عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

من المقولات التراثية مقولة «من كان شيخُه كتابَه، كان خطؤه أكثرَ مِن صوابِه»، وهي مقولة مبكرة تنبهت لخطورة الكتاب بوصفه أخطر منافسٍ لسلطة الشيخ - المعلم. وهذه المقولة تحذيرٌ من تفرد الكتاب بالقارئ من دون حمايةٍ من شيخٍ يدير العلاقة بين القارئ والكتاب. وإن تفرد الكتاب بالقارئ فهذه علامة تمرد ستغير التراتبية الثقافية، وهذا وجه من وجوه تنازع السلطات وأيهما أحق بملكية التوجيه والتربية. والتخويف من هذا التفرد ليس سوى وصاية ثقافية تعني الاستحواذ والأبوية من الأب الشيخ الذي من دونه تأتي الأخطاء بناءً على أن عقول الآخرين صغيرةٌ وتحتاج لحماية. وهذه من أخطر الوصايات التي حاصرت التحرر من المريدية والتتلمذ الاستسلامي. رغم أن الشيخ نفسه يعتمد الكتاب مرجعاً لتدريسه، لكن المقولة تريد التمييز بين شيخ بيده كتاب، وكتابٍ بين يدي قارئ حر. والحال الثانية هنا هي أخطر طبخة علمية وكأنها طبخة سامة يجب الحذر منها.

على أن عقلية الوصايات هي قصة لا تنقطع ثقافياً وسلوكياً ما دمنا نعيش في خلية اجتماعية، فالكل يربي الكل عبر النصيحة التي هي أشد صيغ التعليم المقرون بالتأديب. وهي لعبةٌ ثقافيةٌ خطرةٌ بما أنها تتحرك وفق معنى الواجب الأخلاقي. وكل نصيحة وراءها وصيٌّ يستمتع بعلوه على المنصوح وتلك أهم معاني الأبوية الثقافية. ونحن مشتبكون مع النصيحة منصوحين وناصحين، في تبادل لا ينقطع حسب تنوع الأدوار. ويظل المرء منا يتعلم أنظمة السلوك من سلوك غيره ممن يتطوعون بتعليمه المبتغى منه. ومقابل هذه الخزينة التربوية تأتي الخبرات الخاصة التي ستحدث تصدعاّ بين حركة المعاني المكتسبة بالمباشرة الحية، والمعاني المكتسبة بالتلقين.

وفكرة تلقين السلوك تحيل لرغبات عميقة في حب السيطرة على الآخرين، وهي سيطرة ناعمة، لكن نعومتها تضمر خشونتها، لأن هذا النوع من الوصاية عبر النصح والوعظ والتربية هي بالتالي أوامر تفضي لرد فعل غير إيجابي قد يبلغ حد التمرد أو فعل نقيض ما يراد فعله، وهذا واضحٌ من الأمثلة الواقعية، والتعامل معه مكشوفٌ وربما تلقائي. لكن الأخطر هو ما نتعلمه من الكتب بما أن قراءة الكتب من خياراتنا الحرة، ولكن هذا الخيار الحر يتحول إلى إدمان لهذه الخيارات التي ستصبغ ذهنياتنا ونتطبع بها. وهي غالباً تختلف عن أنظمة السلوك النمطية تلك التي نتواصى عليها وننتظم معها اجتماعياً. وكل كاتب عظيم هو أيضاً كائنٌ غريبٌ حسب المتواتر عن سير العظماء، ومن ثم فالقراءة للعظماء كما نسميهم ستغرينا بالتطبع بهم وبما أنهم مختلفون وغريبو الأطوار ومتمردون في الذوق فإن عدوى هذه السمات تنتقل لقرائهم فيتطبعون بها وإن بنسب متفاوتة.

وهنا يحدث تعارضٌ بين السلوك الاجتماعي العرفي والسلوك الثقافي؛ ذاك السلوك الذي هو حمى ثقافية تصيب كل مقترب منها، وتظهر هذه الحال في سلوك كبار الشعراء والفنانين (والشاعر الذي أدمن الشعر وتلبس بسياقاته وشفراته تظل نفسه مسكونةً بالشعر حتى وإن كتب نثراً أو رسالةً شخصية، أو تحدث في مكالمة هاتفية، حيث يتجاوز السياق الشعري سياجه ويتداخل مع سياقات السلوك فيغرس فيه شيئاً من شفرات المعنى الشعري - وهذا اقتباس من كتابي «الخطيئة والتكفير»).

وهذه مسألةٌ تسهل ملاحظتها عبر عيون عموم الناس ونظراتهم لمن يسمونه مثقفاً. ومن وصف المثقف يبدأ نوعٌ من التنميط الاجتماعي، ومنه يتنشأ سلوك من أبرز سماته إدمان الحالة الثقافية، ويكون عالم الكتب والأفكار هو المهيمن على ذهنيتك، ومن ثم فمقولة «من كان شيخُه كتابَه» تأتي من سياق الثقافة الفقهية، بما أن الجملة شاعت بين الفقهاء، والفقه كان يُؤخذ بالمباشرة في حلقات شيوخ العلم الشرعي، وثني الركب فيها هو علامة على النجابة ومنها تشكلت المذهبية الفقهية من حيث المسار مسار الشيخ المعلم. أما الركون لمرجعية الكتب فالإنسان فيها غالباً ما يكون شيخ نفسه لأنه في خيارٍ مطلقٍ يستطيع التمرد عليه دون جلبة، وهنا يقع التفاوت غير المحمود في السلوك العام اجتماعياً ومذهبياّ من حيث إن التحرر الذاتي يعزل الذات عن النسق المؤسسي وينظر إليه حينئذٍ على أنه تمردٌ على هرم المرجعية التي تحتفظ بحق الإباحة أو حق التحذير وتحدد الكتب الموصى بها أو المحذر منها.

ومختاراتنا الحرة من الكتب تقوم على منظومات متحركة تتعدد بدافع رغبات الهوى الذاتي، بما أن القراءة في جوهرها متعةٌ وتزجية وقت وخلوةٌ مع غائبين لا يملكون أي سلطة حسية علينا، بل نحن من نضعهم رهينةً لخياراتنا، وكلما تنوعت هذه الخيارات زاد عندنا الحس الناقد بأن نوازن ونفاضل، وهذا ستسقط حصانة المؤلف المفرد، وتتعدد مصادر الرؤى، وحتماً فهذا التنوع وتعدد الأصوات والأفكار سيضعنا على درجات من التساوي مع عقول كتابٍ من ديدنهم الاختلافات والمنطاحات في الرؤى لدرجة التعالي المتبادل.

وبسبب تعدد اختلافاتهم تتخلق عندنا الجرأة على الشيخ الأول الذي لن يظل أولاً للأبد. وسيحل القارئ محل الشيخ، وهذا تمرد على النظام الذهني للثقافة. فتتشكل تبعاً لذلك دوافع تغري القارئ الحر ليصبح شيخاً على شيوخه وسيستمتع برد فعله المبارز لهم وإن في غيابهم، وكأن ذلك إعلان بأنه خرج عن الطوق.

وسينبثق قارئ نوعي سيكون شيخ شيوخه، وهذه صفة عالية للقراء النوعيين حين تتعمق القراءة، وتصنع من التنوع الفكري مداخلَ نقديةً، وتحدث حينئذٍ القراءة الناقدة. وهذه القراءة الناقدة هي التي تصنع التحولات الكبرى في المعرفة، والبداية فيها تأتي من كشف ثغرات المقولات.

وكل ثغرة تتكشف تعني كشف نقص النظرية عن تفسير الظواهر وينفتح هنا باب لاجتراح مدخل آخر لفتح باب كان موصداً، وتنبثق الفرصة لنظرية تعطي تفسيراً مختلفاً يضيف لرصيد المعرفة البشرية، ويعطي رؤيةً لم تكن في البصيرة قبل كشف الثغرات، وتتخلق من ثم جدليات فلسفية أو مخترعات تطبيقية.

***

عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط الندنية، يوم: الثلاثاء - 02 ذو الحِجّة 1447 هـ - 19 مايو 2026 م

 

قراءة نقدية في تحولات الوعي الإسلامي بين القيم المؤسِّسة وإغراق التفاصيل

مقدمة: حين نزل القرآن الكريم، لم ينزل بوصفه كتاب طقوس مغلقة، ولا موسوعة تفصيلية لإدارة الجزئيات اليومية، بل نزل مشروعًا لتحرير الإنسان من التبعية العمياء، وبناء وعي قائم على التدبر، والعقل، والمسؤولية الأخلاقية.

لقد كانت الرسالة القرآنية في جوهرها ثورةً على أنماط التفكير الجامد، وعلى تحويل الدين إلى ميراث اجتماعي يُتبع دون فهم.

فالقرآن لم يكتفِ بالدعوة إلى الإيمان، بل جعل من التفكير شرطًا للإيمان الحقيقي، ومن مراجعة الموروث مدخلًا للتحرر الوجودي. ولذلك تكررت فيه آيات مثل:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾

غير أن المتأمل في مسار الحضارة الإسلامية يلاحظ تحوّلًا تدريجيًا من مركزية القرآن بوصفه مرجعية قيمية وتشخيصية، إلى هيمنة الرواية والسرديات التفصيلية، حتى غرق العقل الإسلامي في كمٍّ هائل من القصص والأحاديث والخلافات الجزئية، بينما تراجعت القيم القرآنية الكبرى في الواقع العملي.

ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي:

كيف انتقل الوعي الإسلامي من مشروع قرآني تحرري إلى بنية مذهبية يغلب عليها التلقين والتفاصيل والطقوس؟

وهل كان هذا التحول نتيجة تطور طبيعي للمجتمع الإسلامي، أم نتيجة عمليات اختراق ثقافي وسياسي ومعرفي شاركت فيها عوامل داخلية وخارجية؟

أولًا: القرآن كمشروع لتحرير الوعي

إن القراءة المتأنية للقرآن الكريم تكشف أن معركته الأساسية لم تكن مع “الوثنية الحجرية” فقط، بل مع آلية التقليد الأعمى ذاتها.

فالقرآن انتقد الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم دون تدبر:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾

وبذلك أسّس لمفهوم الإيمان القائم على الاقتناع لا الوراثة، وعلى البحث لا التسليم الاجتماعي.

ولهذا كانت “الحنيفية” في جوهرها خروجًا من أسر الموروث نحو حرية الوعي.

فالإنسان القرآني ليس تابعًا للجماعة، بل مسؤولًا عن قراره المعرفي والأخلاقي:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

ومن هنا فإن مركزية القرآن لا تعني مجرد تلاوته، بل جعله المرجعية العليا في بناء القيم والوعي والسلوك.

ثانيًا: التحول من النص المؤسس إلى الرواية المؤسِّسة

بعد وفاة النبي ﷺ، دخل العالم الإسلامي مرحلة توسع سياسي واجتماعي هائل، فاختلطت الثقافات، ودخلت أمم متعددة بخلفياتها الفكرية والدينية والأسطورية.

وفي هذا السياق نشأت حاجة متزايدة إلى:

* تفسير النصوص،

* تنظيم السلطة،

* تبرير الصراعات السياسية،

* إنتاج شرعية دينية للأنظمة،

* والإجابة عن الأسئلة الجديدة.

وهنا بدأت الرواية تتحول تدريجيًا من أداة شرح إلى سلطة موازية للنص المؤسس.

فبدل أن يبقى القرآن هو المركز، أصبحت آلاف الروايات تحيط بالعقل المسلم من كل جانب، حتى بات الوصول إلى النص القرآني يمر أحيانًا عبر طبقات كثيفة من التفسير والموروث والمذهبية.

ومع مرور الزمن، انتقل الدين من:

* “افهم ثم آمن”،

    إلى:

* “سلّم ثم لا تسأل”.

ثالثًا: الإسرائيليات وإغراق الوعي بالتفاصيل

من أبرز الظواهر التي أثّرت في الوعي الإسلامي ما عُرف بالإسرائيليات، وهي الروايات المنقولة عن بعض من أسلموا من أهل الكتاب، أو التي تسربت من التراث اليهودي والمسيحي إلى كتب التفسير والسرد الديني.

ولا يعني هذا أن كل ما نُقل كان مؤامرة منظّمة، بل إن جزءًا كبيرًا منه جاء نتيجة:

* الانبهار بالقصص،

* الحاجة إلى التفاصيل،

* الفراغ المعرفي،

* والرغبة الشعبية في تحويل المجمل القرآني إلى مشاهد سردية مفصلة.

فالقرآن حين يذكر قصة موسى أو نوح أو أصحاب الكهف، يركّز على البعد القيمي والوجودي، بينما اتجه العقل الروائي لاحقًا إلى أسئلة مثل:

* ما لون كلب أصحاب الكهف؟

* كم كان طول سفينة نوح؟

* كيف كان شكل الجنة والنار بالتفصيل الحسي؟

* ماذا قال فلان لفلان؟

وهكذا تحوّل الدين تدريجيًا من مشروع وعي إلى مشروع سرديات.

وهنا تتجلى خطورة “إغراق الوعي بالتفاصيل”، لأن كثرة التفاصيل تستهلك طاقة العقل في الجزئيات، وتمنعه من إدراك المقاصد الكبرى.

رابعًا: السلطة السياسية وتكريس الوعي النقلي

لا يمكن فهم تضخم الروايات دون فهم دور السلطة السياسية في ذلك.

فالحاكم يحتاج دائمًا إلى:

* إنتاج طاعة،

* تقليل مساحة السؤال،

* وتحويل الدين إلى منظومة استقرار اجتماعي.

ومن هنا ازدهرت روايات:

* السمع والطاعة المطلقة،

* تحريم الخروج،

* تقديس السلف،

* وتحويل الاختلاف إلى تهديد ديني.

ومع الوقت، أصبح التفكير الحر خطرًا، بينما تحوّل النقل إلى فضيلة بحد ذاته.

فكلما تراجع العقل النقدي، أصبح المجتمع أكثر قابلية للقيادة الأيديولوجية.

خامسًا: الطقوس بدل القيم

أخطر نتائج هذا التحول كانت انتقال مركز التدين من القيم إلى الطقوس.

فالقرآن ركّز على:

* العدل،

* الأمانة،

* تحرير الإنسان،

* إطعام الفقير،

* رفض الظلم،

* تحريم أكل أموال الناس بالباطل،

* والصدق في التعامل.

لكن جزءًا كبيرًا من الخطاب الديني انشغل لاحقًا بـ:

* شكل اللباس،

* عدد الحركات،

* التفاصيل الشكلية،

* مسائل الاختلاف الفقهي الجزئي،

* والهوية المذهبية.

حتى أصبح الإنسان قد يؤدي الطقوس بدقة، لكنه يمارس الظلم والفساد والكراهية دون شعور بالتناقض.

وهنا انفصل الدين عن مقصده القرآني الأصلي.

سادسًا: هل المشكلة في اليهود أم في قابلية العقل للاستلاب؟

إن اختزال أزمة الوعي الإسلامي في “اليهود” وحدهم يُنتج قراءة تبسيطية للتاريخ، ويُعفي الذات من مسؤوليتها.

فالقرآن نفسه يرفض التعميم:

﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾

كما أن كل حضارة تحمل داخلها قابلية للجمود حين تتحول المعرفة إلى سلطة مغلقة.

لذلك فإن الأزمة الحقيقية ليست وجود “آخر” يحاول التأثير، بل استعداد العقل للتخلي عن مسؤوليته النقدية.

فالاستلاب يبدأ عندما:

* يخاف الإنسان من السؤال،

* يقدّس الموروث،

* ويستبدل التدبر بالتلقين.

سابعًا: العودة إلى القرآن بوصفه مشروع وعي

إن استعادة مركزية القرآن لا تعني إلغاء التراث أو إعلان الحرب على التاريخ، بل تعني إعادة ترتيب العلاقة معه.

فالقرآن يجب أن يبقى:

* المرجعية العليا،

* والمعيار القيمي،

* والميزان الذي تُعرض عليه الروايات والأفكار.

كما أن التدبر لا يعني الفوضى الفكرية، بل تفعيل العقل ضمن القيم القرآنية الكبرى.

فالقرآن يريد إنسانًا:

* يفكر،

* يبحث،

* يراجع،

* يصحح مساره،

* ويتحمل مسؤولية وعيه.

ولهذا فإن النهضة الإسلامية الحقيقية لن تبدأ بتكثير الطقوس، بل بإعادة بناء الإنسان القادر على التفكير الحر ضمن أخلاق الوحي.

خاتمة

إن التحول من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية لم يكن حدثًا بسيطًا، بل مسارًا تاريخيًا طويلًا تشابكت فيه السياسة بالموروث بالسلطة بالثقافة الشعبية.

وقد أدى هذا التحول إلى إغراق العقل الإسلامي في بحر من التفاصيل والسرديات، حتى تراجعت القيم القرآنية الكبرى لصالح الطقوس والانقسامات والهويات المغلقة.

لكن القرآن ما زال حاضرًا بوصفه مشروعًا مفتوحًا لتحرير الإنسان من الخوف والتبعية والجمود.

فالعودة إلى القرآن ليست عودة إلى الماضي، بل عودة إلى الوعي

***

د. وائل كريم

عن صفحته الشخصية بالفيسبوك.

 

إذا كان الواقع يُبنى ولا يُعطى كما أبرزت الدراسات الإبستمولوجية المعاصرة، فإن تساؤلنا في هذه الفسحة الثقافية يتناول بإجمال شديد ثلاثة أسئلة فرعية: كيف تشكّل مفهوم الواقع عند ابن رشد؟ وكيف عالج هذا المفهوم؟ وما آثار هذه المعالجة على مدينته التي عاش فيها؟

لا يمكن فهم الواقع عند ابن رشد دون ربطه بالرمز الكبير الذي أشاد به مثقفو العصر وعلماؤه، أقصد المهدي بن تومرت، فرغم أن دومنيك أورفوا يعتقد أن عالم المرابطين والموحّدين الثقافي عالمان ليس بينهما كبير مباينة، فإن اعتداد ابن تومرت بالعقل في التوحيد، على خلاف خصومه، والانتصار للأشعرية، وخاصة للمتن الغزالي الذي كان أول من أدخله إلى الأندلس ورغّب الناس في قراءته، ورفعه شعار الاجتهاد في الفقه في نجوة عن المذاهب الفقهية، حتى وجدنا بعض أبنائه وحفدته قد أزمعوا على تجفيف ينابيع الفقه المالكي من الأندلس، فضلاً عن المشاكل السياسية التي كان يعاني منها الموحدون مع خصومهم، سواء في الداخل مع ثورة المريدين وابن همشك، أو في الخارج مع محاولات اجتياح الأندلس وما عرف بحروف الاسترداد، كل أولئك عوامل مهمة لابد من استحضارها لفهم كيف تشكّل مفهوم الواقع عند الفقيه الفيلسوف.

ارتبط مصير ابن رشد منذ صباه بالموحدين فكرع من معين كُتب الشيخ السوسي المؤسس وبخاصة كتابه «أعز ما يطلب»، وأعجب به كثيراً، واعتبر طريقته في بلورة القول الشرعي طريقة جميلة لأنها ترتفع عن حضيض المقلدين وتنحط عن تشغيب المتكلمين، فهي طريقة وسط، وهي الطريقة التي سيكتب بها ابن رشد مؤلفاته الفقهية ويستلهمها في مؤلفه الكلامي «مناهج الأدلة» الذي ذكر فيه ابن تومرت.

 كان ابن رشد يشكّل واقعاً يخدم مدينته التي وضعته، وهو كهل، في أكبر منصب فقهي، فكان قاضي القضاة، أو نائباً عن الحاكم الأعظم، كما يحب أن ينعت القاضي، وقد مكّنه القضاء والعدة الفقهية التي كانت معه من حفظ للموطأ، إلى معرفة عميقة بالتراث الفقهي كما يكشف عنه كتابه الفريد الذي جعله البعض ثالث ثلاثة أهم كتب في تاريخ الكتابة الفقهية: الرسالة للشافعي، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد، والموافقات للشاطبي. وقد حظي كتاب البداية بعناية فائقة من لدن الفقهاء عبر التاريخ الفقهي. ويقدم كتاب البداية في فهم الواقع دروساً كثيرة، وهو الكتاب الذي حظيتُ بصحبته لسنوات، الدرس الأول: الموضوعية العلمية في عرض آراء الفقهاء من خلال أسباب اختلافهم في المنطوق به في الشرع، ليضع بين يدي الفقيه سبارات الاجتهاد وقوانين النظر الفقهي، لقد كان ابن رشد يشتكي خلو عصره من المجتهد، فكان أن نذر نفسه لتحمل مسؤولية إيجاد المجتهد الذي لا ينبغي أن تخلو منه مدينة كما يقول. فكان هذا عنده إحساس رفيع بواقع يضمر ويضيع على أيدي عوّام الفقهاء. والدرس الثاني، وهو من أهم ما يكشف عنه بداية المجتهد عملُه على تأسيس مفهوم المصلحة، وقد كتبنا في ذلك مقالاً مفرداً، وقد كاد أن يرفضه باعتبار ما يترتب عنه من زيادة في الشرع، لكن ابن رشد رآه ضرورياً ضرورة واقعية لما يحققه من عدل عندما يوشك أن يضيع، ومن هنا الدّرس الثالث المتجلي في حرصه على تخليق الفقه ومعارضة بعض الفقهاء في أحكام فقهية يجفُّ فيها عندهم البعد الأخلاقي.

لقد كان إحساس ابن رشد بواقعه إحساساً كبيراً فنصب نفسه مدافعاً عنه بالقول في المسجد وبالكتابة الفقهية والفلسفية على السّواء. ولأهمية الفلسفة في بناء فقه الواقع عند ابن رشد فسحة أخرى.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 14 مايو 

تُعَدّ نظرية ولاية الفقيه من أكثر الأطروحات السياسية إثارةً للإشكال في الفكر الإسلامي المعاصر، إذ تزعم نقل سلطة دينية مفترضة إلى حيز السلطة السياسية الفعلية وإضفاء صفة الإطلاق عليها في إدارة شؤون الأمة. غير أن إخضاع هذه النظرية لميزان الفقه وأصوله يكشف عن هشاشتها البنيوية وافتقارها إلى مستند شرعي رصين، فضلاً عن تعارضها مع ثوابت الشريعة ومقاصدها الكلية، وما تُفضي إليه من نتائج خطيرة حين تُنزَّل على أرض الواقع.

يبدأ الخلل من جذوره التأصيلية، إذ لا يستند هذا البناء الضخم إلى نصٍ قطعي الثبوت والدلالة، بل يقوم على عبارات عامة فضفاضة من قبيل «مجاري الأمور بيد العلماء» و«الراد على الفقيه كالراد على الله». وتوظيف مثل هذه المقولات، التي تخالف في ظاهرها جوهر الدين ومقاصده، لتأسيس ولاية سياسية مطلقة للفقيه، ما هو إلا تعسّف في التأويل وتحميل للنصوص ما لا تحتمله دلالةً ولا سياقاً. والقاعدة الأصولية المقررة أن الدليل الذي يُثبت حكماً استثنائياً يجب أن يكون في قوته وصراحته بقدر ما يُثبته، وليس في مسألة تفويض حكم الأمة ما يرقى إلى هذا المستوى. بل إن السياق العقلاني الذي يُستند إليه أحياناً من قبيل الحاجة إلى حاكم يقيم العدل في زمن الغيبة (غيبة الإمام المهدي عند الطائفة الشيعية) لا يستلزم بحال أن يكون هذا الحاكم فقيهاً ذا صلاحيات مطلقة. وادعاء استمداد الشرعية من الإمام المهدي لإثبات ولاية الفقيه ليس إلا خرافة لا سند لها من نقل صحيح ولا من عقل سليم، إذ لم ولن يُفوِّض الإمام المهدي جماعةً متطرفة أو فئةً منحرفة لتتولى حكم الأمة بأكملها.

والأخطر من ضعف الدليل هو التلفيق القياسي الذي تقوم عليه النظرية، إذ تسعى إلى قياس الفقيه على الأنبياء، وهو قياس لا يصح في أي منطق فقهي سليم. فالفقيه في أحسن أحواله مجتهد بشري يصيب ويخطئ، ومحكوم بمحدودية فهمه، وقد تتبدل اجتهاداته من مسألة إلى أخرى ومن حقبة إلى أخرى. ومنح رجل الدين ولايةً مطلقةً تُلزم الأمة بطاعته في جميع الشؤون يعني رفع اجتهاده البشري إلى مستوى العصمة والإلزام الديني (في الفقه الشيعي)، من دون ضمانة لتصحيح الخطأ أو آلية للمساءلة. وهذا يناقض صريحاً القاعدة الأصولية التي تقرر أن «كلًاً يؤخذ من قوله ويُردّ»، وأن الاجتهاد لا يُلزم إلا صاحبه.

وقد كانت سيرة العلماء عبر التاريخ الإسلامي شاهداً راسخاً على رفض هذا الخلط بين الأدوار، إذ حرص جمهورهم على الفصل بين مقام الإفتاء والتعليم من جهة، والشأن السياسي والإداري من جهة أخرى. ولم يكن ذلك عجزاً أو انزواءً، بل وعياً بخطورة تسييس الدين ومصادرة الخطاب الديني لخدمة أجندات سياسية غير مسؤولة. أما في ظل نظرية ولاية الفقيه، فيجري دمج الدين والسياسة في يد واحدة، فيصبح الفقيه مشرّعاً ومفسّراً للنص وحاكماً منفّذاً في آنٍ واحد. وهذا التركيز هو الذي منح ملالي إيران حصانةً مطلقة من النقد، إذ يُصوَّر كل اعتراض على قرارات الولي الفقيه السياسية اعتراضاً على الدين ذاته، وهو توظيف صريح يخدم السلطة ويُفسد الدين في آنٍ معاً.

وتزداد الإشكالية تعقيداً حين يُفحص النظام الذي يُنتج الولي الفقيه ويُعيّنه، إذ يُفترض بمجلس الخبراء أن يختاره ويراقبه، غير أن أعضاء هذا المجلس يخضعون بدورهم لتدقيق مجلس صيانة الدستور وفلترته، وهو جزء أصيل من منظومة السلطة القائمة. والنتيجة دائرة مغلقة يمنح فيها النظامُ شرعيةَ من يُفترض أنه يُشرعن النظامَ نفسَه، أي دور فاضح لا ينتج رقابة حقيقية. وقد أثبتت التجربة الإيرانية هذا بصورة لا تقبل الجدل، فالفقهاء الذين جاهروا باعتراضهم لم يُقصَوا من المشهد فحسب، بل تعرّض بعضهم للملاحقة والعقوبات القاسية، ومنهم هادي الخامنئي، شقيق علي خامنئي نفسه. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن آلية الاختيار لا تُنتج قيادة دينية مستقلة بل تُعيد إنتاج الولاء السياسي في عباءة فقهية.

