما بدأ يطّلع ويتفقّد مكتبة زولا الكبيرة، وفجأةً وقع نظرُه على كتابٍ كان يبحث عنه منذ مدّة، فقال لصديقه زولا : هل لك أن تعيرني هذا الكتاب؟ فقال زولا له على الفور: لا، لا أستطيع أن أعيرك إيّاه، فالكتاب الذي يُعار لا يُردّ إلى صاحبه، والدّليل على ذلك أنّ معظم الكتب التي ترى في هذه المكتبة مُعارة.. ! وكان الكاتب الإيرلندي الساخر برنارد شو يتجوّل ذات مرّة بسوق الكتب القديمة، وفجأة وقع نظرُه على كتابٍ له كان قد صدر مؤخّراً، وكان قد أهداه لأحد زملائه الأدباء، فباعه هذا الأخير من دون أن يفتح أوراقه التي كانت لا تزال لصيقةً ببعضها، كما كانت العادة بالنسبة إلى الكتب الصّادرة فى ذلك الحين، فاشترى شّو الكتاب، وكتب تحت الإهداء القديم ما يلي : برنارد شو يُجدّد تحيّاته، ثمّ بحث عن صديقه وسلّمه إليه من جديد.! يقول الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس الى اليوم ابو الطيّب المتنبّي عن الكتاب:

أعزّ مَكانٍ في الدّنى سرجُ سابحٍ / وخيرُ جَليسٍ في الزّمان كتابُ.

وكان أمير الشعراء احمد شوقي يقول:

 أنا من بدّلَ بالكتبِ الصّحَابَا / لم أجدْ لي وافيّاً إلاّ الكتابَا !

***

د. السفير محمّد محمّد الخطّابي

 كاتب وباحث ومترجم من المغرب

كثيرا ما اندلعت الحروب بين البلدان الاوربية وبلدان الشرق، واشهر تلك الحروب التي استمرت سنوات طويلة هي الحرب الصليبية التي انتصر فيها صلاح الدين الايوبي على الجيوش الجرارة وعامل أسراها باحترام. ويعد كتاب الاعتبار لاسامة بن منقذ(توفي 584 هـ) الذي سجل فيه تجربته العملية في الحرب والمعارك التي اشترك فيها،أشهر مذكرات وصلتنا عن تلك الحرب. وكان محاربا مقداما.

ولو انتقلنا الى العصر الحديث سنجد العديد من الشعراء نددوا بالحروب وعلى الاخص الحربين العالميتين الاولى والثانية، وحرب فيتنام.

ومن بين الشعراء الذين تناولوا الاحداث التي اندلعت إثر الحرب العالمية الاولى الشاعر عبد المطلب الحسيني الذي يصفه اليعقوبي بانه (فصيح البيان جرئ اللسان كثير الحفظ ذكي الخاطر خصب القريحة مرهف الحس..) البابليات (ص 40)

ولد الشاعر الحسيني في مدينة الحلة عام 1280 هـ وتعلم على يد عمه السيد حيدر واشتغل في الزراعة

وساهم في حشد المقاتلين ضد الاحتلال البريطاني للبصرة واستنهاض القبائل بخطب وقصائد حماسية باللغتين الفصحى والعامية.

وعندما دحروا القوات الانجليزية التي جاءت لانقاذ الجنرال تاوسند المحاصر في مدينة الكوت انتقل الى قرية بيرمانة واقام فيها حتى وفاته عام 1339 هـ.

من أعماله الادبية شرحه لديوان مهيار الديلمي في ثلاثة اجزاء، طبع عام 1330 هـ ببغداد ويعد من أجود نسخ ديوان مهيار.

وله قصيدة نونية تصف الحرب الايطالية الليـبـية (الطرابلسية) سنة 1331 هـ،وهي من أشهر قصائده الوطنية الحماسية

منها هذه الابيات:

أيها الغرب ماذا لقينا // كل يوم تثير حربا طحونا

تظهر السلم للانام وتخفي // تحت الضلوع داء دفينا

قل (لايطاليا) التي جهلتنا // بثبات الاقدام هل عرفونا

كيف ترجو كلاب (رومة) منا // أن ترانا لحكمها خاضعينا

سـل (طرابلس) التي نزلوها // كيف ذاقوا بها العذاب المهينا

ولم يغفل عن طرق باب الغزل أيضا:

لبابل من عينيك يسترق السحر // وللكأس من معسول ريقتك الخمر

شكوت الى عينيك ما فعل الهوى // لذاك حياء يعتري جفنك الكسر

وفي الحي خشف يصرع الغنج جفنه // فتصرعني الحاظه ودمي هدر

يموج على خديه ماء جماله // فيلهب لكن منه في كبدي جمر

محمد مهدي البصير..شاعر ثورة العشرين

ولد الشاعر محمد مهدي في مدينة الحلة عام 1895م ونشأ فيها.

فقد بصره وهو في سن الخامسة بسبب اصابته بمرض الجدري.

غادر مدينة الحلة الى العاصمة بغداد وهو في العشرين من عمره وكرس حياته للعمل في التدريس والقاء الشعر الحماسي المؤيد لثورة العشرين والخطب الرنانة التي تهز ضمير الجمهور وتزرع بذور الوطنية في نفوس الشبيبة. توفي عام 1974.

 ومن آثاره:

ديوان البابليات وديوان المختصر وديوان الشذرات.

 وله كتاب بعنوان: تاريخ القضية العراقية طبع ببغداد 1923 م

يتحدث فيه عن تاسيس الدولة العراقية وطبيعة العلاقات السياسية بين البريطانيين والعراقيين والاحداث التي رافقت تأليف الحكومة ومجلس النواب، وعن التظاهرات التي كانت تطالب باستقلال العراق وحقه في سيادة البلاد.يقول في ص 148 (إن أول مظاهرة أقيمت في أواخر شعبان، وشعرت الحكومة بالامر، فأخذت الانسة بيل تدعو الشبان الى شرب الشاي عندها،واختارت أن تكون هذه الدعوة ليلة الجمعة... ثم اقيمت المظاهرة الثانية في جامع الميدان ليلة الجمعة فحضرها الوف مؤلفة من الناس وألقيت في تلك الحفلات عدة قصائد منها:

إن ضاق يا وطني عليَّ فضاكا // فلتتسع بي للأمام خطاكا

لبيك ياوطني بكل ملمة // فيها يجيب المشرفي نداكا

واخرى:

ألآ هكذا من رام ان يتحررا / يطالب ومن يسكت يعش متأسرا

وحول وثيقة الرئيس الامريكي ولسن وحق استقلال الشعوب يخاطب البصير ولسن قائلا:

قلت للحق هل وجدت نصيرا // قال أعدائي كلهم نصرائي

قلت قد شد ولسن لك أزرا // قال إني بليت بالضعفاء

قلت كان الرئيس ذاك خطيرا // قال لكن يدين للحلفاء

قلت هلا حزنت يوم تولى // قال فيه ضحكي معا وبكائي

وله الكثير من القصائد التي اصبحت علامة بارزة في الشعر السياسي الحماسي والوطني.

ولشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري 1899 _ 1997

قصائد مشهورة عن الحرب والسلام، منها قصيدته انشودة السلام، مطلعها:

جيش من السلم معقود به الظفر

وموكب كشعاع الفجر ينتشر

ونفحة من سماء الحق ترسلها

غر الملائك يستهدي بها البشر

وبئست الحرب قزما عنده صلف

من التعالي وفي سيقانه قصر

عجبت للحرب بلهاء ومنطقها

إن أغمضت أو أبانت منطق هذر

آمنت بالسلم لا دين لمن كفروا

به ودين لأهليه وإن كفروا

وهذه بعض الابيات التي يعرج فيها الجواهري على مأساة هيروشيما في

قصيدة أطفالي وأطفال العالم ألقاها في مؤتمر نزع السلاح في موسكو عام 1962

لي طفلتانِ أقنِصُ الخيالا

عَبْرَيهما والعِطرَ والظِلالا

....................

من وِزر باغٍ دكَّ " هيروشيما "

بالذرِّ حتى ردَّها هشيما

وبنتُ " هيروشيم " طيفٌ مرعب

وفي السكون حالةٌ لا تعجب

وللشاعر الراحل كاظم السماوي قصائد كثيرة تلهج بالحرية والسلام،

منها قصيدته ملحمة الحرب والسلم عام 1983 التي ترجمت الى الروسية والفرنسية والاسبانية والالمانية وكتب عنها

الدكتور جورج حنا مقدمة نشرت مع القصيدة في ديوان السماوي (الاعمال الشعرية 1950- 1993) دار الرازي عام 1994.

يقول الدكتور جورج حنا "لقد أحسن شاعرنا (السماوي) اختيار موضوع الحرب والسلم لملحمته، فالحرب والسلم موضوع الساعة والحديث عنه مالئ الدنيا وشاغل الناس. ولست أشك أبداً أن هذه الملحمة العميقة المعنى ستبعث في قارئيها روح الحقد على دعاة الحرب وتهيب بهم الى النضال من أجل السلم والحرية والانعتاق.

ومطلع قصيدة الحرب والسلم:

مازال يعلق بالحراب

دمٌ يسيلُ، وليس ينضبُ، بانسياب

 ومنها

وبكل دربٍ قلب والهة تولول هل يعود

أو لايعودُ أخٌ وزوجٌ أو حبيبٌ، والحشود

من الجنود العائدين تمر في اثر الحشود

تجر سيقان الهزال من القتال

أو العيون الممرضات من الكلال

.............................

وغدا سينتفض العبيد

ويهل للفجر الجديد

سناً تُدك به السجون أو المعاقل والحديد

يذوبُ في اللهب المبيد

وسوف ينهار الجدار الاسودُ

ويموج، يدفق بالشعاع لنا الغدُ

فوق الحقول الزاهيات

.........................

وغدا ستزدهرُ العصورْ

مدى الحياة، مدى الدهورْ

وترفُّ أجنحةُ السلام

وتغور أشباحُ الظلام

وغدا ستبتسم النجوم

في الافق من خلل الغيوم

ويطل إشعاع جديد

***

مؤيد عبد الستار

الفن لا يُصنع في المناطق الآمنة

وصلنا إلى بغداد، في تلك المنطقة المعلّقة بين النهار والليل، حين لا تعود الأشياء واضحة تمامًا، ولا غامضة تمامًا، بل تتخذ ذلك اللون الوسيط الذي يمنح المدن الكبرى شيئًا من هيبتها وشيئًا من قلقها.

كانت السماء فوقنا تميل إلى لون النحاس حين يخرج من أتونٍ قديم، متوهجًا، متعبًا، ومشحونًا بتاريخ لا يُرى بالعين المجردة. أما النوافذ البعيدة، المضيئة في واجهات الأبنية المتناثرة على امتداد الأفق، فلم تكن تبدو مجرد نوافذ؛ كانت أشبه بإشارات صامتة، ومضات قصيرة تخرج من عمق المدينة، كأن أحدًا هناك، في طبقة غير مرئية من الزمن، يحاول أن يبعث برسالة لا يمكن أن يقرأها سوى الذين يصلون متأخرين بما يكفي.

الحافلة التي أقلّتنا لم تكن تتحرك في شوارع المدينة بقدر ما كانت تشق طبقات من الذاكرة. كانت تسير ببطء محسوب، كما يتحرك قارب في ماء كثيف لا يُظهر عمقه. وعلى الأرصفة، كان المارة يعبرون بنوع من الاقتصاد الحركي الذي لا يصدر عن التعب وحده، بل عن علاقة طويلة بين الإنسان والمكان؛ علاقة تجعل الخطوة الواحدة محمّلة بما هو أكثر من معناها المباشر. بدا لي أن أولئك العابرين لا يمشون نحو وجهة محددة، بل يحملون زمنهم معهم، يجرّونه كما تُجرّ حقيبة قديمة امتلأت بما لم يُستخدم قط.

من خلف زجاج النافذة، كانت المدينة تعرض نفسها لا بوصفها مشهدًا، بل بوصفها أرشيفًا مفتوحًا. لافتات ممزقة لمهرجانات مضت، إعلانات باهتة لعروض مسرحية لم يعد أحد يتذكر أسماء ممثليها، صور فقدت ألوانها لكنها احتفظت بإصرارها على البقاء. أصوات الباعة ترتفع من زوايا غير مرئية، ثم تختلط بنداء المساء القادم من المآذن، فينشأ من هذا التداخل إيقاع لا يمكن نسبته إلى الشارع وحده أو إلى الدين وحده أو إلى التجارة وحدها. كان شيئًا أوسع من ذلك؛ نوعًا من الموسيقى المدنية التي لا تُكتب، لكنها تستمر.

لم تبدُ بغداد مدينة بالمعنى الذي نعرفه للكلمة. لم تكن تجمعًا عمرانيًا، ولا مركزًا سياسيًا، ولا حتى عاصمة بالمعنى الإداري البارد. كانت نصًا مفتوحًا، طويلًا، متعدّد الطبقات، يكتبه مؤلف مجهول منذ قرون، ثم يعود كل ليلة ليشطب فقرة، ويضيف هامشًا، ويبدّل نهاية لم تعجبه.

كان هناك إحساس داخلي يصعب تفسيره بلغة مباشرة: أننا لا ندخل مكانًا جديدًا، بل ندخل سردية قائمة منذ زمن، وأن حضورنا، مهما بدا عابرًا، سيُدرج بطريقة ما داخل بنية هذه الحكاية. كل ما سنراه لاحقًا، كل الوجوه، والمقاهي، والحوارات العابرة، وروائح الورق، وارتباك الكواليس، وحتى لحظات الصمت التي ستفصل بين مشهد وآخر، سوف يتحول، دون أن نشعر، إلى جزء من ذاكرة جماعية نحملها معنا كما يحمل الممثل نصه المطوي في جيب معطفه، لا ليقرأه، بل ليتأكد فقط أنه ما يزال موجودًا.

كان ذلك في شتاء عام 1992.

عام بدا فيه الزمن نفسه وكأنه فقد انتظامه.

كانت المدينة، في تلك الأشهر، أشبه بساعة رملية مقلوبة، ينحدر فيها الوقت ببطء يكاد يكون مرئيًا. لم تكن الأيام تمر؛ كانت تتسرب. وكان لكل يوم وزنه، ولكل مساء امتداده الخاص، كما لو أن عقارب الساعات تعمل داخل مادة أثقل من المعتاد.

ما شدّ الانتباه منذ اللحظة الأولى أن المدينة كانت تعيش على مستويين من الزمن في آن واحد.

هناك الزمن الظاهر، اليومي، المزدحم بالمواعيد، والقلق، ونقص الأشياء، والوجوه المستعجلة.

وهناك زمن آخر، أعمق وأبطأ، مستقر تحت حجارة الأزقة، خلف جدران المقاهي القديمة، في الأبواب الخشبية، وفي الأرصفة التي حفرتها أقدام لا تُحصى.

كان ذلك الزمن الثاني هو الذي يمنح المدينة ثقلها الحقيقي.

الزمن الأول يُرى، أما الثاني فيُحس.

كنا قادمين للمشاركة في مهرجان المسرح العربي الأول، وكان في داخل كل واحد منا شعور مبهم بأن ما ينتظرنا لن يكون مجرد مناسبة فنية عابرة. لم يكن الأمر يتعلق ببرنامج عروض أو لجنة تحكيم أو تصفيق جمهور. كان ثمة ما هو أعمق من ذلك؛ إحساس بأن المدينة نفسها اختارت أن تجعل من هذا اللقاء علامة تُضاف إلى دفترها السري، ذلك الدفتر الذي لا يُفتح إلا لمن يعرف كيف ينظر إلى الضوء بوصفه قناعًا، وإلى الظل بوصفه اعترافًا مؤجلًا.

بدت العاصمة، في تلك الأيام، مثل مسرح هائل بلا ستائر. لم يكن ثمة فصل واضح بين الخشبة والحياة. كل شارع كان يحمل بنية مشهد. كل مقهى بدا وكأنه مساحة انتظار قبل رفع الستار. كل وجه مرّ أمامنا كان يحمل شيئًا من شخصية لم يكتمل بناؤها بعد. حتى الصمت بين الكلمات بدا مدروسًا، كما لو أن المدينة بأكملها تتقن فن الإيقاع.

كان الهواء نفسه مشبعًا بما يكفي ليجعل الذاكرة أكثر يقظة. رائحة الورق المطبوع. الحبر القديم. ملفات محفوظة منذ سنوات. نصوص مرت عليها أيدٍ كثيرة. ملصقات طُويت ثم فُتحت. دفاتر ملاحظات حملت تصحيحات بالقلم الأحمر.

كل شيء كان يوحي بأننا لا نسير في مدينة، بل داخل مكتبة هائلة لم تُقرأ كتبها كاملة بعد.

دخلنا بغداد يومها كما يدخل المرء ذاكرة شخص آخر؛ بحذر، وبفضول، وبقدر من الخوف لا يعترف به علنًا. لأن الدخول إلى ذاكرة الآخرين أمر ممكن، أما الخروج منها كما كنت قبل الدخول، فتلك مسألة أخرى تمامًا.

أما مشاركتنا، فقد جاءت عبر العرض المسرحي "السيد والخادم"، وهو عمل ارتبط باسم المؤلف والمخرج شفاء العمري ( 22 سبتمبر1939 – 14 فبراير2013 ) ذلك الرجل الذي لم يتعامل مع المسرح يومًا بوصفه مهنة، بل بوصفه قدرًا شخصيًا طويل الأمد. كان من أولئك الذين لا يصعدون إلى الخشبة لكي يمثلوا، بل لكي يعيدوا تعريف وجودهم مرة أخرى.

