اخترنا لكم

يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ؛ لأن الحداثة، حين نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة. لذلك يصرّ يورغن هابرماس على أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بل ويعدّ «ما بعد الحداثة» مشروعاً نقدياً داخل الحداثة وليس منفصلاً عنها.

الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث بمعنىً أو بآخر، وبالتالي؛ فإن الحداثة شريكة في هذا المنجَز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.

الأستاذ محمد سبيلا ترجم بحثاً للفيلسوف جان بودريار عن «الحداثة»، وهو من البحوث المهمة، وقد تطرّق فيه إلى أفكار كثيرة، منها أن الحداثة ليست مفهوماً سوسيولوجيّاً، ولا مفهوماً سياسياً، وليست بالتمام مفهوماً تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالمياً انطلاقاً من الغرب، ومع ذلك، فهي تظل مدلولاً ملتبساً يشير إلى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية.

غير أن تشارلز تايلر، وهو من المنظّرين لتاريخ الحداثة، له رأيٌ آخر، ففي كتاب «مسائل التعدد والاختلاف... مدخل إلى أعمال تشارلز تايلر» من تأليف سايد مطر، أن الحداثة عنده ذات طابع غربي خاص وفريد. فالحداثة عند تايلر «لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التطور الثقافي والسياسي والأخلاقي الخاص بالمجتمعات الغربية. من الضروري إذن، بحسب تايلر، إذا ما أردنا الغوص في فهم الهوية الأخلاقية والسياسية الغربية الحديثة، أن نتتبع تطورها التاريخي حتى وقتنا الراهن. وجاءت دراسته للحداثة انطلاقاً من التفكيك الذي أصاب الروابط القروسطية للجماعة التاريخية التقليدية وأصاب أيضاً الدين، مروراً بعالم تحول إلى (عالم عديم السحر)، ووصولاً إلى إعلان استقلالية الذات الإنسانية كمرجع وحيد يحدد اختيارات الفرد والتزاماته الحياتية. وما يميز الحداثة في مراحلها الأولى، بحسب تايلر، نزعتها الصريحة إلى (المذهب الإنساني الحصري - (Exclusive Humanism)».

نعم إن الحداثة لها جانب معقّد ذو اشتباك تاريخي؛ لها بداية ونهاية، ولها جانب بسيط؛ مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشروعات التنموية العالمية، والأفكار الكبرى على مستويات تطوير نظريات الأدب والسياسة والدولة، ذات بعد حداثي بمعنىً أو بآخر. إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تاريخها المرتبط بأحداث سياسية ودينية، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم.

الخلاصة: الحداثة مثل أيّ مفهومٍ آخر؛ تمر بأطوار وتتنقل وتتحوّل مع محض التجربة. ولكن يمكن أن ألخّص رأيي في نقطتين أساسيتين: الحداثة ليست محصورة في التجربة الغربية الفريدة، ولم تكن منذ انعكاسها الأول علينا؛ نحن العرب والمسلمين، خارج الهواجس والتهم العميقة؛ وذلك بِعَدّها معادية للأديان بالنسبة إلى البعض... هذه الفكرة رسمت الموقف البسيط مع المنتج الحداثي؛ الفني، والفلسفي، والمعرفي، والتقني. وُضعت الحداثة بإزاء الدِّين، بوصفها ستحلّ محله، أو ستقوّض بنيانه، أو ستهدم قيمه. انتقل العداء للحداثة من العامي الوعظي، ليحولها بعض دارسي الفلسفة إلى منهاجٍ مفهومي، باسم الدهرانية، أو العلمانية الشاملة، أو الداروينية الاجتماعية. بينما الحداثة لم تبثّ يوماً لظاهرتها تعريفاً يتفق عليه الجميع، فهي تشمل كل الرحلة الأوروبية الطويلة منذ القرن السادس عشر، وحتى عصور الأنوار، وزلازل كوبرنيكوس وغاليليو والثورة الفرنسية، وصولاً إلى فتوحات الفلاسفة في نظرية المعرفة. فالحداثة بمعناها العام هي قصة تحولات الإنسان نحو اكتشاف ذاته وعلاقاته بالعالم. واكتشافُ موقعه من الأشياء لا يعني العدوان عليها، ومن ذلك فهم الدين، ولا يمكن عَدّ تلك الرحلة مقتصرة فقط على جانبٍ محدد يتعلق بالحرية، أو الانشقاق على هيمنة الكنيسة، بل الرحلة أشمل وأعم.

النقطة الثانية أن الحداثة بتحولاتها وصَرعاتها المتصلة بتطور العلوم الإنسانية، ومن ثم توسع المشروع البعدي منها ضمن انتقالاتٍ من الكليات إلى الجزئيات، ومن المتن إلى الهامش، ومن الصرح إلى الزاوية، ومن الإنسان إلى ظلّه، اتُّهمت بأنها حالة مسيحية، وذلك من قِبل منتقدي الحداثة في القرن العشرين، منذ نيتشه وهيدغر وحتى ليوتار وباديو وفوكو وبارت ودلوز. وعدّت نظريات كانط وهيغل مجموعة تنويعات عقلانية على المسيحية كما يكتب نيتشه. بمعنىً آخر؛ فإن الحداثة مفهوم هائل ومتطوّر وينسجم مع تجارب الدول والأمم والشعوب... إنه مفهوم سهل وبسيط وشريك للناس في حيويتهم الدنيوية، وللنّظُم في تشريعات القوانين الضابطة للمجال العام.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب وباحث سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 19 رَجب 1447 هـ - 8 يناير 2026 م

في مقالة نشرت خلال الآونة الأخيرة بصحيفة «جون أفريك» الفرنسية، يتحدث الفيلسوف الكاميروني «أشيل بمبة» عن ثلاث أزمات كبرى تعاني منها المجتمعات الأفريقية هي: أزمة إنتاج الموارد الوطنية، وأزمة التوزيع العادل للثروة القومية، وأزمة المواطنة السياسية. في تحليله لهذه الأزمات، يرى «بمبة» أن مصدرها الأساس هو ما يسميه «الاستعمار الذاتي»، الذي يتمثل في استمرار أساليب الإدارة الاستعمارية لدى نخب الاستقلال الحاكمة من تحكم تعسفي بدلا من الحكامة الراشدة ومن فساد ونهب بدلاً من التدبير العادل.

مفهوم الاستعمار الذاتي يختلف نوعياً عن مقولة «قابلية الاستعمار»، التي اشتهر بها المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي، وكان يعني بها وضعية المجتمعات التي تفقد مناعتها الحضارية، فتصبح عرضة للغزو والاحتلال الأجنبي. الاستعمار الذاتي يعني استمرار أساليب الهيمنة الأجنبية بعد نهاية الحقبة الاستعمارية، بحيث تتغير الواجهة الخارجية دون أن تتحول السياسات العمومية. لتفسير هذه الظاهرة، اعتبر «بمبة» أن الأدبيات الاستعمارية لا تزال تشكل النسق التأويلي المحدد لوعي النخب الوطنية نفسها، فالتصنيفات والتحديدات الاجتماعية التي بلورتها تلك الأدبيات استبطنتها الثقافة المشتركة وغدت من مكونات المتخيل الجماعي.

ومن هذه التحديدات مفهوم الهوية العرقية الذي يبدو بديهياً وطبيعياً، مع أنه مخترع منتج تاريخياً لأغراض التشخيص والتجزئة، وكذا مفهوم «الزنوجة» نفسه الذي اعتمدته النخب التحررية والقومية مع أن الغرض الأصلي منه هو طمس إنسانية الإنسان الأفريقي وإقصائه من دائرة البشرية المتحضرة. في الإتجاه نفسه يبلور «اشيل بمبة» مفهوم «الجثثية السياسية» nècroplitique المستمد من نظرية الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو حول «السلطة الحيوية» التي قصد بها التحكم في أنماط العيش والحياة بما ترمز اليه مقولة السيادة الحديثة التي تتأسس على القدرة على إحداث «الموت الشرعي».

«الجثثية السياسية» هي سلطة الموت التي كان ينتهجها المستعمر في تحديده لمناطق خارج القانون، تعلق فيها الحريات والحقوق، ويصبح فيها العنف عادياً، بما يتمثل في تجارب العبودية والاحتلال القسري والحشد التعسفي. ومع أن الإستعمار انتهى، إلا أن ظاهرة «الجثثية السياسية» لا تزال هي المحدد للفعل السياسي داخل المستعمرات السابقة، وهي الأفق الاستراتيجي للعلاقات بين القوى الدولية والعالم الجنوبي الشامل.

الانقلابات العسكرية التي تتجدد حالياً في القارة الأفريقية تدخل في باب «الجثثية السياسية» حسب «أشيل بمبة»، بما تقوم عليه من نهج العنف والقتل وتحويل السياسة إلى حرب دائمة. كان المفكر البحريني الراحل محمد جابر الأنصاري يقول إن المجتمع العربي يعاني من ثغرة سياسية مزمنة، أرجع جذورها إلى عاملين أساسيين هما: الانقطاع الجغرافي بين المراكز الحضرية المحدودة والصحاري القاحلة التي هي أساس المجال الإقليمي المحلي، والانقطاع التاريخي بين فترات الحكم المركزي المستقر ومراحل الاضطراب الممتدة.

ولقد لاحظ الأنصاري أن الاستراتيجيات الاستعمارية أرادت قولبة المجتمع السياسي العربي وفق محددات الدولة السيادية القومية دون العمل على سد اختلالات التجربة التاريخية للمجتمعات العربية، من ثم أوجه المأزق الذي دخل فيه عدد من الدول المحورية في المشرق العربي مثل العراق وسوريا.. بالرجوع إلى ملاحظات الأنصاري التي تحمل بصمات خلدونية واضحة، يمكن القول إن الفرق الجوهري بين الاستراتيجيات الاستعمارية في افريقيا جنوب الصحراء والسياسات المطبقة في العالم العربي هو أن تلك الاستراتيجيات كانت من صياغة الاثنولوجيا الثقافية والاجتماعية التي وظفت في إعادة تشكيل نظام الحكم والتدبير السياسي(ما عبر عنه اشيل بمبة بصناعة العقل الزنجي la raison nègre)، في حين اتسمت السياسة العربية للقوى الاستعمارية بالتأقلم الواقعي مع المتخيل السياسي القائم بما يفسر هشاشة الإرث الاستعماري في المجتمعات العربية.

الإشكال المطروح اليوم في الفكر السياسي العربي هو إلى أي حد يمكن تحميل التركة الاستعمارية اختلالات الوضع الراهن؟ ففي الوقت الذي تسعى الأدبيات ما بعد الكولونيالية الصاعدة إلى إرجاع كل تلك الاختلالات إلى الموروث الاستعماري، تنزع الدراسات الاجتماعية النقدية إلى البحث عن جذور هذه الثغرات في المتخيل الثقافي والبنيات الاجتماعية مع تحميل القوى الاستعمارية مسؤولية الحفاظ عليها وعدم السعي إلى تغييرها على غرار ما حدث في مناطق كثيرة من العالم فرضت عليها الحداثة المستوردة.

قبل سنوات كتب غسان سلامة كتابا بعنوان «مطالب امبراطورية» تحدث فيه عن ظاهرة اللجوء إلى القوى الاستعمارية السابقة للتدخل في حل المشكلات الداخلية للدول المستقلة. ومع أن الظاهرة تغيرت جزئيا في السنوات الأخيرة، إلا أن أزمات الحقل السياسي في البلدان الجنوبية لا تزال إلى حد بعيد متصلة بالإرث الاستعماري سلبا وايجابا.

***

د. السيد ولد أباه - أستاذ الفلسفة بجامعة نواكشوط

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 فبراير 2026 23:30

كنت أحسب أنَّ للدعوات المشتعلة في أوساط مثقفينا ضد الغرب (الغرب كله: أوروبا وأميركا) علاقةً بمشاعر وسياسات الإسلاموفوبيا في أوروبا الجديدة. بيد أنَّ الحرب على غزة ذكّرتني بأمرين: أنَّ التيارَ الثقافي المعادي للغرب في أوساط المثقفين العرب والعالمثالثيين أقدمُ من الإسلاموفوبيا - وأنَّ العنفَ باسم الإسلام مثيرٌ للمخاوف بالفعل بعد حالة «القاعدة» (2001) وحالة «حماس» (2023). لكن على الرغم من ذلك، تبقى العلاقة - إن وُجدت - غيرَ وثيقة ولا تمضي في اتجاهٍ واحد أو سببٍ واحد. بدليل لجوء الملايين إلى الغرب والاستماتة في ذلك، بحيث هلكتْ أُلوفٌ في البحار للعجز عن بلوغ شواطئ أوروبا الأمان!

كانت كراهية الغرب (أوروبا على وجه الخصوص) ضرباً من ضروب الآيديولوجيا في أكثر عقود القرن العشرين وسط صعود التيارات القومية واليسارية وتذكُّر بلايا الاستعمار ومواريث حروب فلسطين والجزائر. ثم ظهر تيار التابع subaltern اليساري الراديكالي تحت تأثير أنثروبولوجيا طلال أسد (مواجهات استعمارية، 1974) وإدوارد سعيد (الاستشراق، 1978). وينتشر مفكرو هذا التيار المتعاظم في الهند وأميركا اللاتينية، لكنّ العديدين منهم باقون بالجامعات الغربية (!). وحسب هذا التيار، أخذ الاستعمار (المستمر) من الناس كل شيء حتى لغتهم، ووسط هذه السطوة لا يستطيع التابع أن يتكلم لأنه مسلوب اللغة والوعي والثقافة، وأياً يكن ما يحاول التعبير عنه يجد نفسه كالببغاء يكرر مقولات الغرب حتى لو كان ثائراً على الغرب أو مُعارضاً له! وكما سبق القول، تعاظم تيار كراهية الغرب هذا بين المثقفين والمفكرين في سائر الأنحاء إلى حدود نقد إدوارد سعيد نفسه الذي، حسب هذه الرؤية، ما مضى إلى الحدود القصوى ضد الغرب، بل كان يلوم الاستشراق - وهو علم غربي - لأنه فارق قيم التنوير في الاستنارة والعقلانية والإنصاف ولو التزم بها المستشرقون لما سيطرت عليهم الثقافة الكولونيالية ضد الغرب والإسلام! أما الكارهون الجدد فيذهبون إلى أن المصيبة بالغرب شاملة بما في ذلك قيم التنوير الاستعمارية الخبيثة؛ فالعدالة عدالتهم لهم وحدهم وكذلك التنوير والعقلانية!

ثم جاءتِ الحرب على غزة على أثر «طوفان الأقصى» فدمَّرت كل تمييزٍ أو فواصل بين الإسلامويين والجهاديين واليساريين وأتباع تيار التابع! في الثمانينات من القرن الماضي كان الإسلامويون وجماعات الهوية هم أكثر المستفيدين من استشراق إدوارد سعيد ونقده للغرب من خلال الاستشراق. واليوم، ينعى المثقفون والفلاسفة من أصولٍ عربية أو آسيوية أو أفريقية الغرب بقضّه وقضيضه؛ فهو سيُهلك العالم ويُهلك نفسه ولا تجوز مجاملته أو تجاهُلُ شروره!

وبالطبع، ما حدث ويحدث بغزة وفلسطين مهول ويتجاوز التصور والمعقول. لكنّ العالم خارج الغرب الاستعماري السابق واللاحق حيٌّ وفعّالٌ وغير خاضع، وقد بلغ الآسيويون درجة الندية وزيادة في الاقتصاد والتقدم العلمي والتكنولوجي. والعالم نظامٌ واحدٌ للعيش والتصرف والأعراف السائدة للجميع إسهاماتٌ فيها. وفي العالم بالأمس واليوم ظالمٌ ومظلوم ولن يفيد في شيء العودة للنعي على مادية الغرب وامتداح روحانية الشرق. بل إنّ أحد كبار الثائرين على الغرب اليوم يقول إنّ الإسلام يمتلك نظاماً كاملاً من سائر النواحي، ولا يمكنه التلاؤم مع الغرب الظلامي، ومن يتوهم إمكان التلاؤم يخرج من الإسلام!

يمارس الإسرائيليون ويمارس الأميركيون ظلماً وعنجهية تجاه الفلسطينيين والعالم كلّه. لكنّ القيم في الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والعيش المشترك والسلام هي قيم كونية، وتبقى كذلك لدينا ولدى الغرب وإن لم تجد تحققاً فعالاً الآن. ولن نكسب شيئاً إذا كفرنا بها باعتبار أصلها الغربي وهي ليست كذلك وإن يكن الغرب هو الذي حوّلها نظاماً عالمياً بعد الحرب الثانية، التي كانت حرباً غربيةً أيضاً. إنّ شيطنة الغرب لن تكسبنا شيئاً، بينما يظل التشارك القيمي رابطةً إنسانيةً وثيقة هي قوام نظام العيش وليس التنكر والإنكار. نوشك أن نصبح خمس سكان العالم ولا نريد ولا نستطيع مقاتلته، بل نناضل للعيش معه وفيه بالسلم والإنصاف.

قرأت حتى الآن ستة كتب وعشرات المقالات التي تُدينُ ما حصل ويحصل بغزة وفلسطين. بيد أنها بدلاً من لوم الغرب أو إدانة ردة فعله البطيئة، أقبلت على نعي الغرب نفسه، إما لأنه لم يراعِ الحق الإنساني في الحياة والحرية، أو لأنه فاسدٌ ومتآمرٌ من الأصل!

إنّ الذي أخشاه أن كبار مثقفينا الذين ينعون الغرب وينشرون اليأس منه، إنما ينفخون في أبواق المتطرفين للاستمرار في شنّ الحرب على العالم، وهي حرب يموت فيها أطفالنا وأطفال الآخرين، ليظل الدم بيننا وبين العالم مسفوكاً في مستقبلنا كما هو في حاضرنا.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 18 شَعبان 1447 هـ - 6 فبراير 2026 م

 

 

يبدو أن من أبرز ما عانتْ منه الفلسفة هو توجّه بعض المختصّين فيها إلى إعلاء مكانة الفيلسوف على غيره من المشتغلين بالعلوم والمعارف الأخرى، وبصفة خاصة العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية. وبطبيعة الحال، فإن المجال الفلسفي يهتم في الأساس بالقضايا الجوهرية كما يُعنى بتنقيح المفاهيم وبلورتها نظرياً.. لكن يردّ البعض بأنه حتى الرياضيين والفيزيائيين انغمسوا في العلم دون أن يكونوا منفصلين عن المدينة وعن المجال العام في مستواه العملي.

ويعود ذلك الفهم المنقوص حول وظيفة الفيلسوف إلى انعزال بعض المختصّين في الفلسفة عن الناس وعن الحياة اليومية متجهين نحو حياة الجامعة والمكتبة، بينما المفترض أن تكون وظيفة الفلسفة أعمّ وأشمل من الاقتصار على الدرْس والكتاب.

ويعود احتدام النقاش بين الفلسفة في مجالها المدرسي، وبين الفلسفة في حياة المدينة والمجال العام إلى المرحلة اليونانية، حيث دار النقاش بين الفلاسفة اليونانيين حول الواقع والفكر، وها هو الآن يتجدد كما تجدد في كل العصور السابقة.

ولو قرأنا نظريّةَ جان بول سارتر في كتابه «الوجود والعدم» لوجدنا أن المحاججة التي اعتمد عليها فيما يخص «الغياب»، لإثبات نظريته، رسم أفكارَها الرئيسيةَ انطلاقاً من المقهى الذي اعتاد أن يجلس فيه، حيث ضرب المثال بصديقه «بيير» حول الوجود والغياب والعدم، وهذا مفصّلٌ في الكتاب المذكور.

وفي سياق مشابه، نطالع نقاشاً مهماً عنوانه «الفيلسوف والمدينة»، وهو سجالٌ بين الفيلسوفيْن الفرنسيين روجي بول دروا ورافييل انتوهوفن، وقد جرى ونُشر على صفحات مجلة «لوبوان» وترجمه إلى اللغة العربية عبد الوهاب البراهمي وأُعيدَ نَشره في مجلة «حكمة». وسأعرضُ هنا النتيجةَ التي توصل إليها كلّ من الفيلسوفين.

يقول بول روجي بول دروا إن «الفلاسفة أصبحوا في الأغلبية موظفين، وأساتذة.. إنها حركة حديثة العهد تعود بدايتها إلى نهاية القرن الـ 18 مع إيمانويل كانط، ثم مع هيجل، الأستاذ الكبير في برلين. لكننا نجد قبلهما، في تاريخ الفلسفة كثيراً من الفلاسفة ليس لهم أي شان بتدريس الفلسفة، مثل ديكارت».

ثم يضيف دروا: «أن نُتَهَمَ بممارسة (فلسفة يوم الأحد) فهو اتهام يتصّل، كما يبدو لي، بهذا التوتّر الحديث الذي يجعل الفلسفة تخصّصاً جامعياً، يجب ألا يكون مشروعاً إلاّ إذا كان أكاديميّاً. لقد قال برجسون ذات يوم: توجد مسألة فلسفية كبرى لا يمكن التعبير عنها بلغة الحياة اليوميّة، وسأكون أوّل من يفكر بأن الفلسفة الجامعية ليس لها احتكار الفكر ولا فكر الفلسفة، ولا تملك لوحدها تعريفَ هذا التمرين ولا هذا التخصّص».

والآن نأتي إلى رأي رافييل انتوهوفن الذي ذهب إلى أنه «لحصر الفلسفة في الجامعة فضائلُه، إذ الفلسفة معرفة، لكن يوجد تكبّر أكاديمي أو جامعي يختزل الفيلسوف في أستاذ فلسفة، والفلسفة في تاريخ الفلسفة. لا يوجد مَن يسخر من (فيلسوف الأحد) سوى الجامعيين».

ويتضح من هذين الرأيين المتباينين مستوى الصدام بين النظريتين. والخلاصة، في رأيي، أنه من الصواب حصر الفلسفة في الجامعة ونفي مَن يتفلسف خارجها، وبالمقابل فإن ازدراء فيلسوف المدينة للأكاديميين هو أيضاً موقف لا يخدم المجالَ الفلسفي.

إن التكامل بين تينك النظريتين يمكن أن يساعد في وضع الفلسفة في حالةٍ من الغنى بالمفاهيم والنظريات والإنتاج النظري، حيث إن لكل من المجالين الأكاديمي والمدني مصادر غناه العلمية والمفهومية، ولذا فمن الضروري الاستفادة من كل المنابع الفلسفية، ولا مانع من أن يجمع الفيلسوف بين جامعته وساحات مدينته!

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الاماراتية، يوم: 2 فبراير 2026 23:00

 

في تونس، حيث شاركتُ الأسبوع الماضي في الندوة الفلسفية المتميزة التي احتضنتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول موضوع الاختلاف والمغايرة والاعتراف، وشارك فيها فلاسفة متميزون من تونس وبقية العالم العربي.

ولا شك في أن الموضوع هام، ويستأثر حالياً باهتمام الحقل الفلسفي، ويعكس الإشكالية الكبرى التي تعيشها المجتمعاتُ الحديثة حول تركة الذاتية التي هي براديغم الفلسفة الغربية منذ اللحظة الديكارتية. منذ هيغل ندرك أن الذاتية تنبع في سرديتها الطويلة من التقليد المسيحي الذي حوّل الوعيَ أو الضمير إلى أرضية التفكير المتمحور حول النفس ومقوم الأخلاقيات المرتكزة على الإرادة المستقلة التي هي مدار القيم الفردية والاجتماعية.

إلا أن هذا التصور الذي أسس الأفكارَ الحديثة حول الحرية والأهلية الأخلاقية طرح إشكالاتٍ عصيةً، من حيث تلاؤمه مع الغيرية المختلفة، التي هي الإطار المعياري لفلسفات التسامح والاختلاف. ومن هنا برز مشكلُ الاعتراف المعقد الذي طُرح منذ هيغل في صيغة البحث عن توافقات ناجعة بين أفراد أحرار يختلفون من حيث أفكارهم ومعتقداتهم وتصوراتهم الاجتماعية. وقد لاحظت حنة ارندت أن التصور الحداثي الإرادة في نسختها الكانطية يعاني من تصدع داخلي، من حيث هي من جهة حرة، ولكنها لا تمارس حريتَها إلا في إطار الامتثال للقوانين الأخلاقية الملزمة. ومن هنا خلصت ارندت إلى أن الأخلاق الكانطية محصورة في دائرة الوعي، ولا صلة لها بالعالم المشترك الذي هو مجال النشاط الإنساني التعددي.

ما عبّرت عنه حنة ارندت هنا هو جانب أساسي من جوانب المأزق النظري لفلسفات الوعي، من حيث حرصها على إعادة بناء نظرية الأخلاق وفق القوانين الكلية للإرادة. ومن هنا نشأ سؤالٌ جديد في الفلسفة المعاصرة: كيف يمكن تصور الرابطة الأخلاقية مع الآخر خارج مركزية الوعي التي تحول بالضرورة الغيرَ إلى وجه من وجوه الأنا؟ وهل يكون الحل هو الخروج كلياً من نموذج الذاتية بصفتها عاجزة عن ضبط المسألة الأخلاقية نظرياً وعملياً مع ما قد ينجر عن هذا الخيار من تضحية بفكرة الإرادة الحرة المسؤولة التي هي مقتضى الفعل الأخلاقي، أم أن المطلوب هو إعادة تحديد فكرة الذات بالقطيعة مع محورية الأنا والغير، مع ما قد يفضي إليه هذا القول من ارتكاس في مأزق الذاتية الواعية من منعرجات أخرى؟

الإشكال طُرح بقوة في الفلسفة المعاصرة في اتجاهين متمايزين، ذهب أحدهما إلى إعلان مبدأ المسؤولية الأخلاقية من حيث أولوية الغير على الأنا في تجاوز جذري للموقف الأنطولوجي، أي الوجود من حيث هو نسق كلي، وذلك ما نلمسه في فكر أمانويل لفيناس مع بعض الامتدادات في كتابات جاك دريدا، في حين ذهب الاتجاه الآخر إلى دمج الغيرية في مسار الذاتية عبر الوسائط التأويلية والمؤسسية، حرصاً على إنقاذ فكرة الإرادة الواعية المستقلة التي هي الأفق الأخلاقي للإنسان الغربي، كما هو الحال في فلسفة بول ريكور.

لقد قيل الكثير حول المأزق الذي يُفضي إليه الاتجاهان: الاختلافي الذي يضحّي بمثال الحرية ويعوّضه بفكرة المسؤولية اللامتناهية والضيافة غير المشروطة، غير قابلة للترجمة في نظم مؤسسية عادلة، في حين أن «الذاتية التأويلية» ليسن سوى صيغة معدّلة لنموذج الوعي في قدرته اللامحدودة على استيعاب ودمج الآخر.

في كتابه «الحكم والمجد»، يبيّن جورجيو أغامبن أن الأنطولوجيا الغربية، على عكس ما يُعتقد، لم تفصل بين الوجود والقيمة، بل اتسمت منذ البداية بسمات سياسية وقانونية وحملت لاحقاً أبعاداً لاهوتية معقدة.

لقد كانت هذه الأنطولوجيا منذ نشأتها ذات طابع عملي إجرائي، يبرز في تصنيف الأشياء وتقويمها وتوجيه الفعل والسلوك. ومن هنا يجب أن نفهم حديثَ هايدغر عن «نسيان الوجود» بمعنى أن الأنطولوجيا الغربية ربطت عضوياً بين فهم الأشياء والتصرف الإجرائي فيها، فالوجود من هذا المنظور ليس ما عليه الشيء بل ما ينبغي أن يكون عليه. والفعل هو الذي يصوغ الوجود والأمر هو مدار السلوك وليس الإرادة. ما حدث مع اللاهوت المسيحي هو تحويل الأنطولوجيا إلى منظومة أمرية تنزع إلى ترجمة الإلزامات الأخلاقية في لغة الوجود الكلي.

في ضوء ملاحظة اغامبن، نخلص إلى أن الفلسفة الغربية قامت على وهم الفصل بين الوجود والقيم، وفق صيغ عديدة تفاوتت من العصر اليوناني إلى الحقبة الحديثة، ولذا فإن الجدل الراهن حول أولوية الوجود أو القيمة لا معنى له، سواء اعتمدت الأخلاق مرجعية أنطولوجية أو كان منطلقها الغيرية المطلقة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 1 فبراير 2026 23:52

منذ أن بدأ الإنسان يطرح أسئلته الأولى، كان يعتقد أن الكون موجود هناك، في الخارج، مستقلاً عنه، لا يهتم بوجوده، ولا يتأثر به، ولا يتشكّل عبره. كان الإنسان يرى ذاته نقطة صغيرة في فضاء بارد لا عقل له. لكن العِلم بشكل مدهش وغير متوقّع بدأ يقترح عكس ذلك تماماً، والإشارة إلى أن الكون ليس مجرد امتداد فيزيائي للمادة، بل مرآة معرفية تستجيب للوعي، وتنحني أمام المراقبة، وتظهر خصائصها فقط عندما ننظر إليها.

السؤال يبقى: هل الوجود نفسه مصمَّم ليتفاعل مع العقول، لا مع الجسيمات فقط؟ فأول من تحدّث في صورة الكون الموضوعي كان علماء ميكانيكا الكم. ففي التجارب الأساسية مثل تجربة الشّق المزدوج، يظهر الجسيم كموجة عندما لا نراقبه، ويتحول إلى جسيم عند الملاحظة. وكأن الكون ينتظر حضور الوعي ليقرر كيف يتجسّد. هذا ليس تأويلاً خيالياً، بل نتيجة تجريبية تتكرّر منذ مئة عام. كيف يمكن لجسيم صغير أن يعرف أننا نراقبه؟ أو أن يغيّر حالته بناءً على قرار ذاتي؟ هذا السؤال دفع كبار الفيزيائيين مثل بور، هايزنبرغ، وويلر إلى فكرة جريئة: وهي أن الوعي ليس متفرجاً على الكون، بل جزءاً من معادلته.

الكون لا يكشف نفسه إلا حين نقوم نحن بفكّ شفرته. وما لا نراقبه يبقى احتمالاً. ثم جاء المستوى الكوني ليعمّق المفاجأة. فالكون مضبوط بدقة استثنائية: ولو حدث تغير ثابت الجاذبية بنسبة جزء من تريليون، لما وُجدت نجوم. ولو تغيّرت الطاقة المظلمة قليلاً، لانكمش الكون أو انفجر قبل أن يتشكّل أي شيء. هذا الضبط الدقيق جعل العلماء يتساءلون: هل الكون جاء من تلقاء ذاته بصدفة، أم مُصمَّماً؟

إن الوعي يلعب دوراً أعمق مما نتخيل؟ نظرية «الكون القابل للحساب» التي طرحها جون ويلر تقول: «الكون ليس آلة، بل سؤال ينتظر العقل كي يجيب». أي أن الوعي ليس عارضاً، بل شرطاً لظهور الكون بمعناه. فالكون بلا مراقِب هو مجرد احتمالات، مثل كتاب بلا قارئ أو موسيقى بلا مستمع. أما علم الدماغ فيقدم مفاجأة أكبر. فالعقل لا يتلقى الواقع، بل يصنعه لحظة بلحظة. لا نرى الضوء، بل تفسيراً ضوئياً. لا نسمع الصوت، بل تأويلاً عصبياً للاهتزاز. لا نلمس الأشياء، بل خريطة حسية يصنعها الدماغ من الفراغ. والجميل والمخيف في آن: أن العالم الخارجي لا يدخل إلى العقل كما هو، بل العقل يحوّله إلى صورة، ثم يصدّق الصورة، وينسى أنها صورته هو.