وعلى صعيد المبادئ الشرعية الكبرى، يتعارض هذا النظام مع مبدأ الشورى الذي أقرّه القرآن الكريم صراحةً: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾. فروح هذا المبدأ تقتضي مشاركة الأمة في اتخاذ قرارها، ومنع احتكار السلطة في يد معمم أو ميليشيا. أما في نموذج ولاية الفقيه المطلقة، فتُختزل الشورى في إجراءات شكلية لا تؤثر في القرار النهائي، ويتحول التصويت والتمثيل إلى واجهة تُزيّن سلطةً مسبقة التقرير. وهذا ليس خللاً تطبيقياً قابلاً للإصلاح بل تناقضاً هيكلياً متجذّراً في بنية النظرية ذاتها.

وحين تُقاس هذه النظرية بمقاصد الشريعة التي تدور في جوهرها حول تحقيق العدل وصيانة الكرامة الإنسانية ودرء الاستبداد، يكون الحكم عليها أشد. فمقاصد الشريعة لا تكتفي بحسن النية، بل تشترط وجود آليات مؤسسية تكبح الانحراف. وتركيز الدين والسياسة معاً في يد فرد يتحصّن بالعصمة الدينية ضد النقد هو بالضبط الإطار الأكثر قابلية للاستبداد. والتجربة التاريخية، لا الميل الأيديولوجي، هي التي تُثبت أن الأنظمة التي تجمع بين السلطتين الدينية والسياسية في يد واحدة، كما هو الحال في نماذج الإسلام السياسي من جماعة «الإخوان» إلى إيران، تنتهي حتماً إلى تسييس الدين وإفساد السياسة معاً.

في المحصلة، لا تواجه نظرية ولاية الفقيه المطلقة إشكالات هامشية قابلة للترميم، بل تتصدّع من أساسها الفقهي إلى تطبيقاتها الواقعية. إنها نظرية تفتقر إلى الدليل الصريح، وتقوم على قياس مع الفارق، وتناقض مبدأ الشورى القرآني، وتفتح الباب أمام الاستبداد المُقدَّس.

ومن ثمّ فإن التمييز الواضح بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية ليس تنازلًا عن ثوابت الإسلام، بل عودة إلى روحه الحقيقية التي تدعو إلى طاعة ولي الأمر امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. وهذه الطاعة لا استثناء فيها ولا درجات، فرجل الدين في ميزان هذه الآية مواطن كسائر المواطنين، تلزمه من الطاعة والانتماء ما يلزم غيره، وليس له بحكم عمامته أو اجتهاده أن يدّعي موازاة السلطة أو منافستها. ولا يُعدّ العالم الديني سلطةً موازية ولا مرجعاً مستقلاً في شؤون الحكم والسياسة، بل هو جزء من النسيج المدني للدولة، يؤدي دوره في التعليم والإرشاد ضمن الإطار الذي تضعه الدولة لا خارجه. وتُعطي هذه الرؤية الحاكمَ المجال الأوسع لخدمة دينه وشعبه ووطنه بما منحه الله من حكمة وخبرة وتوفيق.

وهذا بالضبط ما جسّده النموذج الإماراتي الحكيم، الذي أعطى للعلماء ورجال الدين مساحتهم الكاملة لخدمة الدين وتوجيه الناس، وأعطى للحاكم حقه الشرعي والقانوني في إدارة شؤون الدولة، فأتاح بذلك نهضةً شاملة وعدالةً راسخة في ظل دولة تحتكم إلى القانون وتصون كرامة الإنسان.

***

محمد التوحيدي

عن جريدة الاتحاد الامارتية، يوم: 4 مايو 2026 22:30

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.

***

خالد الغنامي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 12 مايو 2026 م ـ 25 ذو القِعدة 1447 هـ

عبر التاريخ درَج على هذه الأرض مَن غيَّر المفاهيم وخبَر أصلها، وتنبّأ بمستقبلها، ومن أهم من أجاد ذلك الفلاسفة الذين استطاعوا التمييز بين الخير والشر، وأجادوا في توصيف الواقع واستشراف المستقبل.

على سبيل المثال لا يزال تأثير فلسفة نيتشه يتجدد؛ والشروحات تصدر عنها باستمرار. عن النظريات الخارقة التي ابتكرها، والأسلوب الجديد، والشذرة المكتنزة. جيل دولوز رأى أن الفيلسوف هو «شاعر المفاهيم»، ونيتشه قاد رحلة «الفلسفة الشعرية»، وهي الآلية التي أُعجب بها مارتن هيدغر في بعض كتاباته، وفي طريقة قراءاته لشعراء عصره، فهيدغر كتب النصوص الشعرية. نعم؛ إن الفلسفة ليست كيانات منفصلة أو قبائل متناحرة، وإنما وحدات تتعدد.

في حوارٍ مهم مع ميشال أونفري، أجراه فرانز أوليفييه غيسبيرت، وترجمه بمجلة «حكمة» الأستاذ الحسن علاج.

عرّج أونفري فيه على تجربته الطويلة مع نصوص نيتشه وفلسفته ونظرياته. رأى أن المرء ينبغي عليه: «أن يقتفي أثره الخاص. الإنسان الذي أكد في (هكذا تكلم زرادشت) أنه ينبغي على المرء أن يبتكر الحرية -إنه البرنامج الوجودي طيلة حياة بكاملها وهو برنامجي أيضاً- ليس معلماً متسلطاً، إنه نموذج كما هو الشأن في الفلسفة القديمة برمتها، حيث لم يكن التفلسف يكمن في الإطناب، أو الثرثرة، أو كتابة كتب فلسفة، بل أن يعيش المرء حياة فلسفية، وأن يعيش حياة ملائمة، متوافقة مع ذاته عينها. أشاد نيتشه بفضيلة قلّما يتم الحديث عنها، لدينا معرفة ضئيلة بها، أو تكاد تكون منعدمة، علاوة على ذلك صعوبة الاسم، الذي هو الاستقامة، ألا وهو المصداقية المُرتابة. الاجتهاد في عيش حياة نزيهة، ذلك ما أحتفظ به لنفسي منه».

ويلخص أونفري رؤيته عن نيتشه بقوله: «يتحدث نيتشه، في بداية كتابه زرادشت، عن تحولات ثلاثة: ينبغي على المرء أن يكون جملاً لحمل أثقال الماضي، ثم أسداً من أجل التخلص من هذا الماضي، بهدف التحول إلى طفل بمعنى بلوغ (براءة الصيرورة)، التي تسمح بابتكار فلسفة جديدة. إن هذه الجدلية في مراحل ثلاث، بمعنى جدلية هيغلية لا تزال، ولو أنها ما بعد هيغلية، هي جدلية نيتشه ذاته، التي تمنح بطريقة مُشفَرة، كما هو في غالب الأحيان، مفاتيح عمله برمته».

لكن السؤال: ما زمن الجمل لدى نيتشه؟!

«يعد زمن الجمل لديه هو زمن قارئ شوبنهاور، حيث يضع كتّاب العالم كإرادة وتمثل رهن إشارته وجهات نظر فلسفية جديدة: حيوية أحادية، هي حيوية الإرادة التي تجعل الثنائية القديمة اليهودية - المسيحية متجاوزة، والتي تقدم تفسيراً لحيوية لما يوجد، هذه الإرادة الشهيرة، التي هي ليست إرادة علماء النفس، قوة الاختيار، الإرادة، بل قوة تجعل من كينونة الكائن ممكنة؛ فلسفة تراجيدية يتقاسم السأم والمعاناة، بمقتضاها، حياة كل إنسان، لكنها تؤكد في الوقت نفسه التأمل الجمالي بشكل عام، والموسيقي بشكل خاص، تسمح بتأمل حتمية السلبية. وهو أيضاً الزمن الفاغناري حيث التقى الكاتب المسرحي، ويرى أنه بإمكانه العمل معه كي يجعل من الأوبرا، مناسبة لإضفاء الجمالية على السياسة، انطلاقاً من الأساطير، كما فعل الإغريق مع مسرحهم. إنه زمن ولادة التراجيديا».

بينما «يعد زمن الأسد زمناً أبيقورياً. لقد واصل الصداقة المحطمة مع المؤلف الموسيقي الألماني، الذي لم يجعل من مدينة بايرويت مختبراً، لبناء سياسة انطلاقاً من الموسيقى الألمانية التي تخصص لتعزيز دينامية أوروبية، بل مكاناً مكرساً لشخصه، مع الطبقة الأكثر ثراء، التي موَّلت مشروعه. إنه زمن كتاب المعرفة المرحة، والصداقة الأبيقورية، متأثراً بالفكر الفرنسي؛ فولتير والأخلاقيين الفرنسيين».

أما «زمن الطفل فهو زمن الفلسفة النيتشوية الحقة، إنه زمن إرادة القوة، والعود الأبدي، والإنسان الأعلى، ومحبة القدر كإيثيقا إنسان جديد، وقد تخلص من الجِمال والأسود، إنه بالتأكيد زمن كتاب (هكذا تكلم زرادشت)، قصيدة عظيمة ومذهلة».

لكن من تجربته ما الكتاب المفضل لديه من كتب نيتشه؟!

يجيب بطريقة مركّبة: «أعتقد أن القارئ فهم أن الأمر يتعلق بكتاب (هكذا تكلم زرادشت)، إلا أنه ذلك الكتاب الذي ينبغي عبره الختم، حينما يكون المرء قد قرأ كل كتبه! إنه كتاب المعرفة المرحة، وذلك من خلال مقدمته الرائعة، وعلاوة على ذلك، فإنه يقوم بتركيز كل ما قام به نيتشه: خفة، عمق، أسلوب، أناقة، حيوية، صفاء، جذرية».

الخلاصة، أن الأثر الذي تسبب به نيتشه كبير جداً، حتى هو حين قال عن نفسه: «أعرف قدري... ذات يوم سيقترن اسمي بذكرى شيء هائل رهيب؛ بأزمة لم يُعرف لها مثيل على وجه الأرض، أعمق رجّة في الوعي، فأنا لست إنساناً، بل عبوة ديناميت» -حينها- ربما توقع أن يكون له أثره الكبير لكن ليس إلى هذا الحد المتواصل والمتجدد. إن أثر المفكرين في زمن الاضطراب أساسي لأنهم يحملون ترسانةً نظريّة قويّة يمكنها أن تؤسس لمعانٍ عميقة من أجل تثبيت استقرار المجتمع وتغذية المجال العام بمفاهيم حيويّة.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب وباحث سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 20 ذو القِعدة 1447 هـ - 7 مايو 2026 م

أحد المثقفين النادرين في فرنسا الذين يعلنون إيمانهم صراحة

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 19:13-6 مايو 2026 م ـ 19 ذو القِعدة 1447 هـ

كنت في عام 1971-1972 أحضر درساً للبابا الأسبق بنديكتوس السادس عشر عن المسكونية (توحيد المسيحيين بعد الافتراق الأرثوذكسي - الكاثوليكي البروتستانتي)، وكان ما يزال أستاذاً للاهوت الكاثوليكي بجامعة توبنغن الألمانية. وما أعجبت الدعوة المتحمسة لاستعادة وحدة الكنيسة مجموعةً صغيرةً من الطلاب فقالوا للأستاذ، على التناوب: البروتستانت اليوم يساريون وليبراليون وما عادت لدى كثرةٍ منهم طقوس ولا كنائس، فماذا تستفيد المسيحية من هؤلاء المتبرئين من الدين على وجه التقريب؟! فقال لهم الأستاذ: كلانا يحتاج إلى مراجعاتٍ جذرية. نحن في روما كنا نريد الدين والدنيا معاً، وهي نقطة ضعفٍ استغلَّها مارتن لوثر وآخرون وأفضت إلى الانشقاق الضخم. لقد عملت الكنيسة مراجعةً استمرت لأكثر من مائة عام في الوقت الذي كان فيه كثيرون ينعون الكنيسة الكاثوليكية وينتظرون تصدعها. لقد خرجنا من سلطان الدنيا وعدنا إلى قيم المسيح وسكينة كنيسته، ونحن اليوم أكبر قوةٍ أخلاقيةٍ في العالم! ولذلك ندعو إخواننا الإنجيليين إلى المراجعة بدورهم لكي نلتقي على طريق الوسط الأخلاقي.

علة هذا التقديم عن موقف البابا الأسبق في الموضوع السياسي الصدام الذي يحدث هذه الأيام بين البابا الجديد ليو الرابع عشر والرئيس ترمب. البابا يدعو لوقف الحرب والعودة للتفاوض، ويرى أن الحرب طال أمدها وأحدثت بؤساً وخراباً كبيراً، ولذلك لا بد من وقف قطار الموت هذا وليس في الشرق الأوسط فقط، بل وفي جميع أنحاء العالم، ومنها الحرب الروسية على أوكرانيا! فقد نفد صبر الرئيس ترمب من تصريحات البابا ضد الحرب، فهدده بأن يبتزه بالملفات القضائية لعددٍ من باباوات العصور الوسطى(!)- وبملفات العقود الأخيرة حول اعتداء الكهنة الكاثوليك بأميركا على الأطفال (!). وكانت الكنيسة الكاثوليكية قد أجْرت تحقيقات مطوَّلة في الملفات الكاثوليكية بأميركا ودفعت تعويضات كبيرة جداً حتى انتهت ضدها كل الاتهامات على وجه التقريب.

تعيير الرئيس ترمب للكنيسة الكاثوليكية بالملفات السرية التي يعرفها، والتي قال إنَّه لن ينفذ تهديده بشأنها من أجل خاطر المليار كاثوليكي (!). الكاثوليك أكثر من مليار، وتهديد الرئيس لا يصمد، فماذا لو هجم عليه خصومٌ من الكاثوليك بملفات إبستين (!). لكنّ ما أقصده من وراء إثارة هذه المسألة هو عن تدخل البابا في ملفات سياسية لا شأن له بها في نظر ترمب؛ بينما يرى البابا أنَّ الأمر أخلاقي وليس سياسياً، فالحروب المثارة هي حروب عدوانٍ وانتهاكٍ للحياة الإنسانية، وتخالف القانون الدولي الإنساني. في حين ينبّه استراتيجيون بروتستانت إلى أن البابا يوحنا بولس الثاني (وهو البولندي الأصل) تدخل في ملف بولندا، وناصر تحررها من قبضة السوفيات، وكان الرئيس رونالد ريغان مسروراً من تدخله في بولندا وغيرها تحت عنواني: الإيمان والحرية!

هناك بالطبع الطرفة التي تقول إنه عندما طُولِب ستالين بزيارة بابا روما شأن القادة الغربيين قال: لماذا وكم يملك البابا من الفرق العسكرية التي تبرر الاهتمام باللقاء معه؟! أمَّا في الواقع فإنّ السلطة الأخلاقية للكنيسة شهدت ارتفاعاً في الحرب الباردة وبعدها، وهناك المقولة المشهورة للاهوتي الكاثوليكي هانس كينغ في مطلع تسعينات القرن الماضي، والتي تقول إنه لا سلام في العالم إلَّا بالسلام بين الأديان، ولا سلام بين الأديان إلَّا بالحوار الدائم فيما بينها للتوصل إلى إجماعٍ أخلاقي على مكافحة الحرب!

وصحيحٌ أنَّ كبار رجال الدين من كل الأديان وقفوا غالباً مع السلام، واستنكروا نشوبَ الحروب لأهداف الغلبة والاستيلاء على الموارد والمنافذ، وكثيراً ما توسطوا من أجل المصالحة والسلام وأعمال التضامن الإنساني. إنَّما مع ذلك هناك رجال دين مسلمون وبوذيون ويهود وأحياناً إنجيليون أثاروا النعرات وتدخلوا في الحروب أو أثاروها كما في حالات خروجات «داعش» و«القاعدة» بفتاوى، وميانمار ونواحٍ من الهند، والكنيسة الأرثوذكسية بروسيا ورجال دين في إسرائيل ونيويورك. وبالطبع يبقى هؤلاء قلة، بيد أنَّ مسألة الإجماع ما تحققت ولن تتحقق. ولدى الرئيس ترمب أنصار من القساوسة البروتستانت يوافقونه في دعاواه، بشأن النذر والبشائر، لكن ما هي القوة التمثيلية لهؤلاء أو مرجعيتهم في محيطهم؟. سواء في المسيحية أو في غيرها من الأديان.

ما أكثر القائلين اليوم ومن غير رجال الدين إنَّ الحرب عمل غير أخلاقي!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 14 ذو القِعدة 1447 هـ - 1 مايو 2026 م

هل يسعفنا النقص لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، من حيث إن الاصطناعي يبدو متقناً وكاملاً في حين أن الإبداع البشري مرتبطٌ بالحس بالنقص وليس بالكمال والتفوق، وكل حالةٍ إبداعية بشرية هي حالةُ انكشاف لنقص ما يتشكل في صيغة تحفيز للكاتب يجعله يتواجه مع نقصه، وبمقدار شجاعته في مواجهة النقص تكون إبداعيته. وهذا ينطبق أيضاً على حال القراءة، ونحن نقرأ لنكتشف المفقود عندنا ولنتذكر أمراً غائباً كنا نسينا غيابه ووجدنا نصاً يمنحنا نوعاً من الإحساس بأن النصّ يخاطب ذلك الشيء الذي فينا. وكل نص يحقق هذه الدهشة القرائية سيحقق درجات عليا من الاستحواذ وفتنته القراءة، ومن ثمّ فنقص الإنسان مزيةٌ بوصفها محفزاً إبداعياً كما تؤكد مقولة الإمام الغزالي بأن مزية العقل هي في قدرته على كشف عجزه، والحالة الإبداعية ليست إلا باباً يتفتح لمواجهة الفقد والتوق لشيء لم يتحقق، وفي الوقت ذاته هي حالة رغبة مكتومة في ألا يتحقق المطلوب، بما أن التحقق يقتل أول ما يقتل التوق لمفقودٍ ما. ومعجزات الذهن البشري تنبع من حسٍ حادٍ بأن شيئاً ما لم يكتشف بعد، وهذا هو السؤال الجذري للكدح البشري الذي تتوارثه عقولُ ووجداناتُ البشر. وأهم سماته أن كل منجز عظيم يهيّج رغبات لدى الآخرين لمنافسة هذا المنتج الفاتح للشهيات الذهنية. والدافع القوي لذلك كله هو الحس المتصل بالنقص.

والتحدي الإبداعي اليوم هو ما نتبادله من تخويف ذاتي من دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوص أدبية تبلغ درجات عالية من الإتقان ويتم ذلك بمجرد طلب بكتابة رواية أدبية مثلاً عن موضوع نحدده ونعطي مجموعة خصائص عامة له ويتولى الذكاء الاصطناعي تحقيق المطلب بمهارة تفوق مهارات البشر. وهذه ستكون ميزةً لهذا الذكاء المصطنع حسب الادعاء طبعاً. غير أن هذه الميزة هي نفسها العلة، فالإتقان ليس مزيةً إبداعية وإنما هو صنعةٌ، وقديماً ميزوا بين شعراء الصنعة وشعراء الفطرة والسجية، ولم يقع التمييز مذ ذلك الوقت لغير سبب جوهري، ويعود ذلك لرؤية ثاقبةٍ تعي أن البشر أصلاً مجبولون من طينة النقص والضعف والحاجة لغيرهم من بشرٍ آخرين أو من طبيعةٍ مساندةٍ ومتحدية في آن. وهذا هو الدافع لكي نبحث لأنفسنا عن مخارج تحرر نقصنا وتفتح لنا أبواباً نراها مغلقةً فإذا شرعنا في التحايل عليها فتحنا ثغرةً نلج منها ونقتحم العقبة، ولكن دون أن نبلغ الكمال. ولو بلغنا الحس بالكمال فسنقف عند نقطة المنتهى وهذه نهاية وليست حالة وصول.

وهنا نأتي للعيب القاتل في الذكاء الاصطناعي وهو ما يتحلى فيه من حس الإتقان المطلق ومن ثم الكمال، وذلك لأنه مصممٌ على الدقة المطلقة ويظل مطلبنا منه هو بلوغ أقصى غايات الفعل في أي مهمة نسندها له. وهذه مسألةٌ مهمةٌ في الأمور العملية والإجرائية، ولكن ليست في الأمور الفكرية أو الإبداعية. وإذا لم يبلغ الكمالية ظلت التجارب تتوالى عليه لكي ينجز مطلب الإتقان.

في حين أن كل إبداع حقيقي فإن أهم سماته هي في قلقه المتصل بأنه لم يقل ما يشفي، ولن يكتمل أي إبداع مهما كانت درجة إبداعيته. وكل مبدع مرهونٌ دوماً بحس مشاغب بأنه لم يقل بعد ما يريد قوله، ويظل عمره كله تحت الشعور بأنه لم يكتب نصه المبتغى بعد. ويموت وفي نفسه حسرةٌ تعني أنه يرحل دون أن ينجز ما في قلبه. وهذا حس لا يتمتع به غير الإنسان، لأنه في حقيقته ناقصٌ وفي الوقت ذاته يطلب الكمال ويلهث خلفه، وعلامة ذلك أننا دوماً نرى نواقص غيرنا وبرغبات جامحة لكشفها وربما التقليل من مقاماتهم بسببها، وفي الوقت ذاته نغفل عن نواقصنا كما هو معهودنا السلوكي. وهذا اللهاث هو جوهر المعنى الإبداعي، وهو لهاثٌ لا يقف عند المبدع المفرد، بل يتعداه إلى غيره من المبدعين الذين مهما أعجبهم شخصٌ ما ظلوا يبحثون عن منقصة عنده يطربون لكشفها ويتعالون بها عليه، فيما يبدو أنه مجرد غيرةٍ أو عداءٍ بين الأنداد. ولكنه في النهاية سيكون محفزاً إبداعياً يدفع الحساد والغيورين والخصوم لأن ينتجوا غير ما تحقق أمامهم.

وهذه هي حالة «التدافع» التي سخرها الله لنا لكي نظل في تنافس مستمر. ونحن كعرب ننظر للمتنبي على أنه أشعر شعراء العربية، لكن كل شعراء العربية لم يسلموا له بهذه المزية ولم يتركوها مطلقةً له، بل ظلوا يلهثون وراء القصيدة الشرود التي لم يقبض عليها شاعر مفرد قط. وتظل مطلباً غير متحقق ولو تحقق المطلب لانتهى الإبداع وختم بشكسبير عند الإنجليز وأبي الطيب عندنا ودانتي وطاغور في بيئاتهم. ولكن هيهات أن نقول ذلك وقد لمسها ابن قتيبة بذكاء نقدي لافتٍ حين قال إن أشعر الشعراء من أنت في شعره حتى تفرغ منه، أي أن شعرية الشعر لحظتها تهيمن عليك فتقول هذه غاية المنتهى، ولكنك ستدرك أنها لحظة مؤقتةٌ متى ما انتقلت إلى لحظةٍ غيرها حيث ستكتشف غير تلك التي أبهرتك واختارتك في لحظتها، وهذه مخاتلة إبداعية لا تتوفر إلا بحدوث الحس بالنقص وعدم بلوغ المنتهى.

وهنا نقول لا خوف على الإبداع لأن الإبداع ليس في الاكتمال والتشبع، بل في ثغرات تتفتح أمام البصيرة الخارقة وتدخل في قلق المعرفة، ولما تزل البشرية تنتج الحكايات والأشعار والنكت والألحان والرسومات ولم تشعر قط أنها بلغت الحد الأعلى، وكل قمة نصل إليها ستتحول لسفح ٍ ننطلق من فوقه نحو قمة لم تلُح لنا بعد. ونظل نجري رغبةً ورهبةً منا ولها، إلى أن تلوح لواحدٍ منا فيأتي بما لم تستطعه الأوائل أو يدعي لنفسه هذه الدعوى.

وسيظل الذكاء الاصطناعي ينتج نصوصاً تخدعنا وتخيفنا وتهدد مستقبل الإبداع كما يقول المرجفون، لكن الإبداع سيظل مبتغى مطروحاً الآن وللأبد. وستظل العقول تتحرر من قيد الصنعة وتجترح طرقاً للتمرد البشري وهذا هو سر العبقرية وليست الآلة إلا خادماً مادياً يخدم اللصوص وتجار البضائع وليس بديلاً إبداعياً.

وأخيراً فإننا مع الذكاء الاصطناعي في معركة تحفيزية حيث يتحدانا بالكمال ونتحداه بالنقص

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الثلاثاء - 18 ذو القِعدة 1447 هـ - 5 مايو 2026 م

في كتابها الأساسي «أن تكون حراً.. النضج في نهاية التاريخ»، تُقدِّم لنا الفيلسوفة الألبانية «ليا إبي» مقاربةً فكريةً معمّقة حول مفهوم الحرية، عبر شهادة ذاتية حيّة لفتاة عاشت في طفولتها العهدَ الشيوعي قبل الانتقال إلى النظام الليبرالي الذي أخفق، حسب رأيها، في تقديم بديل ناجع للاشتراكية الكليانية التي ثار عليها الشعب الألباني.

المهم في هذا الكتاب، وفي الأعمال اللاحقة للفيلسوفة الألبانية، هو المعالجة النظرية الثرية لفكرة الحرية التي قامت عليها حركية التنوير الأوروبي الحديث.

وكغيرها من الكُتَّاب الذين يعالجون فكرَ الأنوار، ترجع «إبي» إلى أعمال الفيلسوف الألماني الكبير ايمانويل كانط الذي كان أولَ مَن فكَّر فلسفياً في حركة التنوير من منظور حرية الذات واستخدام العقل الراشد خارج وصاية السلطات الثقافية والمجتمعية.

ومع أن كانط ربط الحريةَ بالقوانين الأخلاقية، أي بالقواعد الكونية الضابطة للسلوك الجماعي، بما يدخل في إطار ما سمّته «إبي» التصورَ «العلائقي» للحرية، إلا أنه ظل متشبثاً بفكرة الوعي الذاتي المستقل دون الانتباه إلى أن الفردَ ليس مكتفياً بذاته، بل مندمج في كيان اجتماعي واسع، هو الإطار الذي يحقق فيه حريتَه. ومن هنا فإن الحريةَ الفردية تظل مجردةً ومثاليةً في غياب مؤسسات اجتماعية تَكفل العدالةَ والإنصافَ بين أفراد المجموعة الوطنية.

لا شك في أن هذا الإشكال مطروح راهناً بقوة على الفكر العربي المعاصر، الذي شهد منذ تشكُّله في بداية القرن الماضي استقطاباً حاداً بين مثال الحرية الفردية، الذي دافع عنه التيار الليبرالي بقوة ومثال التحرر الاجتماعي بمقوماته السياسية والأيديولوجية الكثيفة المعروفة.