يركض خلف فكرة يصعب الإمساك بها بالكامل

حين كنت أنظر إليه، كان يخطر لي دائمًا أن بعض الفنانين لا يعيشون أعمارهم بالطريقة المعتادة؛ إنهم يعيشون داخل دور واحد، دور يمتد لعقود، ويتبدّل شكله، لكنه لا ينتهي. وعلى امتداد ما يقرب من أربعين عامًا، ظل يركض خلف فكرة يصعب الإمساك بها بالكامل؛ فكرة المعنى نفسه. يطارده، يقترب منه، يفقده، ثم يبدأ من جديد.

منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بدا حضوره في المسرح العراقي أشبه بحارسٍ يقف عند باب معبد قديم، لا يغادر موقعه، حتى حين يتبدّل الزوار، وتتغير الوجوه، وتتآكل الجدران. كان يعود كل مساء إلى الخشبة كما يعود الناس إلى صلواتهم الأولى، لا بحثًا عن إجابة نهائية، بل بحثًا عن السؤال الذي يستحق أن يُطرح من جديد.

اختزال العمري في صفة "مخرج منفتح على الحداثة " لم يكن كافيًا، كما لم يكن دقيقًا. كان أقرب، في جوهره، إلى صورة " المُعلّم" أكثر من أي توصيف آخر. ليس بمعنى السلطة التعليمية التقليدية، بل بمعنى ذلك الذي يجعل من التمثيل تجربة معرفة، ومن التدريب بحثًا في الإنسان قبل أن يكون تدريبًا على الأداء.

كان عصاميًا في شغفه، لا يتعامل مع المسرح بوصفه مهنة مستقرة، بل بوصفه حقلًا مفتوحًا للقلق والمعرفة المستمرة. يتابع كل تجربة جديدة كما لو كانت احتمالًا لفهم مختلف للعالم، لا مجرد إضافة إلى رصيده المهني.

وكانت علاقته بالمعرفة علاقة اشتباك دائم، لا علاقة استهلاك. يقرأ، يعيد القراءة، ثم يعيد بناء ما قرأه داخل رؤيته الخاصة، كأن كل نص، مهما كان مصدره، لا يكتمل إلا حين يمر عبر وعيه الشخصي ويُعاد تشكيله داخل تجربته المسرحية.

كما كان شديد الانتباه لما يُكتب ويُنشر باللغة الإنكليزية، لا بوصفها لغة امتياز، بل بوصفها نافذة إضافية على المسرح العالمي. يتعامل مع النصوص الأجنبية كأنها طبقات من تجربة إنسانية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها داخل سياقات مختلفة، من دون أن تفقد جوهرها.

ولم يكن انعزاليًا في هذا المسار، بل كان دائم السعي إلى الحوار.

يكتب، يراسل، يناقش، ويتبادل الأفكار مع مخرجين وكتّاب من العالم العربي وخارجه، في محاولة لفهم التحولات التي تصيب المسرح، لا بوصفها تغييرات شكلية، بل بوصفها تحولات في طريقة النظر إلى الإنسان نفسه.

كان يراقب تلك التبادلات كما يراقب المرء مجرى نهر تتقاطع فيه تيارات متعددة، دون أن يفقد اتجاهه العام نحو البحر.

ولهذا، حين دخلنا معه تلك المدينة، لم نشعر أننا نشارك في عرض مسرحي فحسب، بل شعرنا أننا نقترب من لحظة نادرة يلتقي فيها الفن بالذاكرة، والتاريخ بالأداء، والمدينة بالنص… في مساحة واحدة، مضاءة بما يكفي كي نرى، ومعتمة بما يكفي كي نتذكر.2721 shfaa

التكوين المبكر للعمري

وُلِد العمري في الموصل عام 1939، في مدينة لا يبدو فيها الزمن خطًا مستقيمًا بقدر ما يبدو طبقات متراكبة من الأصوات والحجارة والروائح والذكريات. كانت الموصل، في تلك السنوات، مكانًا تتجاور فيه القرون دون أن تتصادم؛ مدينة يستطيع المرء فيها أن يسمع صدى الماضي في نداء بائع متجول، وأن يلمح أثر حضارات كاملة في انحناءة زقاق ضيق أو في خشب باب أكلت أطرافه مواسم لا تُحصى. هناك، في ذلك التكوين المبكر الذي تمتزج فيه الحياة اليومية بتاريخ لا يكف عن الحضور، تشكلت عين العمري، لا بوصفها عين ممثل أو مخرج فحسب، بل بوصفها عينًا تعلمت منذ البداية أن ترى ما يقع خلف الأشياء، لا ما يظهر على سطحها.

حين أسس عام 1968 "فرقة مسرح الفن" في نادي الفنون في الموصل، لم يكن الأمر أشبه بتأسيس فرقة مسرحية بالمعنى الإداري البسيط للكلمة. كان أقرب إلى وضع حجر أول في بناء غير مرئي، مدينة موازية لا تُسجل في خرائط البلديات ولا في السجلات الرسمية، لكنها تعيش في ذاكرة من مرّوا بها. كان يعرف، على نحو ربما لم يصرّح به، أن المؤسسات الثقافية الحقيقية لا تُبنى بالجدران أو المقاعد أو الستائر، بل تُبنى بالأفكار التي تصر على البقاء رغم تبدل الأزمنة.

وحين عاد في عام 1975 ليؤسس "فرقة جامعة الموصل"، لم يكن يكرر التجربة، بل كان يوسع حدودها. بدا كمن يزرع شجرة في أرض لا يملك ضمانًا بأنها ستثمر، لكنه يؤمن، بإيمان نادر، أن فعل الزرع نفسه يحمل قيمة مستقلة عن الحصاد. كان يدرك أن بعض الأعمال لا تُقاس بنتائجها المباشرة، بل بما تتركه من أثر في أولئك الذين سيأتون لاحقًا، أولئك الذين قد لا يعرفون اسم من زرع البذرة، لكنهم سيجلسون يومًا في ظلها.

عمل مع "فرقة نينوى" التابعة لدائرة السينما والمسرح، وقدم عبرها أعمالًا حملت ملامحه الإخراجية الواضحة؛ تلك الملامح التي لم تكن تسعى إلى الإبهار السريع بقدر ما كانت تبحث عن بناء داخلي متماسك، عن علاقة أكثر عمقًا بين النص والممثل والجمهور.

ثم جاء ظهوره على خشبة مسرح الرشيد في بغداد عبر الفرقة القومية للتمثيل، في لحظة بدت، لمن عرف مسيرته، أشبه بتوقيع هادئ على جدار يعرف صاحبه أنه لن يبقى إلى الأبد، ومع ذلك يصر على أن يترك أثره عليه. لم تكن قيمة تلك الرحلة مرتبطة بنجاح عرض بعينه، أو بإشادة نقدية عابرة، أو حتى بتصفيق جمهور امتلأت به القاعة في مساء معين.

ما كان يتجلى في تجربة العمري أعمق من ذلك بكثير. كان الأمر انتصارًا لروح فنية اختارت، في بيئة لم تكن دائمًا سهلة على الفن، أن تظل واقفة. روح رفضت أن تنحني، لا بدافع البطولة، بل بدافع الإيمان بأن الفن، في لحظاته الحقيقية، ليس مجرد فعل جمالي، بل فعل مقاومة قادر على إعادة ترتيب المشهد كله.

عودة إلى ما قبل العرض في بغداد: وصول اللجنة للتقييم

وكما تقتضي تقاليد المهرجانات المسرحية الجادة، كان على العروض أن تمر أولًا عبر اختبار نقدي يسبق الافتتاح؛ اختبار لا يخضع للمجاملة، ولا للانتماءات المحلية، ولا لعلاقات الصداقة أو الضرورات الاجتماعية. لجنة محترفة، تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على قراءة العرض قراءة علمية وموضوعية، كانت جزءًا من بنية العمل نفسها، لا مجرد إجراء تنظيمي.

وقد تجسد ذلك بوضوح حين وصلت إلى الموصل لجنة جاءت من بغداد، تضم د. صلاح القصب ود. فاضل خليل .

الإثنان لم يكونا من أولئك الذين يكتفون بمشاهدة العرض من الخارج. كانا ينظران إلى الخشبة كما ينظر الجرّاح إلى تركيب معقد، أو كما ينظر قارئ متمرس إلى مخطوطة يعرف أن المعنى الحقيقي لا يوجد في الكلمات وحدها، بل في المسافات الفاصلة بينها. كانا يقرآن الحركة، والإيقاع، والصمت، والانقطاع، والنبرة، وتلك اللحظات العابرة التي لا يلاحظها إلا من أمضى عمره في الإصغاء لما تقوله الخشبة حين يظن الجميع أنها صامتة.

أما العمري، فلم يكن ينظر إلى ذلك التقييم بوصفه امتحانًا أو حكمًا نهائيًا. كان يتعامل معه كما يتعامل الفنان مع مرآة صادقة؛ أداة لا تمنحه الاطمئنان، بل تمنحه الحقيقة. في كل ملاحظة، كان يقرأ شيئًا من نفسه. في كل توصية، كان يختبر رؤيته الخاصة للمسرح، علاقته بالممثلين، قدرته على إيصال الفكرة، وعلى تحويل النص من مادة مكتوبة إلى تجربة محسوسة.

كانت تلك الساعات التي تسبق الافتتاح أشبه بمنطقة مكثفة من التأمل الداخلي؛ مساحة يختبر فيها الفنان حدود إمكانياته، لا ليتراجع، بل ليعرف من أين يبدأ من جديد. وهناك، بين القلق والترقب، بين الثقة والشك، تتشكل أكثر اللحظات صدقًا في حياة أي مخرج.

ومن يعرف شيئًا عن تاريخ المسرح العراقي المعاصر، يعرف أن المكانة التي وصل إليها صلاح القصب وفاضل خليل لم تأتِ من ألقاب أكاديمية أو مناصب ثقافية. لقد بدأت رحلتهما في ستينيات القرن العشرين، حين كانت أكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد مختبرًا مفتوحًا للأفكار، ومكانًا تُختبر فيه الحدود الفنية قبل أن تُختبر على الخشبة. ولم يكن لقب "الدكتور" في تجربتهما مجرد إضافة بروتوكولية تسبق الاسم، بل كان خلاصة سنوات من البحث، من الفشل والنجاح، من إعادة النظر في كل مسلمة، ومن محاولة مستمرة لفهم المسرح لا بوصفه أداءً فنيًا فقط، بل بوصفه ظاهرة ثقافية، ومرآة اجتماعية، وأداة لفهم البنية العميقة للنفس البشرية.

حين وصلا إلى خشبة مسرح جامعة الموصل، لم يكن الاستقبال الذي قوبلا به مجرد تحية رسمية أو واجب مؤسسي. كان ثمة صمت خاص يسبق المصافحة، ذلك النوع من الصمت الذي ينشأ حين يلتقي التلاميذ بمن تركوا فيهم أثرًا لا يزول.

كنت أنا وزميلي بولص آدم من بين أولئك الذين تتلمذوا على أيديهما. لم نتعلم منهما كيف نقف على الخشبة فحسب، بل كيف ننظر إليها. تعلمنا أن المسرح ليس مهنة، وليس حتى فنًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل طريقة في فهم العالم، وطريقة في مساءلة الذات، وطريقة في اختبار علاقتنا بالآخر.

كان القصب وخليل، شأنهما شأن عدد من كبار المخرجين العراقيين الذين صنعوا ملامح المشهد المسرحي في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ينظران إلى تجربة شفاء العمري باحترام واضح. فقد كانت تجربة شقت لنفسها مسارًا خاصًا، متوغلة في أعمال جريئة في بنيتها وأسئلتها، ومتحررة من القوالب الإخراجية السائدة.

أما أعماله مثل "القاعدة والاستثناء"، و"ثورة الزنج"، و"مأساة بائع الدبس الفقير"، و"الزير سالم"، "شموكين " فلم تكن مجرد عروض تُقدَّم ثم تُطوى ملصقاتها في اليوم التالي. كانت مختبرات فكرية كاملة، مساحات اختبار للأسئلة الكبرى؛ عن السلطة، والعدالة، والذاكرة، والهزيمة، والبطولة، والخوف، والإنسان وهو يحاول أن يفهم موقعه داخل التاريخ.

وفي تلك اللحظات، لم يعد المسرح مجرد منصة للعرض، بل صار مرآة مزدوجة؛ واحدة تعكس الواقع كما هو، وأخرى تكشف ما كان يمكن له أن يكون.

على خشبة مسرح الجامعة، لم تكن الأشياء تبدو منفصلة كما تظهر عادة في الحياة اليومية. لم يكن ثمة حدّ واضح بين الماضي والحاضر، بين الأستاذ والتلميذ، بين النص والذاكرة، بين ما يُقال على الخشبة وما يُقال في داخلنا ونحن نراقب. بدا المشهد، في تلك اللحظة، وكأنه بنية واحدة تتغذى من طبقات عديدة من الزمن؛ خبرة القصب وخليل المتراكمة عبر عقود من البحث والتجريب، شغف العمري الذي لم يعرف التوقف يومًا، أعوامنا نحن كطلبة نتنقل بين المقاعد والكواليس وقاعات التدريب، النصوص التي مرت من هنا وتركت شيئًا من أصواتها في الجدران، الضحكات العابرة التي ولدت في لحظات الارتباك، الصمت الذي كان يسبق كل دخول، وكل حركة جسدية صيغت بعناية حتى بدت، في ظاهرها، تلقائية تمامًا.

في تلك الأمسية، لم يعد المسرح مجرد مكان تُضاء فيه المصابيح ويُرفع فيه الستار. كان شيئًا أكثر عمقًا وتعقيدًا من ذلك. كان فضاءً تتكثف فيه التجارب الإنسانية حتى تصبح قابلة للرؤية. كان مختبرًا للوعي، ومرآة للروح قبل أن يكون مادة للعين. كل زاوية فيه كانت تحمل أثر من وقف هناك من قبل، وكل لوح خشبي بدا كأنه يحتفظ بما سمعه عبر سنوات طويلة من الاعترافات المؤجلة.

كان حضور القصب وخليل يتجاوز قيمته الرمزية أو المهنية. لم يكونا مجرد ضيفين قادمين من بغداد، ولا مجرد اسمين كبيرين في سجل المسرح العراقي. كان حضورهما أشبه بدليل حي على أن الإنسان، حين يختار الفن طريقًا له، لا يتوقف عند حدود الإنجاز، بل يظل محكومًا بالبحث. كانا يحملان في ملامحهما أثر السنوات التي قضياها في مواجهة النصوص الصعبة، والممثلين القلقين، والفضاءات الفقيرة، والظروف التي لا تمنح الفنان ما يحتاجه بسهولة. ومع ذلك، لم تكن تلك السنوات قد أثقلت حضورهما، بل منحتهما نوعًا من الصفاء الذي لا يأتي إلا بعد زمن طويل من الشك والتجريب.

التجربة الفنية من فعل شخصي إلى اختبار جماعي

في تلك اللحظة، بدا لي أن الفن، في جوهره، ليس فعل إنتاج بقدر ما هو فعل استمرار. استمرار في السؤال، في إعادة النظر، في تجاوز ما يبدو نهائيًا. هو القدرة على التقاط خيوط متناثرة من التاريخ، والثقافة، والذاكرة الفردية، ثم نسجها داخل لحظة واحدة، على خشبة واحدة، أمام جمهور واحد، بحيث تتحول التجربة من فعل شخصي إلى اختبار جماعي، ومن عرض مؤقت إلى خبرة يصعب نسيانها.

ولهذا، لم يكن التقدير الذي أبداه القصب وخليل لتجربة العمري نوعًا من المجاملة المهنية، ولا تعبيرًا عن عرفان شخصي بين زملاء المهنة. كان اعترافًا حقيقيًا بمسيرة فكرية شجاعة، وبمحاولة استمرت لعقود لفهم المسرح لا بوصفه وسيلة للتعبير، بل بوصفه حياة كاملة. حياة يدخل فيها الألم كما يدخل الفرح، ويتجاور فيها الصراع مع التسامح، والضوء مع الظل، والأسئلة مع ذلك الصمت الذي لا يمنح إجابات جاهزة، لكنه يفتح أبوابًا جديدة للتأمل.

لهذا بقي ذلك اللقاء، في الوعي قبل الذاكرة، أشبه بلحظة نادرة لا تُقاس بطولها الزمني، بل بما تتركه من أثر داخلي. بعض اللحظات تمر أمامنا وتنتهي، وبعضها يستقر في مكان أعمق، في تلك المنطقة التي يتشكل فيها إدراكنا لما نحن عليه، وما يمكن أن نصبحه.

أما شفاء العمري، فكان يحمل في داخله علاقة مع المسرح يصعب وصفها بالمفردات المعتادة. لم يكن شغفًا عابرًا، ولا ولعًا مهنيا، ولا حتى طموحًا شخصيًا بالمعنى التقليدي. كان شيئًا أكثر اضطرابًا وأكثر صفاءً في آن واحد؛ حبًا لا يعرف الراحة، ولا يرضى بالاكتفاء بما هو متاح، ولا ينتظر من مؤسسة أن تمنحه شرعية ما يفعل.

لم يدخل معهداً متخصصاً، ولم يجلس في قاعة أكاديمية ينتظر شهادة تؤكد معرفته. كان يصنع تعليمه بنفسه، بصبر من يعرف أن المعرفة الحقيقية لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا. كان يقرأ، ويعود إلى ما قرأ، ثم يشك فيه، ثم يبدأ من جديد. يتتبع جذور المسرح الإغريقي، ويقرأ النصوص الغربية الحديثة، ويعود إلى التراث العربي، لا بوصفه مادة محفوظة، بل بوصفه كائنًا حيًا يجب مساءلته باستمرار.