كل ما سبق ينتج عنه سؤال لا يستطيع العلم تجاهله: إذا كان الدماغ يصنع تجربتنا، والكون يتشكّل عندما يراقبه الإنسان أو الحيوان ذاتياً، والجسيمات تتحدد وفق حضور الوعي، فهل الوجود خارجي كما نعتقد؟ أم أن الخارج هو استمرار داخلي للوعي في شكل آخر؟ ولك أن تتأمل اللحظة التي ننظر فيها إلى السماء. فهل نرى مجرّات تبعد ملايين السنين الضوئية، أم أن الضوء الذي يصل إلينا ليس المجرة نفسها، بل أثرها القديم؟ نحن لا نرى الماضي، ولكن هل نرى صورة الماضي داخل الوعي الآن؟ فالمجرّة الحقيقية لم تَعُد موجودة في المكان الذي نراها فيه. وما نراه ليس الكون، بل ذاكرة الكون كما تظهر في وعينا.

وهنا تظهر أهم فكرة في هذا المسار كله: ربما الكون ليس وعاءً نعيش داخله، بل خريطة معرفية تتشكّل في وعينا وتتشابك مع قوانين لا تعمل إلا حين يكون هناك عقل يفسّرها. إن الكون الذي نعرفه بقوانينه وثوابته وألوانه وأشكاله قد يكون مجرد طبقة واحدة من واقع أعمق، لا نراه إلا من خلال نافذة الإدراك البشري. وربما هناك عوالم كاملة لا يمكن أن تظهر لنا لأن وعينا غير مهيأ لترجمتها. ولذلك، الوعي ليس مجرد سائح في الكون، ولا الكون مسرحاً محايداً، ولكن لما لا يكونان ثنائية واحدة: الوعي يكشف الكون، والكون يظهر للوعي وهما مرآتان تعكسان بعضهما، لا بداية ولا نهاية بينهما؟فربما أكبر مفارقة في تاريخ العلم هي: كلما اكتشف الإنسان الكون، اكتشف نفسه. وكلما تقدم خطوة نحو الخارج، اتضح أن الخارج كان انعكاساً للداخل. ونحن كمسلمين لا نستوعب لماذا يخاطبنا القرآن بصيغة الماضي حتى عن المستقبل، وما عظمة خلق الإنسان، ولماذا سجدت له الملائكة؟ ولماذا نفخ الله فينا من روحه؟ هل الإنسان مجرد نقطة في الكون، أم أن الكون نقطة في الإنسان بأبعاد اللامحدودة والتي تكمن فيه؟

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 يناير 2026 22:00

 

اللذة حسية مادية واضحة، لا يمكن التشكيك في وجودها؛ لأنها تُعاش مباشرة قبل أي تفسير أو حكم، وتعمل بوصفها محركاً خفياً للسلوك، حتى قيل إن حركات الإنسان كلها جبرية تحكمها اللذة والألم. واللذة ليست محصورة في الأكل والشرب والجنس، كما درج الخطاب الأخلاقي على اختزالها، بل تتخلل الجسد كله، وتتشكل وفق خريطة دقيقة من الاستجابات العصبية والتوترات والانفراجات. وهذه الملذات، وكذا الآلام، تتفاوت في القوة. لنا أن نتخيل لذة نيوتن عندما اكتشف قانون الجاذبية. ولنا أن نتذكر أنك عندما تنظف أذنك، لا تكون المسألة مجرد إزالة للشمع، بل هناك لذة حقيقية، ذات قوة، تدعو الإنسان إلى تكرار الفعل، حتى بعد تحقق الغاية الوظيفية. هذه الملذات، كبيرها وصغيرها لا تحتاج إلى تبرير، ولا إلى خطاب أخلاقي؛ لأنها ببساطة تحدث.

جغرافية اللذة تمتد لمساحات أوسع بكثير مما يتصور العجلان. وبإمكان القارئ أن يستكشف هذه التضاريس ويتوسع في دراستها. فاللذة، في معناها الجوهري، ليست بالضرورة نشوة عالية أو إثارة قصوى، بل غالباً ما تكون إحساساً دقيقاً بزوال اختلال، أو بعودة الجسد إلى الراحة. ولهذا السبب نغيّر المِرفق الذي نتكئ عليه بمجرد أن نشعر بأدنى انزعاج. لا ننتظر ألماً حقيقياً، ولا نفكر في القرار، بل تتحرك أجسادنا كالآلات لتجنّب الألم، ولو كان في بدايته. هذا السلوك اليومي البسيط يؤكد أن حياتنا تُدار، في مستواها الأعمق، وفق ميزان اللذة والألم، لا وفق المفاهيم الكبرى التي تخترعها عقولنا لاحقاً.

هنا يبرز سؤال السعادة. إذا كانت اللذة بهذا الوضوح والحضور، فما السعادة إذن؟ وهل هي شيء نعيشه فعلاً؟ حين نزعم أننا سعداء، فإننا لا نصف تجربة حاضرة، بل نصدر حكماً عاماً على فترة أو على حياة كاملة. لكننا في الواقع لا نلتقي بشيء اسمه السعادة في الشارع. ما نعيشه دائماً هو لحظات، لذة وراحة وانشراح وزوال توتر، أو على العكس ألم وضيق وحزن. السعادة ليست إحساساً نشعر به، بل تلك هي اللذة. السعادة بناء ذهني، أشبه بعنوان يُوضع على سلسلة من الوقائع بعد مرورها، وقد يكون وهماً.

ولا بد من التفريق بين اللذة الحسية واللذة العقلية ضرورياً. اللذة الحسية قصيرة العمر، مرتبطة بالجسد واستجابته المباشرة، لا يمكن للطعم أن يدوم ساعات، ولا للمس أن يبقى متوهجاً إلى ما لا نهاية، فجميع الملذات الحسية لا تتجاوز الدقائق المعدودة. أما اللذة العقلية فهي أبطأ وأطول نفساً؛ لأنها لذة المعنى والحديث والذاكرة. حين نقول إننا قضينا ساعات ممتعة على العشاء مع أصدقاء، فإن اللذة الحسية للطعام انتهت في وقت قصير، وما استمر هو لذة النقاش والضحك واستعادة الذكريات والشعور بالقرب الإنساني.

من هنا يمكن القول إن اللذة هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها؛ لأنها تُعاش دائماً في الحاضر. أما السعادة فليست سوى مفهوم اخترعه الإنسان ليمنح حياته شكلاً كلياً، وليحكي عنها قصة متماسكة. الحياة، كما تُعاش فعلاً، ليست سعيدة ولا تعيسة، ولا ذنب لها في إنشاء تلك المفاهيم الحالمة، بل هي سلسلة من الاستجابات الدقيقة للذة والألم.

ما نسميه سعادة ليس إلا الاسم الذي نطلقه، بعد مرور الوقت، على تتابع لحظات لذة غلب فيها الانسجام على الاختلال. في هذا السياق، يظهر تصور أرسطو للسعادة بوصفه المثال الأوضح على تحويل اللذة من حقيقة معيشة إلى عنصر ثانوي. أرسطو لا ينكر اللذة، لكنه يرفض أن تكون أساس الحياة الجيدة، ويعرّف السعادة بأنها «نشاط النفس وفقاً للفضيلة في حياة تامة». غير أن هذا التعريف ينقل معيار الحياة من مستوى التجربة المَعيشة إلى مستوى الحكم العقلي، وهذا ديدن أرسطو في كل حقل.

الإنسان لا يشعر بما يسمى «نشاط النفس»، ولا يختبر «الفضيلة» بوصفهما إحساسين مباشرين. ما يعيشه فعلاً هو لذة أو ألم، راحة أو توتر، انشراح أو ضيق. أما الفضيلة والنشاط فليستا كيفيتين حسيّتين، بل تسميتان ذهنيتان تُستخلصان بعد الفعل، حين يُعاد ترتيب ما عِيش، ووضعه تحت عنوان أخلاقي عام. كما أن اشتراط «الحياة التامة» يكشف الطابع النظري والسردي لهذا التصور. لا أحد يعيش حياته بوصفها كُلاً مكتملاً، بل يعيشها لحظة بلحظة، في توازن هش. السعادة، بهذا المعنى، ليست تجربة، بل قصة تُروى عن حياة بعد مرورها. وما لا يُعاش في الحاضر لا يمكن أن يكون موجهاً فعلياً للسلوك.

إن الزعم بأن اللذة مجرد نتيجة تابعة للفعل وليست غايته يتعارض مع ما نعيشه يومياً. فالأفعال لا تستمر إلا بقدر ما تمنح صاحبها نصيباً من اللذة، مهما كان ضئيلاً أو مؤجلاً. وحين تغيب اللذة، ينهار الدافع، مهما بدا الفعل نبيلاً في الخطاب الأخلاقي. فاللذة ليست زينة تُضاف إلى الفعل، بل شرط بقائه واستمراره.

بهذا المعنى، يتضح أن جغرافية اللذة ليست موضوعاً ثانوياً، بل مفتاح لفهم الإنسان كما هو، لا كما يراد أن يُرى في المرآة الأخلاقية. السعادة، إن كان لها معنى، فهي ليست شيئاً نبحث عنه، بل تقرير عن مهمة بعد انتهائها. بينما اللذة هي الشيء الوحيد الذي نعيشه حقاً، هنا والآن.

الحديث عن مركزية اللذة في توجيه السلوك يصطدم بالحسّ الأخلاقي التقليدي؛ لأنه لا يصوّر الإنسان كما ينبغي أن يكون، بل كما هو في واقعه. فالإنسان لا يعيش وفق مخطط مثالي، ولا يسير موجَّهاً بصورة ذهنية عن «الحياة الجيدة»، بل يتحرك داخل شبكة دقيقة من الاستجابات الحسية، يختار فيها ما يخفف توتره، ويؤجل ألمه، ويمنحه قدراً من الراحة، حتى وإن غلّف كل ذلك بأغلفة من المفاهيم الفلسفية التي لا تنتهي.

***

خالد الغنامي

عن جريدة الشرق الأوسط، يوم: 26 يناير 2026 م ـ 07 شَعبان 1447 هـ

صدر، مؤخراً، في الولايات المتحدة الأميركية، الجزء الثاني من الكتاب الموسوعي «الخيط الذهبي.. تاريخ التقليد الغربي»، والذي كتب جزأه الأول جيمس هانكينس، بينما كتب جزأه الثاني آلان غلزو. المنطلق الذي يَصْدر عنه المؤلفان ليس معرفياً أكاديمياً، على غرار عمل ميشال فوكو الشهير في تاريخ الأفكار الغربية «الكلمات والأشياء» (1966)، بل سياسي أيديولوجي، يتمثل في الدفاع عن الهوية الثقافية الغربية في مواجهة ما يعتبرانه شعوراً جارفاً بالنقمة على الذات وجلد النفس في المجتمعات الغربية نفسها التي تعيش ضياعَ البوصلة وانهيار الشخصية الحضارية.

الكتاب يسرد مسارَ التقليد الغربي الطويل من الحقبة اليونانية الرومانية إلى وقتنا الحالي، مروراً بحقبة الإصلاح الديني وعصر التنوير ثم الثورات المعاصرة، منتقداً بشدة ديناميكية تفكيك المرجعيات الفكرية التي شكّلت «عظمة» الحضارة الغربية، وفق الحركية التي بدأت مع نيتشه وماركس وشبنجلر، وأفضت لاحقاً إلى تأويليات القطيعة والانفصال التي هيمنت على العلوم الإنسانية في العقود الماضية.

لا ينكر المؤلفان أن تاريخ الغرب مليء بالتحولات الكبرى، لكنهما يعتقدان أن التقليد الغربي يقوم على مجموعة من الثوابت تشكِّل خصوصيتَه الفريدة، وهي أساس تركته التي لا تزال صالحةً للحاضر والمستقبل معاً، وأهمها: الخطاب البرهاني العقلاني الذي تمثّل أساساً في الكتابة الفلسفية والعلوم التجريبية، والحرية السياسية القائمة على العقل والقانون والكرامة، ونظريات الحق الطبيعي في مقوماته الأخلاقية والتشريعية والإحساس الجمالي. ومن ميزات الكتاب، أنه يكشف عن الاستقطابات الداخلية الحادة في التقليد الغربي: ما بين الإيمان والعقل والمساواة والتراتب والسلطة والحرية والاتباع والابتداع، بدلاً من اعتبار الحداثة لحظة قطيعة قصوى غيّرت جوهرياً نُظم المعرفة والحقيقة والقيم في المجتمعات الغربية. ليس من همّنا هنا الدخول في نقاش فلسفي متخصّص حول أطروحة الكتاب التي ستُثير دون شك جدلاً واسعاً في قادم الأيام، بل حسبُنا الوقوف عند النتائج المتوقعة في إطار النقاش الدائر راهناً على نطاق واسع حول الهوية الغربية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية.

ومن المعروف أنه صدرت في السنوات الأخيرة أعمالٌ عديدة تدور كلها حول «أزمة الغرب» من النواحي الاستراتيجية والثقافية، وقد سلكت هذه الأعمال مسلكين أساسيين متمايزين، ذهب أحدُهما إلى أن حركية العولمة التي تولّدت عن تطور النسق الغربي نفسه، قوَّضت الهويةَ الحضارية الغربية المتمحورة حول التقليد اليهودي المسيحي والعقلانية العلمانية الحديثة، ومن هنا ضرورة العودة إلى هذه الجذور «الخصوصية» لمواجهة ما سمّاه البعض «الاستبدال الكبير» (أي التهديد الناجم عن الهجرات الدينية والعرقية من الجنوب)، بينما ذهب المسلكُ الآخر إلى أن موازين الصراع الجيوسياسي العالمي لم تَعُد في صالح «الهيمنة الغربية» التي تواجه صعودَ الجنوب الشامل وفي قلبه العالم الأفروآسيوي. في عالمنا العربي، شكّل كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، الصادر عام 1978، بداية نهج بحثي طويل في نقد «المركزية الغربية»، من أبرز تجلياته كتاب «الاستغراب» الذي ألّفه المفكر المصري الراحل حسن حنفي وأراد من خلاله - حسب عبارته - «تحجيم الوعي الغربي» وتحويل الغرب إلى موضوع للدراسة والتقويم، معتبِراً - في ضوء ملاحظات سابقة لهوسرل - أن الوعي الغربي وصل إلى محطة اكتماله ولم يعد لديه ما يضيفه للفكر الإنساني.

وفي السنوات الماضية، صدر لمفكر فلسطيني أميركي آخر، هو وائل حلاق، كتاب نقدي للمركزية الغربية بعنوان «قصور الاستشراق»، وصل فيه حدَّ الهجوم الحاد على أصول ومرجعيات الحداثة والدفاع عن تقليد أخلاقي مناوئ لها. ما تتعين ملاحظته هنا هو أن نقد المركزية الغربية، الذي تعجّ به الكتابات العربية السيارة، هو في غالبه من نتاج الكتاب والفلاسفة الغربيين نفسهم، الذين دأبوا منذ القرن التاسع عشر على المراجعة النقدية المستمرة لمسار التحديث والتنوير.

والواقع أن الغرب لم ينتج ديناميكيةً حداثيةً واحدةً، بل إن مشروع التحديث طُرح منذ بدايته في صيغة استقطابية بين اتجاهات متمايزة: الذاتية المفكرة والتجريبية الواقعية، السيادة الإطلاقية والإرادة المشتركة، الأمة العضوية والمجموعة المدنية، عدالة الاستحقاق وعدالة المساواة.. إلخ. وقد طبعت هذه الديناميكيةُ الاستقطابيةُ التحولاتِ المجتمعية والفكرية في الغرب الحديث، وانعكست في الاتجاهات الأيديولوجية المتصارعة: الثنائية المحافظة والتقدمية التي تخترق التمييزات التقليدية بين اليمين واليسار.

ما حدث في السنوات الأخيرة هو أن هذا النقاش الذي كان يدور في الأروقة الفلسفية المتخصصة، انتقل إلى الفضاء السياسي العام، وأصبح يتحدد وفق سؤال الهوية الحضارية الطاغي اليوم على الحقل الأيديولوجي، بانبثاق كتلتين متعارضتين: تتشبث إحداهما بالطابع الكوني الإنساني للحداثة الغربية، وتُحوِّل الأخرى الغربَ إلى تقليد حضاري وثقافي خصوصي متميز وممتد عبر التاريخ.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 25 يناير 2026 23:15

 

يمكن تصنيف دور النخب المثقفة في الحياة السياسية للمجتمع من الناحية النظرية بأنه ذو مسارات ثلاثة: فأولاً، يقوم المثقفون بتقويم الممارسات السياسية، ويتضح هذا الدور التاريخي من رفض العديد من الممارسات الخاطئة للسياسيين، كما حدث من مخرجات للثورات العالمية الكبرى كالفرنسية والروسية، حيث كان معظم تلك الثورات من أعضاء النخب المثقفة.

أولئك القادة كانوا يتحركون من خلال العمل الميداني الفعلي لتلك الثورات، أو من خلال توعية الجماهير وحثها على رفض الممارسات الخاطئة، كما يحدث في العديد من دول العالم النامي منذ استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وثانياً، مشاركة أعضاء من النخب المثقفة عملياً في السلطة. وتأتي تلك المشاركة عبر وسائل ثلاث، هي التأثير على السياسات الرسمية من جانب، وعلى الرأي العام من جانب آخر للقبول بتلك السياسات، وتقوم النخب المثقفة بدور الناصح لممارسي السياسة وتقديم المشورة لهم في القضايا المهمة المتعلقة بالسياسة والاقتصاد وشؤون المجتمع.

وبالإضافة إلى ذلك ينخرط بعض أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية العملية كسياسيين محترفين. وبطبيعة الحال تتوخى عملية التأثير على السياسة تغيير الأوضاع المختلة وتقويمها، ويتم ذلك بالتأثير على الشعارات المطروحة عن طريق كافة وسائل الضغط المتاحة. وتتوقف إمكانية حدوث هذه الظاهرة على الدرجة التي يمكن القبول بها من قبل المؤسسات السياسية القائمة. والعلاقة هنا طردية، فكلما زاد قبول المؤسسات السياسية بذلك كلما كانت الظاهرة أكثر وضوحاً، والعكس بالعكس.

ويتجلى دور النخب المثقفة الموجه للسياسات في عدة أدوار يؤديها أفراده، هي: دور رجل العلاقات العامة ذي الشخصية القادرة على التواصل والإقناع، كما يحدث في المجتمعات ذات التجارب الانتخابية أثناء الحملات، حيث يقوم أصحاب الفكر والرأي من أعضاء النخب المثقفة بإعداد البرامج الانتخابية والسياسات الموضوعية المناسبة، والمساعدة في وضع الحجج الدافعة التي تضمن سلامة القرار السياسي المتخذ والحلول العملية للمشاكل. وفي الزمن الحالي أصبحت المعلومات الغنية من الأمور التي لا يمكن لأي متخذ قرار واعٍ أن يستغني عنها.

ويلاحظ بأن الأمم المتحضرة تدشن مراكز البحث العلمي والإدارات المتخصصة لكي يمارس المثقفون من خلال نشاطاتها وعبر ميزانياتها لتقديم المشورة السياسية المتكاملة لمؤسسات الدولة وأجهزتها. وبهذه الوسيلة يتاح لأعضاء النخب المثقفة المشاركة في إبداء آرائهم حول صنع القرار وللدولة والمجتمع الاستفادة القصوى من تلك الآراء والمشورات.

ثالثاً، العزلة. وهنا تكون مشاركة أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية ذات طبيعة سلبية، حيث توجد شرائح واسعة منهم تعتبر لا مبالية بشؤون السياسة والمجتمع.

ويعزى هذا النمط السلوكي اللامبالي للمثقفين إلى ما يعرف بـ «الإقرار الصامت» بين النخب المثقفة والنخب السياسية تمتنع عبره النخب المثقفة عن التدخل في السياسات المتعددة الجوانب للنخب السياسية.

وفي مقابل ذلك تقوم النخب السياسية بتزويد أعضاء النخب المثقفة بمزايا وتسمح لهم بالعمل بحرية تامة في مجالاتهم العلمية والثقافية والاجتماعية وتدعمها أدبياً بما يمكنهم من الإنتاج الوفير والانتشار الواسع وظهور المبدعين من بين صفوفهم، خاصة بالنسبة لمواهبهم غير المرتبطة بالنشاط والممارسات السياسية.

***

د. عبد الله جمعة الحاج

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 يناير 2026 23:15

 

من المهمّات الفلسفية الأصيلة أن يفتح الفيلسوف مجموعةً من الأسئلة مشفوعةً بنحت العديد من المفاهيم، وما كانت مهمة الفلاسفة أن يغلقوا الأسئلة بإجابةٍ ناجزةٍ بقدر جدّيتهم في طرحِ مقاربةٍ نظريّة لها، مع الإبقاء دائماً على جذوة السؤال وقادةً مشتعلة.

ومن بين هؤلاء الفلاسفة الذين أثّروا كثيراً على الغنى المفهومي مارتن هايدغر، الذي كتب قليلاً وأثّر كثيراً. ومن هنا، فإن رصد انعكاس الفلسفة الهايدغرية على العرب ضروريٌ جداً ومفيد للغاية. ولعل أبرز مَن رصد استقبال العرب لفكر هايدغر هو الباحث مشير عون في كتابه «هايدغر والفكر العربي». وسأعرض هنا بشكل سريع بضع نقاطٍ مما طرحه عون في هذا الصدد، ولعلها تكون نقاطاً مفيدة:

 أولاً: يرى عون أنه وممّا لا جدال فيه «أنّ الغرب يكوّن، بالنسبة إلى الفكرين العربيّ والهايدغريّ، بطريقة مفارقة، نقطة جذبٍ ومصدر ريبةٍ وحذر، بفعل كلّ ما يحمله في مجال أنماط الإدراك وأنظمة التفسير، ومعايير الحكم وقواعد السلوك، والقيم الثقافيّة والمكتسبات الحضاريّة».

ثانياً: يقول عون: «إذا ما اتّضح أنّ الفكر العربيّ، في اتّجاهاته الإسلامويّة والتقليديّة، مستشرسٌ في نزعته العدوانيّة إزاء الفكر الغربيّ وأنّه، في خياره الإصلاحيّ والحداثيّ، متبصّرٌ في توجيه سهام النقد إلى هذا الفكر إيّاه، واصطفائيٌ بالضرورة بالنسبة إلى اقتبال هذا الفكر، فذلك لأنّ الغرب لم يكفّ البتّة عن إغواء العالم العربيّ والتأثير فيه تأثيراً يختلف في طبيعته وحدّته. وقياساً على ذلك، يجد الفكر الهايدغريّ نفسه مرغماً تاريخانياً، بحسب الاصطلاح الذي يؤثره هايدغر، على التعامل مع الغرب بهدف استيلاده على حقيقته الخاصّة. وهي الحقيقة التي حجبتها الغطاءات المتعاقبة التي ولّدها التيهان الميتافيزيقيّ».

ثالثاً: يرى مشير عون أن «العالم العربيّ لم يقدّر هايدغر حقّ قدْره إلى حدٍّ ما، على الرغم من اتّساع فكره اتّساعاً لا ريب فيه، خلافاً للأعلام الأخرى البارزة في الفكر الغربيّ.

وإذا كان علينا أن نتحاشى الوقوع في فخّ النُواح أو الاستغراق في التشاؤم في ما يخصّ مصير الفكر الفلسفي في العالم العربي، فإنّ أسباب هذا التجاهل عديدة: هزال الترجمات، وجِدَّة الاصطلاحات الهايدغريّة التي تكاد تكون عصيّة على الفهم، والتجريد المفهوميّ المفرط في ما يخصّ الاستدلالات والتحليلات الهايدغريّة، وغرابة القضيّة أو غرابة القصد الرئيس للمشروع الهايدغريّ بالنسبة إلى الأنظمة الفلسفيّة الأُخرى. وفي ما يتعلّق بالجهد الذي بُذِل في مجال الترجمة، فإنّ المترجمين آثروا اختياراً حَكَمَ المبادرات التي قاموا بها.

فقد فضّلوا الموضوعات الهايدغريّة التي تتعلّق بالدرجة الأولى بالفن، والشعر، واللسان، والسياسة، وكلّها ميادين يهتمّ بها القارئ العربيّ اهتماماً مباشراً». والخلاصة هنا هي أن فلسفة هايدغر لم تكن مثل الأطروحات العابرة الوقتية، كالفلسفة الوضعية أو الفلسفة الوجودية العبثية، وإنما تميزت بكونها أسست لنمط مفهومي عميق لا يزال فعّالاً ومؤثراً.

ولعل الأهم من وهذا وذاك أن هايدغر سبب إرباكاً لكلّ قارئيه تقريباً، وما كانت دراسة عون لارتباك العرب حيال هايدغر إلا وسيلةً لفهم الظاهرة الفلسفية ككل وطرق استقبالنا لها. ولعل المهمّة الأساسية في هذا الصدد هي أن نحترم النظريات المتسائلة التي يدوم سؤالها طويلاً ويكبر معنا ونكبر معه.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 19 يناير 2026 23:45

في عددها الأخير (13 يناير 2026) نشرت صحيفة «ايكونوميست» البريطانية ملفاً بعنوان «رأسمالية الزوارق الحربية» (Gunboat capitalism)، ذهبت فيه إلى أن المعايير المرجعية التي يعتقد أن الرأسمالية الاقتصادية تقوم عليها، من اقتصاد حر وتبادل مفتوح، باتت في طور التراجع حالياً، في ظل مرحلة تشهد انبثاقَ نوع من السياسة الاقتصادية القسرية تُستخدم فيها الأدواتُ العسكرية والاستراتيجية من أجل المصالح القومية المباشرة.

في السابق، كانت الصين البلد الوحيد الذي يقال إنه كرس نمط «رأسمالية الدولة» من خلال التخطيط المركزي والتحكم السياسي الأحادي، بيد أن هذا النموذج يبدو اليوم في طور التمدد داخل العالم الليبرالي الغربي نفسه. لقد عادت الأنظمة الحمائية القديمة، من احتكار وسياسات ضريبية، لضبط التبادل الخارجي، وتحولت الشركات الوطنية إلى ركن أساسي من أركان هذه الرأسمالية القسرية الصاعدة.

ويعود بنا الملفُّ إلى مؤرخ الأفكار وعالم الاقتصاد الكندي «كين سلوبوديان»، الأستاذ في جامعة بوسطن، الذي عُرف بنظريته حول النيوليبرالية في علاقتها التلازمية بالدولة، حيث يبين في عدة أعمال منشورة أن الفكر الليبرالي انتقل من فكرة التبادل الحر إلى أطروحة التأطير القانوني والسياسي للمصالح الاقتصادية. وقد أوضح سلوبديان أن ارتباط الرأسمالية بالليبرالية الديمقراطية ليس سوى وهم زائف، فأهم مفكري الليبرالية الجديدة في الغرب الرأسمالي كانوا ضد الديمقراطية الشعبية ويطالبون بإخراج الاقتصاد من المسارات الانتخابية، ومن ثم مبادرات إنشاء مؤسسات عابرة للقارات لها الأولوية على التشريعات المحلية.

لم تكن العولمة من هذا المنظور تعبيراً عن تمدد السوق الحرة، بل هي مشروع قانوني سياسي، لم يفض إلى توحيد المنظومة الاقتصادية العالمية، بل أدى على عكس ذلك إلى تجزئتها إلى مناطق متمايزة وممرات تجارية مغلقة. ولذا فإن رأسمالية الزوارق الحربية هي تطور طبيعي في الاقتصاد المعولم الذي يقوم على الإكراه والعقوبات والضغوط والتهديدات.

ما يخلص إليه سلوبديان هو أن التناقض الجوهري الذي يعرفه العالَمُ راهناً هو التناقض بين مبدأ السوق المعولمة والديمقراطية الليبرالية التي لم تعد قادرة على ضبط الخارطة الاجتماعية المتولدة عن الحركية الاقتصادية.

لقد بين عالم الاقتصاد التركي داني رودريك، الأستاذ في جامعة هارفارد الأميركية، أن الوضعية الراهنة لم تعد تسمح بالجمع بين الديمقراطية والسيادة القومية والعولمة الجذرية، فلا بد من التضحية بأحد أضلاع هذا المثلث. عندما تمتزج العولمةُ بالسيادة تضعف الديمقراطية، وعندما ترتبط الديمقراطية والعولمة تتشكل الدولةُ ما بعد القومية، وعندما يُجمع بين الديمقراطية والسيادة تقوم العولمة المنظمة. وفي هذا الباب يتبنى رودريك الخيارَ الثالث الذي يطلق عليه «العولمة المعقولة»، وهي تختلف عن العولمة الجذرية القائمة على الليبرالية القصوى والشبكات المالية الشاملة، بما تؤدي إليه من إضعاف قدرة الدول على اعتماد القرارات الديمقراطية، وتقويض المفهوم العمومي للسياسة واستبدالها بالتسيير التقني النفعي.

لا يمكن فهم السياسات الاقتصادية الجديدة للرئيس ترامب في الولايات المتحدة، وما يماثلها في البلدان الصناعية الأوروبية، إلا من هذا المنظور، باعتبار الحاجة الموضوعية إلى كبح حركية العولمة الجذرية من منطلقات سيادية قومية.

الكثير من الأصوات الليبرالية وجدت في هذه التوجهات نكوصاً عن الديمقراطية التعددية ونظام الفصل بين السلطات مع طغيان النزعات الشعبوية التي تدعي التمثيل الشعبي المباشر للأمة، وتجسيد روح الشعب. بيد أن هذه الموجة الشعبوية تعبر في عمقها عن تجذر المطلب الديمقراطي في مواجهة منظومة معولمة لم تعد السلطات العمومية الوطنية قادرة على التحكم فيها.

الحصيلة هنا هي أن الخيار الرأسمالي يظل قائماً بل راسخاً، لكن آليات ضبطه وإدارته تغيرت نوعياً، بالانتقال من مبدأ السوق الحرة المفتوحة إلى الرأسمالية القومية القسرية التي تُخضع الحركيةَ الاقتصادية لمصالح المجموعة الوطنية.

ليس من الغريب في هذا الأفق الجمع بين الليبرالية الاقتصادية والنزعة الشعبوية المتمحورة حول المركزية السياسية، إذ أصبح من الجلي أن صراع المصالح المحتدم داخل المنظومة الرأسمالية نفسها يقتضي مسلكَ الانكفاء القومي وحماية السيادة المحلية.