ويؤرخ المفكر المغربي المعروف عبدالله العروي لهذا الاستقطاب في كتابيه «مفهوم الحرية» و«مفهوم الدولة»، الصادرين في بداية الثمانينيات، لكنه يهمل الجوانبَ النظرية المتعلقة بالجدل الفلسفي الراهن حول موضوع العدالة، الذي غيَّر نوعياً مسلكَ الحوار الدائر حول الحرية في جانبيها الأخلاقي والاجتماعي.

ما تضيفه نظريات العدالة بعد منعرج كتاب جون رولز الشهير، «نظرية العدالة» (الصادر عام 1971)، هو ضرورة التفكير في تحدي التفاوت الاجتماعي في سياق قانوني وسياسي يكفل المساواة في الحرية. السؤال يتجاوز بطبيعة الحال الصراعَ الأيديولوجي السابقَ بين النظامين الماركسي والليبرالي، لكونه يكشف من جهة عن ما تعانيه النظريةُ الليبرالية من تناقض جوهري بين منطلقاتها التحررية، وواقع الغبن والهيمنة الذي تفضي إليه، كما يكشف من جهة أخرى عن مأزق الحالة الاشتراكية التي تكرّس من خلال الاستبداد السياسي معادلةَ التفاوت الطبقي التي تَدَّعي مواجهتَها.

لا يتعلق الأمرُ بطبيعة النظام السياسي وخياراته الأيديولوجية، فقد تلاشت الحواجز والاختلافات بين الأنظمة السياسية، ولم تَعُد ثنائية اليمين واليسار ذات دلالة، ومن هنا أعاد الجدلُ في مسألة العدالة تَصوُّرَ موضوع الحرية في اتجاهات جديدة، من مظاهرها إشكاليةُ الاعتراف في أبعادها القانونية والقيمية والمجموعاتية، وإشكالية الهوية التي تخترق الاتجاهات السياسية التقليدية، والاستقطاب الجديد المعقّد بين ديناميكية الكونية وفكرة السيادة القومية.

لا يبدو أن الفكرَ العربي قد واكب هذه التحولات الفكرية العالمية، وبرهان هذا الحكم يكمن في أن سؤالَ الحرية لا يزال يُعالَج في أحد مسارين: النقاش الموروث من عصور الأنوار حول الحرية والوعي في علاقتهما بالمعتقدات الجماعية، والجدل الأيديولوجي حول منظومة الحقوق الفردية ومعايير المساواة الاجتماعية.

وخلال ما سمي «الربيع العربي»، انفجر هذا الجدل المضاعفُ في عدة ساحات عربية، ولعل جانباً أساسياً من فشل مشروع التغيير السياسي الذي حملته القوى الليبرالية (قبل اختطافه من الحركات المتشددة الراديكالية)، هو عدم معالجة اختلالات العدالة في المجتمعات العربية، واختزال المسألة الاجتماعية في الاعتبارات القانونية والنظم المؤسسية المجردة.

وفي تعليقه على أطروحة جون رولز، يقول الفيلسوف والاقتصادي الهندي «أمارتيا سن» إن النموذج الذي يقترحه رولز لا يصلُح إلا للمجتمعات الرأسمالية الصناعية الغربية، أما في غيرها من المجتمعات، كما هو الحال في بلدان الجنوب إجمالاً، فيجب طرْحُ تَحدي العدالة وفق القدرات والمؤهلات الفعلية المتوفرة للأفراد في الرهان الاجتماعي، لا الحقوق الصورية الضامنة للحقوق المتساوية خارج أي إطار موضوعي واقعي.

وخلاصة الأمر، هي ضرورة إعادة طرح مثال الحرية في الحقل الفكري العربي خارج الجدل التنويري الكلاسيكي حول الوعي والإرادة والحقوق المجردة، بحيث تكون شروط التحرر الفردي والاجتماعي هي هدف السياسات العمومية والنخب النهضوية القائدة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

3 مايو 2026 23:30

المفكر التونسي من عزلة الثلاثينيات إلى تأثير دائم في تحرير المرأة وتحديث المجتمع

ملخص: كتاب المفكر التونسي الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي صدر في تونس للمرة الأولى عام 1930، لا يزال حتى اليوم – في بعض أجزائه على الأقل – يثير سجالات، تدعو حتى بعض "متنوري" اليوم إلى انتقاده، وإن وقفوا إلى جانب أفكار رئيسة فيه واعتبروه، في مجمله، عملاً اجتماعياً تحريرياً يحاول أن يطوّر بعض المفاهيم الإسلامية المتعلقة بقضية المرأة

منذ عقود طويلة، يعتبر المفكر التونسي الطاهر الحداد معلماً وطنياً، تُكرَّم ذكراه، وتصدر الطوابع البريدية بصورته واسمه، وتُدرَّس بعض نصوصه الأساسية في المدارس والجامعات، ويُقال دائماً إن المكاسب التي حققتها المرأة التونسية منذ الاستقلال، وبدفع أساس من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ما كان يمكن أن تتحقق لولا كتابات الطاهر الحداد وجهاده في سبيل رفعة شأن هذه المرأة في المجتمع.

ومن المعروف أن بورقيبة في سياق تعاطيه مع قضية المرأة في تونس، إنما قرأ الطاهر الحداد جيداً، وطبّق الكثير من نظرياته. ومع هذا، إذا عدنا إلى بداية ثلاثينيات القرن العشرين، يوم كان الحداد فاعلاً في الحياة الثقافية التونسية، تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، كان هذا الكاتب "ملعوناً" من مجايليه، وليس فقط من الأوساط المحافظة المتشددة التي كانت تجد في آرائه "خطراً على المجتمع"، أي بالتحديد "على مصالحها في المجتمع".

ولم يتردد بعض ناقدي الحداد في أوساط أقل تزمتاً في اعتباره "فرداً من شيعة طه حسين وسلامة موسى وأضرابهما من رؤسائهما الملحدين المستنيرين بدعوى التجديد والإصلاح"، وفق تعبير الكاتب عمر البري المدني الذي أصدر عام 1931 كتاباً كاملاً للرد على طروحات الطاهر الحداد عنوانه "سيف الحق على من لا يرى الحق".

سجالات كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"

ولم يكن هذا الكتاب سوى حلقة من سلسلة كتب ومقالات تداعت للرد على الحداد والتحريض ضده، و"تفنيد" ما كان جاء في كتاب له، يُعتبر اليوم أساسياً وهو "امرأتنا في الشريعة والمجتمع".

والحال أن هذا الكتاب الذي صدر في تونس للمرة الأولى عام 1930، لا يزال حتى اليوم – في بعض أجزائه على الأقل – يثير سجالات، تدعو حتى بعض "متنوري" اليوم إلى انتقاده، وإن وقفوا إلى جانب أفكار رئيسة فيه واعتبروه، في مجمله، عملاً اجتماعياً تحريرياً يحاول أن يطوّر بعض المفاهيم الإسلامية المتعلقة بقضية المرأة. ومن هؤلاء من يتأرجح بين مناصرة كثير من أفكار هذا الكتاب والتحفظ على أمور أخرى، الدكتور الباحث الفلسطيني فهمي جدعان، الذي يقول في معرض تحليله لفكر الطاهر الحداد، في كتابه القيّم، بصورة إجمالية، "أسس التقدم عند مفكري الإسلام"، بعد حديثه عن رجوع الطاهر الحداد إلى الظروف المتغيرة كمبرر لتغيير بعض أحكام الشريعة: "هل الظروف المتغيرة التي تفرض ـ جدلاً ـ تغيير الأحكام هي ظروف الانحطاط الاجتماعي في الإسلام التي أصبحت لها قوة الإلزام، أم هي ظروف المدنية الغربية التي أصبح لسلطتها هي أيضاً، بسبب الغزو الخارجي أو الداخلي المقلد، الحق في تغيير الأحكام الشرعية؟ من الواضح أن كلتا الحالتين لا تسوّغ إخضاع الشريعة لما أخضعه لها الطاهر الحداد".

والحقيقة أننا نكتفي هنا بهذا المقدار من موقف جدعان، للإشارة فقط إلى أنه إذا كان هذا موقف كاتب متنور معاصر من أفكار أحد كبار المدافعين عن مكانة المرأة المسلمة والعربية في النصف الأول من القرن العشرين، فهل يُستغرب، حقاً، موقف معاصري الطاهر الحداد؟2694 altaheralhadad

الاجتهاد والتغيير بين الشريعة والواقع

مع هذا، فإن كلام الحداد واضح، لا يترك مجالاً واسعاً للتأويل، وهو كلام يمكن للفكر الديني والاجتماعي المعتدل أن يقبله، مع شيء من النقاش، إذا استرشد ـ مثلاً ـ بأفكار الشاطبي في "الموافقات" وبمبادئ من نمط "مقاصد الشريعة". خصوصاً أن الحداد أكد في كتابه أن "الإسلام ليس هو المسؤول عن المصير البائس الذي انتهت إليه المرأة في المجتمع الإسلامي"، وأن "المسلمين أنفسهم هم الذين يتحملون تبعة هذا البؤس، وذلك بسبب إنكارهم قانون التغير الاجتماعي ولضرورة التوفيق بين الشريعة والظروف المستجدة ـ وهو توفيق أثبته القرآن الكريم نفسه (وفق ما يؤكد الطاهر الحداد في سياق نصه) ـ وبسبب تعطيلهم حركة الفقه الإسلامي تعطيلاً قتل الحرف معه الروح، وألقى في قلوب القراء أنفسهم حب الراحة وخشية القلق، وشل عندهم كل مبادرة للاستجابة إلى الظروف المستجدة، وحبب إليهم الاختباء وراء الخطر المزعوم لكل محاولة اجتهاد جديدة".

الفكر في مواجهة السلطة: معركة غير متكافئة

إذاً، واضح في هذا الكلام أن الطاهر الحداد إنما يخوض "معركته" مموضعاً نفسه وفكره داخل الإسلام لا خارجه. ولئن كان زمن صدور كتابه هذا قد تواكب مع زمن صدور الكثير من الكتب العربية المماثلة الأخرى، التي تعرضت وتعرض أصحابها إلى حملات مشابهة ("في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وخصوصاً "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق)، فإن هذا يضعنا مباشرة في صلب قضية العلاقة الحتمية بين الفكر والسياسة. ذلك أن مثل هذه الكتب، وإن ارتدت شكلياً طابع الدراسات الاجتماعية والتاريخية والأدبية، فإن مفعولها في جوهره كان سياسياً، لأنها أتت لتطاول ذلك التحالف غير المعلن، لكنه البديهي، الذي كان يقوم بين السلطة السياسية ـ التي كان لا بد لها، في لحظة ما، من أن تدرك حدود تحركها حتى حين تشاء أن تمنح بعض المفكرين التنويريين هامشاً لتطوير المجتمع من دون خضات ثورية ـ وبين السلطة الدينية، التي لا يهمها أن تسمح بأي خرق لما هو سائد، وإن كان ـ بل خصوصاً إذا كان ـ يستند إلى الجوهر الثوري والإنساني للدين نفسه. ونعرف اليوم أن الفكر كان هو الذي ينهزم، في حينه، أمام هذا التحالف.

من القضية النسوية إلى القضية الاجتماعية الشاملة

غير أن هذا لا يعني أن الهزيمة نهائية، ولا سيما في حال الطاهر الحداد، الذي تابع جهوده متنقلاً من حيز المسألة النسوية إلى حيز القضية الاجتماعية ككل (وهو الذي يحمل كتابه الكبير الآخر عنوان "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية"). وهكذا نراه ـ وإن كانت جملة الظروف الخاصة به التي تلت شن الهجوم اللاذع على كتابه عن المرأة قد حرمته من متابعة دراسة الحقوق بأمر ملكي، ودفعته إلى قدر من الانطواء واليأس ـ يواصل، مخففاً، نضاله حول قضايا التربية والزواج والحجاب في المجتمع التونسي، موجهاً ـ وفق تفسير الدكتور جدعان ـ "نقداً عميقاً وصريحاً إلى غياب التربية المهنية والمنزلية والعقلية والأخلاقية لدى الفتاة التونسية"، كذلك "عرض لقضايا الحياة الزوجية والصحة والزواج القسري، وزواج القاصرات، وزواج الرجال أو النساء المصابين بعلل معدية…".

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم فكر الطاهر الحداد من دون العودة إلى مسار حياته القصير والمضطرب. فقد وُلد في تونس عام 1899 في أسرة متوسطة الحال، وتلقى تعليمه في جامع الزيتونة، حيث تشبع بالثقافة الدينية التقليدية، قبل أن ينفتح لاحقاً على تيارات الإصلاح والتحديث.

عمل في بداياته في مجال الكتابة والصحافة، وانخرط في الحركة الوطنية والنقابية، فكان من أوائل المدافعين عن حقوق العمال، كما يظهر في كتابه "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية". غير أن صدور كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" عام 1930 شكّل نقطة تحول حاسمة في حياته، إذ تعرض إثره لحملة تكفير وتشهير قاسية، حُرِم بسببها من مواصلة دراسته ومن العمل، وعاش في عزلة قاسية أثرت في صحته النفسية والجسدية.

ولم يعش الحداد طويلاً بعد تلك المحنة، إذ توفي عام 1935 وهو في السادسة والثلاثين من عمره، قبل أن يرى أفكاره تتحول، بعد عقود، إلى أحد الأسس الفكرية لإصلاحات كبرى في المجتمع التونسي. هكذا، يبدو الحداد مثالاً صارخاً لمفكر سبق عصره، دفع ثمن أفكاره غالياً في حياته، لكن التاريخ انتصر لها.

***

إبراهيم العريس - باحث وكاتب

عن اندبندنت عربية، يوم:  الخميس 30 أبريل 2026 12:44

لطالما كانت الفلسفة برحابتها وحيويّتها منبوذة ومجرّمة لدى كل المجاميع الأصولية، أو بالأحرى المتطرفة،، كل ذلك مصحوب بتكفيرٍ وزندقةٍ ومنع للكتب، وتشويه للنظريات الكبرى.

لكن منذ عقدٍ ونصفٍ من الآن ومع تغوّل «السوشيال ميديا» في توجيه المجال العام، رأت التيارات المتطرفة أن هذا المجال يُمكّنهم من إعادة تموضعهم النظري، وكل ذلك متزامنٌ مع تغيير الشكل، واللوذ بمنصاتٍ يتابعها الجيل الجديد، بحيث توجّهوا نحو موجة «البودكاست»، بغية إعادة تشكيل نفوذهم ودفن أفكارهم الماكرة بغطاء أسماءٍ فلسفيةٍ أو علمية ذائعة الصيت.

وإذا تأملنا في أي تراث، سنعثر على نتيجةٍ مفادها أن الإلحاح الكلامي والمحاججة اللاهوتية ممهورة بالمنطق، أو بالاستعمال الفلسفي، فلنقرأ سجالات ابن تيمية مع ابن رشد، ويمكن لغير المتخصص الاطلاع على كتاب مهم حوى أسس النقاش بين ابن تيمية وابن رشد لعبد العزيز العماري بعنوان «مناحي نقد ابن تيمية لابن رشد»، بمعنى أن توظيف الفلسفة لا يعني أنها حققت وظيفتها، فيمكن استعمال الفلسفة بصيغٍ شتى ومنها الأصولية والشيوعية وغيرها من التيارات التي استعملت الفلسفة بغية تعزيز نفوذها الأيديولوجي ومنح نظريّتها البعدَ العلمي.

رفائيل ليوجييه الفيلسوف والخبير الفرنسي في الدراسات الاجتماعية،  يضيف- وهو باحثٌ انبرى لهذا الموضوع-  في مقالةٍ له أن: «الإسلاموية المتطرفة تغذي كراهيتها للغرب ذات المصدر الأيديولوجي من المؤلفين الغربيين الأكثر تنوّعاً، مهما كانت اختلافاتهم الفلسفية والسياسية، أدنى انتقادات كارل ماركس، مارتن هايدغر، وإرنست يونغر، ستتم إعادة تشكيلها وفق قواعد اللغة الإسلامية، فالياسينية حركة إسلامية ثورية مغربية، لها بالتأكيد خصوصيات تميزها عن الأصوليات الجديدة الإيرانية، المصرية، غير أنّها مثل هذه الأخيرة تستعين بالأصوات الكبرى مثل برغسون، نيتشه، شبينغلر، أو حتى شيلر». وعلى هذا فقِس.

إن الاستعمال الأيديولوجي للأفكار الفلسفية، ظهر قبل ظاهرة «البودكاست» في كتابات رموز «الإخوان»، وثمة امتطاء مُحدّث وأصولي للأفكار الفلسفية له جذره وتاريخه، نتذكر كتابات محمد قطب، الذي سعى كما فعل شقيقه سيد قطب نحو تفعيل النقد العنيف للفكر الغربي للحداثة ومصائرها، من أجل تشويه الحضارة الغربية، عبر استعمال مفاهيم ونظرياتٍ فكرية وفلسفية. وهذا فعل مستمرّ حتى اليوم، ولكن بصيغٍ أشدّ خطورةً، وبمنصاتٍ أكثر انتشاراً، إذ سرعان ما ينطلق المتفلسف «الأصولي» ليصل نحو هدفه، من دون أي عناءٍ فلسفي يوحي بالمغامرة أو التحدي أو القفز على القناعات المضمونة.إنهم بهذه الصيغ الاستعمالية للنظريات الفلسفية وللأسماء التاريخية الخالدة يتغلغلون بصمتٍ ويكتمون «أصوليتهم»، ويجدون في هذا المجال الرحب مساحةً لضخّ المزيد من مفاهيم التصعيد والتثوير ضد المجتمع وينطلقون من حشوٍ فلسفي منقوص لتغذية الكراهية، والهجوم على مفهوم الدولة، ومؤسساتها.الخلاصة، أن ظاهرة «البودكاست» الفلسفي الذي تمكّن منه «الأصوليون» تأتي ضمن نمطٍ مخادع قشرته التغيّر نحو المدنية، وهذا جدّ خطير، إذ يكمن في باطنه مشروعٌ «أصولي» فتّاك، والانتباه لهذا الموضوع ضروريّ بغية توعية الأجيال الجديدة التي ربما ينطلي عليها هذا المكر.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 28 ابريل 2026 00:15

في كل بلدية معهد للموسيقى

أفصح اللغات العالمية هي الموسيقى، والمجتمع الذي يمتلك أذناً موسيقية جماعية يكون فيه المواطن مستعداً وقابلاً للعيش المشترك في سلام مع الآخر المختلف عنه، فالموسيقى لا تؤلف بين القلوب فقط بل تؤلف بين العقول أيضاً..  منعطف حاسم

اليوم حين يأمر رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بحسب بيان مجلس الوزراء المؤرخ في فبراير (شباط) 2026، بإنشاء معاهد للموسيقى في بلديات الوطن كافة والتي يبلغ تعدادها 1541 بلدية، فهذا موقف سياسي وجمالي نبيل يصدر عن أول مسؤول في البلاد، موقف يتماهى مع طبيعة المواطن الجزائري المحب للفرح، إنه قرار وموقف يدرك جيداً بأن بناء دولة حديثة ومعاصرة لا يكون بالأسمنت المسلح فقط ولكن أيضاً بأسمنت الجمال الناعم.

في الجزائر لم ينتبه كثير إلى أهمية مثل هذا القرار الذي أتمنى أن يتجسد على مستوى الواقع بكل أبعاده الحضارية والجمالية والسياسية، فهو قرار رئاسي يعيد للموسيقى مكانتها بوصفها مقاومة ناعمة ضد كل سلوك يائس أو بائس أو انتحاري.

إن فكرة إنشاء معهد موسيقي في كل بلدية هو مشروع حضاري كبير لا يقل أهمية عن مشروع مد خطوط السكك الحديد من العاصمة إلى تمنراست في الجنوب، والتي تبعد بنحو 2000 كيلومتر، ولا يقل أهمية عن مشروع تأسيس شركة مزارع وحظائر الأبقار في أدرار بالجنوب والتي ستغطي كما هو متوقع 50 في المئة من نسبة الحليب المستورد، ولا يقل أهمية أيضاً عن الاستثمار في منجم غار جبيلات للحديد.

إن مشروع معهد موسيقي في كل بلدية هو استثمار في منجم الإنسان صانع الغد وصانع الثروة وصانع السكك الحديد ومربي الأبقار وحامي الأمن الغذائي الوطني هو أولوية الأولويات، وإذا ما تأملنا الدلالات الفلسفية لمشروع معهد للموسيقى في كل بلدية سنجد بأنه يمثل ثورة ثقافية حقيقية.

علّمنا التاريخ الإنساني بأنه لا يمكن لأي مشروع اقتصادي أو تجاري أو فلاحي أو صحي أن يحقق مبتغاه في غياب نسيج ثقافي جمالي يحميه ويشكل من حوله طوق نجاة إن على مستوى الفرد أو الجماعة.

الموسيقى هي اللغة العالمية التي يتكلمها الجميع بغض النظر عن لغاتهم الأصلية المحلية وبغض النظر عن عقائدهم وأديانهم وألوان بشراتهم، وهذا المشروع الجمالي الحضاري الضخم المتمثل في إنشاء معهد للموسيقى في كل بلدية هو معركة حقيقية ضد التطرف، ضد ثقافة الانتحار، ضد ثقافة اليأس، هو الطريق إلى اكتشاف لمواهب موسيقية كثيرة كثيراً ما جرى اغتيالها يومياً بالصمت تارة وبالأحكام المسبقة تارة أخرى. لقد ركزت الدولة الوطنية طويلاً اهتماماتها على الجانب المادي المتمثل في توفير السكن والنقل والصحة والمواد الغذائية والتعليم، لكن هذه الجبهات على أولويتها وأهميتها القصوى لا يمكنها أن تكون محصنة إذا لم تتقدم في ظل مجتمع يكون فيه المواطن يعيش في علاقة منسجمة مع الثقافة والفنون الراقية، فلا المستشفيات ولا الطرقات ولا وسائل المواصلات العامة ولا المدارس ولا المساكن الاجتماعية يمكنها أن تظل في حال صحية جيدة إذا لم تكن متوازية مع إستراتيجية لتوزيع الخيرات الجمالية على المجتمع الذي يحضن هذه المشاريع المادية ويستفيد منها.

مواجهة خطر التطرف

إن مواجهة خطر التطرف بأشكاله كافة لا يكون على الجبهة الأمنية فقط، وإن كان لهذه الأخيرة دور كبير، إنما يجب أن يرفق هذا العمل الأمني بإستراتيجية محكمة لصناعة إنسان محصن ضد التطرف وكل الأمراض الأيديولوجية الفاسدة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال انتشار الموسيقى والثقافة وسائر الفنون الراقية.

حين يتجاور وبتناغم المسجد ومعهد الموسيقى وصالة السينما وخشبة المسرح والمدرسة، فاعلم بأن المجتمع يتقدم بخطى ثابتة ومن دون تطرف، وحين يأمر رئيس الدولة بإنشاء معاهد للموسيقى في كل بلديات البلد فإن مثل هذا الموقف ينم عن رؤية إستراتيجية شاملة لمفهوم التنمية المستدامة التي يكون فيها الإنسان المواطن هو الهدف الرئيس، مواطن متوازن يعيش بقلبه وعقله وساعده.

وحتى لا يذهب مثل هذا المشروع النبيل أدراج الرياح بوصفه مكسباً لبناء إنسان جديد، فيجب أن تكون ومنذ الانطلاقة هذه المعاهد قائمة على قوانين واضحة، وأن تتأسس على قاعدة صلبة يقودها فريق من المنشغلين بالشأن الموسيقى والفني حتى لا تتعرض للإهمال فتحول عن أهدافها التي أنشئت لأجلها.

الدول التي لا تصنع مواطنها بالثقافة والفن والعلم معرضة للانهيار في كل حين، لأن التركيز على الجانب المادي لا يمكنه أن يضمن مستقبلاً مشعاً وديمومياً للبلد، إن أفصح اللغات العالمية هي الموسيقى، والمجتمع الذي يمتلك أذناً موسيقية جماعية يكون فيه المواطن مستعداً وقابلاً للعيش المشترك في سلام مع الآخر المختلف عنه، والموسيقى لا تؤلف بين القلوب فقط بل تؤلف بين العقول أيضاً، فالموسيقى أخلاق سامية.

***

أمين الزاوي

عن موقع إندبندنت عربي، يوم: 23/4/2026

 

من أهم ما يؤسّس للعلاقات الإنسانية بين الحضارات ويسهم في عيشها المشترك ما يُسمى بالتّثاقف، وهو عملية يكون فيها تبادل التأثير بين ثقافات مختلفة، فيقع تلاقح ثقافي بينها فيجعل الحوار ممكناً على قاعدة مفترضة مشتركة. وهي ظاهرة قديمة تتبادل الشعوب المختلفة عبرها عاداتها وأفكارها.

عُرفت ظاهرة التثاقف في الحضارة اليونانية حين تفاعلت بقوة مع الحضارات الشّرقية القديمة خاصة مع طاليس وأفلاطون اللذين عرفت عنهما زيارتهما لمصر، زيارة علمية كانت لها أثار عميقة في فلسفتيهما. كما عُرفت هذه الظاهرة في الحضارة الإسلامية منذ أن عرّب عمر بن الخطاب الدّواوين إلى أن قام المأمون في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي بخطوته الكبرى في تأسيس بيت الحكمة الذي نقل الموروث اليوناني إلى اللسان العربي، وحقّق بذلك أكبر تثاقف فلسفي في الحضارة الإنسانية، قبل أن يُعْرف تثاقفٌ شبيه له مع اللاتين مذ ظفروا بطليطلة واتخذوها مركزاً لترجمة النّصوص الفلسفية العربية إلى اللسان اللاتيني، حتى إننا نجد نصوص ابن رشد الفلسفية قد ترجمت إلى هذا اللسان ولما يمض على وفاة الشّارح الأكبر أكثر من ربع قرن.

يعود الفضل في هذا التثّاقف بين العرب واللاتين إلى المراكز العلمية التي تكاثرت في ربوع العالمين الإسلامي واللاتيني، والتي جعلت هذا التثّاقف حبلاً سرياً يغذي الثقافتين، وإن كانت الثقافة اللاتينية أكثرها استفادة وأعظمها نفعاً.

ظلّ المسلمون عبر تاريخهم منفتحين على الآخر كما انفتح الآخر عليهم، وقد نتج عن هذا الانفتاح المتعدد تراث مشترك بين العرب واللاتين واليهود تجلى في الترّاث الفلسفي الإسلامي الذي كان الجسر الذي عبرت منه الفلسفة إلى الضفة الغربية، وكان لليهود، الذي عاشوا في المشرق الإسلامي، دور كبير في نقله والحفاظ عليه، حتى إننا نجد اليوم نصوصاً رشدية مفقودة في لغتها العربية لكنها حاضرة في اللسان العبري أو اللاتيني.