كان ينظر إلى كل حركة على الخشبة كما ينظر عالم آثار إلى قطعة مكتشفة حديثًا؛ لا يكتفي بشكلها، بل يبحث عن أصلها، عن زمنها، عن الطبقات التي مرت فوقها، وعن الأثر الذي يمكن أن تتركه في من يراها. وكان يقرأ الكلمة المسرحية بالطريقة نفسها؛ لا باعتبارها جملة تُقال، بل باعتبارها قرارًا جماليًا ونفسيًا وتاريخيًا في آن واحد.

ومن خلال هذا التراكم الطويل، ومن خلال حسه الجدلي الخاص، الذي جمع بين التحليل الدقيق والحدس الفني، تشكلت لديه رؤية إخراجية مستقلة، رؤية لا تستعير ملامحها من أحد، ولا تخضع بسهولة لما تفرضه الموضات الفنية أو التوجهات الرسمية. كانت رؤية لا تعترف إلا بسلطة واحدة: سلطة الفن حين يكون صادقًا مع نفسه.2720 marwan

"السيد والخادم ": عندما يتحول الخوف إلى جزء من تكوين الإنسان

لمّا اختار أن يقدم "السيد والخادم"، لم يكن يختار نصًا صالحًا للعرض فحسب، بل كان يختار مواجهة فكرية وأخلاقية مع واحدة من أكثر الظواهر السياسية والاجتماعية تعقيدًا:

الخوف الذي يصيب السلطة حين ترى إنسانًا يؤدي عمله بإخلاص.

كان النص يغوص في ذلك المرض المزمن الذي يصيب الأنظمة المغلقة؛ عدم القدرة على الثقة بمن لا يرفع صوته، بمن لا يعلن ولاءه باستعراضات لفظية، بمن ينجز بصمت، ويواصل حياته رغم القلق، ورغم النقص، ورغم الضغوط التي تتراكم بصمت مثل الغبار فوق الأثاث القديم.

كل شخصية في النص لم تكن مجرد وظيفة درامية داخل بناء حكائي. كانت تشريحًا نفسيًا لحالة إنسانية مأزومة. كانت محاولة لرصد اللحظة التي يبدأ فيها الخوف بالتسلل إلى الداخل، قبل أن يتحول إلى صمت، ثم إلى انكسار، ثم إلى قرار يغير مسار حياة كاملة.

وكان العمري، في قراءته لهذا النص، لا يكتفي بإخراج الشخصيات إلى الخشبة، بل كان يحاول أن يكشف ما يحدث داخلها قبل أن تنطق. كان يبحث عن لحظة الشرخ الأولى، عن النقطة التي يتحول فيها الشك إلى أسلوب حياة، والرقابة إلى صوت داخلي، والخوف إلى جزء من تكوين الإنسان نفسه.

وهنا، تحديدًا، لم يعد المسرح مجرد فن للعرض، بل صار أداة لفهم ما يفعله الزمن القاسي بالروح البشرية، حين تُجبر على العيش طويلًا تحت سقفٍ لا يسمح لها أن تنظر إلى الأعلى.

كان تقديم "السيد والخادم" في تسعينيات القرن الماضي أقرب إلى دخول منطقة يعرف الداخل إليها أن الطريق ليس ممهدًا، وأن كل خطوة، مهما بدت محسوبة، قد تُقرأ خارج معناها الفني. لم يكن النص مجرد اختيار جمالي، ولا قرارًا إخراجيًا يمكن وضعه ضمن سياق موسم مسرحي عابر، بل كان، في جوهره، نوعًا من المجازفة الفكرية التي تدرك مسبقًا أن ثمنها قد يتجاوز حدود الخشبة. ففي تلك السنوات، لم يكن المشهد الثقافي يعيش في فراغ محايد، بل في مناخ كثيف، تتداخل فيه الرغبة الحقيقية في الإبداع مع أنماط أخرى من الحضور، أنماط لم تكن ترى في الفن قيمة مستقلة، بل فرصة للرصد، والتأويل، وإعادة صياغة المعنى بما يخدم سلطات أكبر من النص وأبعد من الخشبة.

كان الوسط الثقافي، في كثير من لحظاته، يشبه ساحة تتحرك فيها شخصيات متعددة الأقنعة. بعضهم جاء إلى الأدب من باب المعرفة، وبعضهم إلى المسرح من باب الشغف، وبعضهم إلى الرسم من باب الحاجة العميقة إلى التعبير. لكن إلى جانب هؤلاء، كانت هناك فئة أخرى، أقل اهتمامًا بالمنجز الفني نفسه، وأكثر اهتمامًا بما يدور خلفه؛ بما يُقال في الكواليس، وما يُحذف من النص، وما يُهمس به بعد انتهاء العرض. كانوا يتحركون داخل المشهد بمهارة من يعرف كيف يبقى قريبًا من الضوء من دون أن يكون جزءًا منه، وكيف ينصت أكثر مما يتكلم، لا بدافع الفضول الثقافي، بل بدافع آخر أكثر برودة وأقل براءة.

في مثل هذا المناخ، لم يكن تقديم "السيد والخادم" مجرد عرض مسرحي، بل كان اختبارًا حقيقيًا لفكرة الفن نفسها. اختبارًا لقدرة الخشبة على أن تتحول من مساحة للتمثيل إلى مساحة للمساءلة. كان النص يضع الإنسان العادي في مواجهة أنظمة الشك، ويمنح الصمت قيمة أخلاقية، ويعيد تعريف الإخلاص لا بوصفه طاعة، بل بوصفه موقفًا داخليًا لا يحتاج إلى إعلان. وهذا وحده كان كافيًا لكي يتحول العرض إلى تجربة تتجاوز حدود الفن نحو منطقة أكثر حساسية، وأكثر قابلية لسوء الفهم.

وكان العمري يدرك ذلك تمامًا. لم يكن من أولئك الذين يدخلون المغامرة من باب الحماسة وحدها. كان يعرف طبيعة المرحلة، ويعرف أن بعض النصوص لا تُقرأ بالكلمات وحدها، بل تُقرأ أيضًا عبر المناخ الذي تُقدَّم فيه. ومع ذلك، لم يتراجع. لم يبحث عن نص أقل حدة، أو عن منطقة أكثر أمانًا، أو عن معالجة تخفف من أثر السؤال. اختار أن يواجه الفكرة كما هي، وأن يضعها على الخشبة بكل ما تحمله من احتمالات.

وفي أوقات كثيرة، بدا وكأنه يعمل وحده. لا بالمعنى التراجيدي للكلمة، ولا بوصفه ضحية ظروفه، بل بالمعنى الذي يعرفه كل فنان حقيقي حين يصل إلى تلك النقطة التي لا يستطيع أحد أن يتخذ القرار نيابة عنه. كان وحيدًا مع النص، مع الخشبة الفارغة قبل دخول الممثلين، مع الضوء الأول الذي يُختبر قبل بدء العرض، ومع ذلك الصوت الداخلي الذي لا يمنح صاحبه الراحة، لكنه يمنحه الاتجاه.

كانت كل بروفة بالنسبة إليه أكثر من تمرين تقني. لم تكن مجرد توزيع للحركة، أو ضبط للإيقاع، أو مراجعة للنص. كانت مساحة للتفكير، وإعادة النظر، ومساءلة الذات. كان يتعامل مع كل قراءة كما لو أنها قراءة أولى، ومع كل حركة كما لو أنها يمكن أن تغيّر معنى المشهد كله. لم يكن يبحث عن أداء صحيح بقدر ما كان يبحث عن لحظة صادقة؛ تلك اللحظة النادرة التي يتوقف فيها التمثيل، ويبدأ الكشف.

ولهذا لم يتحول "السيد والخادم" إلى عرض مسرحي فحسب، بل إلى امتداد حي لتجربة شخصية وجماعية في آن واحد. كان النص، في بنيته العميقة، رحلة داخل خوف الإنسان حين يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، وحين لا يعود مصدره واضحًا أو محددًا، بل يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى طريقة الكلام، إلى اختيار المفردات، إلى طول الصمت بين جملتين.

كان الخوف، في تلك المرحلة، لا يظهر دائمًا في صوره المباشرة. لم يكن يحتاج إلى حضور معلن كي يُشعر الناس بوجوده. كان أكثر تعقيدًا من ذلك، وأكثر قدرة على التخفي. كان يسكن الظلال، ويتسلل إلى العلاقات، ويعيد تشكيل السلوك الإنساني من الداخل. يظهر في نظرة تتوقف قبل اكتمالها، في جملة تُبتلع قبل أن تُقال، في ضحكة قصيرة تنتهي أسرع مما ينبغي، وفي صمت يبدو، للوهلة الأولى، طبيعيًا، لكنه يحمل داخله ما هو أبعد من السكوت.

الحضور الرمادي للبيئات الثقافية

ما كان يضاعف وطأة مناخ الخوف ليس السلطة في صورتها المباشرة وحدها، بل ذلك النوع من الحضور الرمادي الذي يتشكل داخل البيئات الثقافية نفسها؛ حضور أشخاص يبدون، من الخارج، جزءًا من المشهد الإبداعي، يتحدثون لغة الفن، ويكتبون عنه، ويجلسون في الصفوف الأولى، لكنهم، في العمق، يؤدون أدوارًا أخرى أكثر التباسًا.

كانوا يعرفون كيف يرتدون أقنعة متعددة: شاعر هنا، قاص هناك، ممثل في مناسبة أخرى، أو ناقد يوزع أحكامه بثقة من يملك الحقيقة. لكن خلف هذه الأقنعة، كان ثمة شيء آخر يتحرك؛ شيء يتغذى على الريبة، ويزدهر كلما ضاقت مساحة الحرية، ويكتسب نفوذه من قدرته على تحويل الكلمة من أداة كشف إلى أداة مراقبة.

وكان العمري يعرف ذلك، كما يعرفه كثيرون ممن اختبروا العمل الثقافي في تلك العقود. وربما لهذا لم يكن صراعه مع الرقابة في معناها التقليدي هو الأصعب دائمًا. ففي أحيان كثيرة، لا تأتي أكثر أشكال الضغط من الجدار الظاهر، بل من الظل الذي يقف بجواره. لا تأتي من القرار المعلن، بل من الهمس، ومن التأويل، ومن ذلك التواطؤ الصامت الذي يمنح الخوف قدرة على البقاء.

ومع ذلك، لم يتعامل مع المسرح بوصفه ملاذًا للهروب من هذا الواقع، بل بوصفه المكان الوحيد القادر على كشفه. في كل مشهد، وفي كل انتقال، وفي كل لحظة صمت محسوبة بدقة، كان يقرأ المجتمع كما يقرأ نصًا معقدًا متعدد الطبقات. وكان يحاول، عبر الخشبة، أن يعيد ترتيب ما بعثره الزمن، وأن يخلق، ولو لساعة واحدة، مساحة يمكن فيها للحقيقة أن تتنفس.

وهنا، تحديدًا، لم يعد المسرح وسيلة للترفيه، ولا مناسبة ثقافية عابرة، بل صار شكلًا من أشكال البقاء. بقاء الفكرة، وبقاء السؤال، وبقاء ذلك الجزء من الإنسان الذي يرفض، مهما اشتدت العتمة، أن يتحول إلى مجرد صدى.

حين خضع عرض "السيد والخادم" للمشاهدة الأولى أمام اللجنة الفنية، لم يكن الأمر يشبه ما يحدث عادة في قاعات التقييم الرسمية، حيث تُدوَّن الملاحظات ببرود، وتُمنح الأحكام وفق مقاييس تقنية مجرّدة. كانت تلك الجلسة أقرب إلى لحظة اعتراف جماعي، لحظة محدودة العدد، لكنها كثيفة بما يكفي لتبدو أكبر من زمنها الفعلي. داخل القاعة، لم يكن الحضور كثيرًا، غير أن كل وجه كان يحمل تاريخًا خاصًا مع الفن، وكل عين جاءت محمّلة بسنوات من النظر، من المقارنة، من الشك، ومن ذلك الفضول النبيل الذي يجعل الفنان الحقيقي أقل اهتمامًا بالنتيجة، وأكثر اهتمامًا بما يحدث قبلها.

كان بين الحاضرين رسامون، وكتاب، ومسرحيون من الموصل، رجال عرفوا كيف يقرأون الخط قبل اللون، والصمت قبل الحوار، والإيماءة قبل أن تتحول إلى معنى معلن. بعضهم جاء من محترفه، وآخرون من مكاتب امتلأت بالمخطوطات، وآخرون من خشبات قديمة تركت على أصابعهم أثر الغبار والطلاء والخشب. كانوا مختلفين في أدواتهم، لكنهم متفقون في شيء واحد: أنهم لا ينظرون إلى العرض بوصفه تسلية، بل بوصفه نصًا آخر يجب أن يُقرأ.

جلسنا هناك، وفي داخل كل واحد منا ذلك التوتر الذي يسبق اكتشاف شيء لا نعرف شكله النهائي بعد. لم يكن الخوف هو الشعور الوحيد، ولا الحماسة وحدها. كان هناك مزيج معقد من الترقب، والرهبة، والفضول، والإيمان الخفي بأننا على وشك مشاهدة شيء قد يتجاوز حدود العرض نفسه. كنا ننتظر أن يتحول النص، المكتوب بالحبر والهوامش والتصحيحات، إلى كائن حي. أن يصبح الجسد جزءًا من الجملة، والصوت امتدادًا للفكرة، والصمت شكلاً آخر من أشكال الكلام.

وحين بدأ العرض، لم يعد ثمة مجال للحديث الداخلي. أخذت الخشبة زمام كل شيء. الحركة، والإيقاع، والضوء، والوقفات المحسوبة، والمسافات بين الممثلين، وحتى تلك الثواني التي لا يحدث فيها شيء ظاهريًا، كانت تحمل داخلها ما يكفي لإبقاء الأنفاس معلقة.

كان القصب وخليل يتابعان العرض بذلك النوع من التركيز الذي لا يُظهر الكثير في الملامح، لكنه يكشف كل شيء في العيون. لم يكن ما رأيته فيهما مجرد إعجاب مهني، ولا رضًا عن معالجة تقنية متقنة. كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان إدراكًا واضحًا بأن النص لا يكتفي بسرد حكاية، بل يفتح جرحًا حقيقيًا في وعي المتلقي. جرحًا يتصل بالخوف، وبالشك، وبالعلاقة الملتبسة بين الإنسان والسلطة، بين الإخلاص الذي لا يطلب مكافأة، والخوف الذي يطلب الطاعة.

كانا يعرفان، منذ الدقائق الأولى، أن هذا العرض لا يشبه ما يُقدَّم عادة على الخشبة في مواسم المهرجانات. لم يكن نصًا يسعى إلى نيل التصفيق السريع، ولا عرضًا يبحث عن الأمان. كان تجربة متوترة، محفوفة بما يكفي من الجرأة لتجعل كل مشهد يبدو وكأنه يمشي على حافة غير مرئية.

ولهذا، حين بدأت بعض الأصوات من أطراف المشهد تلمّح إلى ضرورة استبعاده، بحجة أن قراءته قد تُفسَّر على نحو سياسي حساس، لم يكن الأمر مفاجئًا. فالنصوص التي تقترب من الحقيقة غالبًا ما تُقرأ من خارج الفن قبل أن تُقرأ من داخله. وما يربك بعض الناس ليس ما يقوله العمل صراحة، بل ما يتركه مفتوحًا للتأويل.

لكن ما حدث بعد ذلك كان، بالنسبة لي، واحدًا من أكثر الدروس رسوخًا في معنى المسؤولية الثقافية.

لم يتردد القصب وخليل طويلًا. بعد نقاش هادئ، خالٍ من الاستعراض أو التوتر الظاهر، أعلنا أن العرض صالح للمشاركة في مهرجان المسرح العربي الأول، وأن قيمته الفنية والفكرية لا يمكن أن تُختزل في قراءات متعجلة أو في مخاوف تأتي من خارج الخشبة.

لم يكن قرارهما مجرد توقيع إداري، ولا موافقة تقنية على مشاركة عرض ضمن برنامج مهرجان. كان موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهنيًا. كان إعلانًا صامتًا بأن الفن، حين يكون صادقًا مع موضوعه، لا يجوز أن يُحاسَب على ما يخشاه الآخرون فيه.

أتذكر أنني، وأنا أراقب ذلك المشهد، شعرت للمرة الأولى أن المسرح لا يعمل كمرآة واحدة، بل كمرآتين في آن واحد. واحدة تعكس الواقع كما هو، بكل تناقضاته وقسوته وغموضه. وأخرى تعكس الإنسان وهو يواجه ذلك الواقع من الداخل؛ بخوفه، وشكوكه، وكرامته، وصمته.

لم تعد الحركة مجرد حركة، ولا الكلمة مجرد كلمة، ولا الصمت مجرد فراغ بين جملتين. كل شيء صار يحمل معنيين في آن واحد: معنى ظاهر على الخشبة، ومعنى آخر يتحرك بصمت داخل المتفرجين.

وكان العمري واقفًا هناك، يراقب كل تفصيلة كما يراقب الأب ولادة شيء يعرف أنه قد لا يعيش بسهولة. لم يكن يتابع أداء الممثلين فقط، بل كان يتابع مصير تجربة كاملة. كانت الخشبة، في تلك اللحظة، امتدادًا مباشرًا لوعيه، ولتعبه، ولسنوات من القراءة، والشك، والمواجهة، والإيمان بأن الفن لا يُصنع في المناطق الآمنة.