لا خلاف في أن المأزق الراهن متولد عن الانزياح بين السوق التي أصبحت كونية والديمقراطية التي لا تزال وطنية سيادية، والحل يكون إما بالانتقال نحو الديمقراطية ما بعد القومية، التي يدعو إليها بعض الفلاسفة والسياسيين، أو التضحية بالسوق المعولمة من أجل الحفاظ على المكاسب الديمقراطية. الرأسمالية القسرية هي إذن التعبير الصريح عن هذا المأزق الراهن.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 19 يناير 2026 00:15

في النقاش بين المتكلمين المسلمين قديماً حول مسائل القِيم كان هناك مَنْ قدّم أخلاق العدل، وهناك مَن قدّم أخلاق العمل أو المسؤولية. وواضحٌ أنّ التقديم الأول هو تقديمٌ اعتقادي ونظري، بينما التقديم الثاني هو تقديمٌ عملي فيما صار يُعرف – مقترناً بالإيمان - بالعمل الصالح. والواقع أنه لا ينبغي الفصلُ بينهما لأن أخلاق الاعتقاد هي أخلاق الإيمان، ولا فهم للعمل الصالح إلاّ إذا كان أساسُهُ الاعتقاد. ولذا فإنّ التسديد في العمل بحيث يمكن وصفه بأنه صالح، لا ينضبط إلاّ إذا كان الاعتقاد أو الإيمان أساساً له.

وهكذا فإنّ أخلاق الإيمان أو الاقتناع كما تتصل بالعدل، تتصل أكثر بالرحمة، فقد جاء في القرآن الكريم: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ». وفي الأمرين، العدل والرحمة، هناك جانبٌ عملي يتصل بالأعمال الإنسانية. فكما يجب على المرء في تصرفاته أن يكون عادلاً، ينبغي بالدرجة الأولى أن يكون راحماً أو تُحرِّكه دوافع وأخلاق الرحمة ذات الأصل الاعتقادي الإلهي والمآلات الإنسانية.

فما علاقة العدل بالرحمة على المستوى العملي والإنساني؟ كلتا القيمتين كما تتصلان بالمسألة الإيمانية، وهي العلاقةُ بين الله وعباده، تتصلان كذلك بالتصرفات الإنسانية بين الأفراد والجماعات. في الجانب الإيماني تظل النية ودوافعها هي الأساس، أما في الجانب العملي فتبدو ظاهرةً للعيان يستطيع كل مُشاهد أو مُراقبٍ الحكمَ عليها. وهكذا في حين يختلف الوصف بالعدل من حالةٍ إلى حالة، فإنّ الوصف بالرحمة ليس له غير تأويل واحد.

واستناداً إلى النتائج المشاهَدة في هذا العالم ظهر نتيجة ذلك لاهوتان أو اعتقادان بالنظر للمآلات: لاهوت العدل، ولاهوت الرحمة والفضل. وإذا كان الاعتقاد الأول تبدو نتائجه في أعمال القضاة والحكام، فإنّ الثاني تبدو نتائجه في علاقات الناس بعضهم ببعض، واستناداً إليه نشأت مؤسسات الصدقات وأعمال الخير والتضامُن بين الناس. ولنتأمل قوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ». فالتعاون في أعمال البر والتقوى يدخل بالطبع في أخلاق الرحمة والفضل.

إنّ الرحمة في التعامل بين الناس فضيلة كبرى، وكذلك العدالة. فهل هو تنازُعٌ في القيم أم بين القيم؟ إنّ الذين يقولون بنسبية الأخلاق، يذهبون إلى أنّ الأمر يختلف من حالةٍ إلى حالة، فقد يُستحسن العدل في حالة، ويُستحسنُ التراحُمُ في حالةٍ أُخرى. بينما يذهب القائلون بمطلقية الأخلاق إلى أنّ العدل درجة، لكنّ الرحمة والتعاطف حتى في الأنظمة القانونية تقع في درجةٍ أعلى. لكنّ هؤلاء يقولون أيضاً إنّ أنظمة العدالة لكي تظلَّ إنسانية ينبغي أن تتسم بالتعاطف والتضامن والرحمة، أو أنّ القانون ينبغي أن يكون ذا أصول أخلاقية لكي يُحسَّ الناسُ بالطمأنينة والثقة على اختلاف فئاتهم.

إن الأحداث والمشكلات الكثيرة والعواصف العالمية، والتي ما عادت النظم الدولية تتحكم فيها أو تضبطها، تدفع الأديان والمنظمات الإنسانية إلى رفع مطالب الرحمة والتعاطف والتسامح والضيافة وحقوق الجوار. فالحق المرحمي صار حقاً وواجباً أخلاقياً وإنسانياً وبما يتجاوز اعتبارات قانون الغالب أو المنافس. كان اللاهوتي الكاثوليكي هانس كينغ قد اقترح في مطلع التسعينيات الوصولَ إلى إجماع أخلاقي بين الأديان الكبرى، عماده القاعدة الذهبية: أحبَّ لأخيك ما تحبه لنفسك! وهي أخلاق الفضيلة والرحمة وليست أخلاق القانون. وقد تحقق ذلك في «وثيقة الأخوة الإنسانية» (2019) التي وقّعها البابا فرانسس وشيخ الأزهر بأبوظبي.

قد يجادل البعض في أنّ أخلاق العدالة، وبخاصةٍ في الدول وعلى المستوى الدولي، ضرورية. لكنّ أحداً لا يجادل في أنّ أخلاق الرحمة والتعاطف ينبغي أن تسود.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الاتحاد الإماراتية،  يوم: 17 يناير 2026 23:30

 

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.

***

شوقي بزيع

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 13 يناير 2026 م ـ 24 رَجب 1447 هـ

في القرن الثامن عشر الميلادي هيمن الفيلسوف هيغل على هيكليّة النظريّة الفلسفية في كل أوروبا تقريباً. حاول شبنهاور منافسته وفشل. لقد غيّر هيغل مسار الفلسفة وورّط كل من جاء بعده بمن فيهم نيتشه الذي شتمه بشكل شخصي في كتابه: «ما وراء الخير والشر».

وما كان هيغل بعيداً عن درْس الآيديولوجيات، بل كانت نظريّته سبب تفجّر متناقض بين مفهوم «القلب الهيغلي» عند كارل ماركس، ومن ثمّ نشأة تيار «اليسار الهيغلي»، وعلى الضد فجّرت نظريته تلميذه الفيلسوف فيورباخ الذي ما فتئ أن انقلب على أستاذه، وحاول نقض مقولاته، وإنكار صحّة جدليته وإبطال حججه.

كان هيغل يرى أن الدين هو أعلى أشكال الوعي البشري، ويُمثل رحلة الروح نحو إدراك الذات المطلقة.

الأستاذ حوسي أزارو، في مقالة له بهذه الجريدة بعنوان: «هيغل وإذابة الخصومة بين الدين والفلسفة»، ركّز على نقاطٍ عدة منها:

الأولى: أن هيغل «ينطلق من تقليب طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة، بغية تجاوز المنظور الأنواري للدين، واللغط الكبير الذي حيق حول جدوى حضوره في تجربة الحياة البشرية، وكذلك سعيه نحو تنبيه كل من استمرأ النظر إليه بازدراء، كأدنى أشكال التفكير الإنساني الذي ينم عن عجز طافح في إعمال العقل، والتأمل المجرد في الذات والحياة والوجود، لا سيما أن معظم الفلاسفة الأنواريين، عدّوه مجرد تفكير جنيني وطفولي، يفتقر إلى النضج العقلاني النظري والمنطق».

الثانية: أن «الموقف المعهود في النزعة الإنسية والمادية للحداثة الغربية يشي بنزعة متمركزة حول الذات الأوروبية التي ترفع من مقام الحصيلة التاريخية والفكرية للحداثة، مزينة إياها برداء السمو والرفعة... ولعل هذا الأمر من القضايا التي تنبّه إليها هيغل مبكراً، وجعله ينزع نحو التأصيل لرؤية فلسفية جذرية جديدة، تتجاوز منطق التضاد والصراع والتناقض بغية احتواء الفهم السليم للدين ضمن منطق جدلي وشمولي، ونسق فلسفي عام».

الثالثة: قوله إنه «لا مجال متاحاً في نسق هيغل الفلسفي لفهم بسيط للدين، ولا لصراع بين الفلسفة والأديان أو عداء بينهما: فالخطاب الفلسفي لا يتدخل في المسائل الدينية لإفسادها، أو هدم اعتقاداتها الإطلاقية وتدنيسها. مثلما لا يجوز التوجس المستديم من الخطاب الديني لحظة انكبابه على القضايا الفلسفية بتعطيلها أو تحريم تداولها».

تعليقي أنه وفي فضاء كل النقاش المتفجّر عن النظرية الهيغلية لا بد من التأكيد على تغيّر المُنْطلق الذي بدأ منه. على سبيل المثال في ندوة نقاشيّة بين جاك دريدا وجياني فاتيمو، طبعت بكتاب تحت عنوان «الدين في عالمنا»، قام دريدا بضربة قويّة عنوانها التجاوز الصارم لثنائية الحق والباطل، النور والظلام، المركز والهامش. يقول: «لنتذكّر أيضاً ما اعتبره مؤقتاً عن حق أو باطل أمراً بدهياً، كيفما كانت العلاقة التي تربطنا بالدين، هذا الدين أو ذاك، فإننا لسنا رجال دين تابعين لمؤسسة كهنوتية، ولا نخبة من التيولوجيين... كما أننا لسنا أعداء للدين بالمعنى الذي يمكن أن يكونه بعض فلاسفة الأنوار».

الخلاصة؛ أن هذا النمط المتجاوز للفهم التقليدي للآيديولوجيا ضروري. كما أن ادعاء عداوة الفلاسفة للعقائد غير صائبة، فالدين مقدّس، وإنما المفهومان العلمي والعملي لمعالجة الأفكار التي يُصدرها البعض حول هذه الموضوعات يجب أن يحاربا لأنهما يؤسسان لأدلجة منطلقها عقائدي، ولكنها تُصاغ ضمن إطارٍ سياسي بحت.

وما كانت مهمّة الفلاسفة حول تبويب هذا الاتجاه سهلة، بل حُوربت من الآيديولوجيين خصوصاً منهم غير المتخصصين ولا المتعلمين، وإنما كانوا عبر التاريخ خليطاً من المتحمسين الذين يرون أن أي كشف لأفكارهم الآيديولوجية يمثّل تحدياً لهم، وهذا ما أبدع به هيغل حين ضرب ضربته الكبرى على الآيديولوجيا بمعول نظريّ متين.

***

فهد سليمان الشقيران

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 26 رَجب 1447 هـ - 15 يناير 2026 م

 

لم يكن نسق هيغل مجرّد بناءٍ فلسفيٍّ محكم، بل كان ادّعاءً كونيّاً بأن العقل قادر على استيعاب العالَم كلّه داخل حركة مفهومية واحدة، تُمسك بالتاريخ، والدولة، والروح، والإنسان، في آنٍ واحد. لقد بدا هذا النسق، في ذروة القرن التاسع عشر، كأنه المعبد الأخير للعقل الغربي، حيث يُعاد ترتيب الوجود وفق منطق الضرورة، وتُردّ التناقضات إلى مصالحة عُليا داخل مفهوم «الروح المطلقة». غير أن المفارقة العميقة في الهيغلية لا تكمن في اكتمالها، بل في أنها أنجبت، من داخل صرامتها، أعنف أشكال التمرّد عليها. كأن النسق، في سعيه إلى الإحاطة بكل شيء، فتح البابَ لسؤال لم يكن قادراً على احتوائه: ماذا عن الإنسان حين لا يعود جزءاً مِن الخطة؟

أولى الصدمات جاءت من حيث لم يتوقعها النسق: من الفرد. لقد وقف كيركجورد أمام الهيغلية لا بوصفه ناقداً منطقيّاً، بل بوصفه كائناً موجوداً، قلقاً، متورّطاً في الحياة. لم يهاجم الجدل من حيث هو أداة عقلية، بل رفض أن يتحوّل الوجود الإنساني إلى مثالٍ توضيحي داخل كتاب فلسفي. وبالنسبة إليه، لا يُعاش الإنسان بوصفه لحظةً في تطوّر الروح، بل بوصفه ذاتاً تختار، تخطئ، وتتحمّل وحدتَها أمام الوجود. هنا انكسر ادّعاء الشمول: فالنسق الذي يفسّر كل شيء، يَعجز عن تفسير التجربة الفردية حين تُعاش من الداخل. ومع كيركجورد، لم تَعُد الحقيقة مسألة تطابقٍ بين الفكر والواقع، بل صارت مسألة علاقة، ومعاناة، والتزام ذاتي لا يقبل التعميم.

والصدمة الثانية جاءت من الأرض، لا من الذات، ففيويرباخ لم يناقش هيغل في تفاصيل منطقه، بل سحب البساطَ من تحته عبر إعادة توجيه السؤال: لماذا تبدأ الفلسفة من السماء بدل أن تبدأ من الإنسان؟ رأى أن المطلق الذي تتغنّى به المثالية ليس سوى إسقاطٍ إنسانيٍّ مُضخّم، وأن ما سُمّي «روحاً» لم يكن إلا الإنسان وقد نَسي نفسَه. وبهذا التحويل، تحرّرت الفلسفة من قداسة الفكرة، وعادت إلى الجسد، والطبيعة، والحسّ. لم يعد الإنسان تجلّياً للروح، بل صارت الروح تعبيراً عن الإنسان. كان ذلك انقلاباً هادئاً، لكنه حاسم: فالفلسفة لم تَعُد مطالبة بتفسير العالَم من علٍ، بل بفهم الإنسان في محدوديّته، وحاجته، وعلاقته بالعالم المادي.

أما الصدمة الثالثة، فكانت اجتماعية تاريخية بامتياز. ماركس لم يهدم الهيغلية، بل أعاد توجيهها. احتفظ بالجدل، لكنه نزعه من عليائه، وأعاده إلى حركة المجتمع والتاريخ. لم تعد الدولة تجلّياً للعقل، بل صارت بنية صراعية تحكمها علاقات إنتاج وقوى مادية. ولم يعد الفكر أصل الواقع، بل نتيجة له. وبهذا التحول، خرجت الفلسفة من فضاء التأمل الخالص إلى ميدان الصراع، وصار السؤال الفلسفي مرتبطاً بالعمل والاقتصاد والهيمنة. لم يعد التاريخ مساراً عقلانيّاً ضروريّاً، بل ساحة مفتوحة على التغيير والفعل والانكسار.

 هذه الصدمات الثلاث لم تُلغِ هيغل، بل كشفت حدودَه. لقد أظهرت أن العالَم أوسع من أي نسق، وأن الإنسان يفيض عن كل محاولة لاحتوائه داخل مخطط مفهومي مغلق. من هنا، انتقلت الفلسفة من وهم الكلّية إلى الاعتراف بالتعدّد: تعدّد الذوات، وتعدّد الأجساد، وتعدّد التواريخ. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق: أن الفلسفة لا تحيا حين تمتلك الحقيقة، بل حين تُجبر، مرة بعد مرة، على مغادرة معابدها، والإنصات لصوت الإنسان وهو يتشكّل خارج كل نسق مكتمل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 14 يناير 2026 01:21

في القاهرة أُعلن الأسبوع الماضي عن وفاة الفيلسوف المصري مراد وهبة عن عمر بلغ مئة عام. وكان وهبة من أشد المنافحين عن حركية التنوير العربي في جذورها القديمة والحديثة. كان الفيلسوف الراحل يدعو بوضوح إلى إحياء الرشدية ويرى فيها الأفقَ المرجعي الذي لا غنى عنه من أجل بناء ديناميكية تنويرية عربية على أساس قراءة عقلانية وإنسانية للتراث الوسيط. وبالنسبة لوهبة، تُشكّل الرشدية التعبيرَ الأقصى عن العقلانية العربية من حيث التوجّه البرهاني والدفاع عن حرية التفكير واستقلالية النظر عن الدين، لكنّ مشروع ابن رشد أُجهض جراء تحالف الفقهاء والسُّلطة، في حين انتقل إلى الغرب اللاتيني وأثمر ثورةَ التنوير والحداثة.

لا تختلف قراءة وهبة عن الخط الذي دشّنه المفكر اللبناني فرح أنطون في كتابه الشهير «ابن رشد وفلسفته» (صدر سنة 1903) الذي اندرج في سياق جدل حاد مع الإمام محمد عبده. وبالنسبة لأنطون، بلور ابن رشد كلَّ الآليات المعرفية والمنهجية التي تدفع للتنوير والعلمنة، مِن التبشير بالتأويل العقلاني للدين وفصل الفلسفة عن الشريعة وفصل الدين عن الدولة.

وعلى الرغم من التقليد الجامعي النقدي الذي أسّسه محمود قاسم في الدراسات الرشدية العربية، إلا أن ابن رشد ظل بالنسبة للتيار التنويري العربي مرجعاً تراثياً أساسياً يمكن البناء على أفكاره التجديدية من أجل الدفاع عن قيم العقلانية والتفكير الحُر.

وقد بلغ هذا التوجه مداه في مشروع المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري الذي رأى أن ابن رشد هو اللحظة القصوى في العقلانية البرهانية العربية، واعتبر أنه وضع مقاربةً أكسيومية تفصل بين الخطاب الديني والفلسفة وترفض القراءات الغنوصية والعرفانية للشرع.

وهكذا يمكن الحديث مع الجابري ومراد وهبة عن رشدية محدثة، لها أتباع كُثُر في الفكر العربي المعاصر.

ومع أن الرجل كان من دون شك أهم شارحي أرسطو في العصور الوسطى رغم أنه لم يكن يعرف اليونانية، إلا أننا ننسى أنه أيضاً كان قاضياً وعالماً دينياً مشتغلاً بالعلوم الشرعية (خصص زميلنا إبراهيم بورشاشن دراسةً وافيةً لعلاقة الفلسفة بالفقه في فكر ابن رشد). بل إن أشهر أعماله وهو كتابه المختصر «فصل المقال» كان في أصله فتوى حول سؤال طُرح عليه حول حكم النظر في الفلسفة، وقد أجاب من منظور تأصيلي شرعي بأن الفلسفة واجبة على من كان أهلاً لها وإنْ كانت محظورة على العامة، وهي بالنسبة له المعيار التأويلي الصحيح للعقيدة.

وفي السنوات الأخيرة، برزت قراءاتٌ جديدة لابن رشد في الكتابات الغربية، من منظور استكشافِ أثره في العصر اللاتيني الوسيط وامتداداته في الفلسفة الحديثة (لدى ديكارت وسبينوزا ولايبنتز). ومِن أهم مَن قدّم هذه القراءات الآن دي لابيرا وتلميذه جان بابتست برنيه.

ما تبينه هذه المقاربات هو أن تأثير ابن رشد في الفكر المسيحي الوسيط كان بالأساس سلبياً، أي أنه نُظر إليه منذ ترجمة أعماله المبكرة إلى اللاتينية بكونه خصماً خطيراً، بما جرّ عليه تحريم تداول كتبه من لدن أسقف باريس سنة 1270 في حين حمل عليه توماس الأكويني بشدة.

لم تكن أطروحة «ازدواجية الحقيقة» (ما بين الفلسفة والدين) هي ما أثار اهتمام مفكري العصر اللاتيني الوسيط، بل نظرية ابن رشد المثيرة حول وحدة العقل واستقلاليته عن الإنسان التي ظلت مدارَ جدل واسع امتد حتى ديكارت فيلسوف الذات المفكرة. ما بيّنه برنت هو أن ابن رشد بلور نمطاً مغايراً من الكوجيتو لتفسير قدرة الإنسان على الاستخدام الشخصي للعقل، فاعتبر أن ملكة التخيل هي الواسطة الضرورية بين النظر الشخصي والعقل الكوني، وهي فكرة ظلت غريبة في التفكير الفلسفي إلى حدود النقدية الكانطية.

ليس من همنا بسط القول في الفلسفة الأرسطية في مسارها العربي وتأثيرها الأوروبي، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن مشروع ابن رشد لم يكن حداثياً ولا تنويرياً، بل يندرج في سياق التصور الفلسفي القديم الذي يحصر النظر العقلي في الخاصة، على عكس مثال «الاستخدام العمومي للعقل» الذي اعتبر كانط أنه ميزة حركية الأنوار. العقل لدى ابن رشد هو العقل الوجودي الكوني وليس العقل الذاتي المعيش، ومن هنا الاختلاف الجوهري مع العقلانية الحديثة المنغرسة في الممارسة الاجتماعية والمحددة بقيم الاستقلالية والتحرر.

وحاصل القول هو أن الرشدية المحدثة ليست المسلك العربي للتنوير الذي هو ديناميكية كونية إنسانية مفتوحة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية،  يوم: 11 يناير 2026 23:05

 

ظلّت الحكمة منذ القديم مطلباً إنسانياً عميقاً، وكانت المجتمعات البشرية تُقدّمها وتفتخر بحكمائها، فتُسوِّدهم سيادة فعلية حين تضع أزمة قيادتها بين أيديهم، أو سيادة رمزية حين تجعل أعنّة عقولها في سداد بصيرتهم. ولم ينقطع تضوّع أريج الحكمة عبر الزمان، ولا تزال إلى اليوم مطلباً عند أصحاب النّظر من قادة السياسة والفكر.

احتفى القرآن الكريم بالحكمة، وتردّدت أجراس حروفها في كثير من آياته مشيرةً إلى معاني الخُلق والعلم، لكن لعلّ أهمّ مدح قرآني للحكمة في الإشارة إلى الاستئثار الإلهي بها، وقرنها بالخير الكثير: {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا} [البقرة]، وقرن الحكمة بالخير الكثير لأجل أن يُرغّب فيها ويجعلها مطلباً عزيزاً تُشدُّ إليه رحال أهل الحج من البشر. ولعله لهذا السبب، وإدراكاً من الفلاسفة وكبار المفكرين لنبل الحكمة وشرفها بنوا لها بيتاً وسكنوا فيه، فمنذ أن تردّد اسم الحكمة عند اليونان في المدرسة الفيثاغورسية وصاحبها فيثاغورس الذي رأى أن الحكمة خاصة بالإله، ولا يمكن منازعتها له، خاصة بعد أن عاش أزمة الأعداد الصماء، فكانت قولته الشهيرة أنا لست حكيماً، فالحكمة تنسب للإله، إنما أنا محب للحكمة، أي فيلوصوفوس، ليجترح اسماً لهذا الفكر النظري الذي اخترعه اليونان وسارت بقافلته ركبان الفلاسفة عبر العصور حتى زماننا الحاضر. لنجد الفلسفة وقد حققت إنجازات نظرية وعملية مذهلة.

قعد اليونانيون الفلسفة في إطار نسق نظري وجعلوا المنطق مدخلاً له، باعتباره الآلة التي تمكّن العقل من تمييز الصواب من الخطأ، ثم قسّموها إلى حكمة نظرية وحكمة عملية، الحكمة النظرية هي ذلك النظام المعرفي المكوّن من الرياضيات والعلم الطبيعي والإلهيات، وخصيصتها الكبرى أنها عارية عن العمل، فالحكمة النظرية تُعلم ولا يعمل بها، أما الحكمة العملية فهي ذلك النّظام المعرفي المكوّن من الأخلاق والسياسة وتدبير المنزل، وخصيصتها الكبرى أنها متعلّقة تعلّقاً كبيراً بالعمل والممارسة. وقد ظلّت الحكمة العملية تهتدي بنبراس الحكمة النظرية، خاصة إذا سلمنا مع بعض المفكرين أن الحكمة العملية ما هي إلا نتاج عملي للفكر النّظري في الوجود والابستمولوجيا.

لقد كانت الحكمة قبل اليونان حكمة عملية خاضعة لمقتضيات العقل العملي فقط، وكان الإسهام الأكبر للعقل الإغريقي هو هذا التجريد النظري الذي أسس «العقل النظري» والذي لا تزال البشرية اليوم تقطف من ثماره خاصة مع الرياضيات، التي تعتبر المحرك المعرفي الأول لكل تقدم معرفي ممكن.

لم يفتأ الفلاسفة يلهجون بالحكمة منذ «فيثاغوروس»، ومع «سقراط» الذي قرنها بالاعتراف بالجهل. لنجد لها مساراً غنياً في تاريخ الفلسفة، حيث ربطها «هيوم» بالتّواضع والإقرار بحدود العقل البشري. وجعل «اسبينوزا» الحكيم من يعيش مع النّاس وفق العقل. وجعلها «استورت مل» في الإصغاء لكل صوت، وعدم الاقتصار على المعرفة من القضية بجانب واحد منها. وجعلها «راسل» في التكيف مع العالم دون ذوبان الذات فيه. وجعلها «آينشتاين» مرتبطة بالحركية الدائمة لإدراك الحقيقة وثمرة لها.

وكان لفلاسفة الإسلام قول في الحكمة فاعتبرها «ابن رشد» «العلم بالأشياء على ما هي عليه، والقدرة على استعمال هذا العلم في خيرات الناس». وجعلها «ابن سينا»، من قبله، «استكمال النفس الإنسانية بتصوّر الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية». وجعل «الفارابي»، من قبلهما، «غاية الحكمة أن تصير النّفس عالمة بحدود الأشياء ومراتبها، عاملة بما يحقق كمالها». وجعلها ابن مسكويه «رأس الفضائل لأنها تُهذِّب النّفس وتدلّ على حدود الخير والشر».

وهكذا كانت الحكمة ضالّة الإنسان عبر التاريخ، وبقيت النّبراس المتّقد الذي ينير الّليالي المدلهمّات بعقول الحكماء من خيار قادة السّياسة والفكر.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 يناير 2026 23:45

لم تكن القطيعة التي أنجزها العقل الفلسفي الغربي مع المرجعيات الميتافيزيقية مجرّد حدث معرفي عابر، بل كانت خياراً وجوديّاً عميق الأثر، أعاد تعريف الإنسان والعالم والمعنى. فقد تحرّر العقل من السُّلَط الرمزية التقليدية، وراكم منجزاتٍ تحليليةً غير مسبوقة، لكنه في المقابل أفرز فراغاً دلاليّاً أخذ يتّسع كلما ازداد وعي الإنسان بتناهيه. وهنا تبرز المفارقة: عقلٌ بالغُ القدرة على التفكيك، شديدُ العجز عن الطمأنينة، بارعٌ في مساءلة كل شيء، لكنه عاجز عن إسكات قلقه الخاص.

لقد تصوّر العقل الحديث أنه حين يزيح السؤال الديني من أفق التفكير، فإنه يحرّر الإنسانَ من الوهم، غير أن ما وقع فعليّاً هو انتقال الوهم من الخارج إلى الداخل، إذ صار الإنسان مطالَباً بأن يكون مصدر المعنى الوحيد في عالم لم يُعد يعترف بأي مرجعية تتجاوزه. ومن هنا لم يَعُد القلق حالة نفسية طارئة، بل غدَا بنيةً وجوديةً ملازِمةً للوعي الحديث، أي: قلقاً نابعاً من إدراك التناهي، ومِن هشاشة القِيم، ومِن افتقاد الغاية النهائية.

وفي هذا السياق، ظهرت الوجوديةُ بوصفها اعترافاً فلسفياً متأخراً بأن الإنسان ليس عقلًا محضاً، بل كائناً منفتحاً على السؤال، محكوماً بالاختيار، ومهدَّداً بالعدم. غير أن الوجودية اللادينية، رغم شجاعتها في تشخيص المأزق، كثيراً ما توقّفت عند حدود الوصف، فحوّلت القلقَ إلى قدَر، والعبثَ إلى أفق، والحريةَ إلى عبء بلا معنى جامع. وهنا يتولّد سؤالٌ أكثر جذريةً: هل يكفي أن نعي التناهي دون أن نبحث عمّا يمنح هذا الوعي قابليةَ الاحتمال؟

ومن داخل هذا المأزق ذاته، حاول بعض مفكري الغرب إعادةَ فتح السؤال الديني لا بوصفه رجوعاً إلى اللاهوت السلطوي، بل باعتباره سؤالَ معنى لا يستقيم تجاوزه. ويبرز هنا اسم باول تيليش، لا بوصفه صاحب نسق مغلق، بل بوصفه شاهداً على إمكان تفكيرٍ دينيٍّ من داخل العقل الحديث. فالدين، في هذا الأفق، لا يُقدَّم كمنظومة أجوبة جاهزة، بل كاستجابة وجودية لما سمّاه «الاهتمام الأقصى»، أي ذلك الانخراط الكلي الذي يمنح الوجودَ اتجاهَه دون أن يُلغي توتّرَه.

وليس تيليش استثناءً معزولاً، بل هو امتداد لمسار بدأ مع سورين كيركغارد حين كشف أن الحقيقة الوجودية لا تُنال بالبرهان المجرد، وأن القلق ليس نقيض الإيمان، بل شرطه. كما يتقاطع، وإنْ من موقع مختلف، مع تشخيص مارتن هايدغر لوضع الإنسان بوصفه كائناً مُلقى في العالم، محكوماً بالزمن والموت، غير أن الفرق الحاسم يكمن في أن الوجودية الدينية ترفض أن يكون هذا الإلقاء نهايةَ المعنى.

الإيمان، وفق هذا التصور، لا ينافس العقل في مجاله، ولا يدّعي امتلاكَ الحقيقة، بل يمنح الإنسانَ «شجاعة الوجود»، أي القدرة على مواجهة القلق دون إنكاره، وعلى تحمّل التناهي دون السقوط في العدمية. وهو إيمان يعمل بالرمز لا بالتصوّر الحدي، وبالإشارة لا بالامتلاك.. ما يجعله قابلا للتأويل والحوار، لا أداة للإغلاق أو الإقصاء.

ومن هنا لا تبدو الوجودية الدينية ارتداداً عن الحداثة، بل نقداً داخليّاً لها، ولا تبدو عودةً إلى ما قبل العقل، بل مساءلة للعقل حين يتوهّم الاكتفاء الذاتي. إنها تضع العقل الفلسفي الغربي أمام امتحان حاسم: إمّا أن يظل وفيّاً لشجاعته النقدية فيُعيد فتح السؤال الديني بوصفه سؤال معنى، أو أن يكتفي بإدارة القلق وتحويل الأزمة إلى حالة دائمة بلا أفق.

وهكذا، لا يعود السؤال الحقيقي: هل يحتاج الإنسان إلى الدين؟ بل: هل يستطيع العقل أن يحيا دون أفق يتجاوز ذاتَه؟ ذلك أن العقل الذي لا يعترف بحدوده، لا يلبث أن يتحوّل من أداة تحرير إلى مصدر قلق، ومن وعْد بالمعنى إلى عبء وجودي لا يُحتمل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 6 يناير 2026 23:45

من العجيب أن يستمرّ تأثير نظريات فيلسوفٍ حتى بعد موته بقرون. إنّ مستوى الخلود النظري لإيمانويل كانط (1724-1804) يعتبر استثنائياً وخارقاً في تاريخ الفلسفة والعلوم، ذلك الفيلسوف المنطوي الصارم تصدر عنه مجموعة من الأبحاث والدراسات حتى اليوم. لقد انقرضت الفلسفة الوضعيّة، وتحدّت من بعد ذلك نظريّاته صعود موضة الفلسفة الظاهراتية، غير أن ما طرحه من أسئلة لم تزل فعّالة ومُلهمة.

لم يتمتّع كانط بأسلوبٍ أدبي في صياغة الأفكار، ولم تكن لديه جماهيرية على مستوى الطلاب والجامعات والأكاديميين كما توفَّر لهيغل، وإنما بقاء نظرياته يعود إلى صرامة الأسئلة التي انطلق منها والتبويب العلمي والقوّة المنهجية.