إنّني أعتقد أن من المداخل الكبرى لتأسيس تثاقف متين الاعتناء الأكاديمي العميق بالفلسفة الإسلامية ذات الثقافات الثلاث، فعلى مائدتها يلتقي الشّرق والغرب، وكل منهم يعتقد أنها مائدته التي أعدّها بعناية فائقة لأنها أصبحت جزءاً أصيلاً من موروثه العلمي والثقافي، فقد عرف أبناء الغرب من فلاسفة الشّرق ابن سينا وسمّوه «أفسينAvicen»، وعرفوا ابن باجة وسموه «أفامباس Avempace» وعرفوا ابن رشد وسموه «Averroes»، لقد جعلوا فلاسفة الإسلام جزءاً من تراثهم وخلعوا عليهم أسماء لاتينية وكأنهم يقولون بلسان الحال: هؤلاء منّا ونحن منهم.

إن العناية بالتلقّي العلمي لهذا التراث الفلسفي الضّخم عند المسلمين واللاتين واليهود، والفحص الفيلولوجي والنّصي له، ومُعاينة الكيفية التي أعيدت به صياغته ضمن كل من الثقافة الفلسفية العربية واللاتينية والعبرية لقمين أن يرد الاعتبار لهذا التراث الفلسفي المنسي والمغبون، وأن يزيح الغبار عن مئات من المخطوطات، بل الآلاف منها، والتي لا تزال ترزح تحت غياهب النّسيان في دهاليز مكتبات العالم، وكأنّها عزيز قوم ذُلّ، ويعطي نفساً قوياً لتثاقف معاصر أقوى لعيش مشترك ملاكه الثّقة المتبادلة لاختياله على بُسُط المعرفة والعلم والعرفان.

لقد ظلّت المراكز العلمية في الشّرق والغرب عبر التاريخ، ولا تزال، تقوم بهذه المهمة الجليلة، إذ ليس غيرها بقادر على حمل هذا العبء، عبء تجديد التراث الفلسفي والحفاظ عليه، إن هذه المهمة الجليلة لن يقوم بها سوى أفراد أنفقوا زهرة عمرهم مع هذا التراث ويحملون بين أضلعهم غيرة عليه، ولنا في الغرب أسوة بمراكز علمية قويّة يسكنها رهبان العلم والمعرفة، ويقدمون خدمات جليلة لتراثهم بتفان وإخلاص كبيرين.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 17 ابريل 2026 00:21

يقع الإنسان ما بين عقلٍ فطير وعقلٍ صنيع، ونعيش نحن بين الفطير والصنيع، ويحدث كثيراً أن نصل إلى نقطة لا يفترق فيها الفطير عن الصنيع، ولنأخذ عقل هيغل وسنقول إنه عقلٌ صنيعٌ بمعنى أنه تصنع بجهد خاص من صاحبه الذي قرر إشقاء نفسه بالأسئلة ليصل لحقيقة معنى الإيمان بوجود خالق للكون ورأى أننا لا بد أن نمر من العقل الفردي إلى العقل الجمعي ثم ننتهي لعقلٍ مطلقٍ تتحد فيه الروح مع العقل في نقطة تزول فيها الفروق بين ما هو روحي وما هو عقلاني، وهي عنده منطقة الإيمان والشعر والحب وهي مرحلة التجلي القصوى. وهذه مرحلة معقدةٌ طرحها بطريقة معقدة أحوجت برتراند راسل للاستعانة بشراح هيغل كي يبسط فكرة المطلق عند هيغل.

وهنا نستحضر العقل الفطري الذي لا يحتاج لشقاء الأسئلة ويكتفي بما يمنحه الطمأنينة ليقول مثلاً «الله ما شفناه لكن بالعقل عرفناه»، وتكفيه هذه المقولة العامية لكي يؤمن بأن له رباً خلقه ويرزقه ويعينه حين يبتهل إليه، ولن يحتاج لفلسفة هيغل ولا لعقل هيغل. والاثنان معاً وصلا للخالق، ولكن أحدهما اختار الشك الفلسفي والشقاء العقلي وأمضى معظم عمره الفكري في البحث عن سؤال الخالق بينما الثاني اكتفى بمثلٍ سائر يستجيب لفطرته ويمنحه طمأنينةً في متناول نظرته وراحته.

هنا نرى الفارق بين العقل الصنيع والعقل الفطير، بين عقل هيغل وعقل فلاح بسيط أو راعي غنم غافل، يطربه ثغاء الشاه وسط العشب الذي نبت فطرياً ولم يحتج لتحلية مياه البحر. بينما الأشقياء من الفلاسفة والمفكرين والنقاد يظلون مأخوذين بالقلق المعرفي ولا يرون الراحة إلا عبر الشقاء. ولن يطمئنوا للعقل الفطير، ويأنسون فقط بما يشقيهم في حين يقول الشاعر البدوي الأحيمر السعدي «عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى / وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ»، ويقابله المتنبي بقوله «ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ». وهذان خياران بين أن تستريح أو تقحم نفسك في شقاء الأسئلة، أي بين جانبك الفطير أو تطمح لتصنع غير الفطريّ. ولذلك يشقى ذوو العقول بينما يرتاح غيرهم حسب الزعم الثقافي، غير أن الواقع يشير إلى أن الشقاء أنواعٌ فهناك شقاء الأسئلة وهناك شقاء الإبداع. وكلاهما شقاء يرتضيه البشر ويتطلبونه ويجاهرون به، وهناك شقاءٌ نفسي يأتي من كدح الحياة وقسوة الظروف. وهذا شقاءٌ لا يفرق بين عقل وعقل ويقع فيه الفطريّ والفلسفي معاً.

وكما تشترك كل النفوس في الشقاء فإنها تشترك أيضاّ في العقل الفطير، وكل ذي عقلٍ كبير في حقلٍ ما سيكون فطيراّ في حقلٍ آخر، فالفيلسوف جاهلٌ مثلاً بعلم العروض أو في صناعة السلاح، وصانع السلاح فطيرٌ في مسائل النظريات النقدية. وهكذا تتبادل العقول الوظائف ما بين فطيرٍ ومعقد، وبين صنيع وفطري، وكلٌّ بعقله راضٍ من حيث إن كل عقلٍ صحيحٌ في حالته التي هو فيها، وسيتغير تبعاً لتحول الأحوال.

على أن أحوالنا كلها تتفاوت ما بين عقل وفطير وعقل صنيع فقد نبلغ مرحلةً عليا في تخصص ما أو فن ما فتكون عقولنا فيه رفيعة ومتميزة. وتقابلها حقول وأنشطة أخرى نظل فطريين معها. ولو افترضنا أن هيغل يعيش معنا اليوم وقرر دخول سوق الأسهم فهل ستنفعه نظرياته عن العقل الخالص والعقل المطلق، أم أنه سيقع ضحيةً لفطريته ويخدعه أصغر مستثمر مجرب. وهكذا هي أحوال البشر وتقلبات معقولاتهم وعقولهم في متواليات لا نهاية لها. وليس بمقدور عقل واحد أن يجيد كل مهارة بشرية، وسنظل عرضةً للنقص الذي يتقلب علينا ما بين حال لحال.

وكلما أحسسنا بالاكتمال فذاك طريقنا للهاوية. وهذه هي علة الآيديولوجيات الكبرى، تلك التي ترى أن بيدها حلولاً لكل تطلعات البشر، مما يجعلها تخلق الانحيازات وحالات الاستقطاب، ومن ثم الإقصاء والنفي لكل ما لا يتفق معها.

وهنا لنا أن نتصور حال ما نسميه «العقل المفتوح»، وهو ذاك العقل الذي يعي أنه ناقص، وأن العقول مختلفةٌ بالضرورة. ليس في ميولها فحسب، بل في قدراتها وتأهيلاتها. وليس هناك عقولٌ كبرى إلا بمقدار وعيها بنقصها وحاجتها لعقول أخرى غيرها ترى ما لا تراه وتقول ما لا تقوله، وهذا جوهر نظرية «التعددية الثقافية»، التي تمثل مرحلة ما بعد الحداثة وموت الكليات المطلقة.

والثقافة البشرية ذات طابع فسيفسائي، وإن اجتمعت فهو اجتماع الألوان وتناسقها ولكن عبر تمايزها وليس عبر إلغاء بعضها لبعض. ومن هنا فالعقل واحد يملكه الكل دون تمايز جذري، ولكن التمايز يأتي في «وظائف العقول» مما يجعله يتحول من مفرد كلي إلى متعدد وظيفي، والأخطر دوماً في ذلك كله هو العاقل الكامل ولنقل مدعي الكمال.

***

عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الثلاثاء - 19 شوّال 1447 هـ - 7 أبريل 2026 م

في تقويض الهذيان اليميني الذي يصوره عنصراً غريباً

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

***

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم. 

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.

***

ندى حطيط

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 19:20-1 أبريل 2026 م ـ 13 شوّال 1447 هـ

يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 29 مارس 2026 م ـ 10 شوّال 1447 هـ

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 18:50-28 مارس 2026 م ـ 09 شوّال 1447 هـ

كل تناولٍ لمجالٍ من دون إدراك أُسسه، وفلسفته يُعد عملاً فكرياً ناقصاً، ما يمتّن ويجوّد الدرس والقول والنظرية يكمن في التوجه نحو أصل المجال وفلسفته وتاريخه وظروف تكوّنه، ومن ذلك التناول السياسي، فالفلسفة السياسية أساسية لفهم الحدث وأثره وتشظّيه.

من الصعب فهم الإجراءات السياسية من دون ردّها إلى جذرها. بل إن الفيلسوف هارفي ك. مانسفيلد يعتبر الفلسفة السياسية أكثر مجالات الفلسفة حسماً، ولكن هذا لا يعني أنها المجال الأعظم في الفلسفة، فمهمّة الفلسفة السياسية تتعلق بمعرفة الذات، حيث لا يمكنك التفكير بشكلٍ كامل من دون التفكير في ظروف التفكير، وتُعد مهمة الفلسفة السياسية أن تربط بين الفلاسفة وغير الفلاسفة، بين ما هو معقول في الفكر، وما هو غير معقول، أو ما هو مميز أو سامٍ في الإنسان، وبشكلٍ عام أكثر بين ما هو مشترك لدى الأدنى من الإنسان، بهذا المدخل يجيب عن أسئلة مجلة «هارفارد» من أجل توضيح وجهة نظره حول نزعته السياسية المحافظة، راداً انتماءه إليها إلى تحليل فلسفي منظّم. (الحوار طبع ضمن كتاب: «حوارات فلسفية» عناية: جميلة حنيفي).

عادةً ما يتم تداول النزعة المحافظة باعتبارها حليفة التقليد، وبأن الليبرالي المحافظ ذو نزعة ارتكاسية ماضوية، لكنه يتناول هذه الدعاوى بكثيرٍ من التفصيل، صحيح أنه لا يرفض وصف «المحافظ» conservative لكنه غير راضٍ عنه. وتسبيبه أن هذا التصنيف ذو بعد سياسي، إذ يمكنه وهو محافظ أن يكون ليبرالياً، ولكن يقرّ بأنه سيواجه هنا معضلتين: الأولى: أن المرء إذا كان محافظاً فهذا يعني أنه متمسكٌ بالتقاليد، وعادةً ما يحتوي التقليد على عناصر متناقضة. ما يستوجب على المرء أن يكون انتقائياً، وليس مجرد محافظ. والثانية: تتعلق بمسألة التكتيك، هل يجب على المرء أن يسير ببطء أو يعود أدراجه؟

السير ببطء يعني الحفاظ على ما تم إنجازه، وإبطاءه عند المستوى قيد الإنجاز، ما يعني الحفاظ على وشيجة بين الماضي والحاضر، فالعودة إلى الوراء تعني «إحداث قطيعة» في تلك الوشيجة، وبالتالي عدم الحفاظ عليها. ويضرب المثال برونالد ريغان الذي يناصر التمسك بالماضي، بينما جورج بوش اختار السير بتأنٍّ، ثم يطرح مفارقة خلاصتها: «أن المحافظين معتادون على تبجيل المؤسسين، وهذا صائبٌ تماماً، لكن التأسيس فعلٌ غير محافظ، من المستحيل أن تكون محافظاً بشكلٍ دائم ومعقول».

الخلاصة، أن هارفي ك. مانسفيلد لا يُعد الفلسفة «الشتراوسية» محافظة بالضرورة، لأن «ليو شتراوس» نفسه قال إن رائحة السياسة المحافظة لدى أولئك الذين يتبعونني في التفكير، ومع أن معظم الشتراوسيين محافظون، فإن فيهم بعض الليبراليين، تتعلق المهمة بإحياء الفلسفة السياسية وليس بتغيير أميركا، نعم كون المرء شتراوسياً قد يجعله محافظاً ولكن ليس بالضرورة.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 مارس 2026 23:27

قُدّر على الإنسان أن يكون في هذا العالم ليمر بأطوارٍ متعدّدة في وجوده المادّي، كما خُلق أطواراً في وجوده الجنيني، ولكل طور أهميّته في تاريخية وجود الإنسان وتطوّره حتى يبلغ نهايته. ولعلّ من أهمّ أطوار هذا الوجود هذا الطّور الوسط بين الجنينية واليفاع، وهو طور الطفولة الذي تتحدّد فيه السّمات الكلية الثّابتة التي قلّما يفصم عنها المرء أو يحيد، حتى قيل إنّ الطّبع يغلب التطبّع، وقيل «الطفل أبُ الرجل»، في إدراك لخطورة مرحلة الطفولة وتميّزها عن طور الرجولة.

«عالمُ الطّفل غيرُ عالم الرجل»: أهم اكتشاف حديث قدّمه كتاب «إميل أو التربية» لجان جاك روسو، هذا الكتاب الذي اكتشف عالم الطفولة ببراءتها، وقدّم منهجاً للتربية يراعي الفطرة وعدم التدخّل فيها، بحجة مسؤولية الراشد تربية وتعليماً، بتعليمات تصطدم وقدرات الطفل وتطلّعاته وطرائقه الذاتية في التّعلم والتعليم، مما يُعطّل نموه الطبيعي.

فالطّفل يجب أن يُترك ليتعلم من الطبيعة، إنّ التعليم الطبيعي الموافق للفطرة والذي يراعي طبيعته الخاصة هو التّعليم القادر على أن يُخرج بالفعل كل ما أضمره الله تعالى في كيان هذا الطفل من إمكانات واستعدادات هائلة.

إذا كان روسو قد فتح قارّة علم التربية على مصراعيها وتحققت بعدها تراكمات أغنت هذا الحقل وجعلته، مع تطور العلوم الإنسانية والمعرفية، علوماً كثيرة، حتى أصبحنا نرى نماذج من أطفال قد وصلوا إلى النّضج في سنوات الصّبا أضعاف ما وصل إليه بعض الكبار في سنوات الرشد والنضج، فإن لنا نماذج من طرائق معتبرة في تربية الأطفال، من تراثنا، تصبّ في هذا المنحى وتسلك ذات المسلك.

تردّدت في تراثنا مقولةٌ تُحدّد مراحلَ التّربية في أربع خطواتٍ: «لاعبْ ابنك سبْعاً، ثم أدّبْه سبْعاً، ثم صاحبْه سبْعاً، ثم اتركه على غاربه»، فها هنا نجد أنفسنا أمام طرائق حديثة في التربية حيث تبدأ التّربية بـ«بيداغوجيا اللعب» التي تراعي فطرة الطّفل الذاتية في التعلّم، ثم «التّأديب» الذي يتيح للطّفل أدوات اكتشاف العالم بالضّروري من المعرفة العلمية، التي تُكوّن عنده قاعدةَ معارفه اللاحقة، ثم «المصاحبة» حيث يصبح المربي مرافقاً للطفل يساعده على التّعليم الطبيعي قبل أن يتركه للحياة يخْبرُها وتخْبُره.

ولنا في قصة حي بن يقظان تجسيداً لهذه المعاني اللطيفة، وبخاصة المعنى الأخير، ولابن طفيل قول طريف في هذا المعنى في مقدمة قصته الفلسفية. أوثر عن الرّسول الكريم أنّه كان «يُحسن إلى الأطفال ويمازحهم ويلين في تعامله معهم»، حتى إنه كان يلاطف طفلاً حزن على فقد طائر له، فيقول له: «يا عُمير ما فعل النّغير»، تعبيراً عن مشاركة عاطفية عميقة، وقد صرّح أنس بن مالك أنه خدم النبيّ الكريم عشر سنين، فما قال له أفٍّ قط، ولا قال له لشيء لمْ يفعله لو كان فعله، ولا لشيء فعله لِمَ فعله؟ والأمثلة على التّعامل مع الأطفال تعاملاً راقياً يراعي فطرتهم ويتيح لهم التّعلم من خبراتهم كثيرة في تراثنا، ولكن وجدنا أن هذه المساحة تقلّصت مع الزّمن مع ضيق عالم الطفولة واتساع عالم الرجولة، حتى احتوى عالمُ الرجل عالمَ الطفولة وكاد يضيّق عليه الأفق.

«أنتم أغلى وأعزّ ما يملكه الوطن»، بهذه الكلمات التي صرّح بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يتابع تراثنا مسيرته المشرقة في الاعتناء بتوسيع عالم الطفولة، وإعداد معاقد القلوب للمستقبل بتهييء فضاءات خصبة تنفتح فيها أزاهير المواهب وتنقدح فيها شرارة كل إبداع واعدٍ، ضمن حقل تربوي حديث، تزدوج فيها المعرفة والخبرة بالإشراف الحكيم.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 20 مارس 2026 14:58

في اللحظات التي تتداخل فيها خرائط النفوذ وتتشابك فيها مشاريع الهيمنة تحت عناوين أخلاقية جذّابة، لا يكون الامتحان الحقيقي للمثقّف في حدّة خطابه ولا في كثافة انخراطه في سجالات الاصطفاف، بل في قدرته على صيانة المسافة النقدية، التي تمنع تحوّله إلى مجرّد صدى لسرديات القوة. هنا تنكشف مفارقة مقلقة في بعض التجارب الثقافية العربية المعاصرة: إذ ينتقل المثقّف من موقع الضمير الذي يضيء التعقيد ويكشف التناقض إلى موقع الناطق غير الرسمي باسم مشاريع إقليمية تتغذى من توسيع مناطق الاضطراب وإعادة إنتاج منطق الجبهات المفتوحة.

لقد عرفت الثقافة العربية في تاريخها الحديث لحظات تعبئة كبرى، حين صيغت القومية بوصفها أفقاً للتحرر واستعادة المبادرة الحضارية. غير أن هذا الأفق حين انغلق داخل ذاكرة شعاراتية فقد مرونته التأويلية، وتحوّل من مشروع قراءة للواقع إلى آلية لإدانته. ومع صعود خطاب الإسلام السياسي في صيغته التعبوية، أعيد إنتاج المنطق ذاته بلغة أكثر شحنة وجدانية، فغدا كل صراع إقليمي امتداداً لمعركة كونية بين معسكرات مطلقة، وتحوّلت مفاهيم كـ«الهوية» و«المقاومة» و«العدالة» إلى مفاتيح تعبئة جاهزة لا تحتمل مساءلة التفاصيل ولا تعترف بتعقيد الوقائع.

في هذا المناخ تشكّل ما يمكن تسميته بـ«ميليشيا المعنى»، وهي جبهة ثقافية رمزية تتولى مهمة التأصيل السردي لمشاريع النفوذ. فبدل مساءلة دور الميليشيات العابرة للحدود في تفكيك الدول واستنزاف المجتمعات، يُعاد تقديمها في بعض الخطابات بوصفها تجليات بطولية لمقاومة تاريخية. وبدل طرح سؤال السيادة والاستقرار، يُعاد توجيه النقاش نحو سؤال الموقع في معادلة المواجهة الكبرى، حيث يصبح الانحياز معياراً أخلاقياً بديلاً عن النقد، ويغدو الاصطفاف فضيلة ثقافية تتقدم على واجب التفكيك والتحليل.

إن هذا التحول من النقد إلى التبرير ليس مجرد انزلاق سياسي عابر، بل هو تعبير عن مأزق عميق في تعريف «الهوية». فحين تُختزل العروبة أو الانتماء الحضاري في منطق الجبهة، يسهّل شرعنة كل تدخل خارجي يُقدَّم في صورة مواجهة لخصوم تاريخيين، حتى لو كان ثمنه تفكيك الدولة الوطنية وتعميق اقتصاد الفوضى. وهكذا تتكوّن جبهة إسناد ثقافية موازية للجبهات العسكرية، تؤدي وظيفة تطبيع السردية داخل المجال العام وتمنحها شرعية رمزية تتجاوز وزنها الواقعي.

ولا تقف خطورة هذا المسار عند حدّ نتائجه السياسية، بل تمتد إلى أثره على البنية الأخلاقية للثقافة. فالمثقف الذي يعيد تعريف الحرية والسيادة وفق حسابات التحالف الظرفي يفقد تدريجياً صدقيته الرمزية، ويتحوّل الخطاب الحقوقي في يده إلى أداة انتقائية تُستدعى حين تخدم السردية وتُغيَّب حين تربكها. ومع تراكم هذا النمط، تتآكل الثقة بين المجتمع والنخبة الثقافية، لأن الجمهور يلمس التباين الصارخ بين شعارات كبرى تُرفع في الفضاء العام ومواقف عملية تُدار بمنطق المصلحة الأيديولوجية الضيقة.

في المقابل، شهد الإقليم تحولات عميقة أعادت تعريف معنى القوة والريادة. فقد برزت تجارب عربية اختارت الاستثمار في التنمية وبناء المؤسسات وتحصين المجال الوطني بوصفه الطريق الأكثر فاعلية لصناعة النفوذ. هذا الانتقال من خطاب التعبئة إلى منطق الإنجاز أربك خرائط ذهنية رسّخت طويلاً أن المكانة تُقاس بحدة الصراع لا بقدرة البناء. ولذلك لم يكن غريباً أن تواجه هذه النماذج بنقد يتجاوز التقييم الموضوعي ليقترب أحياناً من نزعة تقليلية تستبطن قلقاً من تحوّل مركز الثقل العربي نحو براغماتية جديدة تعيد ترتيب الأولويات.

والتضامن مع القضايا العادلة لا يبرر الانخراط في تسويغ مشاريع نفوذ قد تُسهم في إضعاف المجتمعات التي يُفترض الدفاع عنها. كما أن استعادة المعنى الحضاري للعروبة لا يمكن أن تتم عبر استدعاء قاموس التعبئة، بل عبر المشاركة في صياغة أفق تنموي يوازن بين الكرامة الإنسانية ومتطلبات الاستقرار. فالثقافة التي تفقد شجاعتها النقدية تتحول سريعاً إلى جهاز تبرير، والمثقف الذي يتخلى عن وظيفته التأويلية يغدو مجرد عنصر في آلة صراع لا تصنع المستقبل بل تؤجل انهياره. لقد دخلت المنطقة طوراً جديداً تتراجع فيه فاعلية السرديات الكبرى القائمة على استحضار الماضي، وتتقدم فيه أهمية الكفاءة المؤسسية والاقتصاد المعرفي وشبكات الشراكة الدولية. وفي هذا الطور لم يعد المثقف قادراً على الاحتماء ببلاغة الاصطفاف، بل صار مطالباً بأن يكون مهندسِ معنى يحرر الهوية من أسر الشعارات ويعيد وصلها بضرورات العصر. وعندما يُعاد كتابة تاريخ هذه المرحلة، لن يُقاس دور المثقفين بعلو أصواتهم في جبهات الإسناد، بل بقدرتهم على حماية المعنى الأخلاقي للثقافة وعلى رفض الانخراط في ميليشيات الخطاب التي تزيّن الهيمنة باسم المقاومة وتبرّر الفوضى باسم الحرية.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 18 مارس 2026 01:43

القراءة هي أعلى درجات الحرية، وهذا هو ما كنا نظنه ونتصوره عن القراءة، وهذا الحس هو ما كان يصنع متعتنا، ومن ثم يطور معرفتنا بخيارٍ مطلق منا. وتتجلى هذه الحريةُ في المقارنة مع حالي الكتابة والتحدث، وفيهما نقع تحت طائلة شروطٍ كثيرة حيث نراعي معهما حالات الخطاب ومقامات التعبير شعوراً منا بواجبات القول وأخلاقيات التلفظ. وكذلك هو شعور بشرط مهنية الأداء، بما أننا فيهما نقدم كشف حساب ذاتياً أو مرافعةً اجتماعيةً تتحدد فيها قيمتنا أمام من يستقبل حديثنا أو كتابتنا.

ومنذ مطالع الثقافات يجري الحثّ على شروط فعل القول، «فلسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك». وقالوا «الأسلوب هو الرجل»، أي أن لفظنا هو معنانا، وبمقدار ما نكسو ألفاظنا بالمعاني التي نودّ توصيلها، فإن المنطوق أو المكتوب هو وجهنا وقيمتنا عند غيرنا، وكذلك مسؤوليتنا، وكثيراً ما يكون مصيرنا مرتبطاً بهما.

وفي قصة المتلمس مع ابن أخته طرفة بن العبد، وردت عبارة «ويلٌ لهذا من هذا»، وأشار بيده إلى لسان طرفة وإلى رقبته، وهي الحكاية التي انتهى فيها طرفة مقتولاً بسبب لسانه. وفي الإعلام الحديث، نرى كم من تغريدةٍ في منصة «إكس» قد تودي بمصير مغردها، في حين كان يظن أنها مجرد تعبير تلقائي، ولكن التلقائي دوماً ما يكون هو القاتل.

أما القراءة فقد ظلّت تمثل لنا ملجأً آمناً نهرع إليه كلما حاصرتنا ظروف الوقت. وسادت صناعة النشر في العالم، لأن المنشور ظلّ مادةً مطلوبةً، ومن ثم مربحةً بما توفره الكتب من متعة روحية ونفسانية، أو ما تقدمه من فائدةٍ تنمو معها مهاراتنا الذهنية واللغوية. ولا يتم ذلك إلا مع الكتب التي نختارها نحن بمرادنا الخاص، وحسب ميولنا التي تكشفها وقفاتنا الطويلة في سوق الكتب، ونحن نقلب صفحات أي كتاب نفكر بشرائه لكي نتأكد أنه يستجيب لحاجتنا له متعةً أو فائدةً. وكانت هذه حالة تسوقٍ مقبولةٍ، ولا قسر فيها، وقد حدث لي أن قرأت كتباً كاملةً في مكان بيعها من المكتبات الكبرى، خاصة حين ظهرت المقاهي في تلك المكتبات كجزء من التكسب عبر أكواب القهوة، ولكن تعلم الناس أن يستخدموها لاستعراض الكتب قبل شرائها، وكانت متعتي الجمع بين ترشف القهوة وتصفح عددٍ من الكتب التي أكون جمعتها كي أختار قراري الأخير معها، وأنتهي عادةً بشراء بعضها وترك أخريات، وحينها كانت قراءتي واشترائي تتم بحرية كاملة، وهي متعة من أجمل ذكرياتي في مكتبات أميركا وبريطانيا في السبعينات والثمانينات وما بعد.