كنت أراه يتابع حركة عين، وتبدّل نبرة، وتوقيت صمت، كما لو أن كل تفصيلة يمكن أن تغيّر مصير العمل كله. ولم يكن ذلك مبالغة. ففي مثل تلك الأزمنة، كانت أحيانًا حركة صغيرة، أو جملة تُقال بنبرة مختلفة، كافية لأن تغيّر طريقة قراءة العرض بأكمله.

ما فعله القصب وخليل في تلك الليلة لم يكن دفاعًا عن عرض مسرحي وحسب. كان دفاعًا عن حق الفنان في أن يخاطر. دفاعًا عن تلك المساحة الهشة التي يولد فيها الإبداع بين الشك والخوف والاحتمال.

وبحكمة نادرة، وهدوء لا يتوافر إلا لمن خبروا الفن والحياة معًا، وضعا حدًا لكل ما كان يمكن أن يتحول إلى أزمة أكبر. لم يرفعا صوتهما، ولم يدخلا في جدل استعراضي، ولم يحاولا إثبات شيء لأحد. اكتفيا بتحمل المسؤولية كاملة، وبوضوح لا يحتمل التأويل، أكدا أنهما مستعدان لتحمل أي تبعات قد تنشأ عن مشاركة العرض.

في تلك اللحظة، فهمت أن بعض القرارات لا تُكتب في محاضر الاجتماعات، بل تُكتب في ضمير من يتخذها.

وفهمت أيضًا أن حماية الفن لا تأتي دائمًا من القوانين أو المؤسسات، بل أحيانًا من أفراد يقررون، في لحظة حاسمة، أن الحقيقة تستحق أن تُمنح فرصة للظهور.

وأن الخشبة، مهما بدت صغيرة تحت الضوء، يمكن أن تصبح، في لحظة واحدة، أوسع من كل أشكال الخوف.

القيمة الحقيقية للفنان حين تتحول الخبرة إلى مسؤولية أخلاقية

أمام ذلك الموقف، الهادئ في ظاهره، العميق في أثره، بدأ معنى آخر للفن يتشكل في وعينا، معنى لم نتعلمه في قاعات الدرس، ولم نجده كاملًا في الكتب، ولم تمنحه لنا النصوص مهما بلغت من الإتقان. أدركنا، للمرة الأولى بهذا الوضوح، أن عظمة الفنان لا تُقاس بعدد الأعمال التي أنجزها، ولا بعدد المهرجانات التي مرّ بها، ولا بالشهادات المعلقة على جدران مكتبه، ولا بالألقاب التي تسبق اسمه في الدعوات الرسمية. كل ذلك قد يمنح صاحبه حضورًا، وربما يمنحه مكانة، لكنه لا يمنحه بالضرورة القيمة التي تبقى.

القيمة الحقيقية تظهر في مكان آخر تمامًا؛ في تلك اللحظات النادرة التي يصبح فيها القرار الشخصي أكثر أهمية من الإنجاز المهني، وحين تتحول الخبرة من معرفة إلى موقف، ومن تراكم نظري إلى مسؤولية أخلاقية لا يمكن التهرب منها.

هناك، في تلك اللحظة، فهمنا أن الفنان الحقيقي ليس ذلك الذي يعرف كيف يبني مشهدًا متقنًا فقط، أو كيف يوجّه ممثلًا، أو كيف يقرأ نصًا معقدًا قراءة ذكية، بل هو ذلك الذي يعرف متى يقف، ولماذا يقف، ولأجل من يقف.

فما معنى أن يحمل الإنسان موهبة، إذا كانت تلك الموهبة عاجزة عن حماية كرامة إنسان آخر؟

وما جدوى المعرفة، إذا كانت تتراجع عند أول اختبار أخلاقي؟

وما قيمة الفن، إذا كان صاحبه يستخدم الكلمة، أو اللون، أو الحركة، لا للكشف، بل للإدانة السريعة، لا للفهم، بل للتخوين، لا لفتح المساحات الإنسانية، بل لإغلاقها؟

كانت تلك الأسئلة تتحرك في داخلي بصمت، وأنا أراقب ما يجري أمامي. لم يكن أحد ينطق بها بصوت مرتفع، لكن الجميع، بطريقة ما، كان يشعر بها.

وفي تلك الليلة، بدا واضحًا أن أخطر ما يمكن أن يصيب الفنان ليس الفشل، ولا النقد، ولا قلة الإمكانات، بل أن تتحول أدواته الإبداعية إلى أدوات ضغط، أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات، أو إلى خطاب يتخلى عن الإنسان باسم المبادئ، أو باسم الولاء، أو باسم النجاة الشخصية.

أما ما رأيناه في ذلك الموقف، فقد كان النقيض الكامل لهذا كله.

كان درسًا يتجاوز أي محاضرة، وأعمق من أي عرض، وأكثر بقاءً من أي شهادة أكاديمية. رأينا كيف يمكن للوعي الأخلاقي أن يحمي الفن حين تعجز المؤسسات عن حمايته. وكيف يمكن لقرار يُتخذ بهدوء، ومن دون استعراض، أن يمنح الخشبة قيمة تتجاوز الخشب والضوء والديكور.

لم تعد الخشبة مجرد منصة للعرض، بل بدت أشبه بمساحة يُختبر فيها الإنسان نفسه. مساحة تتجلى فيها القيم لا عبر الخطابات، بل عبر الأفعال الصغيرة التي تُتخذ في اللحظات الحرجة.

وأخذت أفكر، وأنا أراقب كل ذلك، أن الفن، حين يُمارَس بهذه الدرجة من المسؤولية، لا يعود مجرد نشاط ثقافي، ولا مجرد شكل من أشكال التعبير، بل يصبح أداة لإعادة ترتيب العالم الداخلي للإنسان. يصبح طريقة لرؤية الأخلاق لا بوصفها مفهومًا تجريديًا، بل بوصفها ممارسة يومية، قرارًا، مخاطرة، وصمتًا يعرف متى يتحول إلى موقف.

وفي تلك اللحظات تحديدًا، يصبح معنى الحرية أكثر تعقيدًا وأكثر صدقًا. الحرية ليست كلمة تُرفع في الشعارات، ولا جملة تُكتب في مقدمة نص، بل هي قدرة الإنسان على أن يقول نعم حين يخاف الجميع، أو أن يقول لا حين يصبح الصمت أكثر أمانًا.

وهكذا بقي ذلك المشهد عالقًا في داخلي، لا كذكرى، بل كمعيار.

السفر إلى بغداد لتقديم العرض

بعد أيام، اتجهنا إلى بغداد، المدينة التي لا تستقبلك كزائر بقدر ما تختبرك منذ اللحظة الأولى. مدينة تتجاور فيها طبقات التاريخ كما تتجاور الأصوات في سوق قديم؛ لا شيء فيها يبدو منفصلًا عن ماضيه، ولا شيء فيها يعيش حاضرًا خالصًا.

كنا متجهين إلى المهرجان لتقديم العرض، لكن الرحلة التي قطعناها لم تكن جغرافية فقط. المسافة بين الموصل وبغداد بدت، مقارنة بما كان يحدث داخلنا، أقصر بكثير من المسافة النفسية التي كان علينا عبورها.

لقد كنا نحمل معنا أكثر من ديكور، وأكثر من نص، وأكثر من جدول عروض. كنا نحمل خوفًا مكتومًا، وأسئلة لم تُحسم بعد، وإحساسًا ثقيلًا بأن ما سنقدمه لا يشبه العروض التي تمر بسلام.

أتذكر أنني أنا وصديقي بولص آدم، طوال الطريق، كنا نراقب العمري بصمت أكثر مما نتحدث معه. كان يحمل في ملامحه شيئًا لم يكن يحتاج إلى تفسير. سنوات طويلة من العمل، من الصبر، من بناء تجربة قطعة بعد أخرى، كانت كلها تبدو وكأنها تجمعت دفعة واحدة فوق كتفيه.

لم يكن الخوف الذي رأيناه فيه خوفًا من العرض ذاته، ولا من الجمهور، ولا من النقد. كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان خوف الإنسان الذي يدرك أن فكرة واحدة، أو قراءة واحدة، أو تأويلًا واحدًا، قد يغيّر مصير سنوات كاملة.

وكان واضحًا، حتى من دون أن يقول شيئًا، أنه يقف عند تلك المنطقة الدقيقة التي يبدأ فيها الفنان بمساءلة كل ما بناه:

هل يستحق الأمر؟

هل المضي إلى النهاية هو الشجاعة، أم التراجع هو الحكمة؟

وهل يمكن للحقيقة، في بعض الأزمنة، أن تكون أكثر كلفة من قدرة الإنسان على الاحتمال؟

لهذا حاولنا، أنا وبولص، أن نفعل ما يستطيع الأصدقاء فعله حين تعجز اللغة عن تقديم حلول. تحدثنا كثيرًا، ثم صمتنا كثيرًا. حاولنا أن نعيد إليه شيئًا من يقينه الأول. كنا نبحث عن الكلمات التي لا تبدو كلمات، عن النبرة التي تمنح الطمأنينة من دون أن تدّعي امتلاك الإجابات.

كل جملة، وكل ابتسامة، وكل لمسة على الكتف، كانت تبدو في تلك الساعات الصغيرة وكأنها جزء من معركة غير معلنة.

وكان هو يصغي، أحيانًا بعينيه، وأحيانًا بصمته.

لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: لم يكن يقاتل من أجل عرض مسرحي فقط.

كان يقاتل من أجل حقه في ألا يتراجع بعد كل هذا الطريق.

التجربة الفنية: من فضاء للخلق، إلى امتحان للبقاء

ما حدث بعد وصولنا إلى بغداد لم يكن، في ظاهره، أكثر من سلسلة من التفاصيل التنظيمية المعتادة التي ترافق أي مهرجان كبير. لكن الفن، كما تعلمت لاحقًا، لا يتعامل مع التفاصيل بوصفها أشياء صغيرة. أحيانًا، يكفي تغيير في المكان، أو اختلال في التوقيت، أو سوء تقدير في المسافة بين الجسد والضوء، لكي يتبدل مصير عرض كامل، ولكي تنتقل تجربة فنية من منطقة الاكتمال إلى منطقة الدفاع عن بقائها.

منذ اللحظات الأولى، كان هناك شعور غامض بأن شيئًا ما لا يتحرك في الاتجاه الذي ينبغي له أن يتحرك فيه. لم يكن الأمر صدامًا مباشرًا، ولا اعتراضًا معلنًا، ولا قرارًا واضحًا يمكن الاحتجاج عليه. كان أقرب إلى ذلك النوع من التعقيد الذي يتسلل عبر الإجراءات، والجداول، والتبديلات المفاجئة، والقرارات التي تبدو، على الورق، محايدة تمامًا، لكنها في الواقع قادرة على تغيير البنية الداخلية لأي عمل فني.

بدت بغداد، في تلك الأيام، وكأنها تختبرنا بطريقتها الخاصة. المدينة التي فتحت لنا أبوابها بوصفها عاصمة للمسرح والثقافة، بدت في لحظات معينة كأنها تضع أمامنا سلسلة من الامتحانات الصغيرة، امتحانات لا تتعلق بالنص أو الأداء، بل بقدرة الفنان على حماية عمله من الأشياء التي لا تُكتب عادة في النقد، لكنها كثيرًا ما تحدد مصير العرض أكثر من أي موهبة.

كان واضحًا أن العمري يحمل تصورًا دقيقًا للغاية عن المكان الذي ينبغي أن يُقدَّم فيه "السيد والخادم". لم يكن اختياره للمسرح مسألة تفضيل شخصي، ولا رغبة عاطفية مرتبطة بمكان معين. كان قرارًا ينبع من فهم عميق للبنية الداخلية للنص، وللعلاقة العضوية بين الفضاء الدرامي والإيقاع النفسي للعمل.

كان يطمح إلى تقديم العرض على قاعة "مسرح الشعب" في منطقة باب المعظَّم، ذلك المسرح الصغير القريب من روح النص، والمناسب لتكوينه البصري والدرامي. لم يكن العرض بحاجة إلى فضاء هائل، ولا إلى عمق مسرحي واسع، ولا إلى إمكانيات تقنية معقدة. كان نصًا يعتمد على شخصيتين، وعلى ديكور مقتصد، وعلى مسافات محسوبة بدقة، وعلى صمت يجب أن يُسمَع بوضوح، لا أن يضيع في الفراغ.

في ذلك النوع من المسارح، يمكن لحركة صغيرة أن تحمل وزن مشهد كامل. يمكن لنبرة صوت منخفضة أن تصل إلى آخر مقعد دون أن تفقد حرارتها. ويمكن لصمت قصير أن يتحول إلى سؤال مفتوح داخل وعي المتفرج.

ذلك المكان، من وجهة نظر العمري، لم يكن مجرد خيار مناسب. كان الامتداد الطبيعي للنص. لكن ما يحدث أحيانًا في الحياة الثقافية لا تحكمه دائمًا الضرورات الفنية.

لم يتحقق ذلك الطلب.

لم يكن الرفض صاخبًا، ولم تُقدَّم له أسباب درامية أو فكرية أو حتى فنية. كان الأمر أقرب إلى قرار إداري بارد، قرار لا يحمل عداءً مباشرًا، لكنه لا يحمل أيضًا أي حساسية تجاه طبيعة العمل.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن أكثر ما يمكن أن يرهق الفنان ليس الرفض الصريح، بل اللامبالاة.

أن تقضي سنوات في بناء عمل شديد الدقة، ثم تجد نفسك أمام منظومة ترى المسرح مجرد مساحة فارغة يمكن أن يوضع فيها أي شيء، في أي وقت، وعلى أي خشبة.

كان ذلك، بالنسبة إلى العمري، اختبارًا من نوع آخر.

لم يكن صراعه هذه المرة مع النص، ولا مع الرقابة، ولا مع الخوف الذي يسكن خلف الكلمات، بل مع شيء أكثر مراوغة: مع البنية الصلبة للروتين، مع القرارات التي لا ترى الفن إلا بوصفه بندًا ضمن جدول.

ومع ذلك، ظل يقاوم بصمته المعتاد.

لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.

فإدارة المهرجان لم تكتفِ برفض المكان الذي رآه الأنسب، بل سلّمتنا خشبة العرض قبل موعد التقديم بساعة واحدة فقط.

ساعة واحدة.

في الحياة اليومية، قد تبدو ساعة زمنًا كافيًا لأشياء كثيرة. أما في المسرح، فهي قد تكون لا شيء.

بالنسبة لأي عرض قائم على الإيقاع، والمسافة، والضوء، والتنفس الجماعي بين الممثلين، فإن ساعة واحدة لا تكفي حتى لكي يبدأ الجسد بفهم المكان.

كنا نقف هناك، أمام خشبة واسعة داخل مبنى "المسرح الوطني"، نحمل معنا نصًا صُمّم ليعيش في فضاء حميمي، ثم نجد أنفسنا فجأة أمام مساحة ضخمة، مفتوحة، باردة، تبتلع الصوت قبل أن يستقر، وتمدد الحركة إلى ما يتجاوز معناها الأصلي.

كان الفرق بين الفضاءين أشبه بالفرق بين الهمس داخل غرفة صغيرة، والهمس نفسه في ساحة مفتوحة.

النبرة ذاتها، لكن المعنى لم يعد هو نفسه.

حاولنا أن نتحرك بسرعة، أن نعيد توزيع العلامات، أن نقرأ المسافات من جديد، أن نفهم أين يقف الجسد، وأين ينكسر الضوء، وأين يجب أن يسقط الصمت.

لكن الوقت كان يتحرك ضدنا.

كل دقيقة كانت تمر كأنها تسحب جزءًا من يقيننا.

وكان واضحًا أن العمري يشعر بذلك أكثر منا جميعًا.

كنت أراه ينظر إلى الخشبة لا بوصفها مساحة للعرض، بل بوصفها تضاريس جديدة عليه أن يعيد اكتشافها في وقت لا يسمح بالاكتشاف.

كان يمشي بصمت، يقيس المسافات بعينيه، يراقب الضوء، يصغي إلى ارتداد الصوت، ويتوقف فجأة كما لو أنه يحاول أن يسمع النص نفسه وهو يتأقلم مع المكان الجديد.

لكن بعض النصوص، مهما بلغت مرونتها، ترتبط بجغرافيتها الداخلية كما يرتبط الإنسان بصوته.

وكان واضحًا أن هذه الخشبة الكبيرة، بدل أن تمنح العرض اتساعًا إضافيًا، بدأت تسحب منه شيئًا من كثافته الأولى.

بدل أن تُكبّر الدراما، أخذت تُبعثرها.

وبدل أن تمنح الحركة أفقًا أوسع، أخذت تُحوّلها إلى جزئيات صغيرة داخل فراغ لا يرحم.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن الخشبة، مثل الحياة تمامًا، ليست دائمًا حليفًا لمن يقف عليها.

أحيانًا، إذا لم تُفهم جيدًا… تتحول من فضاء للخلق، إلى امتحان للبقاء.

على الرغم من كل ما أحاط العرض من ارتباك مكاني وضغط زمني واختلال في الشروط التي وُلد من أجلها، فإن ما حدث بعد رفع الستار كان، في حد ذاته، تجربة لا تقل تعقيدًا عن العرض نفسه. لم يكن الجمهور كتلة واحدة، ولم يخرج بانطباع واحد، ولم يستجب بالطريقة المريحة التي يحلم بها أي فريق مسرحي بعد أسابيع من العمل والقلق.