ومن آخر ما قرأت عنه ما كتبه: «مايكل رولف» بدراسةٍ مطوّلةٍ عن كانط، ترجمها الأستاذ علي الحارس. «ربما انعكست النشأة عليه وعلى فلسفته، والتي لخّصها رولف بأنه: «عاش في كنف أسرة مهنية ذات موارد متواضعة، فأبوه كان من شيوخ السرّاجين، وأمّه كانت ابنة رجل يعمل في المجال نفسه، لكنّها كانت على مستوى من التعليم يفوق معظم نظيراتها في طبقتها الاجتماعية. ولم تعانِ أسرة كانط من فقر مُدقِع، لكنّ عمل أبيه كان يتراجع عندما بلغ كانط عتبة الشباب، واضطرّ والداه أحياناً لطلب المعونة المالية من الأقارب... وكان والدا إيمانويل كانط يعتنقان المذهب التقوي، فارتاد مدرسة تدين بهذا المذهب (تدعى: كوليگيوم فريديريكيانوم) من الثامنة من عمره حتّى الخامسة عشرة».

بالتأكيد، إن النشأة الدينية القويّة زلزلته وأثّرت على تفكيره ونظريّته، حتى تدريسه لطلاب الابتدائية مطبوعٌ على نظريته حول التربية التي برع فيها وكتب عنها مجموعة من التأملات، ومن ثمّ طوّرها في كتابه «نقد العقل العملي». بقي سؤال الحقيقة مقلقاً له منذ يفاعته، فهو طرح السؤال الفعّال والمُربِك والمؤثّر على تاريخ الفلسفة حتى اليوم، وهو:«كيف أعرف»؟!

وقد قارب ذلك في كتابه «نقد العقل المحض». يعتبر رولف أن: «الموضوع الأول لكتاب (نقد العقل المحض) هو إمكانية الميتافيزيقا، وذلك وفقاً لفهم محدّد. إذ يعرّف كانط الميتافيزيقا بأنّها «الإدراكات التي من شأنها أن تسمح للعقل بعد حصولها أن يسعى مستقلاً عن أيّة تجربة»، وكان هدفه في الكتاب أن يصل إلى «قرار بشأن إمكانية أو عدم إمكانية الميتافيزيقا عموماً، وتحديد مصادرها، بالإضافة إلى توسيع حدودها، على أن يكون ذلك كلّه بالانطلاق من المبادئ».

وبهذا تكون الميتافيزيقا عند كانط متعلّقة بمعرفة قبلية، أو بالمعرفة التي لا يعتمد تسويغها على التجربة، وهو يُقرن المعرفة القبلية بالعقل».

الخلاصة، أن خلود نظرية كانط برأيي يعود إلى سببين اثنين، أولهما: أنه تجاوز الأسئلة التقليدية المتداولة في الفلسفات منذ العصر اليوناني، وهي ذات طابع مدرسي اعتيادي ومُملٍّ. الثاني: أنه استطاع أن يستثمر خبرته في العلوم الطبيعية والفيزياء في صوغ نظرياته عن الإدراك والحقيقة والزمان والمكان، وهذان السببان منحا نظرياته كلَّ هذا الاستمرار وديمومة التأثير.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 5 يناير 2026 23:45

هذا كتاب يضم حوارات مهمة مع ثمانية عشر من المفكرين المصريين والعرب، حول أسباب التردي العربي، وما هي سبل التقدم الممكنة. وجميعهم كتبوا كتبا رائعة على مدار حياتهم، عن تجديد الخطاب الديني وما يحيط به من معانٍ، وعن الوضع العربي بين العلمانية والدين، ونظم الحكم المختلفة. الكتاب عنوانه «تحطيم أوثان العقل ـ حوارات الفكر في السنوات العاصفة»، وهي سنوات ما بعد الربيع العربي. الحوارات كلها ما بين عامي 2016-2022.

الكتاب صادر عن مؤسسة المثقف العربي في مدينة سيدني في أستراليا في ثلاثمئة وأربعين صفحة، وتقوم بتوزيعه في العالم العربي دار أمل الجديدة، أجرت الحوارات وجمعتها الباحثة حنان عقيل، التي كتبت كثيرا من المقالات في هذا الشأن، وتعمل الآن في قناة «الوثائقية» المصرية. الحوارات تأخذ بعقلك ليس لأهميتها فقط، ولكن لأن كل الأسئلة جاءت من قراءة حنان عقيل العميقة لأهم أعمال من تدير معهم الحوارات، وهذا جهد رائع جعل الحوارات ذات عمق فكري، نفتقده في كثير من الحوارات الشائعة. وفي مقدمة كل حوار حديث عن المفكر وما دفعه بعضهم من ثمن لآرائه في قضايا مثل ازدراء الأديان، أو انتقال بين البلدان.

بالطبع لن أستطيع الإحاطة بكل أفكار وموضوعات الكتاب، ولا كل الأحاديث، وسأختار من بينها القضية الشائكة بين الفكر العلمي والدين، أو بين السياسة والدين. في الحوارات جرأة كبيرة من أصحابها في تشخيص بعض حالات الحكم الديكتاتورية. مع سيد القمني يركز الحوار على كيف يصبح الفكر الديني في قداسة الأديان نفسها، وكيف خلط أعداؤه بين رأيه في المفكرين في الدين، والدين نفسه، وكيف أن العلم هو طريق الصلاح الحقيقي. من المهم الإشارة إلى بعض مراجعاته التي لا يخجل منها، خاصة في ما يخص بعض المعلومات، وفي ما يخص تطبيق الشريعة، فهو يطلب ممن ينادون بذلك إعطاء حقوق المواطن قبلها كاملة. رأيه في القول بالإعجاز العلمي للقرآن إنه فكرة لاستجلاب الرزق فقط، فلن تجد في المقدس اكتشاف علمي جديد، وهذا التفكير قد يجعل الفرد غير راغب في العمل أو العلم. يحتل دور المثقف مساحة في الحوار معه ومع غيره، والمثقف في رأيه هو بمعناه الفلسفي، لا بد أن يعرف آخر ما توصلت إليه العلوم وأيضا الجغرافيا والتاريخ، وليس هو المثقف بمفهوم مواقع التواصل الاجتماعي. يأتي حديث مع المفكر المصري أحمد صبحي منصور، وكيف بعد سجن وملاحقات أمنية هاجر إلى الولايات المتحدة ليستقر منذ عام 2001. هو زعيم التيار القرآني الذي رأى الإسلام دينا علمانيا، والدولة وفقا له دولة إسلامية علمانية. العلمانية التي يريدها هي العلمانية المؤمنة، والفارق بينها وبين العلمانية الغربية يأتي من معنى الإسلام، وعقيدة الإيمان باليوم الآخر، ما يعني مسؤولية كل فرد في اختيار دينه أمام الله، ومن يتدخل في ذلك يزاحم الله. ومن ثم فالاختلاف الديني أو المذهبي أمر مقرر، ولا سلطة فيه لبشر على بشر. وعن المثقفين وملاحقتهم يقول، إن المحاكمات والسجن والمصادرة لا يمكن أن تمحو فكرا، وخصوصا في عصر العولمة ومظاهرها مثل الإنترنت.. ويشير أيضا إلى التيارات الوهابية ودورها في التراجع الفكري وحضور الإرهاب، الوهابية مطروحة من الجميع تقريبا، وبسبب زمن الحوارات يشيرون إلى المملكة العربية السعودية ودورها في ذلك، بينما اختلف الأمر الآن في السعودية. يرى أن مصطلح تجديد الخطاب الديني، مصطلح سياسي خاطئ، مثله مثل مصطلح التغيير، فقد يكون التغيير إلى الأسوأ، والأصح هو القول بالإصلاح الديني الذي لا ينفصل عن الإصلاح السياسي، ويقوم على إصلاح تشريعي دستوري قانوني، ينقّي التشريع من كل ما يضيّق على حرية الفكر والدين.

يأتي المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، ورؤاه الماركسية. يتحدث عن كيف بعد فشل ثورات «الربيع العربي» فشل اليسار في أن يتصدر المشهد، بينما نجح تيار الإسلام السياسي. أسباب ذلك في السنوات السابقة من انهيار الاتحاد السوفييتي، وتصالح أنظمة عربية مع العدو الصهيوني، وظهور الموجات الأصولية بدعم الأنظمة لها. حال المثقفين والقسمة بينهم. كما أن الثورات التي عوّلنا عليها لم تنجح في خلق تيار ثقافي بديل، ولم تكن سببا في توحيد المثقفين.

عن أهمية الماركسية أيضا يتحدث المفكر الأردني هشام غصيب، مشيرا إلى غيره مثل صادق جلال العظم ومهدي عامل وحسين مروة وسمير أمين، الذين قدموا مقاربات مهمة علينا أن ننطلق منها. يعطي أمثلة مثل، كيف فتكت كورونا بالدول الرأسمالية، بينما الصين التي لا تزال متأثرة بإرثها الماركسي، نجحت إلى حد كبير في حصار الوباء. النظم الصحية في الغرب كانت محدودة أمام الوباء لأن أولوياتها منصبة على الربح لا البشر والبيئة.

يرى المفكر السوري محمد شحرور، أننا نعيش في مرحلة ما بعد الرسالات، بعد أن اختتمت الرسالة المحمدية، وبالتالي فنحن في مرحلة التشريع الإنساني، التي لم تعد فيها البشرية في حاجة إلى رسالة أو نبوة، فهي قادرة على التشريع لنفسها، ومن ثم يتعين أن نقرأ النص القرآني من منظور معارفنا الراهنة، وتأسيس فكر ديني معاصر لا يتعارض مع المعارف الإنسانية وتطور المجتمعات، فتقديس الماضي بما فيه من غث وسمين، كان له تأثير شديد على العقل العربي، بالإضافة إلى الحركات السياسية التي ظهرت في منتصف القرن الماضي، وفشلها في تقديم بديل مقبول عن الاستعمار. فالماركسيون جعلوا الاتحاد السوفييتي قدوتهم، والقوميون قدموا شعارات رومانسية فأنتجوا دولا أمنية بامتياز، والحركات الإسلامية لم تقدم أيْ مفهوم للديمقراطية. يأتي حوار مع المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين أستاذ التصوف في المعهد البابوي للدراسات العربية في روما. يرى أن البعد الروحي في الأديان يمكن أن يخلق وحدة واحدة، متمثلة في قيم أساسية تمثل روح كل الأديان. فالفكر المادي منتشر نوعا ما في الغرب، خصوصا مع ظاهرة العولمة التي صارت عولمة تسويقية تهدد ما بقي من القيم الإنسانية والأخلاقية. كذلك يقع العالم الإسلامي تحت سيطرة هذه الظاهرة. لكن العالم الإسلامي فيه حضور أكثر للقيم الأخلاقية، وللحفاظ عليها فلا بد من ثورة روحية توجد معها ثورة عقلية تتواءم مع الحداثة، والإسلام الحقيقي لا يتعارض مع الحداثة. لا بد من تعاون جهات مختلفة في المجتمع لإعادة التصورات في النظر في التصورات القديمة عن الدين.

عن العولمة أيضا يتحدث المفكر الجزائري محمد شوقي الزين، وكيف أن تراجعها لن يكون ممكنا، إلا بانحسار النموذج المالي – الاقتصادي، الذي بات يحدد مصائر دول، ويسهم في التفاوت بين أرباب العمل والعمال. ورغم ذلك يعاديها اليمين المتطرف لأنها أتاحت الهجرة الكبيرة للغرب ويغلق الحدود أمام المهاجرين.

المفكر العراقي عبد الحسين شعبان يتحدث عن فقه التسامح، وكيف صار غيابه سببا في شيوع العنف والتعصب والتطرف، ومن أسبابه المرجعيات الدينية، أو الطائفية، أو العشائرية، أو غيرها في نظم الحكم أو الدولة. يتحدث المفكر التونسي عز الدين عناية عن نزع القداسة، فالاختزال الأيديولوجي للإسلام الآن مثّل ضربة قاصمة لرحابة الدين الحنيف. الإسلام السياسي في بلادنا جرب كل التجارب في التغيير من انتفاضات وانقلابات واغتيالات وغيرها، حتى التحالفات وصناديق الاقتراع، لكنه لم يراهن على التغيير الفكري والروحي القادر على إحداث نقلة نوعية في عمق المجتمعات، بعيدا عن التحشيد والتجييش الخاويين. ثالوث الغيبية والأسطورية والعاطفية المتربص بالعقل الإسلامي، في حاجة إلى ورشات للنقد الديني للتخلص من براثن اللامعقول. المفكر التونسي محمد الحداد يتحدث عن كيف لم تعد الدولة دينية في الغرب، ولا توجد هيئة دينية أعلى تخضع لها الدولة، كما كانت الكنيسة يوما وهذا ما ينقصنا. تأتي ثلاثة فصول أخيرة يتحدث فيها المفكرون أديب صعب اللبناني والسوري نجيب جورج عوض والتونسي عبد الحميد الشرفي والأردني فهمي جدعان، عن الدين والمستقبل.

هكذا تكون مع الكتاب، قد قطعت رحلة فكرية رائعة، مع التاريخ والحاضر والمستقبل، بعد الانهيار الذي جرى مع الربيع العربي.

***

إبراهيم عبد المجيد - كاتب مصري

عن جريدة القدس العربي، يوم: 3/1/2026

هذه ليست وجهة نظر فلسفية، بل نتيجة لأبحاث في علم النفس التطوري، وعلم الأعصاب الأخلاقي، والاقتصاد السلوكي، والذكاء الاصطناعي، ومع تراكم الأدلة تظهر صورة جديدة ومقلقة، حيث إن المستقبل لن يشبه الماضي أخلاقياً، والمبادئ التي اعتبرها البشر مقدسة ستفقد معناها في عالم يعاد فيه تعريف السلوك، والوعي، والنية، والمقبول اجتماعياً بحسب الفئات، ولم يعد القبول المجتمعي قراراً جماعياً مشتركاً، فالقوانين والتشريعات المحلية المتأثرة حتماً بالقوانين الدولية قد تجعل المرفوض في السابق في مجتمع ما أمراً مقبولاً اليوم، ولا يجرؤ من يعارضه بالجهر بذلك، بل في البيت الواحد قد يتفاوت تعريف الفعل الأخلاقي من شخص لآخر.

البداية جاءت من علم النفس التطوري الذي كشف أن الأخلاق ليست وحياً أو مطلقاً، بل استراتيجية للبقاء، فالصدق، والإيثار، والتعاون، والولاء، وعدم الاعتداء كلها ظهرت كآليات ضرورية لبقاء المجموعات الصغيرة التي عاش فيها الإنسان القديم، ومع تمدد المجتمعات تحولت هذه السلوكيات إلى ما نسميه «قواعد أخلاقية»، وجاء الدين ليضيف لها بعداً آخر، روحياً وتشريعياً خاصاً، فالأخلاق لم تبنَ في الأساس على حقيقة ثابتة، بل على بيئة محدودة من مجتمع صغير، وموارد شحيحة، وخطر وتهديد خارجي دائم، ونسبة القدرة على الاستمرار في الحياة، ووعي بسيط غير معقد.

ثم جاءت الضربة الثانية من علم الأعصاب، فالدماغ لا يحمل مركزاً أخلاقياً كما كنا نعتقد، بل يحمل شبكات من العواطف والذاكرة والانحيازات والتجارب، إذاً القرارات الأخلاقية ليست تطبيقاً لمبادئ ثابتة، بل استجابات عصبية تتأثر بالاحتياجات الفسيولوجية والشعورية والنفسية والمعتقدات، والخوف، واللذة، والتربية، والكيمياء الدماغية، وحتى الطعام والهرمونات.

فالإنسان قد يقتل إنساناً آخر دون ندم متى ما كان هناك قبول متعارف عليه لفعله، أو لديه مسببات هو يراها منطقية، ويؤمن أنها أخلاقية، وقد أظهرت تجارب معهد MIT الأميركي أن تغييراً بسيطاً في مستوى السيروتونين، أو نشاط اللوزة الدماغية يمكن أن يحوّل قراراً أخلاقياً من القبول إلى الرفض، ولهذا نحن اليوم بما نمر به من مؤثرات خارجية وداخلية نتعرض لها ونستخدمها بصفة يومية دائمة، نشارك الآخرين صياغة مفهومنا للخير والشر، والصواب والخطأ، وقد يحرضنا بطريقة غير مباشرة لتبني موقف معين، وأن ندافع عنه بشراسة.

من جانب آخر، إذا كانت الأخلاق نتيجة كيمياء، فكيف يمكن أن تكون ثابتة؟ ثم يظهر الذكاء الاصطناعي ليقلب المسألة رأساً على عقب! فالآلة لا تملك نوايا، ولا عواطف، ولا معايير بشرية، ورغم ذلك تصنع قرارات أخلاقية كتصنيف الأولويات الطبية، واتخاذ قرارات القيادة الذاتية، وتوزيع الموارد بدقة تفوق الإنسان! وهنا يصبح السؤال مخيفاً: فإذا كانت الأخلاق قابلة للتنفيذ دون وعي، فهل هي حقاً قيمة، أم مجرد خوارزمية تنظيمية؟

ومع صعود الذكاء الاصطناعي الإدراكي، تبدأ فكرة نية الفعل بالتآكل. النية كانت أساس الأخلاق، أما في عالم تتخذ فيه قرارات حساسة دون تدخل بشري، فإن الأخلاق تتحول إلى معادلات احتمالية، وليس إلى مبادئ مع عامل جديد، وهو تفكك الهوية البشرية ذاتها. فالإنسان الذي عاش بوعي واحد سيعيش قريباً بوعي رقمي- بيولوجي مزدوج، وستصبح القرارات الأخلاقية موزعة بين أنظمة دماغ بشري وذكاء اصطناعي مساعد، ومعالجة حسية تأتي من مصادر متعددة، فهل سيكون القرار الأخلاقي حينها قراراً إنسانياً؟ أم اتفاقاً بين أجهزة داخلية وخارجية؟

فالقيم والمبادئ العليا للإنسان تخالف في الغالب طبيعته البيولوجية وطموحه وأطماعه ورغباته، ودوافع الأنانية وحب الذات لديه، ناهيك أن الأخلاق التي كانت تعتمد على النية، والعاطفة، والتجربة الشخصية، ستفقد معناها في عالم تنتج فيه الأنظمة الذكية معظم القرارات. وهذا لا يعني أن الإنسان سيفقد إنسانيته، لكنه سيفقد شكل الإنسانية القديم، وسيدخل مرحلة جديدة لا تقوم على الأخلاق، بل على تنظيمات معرفية تبنى وفق الحاجة لا وفق المقدس. وسيكون الخير ما يضمن الاستقرار، والشر ما يهدده، وليس ما يجعل الإنسان أفضل أو أسوأ. ونعم إننا نقترب من نقطة يصبح فيها السؤال ليس ما هي الأخلاق؟ بل أي نظام سلوكي يناسب نوع الإنسان القادم؟ ويجب أن يعلم عالمانا الإسلامي والعربي، أن الذكاء الاصطناعي دون وعي بشري خارق بالبيئة المحيطة بنا يعد تحدياً جوهرياً وتهديداً مباشراً، وإن لم نتمكن من إنشاء اللغات الكبرى للخوارزميات، أي نماذج اللغة الكبيرة (Large Language Models - LLMs)، وهي ليست جزءاً من سيادتنا الرقمية، فلا جدوى من الحديث عن الأمن السيبراني، وسنخضع حتماً للهيمنة الرقمية والمادية، وإن كنا نعتقد أننا في مقعد القيادة.

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 ديسمبر 2025 23:00

 

اعتبر المفكر السياسي الفرنسي بيار هاسكي أن خط التصادم المستقبلي في الحقل السياسي الغربي سيتمحور حول التناقض بين النزعة الكونية (الليبرالية) والنزعة الحضارية (المجموعاتية)، بين العولمة عابرة الحدود والكيانات القومية المحلية.

ليس من همّنا الوقوف هنا عند المسألة الليبرالية التي كنا قد تناولناها سابقاً، وإنما سنستعرض بعض التوجهات الأيديولوجية البارزة في المسألة الحضارية التي تشغل اليوم بعض الاتجاهات الصاعدة من اليمين الشعبوي والحركات المحافظة في البلدان الغربية والعديد من دول العالم. وفي هذا الباب، يمكن التمييز بين أربعة تيارات متمايزة هي: الحداثة البديلة، وما بعد الليبرالية، والنزعة القومية المحافظة، والديمقراطية غير الليبرالية. التيار الأول ارتبط بالمفكر الصيني تشانغ ويوي الذي عُرف بكتابه «الموجة الصينية.. انبثاق دولة حضارية»، وفيه يطرح فكرةَ الحداثة البديلة عن التجربة الغربية، من منظور الخصائص الحضارية الخاصة بالنموذج الصيني في تميّزه التاريخي والاجتماعي. وفي هذا السياق، يتحدث ويوي حول «الحداثة عن طريق التكيف»، بدلاً من الحداثة القطائعية التي هي خاصة بالغرب الليبرالي في مكوناته المعروفة: الليبرالية والديمقراطية الانتخابية والفردية.

«حداثة التكيف» التي اعتمدتها الصينُ، تقوم على مقومات ثقافية خاصة وعميقة من قبيل: الدولة المركزية القوية، والحكامة الاستحقاقية والبرغماتية المتدرجة والدولة الحضارية المختلفة عن الدولة القومية. ومع أن ويوي لا يتحدث هنا إلا عن النموذج الصيني، إلا أن مفهوم الحداثة الحضارية غدا له تأثير واسع في بلدان وأمم أخرى، مثل الهند واليابان وأميركا اللاتينية. أما نزعة ما بعد الليبرالية، فارتبطت بالفيلسوف الأميركي باتريك دنين الذي نشر كتاباً هاماً بعنوان «لماذا فشلت الليبرالية؟»، يبيِّن فيه أن التجربة الليبرالية أدت إلى تفتيت المنظومة الاجتماعية وتكريس الفردية الراديكالية وتشكيل دولة تكنوقراطية من دون عمق أخلاقي أو رمزي، فضاع كلياً مفهوم الخير المشترك (في دلالاته اللاهوتية الأخلاقية) وانتكس معيار الفضيلة المدنية، الذي هو مرتكز النظرية السياسية الكلاسيكية. ومن هنا يدعو دنين إلى قيام ديمقراطية جوهرية تستبطن القيم المجموعاتية والثقافية العامة التي قوّضتها الديناميكية الليبرالية. أما النزعة القومية المحافظة، فارتبطت بالفيلسوف الإسرائيلي الأميركي يورام حازوني الذي أصدر كتاباً بعنوان «فضائل القومية»، يتبنّى فيه بقوة مفهومَ الدولة القومية والسيادة الشعبية في مقابل حركية العولمة الاقتصادية والاستراتيجية. فبالنسبة له، الدولة القومية هي الشكل السياسي الوحيد الملائم للحرية والتعددية، وهي نتاج الحداثة الغربية في خصوصياتها الحضارية المميزة. والقومية، كما يعرّفها حازوني، هي «الحق الجماعي لشعب حُر في حكم نفسه»، ومن ثم يجب أن تكون محور الرؤية السياسية والاستراتيجية للدولة.

وقد أثّرت أفكار حازوني بقوة على التيار اليميني في إسرائيل وعلى النزعة الشعبوية في الولايات المتحدة الأميركية. أما تيار الديمقراطية غير الليبرالية، فارتبط بالفيلسوف المجري اندرياش لنزسكي الذي هو العقل السياسي لرئيس حكومة بلاده فيكتور أوربان، وقد عُرف بنقده الراديكالي للتقليد الليبرالي من منطلق فكر كارل شميت، الفيلسوف والقانوني الألماني الشهير.

وبالنسبة للنزسكي، تكمن السياسة الحقيقة في الصراع والقرار الأمري والسلطوية الفاعلة، وهي أبعاد ألغتها الممارسة الليبرالية القائمة على مفاهيم الحرية الفردية ودولة القانون ومنظومة حقوق الإنسان الصورية. لا يرفض لنزنسكي الآلية الانتخابية الديمقراطية، لكنه يريد تخليصها من الرؤية الليبرالية، معتبراً أنها تتناقض في الجوهر مع منطق السيادة الشعبية الحرة وغير المقيدة. ولا يمكن الخلط بين هذه التيارات الأربعة التي تنتمي إلى تقاليد فكرية وأيديولوجية متمايزة، لكنها تلتقي في عناصر ثلاثة محورية هي: رفض الليبرالية في تصوراتها الفردية الإجرائية للنظام السياسي والحركية الاجتماعية، واعتبار الخصوصيات الحضارية والثقافية في منطق الفعل السياسي، والتشبث بالهويات الخصوصية في الدوائر القومية والمحلية.

ما يجري راهناً ليس صراعاً حول الحداثة ذاتها، والتي أصبحت إطاراً كونياً إنسانياً لا محيد عنه، ولا حول الديمقراطية التي لا خلاف حول كونها الأسلوب الأمثل لضبط التعددية السياسية (حتى في الصين التي تعلن أن لها منظورها الخاص للديمقراطية)، وإنما هو صدام حول التركة الليبرالية من منطلق أفكار الهوية والخصوصية الحضارية والانتماء القومي.

ومِن المرجّح أن يتعمق هذا الصراع ويتزايد في المدى المنظور في كل الديمقراطيات الكبرى، وسيكون له أثره الحتمي على طبيعة الموقف النظري والعملي من مسارات الحداثة والديمقراطية والليبرالية، وهي مسارات تشابكت وتزامنت تاريخياً، وإنْ كانت اليوم في طور التمايز والتصادم.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

28 ديسمبر 2025 23:07

يثير سؤال الدين والمعتقد إشكال العلاقة بين حدّين يبدوان في بادئ الرأي مُتماهيين في حين أن العلاقة بينهما هي علاقة انفصال مُؤَدْلج؟ إن الحديث عن الدين وكأنه قول متواطئ يفتقر إلى الدقّة، فالدّين وإن كان واحداً عند أمّة ما، فهو متعدّد بتأويلاته، متفرّع بمعتقداته، ولعل أهم مقاربة للدّين نجدها في ثلاث طرق، طريقة حي بن يقظان، وطريقة سالامان، وطريقة آسال، إذا نحن استعرنا أبطال «قصة حي بن يقظان» لابن طفيل.

«طريقة الشّريعة الخاصة بالحكماء» التي تصل إلى القضايا العقدية بالعقل وحده، وهي طريقة تستلهم منهج المشائين والأفلاطونية المحدثة، وكذا منهج أصحاب التّحسين والتّقبيح العقليين، وهي طريق حي بن يقظان. ثم طريقة التناول الظاهري للنصوص الدينية، وممارستها بشكل حرفي في خضم الحياة اليومية التي تستغرق تفكير النّاس وهمومهم، مما يجعل حضور الدين حضوراً سُننياً يُلبي المصالح الضّرورية والحاجية والتّحسينية لأعضاء المجتمع، وهي طريق الجمهور أصحاب سالامان. وطريقة الغوص الباطني في النّفس الإنسانية لالتماس الحقيقة عند صفائها، وطريقة الصّرف العقلي لألفاظ النّصوص لاكتشاف معانيها الثّاوية في النّفوس عند صفاء الحدْس وتوقُّد العاطفة والفكر، فتصرف ظواهر النصوص إلى دلالات أخرى تحتملها، مما يجعل حضور الدين أقرب إلى العلم والفلسفة والعرفان، وهي طريق آسال.

إنّها طرق مختلفة تؤثر حتماً على النّظر إلى الدّين في علاقته بكل ما يبدو غريباً عنه و«دخيلاً» عليه، وتحوِّله إلى معتقد. ولعل تاريخ الدّين في المجتمع الإبراهيمي الكبير بدياناته الثلاثة لم يخرج عن هذه المسارات.

إن تأملنا في هذه الصور الثلاث للدّين تقودنا إلى القول إن المعتقد هو أوسع من الدين، وإن كان الكثير يسمي الدّين معتقداً. فالدين وحي ونصوص أما المعتقد فيتشكل في هذه المساحة العقلية والثّقافية التي يحضر فيها التأويل، ولهذا السّبب ميّز ابن رشد، بين ما سمّاه «الشريعة الأولى» قاصداً الوحي في تلقّيه الأول والمتمثّل في جملة النّصوص التي تؤخذ على ظاهرها للغاية المقصودة منها وهي «السعادة المشتركة» للجميع، وبين المعتقد وهي جملة التأويلات الكلامية والعرفانية التي تزعم أنها تعبر عن حقيقة الدين، في حين أنها تأويلات أطّرتها سياقات مختلفة شكلت أبنية فكرية تعبر بها جماعة ما عن مقاصد نظرية عملية مضمرة حيناً ومكشوفة أحياناً كثيرة.

فهذا جمهور الفقهاء في الأندلس، مثلاً، كان منخرطاً في إطار نسق شيده علماء كلام تبنّوا فلسفة ديموقرطس للدفاع عن عقيدة الخلق من العدم، على أساس أن العالم المؤلف من أجزاء لا تبقى، لا يمكن أن يكون أزليّاً، حيث اعتبر المتكلمون معتقد الخلق من عدم وحياً، فالمتكلمون بنوا هذه العقيدة على عدة أدلّة منها دليل أن الإرادة القديمة تعلّقت بإيجاد العالم في وقت مخصوص وهو الوقت الذي وجد فيه. إن المتكلمين في قولهم بالخلق من عدم كما يقول ابن رشد: «ليسوا...على ظاهر الشرع، بل متأولون. فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجوداً مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نص أبداً». بل إن ابن رشد يرى أن ظاهر الشريعة يوافق غير هذا المعتقد، قال تعالى: «وكان عرشه على الماء» ويستنتج منها أن الماء والعرش قديمان، ثم قوله تعالى «يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات»، لبيان أن العالم أبدي ولا يفنى إنما يتحول فقط ويتغير إلى صورة أخرى.

نستنتج من ذلك أن الوحي هو غير المعتقد، وكثير من المعتقدات التي تحفل بها شريعتنا في حاجة إلى مراجعة فكرية صارمة لتخليص الدّين مما عرض له من تغييرات.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 26 ديسمبر 2025 

 

قصة أحمد الأحمد، السوري الأسترالي، الذي خاطرَ بحياته لينقذ يهوداً من القتل في أستراليا انتشرت كما النار في الهشيم كبطل مسلم، وفي الوقت ذاته ألصقت دوائرُ إعلاميةٌ غربية العنفَ بالإسلام؛ لأنَّ الجاني الآخر وابنه مسلمان. ففي لحظة عنف أعمى، وقف أحمد الأحمد، مخاطراً بحياته ليمنع مسلمَين آخرَين من القتل. الجميعُ مسلمون، لكن لكلٍّ منهم تأويلُه، وسرديتُه، وفهمُه لإسلامه ولما يهدّد هويته. هذه المفارقة ليست فقهيةً ولا أخلاقية فقط، بل هي في جوهرها مسألة هوية كما تفهمها الأنثروبولوجيا السياسية. هذه الدوائر أسهبَت في تحليل المسلمين من الهند، ولم تتوقف إلا قليلاً عند إسلام الأحمد. ولكن كان هناك منصفون.

يقع المسلمون في الخارج والداخل في ورطة في تفسير ظاهرتين لمسلم يضحي بنفسه من أجل الآخرين، وآخر يمارس القتل باسم الدين. ولكي نفهم الظاهرة يجب أن نبدأ من أن هناك فرقاً جوهرياً، من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي، بين الإسلام كما يُعاش خارج العالم العربي، وبين الإسلام كما يُعاش في الداخل. إسلامنا في الغرب هو، في أحد وجوهه الأساسية، هوية قبل أن يكون ممارسة دينية. هوية واعية، يقظة، تدرك هشاشتها داخل فضاء ثقافي أوسع لا يشبهها. أما إسلام أهل الداخل، فهو دين وثقافة موروثة، وربما عادة يومية. هذا الفرق ليس حكماً أخلاقياً ولا تفضيلاً قيمياً، بل توصيف بنيوي لطريقتين مختلفتين في تشكّل المعنى.