ولكن فجأةً ظهرت حيلةٌ تجاريةٌ عبر حرص الناشرين على تغليف الكتب بغلاف لصيق لا يسمح لك بذاك الخيار الذي كان حرّاً، وهذه الحركة هي أخطر حيلة في التقييد على حرية القراءة وحرية الشراء، وهو تصرف تولد عن فكرة التسويق والإغراء وفرض شروط التجارة على حال القراءة، بما أن القراءة أصبحت مجلبةً للمال ومادةً للمتاجرة، وكان لا بد من صناعة الحيل لتنشيط سبل الربحية.

ولهذا نشأت مثلاً جائزة البوكر حين فكّر مجموعةٌ من الناشرين في سبل تحفيز الشراء، وصمموا جائزة ظاهرها تكريم الكتاب، ولكن نيتها توسيع حالات البيع، فجعلوا الفوز يمر بمراحلَ، أولاها اختيار ستة وثلاثين كتاباً لتكون في القائمة الطويلة للجائزة، ويعلن عنها وتنزل الكتب في السوق لبضعة أسابيع لكي تبيع ما تبيع بوصفها كتباً اختارتها لجانٌ متخصصة من أهل الصنعة وكبار النقاد. وهذا سيغري جموع القراء لاقتناء هذه الكتب المختارة علمياً ومنهجياً كما هو ظاهر الأمر، وتعززه الأخبار المدوية بأسماء تدهش وتلفت، ثم تأتي القائمة القصيرة بستة كتب فتبيع ما تبيع في وقت مفتوح لها إلى أن يحين وقت الدهشة الكبرى بالإعلان عن الكتاب الوحيد الفائز. وهذه ملحمةٌ تجارية تصنع أرباحاً تتضاعف بالتدرج، وبتوالي الأحاديث عن هذه الجائزة التي بمقدار ما تُشهر الكتب والأسماء فإنها تجني الربح وتضاعفه، ما يحقق رغبات الناشرين.

وفي هذه الحركة يجري توجيه مسارات الذائقة القرائية وفرضها عبر كون الكتب هي خيارات الكبار من أهل الصنعة، أو كونها محميةً بورق تغليف يمنعك من النظر والتصفح، وهذا يفرض عليك ذوق غيرك الذي أعلن لك قوائم يقول لك إنها الأعلى والأرقى، وفي الوقت ذاته يسلب منك حق الاختيار والاختبار والتصفح. ولذلك تفقد القراءة مزية كونها حرةً كما كنا نسميها ونميزها عن القراءة الإجبارية في المقررات الدراسية التي تعودنا على كراهيتها والتعالي عليها بعد الفراغ منها لأنها إجباريةٌ. وهكذا نخرج من إجبار إلى إجبار آخر، ولكنه هنا إجبارٌ تجاري يتقرر بلعبة الإغراء والتسويق. وكل جائزة تعلن تلاحقها الربحية بمثل أعداد القراء الذين يتحول عندهم إعلان فوز كتاب ما إلى دعوة لحفلات البيع التي ستملأ مداخل المكتبات الكبرى مع كل مناسبة من مناسبات الفوز، غير أننا ظللنا نظن أننا أحرارٌ فيما نقرأ وكيف نقرأ وماذا نقرأ، ولكن صناعة الكتاب تغيرت مع شروط اقتصاديات السوق مذ ظهرت سوق النشر وضغط الإغراء كحال أي سلعة تجارية.

ولكي تكون متميزاً فعليك أن تكون مثل غيرك، وهذه مفارقةٌ تسويقية خداعة. وكم اشترينا من كتبٍ تحت حس الواجب لكيلا نبدو خارج الواقع، وكم وجدنا أنفسنا مضطرين للكتابة عن أي فائز في نوبل مثلاً. وستكون فضيحةً لأي مثقف أن يقول إنه لا يعرف ذلك الفائز، وقد يضطر للكذب بأن يتظاهر أنه كان يعرف الكاتب قبل فوزه، رغم أنه لم يسمع به إلا بعد انتشار خبر فوز ذلك المخطوط الذي سيتصدر واجهات الصحف، كما واجهات دور البيع. وكم من دار ستربح من مبيعات الكتاب الفائز رغم أن ثلاثة أرباع من يشترون الكتاب لن يقرأوه كما تقول الاعترافات. وهنا ندرك كم فقدنا من حريتنا مع أمرٍ كان هو أعلى درجات حريتنا وأعلى درجات الامتحان لذائقتنا الخاصة التي لم تعد خاصةً بسبب ما تتعرض له من إكراهات تجعلك أسير الجو الثقافي الذي يتحكم في أنفاسك وذوقك وخياراتك فقط لتكون مثل غيرك رغم إيهامك بأنك صاحب الخيار والاختيار.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الثلاثاء - 21 رَمضان 1447 هـ - 10 مارس 2026 م

إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم 4 مارس 2026 م ـ 15 رَمضان 1447 هـ

في كتابه الجديد «عمق الحاضر: تاريخ الفكر»، يذهب الفيلسوف الفرنسي «رمي براغ» إلى أن الخطر الذي يتهدد الغرب المعاصر هو قطيعته مع جذوره اليونانية التي هي الخلفية الجوهرية «لخصوصياته» العقلانية.

بالنسبة لبراغ ما ميز العصر اليوناني الكلاسيكي هو الخروج من مرجعية الأسطورة في تفسير الأشياء الطبيعية وفهم الوجود من منطلقات عقلية محضة تفضي إلى حقيقة برهانية مشتركة بين العموم وقابلة للنقاش والدحض.

لا خلاف على هذه القراءة التاريخية للفكر اليوناني القديم، لكن الإشكال يبرز في مستوين: تحديد المجال الثقافي والحضاري اليوناني بربطه بأوروبا الحديثة التي هي مفهوم جديد يرجع إلى عصر النهضة، وإقصاء التقليد الإسلامي الكلاسيكي من الموروث العقلاني في تفاعله الحي والمكثف والمبكر مع الفكر اليوناني.

بخصوص الموضوع الأول، نحيل إلى أعمال المؤرخ المعروف بول فاين الذي بين فيها أن اليونان لم تكن «الأصل المقدس للغرب»، بل إن هذه المقولة ليست سوى سردية معاصرة ليس عليها دليل، فمن البديهي أن المجتمع اليوناني الكلاسيكي كان شديد الاختلاف عن الواقع الأوروبي من حيث التركيبة الدينية والأخلاقية وطبيعة النظام السياسي، وعلاقته كانت أساساً مع مصر وبلاد الرافدين.

ولسنا بحاجة إلى الرجوع للنصوص المحورية في الفكر اليوناني لندرك طبيعة هذه العلاقة، التي يكرسها المؤرخ الشهير هيرودوت في حديثه عن التأثير الديني المصري على المعتقدات اليونانية وفي ذكره لأوجه التداخل والتبادل بين المصريين واليونان حتى في المجال الفلسفي (سفر الحكيم صولون والفيلسوف فيثاغوروس إلى مصر)، كما أن أفلاطون بشير في عدد من محاوراته إلى هذا التأثير المصري.ثم لا بد من الإشارة هنا إلى أن الفلسفة اليونانية نشأت في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) خلال الحكم الفارسي لهذه المناطق التي ينحدر منها مؤسسو القول الفلسفي مثل طاليس وهرقليطس وانكسمندر..

وما يبينه مؤرخو الفلسفة هو أن العهد الروماني البيزنطي الذي ورث الحضارة اليونانية حارب الفكر الفلسفي من منظور ديني، إلى حد إغلاق الامبراطور جستنيان الأول آخر مدرسة فلسفية في أثينا سنة 529 ميلادية، وقد غادر فلاسفة تلك المدرسة مثل داماسكيوس (صاحب الشروح الهامة على أرسطو)، وهيرمياس وديوجونيس إلى البلاط الفارسي الساساني. وبعد إغلاق هذه المدرسة أصبح محور الفكر الفلسفي اليوناني في الإسكندرية (مركز الأفلاطونية المحدثة) وحران (مركز العلوم الرياضية والفلكية)، وإنطاكية (المنطق واللاهوت) والرها (جنوب شرق تركيا) والقسطنطينة...وعلى عكس التصور السائد حول تأخر دخول الفلسفة إلى التقليد العربي الإسلامي، يبين مروان راشد أن مفكري الإسلام الأوائل اكتشفوا الفلسفة اليونانية مبكراً وكان لها حضور قوي في نصوص المتكلمين المتقدمين الذين لم يروا فيها جسماً دخيلاً على الدين، بل هي داخلة في باب الحكمة المكملة للملة الصحيحة.

وبخصوص الموضوع الثاني، يبين الآن دي لابيرا صاحب الكتابات الرائدة في فلسفة العصور الأوربية الوسطى، أن المرجعية اليونانية للفكر الأوروبي الحديث مجرد وهم، ذلك أن العصر اللاتيني المتأخر لم ينفتح مباشرة على الفلسفة اليونانية، بل قرأها بعيون وتراجم عربية، إلى حد يمكن معه القول: إن الأوروبيين المحدثين تعلموا الفلسفة من العرب لا من اليونان. ولم يكن العرب مجرد مترجمين شارحين، بل انهم دشنوا إمكانات نظرية مختلفة عن الاهتمامات اليونانية مثل التمييز بين الماهية والوجود، وفكرة التجريد في علاقتها بالكلي التصوري، وإشكالية منزلة التفكير في الذات... وهي المسائل التي ستوجه لاحقاً مسار الفلسفة الأوربية الحديثة.

ليس من همنا إفاضة القول في هذه الاعتبارات التاريخية العلمية، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن خطاب الهوية الخصوصية الذي يسيطر حالياً على قطاع واسع من المفكرين الغربيين ومن كتابنا الذين استمرؤوا نقد المركزية الغربية، يقوم على وهم التمايز الجذري بين التقليد العربي الإسلامي والسياق الأوروبي.

لقد كان الغرض من احتكار الأصول اليونانية هو الفصل الراديكالي بين عالم الإسلام وعالم الغرب، وكان اختزال الفلسفة الإسلامية في نصوص معزولة لكتاب «منبوذين» الغرض منه القول بهشاشة وضعف الموروث العقلاني في تاريخ الفكر الإسلامي الكلاسيكي (بينما تؤكد المعطيات الموضوعية اتساع التأثير الفلسفي في التقليد الإسلامي الأوسع).

وحاصل الأمر أن فكرة الغرب نفسها ليست سوى وهم متخيل ومصطنع، والحقيقة التي لا مراء فيها هي التداخل الكثيف فكرياً وتاريخياً بين العالم العربي الإسلامي ومحيطه الواسع الذي هو قلبه ومحوره.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 1 مارس 2026 23:45

ليست أزمة الفقه في عصرنا ناشئةً عن قلّة النصوص ولا عن ندرة التراث، فإن النص محفوظ، والمدوّنات عامرة، والمدارس قائمة، وإنما منشأ الإشكال في ضعف المَلَكة التي تُحسن التعامل مع هذا التراث، وتُنزل النصوص منازلها، وتُميّز بين دلالاتها، وتجمع بين مقاصدها وجزئياتها. فالنص حاضرٌ بقوّته، ولكن الأهلية التي تستنطقه على وجهه الحقّ قد تراجعت، فاختلّ ميزان الفهم، واضطربت مسالك الاجتهاد.

المَلَكة الفقهية والأصولية ليست كثرة محفوظٍ، ولا جمع متونٍ، ولا سرعة جوابٍ في نازلة، بل هي هيئة راسخة في النفس، بها يقتدر المجتهد على إدراك مراتب الأدلة، والتمييز بين قطعيّها وظنيّها، ومعرفة مواقع العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ومجاري العُرف والمقاصد. وهذه الهيئة لا تُنال دفعةً واحدة، ولا تُختزل في مقرّرٍ دراسي، بل تُبنى بالتدرّج، وملازمة النظر، وممارسة التخريج، ومعاودة النقد، حتى يصير النظر سجيّة، والاستدلال طبيعة.

ومن أظهر مظاهر الخلل في الفقه المعاصر اختلال العلاقة بين النص والفهم. فطائفةٌ جمدت على ظاهرٍ لا تُجاوزه، فحوّلت النص إلى قوالب مغلقة، لا يُنظر في سياقها ولا في مقاصدها. وطائفةٌ أخرى أسرفت في التوسّع التأويلي، حتى صار النص مطيّةً للواقع، يُحمَّل ما لا يحتمله لسان العرب ولا نظام الشريعة. وكلا المسلكين ناشئٌ عن ضعف المَلَكة، لأن صاحب المَلَكة يعلم أن للنص سلطاناً لا يُهدر، وللفهم ضوابط لا تُتجاوز.

الأصل في علم الأصول أنه علمٌ لضبط الفهم، لا لتكثير الأقوال. وبه يُعرف كيف يُستنبط الحكم، لا كيف يُستحسن الرأي. فإذا غاب هذا المعنى، تحوّل الاشتغال الفقهي إلى استعراضٍ للنتائج دون عنايةٍ بمسالكها. والمَلَكة الحقّة تقتضي أن يعي المجتهد أن الدلالة طبقات: دلالة وضعٍ، ودلالة سياق، ودلالة استعمال، ودلالة مقصد. فمَنْ اقتصر على واحدةٍ دون أخرى أخلّ بالبناء، ومن جمعها بميزانٍ مختلّ أفسد التقدير.

ثم إن للذات المجتهدة موقعاً دقيقاً بين النص والواقع. فهي ليست منشئةً للحكم من عند نفسها، ولا متلقّيةً له تلقّياً آلياً مجرداً عن النظر، بل هي كاشفةٌ عنه بواسطة أدواتٍ منضبطة. وبهذا المعنى، فإن الاجتهاد فعلٌ بشريٌّ محكوم، تحيط به شروط الأهلية، ويُقيّده لسان العرب، وتضبطه مقاصد الشريعة، وتُرشده قواعد الترجيح. فإذا لم تُدرَّب النفس على هذا التوازن، مال النظر إمّا إلى ادّعاء الحياد المطلق، أو إلى إطلاق العنان للذوق والميول.

ومن ركائز المَلَكة كذلك إدراك أن التأويل ليس خصماً للنص، بل وسيلة لفهمه عند تعدّد الاحتمال أو تعارض الظواهر. غير أن التأويل المشروع ما كان مستنداً إلى قرينةٍ معتبرة، أو مقصدٍ كليٍّ ثابت، أو جمعٍ صحيح بين الأدلة. أما التأويل التبريري الذي يُراد به إخضاع النص لضغط اللحظة، فليس من الاجتهاد في شيء، وإنْ تزيّا بلباسه. فالمَلَكة تُميّز بين تأويلٍ يُعمّق الدلالة، وتأويلٍ يُفرغها.

وتبرز هنا مسألة السياق: فالواقع معتبرٌ في تنزيل الأحكام، لكن اعتباره لا يعني الذوبان فيه. فالفقيه الحقّ هو الذي يُحسن تصوير النازلة، ويُنزّل عليها الحكم بعد استكمال شروطه، دون أن يجعل الواقع مصدراً للحكم ذاته. والفرق دقيقٌ بين مراعاة الواقع واستمداد التشريع منه. ومن لم تُحصّنه المَلَكة وقع في أحد طرفين: إمّا أن يُهمل الواقع فيُنتج فقهاً معزولاً، وإمّا أن يُغرق فيه فيُنتج فقهاً تابعاً.

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للمَلَكة تقتضي إصلاح مسالك التكوين: إحياء الدرس اللغوي العميق، وتعميق النظر المقاصدي دون تفلّت، وتدريب الطلاب على التخريج والمقارنة، لا على الحفظ المجرد. كما تقتضي إحياء روح المسؤولية في الاجتهاد، حتى يُدرك المتصدّر أن الفتوى ليست رأياً شخصياً، بل تنزيلاً لحكمٍ شرعيٍّ يُسأل عنه أمام الله والناس.

إن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل لدينا نصوص كافية؟ بل: هل لدينا عقولٌ مؤهلة لاستنطاقها؟ وهل مناهجنا تُخرّج حافظاً أم تُنشئ ناظراً؟ إن أزمة الفقه ليست في مادته، بل في آلته، ليست في النص، بل في ضعف المَلَكة التي تتعامل معه. فإذا استُعيدت هذه المَلَكة في إطارها الرصين، عاد الاجتهاد إلى مساره الطبيعي: أمانةً للنص، وفقهاً للواقع، وعدلاً في التنزيل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 26 فبراير 2026 00:43

«إنني أقرأ لأنني نسيت»... هذه المقولة أطلقها رولان بارت، وهي التي تكاد تكون الحقيقة الأولى في الأدب وفي الفن. إننا نقرأ الأدب ونتمتع بالفنون نظراً واستماعاً لا لشيء، إلا لما نجده فيها من انعكاسات لأنفسنا. إنها نحن معكوسة أمامنا في أبيات شعرية أو حبكة روائية أو خطوط على لوحة... أو نغمة موقعة، (مقتبس من كتابي «الخطيئة والتكفير»). ومنه أنطلق لوظيفة النسيان في الإبداع.

ولو تصورنا كم تنتج أذهاننا من أفكارٍ في ساعة واحدة مثلاً، لما أحطنا بذلك عدداً، وكل حركة تمرّ بنا أو صورة أو صوت ستترك جميعها على صفحة الذهن صوراً ذهنية تتحول مع الوقت إلى أفكارٍ حسب حال ما نستقبله وما نسمعه وما نشمه. وكثيراً ما تكون هذه ظنوناً حسب مصطلحنا العام أو أوهاماً وهواجسَ، لكنها كلها تترك أثرها فينا ويختزنها الذهن وستذهب هناك في مخازن الذاكرة ظناً منا بأننا نؤجلها لتنقيحها وتنقيتها أو التخلص منها. والذهن تلقائياً يفعل فعل المحو المتصل، فكل صورة جديدة تدخل للذهن تنسخ سابقتها بمعنى إيداعها في خانة النسيان، وكل وجه يمر بنا سيتزاحم مع وجوه قبله.

وقد يلتصق بنا وجهٌ محدد أو صوتٌ محدد أو رائحة، ولكن ذلك كله سيمر وكأنه لم يحضر ونحن نعرف ذلك بخبرتنا مع ما يقع لنا في حياتنا اليومية ونعرف من خبرتنا أننا سننسى، ولذا نلجأ لتسجيل بعض الحوادث اللافتة إما بالتقاط صورة أو رصد ملاحظة على ورق أو تثبيتها باستمرار تحت مظنة التفكر فيها، إلى أن يطرأ ما هو أشد إلحاحاً فيسرق لها نقطة اهتمامٍ مباشر وبمقدار إشغالها لتفكيرنا فهي ستتوثق معنا. وهذا ما يجعل التركيز على أي حال استقبالاً ذهنياً يفعل فعله في إلغاء غيره مما تخزّن من قبل.

وهذا يعني أننا مرهونون لفعل النسيان والمحو مع كل خطوة نخطوها طوال يقظتنا. وكذلك نجنح لنسيان أحلامنا في المنام وقليلٌ نادرٌ منها ما يتبقى ويظل معنا ولو لبعض الوقت.

ونحن ننسى فعلاً، والذاكرة الجمعية للبشر أيضاً تنسى، وفعل التذكير يصبح ضرورياً لاستعادة ولو بعض المنسي. كما أننا نمارس التغافل وهو وجه من وجوه التناسي. والتغافل فعلٌ أخلاقي وترفعٌ سلوكي وأحيل هنا لكلمة ابن حنبل في أن «التغافل تسعة أعشار حسن الخلق» وأنك لكي تعفو لا بد أن تنسى وهي قيم أخلاقية عليا لها وظيفةٌ تحقق سلامة الضمير وتحريره وتعني العيش بسلام، وهذه ضرورية للعلاقات العامة وللأمن الاجتماعي.

وقد يكون التذكر نقمةً حين يكون سبباً للحقد أو الرغبة في الثأر، والثأر حس شيطانيّ شخصه غاندي بقوله «الثأر هو أن تعظ الكلب الذي عظك».

على أن التذكر الكامل الذي نسميه الحفظ يكون مزحوماً بالتفاصيل، والتفاصيل تقتل الإبداع كما تفعل التخمة بالجسد، حيث تفسد حس التذوق، ولكن نصف التذكر يحفز الذهن لتغطية الناقص وهذا مدعاةٌ للإبداع. والأبلغ إبداعية هو حين ننسى الحدث بالمطلق، وهنا تنشط المخيلة لاستعاضة المفقود كما فعلت الثقافة مع قيس بن الملوح حيث أفقدته عقله أولاً، ثم جعلته يهيم بليلاه العامرية، وهو الاسم الذي أصبح مطلباً لكل شعراء الحب والفقد والتعلق اقتداءً منهم بالمجنون تعشقاً وتأسياً. وكل فقدٍ هو مدعاةٌ لإبداعٍ يسد مسد ما فات.

غير أن هناك صيغاً للنسيان تعطي نتائجَ سلبيةً كأن ننسى المعروف أو ننسى حق غيرنا علينا أو ننسى درساً في لحظة الامتحان، أو حبة دواء تضبط جريان الدم في الجسم. وهذا النسيان الضار، ويجاريه النسيان النافع كحال الكوليسترول النافع يقابله الآخر الضار.

ومن ثم فإن وظيفة النسيان وظيفة حيوية تفوق وظائف التذكر من حيث مزايا النسيان أو مخاتلاته، وكل مزية لها وجهها السلبي، فقوة الملاحظة مثلاً ترهق صاحبها ولو غفل استراح. وفي النهاية فلعبة التذكر والمحو هي لعبة إبداعية تجلت لدى مجنون ليلى بقوله:

عَشيَّةَ ما لي حيلَةٌ غَيرَ أَنَّني

بِلَقط الحَصا وَالخَطِّ في الدارِ مولَعُ

*

أَخُطُّ وَأَمحو كُلَّ ما قَد خَطَطتُهُ

بِدَمعِيَ وَالغِربانُ حَولِيَ وُقَّعُ

فالخط والمحو هو الصيغة الشعرية لفعل الذاكرة في لعبة التذكر والتناسي. ولا تستقيم أمور الحياة العقلية ولا الوجدانية إلا في تداول مستمر بين التذكر والنسيان، وهذه وظيفة النقص في البشر، حيث تتحرك العقول لسد النواقص ومنه تأتي الابتكارات والاختراعات وكذلك فتوحات الإبداعات الكبرى.

ويبلغ النسيان أخطر درجاته حين يكون متقّصداً وهو الذي نسميه بالتناسي، وهذا جرمٌ ثقافي فتاك ومن أقصى أمثلته تناسي دور المرأة في الفلسفة، وبما أن الفلسفة هي أعلى درجات الفكر الحر، فإنها وقعت تحت سوط الاحتكار الذكوري مثلها مثل الفحولة الشعرية، وكلاهما حكرٌ على الرجال رغم وجود عشرات الفيلسوفات على مر التاريخ، وقد جرت محاولاتٌ لاستعادة ذاكرة الفيلسوفات، ولكن بعد أن تمكن التناسي من سحق وجودهن حتى لم يعد ينفع معه أي مسعى لتذكير ما طمسته الثقافة.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الثلاثاء - 07 رَمضان 1447 هـ - 24 فبراير 2026 م

التأم في القاهرة مؤخراً المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري التابع للأزهر الشريف، حول موضوع الفرق الإسلامية «من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية». ومن الواضح أن الغرض من تأسيس هذا المركز في أحضان الأزهر الذي كان في السابق القلعة الأساسية للأشعرية في العالم السُّني، هو تجديد مناهج علم الكلام الذي كاد يتلاشى في العقود الأخيرة التي سادت فيها أَدْلجة الدين وتسييس العقيدة.

في السنوات الماضية، أصبحت أهم الأعمال حول علم الكلام الأشعري تصدر أساساً في الجامعات والمؤسسات البحثية الغربية، في حين تقلّص الاهتمام بهذه المباحث في أعرق الجامعات العربية، رغم أن جُلَّ أهل السنة لا يزالون متشبثين بالعقيدة الأشعرية التي هي مذهب أغلب أئمة التوحيد والفقه في التقليد الإسلامي الوسيط.

والواقع أن منزلة علم الكلام الإبستمولوجية لا تزال تطرح إشكالات معقّدة، بحيث تتباين الآراء حول هذا العلم، هل هو نمط من اللاهوت الإسلامي، أو ممارسة حوارية جدلية، أو فلسفة كاملة في الدين تقدم رؤية شاملة للعالم؟

وفي مقالة بعنوان «علم الكلام» صادرة سنة 1992، يُبيّن المستشرق الأميركي ريتشارد فرانك أن هذا العِلم ليس مجرد صناعة خطابية جدلية للدفاع عن «العقيدة الصحيحة»، كما يُقدَّم عادة في التراث الإسلامي، بل هو نسق فلسفي متكامل له مناهجه ومفاهيمه الخاصة، وقد تناول إشكاليات طبيعية وأخلاقية ودينية معقّدة مثل الحرية الإنسانية والعدالة الإلهية ونظام الطبيعة.ما يميّز علم الكلام عن اللاهوت، حسب رأينا، هو كونه لا يصدر عن منطق «عقلنة الاعتقاد في الموضوع الإلهي»، كما هو الشأن في اللاهوت المسيحي، فالمتكلمون متّفقون على أنه لا سبيل للبحث في الذات الإلهية، وإنما الاكتفاء بأثر الصفات في العالم والتجربة الإنسانية. وهكذا ندرك أن المباحث الكلامية تتمحور حول الطبيعة والوجود والأخلاق، ولا تتعلق بالميتافيزيقا ذاتها.

بيد أنه لا بدّ أن نبيّن في ضوء ملاحظة ثاقبة لابن خلدون في مقدمته أن علم الكلام انتقل منذ نهاية القرن الخامس الهجري إلى نمط من الخطاب الفلسفي الذي يتجاوز منهج الإلزامات الذي كان سائداً من قبل، بيد أن ما يعتبره ابن خلدون «طريقة فلسفية في الكلام» نراه مظهراً لتحول إبستمولوجي نوعي بدأ مع الغزالي وفخر الدين الرازي، اللذيْن استكملا المنعرج الأنطولوجي الذي دشّنته المدرسة الاعتزالية الأخيرة (البهشمية) من خلال استخدام القاموس السينوي.

ما أوضحَتْه كتابات الغزالي، في امتداداتها لدى الشهرستاني والرازي، هو ضرورة الانتقال من عِلم الجدل العقدي إلى فلسفة الدين، بحيث يتحول علم الكلام إلى مجرد مدونة اعتقاد لعموم أهل الملة، وتُصاغ مسائل النظر الإشكالي في الطبيعة والأخلاقيات والإلهيات في قوالب فلسفية تسبطن الروحانية الإسلامية في مرتكزاتها الصوفية العميقة.