انقسام الجمهور بين انتباهٍ حادٍّ وتحفّظٍ واضح

كان الانقسام واضحًا، بل يكاد يكون جزءًا من بنية تلك الليلة نفسها.

في جهة من القاعة، كان هناك من تلقّى العرض كما ينبغي لأي عمل صادق أن يُتلقّى: بانتباه حاد، وبصمت مشوب بالتوتر، وبذلك النوع من الإصغاء الذي لا يحتاج إلى التصفيق كي يعلن عن تأثره. رأيت في بعض الوجوه شيئًا يشبه الاعتراف الداخلي؛ ذلك الاعتراف الذي يحدث حين ينجح النص في الوصول إلى منطقة لا يحب الإنسان دائمًا أن تُمس. كانوا قد التقطوا ما كان يتحرك خلف الحوار، خلف الحركة، خلف الصمت المدروس، ورأوا في "السيد والخادم" أكثر من مواجهة درامية بين شخصيتين. رأوا، على ما يبدو، شيئًا من صراع الإنسان مع الخوف، ومع الولاء، ومع ذلك الانقسام الخفي بين ما يشعر به في داخله وما يُطلب منه أن يُظهره في العلن.

وفي جهة أخرى، كان هناك من خرج من القاعة بشيء من التحفظ، وربما بالضيق الذي لا يعترف دائمًا بأسبابه الحقيقية. لم يكن رفضهم صاخبًا، ولم يتحول إلى اعتراض مباشر، لكنه كان حاضرًا في الملامح، في الصمت البارد، في المجاملات المختصرة، وفي تلك النظرات التي تقول أكثر مما تقوله الكلمات. وربما لم يكن الأمر متعلقًا بالنص وحده، ولا بالأداء وحده، بل بذلك الإحساس غير المريح الذي يصيب بعض الناس حين يجدون أنفسهم فجأة أمام عمل يطالبهم بأن يروا ما اعتادوا تجنبه.

وربما كان الفضاء الكبير نفسه قد لعب دوره في هذا الانقسام؛ تلك المسافة الواسعة بين المتلقي والخشبة، ذلك الاتساع الذي أجبر العرض الحميمي على أن يتحدث بصوت أعلى مما أراد، وأن يتحرك في فراغ لم يُكتب له أصلًا. لكن الفن، حتى في أكثر ظروفه تعقيدًا، يظل قادرًا على العثور على من يصغي إليه، وعلى من يقاومه في الوقت نفسه.

أما أنا، وبعد كل هذه السنوات، فلا أزال أنظر إلى تلك التجربة بوصفها واحدة من أكثر المحطات رسوخًا في حياتي الفنية، لا لأنها كانت خالية من الألم أو القلق أو الإرباك، بل لأنها وضعتني، للمرة الأولى، تحت إشراف فنان يعرف التمثيل بوصفه علمًا بقدر ما يعرفه بوصفه حدسًا.

"الحرب بين المثقفين والفنانين أحيانًا أشد قسوة من حرب الساسة"

كان العمري من ذلك النوع النادر من المخرجين الذين لا يكتفون بتوجيه الممثل، بل يقرأونه. لم يكن ينظر إلى الأداء بوصفه حركة تُنفَّذ، أو جملة تُقال في توقيتها الصحيح، بل بوصفه سلسلة معقدة من الإشارات النفسية والجسدية التي يجب أن تُوقظ من الداخل قبل أن تظهر على الخارج.

كان يعرف، بدقة تكاد تكون علمية، كيف يقود الممثل إلى تلك المنطقة التي تبدأ فيها الحواس بالاستيقاظ. كيف يجعل الجسد أقل تمثيلًا وأكثر صدقًا. كيف يحرر الصوت من عاداته اليومية، ويعيد إليه طبقاته المنسية. كيف يجعل الصمت فعلًا دراميًا لا يقل قوة عن الكلام.

وكان يدرك، قبل كثيرين، أن الممثل لا يتحرك على الخشبة بجسده فقط، بل بتاريخ كامل من الخوف، والرغبة، والذكريات، والشك، واليقين المؤقت.

كل التفاتة، كل توقف، كل نفس غير مكتمل، كل فكرة عابرة تمر في عين الممثل قبل أن تتحول إلى كلمة، كانت بالنسبة إليه مادة قابلة للتشكيل.

ولهذا لم يكن التدريب معه تمرينًا بالمعنى التقليدي. كان أشبه بعملية تنقيب داخل النفس.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك الليلة، أجد نفسي أكثر قدرة على فهم جملة قالها صباح اليوم التالي، ونحن نجلس في صالة فندق المنصور ميليا، حيث كان الصباح هادئًا بما يكفي لأن تسمع الأفكار وهي تعود من الليل.

قالها بصوت منخفض، ومن دون أي رغبة في التأثير:

"الحرب بين المثقفين والفنانين أحيانًا أشد قسوة من حرب الساسة" .

في تلك اللحظة، بدت العبارة تعليقًا على ما جرى. أما الآن، بعد كل هذا الزمن، أراها أقرب إلى خلاصة حياة كاملة.

لم تكن جملة انفعالية، ولا رد فعل على خلاف عابر، بل قراءة عميقة لطبيعة الصراع حين ينتقل من السياسة إلى الثقافة، من المؤسسات إلى الأفراد، من السلطة الظاهرة إلى السلطة المقنعة باللغة والذوق والمكانة.

ففي السياسة، يعرف الإنسان خصمه غالبًا.

أما في الفن، فالأمر أكثر التباسًا.

قد يأتي الخطر أحيانًا من شخص يتحدث اللغة نفسها، ويقرأ الكتب نفسها، ويجلس في الصفوف الأولى، ويصفق في الوقت المناسب.

وربما لهذا بقيت تلك العبارة عالقة في داخلي كل هذه السنوات.

لقد فهمت، مع مرور الوقت، أن كل عرض، مهما بدا محدودًا بزمنه ومكانه، هو في الحقيقة لحظة اختبار للإنسان قبل أن يكون اختبارًا للفن.

لحظة يُعاد فيها ترتيب الداخل.

لحظة يُسأل فيها الفنان، من دون كلمات: لماذا تفعل هذا أصلًا؟

وبعد أن أُسدل الستار، وبعد أن غادر الجمهور، وبعد أن انطفأت الأضواء واحدًا تلو الآخر، رأيته يجلس وحده في الكواليس، على مقعد خشبي قديم، متآكل الأطراف، كأنه جزء من ذاكرة المسرح نفسه.

لم يكن يتحدث.

لم يكن غاضبًا.

ولم يكن منتصرًا أيضًا.

كان يحدق في أرضية الخشبة بصمت طويل، ذلك الصمت الذي لا يعني غياب الكلام، بل امتلاءه.

بدت الأرض التي حملت خطواته قبل دقائق وكأنها تطرح عليه أسئلة لا يملك أحد غيره أن يجيب عنها.

ماذا أنجزت؟

وماذا دفعت؟

وماذا بقي منك هنا؟

وكانت أصوات الممثلين، وضحكات العاملين، وخطوات المغادرين، تتلاشى تدريجيًا في الممرات الخلفية.

لكن الصمت الذي بقي لم يكن فراغًا. كان مساحة كاملة تتسع لعمر. لعقود من التعب. لنصوص كُتبت ومُزقت وأُعيدت كتابتها. لعروض نجحت، وأخرى قاومت الفشل. للحظات اقترب فيها من الانكسار، ثم عاد. ولتلك المحاولات المتكررة لفهم شيء يبدو بسيطًا في الظاهر، ومستحيلًا في العمق:

كيف يمكن للمسرح… أن يكشف الإنسان لنفسه، من دون أن ينطق باسمه؟

ليس كل مكان صالحًا لانفجار الروح

في السنوات التي أعقبت تلك التجربة، وبعد أن بدأت ملامح مشروعه الفني تترسخ بوضوح في الوعي المسرحي العراقي، تلقّى العمري دعوة للعمل مع" الفرقة القومية للتمثيل" التابعة لوزارة الثقافة العراقية، الفرقة التي كانت، في ذلك الوقت، تمثل بالنسبة لكثير من المسرحيين الذروة المهنية التي يسعى إليها المخرج أو الممثل بعد سنوات طويلة من التجريب والعمل في المسارح الجامعية والمحلية. كان الانتقال إلى تلك المؤسسة، في الظاهر، اعترافًا مستحقًا بخبرة تراكمت عبر عقود، وإقرارًا بأن الرجل الذي بنى لغته الإخراجية في الموصل أصبح قادرًا على أن يعمل في أكثر المساحات الرسمية حساسية وتأثيرًا.

لكن المؤسسات الفنية الكبرى، شأنها شأن المدن الكبرى، لا تمنح القادم إليها الاعتراف بسهولة، حتى حين يكون الاعتراف مستحقًا.

منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن المسألة لن تُحسم بالكفاءة وحدها، ولا بالتاريخ المهني، ولا حتى بالنجاحات السابقة. ففي البيئات التي تتراكم فيها الشهرة والنفوذ والعلاقات الشخصية عبر سنوات طويلة، لا يكون الصراع دائمًا على الفن نفسه، بل على من يملك حق تعريفه، ومن يملك سلطة توجيهه، ومن يحق له أن يقف في مركز الضوء.

وهناك، داخل تلك المساحة المشبعة بالخبرات والغرور والقلق المشروع وغير المشروع، واجه العمري موقفًا من الممثل (ع . خ) لم يكن فنيًا بقدر ما كان نفسيًا وثقافيًا في جوهره.

(ع .خ ) كان أحد نجوم المسرح في ذلك الوقت، ممثل ومخرج معروف داخل المؤسسة، استقبل وجود العمري لا بوصفه إضافة محتملة، بل بوصفه اختراقًا غير مرغوب فيه لبنية مستقرة اعتادت أن تعيد إنتاج نفسها. لم يكن اعتراضه على النص، ولا على الرؤية، ولا على التمرين، بل على فكرة أن يتلقى توجيهًا من مخرج قادم من خارج المركز الثقافي الذي اعتاد أن يمنح نفسه حق تعريف القيمة.

كانت الكلمات التي قيلت، في ظاهرها، مجرد اعتراض مهني.

لكن الكلمات، في المسرح كما في الحياة، نادرًا ما تكون مجرد كلمات.

كانت تحمل في داخلها شيئًا أعمق من الاعتراض، شيئًا يتصل بصورة المكان، وبسلطة المركز، وبذلك الوهم القديم الذي يجعل بعض الناس يعتقدون أن الموهبة تُقاس أحيانًا بعنوان المدينة أكثر مما تُقاس بعمق التجربة.

وكان في المفارقة ما يكفي لكي يثير التأمل؛ لأن كثيرًا ممن صنعوا ملامح المسرح العراقي الحديث لم يولدوا في العاصمة أصلًا، بل جاءوا إليها من مدن بعيدة، حاملين معهم لهجات مختلفة، وذكريات مختلفة، وتجارب صنعتها مسارح أصغر، لكنها لم تكن أقل صدقًا أو أقل تأثيرًا.

ومع ذلك، حين سقطت تلك الكلمات في فضاء الكواليس، بدت حادة بما يكفي لكي تُغيّر حرارة المكان كله.

لم ترتفع الأصوات.

لم يتحول الأمر إلى مواجهة علنية.

لكن بعض الجمل، حين تُقال في الوقت الخطأ وبالنبرة الخطأ، تستطيع أن تترك أثرًا أعمق من أي صراخ.

أتذكر أن الصمت الذي تلا تلك اللحظة كان أكثر قسوة من الكلمات نفسها.

وكان واضحًا أن وقع ما حدث أصاب العمري في منطقة أعمق من الكبرياء المهني. لم يكن الأمر يتعلق بمخرج أُسيء إليه أمام فريق عمل. كان الأمر يمس فكرة كاملة ظل يؤمن بها طوال حياته: أن الفن قادر على تجاوز الجغرافيا، وأن الخشبة، في لحظاتها الحقيقية، لا تسأل من أين أتيت، بل ماذا تحمل.

وكان يمكن لتلك اللحظة أن تكسر كثيرين.

وكان يمكن لها، بسهولة، أن تدفعه إلى الانسحاب بصمت، أو إلى التعامل مع التجربة بوصفها خطأ كان يجب ألا يحدث.

لكن ذلك لم يحدث.

ما حدث، على العكس، كشف شيئًا آخر عن الوسط نفسه.

فأغلبية الممثلين داخل الفرقة لم تنجرّ إلى ذلك التوتر. كثير منهم، بصمت أو بكلمات مباشرة، أظهروا ثقتهم بخبرته، وبقدرته على قيادة العمل، وبأن القيمة الحقيقية لأي مخرج لا تُقاس من أين جاء، بل بما يستطيع أن يوقظه داخل الممثل.

كان ذلك الدعم هادئًا، غير استعراضي، لكنه كان كافيًا لكي يمنح التجربة توازنها في لحظة كان يمكن أن تنكسر فيها بسهولة.

أما العمري، فقد كان معروفًا بين من عملوا معه بأنه رجل لا يفصل الفن عن الكرامة الشخصية. كان سريع الانفعال حين يشعر أن جوهر العمل يُهدد، وصارمًا حين يتعلق الأمر بالمبدأ، إلى الحد الذي يجعل قراراته، بعد اتخاذها، شبه نهائية.

ولهذا، لم يكن مستغربًا أن ينتهي به الأمر إلى اتخاذ قرار داخلي بعدم تكرار التجربة داخل بغداد ضمن ذلك الإطار المؤسسي.

لم يكن القرار نابعًا من هزيمة.

ولم يكن انسحابًا من المنافسة.

كان أقرب إلى إدراك ناضج بأن بعض البيئات، مهما بدت مغرية من الخارج، لا تمنح الفنان الهواء الذي يحتاجه لكي يعمل بكامل صدقه.

وكان العمري يعرف، ربما أكثر من كثيرين، أن الحرية بالنسبة للفنان ليست امتيازًا إضافيًا.

إنها شرط وجود.

كان يشعر، في داخله، أنه لو مُنح المساحة الكاملة، ولو أُتيح له أن يعمل من دون ذلك التوتر الخفي الذي يصاحب البيئات المشبعة بالحسابات، لكان قادرًا على أن يدفع الممثلين إلى مناطق جديدة، إلى طبقات أكثر تعقيدًا في الأداء، إلى اكتشافات داخل الشخصية ربما لم يختبروها من قبل.

لكنه فهم أيضًا شيئًا آخر لا يتعلمه الفنان من الكتب.

ليس كل مكان صالحًا لانفجار الروح.

وليس كل مؤسسة، مهما كانت عظيمة في تاريخها، قادرة على استقبال المختلف من دون مقاومة.

وفي النهاية، لم ينظر إلى ما حدث بوصفه هزيمة شخصية، ولا بوصفه بابًا أُغلق في وجهه.

بل بوصفه اختبارًا آخر.

اختبارًا لقدرته على أن يواصل البناء بعيدًا عن الضوء، بعيدًا عن الضجيج، بعيدًا عن المساحات التي تمنح الشهرة سريعًا لكنها تستهلك الروح ببطء.

وهناك، في ذلك الصمت الذي يعرفه الفنانون الحقيقيون، عاد إلى ما كان يعرفه دائمًا:

أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بحجم المؤسسة التي احتضنتك…

بل بما يبقى منك، حين يختفي كل شيء آخر.

المكان الذي لا يتسع لحرية التفكير،لا يستطيع أن يحتضن التجربة الفنية

تجول في بغداد كمن يمشي داخل نص غير مكتمل، نص تتبدل جُمله كلما تقدم خطوة في الشارع. لم تكن المدينة بالنسبة إليه خلفية جاهزة لعرض مسرحي، بل كيانًا حيًا يختبر الداخل أكثر مما يُرى في الخارج. الأزقة الطويلة، الجدران المتآكلة، الوجوه التي تمرّ بلا توقف، كلها بدت كأنها تعيد عليه السؤال نفسه بصيغ مختلفة: ماذا كنت ستفعل لو سُمح لك أن تكمل ما بدأت؟

لكن ذلك السؤال لم يكن بريئًا.

كان محمّلًا بكل ما تراكم من حواجز، ومن حسابات غير معلنة، ومن أشكال من الاستبعاد الناعم الذي لا يعلن نفسه صراحة، لكنه يشتغل في العمق، في التوقيت، وفي توزيع الفرص، وفي تعريف من يحق له أن يقف على الخشبة ومن يُفترض أن يظل على الهامش.

كان واضحًا، مع مرور الأيام، أن ما اصطدم به لم يكن مجرد اختلاف فني أو سوء تنظيم عابر، بل بنية كاملة تقاوم فكرة أن يكون الإبداع فعلًا حرًا بالكامل. بنية ترى في الفن امتدادًا للموقع الاجتماعي، أو للانتماء الجغرافي، أو لمعادلات النفوذ أكثر مما تراه فعلًا جماليًا مستقلًا.

وفي لحظة هادئة، بلا ضجيج ولا إعلان، اتخذ قراره.

لم يعد إلى التجربة داخل الفرقة القومية للتمثيل .

لكن القرار، في جوهره، لم يكن انسحابًا بقدر ما كان إعادة تعريف للعلاقة مع العمل نفسه. لم يكن هروبًا من مواجهة، بل رفضًا لأن تتحول المواجهة إلى شكل من أشكال الاستنزاف الذي لا يترك للفن ما يكفي من الهواء.