الهوية، كما تُجمِع أدبيات الأنثروبولوجيا، لا تتكوّن في الفراغ، بل في سياق علاقات القوة والحدود والشعور بالتمايز. قوة الأقليات تنبع من شعورها الدائم بالتهديد: تهديد الإقصاء أو الذوبان داخل ثقافة أوسع عبر مسارات الاندماج والاستيعاب. في هذا السياق، يتشكَّل الإسلام في الغرب كهوية حدودية، وفق ما يسميه فريدريك بارث «حدود الجماعة». حيثما وُجد الحد، اشتدَّتِ الهوية وازدادت صلابة. وليس مصادفة أن تكون الهويات الدينية الأكثر تماسكاً، هي تلك التي تعيش في التخوم الثقافية، سواء في فلسطين أو البوسنة أو كشمير، أو في أحياء المهاجرين في مدن الغرب الكبرى.

وحتى لا يُساء فهم هذا الطرح، لا بد من إدانة ما جرى ضد المدنيين في أستراليا إدانة واضحة لا لبس فيها. غير أن ما يعنيني هنا هو محاولة فهم حالتين من «إسلام الخارج»: واحدة حلَّلت القتل، وأخرى ضحّت بالنفس لإنقاذ الضحايا. كلتاهما يستحق الفهم والتأمل. فالمسلم في الغرب ليس كتلة واحدة، كما أنَّ «الغرب» ذاته ليس كياناً متجانساً. المسلم هنا يتحرَّك داخل سلّم هويات متدرج، تتراجع فيه الهويات الثانوية عندما تتعرَّض الهوية الكبرى لإخافة.

في هذا السياق، لا يُمارس الدين فقط، بل يُستدعى رمزياً للدفاع عن الذات في لحظات الاقتراب من الذوبان. لذلك ترى المسلم غير المتدين، أو المتجاوز شعائرياً، وربما الخارج لتوّه من حانة، أكثر تمسّكاً بالإسلام بوصفه هوية. يعيد إنتاجه سردياً عبر رموز بسيطة: لباس، حجاب، كوفية، اسم، أو حتى موقف سياسي. هكذا تُبنى «الجماعة المتخيلة»، بتعبير بندكت أندرسن، حيث تصبح الهوية قصة مشتركة تُستعاد كلما تعاظم الإحساس بالاختلاف والتهديد.

في المقابل، يبدو الإسلام في العالم العربي جزءاً من الهواء الاجتماعي الذي يستنشقه الفرد. لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى دفاع رمزي. وحين تغيب المسافة، تضعف الرؤية. الهوية هنا مدمجة في اللغة والقانون والإيقاع اليومي والطقس الاجتماعي. هذا الإدماج، كما يشرح بيير بورديو، يحوّل الدين إلى «هابيتوس» غير واعٍ: ممارسة تلقائية تُؤدى دون تفكير، وتُهمل دون شعور بالخسارة. التَّرهل هنا لا يعني غياب الإيمان، بل الاعتياد عليه.

لهذا قد يقتتل مسلمو الداخل في حروب لا يكون الإسلام محركها الأساسي، أو يكون مجرد جزء من مادتها الثقافية. من هنا ينبغي الحذر من إقحام الدين في تفسير كل عنف داخلي؛ إذ قد تكون جذوره سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما في الحالة السودانية. معارك الداخل تختلف جذرياً عن معارك الهوية في الغرب، حيث تبقى الهوية مسألة وجود وحدود.

في الخارج، يظل الإسلام علامة حدودية داخل المجتمع الواحد، بينما يتحوَّل في الداخل إلى خلفية صامتة للأحداث، وأحياناً إلى تفسير متعجل لظواهر أكثر تعقيداً. في هذا الفرق تكمن الصلابة والهشاشة معاً. الهوية لا تقوى بكثافة حضورها، بل بحدة السؤال عنها. وكما يقول أمبرتو إيكو، إنَّ المعنى لا يولد من الامتلاك، بل من التأويل تحت الخطر. الإسلام، بوصفه هوية، يصبح أكثر وضوحاً حين يُسأل، لا حين يُسلَّم به.

من هذا المنظور، يمكن فهم ما فعله أحمد الأحمد لا بوصفه فعلاً استثنائياً، بل بوصفه تعبيراً عن سردية هوية تشكلت في سياق أقلوي ترى في القتل تهديداً لمعناها، لا تجسيداً له. في المقابل، من يقتل باسم الإسلام يفعل ذلك ضمن سردية أخرى تشكلت في فضاء مختلف، حيث لا تُسأل الهوية، بل تُستهلك.

وهكذا تتكشف المفارقة: كلما كان الإسلام بديهياً، تراجع حضوره كهوية فاعلة، وكلما أصبح موضع سؤال، ازداد تماسكاً ومعنى. تلك خلاصة أنثروبولوجية تفسر الصلابة في الهامش، والاعتياد في المركز، بعيداً عن الأحكام، وقريباً من تحليل المعنى والسلطة والتاريخ الاجتماعي. ومن هنا لا يمكن فهم قصة الأحمد إلا في سياقها الهوياتي، وتحدي تأويل إسلام الخارج في ظروف عالمية ومحلية معقدة.

***

د. مأمون فندي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الاثنين - 02 رَجب 1447 هـ - 22 ديسمبر 2025 م

 

في باريس، حيث كنت الأسبوع المنصرم، شاركتُ في الندوة الفلسفية المتميزة التي نظّمتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، بالتعاون مع جامعة السربون الفرنسية العريقة، حول «المعتقد والعلم والمعقولية»، بمشاركة عدد مهم من أبرز الوجوه الفلسفية مِن أوروبا والعالم العربي.المناسبة فريدة من دون شك، باعتبار المؤسسة العلمية العتيدة التي نشأت في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، واحتضنت أهم أوجه الجدل الفلسفي اللاهوتي في العصر الوسيط والأزمنة الحديثة.

وفي الفترة المعاصرة، درس أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين في جامعة السربون، من برغسون وباشلار وميرلو بونتي إلى مؤسس علم الاجتماع دوركايم وعالم الأنثروبولوجيا الأشهر كلود ليفي شتراوس. كما أن الموضوع نفسه شديد الأهمية من المنظور الفلسفي، ويترجم وفق ما عبّر عنه الدكتور خليفة الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، في كلمته الافتتاحية المتميزة والرصينة، خلال لقاء باريس، أهميةَ التبادل الثقافي العربي الغربي في مسألة محورية لا يمكن اختزالها في اعتبارات الاعتقاد الديني الذي تحرّفه في بلداننا مجموعات أيديولوجية معروفة ووجوه تتلبّس غطاءً فلسفياً زائفاً لتمويه تطرفها الراديكالي وانغلاقها عن العصر.

فهذه الإشكالية، كما بيّن الظاهري، هي في صلب الموقف الفلسفي الراهن، وتستدعي من ثم القراءةَ الجادةَ والتفكيرَ الدقيق. وإذا كان موضوع الإيمان والعقل له جذوره الفكرية اللاهوتية العميقة والبعيدة في تراثنا العربي الإسلامي، وفي التقليد اليهودي المسيحي الغربي، فإن الاهتمام به تقلّص لمدة طويلة قبل أن يرجع إليه الاعتبار في الفترة الأخيرة في سياق مختلف ومغاير لأجواء الجدل السابق. في كتابه «الإيمان والمعرفة»، الصادر سنة 1996، يرجع الفيلسوف الفرنسي الراحل جاك دريدا إلى ثنائية الاعتقاد والعقل، مستعيداً الأفكارَ البارزةَ التي بلورها أمانويل كانط حول الموضوع ذاته في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، وكذلك هيغل في كتابه الذي يحمل نفسَ عنوان كتاب دريدا (الإيمان والمعرفة).

وإن كان كانط قد قال في مقدمة كتابه الأساسي، «نقد العقل المحض»، إن غرضه هو تبيان حدود العقل، بغية إفساح المجال للاعتقاد، ودعا إلى ترجمة المعتقدات اللاهوتية في صيغ أخلاقية إنسانية، بينما دعا هيغل في نصّه الذي كتبه سنة 1802 إلى نقل الحدوس العَقدية الذاتية إلى مستوى المفاهيم العقلية الكونية.. فإن دريدا يذهب إلى أن الحداثة لم تنجح في القضاء على الاعتقاد الديني، مبيناً أن العلوم والقانون والتقنيات تصدر عن منظور إيماني غير واع وبالتالي فلا سبيل لتعويض الاعتقاد بالمعقولات المجردة أو الموضوعية.

وبالنسبة لدريدا ليس الاعتقاد والعقل متقابلين، بل هما متلازمان ويشكّلان عمقَ التجارب التأويلية والرمزية الإنسانية الثابتة، مثل الشهادة والكلام والوعد والثقة في الآخر. ومن ثم يظل الاستقطاب الإبستمولوجي والنظري بين الاعتقاد والمعقولية قائماً دون انقطاع أو تبدل في الفكر الإنساني. هذه الرؤية لدريدا لثنائية الاعتقاد والمعقولية تندرج في نطاق ما عبّر عنه البعض بالمنعرج اللغوي في الفلسفة المعاصرة، أي الخروج من المقاربة الوصفية الطبيعية للعقل إلى الفهم التأويلي، لكون الفاعلية التعقلية نفسها إنما تتم من داخل النصوص وعبر إمكاناتها التصورية والتداولية.

فلا توجد علاقة مباشرة بين العقل والوجود، بل لا بد من وسائط تعبيرية ورمزية تنشأ داخل ما سمّاه بول ريكور «عالم النص» بصفته تعبيراً عن أفق مشترك للعيش وليس مجرد شبكة دلالية نستنطق معانيها وحقائقَها كما كان قائماً في النظريات البلاغية القديمة. ولا شك في أن الفكر الإسلامي الذي اكتشف في جوانبه الأصولية الكلاسيكية أطروحة المقاصد والضرورات، بحاجة إلى الانتقال إلى نمط «التأويلية التلاؤمية» بلغة العلامة الشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للفتوى رئيس منتدى أبوظبي للسلم، الذي قدّم في الندوة محاضرة افتتاحية عميقة وثرية.

«التأويلية التلاؤمية» تجمع بين قيم الدين ومعتقداته الثابتة من جهة والواقع الراهن الذي يدخل في باب الظواهر القدرية التي هي في نهاية المطاف من آيات الخالق الذي أنزل النص إلى الوعي البشري. في لقاء باريس، خرج المشاركون بانطباع قوي أن الفكر الإسلامي الرصين المتحرر من شباك الأيديولوجيات ومن شوائب التعصب والتطرف قادر على التحاور مع الفكر الإنساني المعاصر دون مصاعب أو عوائق. وحسْب جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية أنها فتحت الطريقَ وقدمت النموذج وأتاحت الأرضية الفكرية الضرورية للحوار المنشود.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم:21 ديسمبر 2025 23:00

 

لم يكن مفهوم العلمانية مُنْصفاً في العالم الإسلامي، لقد وقع ضحيةً فوضى عمومية، بين مَن لم يفهم معنى هذا المفهوم فقام بشيطنته، وبين مَن يفهمه ولكنه لم يحسن شرح المعنى، وبين مَن يفهم ويحسن الشرح ولكنه خائف من مواجهة جمهور محكوم بتصوراته المسبقة. ولعل الخطورة في المحاولات العربية التي شرحت مفهومَ العلمانية أنها فسّرته بطريقةٍ شيطانية، وكأن العلمانية تعني التفسّخ وانهيار الأخلاق وتفكك المجتمع! شرح «بعض» المفكرين المفهوم، ولكن بحذر ومواربة، وآية ذلك أنهم طرحوا شروحاتٍ اعتياديةً من دون الدخول في البناء النظري للمعنى العلماني، ومن هؤلاء على سبيل المثال ، لا الحصر، طه حسين الذي لم يتطرق لمفهوم العلمانية مباشرةً بل اكتفى بالمقولة الدارجة «لا كهنوت في الإسلام». والمشكلة الأخرى فيما يتعلق بمفهوم العلمانية أن جماعة «الإخوان المسلمين» روّجت لتفسيرها الخاص حول هذا المفهوم وعملت على ذلك بكل إمكاناتها، ومن أخطر مَن فسّر هذا المفهوم المنظّر الإخواني محمد قطب، شقيق سيد قطب، وبصفة خاصة في كتابيْه «واقعنا المعاصر» و«الإسلاميون والعلمانية». لقد شيطن العلمانيةَ وربطها بالانحلال الأخلاقي. هذا التفسير أغلق على المثقفين إمكانيةَ الاستمرار في شرح المفهوم وإنصافه، إذ اربط «الإخوان» كلَّ مَن يبرر هذا المفهوم بالكفر والمروق عن الدين.

والموضوع الأخطر أن بعض المثقفين انطلت عليهم تفاسير «الإخوان» للعلمانية، وأضرب على ذلك مثالاً بالأستاذ الراحل محمد عابد الجابري الذي عارضَ المفهوم بشكلٍ مطلق، وذلك في كتابه «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، وقد جادله في الموقف الأستاذُ الراحل جورج طرابيشي في كتابه «هرطقات». ويطرح الجابري «الديمقراطية» بديلاً عن «العلمانية»، ثم يشرح رأيه قائلاً: «في رأيي أنه من الواجب استبعاد شعار (العلمانية) من قاموس الفكر القومي العربي، وتعويضه بشعاري (الديمقراطية) و(العقلانية)، فهما اللذان يعبران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي.. إن مسألة (العلمانية) في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات». ثم يضيف الجابري تعبيراً عجيباً عن «العقلانية السياسية»، إذ يقول: «الديمقراطية تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد، وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية، وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج».

لكن طرابيشي رد عليه: «إن الجابري، عندما يعوزه المزيد من الأسلحة المنطقية لتدعيم مقولته عن عدم لزوم العلمانية، يستعين بمنطق الأصوليين، ولكنه لا يأخذ من استدلالهم سوى مقدمته الصغرى، أي تحديداً الضعيفة. هكذا يقول بالحرف الواحد: أنا مقتنع تماماً بأن الإسلام هو دين ودولة في آن واحد».

والخلاصة من كل هذا، هي أن الحشد الأيديولوجي ضد العلمانية خدع حتى كبار المفكرين، ممن لم يدركوا أن العلمانية مفهوم يتطوّر وتتعدد استخداماته وتتنوع تطبيقاته، وقد أثبتت تجارب كبرى أن علمنة الدولة لم تقضِ على الأسس الثقافية ولم تعادِ الدين. إن العلمنة ليست أيديولوجيا، بل فضاء عام، وهي لا تخلق واقعاً جديداً، بل تبوّب الاختلافات بين الجموع وتعمل على تبيئة المجال الديني للفرد، بما يجعل التدين أكثر تهذيباً وأشد تأنقاً، ويجعل المجتمعات أكثر تعايشاً وأقل احتراباً.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 9 ديسمبر 2025 08:42

 

في عالمٍ تصبح فيه البيانات أهم من النفط، والاتصال أهم من الغذاء، تظهر طبقية لا ترفعُها الثورات، بل تقاوم بالوعي. وإن الثورة الرقمية، بمنتهى الهدوء، تؤسس لطبقية جديدة وهي الطبقية الرقمية، والتي تحولت إلى ما يمكن تسميته بـ «الفصل العنصري الرقمي». ومن ناحية أخرى  لا يعيش العالم فقط في عصر التحول الرقمي؛ بل يعاد تشكيله على صورته، مع بزوغ طبقة عليا رقمية تمتلك مفاتيح المعرفة، البيانات، والقرار، تقابلها طبقة دنيا متصلة بالشبكة لكن مفصولة عن السلطة والمال، وذلك الفصل بين البشر لم يعد مسألة مستوى اجتماعي، اقتصادي، ثقافي أو دين أو لون أو قومية فقط، بل بات يقاس بعدد النقرات، بسرعة الاتصال، وبتراكم البيانات في الخوادم التي لا نراها.

الحقائق الصادمة وخريطة الفصل العنصري الجديد وفقاً لتقرير الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لعام 2025، فإن 2.6 مليار شخص ما زالوا خارج نطاق الإنترنت، أي أن ثلث سكان العالم يعانون من الجفاف التقني وهذا يعني أن هناك عدداً كبيراً من الأشخاص الذين لا يمكنهم الاستفادة من فوائد الاتصال بالإنترنت، مثل الوصول إلى البيانات ومحركات البحث والخدمات الاجتماعية وهؤلاء المنفيون رقمياً لا يملكون حق الوصول للمعلومة التمكينية، وللتعليم الرقمي، ولا للمشاركة في الاقتصاد الرقمي، مما يجعلهم في حكم الطبقة غير المرئية.

كما أن نسبة 82% من البيانات الضخمة في العالم تنتج وتخزن وتعالج في أميركا الشمالية وأوروبا والصين فقط، وفقاً لتقرير مؤسسة «IDC» وماذا يعني ذلك؟ يعني أن قرارات العالم تبنى على تجارب سكان نصف الكرة الشمالي فقط، بينما تترك بقية شعوب الأرض خارج المعادلة. ومن بين أكثر من 100 مليون وظيفة جديدة متوقعة بحلول 2030 في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، أكثر من 86% منها تتطلب مهارات لا تتوفر حالياً في أكثر من نصف سكان أفريقيا والشرق الأوسط، حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2024.

نحن أمام نظام إقصائي استباقي، يتم فيه إعداد المستقبل لأبناء طبقة رقمية محددة، ويستثنى منه الآخرون من دون حتى فرصة للمنافسة. حتى أولئك الذين اتصلوا بالإنترنت لا يعيشون في العالم ذاته. ففي حين يتنقل أحدهم بين خوارزميات توصيات مصممة خصيصاً له، يلقى بغيره في تيه رقمي، يتغذى على محتوى سطحي، يستهلكه ولا ينتجه. وإن كان الإنترنت هو المدينة الجديدة، فبعضنا يقطن أحياء تحاط بأصوار وبها القصور والفلل الرقمية الفخمة، والآخرون يرمون خارج السور ليقطنوا في عشوائيات رقمية هامشية مهملة.

ومن جانب آخر فإن 80% من المحتوى العربي على الإنترنت من إنتاج 1% فقط من المستخدمين العرب، وفق دراسة «المرصد العربي للثقافة الرقمية». وهذه النسبة تؤكد أن السواد الأعظم من المستخدمين مجرد جمهور، وليسوا فاعلين في الحراك الرقمي. وفي هذا النظام الطبقي، حتى الذاكرة تخزن وتفلتر حسب الجغرافيا الطبقية الرقمية. فقد تحذف أو تشوه روايات وعادات وتقاليد وأفكار وسرديات وتروج وتمجد أخرى، وتقصى لهجات، وتعمم لغات، كل ذلك بواسطة خوارزميات لا تخضع لأي رقابة وحوكمة منصفة وخاصة أنه في كل ثانية، تنتَج 3.7 مليون عملية بحث على محرك Google، ولكن الخوارزميات لا تعرض للجميع نفس النتائج، بل نتائج طبقتك الرقمية هي ما تراه، وأن كانت تلك مفاجئة لك فإن ما تراه حسب القارة والدولة والمجتمع قد يختلف من دون أن تشعر بذلك. وأول من يمارسون هذا الفصل الرقمي هي المجتمعات التي تسمى ديمقراطية رافضين أن تكون هناك عدالة رقمية شاملة تنطبق على الجميع من دون تمييز.

الحقوق هنا يجب أن تكمن في حق الوصول للمعلومة، وحماية الخصوصية، والمشاركة في إنتاج المعرفة. ولما لا تفرض ضرائب عالمية على شركات التكنولوجيا لتستخدم المداخيل المالية لتمويل البنية التحتية الرقمية في الجنوب العالمي، ولنشر الأخلاق الرقمية ومكافحة التطرف والإدمان الرقمي أو الحرمان المعرفي أو إنشاء مجلس الأمم المتحدة للعدالة الرقمية، أو مجلس الأمن الرقمي الدولي ليراقب أداء الشركات والمنصات كما يراقب أداء الدول في منظومة حقوق الإنسان الرقمية.

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 ديسمبر 2025 23:30

الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس

عندما تطبِق الظُلمة الظلماء على أمة من الأمم في لحظة ما من لحظات تاريخها، فإنه لا يعود في الساحة إلا فلاسفة الدرجة الأولى لكي يضيئوا لها الطريق. ولكنهم عندئذ قد يخاطرون بأنفسهم ويدفعون الثمن باهظاً. عندما شعر أرسطو بالخطر يقترب من رقبته أكثر مما يجب قال هذه العبارة البليغة: «لن أدعهم يرتكبون جريمة أخرى ضد الفلسفة. يكفي أنهم قتلوا سقراط». ثم غادر أثينا مسرعاً تحت جنح الظلام. ومعلوم أن سقراط كان بإمكانه أن ينجو بجلده لو أراد. ولكنه رفض الهرب في آخر لحظة على الرغم من إلحاح تلامذته وأصدقائه الشديد عليه. لقد توسلوا إليه وبكوا على ركبتيه وكانوا جاهزين لتهريبه بكل سهولة ولكنه رفض بإصرار. وفضل بذلك أن يواجه مصيره المحتوم ويتجرع السم الزعاف. وكان بذلك أول شهيد في تاريخ الفلسفة ولكنه لن يكون الأخير. وذلك لأن تهديد المثقفين، بل واغتيالهم على مدار العصور أمر شائع لدى مختلف الأمم والشعوب. بل إنهم المستهدف الأول بالاغتيال حتى قبل رؤساء الدول وقادة الجيوش. لماذا؟ لأن جيوش الفكر أخطر على الظلاميين والرجعيين بكثير. فالتغيير الحقيقي وتبديد حلكات الظلام يتم أول ما يتم على أيدي الفلاسفة والمثقفين الكبار. في البدء كانت الكلمة. الكلمة أخطر من الرصاصة. بعدئذ يأتي الفعل والتغيير العملي. الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. ولكن الفكر بهذا المعنى نادر جداً على عكس ما نتصور. كم هو عدد الفلاسفة الذين غيروا وجه التاريخ البشري؟ يعدون على أصابع اليد الواحدة أو اليدين. بعد الثلاثي سقراط وأفلاطون وأرسطو نقفز قفزة كبرى ألفي سنة لكي نصل إلى ديكارت، وسبينوزا، ولايبنتز، وكانط، وهيغل، ونيتشه وهيدغر... ولكن هل يمكن أن ننسى فولتير، وجان جاك روسو وديدرو الذين تصدوا للظلامية الكاثوليكية بكل قوة؟ بالطبع لا. هذا ما يشرحه لنا أستاذ جامعة بروكسل البروفسور ريمون تروسون في كتابه الضخم عن فولتير (798 صفحة من القطع الكبير). على أي حال، هناك شيء لافت للانتباه هو أنه كلما ازدادت حلكة الظلام اسوداداً اقترب موعد الفجر. كلما احتدت واحتدمت انبجس الفكر المنقذ كفلق الصبح. ما أجمل تلك اللحظة. اشتدي أزمة تنفرجي.

ولكن الشيء الملاحظ أيضاً هو أن التغيير الفكري أصعب أنواع التغيير. إنه أصعب من التغيير المادي. وذلك لأنه يصطدم بعقليات قديمة راسخة منذ مئات السنين رسوخ الجبال. من يستطيع أن يقاوم الشيوخ التقليديين المهيمنين على عقول عامة الشعب؟ من يستطيع أن ينتزع الشعب من براثنهم؟ ولكن التغيير الفكري هو الذي يمهد للتغيير المادي المبتغى. دونه لا تغيير سياسياً حقيقياً ولا من يحزنون. ولذلك قال فلاسفة الأنوار في أوروبا ما فحواه: «شعارنا المقبل هو تغيير الفكر والعقليات أولاً». ينبغي تهذيب الجنس البشري وتنويره وتثقيفه وتخليصه من براثن الطائفية والطائفيين. وبعدئذ يصبح كل شيء ممكناً. بعدئذ يجيء التغيير السياسي تحصيل حاصل. يقول لنا ريمون تروسون ما يلي: «كان هناك ملك جبار في القرن السابع عشر هو لويس الرابع عشر. إنه الملقب بـ(الملك الشمس) باني قصر فرساي العظيم. وكان هناك شخص آخر يتربع على عرش الفكر والآداب الفرنسية في القرن الثامن عشر هو: الملك فولتير. وملك الفكر لم يكن يقل أهمية عن ملك السياسة إن لم يزد». ثم يضيف أستاذ جامعة بروكسل الحرة قائلاً: لا تعتقدوا أن زعيم الأنوار الفرنسية كان ملحداً كارهاً للدين في المطلق. انزعوا من أذهانكم هذه الصورة الخاطئة التي شاعت عنه. لقد كان مؤمناً كل الإيمان بالله والقيم المثالية والأخلاقية العليا للدين. وكان يقول حرفياً لا مخلوق من دون خالق، ولا مصنوع من دون صانع. ولكنه لم يكن مؤمناً على طريقة المتعصبين الطائفيين. كان فولتير يفرق بين شيئين لا يستطيع الشعب الفقير الأمي الجاهل أن يفرق بينهما: الدين/ والطائفية. ولكن معظم الناس بمن فيهم عديد المثقفين لا يستطيعون التفريق بينهما. إنهم يعتقدون أنهما شيء واحد. وعن هذا الاعتقاد الخاطئ تنتج المشاكل والمجازر. فالدين في سموه وعلوه وتعاليه غير الطائفية الضيقة المنغلقة على ذاتها داخل جدران التعصب الفئوي الأعمى. وللتعصب حلاوة في القلب لا تعادلها حلاوة. وبما أن المسيحية في عصره كانت لا تزال أصولية متطرفة، فإن الأكثرية الكاثوليكية كانت تضطهد الأقلية البروتستانتية وتكفرها وتبيح إبادتها شرعاً. كان يبرر ذلك شخص لاهوتي كهنوتي خطير يدعى جاك بوسويه (1627 - 1704). وهو أكبر أصولي فرنسي في ذلك العصر وربما في كل العصور. وكان خطيباً مصقعاً لا يشق له غبار. حتى لويس الرابع عشر كان يخشاه أشد الخشية ويحسب له ألف حساب. وقد هيج الملك على البروتستانتيين في خطبة نارية قائلاً له ما فحواه: «هؤلاء البروتستانتيون الزنادقة لا مكان لهم على أرض المملكة الكاثوليكية الطاهرة. فإما أن يتخلوا عن مذهبهم وعقائدهم الخاطئة ويعتنقوا المذهب الكاثوليكي فوراً، وإما أن يبادوا عن بكرة أبيهم. فالمذهب الكاثوليكي البابوي الروماني هو وحده الفرقة الناجية في المسيحية. وهو وحده المذهب الصحيح المرضي عنه عند الله. وكل ما عداه كفر وهرطقة وخروج على شرع الله. المسيحي الحقيقي الشرعي لا يمكن أن يكون إلا أكثرياً كاثوليكياً» (بين قوسين: نقول ذلك على الرغم من أن الأقلية البروتستانتية كانت هي الأقرب إلى المفهوم العقلاني والحداثي المتسامح للدين وأن الأغلبية الكاثوليكية كانت هي الأقرب إلى المفهوم التكفيري الرجعي الشديد التعصب والعدوانية. ولكن الحق دائماً مع الأقوى. كان ذلك عصر الظلمات الفرنسية...). ينبغي العلم أن الشعب الفرنسي كان كاثوليكياً بنسبة 80 في المائة والباقي أقليات بروتستانتية. وقد نفذ الملك الجبار كلامه حرفياً واجتاح المناطق البروتستانتية وحصلت أكبر حرب أهلية في تاريخ فرنسا. ولا يزال الفرنسيون يخجلون بها ويتأسفون عليها ويعتذرون عنها حتى اللحظة. في ذلك الوقت لم يكن هناك رأي عام دولي يحمي سكان الأقليات ويمنع المتطرفين من الاختلاء بهم وإعمال المجازر فيهم... نحن في القرن السابع عشر لا في القرن الحادي والعشرين.

هذا التعصب الأصولي التكفيري الأعمى هو الذي نهض فولتير ضده بكل قوة وحاربه طيلة حياته كلها. كانت تلك هي قضيته المركزية الأولى التي لا قضية بعدها أو قبلها. قضية التنوير كانت أعز عليه من روحه. نقول ذلك على الرغم من أنه كان أكثرياً كاثوليكياً مثل جاك بوسويه ولا يعاني عقدة الاضطهاد على عكس مثقفي الأقليات. وهنا تكمن عظمته. فلا شيء كان يجبره على محاربة أساطين مذهبه وطائفته القوية الجبارة المعتدة بعددها وعديدها. لا شيء كان يجبره على التصدي لهم وبخاصة أنهم كانوا قادرين على اغتياله بكل سهولة. يكفي أن يرسلوا إليه أحد الجهلة المهووسين بالتعصب لكي يرديه قتيلاً. ولهذا السبب كان يتخفى عن الأنظار لبعض الوقت عندما تحمّر عليه الأعين أكثر مما يجب. كان «ينزل تحت الأرض» كما يقال ثم سرعان ما يعود إلى السطح بعد شهرين أو ثلاثة لكي يناوشهم مجدداً ويواصل المعركة ضدهم. ولا شيء كان يجبره على الدفاع عن الأقليات اللهم إلا ضميره الأخلاقي بصفته مثقفاً عالمياً يكره الطائفية والطائفيين. لهذا السبب ظل اسمه لامعاً على صفحة التاريخ. وذلك لأنهم حتى في الصين، حتى في الهند واليابان، يعرفون من هو فولتير هذا، ناهيك عن العالم العربي. إنه لشيء ممتع أن يغطس المرء في كتاب البروفسور ريمون تروسون الضخم هذا. نقول ذلك وبخاصة أنه مكتوب بأسلوب ناصع وتبحر علمي مكين. فهو من أعظم الأكاديميين المتبحرين في العلم. أنا شخصياً أغطس فيه بكل استمتاع في نهايات هذا العام المنصرم. كما وأغطس في كتبه الأخرى لأنه مختص كلياً بفلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. لماذا أركز كل هذا التركيز على تلك الفترة من تاريخ أوروبا؟ لأني أعتقد أن العالم العربي يعيش في ذلك الحز الفاصل بين العصور الوسطى والعصور الحديثة. إنه يعيش في عصر فولتير لا في عصر سارتر، وفوكو وبورديو وبقية مثقفي فرنسا الحاليين، حيث اختفت المشكلة الطائفية نهائياً. فلم يعد هناك كاثوليكي واحد يحقد على بروتستانتي أو العكس. هذه هي بعض جوانب المعركة الكبرى التي يشرحها لنا البروفسور ريمون تروسون بكل تمكن واقتدار. نسيت أن أقول إن كتابه الآخر عن جان جاك روسو يشمل ثلاثة مجلدات كبرى. مئات الصفحات، آلاف الصفحات، كنز الكنوز.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 15 ديسمبر 2025 م ـ 24 جمادى الآخرة 1447 هـ

لا يمكن طي صفحة الجدلِ القديم المتجدّد حولَ علاقة الدين بالدنيا، وتأثير المعتقد على جيبِ الإنسان، واقتصاده؛ فهي مسألة حيَّة لم تُحسم بعد. وهنا يظلُّ ماكس فيبر حاضراً بقوة، بصفتِه علامةً فارقةً لا يمكن تجاوزُها في هذا المضمار.