وهكذا ندرك أن الأشعرية المتأخرة تحوّلت بالفعل إلى منظومة اعتقاد جماعي في مسائل الصفات والقدر والإمامة، فانتشرت على نطاق واسع، لكنّها انفصمت عن أفقها الفلسفي الذي كاد يختفي في العالم السُّني.

الأدهى من هذا كله، هو أن الأشعرية تعرّضت لضربات متلاحقة، من النزعات الإصلاحية التي رأت فيها علامة على الجمود والانغلاق والجبرية (باستثناء محاولة محمد إقبال الرائدة في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام)، ثم من الاتجاهات الحداثية التي ربطتها زوراً باللاعقلانية والاستبداد (محمد عابد الجابري وحسن حنفي)، في حين حاربتها حركات الإسلام السياسي وأرادت استبدالها بما سمّته «التصور الإسلامي الخاص».

لقد ظلّ الباحث المصري علي سامي النشار يُغرِّد سنوات طوالاً وحده، داعياً إلى إعادة الاعتبار للأشعرية، من حيث هي التعبير عن المضمون العقدي المعتدل والمتسامح للإسلام السني، إلا أن الدراسات الغربية الجديدة قدّمت فعلاً خطوات ملموسة في اتجاه إبراز الجوانب الفلسفية العميقة في التقليد الأشعري، حتى في الموضوعات التي كانت في السابق مدار جدل واعتراض مثل نظريات الجوهر الفرد والكسب وقانون تأويل الصفات والأفعال... ومما يُحمَد لشيخ الأزهر الحالي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب أنه بادر منذ توليه المسؤولية العليا إلى إعادة الاعتبار للأشعرية، وقد دعاني مع عشرات المختصين والمهتمين بفكر الإمام الأشعري إلى مؤتمر علمي حاشد عُقد في القاهرة منذ سنوات، وليس المركز الذي بدأ نشاطه العلمي خلال الآونة الأخيرة سوى ثمرة لهذا الجهد المبارك. وحاصل الأمر، أن العودة للأشعرية في تراثها العلمي وبنائها الفلسفي ضرورة قصوى لتحرير الإسلام من تعصُّب العقائد الجامدة والأيديولوجيات السياسية التي قوّضت روحانية الدين وألغت جوانبه العقلانية الثرية.

***

 د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 22 فبراير 2026 23:51

اشتغل صمويل هنتنغتون في مقالته: «صراع الحضارات» (عام 1993 التي صارت كتاباً عام 1996) على مقولة إنّ لكل حضارةٍ جوهراً مكوِّناً لا يتغير هو عبارة عن دينٍ معين. وفي اعتباره أنّ الحضارات الحية الباقية ما بين سبع وتسع توشك أن تنضوي جميعاً تحت مظلة الحضارة اليهودية المسيحية، باستثناء الحضارة الإسلامية التي تمتلك حدوداً دموية، أي تُواجِه الحضارة المنتصرة بالعنف، وتأبى الانضمام إلى ركب الحضارة الفائزة، بعد إسقاطها للاتحاد السوفياتي!

ومن طريقٍ معاكس تعظيمي للحضارة العربية والإسلامية، توصل الراديكاليون الديكولونياليون الكارهون لهنتنغتون إلى النتائج نفسها: الإسلام دين عظيم وحضارة مكتملة، والغرب وتنويره وحداثته هو الصانع لكل شرّ لا يمكن للإسلام التلاؤم معه. أما الذي يتوهم إمكان التلاؤم فإنه يوشك أن يخرج من الإسلام!

وهكذا، فاليمين الغربي يعتبر الإسلام خارجاً على الحضارة بعنفه. أما اليسار الديكولونيالي، فيقول بوجوب الخروج على الغرب الذي هو بدوره يتآمر عليه ويرمي لإبادته.

والواقع أنّ كلا التيارين (اليميني واليساري) مخطئٌ في فهم العرب والمسلمين وتقديرهم. وقد بدأ اليمين العلماني هذا النزوع في أواسط القرن التاسع عشر، عندما اكتشف إرنست رينان، المفكر والفيلولوجي الفرنسي، ابن رشد والرشدية اللاتينية التي عملت على تحرير أوروبا من الظلامية الدينية. وفي الوقت نفسه ألحق الإسلام واليهودية بالعقلية السامية الجامدة التي لا تعرف الإبداع(!). ومنذ ذلك الوقت، احتار «المستشرقون» في تكييف الإسلام، سواء اعتبروه من نتاجات العقلية السامية، أو اعتبروه خصماً شرساً للمسيحية وأطروحاتها الإنسانية، أو أنه شهد زمان نهوض، عندما كان المسلمون يفيدون من التراث اليوناني، حتى إذا أعرضوا عن ذلك انتصر لديهم الانحطاط، وهو الانحطاط الذي حَلَّل جموده وكوارثه برنارد لويس... وهنتنغتون وآخرون!

ومنذ إدوارد سعيد، وإلى يساره فيما صار يُعرفُ بتيار التابع (subaltern)، تصاعدت الحملة الشعواء على الغرب الآثم العامل على إبادة العالم وإبادة نفسه. وهذا تقليد منذ أيام الاستعمار وفي شتى العلوم والسلوكات. عند إدوارد سعيد كان الإسلام (في كتابه: تغطية الإسلام) مظلوماً في العلوم والإعلام والثقافة بالغرب، ثم نما هذا الميل و«تردْكل» واتجه إلى التاريخ الفكري والفقهي والفلسفي، فتبلور الإسلام عبر التاريخ باعتباره نظاماً كاملاً يكون عليه أن يصادم الغرب المتآمر عليه وعلى العالم. وكما أفاد الإسلامويون من نزعات إدوارد سعيد المخاصمة للغرب، أفادوا أكثر من نزعات الديكولونياليين المنتشرين في الهند وأميركا اللاتينية والجامعات الغربية(!). نعم، يزدهر اليوم الغضب على الغرب بسبب حرب الإبادة في غزة.

وبالطبع فإنّ هاتين النزعتين: نزعة «الإسلام ضد الحضارة» ونزعة «الإسلام عَلَم الحضارة»، تتغذيان من الهيام بالغرب أو كراهية الغرب. فلا يمكن تهميش الإسلام وحصره في بوتقة الاستشراق، وهو واقعٌ في قلب العالم منذ القرن السابع الميلادي. ومن عالمه ومن حوله خرجت الديانات الإبراهيمية، وهو الذي قاد الحضارة العالمية لثمانية قرون. وحتى القرن السادس عشر عندما حمل البرتغاليون المدافع على سفنهم التجارية، كان الصينيون والمسلمون هم سادة التجارة العالمية وحواملها الثقافية. وحتى عندما كان الاستعمار سائداً في القرن التاسع عشر، ظلَّ خير الدين التونسي يسعى لإقناع الغربيين وبني قومه بأنهم شركاء، وكذلك الأمر نفسه حاوله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في «العروة الوثقى»: «ضرورة التحرر من الاستعمار الأوروبي لأننا شركاء في الدين والثقافة والتاريخ والأخلاق، وليس بيننا سيدٌ ومسود»!

لا نستطيع الانضمام إلى تيار التابع في الاحتجاج، لأنّ موقعنا من أوروبا بالفعل ليس بهذه الهشاشة والتبعية. كما أننا لا نستطيع الانضمام إلى زعم الحضارة اليهودية المسيحية، لأنه ليست هناك حضارةٌ كهذه، بل إنّ هناك من ألّف (R. Bulliet) في الحضارة المسيحية – الإسلامية. مثقفو الديكولونيالية بالهند وأميركا اللاتينية يعتقدون أنّ الغرب أخرج هذه الشعوب من إنسانيتها(!). وقد حاولوا ذلك معنا، لكنهم فشلوا لأننا جزءٌ منهم، شاءوا أم أبوا. والدليل على ذلك أن الصراع الثقافي والعسكري لم يخمد رغم تفاوُت القوى، ورغم الابتلاء بإسرائيل!

يا دعاة الديكولونيالية ويا دعاة رؤية التابع: إنّ التبرؤ من قيم الغرب، رغم كثرة ارتكاباته، يعني التبرؤ من نصف ما نعيشه وما نؤمن به. وما أسوأ ما قاله كيبلنغ: «الشرق شرق، والغرب غرب ولن يلتقيا»! نحن إلى لقاءٍ رغم الخلاف، لأنّ الكفر بالغرب كفر بتاريخية الذات، وشراكة الحضارة.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 03 رَمضان 1447 هـ - 20 فبراير 2026 م

قصة البشر مع الخلود قصة عجيبة طريفة، لكنها مليئة بالعبر والحكم، فقد كان الإنسان مولعاً بالخلود ولعاً شديداً إلى درجة أن أبانا آدم كان الوهمُ الذي أسقطه من عليائه، ليستبدل بالدار الفانية خلوداً لا يداخله موت، وقصته مع حفيده داوود في هذا المعنى شهيرة أرّخها قوله صلى الله عليه وسلم «يقول نسي أبوكم فنسيتكم».

عنونت هذه المقالة بمديح الخلود وليس وهم الخلود، لأنه في الحقيقة وإنْ كان وهماً فقد نُسي كونه كذلك، ولفردريك نيتشه عبارة جميلة في هذا المقام يقول فيها: «الحقائق أوهام نسينا أنها أوهام»، وعندما تحثنا  الحِكم على أن نعمل في دنيانا كأننا لا نموت أبداً، فهو نوع من تكريس هذا الوهم لأنه ضروري لعمارة الأرض التي نُدب إليها الإنسان، ولولا هذا الإحساس الكامن بفطرته بالخلود لما استطاع أن يقيم عمارة الأرض بهذا البذخ والجبروت الذي نراه اليوم. لذا اخترتُ المديح على الوهم، فهو وإنْ كان وهماً فخليق أن يمدحَ ويُنتصر له. ومن هنا فالشوق إلى الخلود لم ينتهِ مع أبينا آدم بل قَوي في أبنائه واستعرّ.

تخبرنا قصة جلجامش، هذه الملحمة البابلية القديمة، عن هذا النزوع القوي إلى الخلود شخصاً، فقد كان جلجامش يطمع في حياة لا نهاية لها، وتروي القصة المصاعب والمتاعب التي قاساها ليصل إلى نبتة الخلود، فما إنْ عثر عليها حتى هجمت عليها حيّة فابتلعتها فتركته كئيباً حسيراً.

إذا كان آدم عليه السلام وجلجامش قد أخطآ خلود شخصيهما، فإن النوع البشري لم يخطئه، على الأقل ما دامت السّماء هي السّماء والأرض هي الأرض، فقد كان لجوء الإنسان إلى التّعبير عن عقله وأشواقه وخططه بأشكال متنوعة نظرية وعملية وجمالية، أملاً في ذكرٍ لا ينقطع ضرباً، من خلود نجح فيه بشكل كبير.

فالأنبياء الذين قعّدوا للحضارة أخلاقها الكاملة لا يزالون يذكرون في جميع المحافل اللائقة بهم، وأساطين الشعراء الذين نَفثوا في البشرية روح المعاني الرفيعة التي نبتت منها العلوم أمثال هوميروس وهوزيود وشعراء المعلقات العرب وغيرهم، وقادة الفكر ممن أسّسوا للحضارة قواعدها من أمثال أرسطو وأوغسطين وأبو نصر الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم لا يزالون يذكرون في محافلهم، وكثير من الصروح العمرانية التي شيّدها الإنسان وبخاصة ما أصبح يسمى بعجائب الدنيا السبع القديمة، وهي عجائب وإنْ اندثر بعضها فإنها ظلّت في مخيلات البشر تنطق بتجلّي هذا الشوق العارم إلى الخلود ضداً على حدثان الزمان وصروف الدهر. ولعل هذا الشوق إلى الخلود هو الذي أنتج عجائب الدنيا الحديثة، كما جعل أبانا إبراهيم عليه السلام يدعو ربّه أن يجعل له ِذكراً في الآخرين، إذ لم يكن فيلسوف الأنبياء بمعزل عن هذا الشعور المضمّخ باللّانهائي البشري، والذي يمتد ما دام زمان الناس قائماً وأسواقهم عامرة، ولعل أفلاطون كان التعبير عن هذا بجلاء في محاورته الشهيرة «فيدون» في خلود النفس، والتي كان لها أثر كبير في حياة فلاسفة الإسلام.

لكن الإنسان الحديث، وقد تملّكه وهم الخلود تملكاً عجيباً أراد أن يجعله خلوداً شخصياً لا خلوداً نوعياً، وهو يمضي اليوم في أبحاثه المتعلقة بالجينوم البشري بحثاً عن إكسير الحياة. نعم قد يزيد العمر، وقد يتضاعف كما هو حال ليلة القدر عند المسلمين، لكن الخلود سيظل أجمل وهم إنساني يَؤزُّه إلى عمارة الأرض والضّرب فيها كأنه سيعيش أبداً، وهو وهم أحرى بمدحه من ذمّه، وأليق أن يشاد به من تخْسيسه.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 20 فبراير 2026 00:53

كتابه الشهير عن التربية والدين أشعل الحرائق في كل مكان

يا لها من معركة حامية الوطيس تلك التي جرت في قلب القرن الثامن عشر: عصر التنوير الكبير. كل المثقفين الفرنسيين انقسموا إلى قسمين: قسم مع حزب الفلاسفة وقسم مع حزب الأصوليين. وهناك قسم ثالث بين بين. ولكن ينبغي الاعتراف بأن أغلبية الشعب الساحقة كانت مع الأصوليين لا مع الفلاسفة. وهذا شيء طبيعي لأن أفكار الأصوليين كانت مسيطرة على الجميع منذ مئات السنين وكانت راسخة في العقليات رسوخ الجبال. أما أفكار الفلاسفة وتصوراتهم عن الدين المسيحي فكانت جديدة كلياً، وبالتالي فلا قاعدة شعبية لها. ولن تتشكل لها قاعدة إلا بعد مرور وقت طويل. ولذلك قال أحدهم: كانت فرنسا أصولية ظلامية في بداية القرن الثامن عشر ثم أصبحت فولتيرية تنويرية في نهايته. لكن ليس عن فولتير سوف أتحدث الآن وإنما عن القطب الآخر جان جاك روسو. فالواقع أن تأويله الجديد والمنعش جداً للدين المسيحي كان أخطر من تأويل فولتير، وتجديده أكبر بكثير، على عكس ما نظن.

بعد أن أصدر روسّو كتابه الشهير عن التربية والدين عام 1762 هاجت عليه الهوائج. ونزل مطران باريس كريستوف دو بومون شخصياً إلى ساحة المعمعة. قال عنه ما فحواه: «إننا نُدين الكتاب الصادر عن هذا الشخص المسمى جان جاك روسّو الذي يدَّعي العلم والفلسفة وهما منه بَرَاء. إننا نُدينه إدانةً قاطعةً مانعةً لأنه يحتوي على جملة من الأخطاء الفاحشة عن ديننا وتراثنا. إن كتابه مليء بالكفر والهرطقة والزندقة. ينبغي أن يعلم الجميع أن أفكاره الهدامة تزعزع أركان الدين المسيحي».

في الواقع أن أفكار روسّو لا تشكل أي خطر على الدين، وإنما فقط على الأصولية الدينية. وشتّان ما بينهما. ولكن ما كان أحد يستطيع التفريق بينهما في ذلك الزمان. ونضيف؛ ولا حتى في هذا الزمان.

من يستطيع التفريق بينهما في العالم العربي حالياً؟ ولذلك ردَّ عليه روسّو قائلاً: «يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لعقيدة الإنجيل فقط. يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن ليس كتلميذ للكهنة والأصوليين وإنما فقط كتلميذ ليسوع المسيح. إنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لقوانين العقل والمنطق لا طبقاً للخرافات والشعوذات، والتعصبات والتكفيرات... إلخ».

يقال إن فولتير عندما قرأ نص روسّو عن الدين صرخ قائلاً: «رائع، رائع، ليتني أنا الذي كتبته». ويقال إنه أحسَّ بالغيرة تلسع قلبه لسعاً، وكذلك الحسد. ومعلوم أن المثقفين الفرنسيين يغار بعضهم من بعض تماماً كالمثقفين العرب. هل رأيتم امرأة حلوة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ من رابع المستحيلات. تكاد تذبحها. وكذلك لن تجدوا مثقفاً واحداً يُثني على مثقف آخر الا ما ندر. أين تكمن المشكلة بالضبط؟ إنها تكمن في الشيء البسيط التالي: الأصوليون الظلاميون يشكّلون صورة معينة عن الدين، والفلاسفة التنويريون يشكّلون صورة أخرى مضادة تماماً. الأصوليون يشكّلون صورة تكفيرية متجهمة، والفلاسفة يشكّلون صورة تسامحية متنورة. ينبغي العلم أن جان جاك روسّو كان يأخذ من الدين جوهره لا قشوره. ولهذا السبب اندلع الصراع بينه وبين الأصوليين. وجوهر الدين في رأيه يتلخص في عبارة واحدة: الإيمان بالله والعمل الصالح ومكارم الأخلاق. جوهر الدين هو الشفقة على الفقير والمسكين واليتيم وابن السبيل. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم حرفياً كما نعلم. وبالتالي فالعبرة ليست في الشعائر والطقوس والعبادات وإنما في الأفعال والمعاملات. ولذلك قال أحد فلاسفة الأنوار الكبار: الدين المعاملة. نقطة على السطر. مَن كانت معاملته حسنة مع الآخرين، مَن كان نزيهاً صادقاً، فهو أكبر متدين حتى ولو لم يؤدِّ الطقوس والشعائر.

وأما من كان غشاشاً في التعامل فهو ليس من الدين في شيء حتى لو صلّى يومياً مائة ركعة. يضاف إلى ذلك أن الفلاسفة كانوا يقولون ما معناه: المسألة ليست هل أنت مع الدين أو ضد الدين. كلنا مع الدين. المسألة هل أنت مع الأصولية الطائفية التكفيرية التي تؤدي مباشرةً إلى المجازر والمذابح أم لا؟ هذا هو السؤال الأساسي، والباقي تفاصيل.

لكن لِنَعُدْ إلى جان جاك روسو. بعد أن أصدر كتابه الشهير الذي أشعل الحرائق في كل مكان احمرَّت عليه الأعين وأصبح في عين العاصفة. ولذلك قال له صديقه الكبير وراعيه، الماريشال دو لوكسمبورغ، بعد الثانية ليلاً: «البس ثيابك فوراً وارحل على وجه السرعة. إنهم آتون للقبض عليك». ومعلوم أن الماريشال كان ينتمي إلى إحدى كبرى العائلات الأرستقراطية الفرنسية. وهكذا ودَّعه روسّو باكياً وهو يعرف أنه لن يراه بعد ذلك اليوم، لأن الماريشال كان متقدما في السن.

وبالفعل فقد لمح روسّو رجال الشرطة الآتين للقبض عليه في منتصف الطريق. هم آتون وهو راحل. لقد نجا منهم بأعجوبة في آخر لحظة. وعندما وصل إلى سويسرا نزل من عربة الخيول وانبطح فوراً على التراب السويسري قائلاً: «أقبِّل أرض الحرية». كان يعتقد أنه قد نجا بنفسه بعد أن عاد إلى أرض آبائه وأجداده. ومعلوم أن سويسرا الأقلّوية البروتستانتية كانت أكثر تسامحاً واستنارةً من فرنسا الظلامية الكاثوليكية. ولكنَّ هذا لا يعني أن رجال الدين فيها كانوا قادرين على هضم أفكاره عن الدين. فقد كانت سابقة لأوانها بكثير. والدليل على ذلك هو أن كتبه أُحرقت أيضاً في جنيف. فاضطر إلى الهرب إلى إنجلترا؛ أكثر بلدان أوروبا تسامحاً واستنارةً في ذلك الزمان.

عندئذٍ عاش جان جاك روسّو فترة عصيبة استمرت حتى مات. يقول عن ذلك في كتاب «الاعترافات» الشهير: «هنا في هذه الفترة بالتحديد ابتدأت المؤامرة الكبرى التي لا تزال تلاحقني وتُطْبق عليَّ حتى اللحظة. منذ ثماني سنوات وأنا غارق في ظلمات رهيبة لا أعرف ما الذي يحصل حولي. أشعر بالضربات الموجعة ولكن لا أعرف بالضبط مَن هي اليد التي تلسعني من خلف الستار. كل ما أعرفه هو أني مطوَّق من كل الجهات: لا مخرج ولا منفذ ولا خلاص».

كان هناك أمير فرنسي من العائلة المالكة يحميه سراً من الاعتداءات الجسدية أو حتى الاغتيال. وكان أميراً ليبرالياً معجباً بالأفكار التنويرية الجديدة التي ابتدأت شمسها تشرق على البلاد. وفي إحدى المرَّات قال له: «انتبه جيداً حالتك أصبحت حرجة جداً، وأنا ما عدت قادراً على حمايتك. أفكارك عن الدين تعد راديكالية وانقلابية أكثر من اللزوم. وهي مرفوضة من كل الأصوليين المزمجرين الذين يكادون يشربون دمك شرباً. وقد يفتكون بك في أي لحظة. فانزل تحت الأرض».

وهكذا اختفى جان جاك روسّو عن الأنظار. بل غيَّر اسمه وملابسه وهيئته وشكله لكيلا يعرفوه وهو يمر في الشارع.

وحلف بأغلظ الأيمان بأنه لن يكتب حرفاً واحداً بعد اليوم؛ لا عن الدين ولا عن السياسة ولا عن أي شيء. وهذا أكبر دليل على مدى ضراوة الصراع الذي كان دائراً آنذاك بين الأفكار الجديدة والأفكار القديمة. كما أنه أكبر دليل على أن المفهوم الأنواري الجديد للدين المسيحي، أي المفهوم العقلاني واللاطائفي واللاتكفيري، لم يتحقق الا بعد مخاض عسير. هنا تكمن معجزة الأنوار الكبرى.

وبعد موته عام 1778 عن خمسة وستين عاماً قبروه في إحدى ضواحي باريس المحاطة بغابات السرو والصفصاف. وهل هناك أجمل من ضواحي باريس؟ وراح البشر يتوافدون على قبره زرافاتٍ ووحداناً. ولن تصدقوا إذا ما قلنا لكم إن ماري أنطوانيت وزوجها لويس السادس عشر قاما بالزيارة أيضاً ضمن إطار «الحج الفلسفي». وعندما رآهما الشعب صفَّق لهما طويلاً. كان ذلك في 14 يونيو (حزيران) 1780.

وأما نابليون بونابرت الذي كان يعرف جيداً من هو جان جاك روسّو؛ لأنه كان تلميذه المعجب جداً بكتاباته، فقد زار القبر يوم 28 أغسطس (آب) 1800. وبعد أن خشع أمامه طويلاً قال لأحد مرافقيه هذه العبارة التي لا تكاد تُصدَّق: «كان من الأفضل من أجل راحة فرنسا لو أن هذا الرجل لم يوجد قط». فاستغرب مرافقه وسأله باندهاش: «ولماذا يا جلالة الإمبراطور؟»، فأجابه نابليون: «لأنه هو الذي مهَّد للثورة الفرنسية وأشعلها».

فقال له المرافق: «والله شيء عجيب، كنت أعتقد أنه يحق لجميع الناس أن يتذمروا من الثورة الفرنسية ما عداك أنت؟ لولاها لما كنت على رأس فرنسا الآن».

فأجابه نابليون: «المستقبل وحده سيقول ما إذا لم يكن من الأفضل لراحة البشرية كلها أنه لم يوجد شخصان اثنان على وجه الأرض: أنا وجان جاك روسو...».

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 15 فبراير 2026 م ـ 27 شَعبان 1447 هـ

يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ؛ لأن الحداثة، حين نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة. لذلك يصرّ يورغن هابرماس على أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بل ويعدّ «ما بعد الحداثة» مشروعاً نقدياً داخل الحداثة وليس منفصلاً عنها.

الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث بمعنىً أو بآخر، وبالتالي؛ فإن الحداثة شريكة في هذا المنجَز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.

الأستاذ محمد سبيلا ترجم بحثاً للفيلسوف جان بودريار عن «الحداثة»، وهو من البحوث المهمة، وقد تطرّق فيه إلى أفكار كثيرة، منها أن الحداثة ليست مفهوماً سوسيولوجيّاً، ولا مفهوماً سياسياً، وليست بالتمام مفهوماً تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالمياً انطلاقاً من الغرب، ومع ذلك، فهي تظل مدلولاً ملتبساً يشير إلى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية.

غير أن تشارلز تايلر، وهو من المنظّرين لتاريخ الحداثة، له رأيٌ آخر، ففي كتاب «مسائل التعدد والاختلاف... مدخل إلى أعمال تشارلز تايلر» من تأليف سايد مطر، أن الحداثة عنده ذات طابع غربي خاص وفريد. فالحداثة عند تايلر «لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التطور الثقافي والسياسي والأخلاقي الخاص بالمجتمعات الغربية. من الضروري إذن، بحسب تايلر، إذا ما أردنا الغوص في فهم الهوية الأخلاقية والسياسية الغربية الحديثة، أن نتتبع تطورها التاريخي حتى وقتنا الراهن. وجاءت دراسته للحداثة انطلاقاً من التفكيك الذي أصاب الروابط القروسطية للجماعة التاريخية التقليدية وأصاب أيضاً الدين، مروراً بعالم تحول إلى (عالم عديم السحر)، ووصولاً إلى إعلان استقلالية الذات الإنسانية كمرجع وحيد يحدد اختيارات الفرد والتزاماته الحياتية. وما يميز الحداثة في مراحلها الأولى، بحسب تايلر، نزعتها الصريحة إلى (المذهب الإنساني الحصري - (Exclusive Humanism)».

نعم إن الحداثة لها جانب معقّد ذو اشتباك تاريخي؛ لها بداية ونهاية، ولها جانب بسيط؛ مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشروعات التنموية العالمية، والأفكار الكبرى على مستويات تطوير نظريات الأدب والسياسة والدولة، ذات بعد حداثي بمعنىً أو بآخر. إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تاريخها المرتبط بأحداث سياسية ودينية، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم.