كان يدرك أن المسرح، حين يُحاصر بالقيود الصلبة، يفقد شيئًا من قدرته على التحول إلى مساحة تخييل حقيقي. وأن المكان الذي لا يتسع لحرية التفكير، مهما بلغ من المكانة، لا يستطيع أن يحتضن التجربة الفنية في لحظتها الأكثر صدقًا.

ومع ذلك، لم يكن في قراره أي نبرة هزيمة.

كان أقرب إلى وعيٍ متأخر بأن القوة الحقيقية للفنان لا تُقاس بعدد المؤسسات التي دخلها، بل بعدد المرات التي استطاع فيها أن يحافظ على صوته الداخلي من التشويه.

بغداد، في تلك المرحلة، لم تكن مدينة خارجية فقط، بل كانت امتدادًا داخليًا لتجربة متوترة بين الممكن والمسموح، بين الرغبة والحدود، بين ما يُفكّر فيه الفنان وما يُسمح له بأن يقوله.

أما المسرح، فكان بالنسبة له القلب الذي ينبض في وسط هذا التوتر، حتى حين يضيق الإيقاع أو يختل التوازن.

ومن هنا بدأ يتشكل اتجاه آخر في مسيرته: أن يترك أثره في مساحات أكثر اتساعًا، أو أقل خضوعًا لتلك الحسابات الثقيلة، حيث يمكن للفكرة أن تُجرّب قبل أن تُقاس، وللخيال أن يُخطئ من دون أن يُعاقب فورًا.

تجربته لا تُختصر في معارك عابرة أو في قرارات إدارية أو في خلافات شخصية، بل في ذلك الإصرار الهادئ على أن يظل المسرح مساحة تفكير، قبل أن يكون مساحة عرض.

مساحة يمكن فيها للفن أن يظل حيًا، لا لأنه معزول عن العالم، بل لأنه يصر على أن يفهمه من الداخل.

***

مروان ياسين الدليمي

حينما قرأت قصيدة الدكتور، عيدروس النقيب (ذات المقام الأرفع) قبل أيام في صفحته. احسست بحالة من المتعة والذهول وشاركتها في صفحتي على طول بعنوان (ابن سينا وابن النقيب وقلق البحث عن المعنى) استوقفتني بقدرتها التعبيرية على حمل الأفكار الفلسفية على اجنحة الصور الشعرية البديعة. قصيدة عمودية طويلة جاءت في ٦٢ بيتا شعريا فصيحا موزعة في ستة اعمدة بتناسق بنائي مقصود الشكل والمعنى. نشرها الشاعر لأول مرة بعنوان (فتشت عن ذات المقام الأرفع” في مارس ١٩٩٧م، أبين. ولهذا المكان والزمان دلالة بالغة الأهمية في حياة الشاعر، الدكتور عيدروس نصر ناصر النقيب، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني الذي وقع أمينه العام في ٢٢ مايو ١٩٩٠ (علي سالم البيض) اتفاقية الوحدة اليمنية الاندماجية مع صنوه القادم من صنعاء (علي عبدالله صالح) رئيس المؤتمر الشعبي العام ورئيس الجمهورية في نفق التواهي المظلم. حكاية يطول شرحها.

ثلاثة سنوات فقط مرت على حرب اجتياح الجنوب الغاشمة وقلع أظافر وأنياب الحزب الاشتراكي الذي كان حاكما في عدن لمدة ٢٣ عاما منذ نيل الاستقلال الوطني من الاستعمار البريطاني في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧ وحتى نفق التواهي في ٢٢ مايو ١٩٩٠م مدة ليست طويلة في حياة الدول والشعوب ولكنها كان مؤثرة جدا بالنسبة لجيلنا نحن جيل الثورة والاستقلال، مواليد ستينيات القرن العشرين. كانت تلك اللحظة بالنسبة لجيلنا الذي ولد مع الثورة هي لحظة ثورية بامتياز وكنا نستلهم الإبداعات الثورية الأتية من كل مكان ومنها الأدب القادم من الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي اتذكر منها: رواية كيف سقينا الفولاذ، لنيكولاي أوستروفسكي ورواية الأم لمكسيم غوركي ورواية الحرب والسلام، وفارس الرمال ورجال تحت الشمس والحلم القادم والمتشائل وخطابات عبدالناصر وجيفارا وبابلو نيرودا وعبدالفتاح إسماعيل، دق أمريكة وإسرائيل وغير ذلك من الرموز والأحلام التي كنا نعيشها في مراهقتنا. مازلت اتذكر تلك الكلمات المجنحة التي جعلتني اتسمر وأنا استمع اليها من اذاعة عدن الحبيبة في برنامج صباح الخير يا وطني، كلمات مفحمة بالحلم والسحر والأمل والثقة بالذات وبالمستقبل. جاء فيها: على هذه الأرض التي تضم رفاة أسلافنا... على هذه الأرض التي رويت بدماء شهدائنا.. وفي هذه الأرض التي سقيت بعرق جباه آباءنا.. مات الذي عاش دون أن يشك بان الفجر صالح لكل الأعمار، وأن الشمس تشرق كل يوم من جديد وأن الحرية تنتزع بارادة الأحرار ولا تمنح للعبيد. حينما مات فكر بالولادة وكتب تلك العبارة: هنا غرست شجرة الحياة التي سوف تنمو وتزهر وتثمر بالألف الرجال والنساء الأحرار؛ أطباء ومهندسين وتجار وفلاسفة وعلماء ومعلمين ورجال دين وكتاب وصحفيين وسياسين ومثقفين وشعراء وفنانين وصيادلة وعمال وفلاحين وعسكريين ومن كل الاختصاصين والأجيال هم وهن من تزهر بهم شجرة الحياة؛ حياة الأوطان ويزهرون على أغصانها بألف وجه ووجه من الجمال الفتان. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة! كنت استمع اليها وأنا اطّير من الفرح بما تحمله من شحنة ايجابية من المشاعر الرمانسية والأحلام الثورية التي كانت تمدنا بالزاد الروحي في واقع شديد البؤس والتخلف حين ذاك لم نكن ندرك أبعاده الوعيرة. كان الدكتور عيدروس النقيب من الجيل السابق لنا ممن عاشوا مرحلة الصراعات الخطرة؛ تلك اللحظة التاريخية اليسارية الخاطفة في جنوب شبه الجزيرة العربية. ربما بيننا عشرة سنوات فقط. في الواقع كان صوت الايديولوجيا وضجيجها الصاخب يخفي القدرات الحقيقية للأفراد الذين كانوا يمثلونها انذاك حينما كان لا (صوت يعلو فوق صوت الحزب! أو الحزب هو الذي يوجّه البندقية وليس العكس! وغيرها من شعارات مرحلة العنف الثوري المنظم، صوت الايديولوجيا اليسار العالي الذي أخفى الصوت الإبداعي للكثير من المواهب التي ماتت أو اختفت في تلك الأيام الرهيبة.

كان عيدروس النقيب سليلة عائلة يافعية عريقة تجيد الشعر الشعبي الحكمي. إذ علمت إن جده هو الشعبي صالح طالب بن معبد الذي اشتهر بزامله الحكيم الشهير بزامل جهنم إذ إنشد في لحظة بالغة الحساسية والتوتر بأبيات حاذقة. أطفت فتنة كانت مشتعلة بقوله:

الله يحي كـل مـن حيا بنا

قفـل جهـنم لا تفـك ابوابها

ظنّه حجر ياجور من شامخ عجي

عوجا عجية والعجي قلابها.

كان جد عيدروس شاعرا حكيما فضلا عن تفوقه في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وابتعاثه للدراسات العليا في دولة بلغاريا الاشتراكية، حيث الدراسة الجامعية تخصص الفلسفة وهناك حضر رسالة الماجستير وأطروحته في الملامح المادية في الفلسفة السينوية نسبة إلى إن سينا فضلا عن مواهبه الإبداعية الأخرى منها نظم الشعر وإجادة العزف على العود والغناء وربما الرسم. التشكيلي تلك المواهب المتعددة هي التي جعلت من عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني ينتج قصيدة (ذات المقام الأرفع) في لحظة سياسية خانقة. ثلاثة سنوات فقط من حرب اجتياح وتدمير مؤسسات دولة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن) حدث كل ذلك أمام نظر استاذ الفلسفة الشاعر الذي يرى أكثر الأشياء عادية بعيون شعرية فالشعر مثل الحب؛ حالة شعور مكثفة من الجذب الروحي للكائن الحاس المرهف الحواس يندمج فيها العقل الفعال والوجدان والانفعال والحدس والإحساس والتأمل والحيرة والدهشة والكشف والفرح والحزن والغضب والرغبة في التعبير عن اللحظة وفهم معناها وتجاوزها. وهكذا يظل الشعر مثل غيره من أشكال الفنون الإبداعية والفكرية مرهون بالقدرات الذاتية للأشخاص القادرين على مناوشته بوصفه حالة معقدة من وعي العالم والذات كما عبر الفيلسوف أحمد نسيم برقاوي ” فهو يرسم باللغة أعماق اللاشعور الذي صار شعوراً شعرياً والشعور الذي يرهق كاهل النفس إذا لم يخرج من النفس لغة. والنفس هنا هي الذات بكل تكويناتها. ويتأسس الوعي الجمالي بانزياح للغة عن الأشياء عبر صياغة علاقة جديدة بالأشياء لا وجود لها في الواقع لكنها بنت الواقع” فأجمل الشعر هو نتاج هذه اللحظة المتمردة التي تستحوذ على وجد الشاعر وتسيطر عليه قاطعة كل صلته بالعادي والروتيني اليومي المباشر إي الحياة بلا مزايا التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، الذي نعيشه في عالمنا الواقعي المعيشي الحي الفوري، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ ملموسيتها وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلبر دوران بـ «الجو الخانق» في تلك اللحظة الخانقة والضيق والمحنة حضرت الطاقة الإبداعية الثقافية للقيادي الأشتراكي الذي كان مخفيا بسبب ايديولوجيا (الصوت العالي) وربما رفعت تلك الايديولوجيا من اشخاصا ليس لديهم إي مميزات أو مواهب جديرة بالقيمة والاهمية والاعتبار. قليلون جدا هم الذي صمدوا بما لديهم من قدرات إبداعية في ذواتهم الفردية والدكتور عيدروس النقيب هو أهم شخصية مثقفة من حطام اليسار اليمني، فهو الفيلسوف والناقد والشاعر والفنان والروائي والقاص وكاتب الرأي وما زال يبدع ويتحف الناس بإبداعات متميزة في مختلف المجالات الثقافية الإبداعية.

والثقافة هي ما يبقى بعد خراب كل شي! فضلا عن كونه حيلتنا الوحيدة في أزمنة المحن والتحديات الصعيبة. اختفى معظم قيادات الحزب الاشتراكي اليمني التي كانت تتصدر المشهد منذ ١٩٦٧م دون إن تترك أثرا يدل عليها بينما ها هو عيدروس النقيب يزدهر كل يوم بابداعاته ومنها قصيدة (ذات المقام الأرفع) إذ تُعدّ من الأعمال الشعرية العميقة التي تتجاوز المحاكاة الأرسطية إلى التأمل الفلسفي، حيث ينسج الشاعر رحلة بحثٍ مضنية عن “معشوقة” رمزية تتجاوز الحسيّ إلى المعنوي، مُستخدمًا لغة شاعرية غنية بالصور البلاغية والمعاني الميتافيزيقية. إذ جاءت القصيدة في ٥٧ بيتا من النمط العمودي الفصيح

" فتشت عن ذات المقام الأرفعِ

وبحثت عنها في الفضاء الأوسعِ

معشوقةٌ محجوبةٌ أسرارها

"وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ"(1)

أنثى بلا جسمِ ولا لوناً لها

وجميلةٌ فوق الجمال الأبدعِ

إني أغامر في هواها مغرماً

وأهيم في عشقي لها وتطلُّعي

أهفو إليها في صبابةِ مولعٍ

وأذوب في شوقي وجمر تولُّعي

"أنا لست بالحسناء وحدي طامعاً

كم راغبٍ في وصلها كم طامعِ(2)

يتغزلون بحسنها وجمالها

يتذللون لقربها بتمتعِ

يتسابقون إلى رضاها كلّما

لاحت من الآفاق بعض توقُّعِ

حتى إذا ما شهادوا أطيافها

وتوهّموا قرب اللقاء الممتعِ

زادت غموضاً رائعاً وتدلّلاً

وترفّعت في الوصل أي ترفُّعِ

**

ولقد سألت الضوء عنها والدجى

فإذا هما متحيران لمطمعي

لم يدركا ما مقصدي، ماغايتي

لم يفصحا عن أي ردٍّ مقنعِ

وبحثت عنها في السماء مفتشاً

بين الكواكب والنجوم السطَّعِ

فإذا النجوم تناثرت أضواؤها

تسعى لجمع حصيلةٍ لم تجمعِ

ولكم سألت البحر عنها حائراً

وركضت ركض اللَّاهث المتتبعِ

فتضاحكت أمواجهُ من مطلبي

واستنكرت شطآنهُ ما أدَّعي

ورجعت أبكي خيبتي ومرارتي

والبحر يلهو ساخرا من مرجعي

**

وبحثت عنها في القصور منقباً

وسالت في الأكواخ دون تورِّعِ

وهرعت في الغابات عنها باحثاً

ونشدتها في الدارسات الأربعِ

فإذا الذي القصر يلهو عابثاً

وإذا الذي في الكوخ مثلي لا يعي

وإذا الذي في الغاب مثلي حائرٌ

وإذا الرياح تهزُّني من موضعي

ولقد شممت من الزهور عبيرها

فظننتها في عطرها المتضوعِ

وزعمت أني في الكؤوس جرعتها

فإذا خلاف الوهم لم أتجرِّعِ

وعجبت من سجع الطيور فخلتها

فيه فلم تَكُ في غناء السجَّعِ

ولمحت في ماء الجداول طيفها

فحسبتها في الجدول المترعرعِ

فإذا المياه تساءلت محتارةً

عنها وعن إسفارها المتقنِّعِ

وبحثت عنها في المنام فلم أفز

إلاّ بحظّ الواهم المتضعضعِ

أمعنت في صوت الرعود تحرّياً

عنها وفي ضوء البروق اللمّعِ

فإذا الرعود تنوح مثلي حيرةً

وإذا البروق كأنها لم تلمعِ

ذهب الربيع ولم تكن في زهرهِ

والصيف في أضوائهِ لم تسطعِ

وأتى الخريف ولم تكن في ريحهِ

ومضى الشتاء وطيفها لم يطلعِ

**

ولقد زهدت من الحياة تبتّلاً

في حبِّها المغري بغير تمنّعِ

فوأدت أهوائي بدون تردّدِ

ومضيت في درب التقاة الخشّعِ

"وهجرت أقداحي وقلبي ظامئٌ

وأبيت من قوتي ولّما أشبعِ"

وحجبت عن خضر الروابي مقلتي

وحبست عن صوت الأغاني مسمعي

وحرمت من طعم السعادة مهجتي

وسلخت آمالي التي في أضلعي

وعزفت عن وهم الغرام تعفّفاً

وسلكت درب الزاهد المتورّعِ

أرنو إليها وهي تدنو غضّةً

مني وألمسها بلمس الإصبعِ

وأظنني قد صرت من ملاّكها

وبأنها قربي بذات الموقعِ

فإذا الدنوُّ يزيد من جهلي بها

وإذا ملاكي لم تعد في الموضعِ

**

لما حسبت بأنني قد نلتها

وفرشت روحي للعناق المزمعِ

ألفيتني ما نلت إلا ظلّها

من بعد ما قد خلتها كانت معي

ووجدتني ما ذقت إلا علقماً

منها ولم أظفر سوى بتصدّعي

قد كنت أحسب أنني عانقتها

فإذا الملحية تختفي من مضجعي

"لما حلمت بها حلمت بصهوةٍ

لا تمتطى وبقمَّةٍ لم تطلعِ"

أسعى إليها طامعاً في بعضها

أو كلها فكأنني لم أطمعِ

من كان ينوي الانفراد بوصلها

خسر الرهان بحلمه المتقوقعِ

"لم يجدني فيها شبابٌ طائشٌ

لم يدنني منها ذكاء الألمعي"

"فتزعزعت في الوصل أحلامي بها

وهي التي من قبل لم تتزعزعِ"

وبلعت مأساتي وطلّقت المنى

ومضيت أحسو شكوتي وتضرّعي

غمر الأسى روحي وزادت لوعتي

وغرقت في يأسي وفاضت أدمعي

**

وعلمت بعد اليأس أن حبيبتي

موجودةٌ ملء الوجود الأوسعِ

موجودةٌ في الشهد والُصبَّار في

صوت الأغاني والنحيب المفجعِ

موجودةٌ في الرجس في الإحسان في

القرآن في فعل الطغاة الأبشعِ

في كل شيء ظاهرٍ أو باطنٍ

في الشامخ السامي وفي المتواضعِ

وبأنها مثل الهواء مباحةٌ

ومشاعةٌ مثل النهار الطالعِ

تأتي لمن يسعى إليها صادقاً

ويصونها في رهبةٍ وتخشّعِ

نمضي الحياة تسابقاً في وصلها

ونغيب عنها كالقطار المسرعِ

وتظل خالدةً كنهرِ دافقٍ

بوميضها المتألق المتدافعِ

أزليةٌ مثل الوجود وجودها

أبديةٌ بعد الفناء المفزعِ

جزئيةٌ كالكون في أجزائهِ

كليةٌ كالدهر لم تتوزّعِ

ملء المكان بصمتها وضجيجها

ملء الزمان بوهجها المتشعشعِ

أبين مارس 1997م

ولا يخفي الشاعر تأثره بالفيلسوف ابن سينا الذي تخصص بفلسفته وقصيدته المشهورة في النفس الذي قال فيها:

" محجوبةٌ عن كل مقلةِ عارفٍ

وهي التي سَفَرَتْ ولم تتبرقعِ

ظاهرُها غيبٌ، وباطنُ سرُّها

قد احتجبَتْ عن كل ذي تطلعِ

هي جوهَرٌ قد جلّ عن إدراكِنا

لطفًا، وتدركه العقولُ بمرجعِ

وإذا نظرتَ إلى الزمان وأهله

علمتَ أن الأمر ليس بمخدعِ

فانظرْ، وتأملْ في النفوس فإنها

عجَبٌ عجابٌ في الأمور المرجعِ"

فكلمة “المقام الأرفع” تحمل دلالات صوفية وفلسفية وسيكولوجية، إذ تُشير إلى درجة من الكمال أو القرب من الحقيقة المطلقة. وربما تحكي تجربة الشاعر الحياتية الذي عاش تجربة سياسية واجتماعية معقدة في اليمن، يمكن قراءة القصيدة كتعبير عن الإحباط من الواقع السياسي والاجتماعي، أو كسعي لاستعادة قيم إنسانية عليا فقدت وسط الصراعات.