في قراءته العميقة للنفس البشرية، وعلاقتِها بالمقدّس، يأخذنا فيبر إلى منطقةٍ أبعد بكثير من اختزال الدين في مقولة كارل ماركس «أفيون الشعوب» الشهيرة، والمنزوعة من سياقها؛ فهو لا يراه مجردَ عزاء للمتعبين، بل يعده محركاً يقدم تفسيراً عقلانياً لواحدٍ من أعقد ألغاز الحياة المتمثل في التناقض بين القدر والجدارة، أو لماذا ينجح بعضٌ ويفشل آخرون؟

حين قلّب فيبر المسار الديني، من الكونفوشيوسية، والبوذية، وصولاً للمسيحية، والإسلام، لم يكن يبحث عن نصوص عقائدية، بل كان يفتش عن الدوافع الخفية التي تدفع الناس للعمل، تلك التي سمَّاها الأخلاق الاقتصادية. وهذه الأخلاق ليست مجرد تعاليم، بل هي حالة نفسية عملية يشكلها الدين، وتتأثر بلا شك بمصالح الناس السياسية، والاقتصادية.

واللافت في تحليل فيبر هو ربطه لهذه الأخلاق بطبيعة البشر الذين يحملونها. فالدين يتشكّل برؤية معتنقيه، سواء كانوا فلاحين، أو محاربين، أو مثقفين؛ فرؤية هؤلاء للعالم هي التي تصبغ الدينَ بصبغته العملية. كما أنَّ للدين قدرةً عجيبة على تقديم إجابات مريحة؛ فهو يمنح الأثرياء شعوراً بأنَّ ثروتهم مستحقة، وليست ضربة حظ، وفي المقابل يفتح لغير المحظوظين باباً للأمل، والخلاص، غالباً عبر الزهد، أو الصبر، مبرراً معاناتهم بأفكار كالكارما، أو القضاء والقدر.

وهنا تحديداً يطرح فيبر استعارته العبقرية المعروفة بـ«عامل التحويلة».

فالمصالح المادية -اقتصادية كانت، أو سياسية- هي القاطرة الحقيقية التي تدفع سلوك البشر بقوة هائلة، لكن الأفكار الدينية هي التي تعمل كعامل تحويلة على سكة الحديد؛ هي لا تدفع القطار، لكنَّها تحدد المسار الذي سينطلق فيه قطار المصالح بسرعة قصوى.

هذا المسار يعتمد على نوع التوجيه الديني؛ فبعض الرموز، مثل بوذا، قدموا نموذجاً للخلاص عبر التأمل، والهروب من العالم، وهو مسار لا ينتج عادة نشاطاً اقتصادياً كبيراً. أمَّا المسار الآخر، كما نرى في البروتستانتية، فيقدم المصلحُ فيه نفسَه بوصفه أداةً لمطالب إلهية تفرض العمل في الدنيا لا الهروب منها. هنا يتحوَّل العمل عبادةً، والكدحُ دليلاً على الخلاص.

ورغم أنَّ بعض العقائد ترى أنَّ مصير الإنسان محددٌ سلفاً، فإنَّ المؤمن يجد نفسه مدفوعاً للعمل الشاق، وتجنّب ملذات الحياة. والسبب أنَّ الدين هنا تحوَّل ببراعة خطّاً إرشاديّاً، ونظامَ حياة صارماً. لقد نجح «عامل التحويلة» الديني في توجيه طاقة المصالح نحو العمل الدنيوي المنظم، ليؤسس بذلك، ومن حيث لا يحتسب، لروح الرأسمالية الحديثة التي نعيشها اليوم.

***

د. عبد الله فيصل آل ربح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأربعاء - 19 جمادى الآخرة 1447 هـ - 10 ديسمبر 2025 م

في المسافة الفاصلة بين أرسطو وابن رشد، يتبدّى العقل الإنساني، وهو يعيد اكتشاف نفسه، كمن ينظر في مرآةٍ تتجاوز الزمان لتقيس عمق الفكر لا صورته. المنطق عند أرسطو لم يكن علماً من العلوم، بل كان الشرط الذي يجعل كل علمٍ ممكناً. هو لغة العقل حين يترجم ذاته، والنظام الذي به يتمايز القول الحق من الوهم المتلبّس بالبرهان.

غير أنّ ابن رشد، حين التقط خيط هذا البناء اليوناني، لم يتعامل معه بوصفه معبداً يُزار، بل مختبراً يُعاد فيه تركيب العلاقة بين الفكر والوجود. كان أرسطو يُعلّم الإنسان كيف يُفكّر، أما ابن رشد فكان يُعلّمه لماذا يُفكّر، وبأي معنى يكون الفكر طريقاً إلى الحقيقة لا إلى ذاته.

 في عالم أرسطو، المقولات هي المفاتيح التي تفتح أبواب الوجود، إذ يصنّف الكائنات بحسب مقاديرها وأوصافها، لتنتظم الأشياء في عقلٍ يطلب النظام أكثر مما يطلب الغاية. أما ابن رشد فقد تجاوز هذا التصنيف إلى قراءة المقولات بوصفها وجوهاً للمعرفة لا أقساماً للوجود. الجوهر والكمّ والكيف ليست ألفاظاً جامدة، بل هي لحظات للعقل وهو يعقل، وصورٌ للحقيقة وهي تتجلّى في الذهن. لم يعد المنطق عنده علماً بل حالا من الوعي، وفعلاً من أفعال العقل الذي لا يكتفي بأن يصف الأشياء، بل يتساءل عن سرّ انتظامها. من هنا صار المنطق عنده يقظةً للمعنى، لا آلةً لتدبير القول.

 وحين يصل ابن رشد إلى العبارة، يرى فيها أكثر من تركيب لغوي، يراها تجربة للمعنى في حدوده القصوى. الجملة ليست بناءً نحوياً، بل حدثاً وجودياً، لأن القول حين يُنطَق يخلق مسافةً بين الإنسان والعالم، بين اللفظ والشيء، وهي المسافة التي يولد منها الفكر. في هذا التصور، تتحوّل اللغة إلى فضاءٍ للفهم، والكلمة إلى مرآةٍ للعقل، فلا ينفصل المنطق عن البيان، ولا الفكر عن النطق، لأن الحقيقة تُقال كما تُدرك، وتُدرك لأنها تُقال.

أما القياس، الذي هو قلب المنطق الأرسطي، فيعيد ابن رشد صياغته من جديد. عند أرسطو هو الآلة التي تقود من المقدمات إلى النتائج، من المعروف إلى المجهول، وفق ترتيبٍ صارمٍ للذهن، غير أنّ ابن رشد ينزع عنه صرامتَه الهندسية ليكشف طابعَه الغائي. فالقياس عنده ليس فقط بناءً صورياً، بل هو مسار نحو المعنى. لا يقين بغير علة، ولا علة بغير قصد، ومن هنا تتحوّل صورة القياس إلى حركة داخل الفكر، لا مجرّد رسمٍ خارجي له. إنّه اختبارٌ لحدود العقل، وإقرارٌ بأنّ اليقين ليس نهاية الرحلة بل بدايتها، وأنّ المنطق لا يكتمل إلا حين يُدرك ضعف الإنسان في طلب الحقيقة، لا قوته فيها.

وحين يتحدّث ابن رشد عن البرهان، يرفعه إلى مقام النور العقلي الذي به تُرى الأشياء على ما هي عليه. البرهان ليس برودةَ الاستدلال، بل حرارة الكشف، إذ تتجلّى فيه العلّة كجوهرٍ للعلم، ويصير العلم ذاته نوعاً من التوحيد العقلي للعالم. وهنا يلتقي المنطق بالفلسفة والكلام بالوجود، فلا تعود المعرفة انتقالاً من مقدمة إلى نتيجة، بل عروجاً من الظاهر إلى الباطن، ومن الصورة إلى الجوهر. البرهان عنده فعلُ وعيٍ يضيء ما وراء الظاهر، والعقل الذي يبرهن لا يعلّل فقط، بل يتطهّر من الغفلة، كأنه عبادة للفكر في محراب الوجود. أما الجدل، فقد أبقاه ابن رشد مجالاً مفتوحاً لتعدد المعاني دون أن يفقد الانضباط، فالمحاورة ليست ضعفاً في اليقين بل هي إقرار بتعدده. الجدل في فكره ليس نزاعاً بين المتكلمين، بل تلاقٍ بين العقول، حيث يُختبَر البرهان في ضوء الاحتمال، ويُصاغ اليقين في حضرة الآخر.. وهو الوجه الإنساني للمنطق، كما أن البرهان وجهه الإلهي، كلاهما يكشف عن طاقة العقل في الجمع بين التناقضات دون أن يضيع في فوضاها.

وهكذا يتحول المنطق في يد ابن رشد من علمٍ للقياس إلى فلسفةٍ للوعي. فقد كان أرسطو يسعى إلى تأسيس العقل، بينما كان ابن رشد يسعى إلى تحريره. في منطق الأول تسكن الصورة، وفي منطق الثاني يتنفس المعنى. بينهما تمتدّ رحلة الفكر الإنساني، وهو يتعلّم أن البرهان ليس غاية، وأن اليقين لا يُنال إلا بقدر ما يُسائل نفسه، وأنّ المنطق حين يدخل القلب يصبح نوراً لا آلة، وفهماً لا قانوناً.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 10 ديسمبر 2025 01:03

هذا السؤال يعود بقوة في ظل حالة الغرام والنشوة التي يعيشها العالم تجاه الذكاء الاصطناعي، كما عاشها سابقاً مع ظهور الإنترنت، ومن قبل ذلك السكك الحديدية ومحركات البخار. ومع كل إعلان عن استراتيجية تكنولوجية جديدة، مثل الاستراتيجية الأميركية الأخيرة، يتجدد الإحساس بأن البشرية مقبلة على زمن تحكمه الآلات وتهب عليه رياح المستقبل من وادي السيليكون. لكن خلف هذا الضجيج، يظل السؤال الحقيقي: هل ما زال البشر بثقافاتهم وتحركاتهم وقصصهم الكبرى هم المحرك الأهم للسلوك الإنساني؟ أم أننا استبدلنا دراسة الإنسان بواسطة دراسة ما يصنعه الإنسان؟

رغم هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى، ورغم ضجيج إيلون ماسك و«إنفيديا» وغير ذلك، فإن القلق الكامن في السياسة الأميركية اليوم ليس خوفاً من الروبوتات ولا من الذكاء الخارق، بل من تغيّر ملامح الثقافة الأوروبية والأميركية تحت ضغط الهجرة وتدفق ثقافات جديدة. الغرب يرى أن أخطر ما يهدده ليس الخوارزميات، بل من البشر المقبلين إليه بأقدامهم وبخيالهم وبأحلامهم. فالرئيس الأميركي نفسه يتحدث عن «سيطرة أهل الصومال على مينيسوتا»، وفي أوروبا يتكرر الحديث عن الخوف من «أسلمة المجتمع». إن الخطر، في نظرهم، ليس تكنولوجياً ولكنه ثقافي واجتماعي، نابع من موجات البشر التي تتحرك من دون توقف.

هذا النوع من القلق شبه غائب في عالمنا العربي، لأن نخبنا - على مدى مائة عام - انشغلت بما أسميه «دراسات التأثير». نحن نسأل دائماً: ما تأثير العولمة علينا؟ ما تأثير الإنترنت؟ ما تأثير الذكاء الاصطناعي على ثقافتنا وهويتنا؟ وكأن قدرنا أن نتلقى التأثيرات لا أن نصنعها. بينما الحقيقة أن الغرب نفسه قلق من تأثير حركة البشر المقبلين من مناطقنا ومن الجنوب العالمي عموماً. قدومنا نحن، لا خوارزمياتهم، هو ما يربكهم ويغيّر مجتمعاتهم.

ولكي نفهم هذا العالم المتشابك، علينا أن نخرج من التفكير القائم على حدود الدول إلى تصور آخر يرى العالم كأنه سلسلة من فضاءات متداخلة. أول هذه الفضاءات حركة البشر، فبحسب تقرير 2024 تحرك عبر الحدود نحو 350 مليون إنسان، من دون احتساب السياحة أو التجارة. هذه الحركة الهائلة تعيد خلط الأعراق والإثنيات، وتشكل ملامح مجتمعات جديدة. الفضاء الثاني هو الإعلام العابر للحدود الذي يعيد تشكيل وعي الإنسان بالعالم وبنفسه، ويخلق طموحات قد لا تتوافق مع واقع الدول التي يعيش فيها. نحن العرب، على سبيل المثال، هاجر كثير منا بخياله قبل جسده، وشاهد في الإعلام حياة لا توفرها له أوطانه.

هناك أيضاً فضاء المال الذي انجذبت إليه نخب عربية غنية، من البورصات إلى العملات الرقمية. هذا الفضاء يوحي بأننا جزء من الاقتصاد العالمي، لكنه في كثير من الأحيان مقامرة قاسية، لأن البنى القادرة على استيعاب الصدمات غير مكتملة. أما فضاء التكنولوجيا، من الذكاء الاصطناعي إلى الإنترنت إلى الطائرات المسيّرة، فهو الذي اختصر الزمن إلى الحد الذي جعل العالم يبدو كأنه قرية صغيرة، رغم أنه لم يصبح كذلك فعلياً؛ كل ما حدث أن الزمن انضغط والمسافات تلاشت على الشاشة.

ثم يأتي فضاء الأفكار، هذه السوق التي تتنافس فيها السرديات الكبرى والصغرى من ديمقراطية وحقوق إنسان وأديان وآيديولوجيات متنوعة. والمفارقة أن الأفكار لم تنتشر في منطقتنا بسبب قوتها، بل بسبب هشاشة الدول التي دخلتها. فقد ظهرت حركات مثل «داعش» وغير ذلك، وسقطت في الدول القوية، لكنها انتشرت مثل الوباء في الدول الضعيفة، مما يثبت أن المشكلة ليست في الفكرة بل في بنية الدولة وقدرتها على امتصاص الصدمات. وهنا تعود الثقافة إلى الواجهة، لا بوصفها مجرد رصيد رمزي، بل بوصفها حائط صد، وكأنها خيمة قادرة على الاستيعاب، وكأنها إسفنجة تمتص ما يتدفق من الخارج.

هذه الفضاءات الخمسة ليست جزراً منفصلة، بل تتفاعل باستمرار، ويعيد كل منها تشكيل الآخر. وأزمة منطقتنا أننا أسرى «عقلية التأثير» التي ترى العالم يفعل بنا، ولا ترانا نفعل فيه. وفوق ذلك، أصبح إنتاج المعرفة متقطعاً؛ لم يعد هناك ذلك الامتداد الطبيعي بين معلم وتلميذ، ولا انتقال للخبرة من الأسطى إلى الصبي أو من الشيخ إلى المُريد. انقطعت الجسور التي كانت تمنح الإنسان معرفة هادئة بهويته، بينما تجرفه الخوارزميات من مقطع فيديو إلى آخر، من دون سياق ولا عمق. هنا تحديداً يصبح السؤال عن الثقافة سؤالاً عن البقاء، لأن الثقافة هي آخر ما يربط الإنسان بذاكرته في عالم ينزلق بسرعة نحو فوضى الخوارزميات رغم نظامها.

الثقافة التي أعنيها ليست ثقافة الجماهير، ورغم أهميتها فإنني أعني الثقافة العالية التي أصبحت مهملة تماماً وسط بريق «فالصو» ثقافة الجماهير.

***

د.  مأمون فندي

عن جريدة الشرق  الأوسط اللندنية، يوم: الاثنين - 17 جمادى الآخرة 1447 هـ - 8 ديسمبر 2025 م

 

لطالما كان الفيلسوف النمساوي الإنجليزي كارل بوبر- المولود عام 1902 في بيئة منهمكة بالقانون والموسيقى- إلا متسائلاً وباحثاً عن معاني «الديمقراطية الليبرالية»، بل ومدافعاً عنها، لكنه في الوقت نفسه ينتقد الشّيوع الُمبتذَل لمفهوم الديمقراطية. يسأل بوبر: «ماذا لو أن الديمقراطية جاءت عبر التصويت والأغلبية بحزب مثل الحزب النازي أو الشيوعي»؟! يضيف: «إذا كانت هناك محاولة للإطاحة بالنظم الحرة بالقوة المسلحة، فإن بوسعه دون أي تناقض ذاتي أن يدافع عنها بالقوة المسلحة، فالحق أن هناك مبرراً أخلاقياً لاستخدام القوة، ما دام هناك نظامٌ قائمٌ يفرض بقاءه بالقوة، ما دام الهدف تأسيس النُّظم الحرة وحين تكون الغاية استبدال حكم العقل والتسامح بالحُكم المسلح». ثم يشير إلى ضرورة حماية الديمقراطية من غير الديمقراطيين، وهذا ينطبق على النماذج الأصوليّة، وأحزاب التطرف التي تحاول الحُكم باسم الديمقراطية بالعالم.

لم يغادر بوبر الليبرالية في تحليله، رغم توجُّهه إلى الماركسية لبضعة أشهر، غير أنه ساهم في وضع بصمته الخاصة على هذا المفهوم. وظيفة على السياسات الليبرالية أن تعمل على «أن تصبح الحياة أقل خطراً وجوراً». من أهم إسهامات بوبر، تأسيسه لاستقلال عالم أشياء الفكر عن الذات الإنسانية التي أبدعتْها، إذ يخلق الإنسان نظريات وأفكاراً لا يمكنها أن تظهر من دونه، لكن ما إن يخلقها حتى يفقد السيطرة عليها، يلاقيها في كثافتها ويصطدم معها، مما يعني قبل كل شيء أنه لا يفهمها، في الواقع يتسامى محتوى فكر جذرياً بالفهم الذي لدينا عنه، ما دام له نتائج كثيرة بشكل لا نهائي.

وهذا ينطبق على الثورة التكنولوجية التي نشهدها الآن. وبينما يطرح بوبر «مبدأ التكذيب»، يطرح الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار «فلسفة النفي»، وهما عبر هاتين الآليتين أحدثا ضجةً في ميادين العلم، وأسهمت أطروحاتهما في تغيير مجالات الانطلاق العلمي وتحدَّت البداهات المألوفة. نعم، لقد اشتركا في الحاسّة الارتيابية والشكيّة والتعبير عن آفاق الاحتمال التي وصل إليها العِلم. لقد وجَّه ضربات وامتحانات للنظريات التي تحمل «قوة تفسيرية»، وخصَّ بالدحض سيغموند فرويد وكارل ماركس وإدلر.

إنّ دحضه في «مبدأ التكذيب» ناطح به حتى آينشتاين في «النسبية»، وخلاصة «مبدأ التكذيب» أننا: «لا يمكن أن نحصل على تأييدات لأي نظرية، فالتأييدات لا تعتمد إلا إذا كانت نتاج تنبؤات مخاطرة. كل نظرية علمية هي نوع من المنع، فهي تمنع أشياء معينة أن تحدث، وكلما زاد ما تمنعه النظرية، زاد نصيبها من الأصالة. النظرية التي لا تقبل الدَّحض بأي حدث يمكن تصوره هي نظرية غير علمية، عدم القابلية للدحض ليست مزيّة لأي نظرية، ببساطة إن محكَّ المنزلة العلمية لأي نظرية من النظريات هو قابليتها للتكذيب».

الخلاصة، أن فلسفة بوبر ونظرياته مشوّشة وغير مطّردة، ولكنها مثيرة للبحث والسِّجال، نظرية التكذيب لم تُثبت فعاليتها المعرفية ولم يُكتب لها الخلود، إن تجربة بوبر الدنيوية والعلمية أهم من نظريته الفلسفية.

***

فهد سليمان الشقيران - اتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 24 نوفمبر 2025 23:05

تشارلز تايلور فيلسوف كندي بارز، عرف بأعماله الرائدة حول التعددية الثقافية من منظور سردية الاعتراف وما تعنيه من قيم التعايش والتفاعل بين الثقافات والأنساق القيمية. وفي دراسة أخيرة منشورة بعنوان «أهمية الحوار الثقافي»، يكشف تايلور حدودَ ونقائص التعددية الثقافية، انطلاقاً من واقع الهجرات الكثيفة التي غيرت جذرياً تركيبةَ المجتمعات الغربية، وولّدت ردودَ فعل واسعة من بينها حركة اليمين الشعبوي الصاعد حالياً في جل الديمقراطيات الليبرالية.

ما تعنيه مقولة التعددية الثقافية لدى تايلور هو مقاربة الاعتراف بالهويات الثقافية المتنوعة التي تسمح للأفراد بالتشكل في مجموعات معيارية وانتمائية متمايزة. بالنسبة لتايلور تنبع التعددية من الحالة الفردية الذاتية التي تطبع المجتمعات الغربية، وتولد إشكالات غير مسبوقة تتعلق بآليات التعارف بين أفراد وكيانات يتمتعون بالحرية الكاملة وحق الاختلاف العقدي والفكري، دون الحاجة إلى سقف مرجعي عضوي على غرار التقاليد التاريخية الماضية. لقد ميز تايلور بين شكلين من الاعتراف في المجتمعات الحديثة: الاعتراف القانوني الليبرالي المؤسس على مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية باستقلال عن معايير الانتماء الثقافي الخصوصي، والاعتراف الاختلافي القائم على التنوع والتعددية ومنح حقوق خاصة بالمجموعات اللغوية والدينية والثقافية وفق خريطة التمايز الاجتماعي (ومن هنا التوفيق بين الكونية الليبرالية وإجراءات الاعتراف الثقافي). لقد تبنى تايلور هذا النموذج الثاني، واعتبر أنه الملائم لوضع المجتمعات المعاصرة، رافضاً فكرة حيادية الدولة ثقافياً ومؤسسياً.

فبالنسبة له على الدولة أن تضمن التوازن بين الثقافات وتعترف بالتنوع الثقافي وتخلق الظروف المناسبة للتعايش العادل بين المجموعات والأفراد. لقد طور الفيلسوف البريطاني «بيكو باريك» أطروحةَ التعددية الثقافية وفق متطلبات الفلسفة الديمقراطية، بدلا من اختزالها في سياسة إدارة التنوع الثقافي. فبالنسبة له، لا توجد ثقافة مكتملة، مكتفية بنفسها، ومن ثم لا محيد عن تفاعل الثقافات وتحاورها. ولذا يتوجب الخروج من مأزقين: النزعة المركزية الاثنوغرافية التي تتعارض مع أي أفق حواري، والنزعة النسبية التي تحول دون تقييم الثقافات ونقدها.إلا أن الحوار الثقافي بالنسبة لباريك يتطلب مجموعةً من المسلمات الأساسية، من بينها: تعددية تصورات الخير الجوهري، والمساواة الأخلاقية بين الثقافات، وضرورة بناء إطار مرن مشترك للتفاعل الثقافي.

مقال تايلور الأخير يعلق فيه على مقاربة باريك، من منظور المصاعب التي تعاني منها استراتيجية التعددية الثقافية في المجتمعات الغربية. وبالنسبة له، شكلت التعددية الثقافية خطوة متقدمة في مسار الديمقراطية الليبرالية، بما حققته من دمج واستيعاب المجموعات التي لا تنتمي للتقليد السائد أو المهيمن. لكن هذه المقاربة تصطدم اليوم بحدود جلية، من بينها التعايش السلبي بين المجموعات المتنوعة دون تفاعل أو تضامن بما يمنع الارتباط والتداخل فكرياً وقيمياً بينها، والميل إلى إضفاء الطابع الجوهري الجامد وغير التاريخي على الثقافات بما يحولها إلى منظومات مغلقة لا تتغير ولا تتحول، والاستقطاب الأيديولوجي الذي يتجسد حالياً في تنامي النزعات الهوياتية الخصوصية، وغياب رؤية موحدة لمتطلبات العيش المشترك بين مكونات الجسم الاجتماعي.

ومن هنا يخلص تايلور إلى أن نهج التعددية الثقافية لم يعد كافياً لضبط أشكال التعددية والتنوع التي تطبع المجتمعات الليبرالية الحالية، ولذا يختار بديلا عنه مسلك الحوار الثقافي التفاعلي الذي يحترم واقع الاختلاف والتباين بين الثقافات، لكنه يقر بإمكانية التقاء الثقافات وتطور الهويات، منيطاً بالدول واجبَ خلق الظروف الملائمة لهذا التثاقف الضروري في إطار مجال تداولي عمومي حر. ما نريد أن نبينه هو أن مقالة تايلور الجديدة تعكس الأزمة العميقة لنظرية الاعتراف التي تبلورت منذ هيغل كحل لمشكل التنوع في مجتمعات تتأسس على حرية الوعي الفردي والحيادية القيمية للسلطة العمومية إزاء مختلف الأنساق الثقافية والمعيارية. لقد حاول تايلور تجاوز الحل الهيغلي الذي أناط بالدولة الكلية المطلقة مسؤوليةَ الاندماج الاجتماعي الشامل الذي عجزت عن تحقيقه النظريات التعاقدية التوافقية، فكان تركيزه على شكل الاعتراف الاختلافي المكمل للاعتراف القانوني الليبرالي.

لكن تايلور أدرك عمق الإشكالية المتولدة عن التوفيق بين معيار الكونية الليبرالية الرافضة لحقوق التنوع الثقافي ومعيار التعددية الثقافية الذي يفضي إلى تكريس النسبية القيمية التي يمكن أن تعصف بالنظام الاجتماعي المشترك. الحوار إذن هو المسلك للخروج من هذا المأزق، وعياً بقدرة النقاش التداولي الحر على التوصل إلى قناعات موزونة عقليا تجمع بين أنساق ثقافية متمايزة، وبذا يتم الجمع بين مطلبي الحرية والتضامن من حيث هما ضرورتان موضوعيتان في الواقع الراهن.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الاماراتية، يوم: 23 نوفمبر 2025 23:03

 

في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1694 وُلد فولتير، واسمه الحقيقي فرانسوا-ماري أرويه، ويعتبر أحد أعمدة عصر التنوير الأوروبي، ورمز من رموز الدفاع عن العقلانية والحرية والتسامح.

وُلد وسط قيود سياسية ودينية خانقة، لكنه اختار منذ شبابه أن يجعل من قلمه سلاحاً يواجه به التعصب والجمود، ولم يكن مجرد كاتب بارع أو صاحب أسلوب ساخر، بل كان مشروعاً فكرياً كاملاً يقف في صف الحرية والعقل، ويصرّ على أن الكلمة قادرة على فضح الاستبداد مهما اشتدّت قبضته.

وأمضى فولتير حياته بين السجون والمنافي والمحافل الفكرية، لكنه لم يتراجع يوماً عن معاركه لأجل التسامح وحقوق الإنسان، وحين عاد إلى باريس في أواخر أيامه، كان قد أصبح أيقونة ثقافية تعترف بعظمتها أوروبا كلها.

تقول دائرة المعارف البريطانية إنه وُلِد في أسرة من الطبقة الوسطى، ولم يكن يحمل أي مودة لوالده الذي كان يعمل موثقاً في وقت من الأوقات، وعمل لاحقاً في ديوان الحسابات، ولا لشقيقه الأكبر أرمان، وهو يكاد لا عرف شيء عن والدته التي لم يتحدث عنها كثيراً بعد أن فقدها وهو في السابعة من عمره. ويبدو أنه أصبح متمرداً في وقت مبكر على سلطة الأسرة.

وتلقى فولتير تعليماً جيداً إذ التحق بمدرسة اليسوعيين "لويس لوغران" حيث تلقى تعليماً كلاسيكياً في اللغات والأدب، وهو تعليم سيظهر أثره لاحقاً في براعته البلاغية وشغفه بالسخرية.

ورغم تقديره للذوق الكلاسيكي الذي غرسته فيه الكلية، فإن التعليم الديني الذي قدّمه الآباء لم يثر في نفسه إلا الشك والسخرية. وقد شهد السنوات الأخيرة من حكم لويس الرابع عشر، ولم ينسَ أبدا الكوارث الاقتصادية والعسكرية لعام 1709 ولا فظائع الاضطهاد الديني. ومع ذلك، احتفظ بدرجة من الإعجاب بالحاكم، وبقي مقتنعاً بأن الملوك المستنيرين هم الوكلاء الضروريون للتقدم.

ومع أن أباه كان يرغب في أن يصبح محامياً، اتجه فولتير منذ شبابه نحو الأدب والكتابة الساخرة، فقرر عدم دراسة القانون بعد مغادرته الكلية. وعندما عمل سكرتيراً في السفارة الفرنسية في لاهاي، وقع في غرام ابنة مغامر، ولخوفه من فضيحة، أعاده السفير الفرنسي إلى باريس.

وفي باريس ارتاد محافل المفكرين الأحرار، وكان مصدر السخرية والفكاهة في المجتمع الباريسي، وكانت أقواله الطريفة تُنقل على نطاق واسع، لكن عندما تجرأ على السخرية من الوصي على العرش ، دوق أورليان، اعتُقل وأُرسل إلى سجن الباستيل في عام 1717.

وكان السجن بالنسبة إليه تجربة قاسية لكنها محورية، ففيه أدرك أن الكلمة قد تصبح خطراً على صاحبها، لكنه لم يتراجع، بل ازداد قناعة بأن قلمه يجب أن يكون أداة لمحاسبة السلطة.

وخلف واجهته البشوشة، كان فولتير جاداً في جوهره، وكرّس نفسه لتعلّم الأدب.

وفي عام 1718، بعد نجاح مسرحيته الأولى "أوديب"، حظي بالإشادة كخليفة للمسرحي الكلاسيكي الكبير جان راسين، ومنذ ذلك الحين اعتمد اسم "فولتير"، ولا يزال أصل هذا الاسم المستعار غير مؤكد.

وإلى جانب الأدب كان يُعد فيلسوفا، وأعلن عن إلحاده في صالونات المثقفين، مما أثار فضول وصدمة المتدينين.

وأصبح مهتما بإنجلترا، البلد الذي كان يتسامح مع حرية الفكر، وزار زعيم التوريين (المحافظين)، فيسكُنت بولينغبروك، المنفي في فرنسا، وهو سياسي وخطيب وفيلسوف كان فولتير يعجب به إلى درجة أنه قارن بينه وبين شيشرون، وبتوجيه من بولينغبروك، تعلم اللغة الإنجليزية ليتمكن من قراءة الأعمال الفلسفية لجون لوك.

وتعزز تطوره الفكري نتيجة حادث، فبعد شجار مع أحد أعضاء إحدى الأسر الفرنسية البارزة، والذي سخر من اسمه، تعرّض للضرب، وأُخذ إلى سجن الباستيل، ثم نُقل إلى كاليه في 5 مايو/ آيار من عام 1726، ومنها انطلق إلى لندن.

وكانت هذه الرحلة نقطة تحول جذرية في حياته الفكرية، وهي واحدة من أهم المحطات التي تذكرها دائرة المعارف البريطانية، فقد رأى فولتير في إنجلترا مجتمعاً مختلفاً تماماً عن فرنسا حيث وجد نظاماً سياسياً ملكياً لكنه محدود بمؤسسات قوية، ووجد برلماناً يناقش ويختلف ويتخذ قرارات، ووجد صحافة أكثر حرية، ووجد قدراً ملحوظاً من التسامح الديني مقارنة بفرنسا الكاثوليكية المتشددة.