الخلاصة: الحداثة مثل أيّ مفهومٍ آخر؛ تمر بأطوار وتتنقل وتتحوّل مع محض التجربة. ولكن يمكن أن ألخّص رأيي في نقطتين أساسيتين: الحداثة ليست محصورة في التجربة الغربية الفريدة، ولم تكن منذ انعكاسها الأول علينا؛ نحن العرب والمسلمين، خارج الهواجس والتهم العميقة؛ وذلك بِعَدّها معادية للأديان بالنسبة إلى البعض... هذه الفكرة رسمت الموقف البسيط مع المنتج الحداثي؛ الفني، والفلسفي، والمعرفي، والتقني. وُضعت الحداثة بإزاء الدِّين، بوصفها ستحلّ محله، أو ستقوّض بنيانه، أو ستهدم قيمه. انتقل العداء للحداثة من العامي الوعظي، ليحولها بعض دارسي الفلسفة إلى منهاجٍ مفهومي، باسم الدهرانية، أو العلمانية الشاملة، أو الداروينية الاجتماعية. بينما الحداثة لم تبثّ يوماً لظاهرتها تعريفاً يتفق عليه الجميع، فهي تشمل كل الرحلة الأوروبية الطويلة منذ القرن السادس عشر، وحتى عصور الأنوار، وزلازل كوبرنيكوس وغاليليو والثورة الفرنسية، وصولاً إلى فتوحات الفلاسفة في نظرية المعرفة. فالحداثة بمعناها العام هي قصة تحولات الإنسان نحو اكتشاف ذاته وعلاقاته بالعالم. واكتشافُ موقعه من الأشياء لا يعني العدوان عليها، ومن ذلك فهم الدين، ولا يمكن عَدّ تلك الرحلة مقتصرة فقط على جانبٍ محدد يتعلق بالحرية، أو الانشقاق على هيمنة الكنيسة، بل الرحلة أشمل وأعم.

النقطة الثانية أن الحداثة بتحولاتها وصَرعاتها المتصلة بتطور العلوم الإنسانية، ومن ثم توسع المشروع البعدي منها ضمن انتقالاتٍ من الكليات إلى الجزئيات، ومن المتن إلى الهامش، ومن الصرح إلى الزاوية، ومن الإنسان إلى ظلّه، اتُّهمت بأنها حالة مسيحية، وذلك من قِبل منتقدي الحداثة في القرن العشرين، منذ نيتشه وهيدغر وحتى ليوتار وباديو وفوكو وبارت ودلوز. وعدّت نظريات كانط وهيغل مجموعة تنويعات عقلانية على المسيحية كما يكتب نيتشه. بمعنىً آخر؛ فإن الحداثة مفهوم هائل ومتطوّر وينسجم مع تجارب الدول والأمم والشعوب... إنه مفهوم سهل وبسيط وشريك للناس في حيويتهم الدنيوية، وللنّظُم في تشريعات القوانين الضابطة للمجال العام.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب وباحث سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 19 رَجب 1447 هـ - 8 يناير 2026 م

في مقالة نشرت خلال الآونة الأخيرة بصحيفة «جون أفريك» الفرنسية، يتحدث الفيلسوف الكاميروني «أشيل بمبة» عن ثلاث أزمات كبرى تعاني منها المجتمعات الأفريقية هي: أزمة إنتاج الموارد الوطنية، وأزمة التوزيع العادل للثروة القومية، وأزمة المواطنة السياسية. في تحليله لهذه الأزمات، يرى «بمبة» أن مصدرها الأساس هو ما يسميه «الاستعمار الذاتي»، الذي يتمثل في استمرار أساليب الإدارة الاستعمارية لدى نخب الاستقلال الحاكمة من تحكم تعسفي بدلا من الحكامة الراشدة ومن فساد ونهب بدلاً من التدبير العادل.

مفهوم الاستعمار الذاتي يختلف نوعياً عن مقولة «قابلية الاستعمار»، التي اشتهر بها المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي، وكان يعني بها وضعية المجتمعات التي تفقد مناعتها الحضارية، فتصبح عرضة للغزو والاحتلال الأجنبي. الاستعمار الذاتي يعني استمرار أساليب الهيمنة الأجنبية بعد نهاية الحقبة الاستعمارية، بحيث تتغير الواجهة الخارجية دون أن تتحول السياسات العمومية. لتفسير هذه الظاهرة، اعتبر «بمبة» أن الأدبيات الاستعمارية لا تزال تشكل النسق التأويلي المحدد لوعي النخب الوطنية نفسها، فالتصنيفات والتحديدات الاجتماعية التي بلورتها تلك الأدبيات استبطنتها الثقافة المشتركة وغدت من مكونات المتخيل الجماعي.

ومن هذه التحديدات مفهوم الهوية العرقية الذي يبدو بديهياً وطبيعياً، مع أنه مخترع منتج تاريخياً لأغراض التشخيص والتجزئة، وكذا مفهوم «الزنوجة» نفسه الذي اعتمدته النخب التحررية والقومية مع أن الغرض الأصلي منه هو طمس إنسانية الإنسان الأفريقي وإقصائه من دائرة البشرية المتحضرة. في الإتجاه نفسه يبلور «اشيل بمبة» مفهوم «الجثثية السياسية» nècroplitique المستمد من نظرية الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو حول «السلطة الحيوية» التي قصد بها التحكم في أنماط العيش والحياة بما ترمز اليه مقولة السيادة الحديثة التي تتأسس على القدرة على إحداث «الموت الشرعي».

«الجثثية السياسية» هي سلطة الموت التي كان ينتهجها المستعمر في تحديده لمناطق خارج القانون، تعلق فيها الحريات والحقوق، ويصبح فيها العنف عادياً، بما يتمثل في تجارب العبودية والاحتلال القسري والحشد التعسفي. ومع أن الإستعمار انتهى، إلا أن ظاهرة «الجثثية السياسية» لا تزال هي المحدد للفعل السياسي داخل المستعمرات السابقة، وهي الأفق الاستراتيجي للعلاقات بين القوى الدولية والعالم الجنوبي الشامل.

الانقلابات العسكرية التي تتجدد حالياً في القارة الأفريقية تدخل في باب «الجثثية السياسية» حسب «أشيل بمبة»، بما تقوم عليه من نهج العنف والقتل وتحويل السياسة إلى حرب دائمة. كان المفكر البحريني الراحل محمد جابر الأنصاري يقول إن المجتمع العربي يعاني من ثغرة سياسية مزمنة، أرجع جذورها إلى عاملين أساسيين هما: الانقطاع الجغرافي بين المراكز الحضرية المحدودة والصحاري القاحلة التي هي أساس المجال الإقليمي المحلي، والانقطاع التاريخي بين فترات الحكم المركزي المستقر ومراحل الاضطراب الممتدة.

ولقد لاحظ الأنصاري أن الاستراتيجيات الاستعمارية أرادت قولبة المجتمع السياسي العربي وفق محددات الدولة السيادية القومية دون العمل على سد اختلالات التجربة التاريخية للمجتمعات العربية، من ثم أوجه المأزق الذي دخل فيه عدد من الدول المحورية في المشرق العربي مثل العراق وسوريا.. بالرجوع إلى ملاحظات الأنصاري التي تحمل بصمات خلدونية واضحة، يمكن القول إن الفرق الجوهري بين الاستراتيجيات الاستعمارية في افريقيا جنوب الصحراء والسياسات المطبقة في العالم العربي هو أن تلك الاستراتيجيات كانت من صياغة الاثنولوجيا الثقافية والاجتماعية التي وظفت في إعادة تشكيل نظام الحكم والتدبير السياسي(ما عبر عنه اشيل بمبة بصناعة العقل الزنجي la raison nègre)، في حين اتسمت السياسة العربية للقوى الاستعمارية بالتأقلم الواقعي مع المتخيل السياسي القائم بما يفسر هشاشة الإرث الاستعماري في المجتمعات العربية.

الإشكال المطروح اليوم في الفكر السياسي العربي هو إلى أي حد يمكن تحميل التركة الاستعمارية اختلالات الوضع الراهن؟ ففي الوقت الذي تسعى الأدبيات ما بعد الكولونيالية الصاعدة إلى إرجاع كل تلك الاختلالات إلى الموروث الاستعماري، تنزع الدراسات الاجتماعية النقدية إلى البحث عن جذور هذه الثغرات في المتخيل الثقافي والبنيات الاجتماعية مع تحميل القوى الاستعمارية مسؤولية الحفاظ عليها وعدم السعي إلى تغييرها على غرار ما حدث في مناطق كثيرة من العالم فرضت عليها الحداثة المستوردة.

قبل سنوات كتب غسان سلامة كتابا بعنوان «مطالب امبراطورية» تحدث فيه عن ظاهرة اللجوء إلى القوى الاستعمارية السابقة للتدخل في حل المشكلات الداخلية للدول المستقلة. ومع أن الظاهرة تغيرت جزئيا في السنوات الأخيرة، إلا أن أزمات الحقل السياسي في البلدان الجنوبية لا تزال إلى حد بعيد متصلة بالإرث الاستعماري سلبا وايجابا.

***

د. السيد ولد أباه - أستاذ الفلسفة بجامعة نواكشوط

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 فبراير 2026 23:30

كنت أحسب أنَّ للدعوات المشتعلة في أوساط مثقفينا ضد الغرب (الغرب كله: أوروبا وأميركا) علاقةً بمشاعر وسياسات الإسلاموفوبيا في أوروبا الجديدة. بيد أنَّ الحرب على غزة ذكّرتني بأمرين: أنَّ التيارَ الثقافي المعادي للغرب في أوساط المثقفين العرب والعالمثالثيين أقدمُ من الإسلاموفوبيا - وأنَّ العنفَ باسم الإسلام مثيرٌ للمخاوف بالفعل بعد حالة «القاعدة» (2001) وحالة «حماس» (2023). لكن على الرغم من ذلك، تبقى العلاقة - إن وُجدت - غيرَ وثيقة ولا تمضي في اتجاهٍ واحد أو سببٍ واحد. بدليل لجوء الملايين إلى الغرب والاستماتة في ذلك، بحيث هلكتْ أُلوفٌ في البحار للعجز عن بلوغ شواطئ أوروبا الأمان!

كانت كراهية الغرب (أوروبا على وجه الخصوص) ضرباً من ضروب الآيديولوجيا في أكثر عقود القرن العشرين وسط صعود التيارات القومية واليسارية وتذكُّر بلايا الاستعمار ومواريث حروب فلسطين والجزائر. ثم ظهر تيار التابع subaltern اليساري الراديكالي تحت تأثير أنثروبولوجيا طلال أسد (مواجهات استعمارية، 1974) وإدوارد سعيد (الاستشراق، 1978). وينتشر مفكرو هذا التيار المتعاظم في الهند وأميركا اللاتينية، لكنّ العديدين منهم باقون بالجامعات الغربية (!). وحسب هذا التيار، أخذ الاستعمار (المستمر) من الناس كل شيء حتى لغتهم، ووسط هذه السطوة لا يستطيع التابع أن يتكلم لأنه مسلوب اللغة والوعي والثقافة، وأياً يكن ما يحاول التعبير عنه يجد نفسه كالببغاء يكرر مقولات الغرب حتى لو كان ثائراً على الغرب أو مُعارضاً له! وكما سبق القول، تعاظم تيار كراهية الغرب هذا بين المثقفين والمفكرين في سائر الأنحاء إلى حدود نقد إدوارد سعيد نفسه الذي، حسب هذه الرؤية، ما مضى إلى الحدود القصوى ضد الغرب، بل كان يلوم الاستشراق - وهو علم غربي - لأنه فارق قيم التنوير في الاستنارة والعقلانية والإنصاف ولو التزم بها المستشرقون لما سيطرت عليهم الثقافة الكولونيالية ضد الغرب والإسلام! أما الكارهون الجدد فيذهبون إلى أن المصيبة بالغرب شاملة بما في ذلك قيم التنوير الاستعمارية الخبيثة؛ فالعدالة عدالتهم لهم وحدهم وكذلك التنوير والعقلانية!

ثم جاءتِ الحرب على غزة على أثر «طوفان الأقصى» فدمَّرت كل تمييزٍ أو فواصل بين الإسلامويين والجهاديين واليساريين وأتباع تيار التابع! في الثمانينات من القرن الماضي كان الإسلامويون وجماعات الهوية هم أكثر المستفيدين من استشراق إدوارد سعيد ونقده للغرب من خلال الاستشراق. واليوم، ينعى المثقفون والفلاسفة من أصولٍ عربية أو آسيوية أو أفريقية الغرب بقضّه وقضيضه؛ فهو سيُهلك العالم ويُهلك نفسه ولا تجوز مجاملته أو تجاهُلُ شروره!

وبالطبع، ما حدث ويحدث بغزة وفلسطين مهول ويتجاوز التصور والمعقول. لكنّ العالم خارج الغرب الاستعماري السابق واللاحق حيٌّ وفعّالٌ وغير خاضع، وقد بلغ الآسيويون درجة الندية وزيادة في الاقتصاد والتقدم العلمي والتكنولوجي. والعالم نظامٌ واحدٌ للعيش والتصرف والأعراف السائدة للجميع إسهاماتٌ فيها. وفي العالم بالأمس واليوم ظالمٌ ومظلوم ولن يفيد في شيء العودة للنعي على مادية الغرب وامتداح روحانية الشرق. بل إنّ أحد كبار الثائرين على الغرب اليوم يقول إنّ الإسلام يمتلك نظاماً كاملاً من سائر النواحي، ولا يمكنه التلاؤم مع الغرب الظلامي، ومن يتوهم إمكان التلاؤم يخرج من الإسلام!

يمارس الإسرائيليون ويمارس الأميركيون ظلماً وعنجهية تجاه الفلسطينيين والعالم كلّه. لكنّ القيم في الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والعيش المشترك والسلام هي قيم كونية، وتبقى كذلك لدينا ولدى الغرب وإن لم تجد تحققاً فعالاً الآن. ولن نكسب شيئاً إذا كفرنا بها باعتبار أصلها الغربي وهي ليست كذلك وإن يكن الغرب هو الذي حوّلها نظاماً عالمياً بعد الحرب الثانية، التي كانت حرباً غربيةً أيضاً. إنّ شيطنة الغرب لن تكسبنا شيئاً، بينما يظل التشارك القيمي رابطةً إنسانيةً وثيقة هي قوام نظام العيش وليس التنكر والإنكار. نوشك أن نصبح خمس سكان العالم ولا نريد ولا نستطيع مقاتلته، بل نناضل للعيش معه وفيه بالسلم والإنصاف.

قرأت حتى الآن ستة كتب وعشرات المقالات التي تُدينُ ما حصل ويحصل بغزة وفلسطين. بيد أنها بدلاً من لوم الغرب أو إدانة ردة فعله البطيئة، أقبلت على نعي الغرب نفسه، إما لأنه لم يراعِ الحق الإنساني في الحياة والحرية، أو لأنه فاسدٌ ومتآمرٌ من الأصل!

إنّ الذي أخشاه أن كبار مثقفينا الذين ينعون الغرب وينشرون اليأس منه، إنما ينفخون في أبواق المتطرفين للاستمرار في شنّ الحرب على العالم، وهي حرب يموت فيها أطفالنا وأطفال الآخرين، ليظل الدم بيننا وبين العالم مسفوكاً في مستقبلنا كما هو في حاضرنا.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 18 شَعبان 1447 هـ - 6 فبراير 2026 م

 

 

يبدو أن من أبرز ما عانتْ منه الفلسفة هو توجّه بعض المختصّين فيها إلى إعلاء مكانة الفيلسوف على غيره من المشتغلين بالعلوم والمعارف الأخرى، وبصفة خاصة العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية. وبطبيعة الحال، فإن المجال الفلسفي يهتم في الأساس بالقضايا الجوهرية كما يُعنى بتنقيح المفاهيم وبلورتها نظرياً.. لكن يردّ البعض بأنه حتى الرياضيين والفيزيائيين انغمسوا في العلم دون أن يكونوا منفصلين عن المدينة وعن المجال العام في مستواه العملي.

ويعود ذلك الفهم المنقوص حول وظيفة الفيلسوف إلى انعزال بعض المختصّين في الفلسفة عن الناس وعن الحياة اليومية متجهين نحو حياة الجامعة والمكتبة، بينما المفترض أن تكون وظيفة الفلسفة أعمّ وأشمل من الاقتصار على الدرْس والكتاب.

ويعود احتدام النقاش بين الفلسفة في مجالها المدرسي، وبين الفلسفة في حياة المدينة والمجال العام إلى المرحلة اليونانية، حيث دار النقاش بين الفلاسفة اليونانيين حول الواقع والفكر، وها هو الآن يتجدد كما تجدد في كل العصور السابقة.

ولو قرأنا نظريّةَ جان بول سارتر في كتابه «الوجود والعدم» لوجدنا أن المحاججة التي اعتمد عليها فيما يخص «الغياب»، لإثبات نظريته، رسم أفكارَها الرئيسيةَ انطلاقاً من المقهى الذي اعتاد أن يجلس فيه، حيث ضرب المثال بصديقه «بيير» حول الوجود والغياب والعدم، وهذا مفصّلٌ في الكتاب المذكور.

وفي سياق مشابه، نطالع نقاشاً مهماً عنوانه «الفيلسوف والمدينة»، وهو سجالٌ بين الفيلسوفيْن الفرنسيين روجي بول دروا ورافييل انتوهوفن، وقد جرى ونُشر على صفحات مجلة «لوبوان» وترجمه إلى اللغة العربية عبد الوهاب البراهمي وأُعيدَ نَشره في مجلة «حكمة». وسأعرضُ هنا النتيجةَ التي توصل إليها كلّ من الفيلسوفين.

يقول بول روجي بول دروا إن «الفلاسفة أصبحوا في الأغلبية موظفين، وأساتذة.. إنها حركة حديثة العهد تعود بدايتها إلى نهاية القرن الـ 18 مع إيمانويل كانط، ثم مع هيجل، الأستاذ الكبير في برلين. لكننا نجد قبلهما، في تاريخ الفلسفة كثيراً من الفلاسفة ليس لهم أي شان بتدريس الفلسفة، مثل ديكارت».

ثم يضيف دروا: «أن نُتَهَمَ بممارسة (فلسفة يوم الأحد) فهو اتهام يتصّل، كما يبدو لي، بهذا التوتّر الحديث الذي يجعل الفلسفة تخصّصاً جامعياً، يجب ألا يكون مشروعاً إلاّ إذا كان أكاديميّاً. لقد قال برجسون ذات يوم: توجد مسألة فلسفية كبرى لا يمكن التعبير عنها بلغة الحياة اليوميّة، وسأكون أوّل من يفكر بأن الفلسفة الجامعية ليس لها احتكار الفكر ولا فكر الفلسفة، ولا تملك لوحدها تعريفَ هذا التمرين ولا هذا التخصّص».

والآن نأتي إلى رأي رافييل انتوهوفن الذي ذهب إلى أنه «لحصر الفلسفة في الجامعة فضائلُه، إذ الفلسفة معرفة، لكن يوجد تكبّر أكاديمي أو جامعي يختزل الفيلسوف في أستاذ فلسفة، والفلسفة في تاريخ الفلسفة. لا يوجد مَن يسخر من (فيلسوف الأحد) سوى الجامعيين».

ويتضح من هذين الرأيين المتباينين مستوى الصدام بين النظريتين. والخلاصة، في رأيي، أنه من الصواب حصر الفلسفة في الجامعة ونفي مَن يتفلسف خارجها، وبالمقابل فإن ازدراء فيلسوف المدينة للأكاديميين هو أيضاً موقف لا يخدم المجالَ الفلسفي.

إن التكامل بين تينك النظريتين يمكن أن يساعد في وضع الفلسفة في حالةٍ من الغنى بالمفاهيم والنظريات والإنتاج النظري، حيث إن لكل من المجالين الأكاديمي والمدني مصادر غناه العلمية والمفهومية، ولذا فمن الضروري الاستفادة من كل المنابع الفلسفية، ولا مانع من أن يجمع الفيلسوف بين جامعته وساحات مدينته!

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الاماراتية، يوم: 2 فبراير 2026 23:00

 

في تونس، حيث شاركتُ الأسبوع الماضي في الندوة الفلسفية المتميزة التي احتضنتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول موضوع الاختلاف والمغايرة والاعتراف، وشارك فيها فلاسفة متميزون من تونس وبقية العالم العربي.

ولا شك في أن الموضوع هام، ويستأثر حالياً باهتمام الحقل الفلسفي، ويعكس الإشكالية الكبرى التي تعيشها المجتمعاتُ الحديثة حول تركة الذاتية التي هي براديغم الفلسفة الغربية منذ اللحظة الديكارتية. منذ هيغل ندرك أن الذاتية تنبع في سرديتها الطويلة من التقليد المسيحي الذي حوّل الوعيَ أو الضمير إلى أرضية التفكير المتمحور حول النفس ومقوم الأخلاقيات المرتكزة على الإرادة المستقلة التي هي مدار القيم الفردية والاجتماعية.

إلا أن هذا التصور الذي أسس الأفكارَ الحديثة حول الحرية والأهلية الأخلاقية طرح إشكالاتٍ عصيةً، من حيث تلاؤمه مع الغيرية المختلفة، التي هي الإطار المعياري لفلسفات التسامح والاختلاف. ومن هنا برز مشكلُ الاعتراف المعقد الذي طُرح منذ هيغل في صيغة البحث عن توافقات ناجعة بين أفراد أحرار يختلفون من حيث أفكارهم ومعتقداتهم وتصوراتهم الاجتماعية. وقد لاحظت حنة ارندت أن التصور الحداثي الإرادة في نسختها الكانطية يعاني من تصدع داخلي، من حيث هي من جهة حرة، ولكنها لا تمارس حريتَها إلا في إطار الامتثال للقوانين الأخلاقية الملزمة. ومن هنا خلصت ارندت إلى أن الأخلاق الكانطية محصورة في دائرة الوعي، ولا صلة لها بالعالم المشترك الذي هو مجال النشاط الإنساني التعددي.

ما عبّرت عنه حنة ارندت هنا هو جانب أساسي من جوانب المأزق النظري لفلسفات الوعي، من حيث حرصها على إعادة بناء نظرية الأخلاق وفق القوانين الكلية للإرادة. ومن هنا نشأ سؤالٌ جديد في الفلسفة المعاصرة: كيف يمكن تصور الرابطة الأخلاقية مع الآخر خارج مركزية الوعي التي تحول بالضرورة الغيرَ إلى وجه من وجوه الأنا؟ وهل يكون الحل هو الخروج كلياً من نموذج الذاتية بصفتها عاجزة عن ضبط المسألة الأخلاقية نظرياً وعملياً مع ما قد ينجر عن هذا الخيار من تضحية بفكرة الإرادة الحرة المسؤولة التي هي مقتضى الفعل الأخلاقي، أم أن المطلوب هو إعادة تحديد فكرة الذات بالقطيعة مع محورية الأنا والغير، مع ما قد يفضي إليه هذا القول من ارتكاس في مأزق الذاتية الواعية من منعرجات أخرى؟

الإشكال طُرح بقوة في الفلسفة المعاصرة في اتجاهين متمايزين، ذهب أحدهما إلى إعلان مبدأ المسؤولية الأخلاقية من حيث أولوية الغير على الأنا في تجاوز جذري للموقف الأنطولوجي، أي الوجود من حيث هو نسق كلي، وذلك ما نلمسه في فكر أمانويل لفيناس مع بعض الامتدادات في كتابات جاك دريدا، في حين ذهب الاتجاه الآخر إلى دمج الغيرية في مسار الذاتية عبر الوسائط التأويلية والمؤسسية، حرصاً على إنقاذ فكرة الإرادة الواعية المستقلة التي هي الأفق الأخلاقي للإنسان الغربي، كما هو الحال في فلسفة بول ريكور.

لقد قيل الكثير حول المأزق الذي يُفضي إليه الاتجاهان: الاختلافي الذي يضحّي بمثال الحرية ويعوّضه بفكرة المسؤولية اللامتناهية والضيافة غير المشروطة، غير قابلة للترجمة في نظم مؤسسية عادلة، في حين أن «الذاتية التأويلية» ليسن سوى صيغة معدّلة لنموذج الوعي في قدرته اللامحدودة على استيعاب ودمج الآخر.

في كتابه «الحكم والمجد»، يبيّن جورجيو أغامبن أن الأنطولوجيا الغربية، على عكس ما يُعتقد، لم تفصل بين الوجود والقيمة، بل اتسمت منذ البداية بسمات سياسية وقانونية وحملت لاحقاً أبعاداً لاهوتية معقدة.

لقد كانت هذه الأنطولوجيا منذ نشأتها ذات طابع عملي إجرائي، يبرز في تصنيف الأشياء وتقويمها وتوجيه الفعل والسلوك. ومن هنا يجب أن نفهم حديثَ هايدغر عن «نسيان الوجود» بمعنى أن الأنطولوجيا الغربية ربطت عضوياً بين فهم الأشياء والتصرف الإجرائي فيها، فالوجود من هذا المنظور ليس ما عليه الشيء بل ما ينبغي أن يكون عليه. والفعل هو الذي يصوغ الوجود والأمر هو مدار السلوك وليس الإرادة. ما حدث مع اللاهوت المسيحي هو تحويل الأنطولوجيا إلى منظومة أمرية تنزع إلى ترجمة الإلزامات الأخلاقية في لغة الوجود الكلي.

في ضوء ملاحظة اغامبن، نخلص إلى أن الفلسفة الغربية قامت على وهم الفصل بين الوجود والقيم، وفق صيغ عديدة تفاوتت من العصر اليوناني إلى الحقبة الحديثة، ولذا فإن الجدل الراهن حول أولوية الوجود أو القيمة لا معنى له، سواء اعتمدت الأخلاق مرجعية أنطولوجية أو كان منطلقها الغيرية المطلقة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 1 فبراير 2026 23:52

منذ أن بدأ الإنسان يطرح أسئلته الأولى، كان يعتقد أن الكون موجود هناك، في الخارج، مستقلاً عنه، لا يهتم بوجوده، ولا يتأثر به، ولا يتشكّل عبره. كان الإنسان يرى ذاته نقطة صغيرة في فضاء بارد لا عقل له. لكن العِلم بشكل مدهش وغير متوقّع بدأ يقترح عكس ذلك تماماً، والإشارة إلى أن الكون ليس مجرد امتداد فيزيائي للمادة، بل مرآة معرفية تستجيب للوعي، وتنحني أمام المراقبة، وتظهر خصائصها فقط عندما ننظر إليها.

السؤال يبقى: هل الوجود نفسه مصمَّم ليتفاعل مع العقول، لا مع الجسيمات فقط؟ فأول من تحدّث في صورة الكون الموضوعي كان علماء ميكانيكا الكم. ففي التجارب الأساسية مثل تجربة الشّق المزدوج، يظهر الجسيم كموجة عندما لا نراقبه، ويتحول إلى جسيم عند الملاحظة. وكأن الكون ينتظر حضور الوعي ليقرر كيف يتجسّد. هذا ليس تأويلاً خيالياً، بل نتيجة تجريبية تتكرّر منذ مئة عام. كيف يمكن لجسيم صغير أن يعرف أننا نراقبه؟ أو أن يغيّر حالته بناءً على قرار ذاتي؟ هذا السؤال دفع كبار الفيزيائيين مثل بور، هايزنبرغ، وويلر إلى فكرة جريئة: وهي أن الوعي ليس متفرجاً على الكون، بل جزءاً من معادلته.