وقد عبر القصيدة عن عرى العلاقة بين الأدب والفلسفة المتأصلة في تاريخ الثقافة الإنسانية بوصفها كل التطور الدائم المستمر بالعلم والفن والأدب. تلك هي الثقافة بالمعنى الواسع لها. بَيْدَ أنَّ العلاقة بين الفلسفة والأدب ليست ذات بُعْدٍ واحد، بل إنَّ الوشائج التي تربطهما أفضت إلى تأثير متبادل بينهما. فإذا كانت الفلسفة قد مارست تاثيرًا على الأدب والفن والثقافة منذ ملحمة جلجامش، فإنَّ الأدب بدوره أثَّر تاثيرًا كبيرًا على إنضاج وتفتُّق واندياح المزاج والقلق الفلسفي الوجودي في أوروبا منذ القرن التاسع عشر تقريبًا. حيث يمكن القول: إنَّ القلق المحموم بشأن الذات المغتربة بدأ أوَّل ما بدأ في رحاب الأدب الحديث، وذلك مع زيادة وعي الإنسان وإحساسه المتوتر بالذات الفردية محاولًا فهمها. بسبب النزعة الفردية، وازدياد مفهوم الإنسان لدى الإنسان، وزيادة وعي الانسان بالحرية وظمأ مقابل للحرية الواقيعة المفقودة. ويرى كامو" أن المسألة هي مسألة شعور بالذات متزايد الاتساع نشأ لدى الإنسان خلال مغامراته لتأكيد وجوده" وسوف نلاحظ أن الكثير من المشكلات التي اهتم بها كامو وأقرانه – كالذات والاغتراب، والحرية، والموت، والتمرُّد، والقلق. إلخ كانت مثار اهتمام أساطين الأدب الحديث أمثال "شكسبير، غوته، دوستويفسكي، هولدرين.. منذ ردْح طويل من الزمن، ولعل هذا ما حدا بهيدجر أن يكتب كتابًا خاصًّا عن الشاعر الألماني "هولدرين والشعر" مميطًا اللثام عن ما تنطوي عليه أشعاره من روح فلسفية ميتافيزيقية. فإذا كانت صرخة شكسبير على لسان بطل مسرحيته "هاملت" (نكون أو لا نكون) تنصح بتحدِّي العدمية والهجران في عالم غربت عنه الأصنام والآلهة. وهكذا بدأت الفلسفة آدبًا أسطوريًّا ثم أمّا للعلوم وفي الأخير عادت إلى الأدب لتجعل منه حصان طروادة لتسرُّب الأفكار الفلسفية. في ضوء هذا يمكننا النظر إلى قصيدة عيدروس النقيب فإذا افترضنا أن القصيدة تعكس تجربة النقيب كسياسي وأكاديمي مثقف، فقد تكون رحلة البحث هذه استعارة لمحاولته إيجاد توازن بين المثالية الفكرية والواقعية السياسية. اليمن، بتاريخه الحافل بالتحديات، يوفر خلفية غنية لمثل هذه التأملات. ربما يعبر الشاعر عن شعور بالاغتراب أو الفقدان، حيث يجد نفسه عاجزًا عن تحقيق “المقام الأرفع” في ظل الفوضى والانقسامات.

ويمكن تأويلها بوصفها رحلة الشاعر في البحث عن “ذات المقام الأرفع” معشوقة رمزية تُجسّد قيمة عليا أو حقيقة مطلقة، قد تكون الحرية، أو العدالة، أو الحقيقة، أو الحكمة، الله، أو النفس البشرية، الروح..الخ معشوقة تتسم بالغموض والتجريد، فهي “أنثى بلا جسم ولا لون”، و”محجوبة الأسرار” طبيعتها المتعالية التي تتجاوز الإدراك الحسي إذ يفتش الشاعر عن معشوقته في الطبيعة (الضوء، الدجى، البحر، النجوم)، في المكان (القصور، الأكواخ، الغابات)، وفي الزمان (الأيام والفصول الأربعة)، لكنه يصطدم بخيبة الأمل من عدم العثور عليها ثم يلجأ إلى الزهد والتبتل والتخلي عن الملذات الحسية فيما يشبه النيرفانا الهندية، ظنًا منه أن يجدها في لحظة كشف صوفية، لكنه يكتشف أن التقرب الحسي أو الروحي لا يكفي للأمساك بها رغم أنه يدرك قربها منه فهي ليست بعيدة، بل هي “موجودة ملء الوجود الأوسع”، متجلية في كل شيء، ظاهر وباطن، خير وشر، وهي متاحة لمن يسعى إليها بكل جوارحه العقلية والعاطفية بحماسة وحب وخشوع وقناعة في المقصد والهدف. لاحظت أن القصيدة تُحاكي التجربة الصوفية، ومقاماتها في الشوق، الفناء، والاتحاد. إذ تذكر لغة النقيب بقصائد جلال الدين الرومي أو ابن الفارض هذا من جهة ومن جهة أخرى تحذو حذو ابن سينا في تأمل النفس البشرية بقصيدته المشهورة يُبرز تأثر النقيب الفلسفة السينيوية الإسلامية لاسيما في وحدة الوجود كما عرفها المعلم الثاني بقوله إن واجب الوجود هو الذي إذ تصورته غير موجودا نجم عن تصورك محال. كما يكن رصد تأثر عيدروس النقيب بالشاعر المهاجر إيليا أبي ماضي وقصيدته العنقاء بما حملته من تباريح الشوق إلى المثالية والتغني بالجماليات المتعالية،كما جاء فيها:

أنا ليست بالحسناء أول مولع

هي مطمع الدنيا كما هي مطمعي

فاقصص علّي إذا عرفت حديثها

واسكن إذا حدّثت عنها واخشع

ألمحتها في صورة؟أشهدتها

في حالة؟ أرايتها في موضع؟

إني لذو نفس تهيم وإنها

لجميلة فوق الجمال الأبدع

ويزيد في شوقي إليها أنها

كالصّوت لم يسفر ولم يتقنّع

فتّشت جيب الفجر عنها والدّجى

ومددت حتى للكواكب إصبعي

فاذا هما متحيران كالاهما

في عاشق متحير متضعضع

وإذا النجوم لعلمها أو جهلها

مترجرجات في الفضاء الأوسع

رقصت أشعتها على سطح الدجى

وعلى رجاء فيّ غير مشعشع

والبحر... كم سائلته فتضاحكت

أمواجه من صوتي المتقطّع

فرجعت مرتعش الخواطر والمنى

كحمامة محمولة في زعزع

وكأنّ أشباح الدهور تألبت

في الشطّ تضحك كلّها من مرجعي

ومن لا يعرف الدكتور عيدروس نصر النقيب اليكم سيرته الذاتية

- د عيدروس نصر ناصر نقيب بن معبد

- من مواليد 22 يناير 1955م في منطقة العمري مديرية رصد يافع محافظة أبين.

- أنهى تعليمه الابتدائي في مدرسة رخمة الابتدائية بمديرية رُصُد، محافظة أبين وحصل على دبلوم معلمين من دار المعلمين أبين في العام1977م.

- عمل معلماً ومديراً لإعدادية رُصُدْ.

- حصل على شهادة الماجستير في الفلسفة العامة من أكاديمية العلوم الاجتماعية في بلغاريا في العام 1988م.

- عمل سكرتيراً لدائرة الثقافة والتربية في المكتب التنفيذي لمجلس الشعب المحلي لمحافظة أبين حتى العام 1991م.

- في العام 1994م حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة العربية الاسلامية من جامعة صوفيا في جمهورية بلغاريا عن أطروحة الدكتوراه الموسومة بـ" المنظومة الفلسفية عند الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا".

- نشر العديد من الدراسات الفلسفية والفكرية والمقالات النقدية وعدد من القصائد الشعرية والقصص القصيرة في الصحف والمجلات والدوريات المحلية والعربية.

صدر له:

1. "أقسمت أن أبتسم" مجموعة قصصية، مركز عبادي، صنعاء، طبعة أولى 2003م، طبعة ثانية 2009م

2. "معادلة الجمر والفرح" مجموعة شعرية، مركز عبادي صنعا 2003م

3. "ملصقات على جدران الذاكرة" مجموعة شعرية، اتحاد الأدباء والكتاب، مركز عبادي صنعاء، 2003م

4. "ظِلال الشوك" مجموعة شعرية، مركز عبادي، صنعاء، طبعة أولى 2003م، طبعة ثانية، 2009م

5. "أهل الحسب والنسب" مجموعة قصصية، وزارة الثقافة صنعاء 2004م

6. "ذاكرة الإسفلت" مجموعة قصصية، مركز عبادي، صنعاء 2004م

7. "جمعية الفتنة الخيرية" مجموعة قصصية، مركز عبادي صنعا 2005م

8. "ابن سينا - من فلسفة الطبيعة إلى الفلسفة السياسية والاجتماعية" دار جامعة عدن، 2007م

9. "همس اليراع"، آراء ومواقف في الحياة السياسية اليمنية، مركز عبادي، صنعاء 2008م

10. "من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة العربية الإسلامية"، دراسة فلسفية تاريخية، مركز عبادي، صنعاء 2009م

11. "درس في الشرف والأمانة" مسرحيات، مركز عبادي، صنعا، 2009م

12. "لا شريف بعد اليوم" مسرحيات مركز عبادي، صنعاء، 2010م

13. "ملتقى الأرواح والأغاني" مجموعة شعرية، مركز عبادي، صنعا، 2011م

14القضية الجنوبية وإشكالية الهوية، دراسة تحليلية سياسية تاريخية، دار يسطرون، القاهرة 2023م

15. حنين الأماكن، رواية، دار يسطرون القاهرة 2023م

16. بالروح بالدم نفديك يا جلاد، مسرحية، الدار اليمنية للكتب والتراث، القاهرة، 2023م

17. أوراق من دفتر العشاق، قصائد غنائية، بالعامية، الدار اليمنية للكتب والتراث، القاهرة، 2023م

18- (همس اليراع 2)، اليمن ولعنة الثنائيات، دار الشواهين للنشر والتوزيع، القاهرة، 2024م.

19- (همس اليراع3) قضية شعب الجنوب..الموعود والمشهود، دار الشواهين للنشر والتوزيع، القاهرة، 2024م

له تحت الطبع:

1. (همس اليراع 4)، يوميات الحرب على عدن.

2. (همس اليراع 5) طموحات وتحديات جنوبية.

3. عذراء البحر والجبل، مجموعة شعرية.

4. من مهرجان البوح، مجموعة شعرية.

5. جئت منها إليها، مجموعة شعرية.

صدر له بحوث ودراسات:

1. "ابن رشد، وفلسفة التوفيق بين الحكمة والشريعة" مجلة الثقافة، العدد، 48، صنعاء 1996م

2. "الفارابي وفلسفة المدينة الفاضلة" مجلة الحكمة اليمانية، 88،صنعاء، 1996م

3. "ابن باجة، وفلسفة البحث عن السعادة في المدينة الفاسدة" مجلة الحكمة اليمانية، العددين، 91، 92م، صنعاء، 1997م

4. "أزمة العلاقة بين الكم والنوع في العملية التعليمية في الوطن العربي" منتدى البرلمانيين العرب للتربية والثقافة والعلوم، بيروت، 2007م

5. "أحزاب المعارضة العربية، والتوفيق بين الممارسة الديمقراطية ومواجهة السلطات الاستبدادية"، ندوة البرلمانيين العرب، بيروت، 2008م

6. "التعددية الحزبية وتجربة الانتخابات اليمنية"، ندوة المعارضة البرلمانية العربية، بيروت، 2009م.

7. "القضية القومية في فلسفة أنطوان سعادة"، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة عدن، العدد 15، عدن 2012

8. "الثورة السلمية اليمنية، وتحدياتها: المؤسسة العسكرية، القضية الجنوبية، قضية صعدة"، ندوة المركز العربي للدارسات وأبحاث السياسات، الدوحة، 2012م

9. "النقد الأرسطي لنظرية المُثُل الأفلاطونية"، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة عدن، تحت الطبع.

له مخطوطات:

1. مواكب وعناكب، مجموعة قصصية

2. "فلسفة المدينة بين الفارابي وابن رشد"، كتابات فلسفية.

3. "نظرية النفس عند ابن سينا وابن رشد"، كتابات فلسفية.

4. "الفلسفة الذرية بين المعتزلة والأشاعرة"، كتابات فلسفية.

5. "نظرية العقل في الفلسفة العربية الإسلامية" كتابات فلسفية.

6. نقد العقل السياسي الجنوبي.

7. "شغف الأزمنة"، الجزء الثاني من رواية "حنين الأماكن"

8. " مقدمة في علم النفس التربوي".

9. موسوعة الفلاسفة العرب والمسلمين.

- أستاذ مساعد في جامعة لحج.

- عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وعضو اتحاد الكتاب العرب.

- عضو المنظمة العالمية للبرلمانيين ضد الفساد، وعضو مؤسس لفرعيها العربي واليمني.

- عضو منتدى البرلمانيين العرب للتربية والثقافة والعلوم.

- عضو الشبكة البرلمانية للبنك الدولي

- مؤسس ومدير مدرسة المستقبل، العربية في مدينة شيفيلد البريطانية 2015-2017م

- رئيس الإدارة العامة للعلاقات الخارجية للمجلس الانتقالي الجنوبي 2017-2021م.

- رئيس مركز شمسان للدراسات والإعلام.

- رئيس تحرير جريدة شمسان.

- رئيس المؤسسة الجنوبية للدراسات والبحوث الاستراتيجية 2022-2024م).

- حائز على ميدالية التفوق العلمي مرتين للعام الدراسيين 1977م، 1988م

- متزوج وأب لخمسة أبناء وثلاث بنات هم : محجوب، ماهر، مراد، ملاك، منال، مها، محمد ومهند.

***

ا. د. قاسم المحبشي

...........................

(1) تضمين محوّر لقول الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا في قصيدته عن "النفس"

(محجوبةٌ عن كل مقلة عارف

وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ

(2) كل مابين القوسين عبارة عن تضمينات محورة لعبارات وردت في قصيدة إيليا أبي ماضي "العنقاء".

تأملات في دلالة الاحتفال

يوم الاثنين الموافق 27 إبريل 2026م ارتدت هولندا لونها البرتقالي من أقصى شمالها إلى جنوبها، إذ بدا المشهد الاحتفالي البهيج وكأن البلاد كلها تدخل حالة وجدانية مشتركة، تستعيد فيها معنى عميقًا للعلاقة بين الإنسان وأرضه، بين المجتمع والدولة، بين الخطر والحياة. في السابع والعشرين من أبريل، يوم يوم الملك، يتحول اللون البرتقالي إلى لغة جامعة، إلى شعور مرئي يفيض في الشوارع والبيوت، حتى ليبدو وكأنه إعلان غير مكتوب عن طاقة جماعية تعيد وصل ما تفرّق في الأيام العادية، وتؤكد أن المجتمع، حين يكون متماسكًا، قادر على أن يحتفل بنفسه كما يحتفل برموزه. ادهشني مشهد تحول اللون البرتقالي إلى لغة عامة، إلى شعور مرئي يفيض في الشوارع والبيوت والقلوب، حتى ليبدو وكأنه تعبير جماعي عن طاقة الحياة نفسها، تلك الطاقة التي تجمع بين حرارة الأحمر وإشراق الأصفر، فتولد إحساسًا بالحيوية والبهجة والتوازن ففي هولندا البرتقالي ليس مجرد لونًا فقط، بل حالة ذهنية، دعوة إلى التفاعل، إلى الفرح، إلى الخروج من عزلة الفرد نحو دفء الجماعة. هو لون يشبه بداية جديدة، كأن الزمن يمنح الناس فرصة لتجديد علاقتهم بالحياة، وتخفيف ثقل الماضي، والانفتاح على أفق أوسع.

في مدينة دوكوم التي تحمل تاريخًا عريقًا، لم يكن حضور الملك وعائلته هناك استعراضًا رسميًا بقدر ما كان مشاركة حقيقية في نبض الحياة اليومية للناس. حين يرتدي الملك الزلاجات ويشارك المواطنين التزلج، أو يجرب لعبة “كاتسن” التقليدية، أو يقف متأملًا عروض “فيرليبين” التي تتحدى الجاذبية، فإن المسافة بين الحاكم والمحكوم تتلاشى، وتتحول السلطة إلى علاقة إنسانية أقرب إلى الألفة منها إلى الهيبة.