وخلال إقامة دامت أكثر من عامين، نجح فولتير في تعلم اللغة الإنجليزية، فكتب مذكراته بها، وظل قادراً على التحدث والكتابة بها بطلاقة حتى نهاية حياته.

وقد التقى بأدباء إنجليز مثل ألكسندر بوب، وجوناثان سويفت، وويليام كونغريف، وبفلاسفة مثل جورج بيركلي، كما التقى اللاهوتي صموئيل كلارك. ورغم أنه حظي في البداية برعاية بولينغبروك بعد عودته من المنفى، إلا أنه يبدو أنه دخل في خلاف مع زعيم التوريين، فتوجه إلى السير روبرت والبول والليبراليين.

وأعجب فولتير بالليبرالية التي تتميز بها المؤسسات الإنجليزية، وكان يغار من جرأة الإنجليز في مناقشة القضايا الدينية والفلسفية، وكان مقتنعاً بأن الإنجليز، لا سيما السير إسحاق نيوتن وجون لوك، في طليعة الفكر العلمي بسبب حريتهم الشخصية.

كما اعتقد أن الأمة الإنجليزية التي تتكون من التجار والبحارة مدينّة بانتصاراتها على لويس الرابع عشر لمزاياها الاقتصادية، وخلص إلى أن فرنسا حتى في الأدب يمكنها أن تتعلم شيئاً من إنجلترا، فقد كانت تجربته مع المسرح الشكسبيري مذهلة حيث أُعجب بطاقة الشخصيات وقوة الحبكات الدرامية.

وعندما عاد فولتير إلى فرنسا في نهاية عام 1728 أو بداية عام 1729، قرر تقديم إنجلترا كنموذج لمواطنيه، وقد تعزز موقعه الاجتماعي بعد العودة، وبدأ ببناء ثروة هائلة ضمنت له الاستقلال المالي.

وحاول إحياء المسرح التراجيدي من خلال تقليد شكسبير بشكل دقيق وحذر، وكان ذلك في مسرحية "بروتوس"، التي بدأ كتابتها في لندن وأرفقها برسالة إلى ميلورد بولينغبروك،و لم تحقق هذه المسرحية سوى نجاحاً محدوداً في عام 1730، أما "موت قيصر" فعُرضت فقط في إحدى الكليات عام 1735.

ومع ذلك، حققت مسرحية "ألزاير" نجاحا باهراً، فقد أسرت المسرحية، التي يقوم فيها الحاكم أوروسمان بطعن سجينه المسيحي "ألزاير" بدافع الغيرة، الجمهور بموضوعها الغريب والمثير، و تدور أحداث المسرحية في ليما ببيرو زمن الغزو الإسباني.

وفي الوقت نفسه، اتجه فولتير إلى نوع أدبي جديد وهو التاريخ، ففي لندن تعرف على فابريس، وهو رفيق سابق للملك السويدي شارل الثاني عشر، وكان اهتمامه بالشخصية الاستثنائية لهذا الجنرال الكبير دافعاً له لكتابة سيرة"تاريخ شارل الثاني عشر" في عام 1731، وهو سرد تاريخي موثق بعناية، يُقرأ بأسلوب يشبه الرواية.

"الرسائل الفلسفية"

وكان فولتير كاتباً غزير الإنتاج، وقد بدأت الأفكار الفلسفية تفرض نفسها أثناء كتابته حيث جلبت مآثر ملك السويد الخراب، في حين أن منافسه بطرس الأكبر أسس روسيا، تاركاً وراءه إمبراطورية واسعة ومتحضرة، فالرجال العظماء ليسوا محاربين فحسب، بل يعززون الحضارة، وهو استنتاج يتوافق مع مثال إنجلترا.

وكان هذا الخط الفكري ما حققه فولتير بعد تأمل طويل في عمل قصير حاد الذكاء وهو "الرسائل الفلسفية" في عام 1734، فهذه الرسائل الخيالية هي في الأساس برهان على الآثار الحميدة للتسامح الديني، وتُقارن بين علم النفس التجريبي لجون لوك وبين التأملات الافتراضية لرينيه ديكارت.

وبعد أن قام بشرح النظام السياسي الإنجليزي، وتجاره، وأدبه، وشكسبير شبه المجهول في فرنسا، اختتم فولتير بهجوم على عالم الرياضيات والفيلسوف الديني الفرنسي باسكال، فغاية الحياة ليست بلوغ السماء عبر التوبة، بل ضمان السعادة لجميع البشر من خلال التقدم في العلوم والفنون.

وبات هذا الكتاب الصغير اللامع يشكّل علامة فارقة في تاريخ الفكر، فهو لا يجسّد فلسفة القرن الثامن عشر فحسب، بل يحدّد أيضاً الاتجاه الأساسي للعقل الحديث.

وتبع نشر هذا العمل الذي تحدّث بصراحة ضد المؤسسة الدينية والسياسية فضيحة كبيرة، وعندما صدرت مذكرة اعتقال بحقه في مايو/ آيار من عام 1734، لجأ فولتير إلى قصر مدام دو شاتليه في سيريه بمنطقة شامبانيا، وبدأت عندئذ علاقته بهذه المرأة الشابة والذكية بشكل استثنائي، وعاش معها في القصر الذي جدد بناؤه على نفقته الخاصة.

وكانت مدام دو شاتليه مولعة بالعلوم والميتافيزيقا، وقد أثرت على أعمال فولتير في هذا الاتجاه، فقد تم إنشاء "معرض" أو مختبر للعلوم الطبيعية في القصر، وكتبا مذكرة عن طبيعة النار لاجتماع الأكاديمية الفرنسية للعلوم.

وبينما كانت مدام دو شاتليه تتعلم اللغة الإنجليزية لترجمة أعمال نيوتن وكتاب "حكاية النحل" لبيرنار دو ماندفيل، قام فولتير بتعميم تلك الاكتشافات العلمية الإنجليزية التي لم تكن معروفة إلا لقلة من العقول المتقدمة في فرنسا في كتابه "عناصر فلسفة نيوتن" في عام 1738.

وفي الوقت نفسه، واصل متابعة دراساته التاريخية، فبدأ كتاب "قرن لويس الرابع عشر"، ورسم مخطوطاً لتاريخ شامل للملوك والحروب والحضارة والعادات، والذي أصبح فيما بعد "مقال عن الأخلاق". وشرع أيضاً في تفسير النصوص الدينية، ففي سيريه، اكتسب فولتير، أثناء صقل معرفته العلمية، الثقافة الموسوعية التي كانت إحدى أبرز سمات عبقريته.

ومع ذلك، لم يكن فولتير بمنأى عن خيبات الأمل، فقد كان لويس الخامس عشر يكرهه، وكانت الفئة الكاثوليكية المتدينة في البلاط معادية له بشدة.

وكان فولتير متهوراً، فعندما خسرت مدام دو شاتليه مبالغ كبيرة على طاولة القمار الخاصة بالملكة، قال لها بالإنجليزية: "أنتِ تلعبين مع المحتالين"، وفُهمت العبارة، فاضطر للاختفاء في قصر ريفي ضيفاً عند دوقة مين في عام 1747.

وبسبب مرضه وإرهاقه من حياته المليئة بالقلق والاضطراب، اكتشف أخيراً الشكل الأدبي الذي يناسب طبعه الحيوي، فكتب حكاياته القصصية "رؤية بابوك" (1748) و"ميمنون" (1749)، واللتان تجادلان التفاؤل الفلسفي لغوتفريد فيلهلم لايبنتز وألكسندر بوب، و"زاديغ" (1747) وهي نوع من السيرة الذاتية الرمزية، فمثل فولتير، يعاني الحكيم البابلي زاديغ الاضطهاد، ويطارده سوء الحظ، وينتهي به المطاف بالشك في العناية الإلهية، كما كتب في عام 1752 "ميكروميغاس" التي تتناول صغر الإنسان مقارنة بالكون.

وكانت الأزمة الكبرى في حياته تقترب، ففي عام 1748 في كوميرسي، حيث انضم إلى بلاط ستانيسواف (ملك بولندا السابق)، اكتشف علاقة الحب بين مدام دو شاتليه والشاعر سانت لامبرت، وهي علاقة عاطفية انتهت بشكل مأساوي. وفي 10 سبتمبر/ أيلول من عام 1749، شهد وفاة هذه المرأة النادرة الذكاء أثناء الولادة، والتي كانت على مدى 15 عاماً مرشدة له ومستشارته، فعاد في حالة يأس إلى باريس حيث المنزل الذي عاشا فيه معا، فكان ينهض في الليل ويتجول في الظلام مناديا باسمها.

بعد وفاة مدام دو شاتليه، غادر إلى بروسيا بدعوة من فريدريك الأكبر، لكن إقامته هناك سرعان ما تحولت إلى سلسلة من الصدامات مع علماء البلاط ومع الملك نفسه، مما دفعه إلى الرحيل عام 1753 ليستقر أولا في جنيف في سويسرا، ثم في قريته الشهيرة "فيرني" قرب الحدود السويسرية.

وفي فيرني، عاش حياة شبه مستقلة عن السلطة الفرنسية، وتحوّل منزله هناك إلى ملتقى للفلاسفة والمفكرين والهاربين من الاضطهاد الديني حيث أصبح أشبه بمركز ثقافي قبل وجود مفهوم المراكز الثقافية الحديثة.

وفي تلك المرحلة، كان يكتب رسائل يومية تقريبا يناقش فيها السياسة والدين والفلسفة والتاريخ، ويصف بعض الباحثين تلك المرحلة بأنها العصر الذهبي لفولتير، لأنه كان حراً لأول مرة من أي رقابة مباشرة.

وخلال العقود التالية حتى وفاته عام 1778، كتب فولتير أهم أعماله الفلسفية والتاريخية، من بينها "كانديد"، و"القاموس الفلسفي"، وتوغل في كتابة التاريخ العالمي من عهد لويس الرابع عشر إلى عصر بطرس الأكبر، لكنه اشتهر أكثر بنضاله ضد الظلم والتعصب، إذ قاد حملات كبرى لإنصاف ضحايا الاضطهاد الديني مثل عائلة كالاس وسيرفَن، ليصبح في نظر الأوروبيين "ضمير عصر التنوير" بحق.

الوفاة والإرث

عندما عاد فولتير إلى باريس في عام 1778 بعد غيابٍ دام نحو 28 عاما، استقبله الناس استقبال الأبطال حيث امتلأت الشوارع بالمحتفلين، وظهرت عربة فولتير محاطة بجماهير تصفق له كأنه بطل سياسي لا مجرد كاتب.

لكن هذه العودة كانت قصيرة، إذ توفي بعد أشهر قليلة في 30 مايو/ آيار من عام 1778، وقد رفضت الكنيسة دفنه في مقابر باريس بسبب مواقفه من رجال الدين، فدُفن مؤقتاً خارج المدينة، ثم نقلت رفاته لاحقاً إلى "البانثيون"، حيث دُفن العظماء الذين ساهموا في تشكيل الوعي الفرنسي.

من خلال المسرحيات والروايات والمقالات والرسائل، قدّم فولتير رؤية فلسفية واضحة تقوم على العقلانية ورفض الخرافة، وعلى ضرورة الفصل بين السلطة الدينية والسياسية، وعلى إعلاء قيمة التسامح.

وتصف دائرة المعارف البريطانية فولتير بأنه لم يكن يبحث عن الحقيقة الفلسفية المطلقة بقدر ما كان يبحث عن الدفاع عن الإنسان العادي، فقد كان يعتبر الحرية مسألة مركزية، وكتب مراراً أن حرية التعبير هي أساس كل الحريات، وأن المجتمع الذي يخاف فيه الناس من الكلام هو مجتمع مهدد بالانهيار.

كما كان يدعو إلى إصلاح القضاء ويرفض العقوبات الوحشية التي كانت سائدة في عصره، وتُعد قضية "كالاس" أحد أبرز المواقف العملية لفولتير، فقد اتُهم جان كالاس، وهو بروتستانتي فرنسي، بقتل ابنه لمنعه من اعتناق الكاثوليكية، وحُكم عليه بالإعدام ظلما، وأثارت القضية غضب فولتير، فخاض حملة شرسة استمرت 3 سنوات، كتب خلالها عشرات الرسائل والمقالات التي فضحت التعصب الديني وسوء نظام القضاء، وانتهت الحملة بإعادة فتح القضية وتبرئة الأب لكن بعد وفاته.

ويمتد إرث فولتير اليوم إلى كل حديث عن حرية التعبير، وعن ضرورة حماية الفرد من سلطة الدولة أو سلطة الدين حين تتحولان إلى أدوات قمع، وبهذا المعنى، فإن إرث فولتير لم يكن مجرد أعمال أدبية أو رسائل نقدية، بل روحاً من الشجاعة العقلانية التي مهدت لثورات وتحوّلات كبرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وتقول دائرة المعارف البريطانية إنه على الرغم من أن عدداً قليلاً فقط من أعماله لا يزال يُقرأ اليوم، فإنه ما يزال يحتفظ بسمعة عالمية بوصفه مناضلاً شجاعاً ضد الطغيان والتعصب والقسوة، ومن خلال قدرته النقدية وروحه الساخرة وحسّه الفكاهي، نشر فولتير بقوة فكرة التقدم التي ظلّت الشعوب من مختلف الأمم تتجاوب معها، وقد امتدت حياته الطويلة عبر السنوات الأخيرة من العصر الكلاسيكي وحتى عشية العصر الثوري، وفي هذا الزمن الانتقالي أثرت أعماله وأنشطته في المسار الذي اتخذته الحضارة الأوروبية.

***

وليد بدران

عن موقع بي بي سي نيوز عربي ليوم: 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025

خلال شهر واحد فقط صدرت عدة مؤلفات عن القرآن الكريم والنبي العظيم

السؤال المطروح مباشرة هو التالي: هل ستنور باريس العالم العربي في القرن الحادي والعشرين مثلما نورت أوروبا وروسيا في القرن الثامن عشر؟ هل سيعود فولتير ويهزم الظلام والظلاميين مرة أخرى ولكن ضد الأصولية الإسلامية هذه المرة لا ضد الأصولية المسيحية التي أجهز عليها؟ أمر غير مستبعد على الإطلاق بل محتمل جداً. والدليل على ذلك صدور كل هذه الكتب الجديدة عن تراثنا العربي الإسلامي الكبير في عاصمة النور والأنوار. فخلال شهر واحد فقط أو شهرين صدرت عدة مؤلفات عن القرآن الكريم والنبي العظيم. نذكر من بينها كتاب الباحثة الشهيرة جاكلين شابي الذي صدر قبل أسبوعين فقط بعنوان: «قرآن الأنوار».

وهل هناك أجمل من هذا العنوان الخالد. عم يتحدث هذا الكتاب المهم؟ بالمختصر المفيد عن التفسير التاريخي والأنثربولوجي والعلمي الحديث للقرآن. وهو مختلف كلياً عن التفسير الأصولي الظلامي الذي يعمي البصر والبصيرة. يكفي. ليكف التراثيون والتقليديون عن إتحافنا بالمزيد من الثرثرات المكرورة والخرافات المجترة على شاشات التلفزيون.

ولكن المشكلة هي أن هذا التفسير التاريخي والفلسفي التنويري الجديد لكتاب الله مجهول كلياً عندنا. كل شيء يحصل كما لو أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم العربي حتى إشعار آخر. وأكبر دليل على ذلك هيمنة القوى الأصولية والظلامية على الساحة من أقصاها إلى أقصاها إلا بعض بقع الضوء هنا أو هناك. الدليل على ذلك هو أن التفاسير التقليدية العتيقة البالية لا تزال تهيمن على البيوت والشوارع والمكتبات وحتى الجامعات. ومعلوم أن هذه التفاسير التقليدية عاجزة عن إضاءة معاني النص الأعظم على عكس التفاسير الحديثة التي تقدمها لنا ليس فقط هذه المؤلفة الشهيرة، وإنما باحثون آخرون أيضاً.

تقول لنا المؤلفة ما فحواه: الكثيرون يعتقدون أنه يكفي أن نقرأ القرآن بشكل سطحي سريع لكي نعتقد أننا فهمناه. ولكن هذا وهم كبير. وذلك لأنه توجد فيه معان عميقة تستغلق على أفهامنا وعقولنا. وتالياً لا ينبغي الاكتفاء بالتفاسير السطحية التي أكل عليها الدهر وشرب. ماذا ينبغي أن نفعل لكي نفهم القرآن الكريم على حقيقته؟ عن هذا السؤال تجيب المؤلفة قائلة: ينبغي أولاً أن نفهم السياق التاريخي الكبير الذي ظهر فيه القرآن لأول مرة: أي الجزيرة العربية والقرن السابع الميلادي ومنطقة الحجاز بوجه خاص. ينبغي أن ندرسها دراسة علمية استقصائية ونتموضع في لحظتها التاريخية قبل 1447 سنة. وذلك لأن معطياتها وحيثياتها تنعكس على القرآن بشكل أو بآخر لمن يعرف كيف يقرأ بين السطور أو فيما وراء السطور. ومن ثمّ ففهم السياق التاريخي الذي أحاط بظهوره وكل الثقافات والعقائد التي كانت سائدة في عصره هو الذي يكشف لنا عن سر القرآن، عن معنى القرآن، عن فحوى القرآن. وهذا ما نص عليه القرآن ذاته عندما قال: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» (إبراهيم، 4). القرآن عربي وقد نزل في بيئة معينة وزمن معين. وينبغي أن نأخذ كل ذلك بعين الاعتبار إذا ما أردنا أن نفهمه على حقيقته. ما نحتاج إليه الآن إذن هو تفسير تاريخي محض لأحد النصوص الدينية الكبرى للبشرية.

ما نحتاج إليه هو قراءة تاريخية وفلسفية معمقة لا قراءة لاهوتية تقليدية ولا آيديولوجية ديماغوغية كما هو سائد لدى الأصوليين وجماعات الإسلام السياسي المستلبين عقلياً وفكرياً والغاطسين كلياً في غياهب العصور الوسطى وظلامياتها، كسيد قطب مثلاً. ما نحتاج إليه هو قراءة علمية تنير الأبصار بدلاً من أن تعميها.

بمعنى آخر «بحياتنا كلها لم نقرأ القرآن» أو لم نفهم القرآن على حقيقته، كما يقول لنا الباحث التونسي المعروف يوسف الصديق. وهذا يعني أن القراءة القروسطية اللاتاريخية القديمة غير القراءة العلمية والفلسفية والتاريخية الحديثة التي تنفذ إلى أعماق الأشياء. هذه بدهية. هذا تحصيل حاصل. ولكن متى سنفهم ذلك؟ متى ستفهم جماهير الأمة ذلك؟ بل متى سيفهم المثقفون العرب أنفسهم ذلك؟ هذا هو السؤال. بمعنى آخر متى سننتقل من مرحلة الطفولة العقلية إلى مرحلة النضج الفكري وسن الرشد، كما يقول لنا كبير فلاسفة الأنوار في أوروبا إيمانويل كانط في تعريفه للأنوار؟ بعد أن طبقت أوروبا المنهجية التاريخية - النقدية على الإنجيل فهمته على حقيقته وتحررت من الخرافات والأوهام. وانتقلت من مرحلة الأصولية المسيحية القروسطية إلى مرحلة المسيحية الحداثية الليبرالية. بعدئذ استنارت الشعوب المسيحية في أوروبا ولكن ليس قبل ذلك. هذه النقلة الكبرى لم تحصل عندنا حتى الآن. من هنا سر عذابنا وتخبطنا. ومن ثمّ فالسؤال المطروح هو التالي: متى سنفهم تراثنا المقدس بشكل صحيح لأول مرة في التاريخ كما فعلوا هم بدءاً من القرن الثامن عشر بالنسبة لتراثهم المسيحي؟ متى سنرتفع إلى مستوى تراثنا الديني العظيم؟ متى سنخدمه بالدراسات العلمية والفلسفية وليس بالقراءات الاستلابية الديماغوغية الغوغائية. هذا هو التحدي الأكبر المطروح علينا في السنوات المقبلة.

وإياكم ثم إياكم أن تنسوا ذلك الكتاب الموسوعي الضخم الصادر في (2186) صفحة بعنوان: «النبي محمد في مرآة المؤرخين العالميين الكبار». وهو كتاب ساهم فيه ما لا يقل عن خمسين باحثاً أكاديمياً متخصصاً في الدراسات العربية والإسلامية. وهؤلاء يعتقدون أن سيدنا محمد هو أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على تاريخ البشرية.

وهو بالنسبة لنا خير الورى وأعظم شخص ظهر على وجه الأرض. ولكن المصيبة أو الكارثة أو البلية البلياء التي نكبنا بها مؤخراً هي أن بعض المتطرفين الضالين الذين انحرفوا عن النهج القويم لا يزالون مصرين على أن ينسبوا أنفسهم إليه زوراً وبهتاناً. لا يزالون يضربون بسيفه ويتحدثون باسمه على الرغم من أنهم شوهوا صورة الإسلام عالمياً بفظائعهم وتفجيراتهم وتكفيراتهم. لا يزالون يزعمون أنهم هم الإسلام ولا يوجد تفسير آخر للإسلام غير تفسيرهم ولا مفهوم آخر غير مفهومهم. فما حقيقة الأمر يا ترى؟ هذا ما يجلوه لنا هذا الكتاب الجماعي الموسوعي الضخم. هذا ما يحاول تسليط الأضواء عليه من كل الجهات. من هنا أهميته الكبرى.

لقد حل لنا مشكلة السر الأكبر الذي يؤرقنا بل ويؤرق كل مثقفي العالم حالياً، لأن مشكلتنا لم تعد مشكلتنا فقط، وإنما أصبحت بحجم العالم. لقد حل لنا مشكلة اللغز الأعظم، لغز الألغاز، الذي طالما حير العقول. فمن سيترجم هذا الكتاب الموسوعي الضخم الصادر قبل أسبوعين أو ثلاثة في باريس، أو قل من سيتجرأ على ترجمته؟ هذا هو السؤال. أخشى ما أخشاه أن يسبقنا جيراننا الأتراك والإيرانيون إلى ذلك. وذلك لأنه توجد حلقات تنويرية ضخمة في أنقرة وإسطنبول وطهران ذاتها. إردوغان والخامنئي ليسا كل شيء. لا تغرنكم المظاهر السطحية. وراء الأكمة ما وراءها. إني لألمح خلف الغيم طوفانا... ولكن العرب هم الأولى بقصب السبق في هذا المجال لأنهم أصل الإسلام والقرآن. النبي عربي والقرآن عربي. والجزيرة العربية هي مهبط الوحي وقدس الأقداس مع الحرمين الشريفين. أقول ذلك دون أي نزعة شوفينية بغيضة. وذلك لأن الحديث النبوي ذاته يقول لنا: لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

ولكن للأسف لا تزال هذه الثورة المعرفية الكبرى التي تحصل حالياً في باريس وبقية العواصم الأوروبية محصورة في نطاق الثقافة الأكاديمية العليا لكبار بحّاثة الغرب وجامعات الغرب ولغات الغرب من فرنسية وإنجليزية وألمانية، إلخ. هذه الكشوفات عن تراث الإسلام الكبير وشخصية مؤسسه الأعظم لا تزال مجهولة أو متجاهلة من قبل اللغات الإسلامية الأساسية كالعربية والكردية والتركية والفارسية والأوردو الباكستانية، إلخ. هذه اللغات الأساسية مدعوة لاحتضان التنوير الديني والفلسفي يوماً ما. لا ينبغي أن تظل لغاتنا وشعوبنا خاضعة أبدياً للأفكار الظلامية وبرامج التعليم التكفيرية المهيمنة منذ مئات السنين. هنا يكمن التحدي الأكبر الذي يواجهنا حالياً. لم يدخل العالم الإسلامي التاريخ بعد. ولن يدخله قبل أن يخوض أكبر معركة – وأخطر معركة – مع ذاته التراثية العميقة.

ولا تنسوا مشروع «القرآن الأوروبي» الممول من قبل الاتحاد الأوروبي، وبالتحديد من قبل مجلس أوروبا للدراسات العليا والبحوث العلمية. هذا المشروع يطرح السؤال التالي: كيف ساهم الكتاب المقدس للإسلام في تكوين الفكر الأوروبي؟ كيف قرأه الأوروبيون وفهموه أو لم يفهموه منذ العصور الوسطى وحتى مطلع الحداثة؟ فمن الواضح أن قراءة العصور الوسطى كانت عدائية وجاهلة بحقيقة القرآن والإسلام في معظمها. ولكن الموقف تغير لاحقاً في عصر التنوير إبان القرن الثامن عشر. ففلاسفة الأنوار الكبار رأوا في القرآن الكريم احتفالاً عظيماً بالعقل والعقلانية والبصائر الأنوارية.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 19 نوفمبر 2025 م ـ 29 جمادي الأول 1447 هـ

التفكير لغة تأمل وتدبر ونظر، والمفكر مَنْ جعل عادته التفكير، وجعل من القلم وسيلة لتقييد تأملاته وتدبّراته ونظره وتقليب أوجه النظر في المسائل بمفارقتها وإشكالياتها ومغابنها المعتمة. فأي تفكير لأي مفكر؟

لا يختص التفكير بفئة من النّاس، فالجميع يفكر، وكلما عظمت تجارب الإنسان واتسعت معرفته كلما دقّ تفكيره وأصاب المرمى. والحكيم ذو التّجربة يكون دوماً مطلوباً للاستشارة وتقديم أوجه الحلول عندما تتشابك الطّرق ولا تعرف وجهة المقصد، إنها حياة الحكماء عبر التاريخ في المدن القديمة والبوادي القاصية، وقد كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، نموذجاً حيّاً لهذا الضرب من الحكماء، وكانت حكمته الثرّة والغزيرة مهاد التفكير النّاضج في إمارات الخير.

ومن ثم فلا يخلو تجمع إنساني من شخص، أو أشخاص يفكرون له وبه ومعه. وقديماً اعتبر ابن رشد أن المدينة الإسلامية يجب ألا تخلو من فقيه مجتهد وفيلسوف، فيلسوف يقدّم للنّخبة من المدينة الأطر النظرية والعملية التي تشرف بهم نحو السّعادة المدنية، ومجتهد يقدم للجمهور الأطر العقدية والأحكام الفقهية، الظّاهرة والباطنة، التي تهديهم سعادتي الدّنيا والآخرة.

ولا يزال مجتمعنا الحديث بحاجة إلى هذه المثُل البشرية لما تتميز به من عمق فهم للحاضر واستشراف بصير للمستقبل. يمتاز عالمنا المعاصر بكثير من الغبش في الرؤيا، فالأفكار تتداخل فيه وتضطرب، والأحداث تتمازج فيه وتتموج، والخطوب فيه تدلهمّ وتتناسل، مما يجعل الحاجة إلى الفهم حاجة ضرورية وماسة من أجل فعل رشيد وقول سديد، وهل هناك أفضل من الفيلسوف والمفكر والفقيه المتنوّر المجتهد من أن يقدم المصباح المنير، لأن أهم خاصية تتميز بها هذه النّماذج الثلاثة هي «اتخاذ مسافة» من الأحداث كانت واقعية أو فكرية، إنها ليست مسافة مكانية مِلاكُها عزلةٌ وتعال، إنها مسافة اعتبارية كان فيثاغورس هو أول من قعّدها عندما شبّه الحياة بالألعاب الرياضية الأولمبية وجعل القاصدين إليها ثلاثة أصناف من البشر، صنفٌ للّعب والفوز، وصنفٌ للتّجارة والربح، وصنفٌ آخر يذهب فقط للمشاهدة والفهم، وهذا هو المفكر الفيلسوف، يَقصُر نظرَه على التّأمل ليجعل المبهم واضحاً، والغامض منكشفاً، في فضاء واسع هو فضاء الممكن.

إن المفكر هو زرقاء يمامة أمَّته، يُبشر ويُنذر، يُبدع ويُلهم، وهو صمّام أمنها من كل قبح ذميم ومن كل غلوّ مقيت. إنّ «غفوة العقل تنتج وحوشاً»، كما عنون الرسّام الإسباني «غويا» إحدى لوحاته، ولا تحصين فكري أنفع من تفكير سديد، ولا مناعة فكرية أجدى من مفكر يصدُق مدينتَه.

بالتفكير تتحرر النّفس من الأفكار الخاطئة، على مذهب ديكارت، وبفعل التفكير يرتبط المفكر بالحاضر حرصاً على فهمه والإمساك بدلالاته، ومن هنا يقوم العقل برحلة نحو عوالمه المجهولة انطلاقاً من عوالم له معلومة، ويتّخذ العقل من التأمّل والتدبّر والنّظر أجنحته في هذه الرحلة الممتعة، وهو بذلك وثيق الصلة بالفلسفة، أو ليست الفلسفة في عمقها سوى متعة تفكير، وبحث عما يجلب السّعادة، ما دام المفكر مهووس بما يمور في حاضره، وحريصاً على فهمه وسبر أغوار معناه من أجل «لذة عيش»؟

لا جرم أن للتّعليم دوراً كبيراً في التّوجيه إلى الفكر وتوليده في نفوس النّاشئة، لتحقيق مناعتهم الفكرية بتمكينهم من الأدوات التي يميزون بها الصواب من الخطأ، ولا يتم ذلك إلا بالتّرغيب فيه أولاً، وبتعليمهم المناقشة وفن القول، على مذهب سقراط، ثانياً. فإن يكون الإنسان إنساناً يعني أن يكون مفكراً، والتفكير والإرادة لا ينفصلان، وليس هناك من وسيلة لتقوية الصلة بينهما سوى التعليم الفلسفي النّاضج الهادف.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 14 نوفمبر 2025:20

في فضاءٍ ثقافيٍّ كان يضيق بالسؤال، تبرز «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّ يوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَه الأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليست هذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، من كونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى. لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علم للتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذا الطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاج المعنى لا خصماً في جدله.2129 refaei

في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعي الفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل من الشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوف الحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيد بناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذا تصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بين الإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً» قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.

 إنّ ما يميّز هذا المشروع أنه لا يترجم النصوصَ بقدر ما يترجم الوعيَ نفسَه. فالترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيه المفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلك تتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريف الدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلب التجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.

ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعاد تعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لا كعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بين الله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرة الله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرار النص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.

إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيد فيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلاد عقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّ جديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداً من القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربي قدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 11 نوفمبر 2025 22:41

لم يعد خطاب السعادة القديم فعّالاً في المجال النظري، ثمة تحديات تواجه هذا المفهوم وبخاصةٍ بعد سكنى البشرية للسوشال ميديا وانتصار التباعد البشري على التواصل الواقعي.

لقد زاد الشعور بالوحدة والتعاسة، وبالأرقام فإن حالات الاكتئاب والقلق والهم تضاعفت وبشكلٍ مدمّر خلال العقدين الأخيرين، ومعضلة الحكمة الحياتية أن الوصول إليها يتطلّب خوض التجربة، والتجربة تحتاج إلى زمن وعمر، ومعظم الحكم الكبرى وصل إليها الناس في أواخر سنينهم، ولكن من عيوب البشر أنهم لا يستفيدون من الحكم المطروحة ممن سبقهم إلا بعد ضياع العمر.

حين نقلّب سيرة فيلسوف مثل برتراند راسل الإنجليزي الذي عاش قرناً كاملاً شهد فيه الحروب والفظاعات، هذا على المستوى السياسي، فضلاً عن تجربته الشخصية، حيث نجا من الموت بأعجوبة بعد أن تحطّمت به الطائرة حين نتأملها نعثر على حكمٍ مذهلةٍ وحياةٍ صاخبةٍ، وآراء مدهشة.

يصرّ في كتاباته على توريث الأجيال بعض دروس الحياة، فهو بقدر ما مرّ بظروف شقاءٍ ومنها السجن، إلا أنه آمن بالحياة السعيدة واعتبر نفسه محظوظاً بأنه عاش حياة السعادة حتى مع الشيخوخة.

حين سُئل: «ماهي السعادة؟» اختصرها في التالي: الصحة، وتوفّر الوسائل الضرورية للتحصّن من الحاجة، وعلاقات جيدةٍ مع الآخرين، ومن ثمّ النجاح بالعمل.

الخطر الأساسي للتعاسة بحسب «راسل» مقارنة الإنسان لنفسه بالآخرين، من هنا تبدأ المشكلة، هذه المقارنة تقود بالضرورة إلى مرضٍ عضال هو الحسد وقد خصّص عنه كتاباتٍ عديدة وكان مهموماً بهذا المعنى في كل كتاباته حول الحياة والسعادة، ويعتبره العائق الأساسي أمام الفرد لكي يعيش حياته بشكلٍ طبيعي.

يرى راسل أن: «الحسد يتسبب في شقاء الكثير من الناس، أفكّر مثلاً بالرسّام هايدون، الذي لم يكن رساماً جيداً لكن كان بودّه أن يكون كذلك، في مذكراته يمكننا أن نقرأ الجملة التالية: لقد قضيتُ صبيحةً شقية في مقارنة نفسي برافائيل».

راسل الذي ألّف كتابه «الفوز بالسعادة» يعتبر الحيويّة الدنيويّة والانسجام مع الانتظام الاجتماعي، والقدرة على خلق أفكار وأعمال تعبّر عن حضور الذات أساسي للوصول نحو المبتغى الذي يسعى إليه كل البشر، وهو الظفر بحياةٍ سعيدة.

ببساطة معيار السعادة عند راسل «أن لا تكون تعيساً»، لقد طرحت التقنيات الحديثة تحدياتٍ جمة وكبيرة على البشرية، صار الإنسان لا يعرف ماذا لديه، وإنما يقضي كل وقته في النظر بالأمر الذي يصل إليه.

الخلاصة، أن الحياة السوشليّة ليست حقيقيّة، وليست الهدف المنشود للفرد في المجال العام، إن الإنسان الطبيعي هو الذي يعيش بصحةٍ وتكيّف اجتماعي وتجارب عمليّة، وإنجازات شخصية، إن ما كتبه راسل من حكم يعبّر عن تجربةٍ مؤصلةٍ عمرها قرن من الزمان، والأجيال الصاعدة لا بد أن نعلّمها بأن الحياة الطبيعية اليومية والتأقلم معها والتعامل بأخلاقٍ وقيمٍ مع الناس هي شرط للحيوية الدنيوية السعيدة.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

11 نوفمبر 2025 00:34

في مثل هذه الأيام قبل خمسين عاماً (نوفمبر 1975)، رحلت الفيلسوفة الألمانية المهاجرة إلى الولايات المتحدة حنة آرندت، وقد تركت أثراً مكيناً في الفكر السياسي العالمي.

ومع أن حنة آرندت تلقّت أساسَ تعليمها الفلسفي على يد أستاذها الأسطوري مارتن هايدغر في ألمانيا، إلا أنها اختلفت جذرياً في أعمالها النظرية عن طريقته في التفكير الفلسفي. كانت آرندت مشغولةً في الأساس بالسياسة أو بالنشاط العملي الذي اعتبرته موضوعاً غائباً في تاريخ الفلسفة المتمحور حول التأمل، والمهووس منذ أفلاطون إلى هايدغر بموضوع الموت. لقد رأت أن موضوع «الولادة» (natalis باللاتينية) هو المدخل الصحيح للنشاط العملي من حيث هو مادة الفعل السياسي، وتعني هذه العبارة بالنسبة لها قدرةَ البشر الدائمة على البدء في إنجاز أمور جديدة، بما يفسّر كون الوضع الإنساني غير قابل للتحديد والقولبة مسبقاً. وما دامت السياسة، حسب تعريف آرندت، هي «مجال الفعل الحر والبداية الجديدة»، فإن الولادةَ هي التي تمنح السياسةَ عمقَها الرمزي من حيث هي إبداعٌ متواصلٌ وقدرةٌ متجددةٌ على الحركة والنشاط وأملٌ دائمٌ بالتغيير ومبدأٌ لمقاومة الاستبداد والجمود.

في كتابها الأساسي «وضعية الإنسان»، تميز آرندت بين ثلاثة مستويات كبرى في الحياة العملية:

الشغل (labor) الذي هو وظيفة بيولوجية ضرورية لاستمرار الإنسان، والعمل (work) الذي يحيل إلى اختراع الأشياء بشكل دائم، والفعل (action) الذي هو مجال التعددية والحرية، أي التفاعل الحي بين الأفراد الأحرار المتساوين في الدائرة العمومية. والفعل بالنسبة لـ «آرندت» هو أعلى هذه الأنشطة مستوىً، وهو يختلف عن التقنية والعمل اليدوي والفني بكونه ينتج المعنى ويفسح الطريقَ للتداول اللغوي والبرهاني الحر.

 لقد لاحظت حنة آرندت أن الحداثةَ ألغت الفعلَ واستبدلته بالشغل والاستهلاك وعوّضت السياسةَ بالتسيير والاقتصاد، واختزلت الإنسانَ في الحيوان الكادح الذي تتركّز إرادته في تحقيق مصالحه البيولوجية الضرورية. وفي هذا الباب، تتحدث آرندت عن «ضياع العالم المشترك» في المجتمعات الحديثة، باعتبار أن البشر لم يعودوا يعيشون في عالم يشتركون فيه، وأصبحت حقوقهم وتطلعاتهم محصورةً في الدوائر الخاصة التي هي عالم التقانة والأشياء المصنوعة.

لقد عُرفت حنة آرندت بأعمالها الرائدة حول ظاهرة «التوتاليتارية» التي نشأت عن تفكك العالَم المشترك، بحيث أصبح الأفراد معزولين ومعرَّضين لتكييف الوعي وضبط الضمير. ليست التوتاليتارية امتداداً لحالة الاستبداد السياسي القديمة، بل هي وضعية غير مسبوقة في التاريخ، تتميز بنظام الهيمنة على البشر، أي السيطرة الكلية عليهم، ليس فقط عن طريق القمع والتنكيل، وإنما أيضاً من خلال التحكم النفسي والأخلاقي والروحي.

 في كتابها «أصول التوتاليتارية» تقف حنة آرندت عند ظاهرتين أساسيتين تدخلان في هذا المفهوم، هما النازية والستالينية، وهما على اختلافهما تتفقان في نظام الهيمنة والسيطرة المسلَّط على الوعي والشعور من خلال التعبئة الأيديولوجية والقولبة الإدراكية والمعرفية.

لقد خصصت حنة آرندت دراساتٍ كثيفةً لتجارب الثورات الحديثة التي هي مستجدات خاصة بالعصور الأخيرة، من خلال المقارنة بين الثورات الفرنسية والأميركية والسوفييتية.

وبالنسبة لحنة آرندت، فقد نجحت الثورة الأميركية في تأسيس نظام سياسي ناجع قائم على التداول العمومي والمواطَنة الفاعلة في سياق تجسيد مثال الحرية في أبعادها الذاتية والحقوقية، بينما فشلت الثورة الفرنسية في تحقيق هذه النتيجة لكونها اتجهت مبكراً نحو المسألة الاجتماعية وليس المطلب السياسي، فاتسمت بالعنف والراديكالية وأخفقت في بناء مؤسسات عمومية مستقرة ورصينة. أما في الاتحاد السوفييتي فانهار مثالُ الحرية جراء سيطرة الحزب الواحد والهيمنة الأيديولوجية على المجتمع، وسرعان ما تحولت الثورة السياسية إلى ثورة اجتماعية هادفة إلى القضاء على العلاقات الطبقية عن طريق القوة والعنف.

لم تُقْرأ حنة آرندت جيداً في الفكر العربي، وظل الاهتمام بها محصوراً في أعمالها حول تاريخ الفكر السياسي الغربي، التي لا يمكن فهمها واستيعابها إلا في نطاق مشروعها الفلسفي المتكامل. بعض الكتّاب قرؤوها من زاوية نقد الليبرالية والحداثة، رغم أن مشروعها يتمحور بالكامل حول الحرية والتداول ضمن عالم مشترك تعددي. وبعضهم اكتفى بنقدها الجذري للتجارب الاشتراكية، في حقبة سيطرتْ خلالها على الأيديولوجيا السياسية العربية أفكارُ الثورة الاجتماعية.

وهكذا ظلت أعمال حنة آرندت، وإلى حدٍّ بعيد، مجهولةً عربياً، رغم أهميتها الفائقة في الفلسفة المعاصرة. وقد كتب لها مرة أستاذها هايدغر الذي تعلقت به عاطفياً في شبابها: «لقد فتحتِ بابَ التفكير في ما تركتُه في الظل: العالَمُ المشترك بين البشر».

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

10 نوفمبر 2025 00:51

(1)

في شبابِه، كانَ الاقتصاديُّ والكاتبُ توماس سويل ماركسياً. وعلَى الرغم من أنَّه دَرَسَ على يدِ المفكرِ الاقتصاديّ ملتون فريدمان، أحدِ أكبرِ المدافعين عن الرأسماليةِ والتجارة الحرة، فإنّه لم يتخلَّ عن رؤيته الماركسية للاقتصاد والحياة. في وقت لاحق، وبعد أن عملَ في الحكومة لفترة، تحوّل هذا الإيمان العميق بماركس إلى تفكير حر. كفر بالماركسية واعتنق الرأسمالية. أصبح من أكبر دعاة الحرية التجارية، وعدواً للاشتراكية والسياسات الاقتصادية الشعبوية. سويل ليس عقلاً اقتصادياً فقط، بل مفكر واسع المعرفة، وصاحب حسّ ساخر وشخصية صريحة. لديه القدرة على جعلك ترى الأشياءَ من زوايا أخرى. وكتابه «الثروة والفقر والسياسة» يُعدّ مثالاً واضحاً على مزيج المعرفة والبصيرة.

يقول سويل، في كتابه، إنه من الخطأ أن نسألَ عن الفقر ولماذا يوجد الفقراء، لأنّ الفقر هو الحالة الأصلية للإنسان عبر التاريخ. فطوال ملايين السنين كان الفقر هو الوضعَ الطبيعي، وكانت الحياة قائمة على الكفاف. لذا، فالسؤال الأصح هو: كيف ظهرتِ الثروة؟ ما الذي حدث وجعل جماعةً معينة تتجاوز الفقر واقتصاد البقاء اليومي إلى اقتصاد الفائض والإنتاج والتجارة؟

من هنا يشرح سويل فكرته الرئيسية بأن الثروة ليست المالَ ولا الموارد الطبيعية، بل المعرفة المتراكمة. معرفة تتجلَّى في عادات العمل والأخلاق، وتتحول إلى شكل من أشكال الوعي الجمعي. يقول سويل إن الثروات الطبيعية قد تكون نعمة أو نقمة، لكن الثروة الحقيقية ليست المال، بل القدرة على إنتاجه باستمرار.

قديماً، كان العالم كله غارقاً في الفقر. البشرية كانت تعيش في مستوى متقارب من الحرمان في الشرق والغرب والشمال والجنوب. لا يوجد عالم متقدم وآخر متخلف؛ الكل في الفقر سواء. لم تتفوّق جينات عرق على آخر، وإنما البيئات التي سمحت بتراكم المعرفة ونقلها من جيل إلى آخر هي التي خلقت التفاوت بين جماعات غنية وفقيرة، وبين دول قوية وضعيفة.

يتحدّث سويل عن دور الجغرافيا والمناخ والموارد، لكنّه لا يقصد أن البيئة تقرر القدر، بل إنها تصنع الفرص كما تفرض القيود. المناطق التي تملك أراضي قابلة للري تطوّر في الغالب الزراعة، وهذا يعني الاستقرار. في مثل هذه البيئات، تنشأ ثقافة تقسيم العمل، وتظهر الحرف المختلفة، وتتشكّل الطبقات الاجتماعية، وتُولد المؤسسات والدولة. أما المناطق التي تعتمد على الرعي أو الصيد أو التنقل الدائم فلا تسمح بتراكم الثروة ولا ببناء المؤسسات ولا بقيام الدولة. ومع مرور الزمن، يتّسع الفارق بين المجتمعين. فالمجتمع المستقر قادر على التعلم ومراكمة المعرفة، أمَّا المجتمع المتنقل فيبدأ من الصفر مع كل جيل.

ساعدت الجغرافيا أوروبا الشمالية، بفضل أنهارها الصالحة للملاحة، على ازدهار التجارة والتواصل، في حين أدّت الأنهار المتقطعة والغابات الكثيفة في أفريقيا إلى عزل المجتمعات بعضها عن بعض. هناك أيضاً الفروق الجغرافية بين أميركا الشمالية والجنوبية: الأولى تمتلك أنهاراً قصيرة لكنها منتظمة، مما ساعد على نشوء المواني والمدن المستقرة، أما الأخرى فواجهت تضاريس معقّدة وسواحل وعرة عاقت التواصل.

لكنَّ سويل لا يقع في فخّ التفسير الجغرافي. فكرته أنَّ الجغرافيا تمنح أو تقلل فرصَ التواصل والتبادل، لكنَّها ليست العاملَ الحاسم. فهي تمنح البداية، لا النهاية. هناك مجتمعاتٌ عاشت في ظروف جغرافية قاسية، لكنَّها استطاعت أن تتخطَّى الفقر وتؤسس معرفةً تراكمية قادتها إلى الازدهار. هنا يدخل سويل إلى المفهوم الأكثر عمقاً في تحليله: الثقافة الاقتصادية.

يُقصد بها الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الوقت والمستقبل وقيمة العمل. فهناك مجتمعات ترى العمل قيمة في ذاته، وأخرى تعدّه حاجة مؤقتة. هناك من ينظر إلى المستقبل بوصفه شيئاً يستحق التخطيط والاستعداد، وآخرون يرونه غامضاً إلى درجة لا تستحق الجهد من أجل الغد.

حتى في مسألة الوقت، ثمة من يتعامل معه بوصفه مورداً إنتاجياً ثميناً، فتتكوّن لديه ثقافةُ الانضباط والتزام المواعيد، وثمة من يتعامل معه بتراخٍ، فيتحول التسويفُ والتأجيل إلى عادة. هذه التفاصيل الصغيرة، كما يصفها سويل، تتحوَّل مع الزمن إلى بنية ثقافية واقتصادية تميز المجتمعات الناجحة عن غيرها.

يقدّم سويل مثالاً لما يسميه الثروة الكاذبة: فالثروات الطبيعية لا تضمن الازدهار. نيجيريا، مثلاً، تملك النفط والغازَ وموارد هائلة، لكنَّ الفسادَ والاعتماد على الريع جعلاها فقيرة. في المقابل، اليابان التي لا تملك موارد طبيعية تقريباً أصبحت من أغنى دول العالم بفضل الإنتاج والمعرفة. الفارق أنَّ اليابان خلقت مؤسسات وثقافة لإنتاج المال، في حين نيجيريا تمتلك المال دون أن تملك ثقافته.

بهذا يؤكد سويل نظريته: المالُ ليس الثروة، بل القدرة على إنتاجه باستمرار. إنَّها المعرفة المتراكمة التي افتقدتها البشرية لآلاف السنوات.

***

(2)

تلعبُ الثقافة دوراً حاسماً في نجاح الأممِ وفشلها. فالثَّقافة، كما يقصدُها توماس سويل، ليست الفنونَ أو العادات أو الفلكلورَ الشعبي، بل الطبقة الأعمق من الوعي الجمعي، حيث تتكوّن العاداتُ الذهنيةُ والقراراتُ الصغيرةُ التي تحدّد السلوكَ اليومي للأفراد: كيف يفكّرون، كيف يدَّخرون، وكيف يروْن الغد. هذه القرارات الصغيرة، حين تتكرّر عبر الأجيال، تصنع عقلاً اقتصادياً يميّز أمةً عن أخرى.

يُطرح سؤالٌ متكرر: لماذَا تنجح جماعاتٌ صغيرةٌ بلا سلطة سياسية في السيطرة على قطاعاتِ التجارة والمصارف؟ يجيب سويل بأنَّ السَّببَ هو امتلاكها لما يسميه رأس المال الثقافي، أي القيم العملية مثل الانضباط، والتعليم، والادخار، واحترام الوقت. هذه القيم هي التي تشكّل الثروة الحقيقية، لأنَّها تخلق القدرةَ على الإنتاج المتواصل لا الاستهلاك العابر.

نرَى هذا بوضوح في الجماعات الصينية المنتشرة في آسيا. ففي سنغافورة وتايلند والفلبين وإندونيسيا، نجد أنَّ الصينيين يملكون معظمَ الثروة التجارية والمالية رغم كونهم أقلية. واليابان مثال آخر: بعد هزيمتها المدمّرة في الحرب العالمية الثانية، استطاعت خلال عقودٍ قصيرة أن تتحوَّل إلى قوة صناعية عالمية. لم يكن ذلكَ معجزةً، بل ثمرة ثقافة راسخة تقوم على الانضباط، والإتقان، والولاءِ للمؤسسة، والاحترام العميق للعمل الجماعي.

أمَّا اليهود، فتمثل تجربتهم مثالاً فريداً على كيفَ يمكن للثقافة أن تكونَ آلية للبقاء. فالتقاليدُ التي تمجد التعلمَ، وتربط الكرامة بالاستقلال المالي، جعلت منهم، رغمَ قلتهم، نخبةً مالية وعلمية في أوروبا وأميركا.

وبالطريقة نفسِها، تميَّزتِ الدولُ البروتستانتية في أوروبا - مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا - بنجاحها الاقتصاديّ مقارنةً بالدول الكاثوليكية المجاورة. السببُ في رأي سويل أنَّ البروتستانتية ركَّزت على الأخلاق العملية بدل الوعظ النظري، وعلى قيمة العمل والانضباط بدل الطقوس الدينية. كانَ العمل لديهم تعبيراً عن الإيمان لا عن العقاب، لذلك نشأت لديهم روح رأسمالية مبكرة.

ويقدّم سويل أمثلةً أخرى لتوضيح الفكرة نفسها. فالهنود، رغم كونهم أقليةً في شرق أفريقيا، أصبحوا محركاً أساسيّاً للاقتصاد بسبب التزامهم التجاريّ والعائليّ الصارم. أمَّا فيتنام، التي خرجت من عقود من الحروب المدمّرة، فقد حققت نموّاً اقتصادياً متسارعاً لأنَّها اعتمدت على أخلاقياتِ عمل قوية واحترام للجهد الفردي. كذلك تايوان وهونغ كونغ، اللتان تحولتَا رغم صغر مساحتِهما وندرة مواردهما إلى مركزين ماليين مزدهرين بفضل ثقافة الإنتاج لا بفضل تدخّل الدولة.

ويعود سويل إلى التاريخ الأوروبي ليضرب مثالاً بهولندا في القرن السابعَ عشر، التي كانت دولةً صغيرةً فقيرةً بالموارد لكنَّها أصبحت مركزاً ماليّاً عالميّاً لأنَّ الثقافة السائدة فيها كانت تُعلي من قيمة الثقة. النَّاس كانوا يلتزمون العقودَ والاتفاقات حتى من دون وجود سلطةٍ قاهرة، لأنَّ السمعة الاقتصادية كانت تمثل رأسَ مالٍ أثمن من الذهب. في الوقت نفسه، كانت إسبانيا والبرتغال تسبحان في الذهب القادم من العالم الجديد، لكنَّه أفسدهما بدل أن ينهضَ بهما. لم تستطيعَا بناء نظام اقتصاديّ منتج، لأنَّ الثروة جاءت بلا جهد، فتحوَّلت عبئاً ثقافيّاً جعل الناسَ يتعلّمون أنَّ الطريق القصير أفضل من الطويل، وأنَّ النفوذ يغني عن المهارة.

بهذا يخلص سويل إلى أنَّ الثروة ليست في الموارد، بل في المنظومة الثقافية التي تحكم علاقة الناس بالعمل والزمن والمستقبل. فالمجتمعات التي ترى في الجهد طريقاً طبيعياً للمكافأة تصنع تقدّمَها بنفسها، بينما تلك التي ترى في الثروة هبةً من الخارج تفقد الحافز على الإنتاج.

ويؤكد أنَّ الثقافة الاقتصادية لا تتغيَّر بالخطب والمواعظ الأخلاقية أو بالقوانين، بل حين يتغيّر الواقع الذي يعطيها معناها. فإذا كانتِ البيئة تكافئ الانضباطَ والإتقان، فستنتشر هذه القيم في المجتمع، أمَّا إذا كافأتِ الحيلة والمظلومية أو المحسوبية، فستسود ثقافة الارتجال والفساد والغش والاعتماد على العلاقات.

من هنا نفهم لماذَا تتفاوتِ الأمم رغم امتلاكها للموارد نفسها. فالثروة ليست كميةَ المال التي تملكها الدولة، بل نمط تفكيرها في العمل والزمن. اليابان وسويسرا وهولندا وألمانيا أمثلة لدول حوَّلت ثقافتها طاقةً إنتاجية، بينما دول أخرى تملك المال والموارد، لكنَّها تفتقد المنظومةَ العقلية التي تجعل المال قابلاً للزيادة والتكاثر.

***

(3)

يرى توماس سويل أنَّ الدولة ليست عدوّاً للثروة ولا صديقةً لها بطبيعتها، بل هي أداة يمكن أن تكونَ حاضنة للثروة أو مدمّرة لها، حسب مدى احترامها للقانون والمؤسسات. فحين توفّر الدولةُ بيئة مستقرة تحمي الملكية وتضمن العدالة وتكافئ الكفاءة، تصبح رافعةً وداعمة للثروة. أمَّا حين تضعف مؤسساتها، ويستشري فيها الفساد، وتتحوَّل مركزَ امتيازات، فإنَّها تقتل روحَ المبادرة وتخنق الخيال.

ويضرب سويل أمثلة حيّة من التاريخ الحديث:

الكوريتان الشمالية والجنوبية تمثلان مختبراً مثالياً لفكرته. فهما شعب واحد ولغة واحدة وثقافة مشتركة، لكن النظامين الاقتصاديين والسياسيين جعلا مصيرهما متناقضاً. كوريا الجنوبية تبنّت اقتصاد السوق والانفتاح، فأنشأت صناعة متقدمة وصادرات عالمية، بينما غرقت كوريا الشمالية في الفقر والمجاعة نتيجة لاقتصادها المركزي الموجّه.

الشيء نفسه حدث بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية. الأولى اعتمدت اقتصاد السوق وازدهرت بسرعة، بينما الأخرى، الخاضعة للنظام الاشتراكي، ظلت تعاني الركود والفقر حتى لحظة الوَحدة.

كذلك سنغافورة وغانا اللتان استقلّتا في الفترة نفسها تقريباً: سنغافورة، بفضل قيادة لي كوان يو، بنت دولة قانون وكفاءة وجودة، بينما غرقت غانا في الفساد والمحسوبية والشعبوية.

أما تجربة تشيلي، فتمثل مختبراً قاسياً لفكرة سويل عن العلاقة بين الحرية الاقتصادية والسياسية. في السبعينات، حاولت حكومة سلفادور أليندي تطبيق اشتراكية ديمقراطية من خلال تأميم المصانع والمصارف، ورفع الأجور وتجميد الأسعار باسم العدالة الاجتماعية. لكن خلال عامين فقط انهار الاقتصاد، وامتلأت الشوارع بالطوابير، واختفت السلع. بعد الانقلاب عام 1973، جاء نظام بينوشيه العسكري، الذي استعان بمجموعة من الاقتصاديين الشباب المتأثرين بمدرسة شيكاغو، ليقوم بإصلاحات جذرية: خصخصة الشركات، تحرير التجارة، تثبيت العملة، وتشجيع الادخار. في البداية كانت التكلفة باهظة، لكن خلال عقد واحد تحولت تشيلي واحدةً من أكثر الاقتصادات استقراراً في أميركا اللاتينية. يقول سويل: «الفقر لا يخلق الحرية، ولا العدالة تنمو على الأرض الخاوية. كان على تشيلي أن تختار أولاً أن تنجو، ثم تناقش شكل حريتها».

وفي المقابل، يقدم مثال كوبا التي مثلت النقيض التام. بعد ثورة كاسترو عام 1959، وعد النظام بعدالة اجتماعية مطلقة، وحقق إنجازات لافتة في التعليم والرعاية الصحية، لكنه صادَر الحوافز الفردية باسم المساواة. حينما يتقاضى العامل المجتهد والعامل الكسول الأجر ذاته، يختفي معنى الجهد، وتنهار روح العمل. يقول سويل: «هذه ليست مشكلة اقتصادية، بل مأساة أخلاقية. حين يُلغى التفاوت المشروع، يُقتل الطموح». خلال عقدين، أصبح الاقتصاد الكوبي يعتمد كلياً على دعم الاتحاد السوفياتي، وحين انهار الاتحاد في التسعينات، دخلت الجزيرة في مجاعة اقتصادية خانقة.

بهذه الأمثلة، يوضح سويل أن المشكلة ليست في وجود الدولة، بل في دورها. فالدولة التي تتحول من حكم محايد إلى طرف يمنح الامتيازات ويسحبها بناء على القربى والعلاقات، تغيّر طبيعة الثروة نفسها من نتيجة للعمل إلى نتاج للنفوذ. حينها يفقد العمل معناه، ويبدأ الناس في البحث عن الطرق المختصرة. في مثل هذه المجتمعات، يصبح الفساد ليس انحرافاً عن النظام، بل هو جزء منه.

ويقول سويل إن المجتمعات التي تُخنق فيها روح المنافسة تفقد أهم شرط لبناء الثروة: الثقة بالمستقبل. فحين لا يرى الفرد رابطاً بين الجهد والمكافأة، يختفي الحافز للإنتاج، ويتحوّل الاقتصاد دائرةً من الاعتماد والجمود. عند هذه النقطة، لا يعود الفقر مسألة موارد، بل مسألة خيال؛ فالثروة قبل أن تكون مصانع وبنوكاً هي جرأة على الفعل والمبادرة والتجديد.

ينتقد سويل أيضاً التفسير الآيديولوجي للفقر، سواء من اليسار أو اليمين.

اليسار يراه نتيجة ظلم بنيوي، وكأن الأغنياء لا يملكون إلا لأنهم سلبوا الآخرين. هذا التفسير يلغي الزمن والتراكم والمعرفة والعادات، ويختزل التاريخ في صراع ظالم ومظلوم. أما اليمين، فيفسر الفقر بالكسل أو ضعف الإرادة، متجاهلاً أن الأفراد يولدون داخل ثقافات ومؤسسات تصوغ رؤيتهم لأنفسهم وللجهد والمكافأة.

الفقر، في نظر سويل، ليس مؤامرة خارجية، بل نتيجة تفاعل معقد بين الثقافة والبيئة والدولة والتاريخ.

المشكلة أن السياسة، بدوافعها الانتخابية والشعبوية، تقدم دائماً وصفات سريعة تحت شعار «العدالة الاجتماعية» و«دعم الفقراء»، لكنها لا تمس الجذور. تعطي المال ولا تغيّر العقول. وهكذا يعود الفقر بعد كل دورة سياسية.

ويضرب مثالاً ببرنامج الحرب على الفقر في الولايات المتحدة الذي أطلقه الرئيس جونسون في الستينات. فقد أنفقت الحكومة مليارات الدولارات على الإعانات والسكن والرعاية الصحية والتعليم، لكن بعد عقدين، لم تختفِ الطبقة الفقيرة، بل ازدادت اعتماداً على الدولة. الدعم، كما يقول سويل، تحوّل إعاقةً: خلق طبقة واسعة تعيش على الإعانات بدل العمل. النوايا الطيبة لا تجلب بالضرورة النتائج الجيدة.

ويرى سويل أن المساعدات الدولية تسير في الاتجاه نفسه. فالهبات التي تقدمها الدول الغنية للدول الفقيرة لم تخرجها من فقرها، بل أضعفت قدرتها على الإصلاح الذاتي. فحين يحصل مجتمع على المال مجاناً، يتعلم الاعتماد لا الإنتاج.

فالمساعدات، حسب الكاتب، «تُبقي الفقراء على قيد الحياة، لكنها لا تخرجهم من الفقر».

الفقر، كما يراه، ليس نقصاً في المال، بل في الثقة بالزمن. الفقير الذي لا يثق بالغد لا يدخر ولا يستثمر. وإذا جاءت المساعدات لتسد الفجوة بين الجهد والنتيجة، فإنها تقتل الشرط النفسي لبناء الثروة: الإيمان بأن العمل والكد يغيّران الواقع.

من هنا، يدعو سويل إلى إعادة تعريف المساعدة: ليست تلك التي تمنح المال، بل التي تبني المؤسسات والتعليم والثقة بالمستقبل. فالثروة لا تُصنع بالمنح، بل بالقيم والمؤسسات التي تحفّز على الإنتاج.

ويلخص فكرته الأساسية بالقول: «لا توجد أمة محكوم عليها بالفقر. القوانين، والثقافة العملية، والمؤسسات القوية قابلة للتكرار».

الفقر هو الطبيعي عبر التاريخ البشري والخروج منه وتشكيل ثروة هو الأمر الجديد. من الخطأ السؤال: كيف تشكل الفقر؟ لكن الصحيح هو: كيف تشكلت وتولدت الثروة في مجتمعات بعينها؟ ليس عن طريق الإعانات ولا العدالة الوهمية ولا توزيع الثروة. كل هذه الحلول، رغم رومانسيتها، عقَّدت المشكلة بدل أن تحلها.

في النهاية، لا يرى توماس سويل أن الثروة لغز غامض أو هبة من السماء، بل نتيجة لمسار طويل من بناء المعرفة والعادات والمؤسسات. فالأمم التي نجحت لم تكن أغنى بالموارد، بل أذكى في التعامل معها، والأمم التي فشلت لم تكن أفقر بالضرورة، بل أضعف في بناء الثقة بين الجهد والمكافأة. لا يوجد تفوق عرقي وجيني. الأمم متساوية، ولكن الفرق أن بعضها عرف كيف يشكّل معرفة متراكمة، وأخرى لم تنجح وهو يقدم لها الطريقة الصحيحة حتى لو كانت صريحة أو حتى جارحة.

***

د. ممدوح المهيني

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية القسم الأول يوم: الثلاثاء - 14 جمادي الأول 1447 هـ - 4 نوفمبر 2025 م ,القسم الثاني يوم: الأربعاء - 15 جمادي الأول 1447 هـ - 5 نوفمبر 2025 م. والقسم الثالث، يوم: الخميس - 16 جمادي الأول 1447 هـ - 6 نوفمبر 2025 م

 

في المثقف اليوم