الكون لا يكشف نفسه إلا حين نقوم نحن بفكّ شفرته. وما لا نراقبه يبقى احتمالاً. ثم جاء المستوى الكوني ليعمّق المفاجأة. فالكون مضبوط بدقة استثنائية: ولو حدث تغير ثابت الجاذبية بنسبة جزء من تريليون، لما وُجدت نجوم. ولو تغيّرت الطاقة المظلمة قليلاً، لانكمش الكون أو انفجر قبل أن يتشكّل أي شيء. هذا الضبط الدقيق جعل العلماء يتساءلون: هل الكون جاء من تلقاء ذاته بصدفة، أم مُصمَّماً؟

إن الوعي يلعب دوراً أعمق مما نتخيل؟ نظرية «الكون القابل للحساب» التي طرحها جون ويلر تقول: «الكون ليس آلة، بل سؤال ينتظر العقل كي يجيب». أي أن الوعي ليس عارضاً، بل شرطاً لظهور الكون بمعناه. فالكون بلا مراقِب هو مجرد احتمالات، مثل كتاب بلا قارئ أو موسيقى بلا مستمع. أما علم الدماغ فيقدم مفاجأة أكبر. فالعقل لا يتلقى الواقع، بل يصنعه لحظة بلحظة. لا نرى الضوء، بل تفسيراً ضوئياً. لا نسمع الصوت، بل تأويلاً عصبياً للاهتزاز. لا نلمس الأشياء، بل خريطة حسية يصنعها الدماغ من الفراغ. والجميل والمخيف في آن: أن العالم الخارجي لا يدخل إلى العقل كما هو، بل العقل يحوّله إلى صورة، ثم يصدّق الصورة، وينسى أنها صورته هو.

كل ما سبق ينتج عنه سؤال لا يستطيع العلم تجاهله: إذا كان الدماغ يصنع تجربتنا، والكون يتشكّل عندما يراقبه الإنسان أو الحيوان ذاتياً، والجسيمات تتحدد وفق حضور الوعي، فهل الوجود خارجي كما نعتقد؟ أم أن الخارج هو استمرار داخلي للوعي في شكل آخر؟ ولك أن تتأمل اللحظة التي ننظر فيها إلى السماء. فهل نرى مجرّات تبعد ملايين السنين الضوئية، أم أن الضوء الذي يصل إلينا ليس المجرة نفسها، بل أثرها القديم؟ نحن لا نرى الماضي، ولكن هل نرى صورة الماضي داخل الوعي الآن؟ فالمجرّة الحقيقية لم تَعُد موجودة في المكان الذي نراها فيه. وما نراه ليس الكون، بل ذاكرة الكون كما تظهر في وعينا.

وهنا تظهر أهم فكرة في هذا المسار كله: ربما الكون ليس وعاءً نعيش داخله، بل خريطة معرفية تتشكّل في وعينا وتتشابك مع قوانين لا تعمل إلا حين يكون هناك عقل يفسّرها. إن الكون الذي نعرفه بقوانينه وثوابته وألوانه وأشكاله قد يكون مجرد طبقة واحدة من واقع أعمق، لا نراه إلا من خلال نافذة الإدراك البشري. وربما هناك عوالم كاملة لا يمكن أن تظهر لنا لأن وعينا غير مهيأ لترجمتها. ولذلك، الوعي ليس مجرد سائح في الكون، ولا الكون مسرحاً محايداً، ولكن لما لا يكونان ثنائية واحدة: الوعي يكشف الكون، والكون يظهر للوعي وهما مرآتان تعكسان بعضهما، لا بداية ولا نهاية بينهما؟فربما أكبر مفارقة في تاريخ العلم هي: كلما اكتشف الإنسان الكون، اكتشف نفسه. وكلما تقدم خطوة نحو الخارج، اتضح أن الخارج كان انعكاساً للداخل. ونحن كمسلمين لا نستوعب لماذا يخاطبنا القرآن بصيغة الماضي حتى عن المستقبل، وما عظمة خلق الإنسان، ولماذا سجدت له الملائكة؟ ولماذا نفخ الله فينا من روحه؟ هل الإنسان مجرد نقطة في الكون، أم أن الكون نقطة في الإنسان بأبعاد اللامحدودة والتي تكمن فيه؟

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 يناير 2026 22:00

 

اللذة حسية مادية واضحة، لا يمكن التشكيك في وجودها؛ لأنها تُعاش مباشرة قبل أي تفسير أو حكم، وتعمل بوصفها محركاً خفياً للسلوك، حتى قيل إن حركات الإنسان كلها جبرية تحكمها اللذة والألم. واللذة ليست محصورة في الأكل والشرب والجنس، كما درج الخطاب الأخلاقي على اختزالها، بل تتخلل الجسد كله، وتتشكل وفق خريطة دقيقة من الاستجابات العصبية والتوترات والانفراجات. وهذه الملذات، وكذا الآلام، تتفاوت في القوة. لنا أن نتخيل لذة نيوتن عندما اكتشف قانون الجاذبية. ولنا أن نتذكر أنك عندما تنظف أذنك، لا تكون المسألة مجرد إزالة للشمع، بل هناك لذة حقيقية، ذات قوة، تدعو الإنسان إلى تكرار الفعل، حتى بعد تحقق الغاية الوظيفية. هذه الملذات، كبيرها وصغيرها لا تحتاج إلى تبرير، ولا إلى خطاب أخلاقي؛ لأنها ببساطة تحدث.

جغرافية اللذة تمتد لمساحات أوسع بكثير مما يتصور العجلان. وبإمكان القارئ أن يستكشف هذه التضاريس ويتوسع في دراستها. فاللذة، في معناها الجوهري، ليست بالضرورة نشوة عالية أو إثارة قصوى، بل غالباً ما تكون إحساساً دقيقاً بزوال اختلال، أو بعودة الجسد إلى الراحة. ولهذا السبب نغيّر المِرفق الذي نتكئ عليه بمجرد أن نشعر بأدنى انزعاج. لا ننتظر ألماً حقيقياً، ولا نفكر في القرار، بل تتحرك أجسادنا كالآلات لتجنّب الألم، ولو كان في بدايته. هذا السلوك اليومي البسيط يؤكد أن حياتنا تُدار، في مستواها الأعمق، وفق ميزان اللذة والألم، لا وفق المفاهيم الكبرى التي تخترعها عقولنا لاحقاً.

هنا يبرز سؤال السعادة. إذا كانت اللذة بهذا الوضوح والحضور، فما السعادة إذن؟ وهل هي شيء نعيشه فعلاً؟ حين نزعم أننا سعداء، فإننا لا نصف تجربة حاضرة، بل نصدر حكماً عاماً على فترة أو على حياة كاملة. لكننا في الواقع لا نلتقي بشيء اسمه السعادة في الشارع. ما نعيشه دائماً هو لحظات، لذة وراحة وانشراح وزوال توتر، أو على العكس ألم وضيق وحزن. السعادة ليست إحساساً نشعر به، بل تلك هي اللذة. السعادة بناء ذهني، أشبه بعنوان يُوضع على سلسلة من الوقائع بعد مرورها، وقد يكون وهماً.

ولا بد من التفريق بين اللذة الحسية واللذة العقلية ضرورياً. اللذة الحسية قصيرة العمر، مرتبطة بالجسد واستجابته المباشرة، لا يمكن للطعم أن يدوم ساعات، ولا للمس أن يبقى متوهجاً إلى ما لا نهاية، فجميع الملذات الحسية لا تتجاوز الدقائق المعدودة. أما اللذة العقلية فهي أبطأ وأطول نفساً؛ لأنها لذة المعنى والحديث والذاكرة. حين نقول إننا قضينا ساعات ممتعة على العشاء مع أصدقاء، فإن اللذة الحسية للطعام انتهت في وقت قصير، وما استمر هو لذة النقاش والضحك واستعادة الذكريات والشعور بالقرب الإنساني.

من هنا يمكن القول إن اللذة هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها؛ لأنها تُعاش دائماً في الحاضر. أما السعادة فليست سوى مفهوم اخترعه الإنسان ليمنح حياته شكلاً كلياً، وليحكي عنها قصة متماسكة. الحياة، كما تُعاش فعلاً، ليست سعيدة ولا تعيسة، ولا ذنب لها في إنشاء تلك المفاهيم الحالمة، بل هي سلسلة من الاستجابات الدقيقة للذة والألم.

ما نسميه سعادة ليس إلا الاسم الذي نطلقه، بعد مرور الوقت، على تتابع لحظات لذة غلب فيها الانسجام على الاختلال. في هذا السياق، يظهر تصور أرسطو للسعادة بوصفه المثال الأوضح على تحويل اللذة من حقيقة معيشة إلى عنصر ثانوي. أرسطو لا ينكر اللذة، لكنه يرفض أن تكون أساس الحياة الجيدة، ويعرّف السعادة بأنها «نشاط النفس وفقاً للفضيلة في حياة تامة». غير أن هذا التعريف ينقل معيار الحياة من مستوى التجربة المَعيشة إلى مستوى الحكم العقلي، وهذا ديدن أرسطو في كل حقل.

الإنسان لا يشعر بما يسمى «نشاط النفس»، ولا يختبر «الفضيلة» بوصفهما إحساسين مباشرين. ما يعيشه فعلاً هو لذة أو ألم، راحة أو توتر، انشراح أو ضيق. أما الفضيلة والنشاط فليستا كيفيتين حسيّتين، بل تسميتان ذهنيتان تُستخلصان بعد الفعل، حين يُعاد ترتيب ما عِيش، ووضعه تحت عنوان أخلاقي عام. كما أن اشتراط «الحياة التامة» يكشف الطابع النظري والسردي لهذا التصور. لا أحد يعيش حياته بوصفها كُلاً مكتملاً، بل يعيشها لحظة بلحظة، في توازن هش. السعادة، بهذا المعنى، ليست تجربة، بل قصة تُروى عن حياة بعد مرورها. وما لا يُعاش في الحاضر لا يمكن أن يكون موجهاً فعلياً للسلوك.

إن الزعم بأن اللذة مجرد نتيجة تابعة للفعل وليست غايته يتعارض مع ما نعيشه يومياً. فالأفعال لا تستمر إلا بقدر ما تمنح صاحبها نصيباً من اللذة، مهما كان ضئيلاً أو مؤجلاً. وحين تغيب اللذة، ينهار الدافع، مهما بدا الفعل نبيلاً في الخطاب الأخلاقي. فاللذة ليست زينة تُضاف إلى الفعل، بل شرط بقائه واستمراره.

بهذا المعنى، يتضح أن جغرافية اللذة ليست موضوعاً ثانوياً، بل مفتاح لفهم الإنسان كما هو، لا كما يراد أن يُرى في المرآة الأخلاقية. السعادة، إن كان لها معنى، فهي ليست شيئاً نبحث عنه، بل تقرير عن مهمة بعد انتهائها. بينما اللذة هي الشيء الوحيد الذي نعيشه حقاً، هنا والآن.

الحديث عن مركزية اللذة في توجيه السلوك يصطدم بالحسّ الأخلاقي التقليدي؛ لأنه لا يصوّر الإنسان كما ينبغي أن يكون، بل كما هو في واقعه. فالإنسان لا يعيش وفق مخطط مثالي، ولا يسير موجَّهاً بصورة ذهنية عن «الحياة الجيدة»، بل يتحرك داخل شبكة دقيقة من الاستجابات الحسية، يختار فيها ما يخفف توتره، ويؤجل ألمه، ويمنحه قدراً من الراحة، حتى وإن غلّف كل ذلك بأغلفة من المفاهيم الفلسفية التي لا تنتهي.

***

خالد الغنامي

عن جريدة الشرق الأوسط، يوم: 26 يناير 2026 م ـ 07 شَعبان 1447 هـ

صدر، مؤخراً، في الولايات المتحدة الأميركية، الجزء الثاني من الكتاب الموسوعي «الخيط الذهبي.. تاريخ التقليد الغربي»، والذي كتب جزأه الأول جيمس هانكينس، بينما كتب جزأه الثاني آلان غلزو. المنطلق الذي يَصْدر عنه المؤلفان ليس معرفياً أكاديمياً، على غرار عمل ميشال فوكو الشهير في تاريخ الأفكار الغربية «الكلمات والأشياء» (1966)، بل سياسي أيديولوجي، يتمثل في الدفاع عن الهوية الثقافية الغربية في مواجهة ما يعتبرانه شعوراً جارفاً بالنقمة على الذات وجلد النفس في المجتمعات الغربية نفسها التي تعيش ضياعَ البوصلة وانهيار الشخصية الحضارية.

الكتاب يسرد مسارَ التقليد الغربي الطويل من الحقبة اليونانية الرومانية إلى وقتنا الحالي، مروراً بحقبة الإصلاح الديني وعصر التنوير ثم الثورات المعاصرة، منتقداً بشدة ديناميكية تفكيك المرجعيات الفكرية التي شكّلت «عظمة» الحضارة الغربية، وفق الحركية التي بدأت مع نيتشه وماركس وشبنجلر، وأفضت لاحقاً إلى تأويليات القطيعة والانفصال التي هيمنت على العلوم الإنسانية في العقود الماضية.

لا ينكر المؤلفان أن تاريخ الغرب مليء بالتحولات الكبرى، لكنهما يعتقدان أن التقليد الغربي يقوم على مجموعة من الثوابت تشكِّل خصوصيتَه الفريدة، وهي أساس تركته التي لا تزال صالحةً للحاضر والمستقبل معاً، وأهمها: الخطاب البرهاني العقلاني الذي تمثّل أساساً في الكتابة الفلسفية والعلوم التجريبية، والحرية السياسية القائمة على العقل والقانون والكرامة، ونظريات الحق الطبيعي في مقوماته الأخلاقية والتشريعية والإحساس الجمالي. ومن ميزات الكتاب، أنه يكشف عن الاستقطابات الداخلية الحادة في التقليد الغربي: ما بين الإيمان والعقل والمساواة والتراتب والسلطة والحرية والاتباع والابتداع، بدلاً من اعتبار الحداثة لحظة قطيعة قصوى غيّرت جوهرياً نُظم المعرفة والحقيقة والقيم في المجتمعات الغربية. ليس من همّنا هنا الدخول في نقاش فلسفي متخصّص حول أطروحة الكتاب التي ستُثير دون شك جدلاً واسعاً في قادم الأيام، بل حسبُنا الوقوف عند النتائج المتوقعة في إطار النقاش الدائر راهناً على نطاق واسع حول الهوية الغربية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية.

ومن المعروف أنه صدرت في السنوات الأخيرة أعمالٌ عديدة تدور كلها حول «أزمة الغرب» من النواحي الاستراتيجية والثقافية، وقد سلكت هذه الأعمال مسلكين أساسيين متمايزين، ذهب أحدُهما إلى أن حركية العولمة التي تولّدت عن تطور النسق الغربي نفسه، قوَّضت الهويةَ الحضارية الغربية المتمحورة حول التقليد اليهودي المسيحي والعقلانية العلمانية الحديثة، ومن هنا ضرورة العودة إلى هذه الجذور «الخصوصية» لمواجهة ما سمّاه البعض «الاستبدال الكبير» (أي التهديد الناجم عن الهجرات الدينية والعرقية من الجنوب)، بينما ذهب المسلكُ الآخر إلى أن موازين الصراع الجيوسياسي العالمي لم تَعُد في صالح «الهيمنة الغربية» التي تواجه صعودَ الجنوب الشامل وفي قلبه العالم الأفروآسيوي. في عالمنا العربي، شكّل كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، الصادر عام 1978، بداية نهج بحثي طويل في نقد «المركزية الغربية»، من أبرز تجلياته كتاب «الاستغراب» الذي ألّفه المفكر المصري الراحل حسن حنفي وأراد من خلاله - حسب عبارته - «تحجيم الوعي الغربي» وتحويل الغرب إلى موضوع للدراسة والتقويم، معتبِراً - في ضوء ملاحظات سابقة لهوسرل - أن الوعي الغربي وصل إلى محطة اكتماله ولم يعد لديه ما يضيفه للفكر الإنساني.

وفي السنوات الماضية، صدر لمفكر فلسطيني أميركي آخر، هو وائل حلاق، كتاب نقدي للمركزية الغربية بعنوان «قصور الاستشراق»، وصل فيه حدَّ الهجوم الحاد على أصول ومرجعيات الحداثة والدفاع عن تقليد أخلاقي مناوئ لها. ما تتعين ملاحظته هنا هو أن نقد المركزية الغربية، الذي تعجّ به الكتابات العربية السيارة، هو في غالبه من نتاج الكتاب والفلاسفة الغربيين نفسهم، الذين دأبوا منذ القرن التاسع عشر على المراجعة النقدية المستمرة لمسار التحديث والتنوير.

والواقع أن الغرب لم ينتج ديناميكيةً حداثيةً واحدةً، بل إن مشروع التحديث طُرح منذ بدايته في صيغة استقطابية بين اتجاهات متمايزة: الذاتية المفكرة والتجريبية الواقعية، السيادة الإطلاقية والإرادة المشتركة، الأمة العضوية والمجموعة المدنية، عدالة الاستحقاق وعدالة المساواة.. إلخ. وقد طبعت هذه الديناميكيةُ الاستقطابيةُ التحولاتِ المجتمعية والفكرية في الغرب الحديث، وانعكست في الاتجاهات الأيديولوجية المتصارعة: الثنائية المحافظة والتقدمية التي تخترق التمييزات التقليدية بين اليمين واليسار.

ما حدث في السنوات الأخيرة هو أن هذا النقاش الذي كان يدور في الأروقة الفلسفية المتخصصة، انتقل إلى الفضاء السياسي العام، وأصبح يتحدد وفق سؤال الهوية الحضارية الطاغي اليوم على الحقل الأيديولوجي، بانبثاق كتلتين متعارضتين: تتشبث إحداهما بالطابع الكوني الإنساني للحداثة الغربية، وتُحوِّل الأخرى الغربَ إلى تقليد حضاري وثقافي خصوصي متميز وممتد عبر التاريخ.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 25 يناير 2026 23:15

 

يمكن تصنيف دور النخب المثقفة في الحياة السياسية للمجتمع من الناحية النظرية بأنه ذو مسارات ثلاثة: فأولاً، يقوم المثقفون بتقويم الممارسات السياسية، ويتضح هذا الدور التاريخي من رفض العديد من الممارسات الخاطئة للسياسيين، كما حدث من مخرجات للثورات العالمية الكبرى كالفرنسية والروسية، حيث كان معظم تلك الثورات من أعضاء النخب المثقفة.

أولئك القادة كانوا يتحركون من خلال العمل الميداني الفعلي لتلك الثورات، أو من خلال توعية الجماهير وحثها على رفض الممارسات الخاطئة، كما يحدث في العديد من دول العالم النامي منذ استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وثانياً، مشاركة أعضاء من النخب المثقفة عملياً في السلطة. وتأتي تلك المشاركة عبر وسائل ثلاث، هي التأثير على السياسات الرسمية من جانب، وعلى الرأي العام من جانب آخر للقبول بتلك السياسات، وتقوم النخب المثقفة بدور الناصح لممارسي السياسة وتقديم المشورة لهم في القضايا المهمة المتعلقة بالسياسة والاقتصاد وشؤون المجتمع.

وبالإضافة إلى ذلك ينخرط بعض أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية العملية كسياسيين محترفين. وبطبيعة الحال تتوخى عملية التأثير على السياسة تغيير الأوضاع المختلة وتقويمها، ويتم ذلك بالتأثير على الشعارات المطروحة عن طريق كافة وسائل الضغط المتاحة. وتتوقف إمكانية حدوث هذه الظاهرة على الدرجة التي يمكن القبول بها من قبل المؤسسات السياسية القائمة. والعلاقة هنا طردية، فكلما زاد قبول المؤسسات السياسية بذلك كلما كانت الظاهرة أكثر وضوحاً، والعكس بالعكس.

ويتجلى دور النخب المثقفة الموجه للسياسات في عدة أدوار يؤديها أفراده، هي: دور رجل العلاقات العامة ذي الشخصية القادرة على التواصل والإقناع، كما يحدث في المجتمعات ذات التجارب الانتخابية أثناء الحملات، حيث يقوم أصحاب الفكر والرأي من أعضاء النخب المثقفة بإعداد البرامج الانتخابية والسياسات الموضوعية المناسبة، والمساعدة في وضع الحجج الدافعة التي تضمن سلامة القرار السياسي المتخذ والحلول العملية للمشاكل. وفي الزمن الحالي أصبحت المعلومات الغنية من الأمور التي لا يمكن لأي متخذ قرار واعٍ أن يستغني عنها.

ويلاحظ بأن الأمم المتحضرة تدشن مراكز البحث العلمي والإدارات المتخصصة لكي يمارس المثقفون من خلال نشاطاتها وعبر ميزانياتها لتقديم المشورة السياسية المتكاملة لمؤسسات الدولة وأجهزتها. وبهذه الوسيلة يتاح لأعضاء النخب المثقفة المشاركة في إبداء آرائهم حول صنع القرار وللدولة والمجتمع الاستفادة القصوى من تلك الآراء والمشورات.

ثالثاً، العزلة. وهنا تكون مشاركة أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية ذات طبيعة سلبية، حيث توجد شرائح واسعة منهم تعتبر لا مبالية بشؤون السياسة والمجتمع.

ويعزى هذا النمط السلوكي اللامبالي للمثقفين إلى ما يعرف بـ «الإقرار الصامت» بين النخب المثقفة والنخب السياسية تمتنع عبره النخب المثقفة عن التدخل في السياسات المتعددة الجوانب للنخب السياسية.

وفي مقابل ذلك تقوم النخب السياسية بتزويد أعضاء النخب المثقفة بمزايا وتسمح لهم بالعمل بحرية تامة في مجالاتهم العلمية والثقافية والاجتماعية وتدعمها أدبياً بما يمكنهم من الإنتاج الوفير والانتشار الواسع وظهور المبدعين من بين صفوفهم، خاصة بالنسبة لمواهبهم غير المرتبطة بالنشاط والممارسات السياسية.

***

د. عبد الله جمعة الحاج

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 يناير 2026 23:15

 

من المهمّات الفلسفية الأصيلة أن يفتح الفيلسوف مجموعةً من الأسئلة مشفوعةً بنحت العديد من المفاهيم، وما كانت مهمة الفلاسفة أن يغلقوا الأسئلة بإجابةٍ ناجزةٍ بقدر جدّيتهم في طرحِ مقاربةٍ نظريّة لها، مع الإبقاء دائماً على جذوة السؤال وقادةً مشتعلة.

ومن بين هؤلاء الفلاسفة الذين أثّروا كثيراً على الغنى المفهومي مارتن هايدغر، الذي كتب قليلاً وأثّر كثيراً. ومن هنا، فإن رصد انعكاس الفلسفة الهايدغرية على العرب ضروريٌ جداً ومفيد للغاية. ولعل أبرز مَن رصد استقبال العرب لفكر هايدغر هو الباحث مشير عون في كتابه «هايدغر والفكر العربي». وسأعرض هنا بشكل سريع بضع نقاطٍ مما طرحه عون في هذا الصدد، ولعلها تكون نقاطاً مفيدة:

 أولاً: يرى عون أنه وممّا لا جدال فيه «أنّ الغرب يكوّن، بالنسبة إلى الفكرين العربيّ والهايدغريّ، بطريقة مفارقة، نقطة جذبٍ ومصدر ريبةٍ وحذر، بفعل كلّ ما يحمله في مجال أنماط الإدراك وأنظمة التفسير، ومعايير الحكم وقواعد السلوك، والقيم الثقافيّة والمكتسبات الحضاريّة».

ثانياً: يقول عون: «إذا ما اتّضح أنّ الفكر العربيّ، في اتّجاهاته الإسلامويّة والتقليديّة، مستشرسٌ في نزعته العدوانيّة إزاء الفكر الغربيّ وأنّه، في خياره الإصلاحيّ والحداثيّ، متبصّرٌ في توجيه سهام النقد إلى هذا الفكر إيّاه، واصطفائيٌ بالضرورة بالنسبة إلى اقتبال هذا الفكر، فذلك لأنّ الغرب لم يكفّ البتّة عن إغواء العالم العربيّ والتأثير فيه تأثيراً يختلف في طبيعته وحدّته. وقياساً على ذلك، يجد الفكر الهايدغريّ نفسه مرغماً تاريخانياً، بحسب الاصطلاح الذي يؤثره هايدغر، على التعامل مع الغرب بهدف استيلاده على حقيقته الخاصّة. وهي الحقيقة التي حجبتها الغطاءات المتعاقبة التي ولّدها التيهان الميتافيزيقيّ».

ثالثاً: يرى مشير عون أن «العالم العربيّ لم يقدّر هايدغر حقّ قدْره إلى حدٍّ ما، على الرغم من اتّساع فكره اتّساعاً لا ريب فيه، خلافاً للأعلام الأخرى البارزة في الفكر الغربيّ.

وإذا كان علينا أن نتحاشى الوقوع في فخّ النُواح أو الاستغراق في التشاؤم في ما يخصّ مصير الفكر الفلسفي في العالم العربي، فإنّ أسباب هذا التجاهل عديدة: هزال الترجمات، وجِدَّة الاصطلاحات الهايدغريّة التي تكاد تكون عصيّة على الفهم، والتجريد المفهوميّ المفرط في ما يخصّ الاستدلالات والتحليلات الهايدغريّة، وغرابة القضيّة أو غرابة القصد الرئيس للمشروع الهايدغريّ بالنسبة إلى الأنظمة الفلسفيّة الأُخرى. وفي ما يتعلّق بالجهد الذي بُذِل في مجال الترجمة، فإنّ المترجمين آثروا اختياراً حَكَمَ المبادرات التي قاموا بها.

فقد فضّلوا الموضوعات الهايدغريّة التي تتعلّق بالدرجة الأولى بالفن، والشعر، واللسان، والسياسة، وكلّها ميادين يهتمّ بها القارئ العربيّ اهتماماً مباشراً». والخلاصة هنا هي أن فلسفة هايدغر لم تكن مثل الأطروحات العابرة الوقتية، كالفلسفة الوضعية أو الفلسفة الوجودية العبثية، وإنما تميزت بكونها أسست لنمط مفهومي عميق لا يزال فعّالاً ومؤثراً.

ولعل الأهم من وهذا وذاك أن هايدغر سبب إرباكاً لكلّ قارئيه تقريباً، وما كانت دراسة عون لارتباك العرب حيال هايدغر إلا وسيلةً لفهم الظاهرة الفلسفية ككل وطرق استقبالنا لها. ولعل المهمّة الأساسية في هذا الصدد هي أن نحترم النظريات المتسائلة التي يدوم سؤالها طويلاً ويكبر معنا ونكبر معه.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 19 يناير 2026 23:45