العيد الملكي البهيج لا يمكن فهمه بمعزل عن القصة الأعمق التي صنعت هولندا ذاتها؛ تلك القصة التي لم تبدأ بالسياسة ولا بالاقتصاد، بل بالماء. فهذه البلاد ليست مجرد رقعة جغرافية مستقرة، بل كيان تشكّل تاريخيًا في مواجهة دائمة مع قوة طبيعية لا تهدأ: البحر والأنهار. هنا، حيث يقع ثلث الأرض تقريبًا تحت مستوى سطح البحر، وحيث تتشابك دلتا أنهار مثل نهر الراين ونهر المايز ونهر سخيلده قبل أن تصب في بحر الشمال، لم يكن الماء يومًا عنصرًا محايدًا، بل كان قدرًا يوميًا، وامتحانًا مستمرًا، وسؤالًا وجوديًا: هل يمكن للإنسان أن يعيش هنا أصلًا؟

وهذا ما تناولته في دراسة معمقة سوف تنشر في العدد القادم بمجلة حوريت الحضرمية بعنوان (امستردام المدينة التي روضة البحار) فمنذ العصور الوسطى، لم يكن أمام سكان هذه الأراضي المنخفضة سوى خيارين: الانسحاب أو المواجهة. ولم يختاروا المواجهة بمعناها الصدامي البسيط، بل اختاروا طريقًا أكثر تعقيدًا: الفهم والتنظيم. لم يعاملوا الماء كعدو مطلق، بل كقوة يجب دراستها، والتفاوض معها، وإدارتها بقدر ما تسمح به المعرفة. وهكذا بدأت قصة السدود، ثم تطورت إلى شبكة معقدة من الحلول الهندسية، من الطواحين الهوائية التي ضخّت المياه خارج الأرض، إلى المضخات الحديثة، إلى مشاريع عملاقة أعادت رسم الحدود بين اليابسة والبحر.

فرض الماء على الناس أن يتعاونوا، لأن الخطر لا يميز بين غني وفقير، ولا يعترف بحدود الملكيات. إذا انهار السد، غرق الجميع. ومن هذه الحقيقة البسيطة نشأت فلسفة كاملة في الحكم: المشاركة، التوافق، وتقاسم المسؤولية.

ف“نموذج البولدر” الهولندي الشهير أي -تلك الأرض التي لم تكن موجودة ثم صارت موجودة بفعل الجهد الجماعي- ليست مجرد إنجاز هندسي، بل فكرة حضارية: أن الإنسان قادر على أن يخلق شروط حياته إذا امتلك المعرفة والإرادة والعمل المشترك. وكما أن الأرض تُحمى بالسدود، فإن المجتمع يُحمى بالقانون، والنظام السياسي نفسه يصبح شبيهًا بسدٍّ كبير، إذا ضعف جزء منه انهار كله.

يمكن فهم الدلالات الاجتماعية للاحتفالات الشعبية في كل المدن والقرى الهولندية بلا استثناء بعيد ميلاد ملكهم فيليم ألكساندر التاسع والخمسون إذ ولد في 27 إبريل 1967م فالاحتفال يعد تعبيرًا عن هذا التوازن العميق بين الدولة والمجتمع. إذ بدأ الملك وسط شعبه فردًا من العائلة الكبيرة التي اسمها الشعب. وهذا ما منح الاحتفال قيمته التي خاطري؛ الاحتفاء بفكرة الدولة التي استطاعت أن تصوغ علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، علاقة تقوم على الثقة لا الخوف، وعلى المشاركة لا الإكراه فما الذي يجعل دولة ما قادرة على أن تبدو كأنها بيت كبير يحتضن أبناءه؟ ولماذا يشعر الإنسان في بعض الأماكن أنه غريب، حتى لو كان في وطنه، بينما يشعر في أماكن أخرى أنه في حضن أم حانية، حتى لو لم يولد فيها؟!

فالدولة في هولندا هنا ليست سلطة مفروضة من الأعلى كما هو حال النظم السياسة العربية، بل هي امتداد منظم لإرادة جماعية تشكّلت عبر قرون من التحدي المشترك. وحين ينزل الملك إلى الشارع، ويشارك الناس ألعابهم وأنشطتهم في مدن مثل دوكوم، فإن ذلك لا يُقرأ كاستعراض، بل كدليل على أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست علاقة مسافة، بل علاقة انتماء داخل بيت واحد أي الدولة بوصفها بيتًا للشعب. ليس بيتًا بالمعنى المجازي البسيط، بل بيت العائلة الكبير، الذي يمنح الحماية والدفء والأمان، ويتيح في الوقت نفسه النمو والازدهار. بيت يشبه الأم الحانية، لأنها تعرف كيف توازن بين الرعاية والانضباط، بين الحب والمسؤولية. في هذا البيت، لا يخاف الإنسان من الغد، لأنه يعلم أن هناك نظامًا يحميه، ومؤسسات ترعاه، ومجتمعًا يعترف بإنسانيته وقد عبّر الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا 1632 - 1677م إذ كتب قائلا:

" ليست الغاية القصوى للدولة أن تهيمن على الناس، ولا أن تكبح جماحهم بالرهبة، بل أن تحرر الإنسان من الخوف، حتى يعيش ويعمل آمناً مطمئناً كل الاطمئنان، دون أن يلحق به أو بجاره أي أذى. وليست غاية الدولة أن تجعل من الكائنات العقلانية حيوانات ضارية وآلات (كما هو الحال في الحرب) بل تمكين أجسامهم وأذهانهم من أداء وظيفتها في أمان، أن غايتهم أن توجد الناس ليعيشوا على العقل السليم الصادق ويمارسوه.... أن غاية الدولة حقاً هي الحرية" واثناء استماعي إلى صديقي المهندس المثقف الهولندي الجنسية دكتور حسين جعفر السقاف وهو يتحدث عن تجربته الطويلة في هولندا تبينت إن الفلسفة هنا تعاش حقا وفعلا في الحياة اليومية للناس. وهذا ما جعلني اعيد التفكير في وظيفة الفلسفة الحيوية. وانا اشاهد دولة إسبينوزا تتجسد في هذا المشهد الاحتفالي البهيج فالدولة هنا لا تُخضع مواطنيها، بل تمكّنهم، ولا تُخيفهم، بل تمنحهم الطمأنينة، ولا تعزلهم، بل تجمعهم في إطار مشترك من الثقة.

الدولة التي تشبه الأم الحانية لا تدفع أبناءها إلى المخاطرة بحياتهم، بل تمنحهم سببًا للبقاء. والدولة التي تفشل في ذلك، تفقد معناها الأساسي. ولهذا تبدو الدول المستقرة نعمة كبرى، لا لأنها خالية من المشكلات، بل لأنها تمتلك القدرة على إدارتها دون أن تنهار.

يتداخل المشهدان: مشهد البرتقالي الذي يملأ الشوارع في يوم عيد ميلاد الملك، ومشهد الماء الذي يحيط بالبلاد من كل الجهات. الأول يعبر عن الفرح، والثاني عن التحدي الدائم وبينهما تتشكل قصة مجتمع تعلّم كيف يحوّل التحدي إلى نظام، والخوف إلى تعاون، والجغرافيا إلى شريك. قصة دولة لم تُبنَ فقط بالقوانين، بل بالتجربة، ولم تُحفظ فقط بالقوة، بل بالثقة.

بهذا المعنى، لا يكون اللون البرتقالي البهيج الذي ارتدته هولندا أمس مجرد احتفال عابر، بل إشارة إلى حياة نجحت، رغم كل شيء، في أن تحفظ التوازن بين الماء واليابسة، بين العقل والقلب، بين الدولة والشعب وبين الراعي والرعية.

فما الذي يمنع أن تصبح فكرة الدولة بوصفها بيتًا حانيًا للمجتمع حقيقة واقعية في أماكن أخرى من هذا المعمورة ؟ ما الذي يمنع أن تتحول الفلسفة إلى ممارسة يومية للتفكير الرشيد والتنمية المستدامة، وأن تُترجم القيم السياسية الإنسانية إلى مؤسسات عامة؟ ربما لا توجد إجابة سهلة، لكن البداية تكون دائمًا في طرح السؤال. وعيد ميلاد سعيد للملك والمملكة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في السنوات الأولى التي أعقبت قيام ثورة 14 تموز 1958 شهد العراق انفتاحاً ثقافياً غير مسبوق، إذ تحررت الحياة الفكرية من القيود التي فرضها النظام الملكي، وظهرت مجلات ومنابر ثقافية جديدة حاولت أن تؤسس لخطاب فكري حديث يربط الثقافة العراقية بتيارات المعرفة العالمية. وفي هذا السياق صدرت في بغداد مجلة فكرية حملت عنوان "المثقف" ـ صدر العدد الأول منها في تشرين الأول 1958ـ لتصبح خلال سنوات قليلة إحدى المنابر المهمة التي عبّرت عن نزعة التحديث الثقافي في المجتمع العراقي. إلى جانب مجلة "الثقافة الجديدة" التي عادت إلى الصدور، ممثلة للفكر التقدمي العلمي، بعد أن كانت متوقفة بقرار متعسف عام 1954 ضمن حملة لتقييد حرية الرأي. صدر منها أربعة أعداد فقط.

أتاحت الأجواء التي أشاعتها الثورة في عامها الأول، مناخاً من الحرية، وفّر فرصاً لصدور عدد من الصحف والمجلات الأسبوعية بنهج تقدمي حر ومستقل، كما اتسعت مديات هذا المناخ نحو مدن العراق في الشمال والجنوب، إذ شهدت تلك المدن، ومنها الكردية صدور عدد من الصحف بذات النهج في تعزيز الخطوات الوطنية، وإشاعة الثقافة الحرّة، ونشر الوعي بهذه الاتجاهات.

كانت مجلة "المثقف" من بين أهم المجلات الفكرية التي صدرت آنذاك عن جمعية خريجي الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وهي جمعية ضمّت عدداً من المثقفين العراقيين الذين تلقوا تعليمهم العالي في الجامعات الأمريكية، وعادوا إلى الوطن حاملين معهم أفكاراً جديدة في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والآداب الحديثة. وقد تولى رئاسة تحرير المجلة الدكتور الطبيب مهدي مرتضى، بينما ضمّت هيئة تحريرها أسماءً ثقافية معروفة في ذلك الوقت مثل عليّ الشوك، ورحيم عجينة، وعصام القاضي، وخالد السلام، ومحمد محمود.

يمثل هؤلاء امتداداً للنخب الثقافية العراقية التي تشكّلت منذ العقد الثاني من القرن الماضي، المتأثرة بالأفكار الجديدة، فغدوا على خصومة مع المجتمع التقليدي والدولة، باعتقاد منهم بالمشروع التحرري للحداثة.

منذ أعدادها الأولى، أعلنت "المثقف" عن توجهها الفكري الواضح القائم على الدفاع عن الفكر العلمي والعقلانية الحديثة، والانفتاح على التجارب الثقافية العالمية. لم تكن “المثقف” مجلة أدبية فحسب، بل فكريّة عامة تعنى بالفلسفة والعلوم الإنسانية والنقد الأدبي والترجمة، وتسعى إلى تقديم صورة جديدة للمثقف العراقي بوصفه فاعلاً في مشروع التحديث الاجتماعي. يكفي استعراض أهم عناوين موضوعات العدد الأول منها، ليتبين للقارئ طبيعة منهج المجلة وتوجهاتها الفكرية. فقد اهتمت بترجمة نصوص من الفكر الغربي الحديث، وعرضت قضايا الفلسفة والعلوم الاجتماعية المعاصرة، كما تابعت التحولات التي كانت تشهدها الثقافة العربية والعالمية. وفي الوقت نفسه كانت المجلة تنتمي إلى التيار التقدمي اليساري الذي كان فاعلاً في الحياة الثقافية العراقية آنذاك، ولذلك دافعت عن قيم العدالة الاجتماعية وحرية الفكر وحق الشعوب في التقدم.

تضمن العدد الأول قصائد للشعراء عبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد. وحسن البياتي، ومقالات في السياسة والاقتصاد لصفاء الحافظ، وإبراهيم علاوي، وحافظ التكمه جي، وحسين العلاق، ونوري الكاظم. ورحيم عجينة. وقصة قصيرة ليحيى جواد، وأخرى ترجمها حسين العامل عن القص الجيكي، ومقالة علمية في الفيزياء ترجمها عبد الجار عوض. وأخرى في السينما، وترجمة عن جوليو كوري لخالد السلام. وكتبَ الشوك عن أثر الموسيقى العربية في الموسيقى الغربية.

كما أسهمت المجلة في دورها في تحديث الخطاب الثقافي بإدخال عدد من المفاهيم الحديثة إلى النقاش الثقافي العراقي. إذ فتحت صفحاتها لموضوعات مثل العلمانية الثقافية، الفكر العلمي، نقد التراث، دور المثقف في المجتمع، وقضايا الأدب الحديث. كما نشرت دراسات نقدية وترجمات لأعمال أدبية وفكرية من اللغات الأجنبية، الأمر الذي أسهم في تعريف القارئ العراقي بتيارات الفكر العالمي.

كان وجود أسماء مثل عليّ الشوك، وخالد السلام، وجليل كمال الدين، وآخرون في هيئة التحرير مؤشراً على هذا التوجه. فالشوك، المعروف لاحقاً بكتاباته في الرواية والفن والموسيقى والأدب والفلسفة، كان يمثل نموذج المثقف الموسوعي الذي يجمع بين الأدب والرياضيات والفلسفة. وقد انعكست هذه الروح على المجلة التي حاولت أن تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات. فضلاً عن بقية زملائه في هيئة التحرير، الذين كان لهم الدور الطليعي في تأسيس المشروع.

يذكر أن المجلة قدّمت نموذجاً متقدماً في تصميم الغلاف الأول، إذ ينتمي إلى محاولات الحداثة الأولى في الإخراج الصحفي، التي تتسم بالجرأة والابتكار، خارج المألوف التقليدي، كان للفنان المبدع الخطاط والقاص يحيى جواد الدور الريادي في اقتحام حالة الجمود التي سادت الوسطين الفني والصحفي، فكان غلاف مجلة المثقف نقلة جمالية مبهرة، حققت حضورها ونجاحها بسرعة.

تحولت "المثقف" بوصفها فضاءً للحوار الثقافي خلال سنوات صدورها إلى منبر في تبادل الآراء والأفكار بين الاتجاهات الفكرية المختلفة داخل الوسط الثقافي العراقي. فقد نشرت مقالات نقدية ونقاشات فكرية حول قضايا الأدب والفلسفة والسياسة الثقافية، وكانت بذلك جزءاً من الحركة الثقافية النشطة التي شهدتها بغداد في تلك السنوات، إلى جانب مجلات وصحف أخرى مثل "الثقافة الجديدة" و"الأديب العراقي" التي صدرت عن اتحاد الأدباء في العراق.

كانت المجلة تسعى إلى تقديم نموذج للمثقف الذي يتجاوز الانغلاق الأيديولوجي، المؤمن بالمعرفة الإنسانية بوصفها مشروعاً كونياً مفتوحاً. لهذا حرصت على الجمع بين النزعة العلمية والانفتاح الأدبي، فظهرت فيها مقالات في الفيزياء والفلسفة جنباً إلى جنب مع نصوص أدبية وترجمات شعرية.

بيد أن الريح السوداء التي اجتاحت العراق إثر الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 أجهزت على هذا المشروع الثقافي الذي لم يدم طويلاً. ومعها تعرّضت المؤسسات الثقافية إلى حملة عدائية وحشية، أُغلقت فيها العديد من الصحف والمجلات. واقتيد أغلب منتسبيها إلى الاعتقال والسجن بأحكام جائرة، بل جرى أبشع من ذلك في تصفية رموز الثقافة والصحافة العراقية. أمثال: عبد الرحيم شريف، عبد الجبار وهبي، عدنان البراك، إبراهيم الحكاك، وغيرهم المئات من أساتذة الكليات والمعاهد والمدرسين والمعلمين الذي فصلوا عن وظائفهم وزجّ بهم في السجون والمعتقلات، بأحكام جائرة، (جريمتهم) الوحيدة هي انتماؤهم إلى اليسار والفكر التقدمي.

في هذا السياق توقفت مجلة “المثقف” عن الصدور، شأنها شأن عدد من المنابر الفكرية التي كانت تمثل صوت الحداثة الثقافية في تلك المرحلة.

بيد أنها على الرغم من قصر عمرها، فإنها تمثل وثيقة مهمة لفهم مرحلة التحول الثقافي في العراق بين 1958 و1963. فقد كانت جزءاً من مشروع أوسع سعى إلى نقل الثقافة العراقية من فضائها التقليدي الساكن، إلى أفق الفكر العلمي الحديث، وإلى ربطها بالحركة الفكرية العالمية.

لذلك يمكن النظر إلى المجلة اليوم بوصفها تجربة مبكرة في إعادة تعريف دور المثقف العراقي، ليس بوصفه حافظاً للتراث فقط، بل بوصفه وسيطاً بين المجتمع المحلي والمعرفة الإنسانية الحديثة. ضمن هذا السياق أدعو الباحثين المهتمين بالشأن الثقافي والفكري والإعلامي إلى دراسة هذه التجربة العراقية الرائدة، ولا سيما أنها لم تأخذ فرصتها التي تستحق في البحث العلمي الرصين…

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم