عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

تاريخ الفكر هو أكثر أنواع التاريخ تعبيرا عن الوجود الحقيقى للإنسان، لأنه تاريخ لا تتدخل فيه الإرادة. صاحب هذا الرأى هو الفيلسوف الألمانى مارتن هيدجر.

التاريخ فى العادة يهتم باستعادة أحداث مضت: حروب.. معاهدات.. تأسيس ممالك.. إصلاحات اقتصادية.. إلخ. خلف كل هذه الأحداث تكمن إرادات تدبرت وقررت وشرعت فى التنفيذ. تاريخ الفكر ليس فيه شىء من هذا. فعلى مستوى الفرد لا يختار المرء الأفكار التى سوف تشغل باله وتؤرقه فى الليل ويجول فيها خاطره عند التنزه. هكذا الحال مع الأمم. الموضوعات محل الجدل تفرض نفسها على الشعوب فرضا. ولهذا السبب أيضا نجد أن من الصعب القول إن تاريخ الفكر يتعرض للتزييف أو تمليه إرادة المنتصر.

هذا التاريخ يفسح مجالا كبيرا للتفاعل بين الثقافات والاهتمام بما يسمى نظريات التلقى أى دراسة هجرة الأفكار. فالفكرة حين تترك ثقافتها الحاضنة وتتدخل فى رحاب ثقافة أخرى يطرح عليها السياق الجديد وظيفة مختلفة عما كانت تقوم به فى سياقها الأصلى. والفكرة الوافدة وكذلك الفكرة الموروثة ليست أبدية. فقد نتلقى عبر صور مختلفة أفكارا كثيرة لا تنتمى لثقافتنا ولكن ليست كلها قابلة لأن تتفاعل تفاعلاَ خلاقا مع الثقافة التى تتلقى. هناك أفكار يجرى استقبالها بحماس وتتحول إلى مسار لجدل شعبى عام ثم يخبو بريقها شيئا فشيئا.

لكن هذه الأفكار فى النهاية لا ترد فارغة إذ تترك بصمتها الراسخة فى الواقع الذى دخلت إليه. تاريخ الفكر لا يهتم بمعرفة ما إذا كانت الفكرة حقيقية أم لا، فهذا شأن الفلسفة، لكنه يهتم بالتغيرات الهيكلية التى نتجت عن تفاعل الفكرة فى سياقها الجديد.

المثال الذى نقدمه بين أيديكم نستمده من ابن رشد الذى أراد، أن يفتح هامشا للفلسفة للوجود فى مواجهة هجوم غلاة الفقهاء عليها فتقدم فى كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال بفكرة أن الحق واحد ولكن للوصول إليه يوجد طريقان طريق الوحى وطريق العقل. انتقلت هذه الفكرة إلى أوروبا فى القرن الرابع عشر وتشيع لها الكثيرون وصارت موجودة فى جامعات ايطاليا وفرنسا وألمانيا وانجلترا. وانطلق الجدل: هل نحن أمام حقيقة واحدة أم حقيقتين؟ هل المساران متعارضان أم متكاملان، متداخلان أم مستقلان؟ وبدت حدة الجدال من فرمانات التحريم التى كانت تصدرها الكنائس وملاحقة الرشديين. النتيجة العملية لهذا السجال هو أن السلك التعليمى فى جامعات أوروبا وقتها كان ينتهى دائما بتخريج رجال دين أو علماء لاهوت. لكن انطلاقا من فكرة ابن رشد بدأت الجامعات فى إقرار مسار دراسى يكتفى بتدريس العلوم العقلية والانسانية وتم انشاء مدارس على هذا الأساس. ولا يمكن تتبع تطور تاريخ التعليم العلمانى فى أوروبا دون الانطلاق من هذا السجال.

كان ميشيل فوكو يقول إن من عاداتنا لكى نعرف معنى العقل فى القرن السابع عشر أن نعود لمؤلفات ديكارت وهذا خطأ يشابه أن نستنتج ظروف حياة شعب معين من خلال حياة نجوم السينما فيه. ديكارت نجم ومؤلفاته لا تعبر عن الواقع الذى يعيشه الناس. هكذا الحال لدينا عندما نتناول أفكار الحداثة من خلال كتابات المتحمسين لها أو المعترضين عليها، ونحسب أنها مجرد سجالات فكرية تدور بين حلقات المثقفين ويعيش الفلاحون والعمال فى واد آخر. ملاحظة فوكو إذن تدفعنا إلى البحث عن مردود السجال الفكرى فى حياة الناس. هذا يعنى أن التناول الحقيقى لتاريخ الفكر يقتضى منا الذهاب إلى تفاصيل الحياة اليومية بكل مظاهرها المادية والفكرية لنرصد التغيرات العميقة فى حياة الناس. الطباعة والنشر والترجمة وتعليم البنات وإنشاء المعاهد والجامعات لتدريس العلوم الطبيعية والإنسانية هذا بالطبع إلى جانب إدخال الصناعة وتطور وسائل النقل قد فرضت واقعا جديداَ مختلفاَ بصورة جذرية عن الحياة التى كان يعيشها الناس قبل ذلك. من هنا ندرك دلالة التعريف الذى يقدمه رولان بارت للحداثة بأنها الانفصال عما لم يعد ممكنا.

لا يمكن لثقافة أن تتخلى عن فكرة قديمة دون أن يسبقها جدل فكرى بين مؤيد ومعارض ولا يمكن تبنى أفكار وقيم جديدة غير موجودة فى الثقافة المورورثة دون أن يفرض تاريخ الفكر على المجتمع الاهتمام بها والجدل بشأنها. تاريخ الفكر غير مملوء بأحداث صاخبة وعنيفة، لكنه يتخذ مساره فى دروب تحتية لا تظهر على السطح. تاريخ الفكر الذى يجوز لنا القول إنه يؤدى مهمته فى صمت نلاحظ أنه ينقل العقليات وأنماط العيش نقلة لا رجعة فيها.

***

د. أنور مغيث

عن الأهرام القاهرية، يوم: الثلاثاء 2 من جمادي الأولى 1448 هــ 13 أكتوبر 2026 السنة 151 العدد 51080

صاحب «نهاية التاريخ» يدوّن مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنسان الأخير» الذي أشبع حاجاته المادية وظلّ أسير القلق على مكانته ومعنى وجوده، لتجتمع في الفكرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها.

ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»، التي صدرت للتو، أهميتها، إذ تصل بين لحظة قدّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل السؤال من فرص تعميم الديمقراطية إلى القوى التي تعمل على تفكيكها من داخل مؤسساتها، ومن وعد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير.

تتبع المذكرات تكوينه الفكري في محيط الفيلسوف ألان بلوم بجامعة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امتدت من معمر القذافي إلى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقاً اجتماعياً ومهنياً يلحظ قرب إنتاج المعرفة من صناعة القرار في الولايات المتحدة. ويكتسب هذا المسار دلالته حين يقترن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقارب له خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الدولة التي تنظّر لحقوق الإنسان بينما تعيد ترتيب مواطنيها بحسب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي.

يستعيد فوكوياما وصوله إلى كاليفورنيا عام 1978 للتدرّب في «راند»، حيث أعدّ دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يصبح العراق لاحقاً سبباً في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الفكرية اللاحقة يتيح قراءة سيرة مفكر تشكّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نتائج السياسات التي ساندها عندئذ إلى إعادة فحص تصوّراته عن معنى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّلها الفكر حين يمنح المشاريع السياسية لغة الحتميّة التاريخية.

ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بمراجعته اقتصاد السوق المنفلت عقب أزمة 2008، فتلتقي حدود القوة العسكرية بحدود الثقة في التنظيم التلقائي للاقتصاد. وتتيح هذه المراجعات الفكريّة تحويل الاهتمام من افتراض سهولة انتشار النموذج الليبرالي إلى تعقيد الشروط التي تمنحه الاستقرار، وفي مقدمتها كفاءة الدولة ومحاسبة السلطة وتماسك المجتمع، وهي شروط تجعل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير.

وتتيح هذه المراجعات العودة إلى الأساس الفلسفي لأطروحة «نهاية التاريخ»، التي قدّمها فوكوياما في مقاله عام 1989 ووسّعها في كتابه عام 1992، مستنداً إلى قراءة هيغل عبر ألكسندر كوجيف، ورابطاً حركة التاريخ بالسعي إلى الاعتراف الذي رأى في المساواة القانونية والحكم برضا المحكومين استجابة له، فتتركّز المحاكمة النقدية على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية.

لقد رفع فوكوياما أزمة النموذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فتحوّلت الغلبة السياسية المرحليّة إلى برهان فلسفي، واكتسب المنتصر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اختزال التجربة الإنسانية داخل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بينما تتشكّل الحرية الإنسانية عملياً من صراعات محلية على الأرض والعمل والتعليم والتمثيل، وتظلّ حصيلتها قابلة لإنتاج ترتيبات تتجاوز الأشكال التي استقرّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصوّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجاً عن العقلانية، ويصار إلى قصر الخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خيارات الخصخصة وتقليص الحماية الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يدفع الثمن إلى هامش النقاش العام وخارج مجالات التأثير الانتخابي.

ويظهر التناقض الأشدّ عند فحص العلاقة بين المساواة السياسية وتراكم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قدرتهم على تمويل الحملات وامتلاك وسائل الإعلام والتأثير في السرديات السائرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تحويل امتيازها الاقتصادي إلى واقع تشريعي، تصبح الإرادة العامة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرجّح كفّة مصالح بعينها في نتائجها.

ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً يستحق المساءلة، لأنها تتخيّل إنساناً أشبع حاجاته المادية ثم أصابه الضجر وفقدان الغاية، بينما ينشغل القطاع الأوسع من سكان المجتمعات الغنية بتكاليف السكن والعلاج والعمل المتقلّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمة المستهلك المرفه الباحث عن الإثارة حتى حين يلتقي الاثنان في التصويت الاحتجاجي، ولذلك يصبح ردّ الغضب الشعبي إلى الحاجة للاعتراف أقرب إلى تفسير جزئي يفتقد ربطاً موضوعياً بمواقع الناس داخل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم.

يمنح فوكوياما هذا الجوع للاعتراف مكانة مركزية، مستعيداً مفهوم «الثيموس» بوصفه طلباً للكرامة والتقدير، كما وضع داخل تصوّره للإنسان الأخير احتمال التمرّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخر في بناء أطروحة «نهاية التاريخ»، إذ يحمل النظام المفترض اكتماله دوافع الاعتراض عليه في تكوين الإنسان الذي يسكنه، وتصبح النهاية عندئذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّق والسيطرة على الآخرين. وتستثمر الشعبوية هذا التوتر حين تمنح الإحباط الاجتماعي غلافاً قومياً وتختار لتوجيه الغضب عدواً قريباً، لتتحوّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تراجع المكانة، أو تضخم الأسعار إلى رواية عن أمة تهددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيراً جاهزاً معلباً لتلك الخسارات.

على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج مقال الـ1989 سؤالاً عن اقتران التحديث الاقتصادي بالحريات السياسية، بعدما جمع مسارها بين الاندماج في الأسواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الواحد، مقدّماً مادة لا يمكن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعادة فتح النقاش حول تعدّد الأشكال التي يستوعبها الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن قيم الحقوق والمحاسبة والحريات الفردية وحدود مشاركة المواطنين في الحكم.

وتضيف أزمتا المناخ والتقنية المعاصرة أسئلة تتجاوز قضية ترتيب الانتخابات إلى تحديد أصحاب القرار الحقيقيين بشأن شروط الحياة والعمل، إذ تتوزّع تكاليف التحوّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفق علاقات الملكية والقدرة على فرض الأولويات. فحين تمتلك شركات قليلة حق احتكار المرور إلى التواصل والمعرفة، يصبح المجال العام نفسه خاضعاً لقواعد تجارية خاصة، دون أن تمتد الرّقابة الشعبية إلى تلك البنية، ما يعزل الديمقراطية عن الاقتصاد والتقنية، ويحتجز إمكان تطورهما في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّر المجتمع ذاته.

ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضا المحكومين، لكن ادعاء اكتمال التجربة الإنسانية حَوّلها عبئاً على فهم السياسة وإمكاناتها، لتصبح مذكرات فوكوياما شاهداً على ضرورة مراجعة الأحكام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة.

فالمستقبل الذي يستحق الدفاع عنه يتحدّد بقدرة البشر على تغيير الشروط التي تحكمهم، وبإمكان العامل والناخب والمهمّش المشاركة في صياغة المؤسسات وتوزيع الموارد، وعند هذا الحدّ تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صراعاً على توسيع نطاقات الحرية والمساواة، ويأخذ الإنسان مكانه فاعلاً جدلياً في تاريخ تتجدّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة.

***

ندى حطيط

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 5 أكتوبر 2026 م ـ 24 ربيع الثاني 1448 هـ 

قال البابا ليو الرابع عشر في أثناء زيارته فرنسا: «العلمانية القويمة» لا تُعادي الدين. وما ذكر البابا ما يعنيه بـ«العلمانية القويمة» أو «المستقيمة». لكنه ليس أول البابوات الساعين إلى مسالمة العلمانية في أوروبا على وجه الخصوص. فالبابا الأسبق بنديكتوس سعى إلى الأمر نفسه في نقاشٍ واسعٍ مع الفيلسوف الألماني هو الآخر يورغن هابرماس عام 2004، أي قبل توليه الكرسي البابوي عام 2005. أما البابا السابق فرنسيس فكان يتحدث عن العلمانيين بوصفهم فئة من المجتمع المسيحي تؤول الدين وتحكم عليه من خلال المبادئ الأخلاقية، وهو تنافسٌ يَعدّه البابا السابق محقاً وينبغي خوضه بروح الزمالة والتضامن الذي يرنو إليه الجميع.

الفلاسفة الجدد الذين توفي أكثرهم في العقود الثلاثة الأخيرة؛ ومنهم إدغار موران أخيراً، ينقسمون إلى 3 فرقاء:

الأولُ فريقُ القطيعة الذي لا يجد مبرراً للعودة إلى الحديث عن الدين وتأثيراته ومهامه، بعد أن تجاوزت أوروبا الموضوع كلّه منذ قرنٍ ونيف. ووحدها فرنسا هي التي أعلنت عن اشتراع إبعاد الدين عن المجال العام في قوانين عام 1905. أما الدول الأخرى فقد أبرمت عقوداً للتعايش مع الكنائس لا تَبلغ فيها عنفَ الإعلان الفرنسي، لكنها جميعاً تَعدّ الدين شأناً خاصاً ينبغي الانصراف عن تأكيده في المجال العام.

أما الفريق الثاني فهو الفريق التقليدي الذي لا يزال منذ نحو 300 عام يزعجه إبعاد الدين عن المجال العام، بوصف ذلك ماسّاً بالهوية الوطنية، وبحقوق المؤمنين في العبادة والتربية العامة وحريات التعبير. والمعروف أن السياسيين المحافظين، مثل كونراد أديناور وشارل ديغول، كانوا من أنصار هذا النزوع لكنهم لم يسعوا إلى تغيير القوانين (العلمانية) أو تعديلها.

أما الفريق الثالث من الفلاسفة والمفكرين في فرنسا وغيرها، وأشهرهم بول ريكور وتشارلز تايلور، فقد تحدثوا عن مسألتين: وجود صحوة دينية، وأنّ هناك لقاءً بين الأخلاق الدينية والمدنية؛ لأن أخلاقَ التحرر وقيمَه هي في الأصل آتية أو مستوحاة من الدين. ريكور وجد أن أخلاق العلمانية (القوانين المدنية مثلاً) هي من الجفاف بحيث تدنو من الموت من دون أن يأسف عليها أحد! وهو لم ينكر أن إنسانيات الدين (المسيحية على سبيل المثال) تحتاج إلى استنهاضٍ وإحياء، وهو الأمر الذي يحتاجه التواصل الإنساني بين المؤمنين وغير المؤمنين. أما تشارلز تايلور الفيلسوف الكندي في كتابه: «عصر علماني» (2008) فقال إنه ما وجد قيمةً إنسانيةً إلا ولها أصل ديني لا يحتاج إحياؤه إلى جهد؛ بل المطلوب عدم الممانعة أو التطير أو الوسوسة.

لماذا العودة إلى الحديث عن العلمانية والدين والتلاقي؟ البابا جاء إلى فرنسا العلمانية بعد طول هجران. ومع أنّ 700 ألف حضروا قدّاس البابا؛ فإنّ الشأن الديني لا يُعدّ أولوية في فرنسا. ولذلك؛ يتضايق الفرنسيون كثيراً من اهتمام المسلمين الفرنسيين بالهوية الدينية، وبالإسلام في المشهد العام. والعلمانيون من اليمين واليسار، وليس في فرنسا فقط؛ يربطون الإسلام بالعنف، وقد شهد سائرُ البلدان الأوروبية مظاهرَ له خلال 3 عقودٍ أو أكثر!

البابا ليو؛ شأنه في ذلك شأن البابا فرنسيس، يربط قيم الهجرة والضيافة والجوار والأخوة بين البشر بالدين، وليس بعيداً عن تصوره عَدُّ المجتمعات الأوروبية مجتمعاتٍ مسيحيةً لا يجوز فيها التنكر لهذه القيم بسبب الخوف من المهاجرين.

على أنّ الأمر عند البابا الجديد يتجاوز مسألة التعامل الإنساني مع المهاجرين، إلى مَشاهد المسرح العالمي. فهناك حديث واسع عن «ما بعد الحداثة» و«ما بعد العلمانية». لكنْ؛ وفق البابا ليو: ماذا تعني هذه الـ«ما بعد»؟ فالحروب تشتعل في كل مكان، وتُهلك البشر وتحرق حتى الحجر، فأين هي علمانية وحيادية وإنسانية «ميثاق الأمم المتحدة» و«مجلس الأمن» و«الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» و«القانون الدولي الإنساني»؟ كل الحروب الضخمة جرت في أزمنة العلمانية ولا تزال، أفلا يجوز البحث عن البدائل؟ وإن لم تكن البدائل حاضرة؛ فلا أقلّ من التفكير في ما يمكن أن يؤثّر به الإيمان بالسلام من جانب المؤمنين في المشهد العام؟ ولماذا لا يعاد الاعتبار للمقولة السائدة في كل الأديان: أَحِبّ لأخيك ما تحبه لنفسك؟

البابا ليو؛ الأميركي الجنسية، لا يحب حروب ترمب ولا نتنياهو ولا إيران. وإذا لم يكن ممكناً أن يتمرد هذا الجيش أو ذاك لأسبابٍ أخلاقية؛ فلا أقل من أن يصغي المسؤولون عن قرار الحرب والسلم إلى نداء العقل والحكمة والرحمة.

البابا ليو شديد الاقتناع برسالة الأديان في التسامح والتعايش والسلام، فالشجرة؛ وإن تباطأ حملها، لا بد أن تحمل الثمار ولو بعد الانتظار.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 21 ربيع الثاني 1448 هـ - 2 أكتوبر 2026 م

 

كفاح من أجل التحرر من الوصاية الفكرية

الثقافة مفهوم واسع الدلالة. وحينما يكون من الصعب وضع تعريف محدد لمصطلح ما فإننا نلجأ إلى أن نعدد مدلولاته. فكلمة ثقافة بالنسبة لأى أمة تشمل العلم والدين والفلسفة والأدب والفن. هذا من ناحية الحياة الفكرية أما من ناحية الحياة العملية فإنها تطلق على الأزياء وفنون الطهى والأخلاق والعادات والتقاليد. وهى مفهوم مرن ومتطور، فعلاقة الإنسان بالزمن فى مجتمع زراعى تختلف عن علاقته به فى مجتمع متقدم تكنولوجياً حيث تستلزم مزيداً من الدقة والإنضباط. كل هذا يبدو بديهياً. وبالرغم من ذلك يتخلل الثقافة فترات من الأزمات والإضطرابات. فما السبب؟

مثل هذه الأزمات تظهر حينما يميل أحد العناصر إلى تهميش باقى العناصر الأخرى واستبعادها ويقدم نفسه باعتباره هو المعبر الوحيد عن الثقافة.

فى ثقافتنا العربية المعاصرة ساد لدى بعض التيارات الفكرية المحافظة نزوع شمولى يسعى إلى فرض الدين بوصفه مرادفاً للثقافة. وانطلاقاً من هذا المنظور تتخذ علاقته بالعناصر الأخرى إحدى صيغتين: الصيغة الأولى هى الاحتواء، أى أن كل العناصر الأخرى موجودة داخله، فإذا أردت مثلاً أن تبحث فى مسألة تتعلق بظواهر الطبيعة أو بالحل الملائم لمشكلة سياسية أو بأسلوب فى الاقتصاد أكثر جدوى من غيره فما عليك إلا أن تتوجه رأساً إلى الدين.

كان هذا هو حال الثقافة الأوروبية فى العصور الوسطى ومن هنا جاءت أهمية نداء الفيلسوف الإنجليزى روجر بيكون حينما قال: علينا البحث عن الحقيقة فى الأشياء لا فى الكلمات، مشيراً بذلك إلى الخلل الفكرى السائد وقتها والذى يعتقد أن الكتاب المقدس به إجابات عن جميع الأسئلة وما يترتب على ذلك من إدارة الظهر للعالم الواقعى. الصيغة الثانية هى الوصاية أى الإعتراف بأن هذه العناصر موجودة خارج الدين ولكن مهمته تكمن فى تحديد خصائصها ومعايرها مرة واحدة وإلى الأبد.

محاكمة جاليليو على نظريته فى دوران الأرض جاءت أقوى تعبير عن هذه الوصاية. فهل علماء الفلك والفيزياء ملزمون بأن تأتى نظرياتهم موافقة لما يفهمه رجال الدين من الكتاب المقدس؟! لم تكن محاكمة جاليليو هى المثل الوحيد إذ يذكر التاريخ لنا المعارك التى خاضها العلماء والفنانون والساسة وعلماء النفس والتربية ضد وصاية رجال الكنيسة.

نحن نعتقد أن الدين صالح لكل زمان ومكان وهذا صحيح. ولكن أن نستنتج من ذلك أن الدين حدد نظاماً سياسياً صالحاً لكل زمان ومكان وكذلك وضع نظاماً اقتصادياً مفروضاً فى جميع الظروف فهذا ما يؤدى إلى إرتباك داخل الثقافة والتى مهمتها الأولى هى مساعدة الإنسان على أن يتكيف مع الظروف المتغيرة، فى حين أن الإعتقاد بصلاحية الأنظمة السياسية والاقتصادية لكل زمان ومكان تستلزم بالضرورة الإعتقاد بأن العالم ثابت لا يتغير.

لكل عنصر من عناصر الثقافة طريقته الخاصة فى الحكم على الأمور. الفنون تستخدم معيار الجميل والقبيح، والاقتصاد يستخدم معيار المكسب والخسارة، والسياسة تستخدم معيار الاستقرار والاضطراب، والدين معيار الحلال والحرام.

وبالتالى حين نحكم بالحلال أو بالحرام على قرارات الحرب ومعاهدات السلام وقروض البنك الدولى والسياحة والموسيقى وفن المسرح فإن هذا يعنى أننا لم نتخلص بعد من فكرة إحتواء الدين فى داخله على جميع عناصر الثقافة.

مثل هذا الإعتقاد هو الذى سبب توتراً لرفاعة الطهطاوى أثناء زيارته لفرنسا. هناك قرأ الدستور الفرنسى ووجد أنه من المفيد ترجمته لقراء العربية وقدم ترجمته بهذه الملاحظات: وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا فى سنة رسوله لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد،... فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً، والعدل أساس العمران.

هكذا رأت بصيرة الطهطاوى أنه لكى نحكم بالنفع على نظرية سياسية ليس من الملائم استخدام معيار الاتفاق مع الكتاب والسنة. هذا التمييز بين المجال الدينى والمجالات الأخرى كان ضرورياً لاستقبال العلوم الحديثة فى ثقافتنا المعاصرة. كان الطهطاوى بوصفه من رجال محمد على يعمل فى مؤسسة الجيش. ولخدمة الجيش المصري فى حملاته التوسعية كان من اللازم إدخال علوم الهندسة والفيزياء والطب والصيدلة والجغرافيا والمحاسبة، فهى لم تكن فى حاجة إلى محام يدافع عنها، أما علوم الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس فقد فرضها العقل وليست مصلحة الدولة. وهذا يدل على تقدم ملموس فى طريقة تعامل عقلنا المعاصر مع المعارف والحكم بمنفعتها، فحررها من الخضوع لمعيار الإتفاق مع الكتاب والسنة أو معيار الحلال والحرام.

***

د. أنور مغيث

عن جريدة الأهرام القاهرية، يوم: الثلاثاء 17 من ربيع الثاني 1448 هــ 29 سبتمبر 2026 السنة 151 العدد 51066

يتغيّر الإنسان أحياناً قبل أن تتغير اللغة التي تصفه. يمضي في الحياة، تتسع خبرتُه، وتتبدل نظرتُه إلى الأشياء، بينما تظلُّ حوله خطابات تكرر المفردات نفسها، وتستدعي الصور القديمة نفسها، وكأنَّ الزمنَ توقف عند اللحظة التي وُلدت فيها. والمفارقة أن الإنسان قد يكون قد غادر تلك اللحظة نفسياً ومعرفياً واجتماعياً، بينما يظل الخطاب يخاطبه كما لو أنه لا يزال يقيم فيها.

هذه الفجوة بين سرعة الإنسان وبطء الخطاب أصبحت واحدةً من سمات عصرنا. فنحن نعيش زمناً تتسارع فيه المعرفة والتقنية وأنماط العيش بصورة تجعل التحول جزءاً من الحياة اليومية، لا حادثة استثنائية فيها. وما كان يحتاج إلى جيلٍ كاملٍ حتى يستقر في الوعي، قد يحدث اليوم خلال سنوات قليلة، وربما خلال أشهر. ولم يعُد التغيير يطرق الأبواب من الخارج فحسب، بل أصبح يتسلل إلى تفاصيل الحياة، وإلى طرائق التعلم والعمل والتواصل، وإلى الكيفية التي يرى بها الإنسانُ ذاتَه والعالمَ من حوله. الإنسانُ نفسُه أصبح أكثر تركيباً. يحمل ذاكرتَه ولا يريد أن يسكن فيها، يعتز بهويته دون أن يغلق نوافذَه على العالم، ويتمسك بقيمه وفي الوقت نفسه يبحث عن حياة أكثر جودة وكفاءة وطمأنينة. لقد أصبح قادراً على الجمع بين أشياء كان التفكير القديم يضعها في حالة تناقض دائم: الأصالة والتجديد، الخصوصية والانفتاح، الثبات والتغيير. فالهوية الناضجة لم تعُد تعني الانغلاق، والانفتاح لم يعُد يعني بالضرورة الذوبان.

 وهنا يظهر الفارق بين الفكرة التي تعيش في الزمن والفكرة التي يعيش الزمن من دونها. الفكرة الحيّة لا تخاف من التحول، لأنها تدرك أن الثبات على المبادئ لا يعني تجميد طرائق التفكير. وهي لا تستمد قوتها من تكرار نفسها، بل من قدرتها على قراءة الواقع المتجدّد، واستيعاب تحولاته، وإعادة ترتيب أدواتها كلما تغيّرت حياة الإنسان. فالقوة الحقيقية للأفكار لا تقاس بقدرتها على مقاومة الزمن، وإنما بقدرتها على العبور فيه دون أن تفقد جوهرها.

وفي تراثنا الفكري والأصولي وعي مبكر بهذه الحقيقة. فقد ارتبط النظر الرشيد بالواقع والمآلات، وبالتمييز بين الثابت والمتغير، وبين المقصد والوسيلة. وهذا الإدراك يكشف عن فلسفة عميقة للحركة داخل الزمن، فالحفاظ على الأصول لا يتحقق بتحويل التاريخ إلى نموذج مغلق، وإنما بامتلاك القدرة على تنزيلها في واقع يتجدّد باستمرار. ولذا لم يكن الاجتهاد في جوهره خروجاً عن الأصول، بل كان إحدى الوسائل التي تضمن استمرارَ فاعليتها في أحوال متغيرة.

وقد ضاعفت الثورة الرقمية سرعة هذا التحول. فالإنسان اليومَ يعيش محلياً ويرى عالمياً. يحمل هاتفاً صغيراً، لكنه يطلُّ من خلاله على تجارب البشر ومدنِهم وجامعاتهم واقتصاداتهم وأنماط حياتهم. أصبح يقارن بنفسَه، ويتعلم بنفسِه، ويعيد النظرَ في كثير من مسلماته بنفسه. وهكذا انتقلت المعرفةُ من فضاء محدود إلى مجال مفتوح، تتجاور فيه التجارب وتتسابق، ولم يعُد من الممكن إدارة وعي جديد بأدوات خطاب تشكّلت لعالم مختلف.

لذلك يحتاج عصر السرعة إلى فضيلة فكرية جديدة: المرونة دون سيولة، والثبات دون جمود. فالمرونة التي تُفقد الإنسانَ مرجعيتَه تجعله تابعاً لكل موجة عابرة، والثبات الذي يمنعه من رؤية التحولات يحوله إلى شاهد على زمن يغادره. وبين الاثنين تتشكَّل الحكمة: أن نمتلك جذوراً عميقة، وفي الوقت ذاته قدرة دائمة على التجدد، وأن نعرف ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي ينبغي أن يتغير، وما الذي يمكن إعادة بنائه بلغة أكثر اتصالًا بحياة الإنسان.

الحضارات لا تتقدم لأنها تتخلى عن ذاكرتها، ولا تبقى لأنها تحتمي بها، وإنما تتقدم حين تجعل من ذاكرتها طاقة للمستقبل، وحين تحول ميراثها من عبء يستدعى للدفاع عن الماضي إلى مورد فكري يشارك في صناعة القادم.

الزمن يمضي، والوعي يتحرك معه، والفكرة التي تريد البقاءَ مطالبةٌ بأن تعرف كيف تسير دون أن تفقد بوصلتَها. لأن أخطر ما يصيب الأفكار ليس أن تتغير، بل إن يتغير العالم من حولها وتظل هي تتحدث كما لو أن شيئاً لم يحدث.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 سبتمبر 2026 21:35

هناك من المناسبات ما يترك عطره في البال رغم شجن الذكرى. منها تلك الندوة التي التأمت في العاصمة البريطانية بمناسبة مرور عقدين على غياب الشاعر بدر شاكر السياب. هناك، في صقيع لندن، اجتمع تحت سقف واحد كل من سعدي يوسف وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمود درويش وبلند الحيدري وصلاح نيازي، بالإضافة إلى منظم الأمسية الشاعر والخطاط الصكار. كان ذلك عام 1985. قبل نحو من 40 عاماً. وها نحن نقترب من الذكرى المئوية لولادة الشاعر الذي شاء له القدر أن يرحل مريضاً، قبل الأوان، بعد أن وضع البصرة زهرة في عروة القصيدة العربية الحديثة.

ثلاث مرات ذهبت فيها من باريس إلى لندن لليلة واحدة فحسب، لكيلا تفوتني أمسية من هذا النوع. المرة الثانية كانت لعرض مسرحي منفرد قدمته ممثلتنا الرائدة ناهدة الرماح، والثالثة سهرة تبادل فيها الشعر والغناء كل من مظفر النواب وسعدي الحديثي.

أبدأ بمحمود درويش الذي قال إنه قرأ «أنشودة المطر» فاخترقه الشعر دفقة واحدة. كان من جيل وقف مذهولاً أمام ما سمّاها «فوضى القيامة». فقد انكسر المكان بما فيه من سيرة وكائنات وأحدث ما يشبه القطيعة بين الماضي والحاضر. لم يعد الشاعر الفلسطينيّ هو نفسه قبل تلك القراءة وبعدها.

أما حجازي فقال إنه ما كان ليجازف بتلك الشهادة لولا أنه كان الوحيد بين المصريين الذي كتب بعد وفاة السيّاب مقالة في «الهلال» بعنوان: «مات أكبر شاعر عربي معاصر». كان الشاعر المصريّ دون العشرين حين قرأ «أنشودة المطر». ودون الثلاثين حين مات السياب. وهو لم يجد حرجاً في التصريح بأن عنوان مجموعته الأولى «مدينة بلا قلب» ربما كان مقتبساً من قصيدة السيّاب «مدينة بلا مطر».

مساهمة سعدي يوسف كانت من النوع الذي يُسمّى شهادة بحق. ففي نهاية 1963، وكان خارجاً لتوّه من السجن، ذهب إلى مستشفى الميناء في البصرة لزيارة السيّاب. سأل عن غرفة الشاعر فأشاروا إلى نهاية الممر. ومنذ الخطوة الأولى شمّ رائحة تعفن وصديد. يقول إنها لم تكن روائح مطهِّرات وأدوية وهواء حبيس. كانت رائحة قبر.

«دخلتُ الغرفة وكان بدر ممدداً نصف عارٍ. عيناه الضيقتان عادةً، المنحرفتان قليلاً كعينين مغوليتين، كانتا وحدهما تلتهمان الحياة. مُتسعتين كما لم أعهدهما البتّة». وكانت في الغرفة آسية، خالة السياب. تلك التي قال فيها: «وآسية الجميلة كحّلَ الأحداقَ منها الوجدُ والسهرُ». قامت وتركت له الكرسي الوحيد. عرف بدر أن سعدي كان في السجن فقال: «لماذا سجنوك وأنت لم تحمل سلاحاً ضد أحد؟». ثم قلبته آسية على جنبه، فنقل سعدي الكرسي إلى الجانب الآخر. وكان بدر يشكو من أن عظامه تتآكل.

ذات يوم، وهما في مقهى على شط العرب، سأله سعدي عن سبب حذف كلمة اللؤلؤ من استطراده في مقطع «أصيح بالخليج، يا خليج، يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى، فيرجع الصدى كأنه النشيج: يا خليج يا واهب المحار والردى؟»، وأجاب السيّاب لأن الحروف الليّنة لمفردتَي المحار والردى، تُرجع الصدى. بينما لا يمكن لكلمة اللؤلؤ أن تُرجعه!

***

إنعام كجه جي - صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأحد - 16 ربيع الثاني 1448 هـ - 27 سبتمبر 2026 م

في اسكتلندا بالمملكة المتحدة، اجتمع أباطرة الذكاء الاصطناعي يوم 17 سبتمبر الجاري، بدعوة من الملك تشارلز الثالث، للرد على سؤال محوري واحد هو: كيف يمكن الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع الإبقاء على تحكُّم الإنسان فيه؟

اللقاء تم بعد التحذير الذي أطلقه داهريو أموداي، مؤسس ورئيس شركة «أنتروبيك» التي طوّرت شبكة كلود المعروفة، في مطالبته بإبطاء حركية الذكاء الاصطناعي، من أجل توفير ضمانات مؤكدة لقدرة الإنسان على التحكم فيه. فكرة أموداي كان قد بسطها في كتابه «ماكينات النعمة المحبة: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر العالم إلى الأفضل؟».

في هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن الآثار الكثيفة لهذه الثورة التقنية الجديدة، التي سمحت بتطور البشرية في سنين قليلة أكثر مما عرفته سابقاً في قرون عديدة، مبرزاً إيجابياتها الكثيرة في مجالات الطب والبحث العلمي والاقتصاد والتنمية الاجتماعية.. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى مخاطر يمكن أن تنجر عنها مستقبلا إذا ما أُسيء استخدامها.

من هذه المخاطر التي يذكرها أموداي احتمالية استقلال الذكاء الاصطناعي عن التحكم البشري مستقبلاً، بما يجعله غير متلائم مع الأهداف الأصلية لهذه التقنية الجديدة، والتأثير الذي يمكن أن يكون سلبياً في بعض الأحيان على نظام الشغل والنشاط المهني للبشر، فضلاً عن أساليب الرقابة والضبط والمتابعة، بما يعرِّض الحريات الفردية والعمومية في البلدان الليبرالية للخطر. والسؤال الذي يخلص إليه أموداي هو: ما النموذج الحضاري الذي سيصنعه الإنسان مستقبلاً، في حال أصبح الذكاء الاصطناعي متقدماً على قدرات العقل البشري ومستقلاً بنفسه في نشاطه الذاتي؟

ومع أن أموداي يرفض النزعة التشاؤمية العدمية حيال الذكاء الاصطناعي، فإنه يقرُّ بأنه في حال فشلت النظم القانونية والأخلاقية في التحكم في مساره الراهن، يمكن للبشرية أن تتعرض جراء ذلك لآثار سلبية. أموداي يشير هنا إلى تطور شبكات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على إنتاج مضامين جديدة طبقاً لتعليمات خارجية، بدلاً من تحليل وتصنيف المعطيات الرقمية. والخشية المستقبلية تكمن في انتقال الآليات التقنية الذكية إلى قدرات إضافية معرفية وعملية من قبيل التفكير والبرمجة والإبداع الذاتي، ومن ثم الخروج عن التحكم البشري.

وفي الآونة الأخيرة، نبّهت شركات الذكاء الاصطناعي إلى اختلالات تم تسجيلها من قبيل التحايل على أنظمة الأمن السبرياني، والاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي في الحروب الجديدة، والآثار السلبية للاستنساخ اللفظي، والتوأمة الرقمية في ملفات العدالة والقضاء. تصريحات أموداي الأخيرة التي طالب فيها بضبط حركية الذكاء الاصطناعي، كشفت عن الأبعاد الجيوسياسية لهذا الموضوع الحيوي في العلاقات الدولية الجديدة.

ففي الوقت الذي رفض فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الدعوة، مشدّداً على ضرورة حفاظ الولايات المتحدة على الريادة في هذا المجال الأساسي مقابل المنافسة الصينية، اعتبر المسؤولون الصينيون أن المقصود من هذه الدعوة هو سياسة الاحتواء التقني للصين، وإن قبلوا منطق الضبط الأخلاقي والقانوني لديناميكية الذكاء الاصطناعي. وفي خطابه خلال اجتماع اسكتلندا، تساءل الملك تشارلز الثالث: «هل لا يزال عندنا الوقت لبناء آليّات للرقابة قبل أن تصبح التكنولوجيا عصيةً على التحكم؟». الفكرة التي ينطلق منها الملك البريطاني هي أطروحة تناغم الطبيعة والإنسان والتقنية، بدلاً من النظرة التعنيفية للطبيعة التي شكّلت المقاربةَ الحداثيةَ الأولى للعلم التجريبي في أبعاده التقنية، وقد أدت اليوم إلى الإخلال بتوازنات الطبيعة والانتقال من التحكم الإنساني فيها، من خلال التقنية، إلى التحكم التقني في الإنسان ذاته.

وفي لقاء اسكتلندا، دعا جونسان هوانغ، وهو مؤسس ورئيس شركة «نيفيديا» للذكاء الاصطناعي، إلى التحلي بما سماه «التفاؤل المسؤول» الذي يجمع بين إدراك مخاطر الاختلالات التي قد تنشأ عن خروج حركية الذكاء الاصطناعي عن التحكم البشري، وبين الاعتراف بالمزايا النوعية التي تسمح بها هذه الحركية في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية. الخلاصة التي نصل إليها، هي أن موجة الذكاء الاصطناعي تفتح آفاقاً رحبةً للإنسانية في مشروع التحسن النوعي للوضع البشري من خلال الإبداع والاختراع، وهو مشروع الحداثة الذي عبّرت عنه الثورة الصناعية الأولى.

بيد أن ما تجسّده الثورة التقنية الجديدة هو تحويل الذكاء البشري نفسه إلى وقود للتنمية الصناعية والحركية الاقتصادية، في الوقت الذي تتزايد فيه إمكانات استقلال الآلة التقنية عن الإنسان وتنمحي الفروق الجوهرية بين الماكينة الاصطناعية والإنسان ذاته. ومن ثم يبدو السؤال الجوهري هو: ما هي العلاقة الممكنة بين آلة تقنية واعية ومفكرة ونوع إنساني سُلب عناصر الضعف والوهم والتردد التي هي مقومات كرامته وحريته؟

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 20 سبتمبر 2026 23:30

حتى في أميركا عقر دار التكنولوجيا

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.

***

بيروت: سوسن الأبطح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم:19 سبتمبر 2026 م ـ 08 ربيع الثاني 1448 هـ

دوائرُ حلزونيةٌ تعجُّ بالغبار، وتتلوى فيها الأفكار. مجلداتٌ ضخمةٌ تملأ المكتبات، وتزيّنُ الصالوناتِ الفسيحةَ الفخمة. الماضي يتكدَّس صامتاً في البيوت، لكنَّه حاضرٌ في الرؤوس. زمنٌ رحلَ وغابَ في غياهبَ ردمتها تطوراتٌ فكريةٌ وعلميةٌ وتغييراتٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ عالمية. هناك أنماطٌ مختلفة من التطوير والتقدم شهدتها بلدانٌ عديدةٌ في قارات مختلفة. المنطقة التي تُسمَّى العالم العربي، فيها كثيرٌ من المتشابه وكذلك المختلف. بها بلدانٌ تتحرَّك بسرعات مختلفة نحو المستقبل، وبها كياناتٌ أخرى استمرأت النَّومَ في خنادق الماضي السحيق، تصنعُ من أحلامَها الرمادية، دنيا لا ترى ولا تسمع ولا تفكر. التقنيةُ الحديثةُ التي أبدعها العقلُ الإنساني، لا تُوظّف لقدحِ قوة العقل، ولفتح ثقوبٍ في جدار التَّخلف، والولوجِ إلى الوجود الذي تحيا فيه البشرية المتنورة الناهضة. في كل ساعةٍ تعجُّ الأخبارُ بالاختراعات العلمية والتقنية الجديدة، على الأرض وفي الفضاء.

الذكاء الاصطناعي صار عقلاً جبَّاراً مضافاً، إلى قوة التفكير وأدوات العمل، وأصبحَ ينذر بأن يتحوَّلَ إلى كائنٍ يفلت من سيطرة البشر. البحثُ العلمي تُخصَّص له ميزانياتٌ ضخمة، والجامعاتُ معاملُ لتكوين أجيال، مؤهلةٌ لقيادة مجتمعاتها نحوَ النّهوض والتقدم. المكتبات تستقبل يومياً عشرات المؤلفات العلمية والفكرية، بكل اللغاتِ تُدرّس وتحلل ما تشهده المجتمعات من ظواهر ومشاكل اجتماعية، وتقدم حلولاً لها. ندواتٌ علميةٌ وفكرية يشارك فيها علماء متخصصون في العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يتبادلون الآراء والأفكار حول قضايا حيَّة، تحتاج إلى معالجات تؤسس على العلم. التقنية تسابقُ نفسها في جميع المجالات، ففي الطب لا تطفئ المعامل ومراكزُ البحوث أضواءَها، حيث يسهر الباحثون من أجل الوصول إلى الأدوية التي تعالج الأمراضَ المستعصية. في نهاية كلّ سنةٍ تحبسُ الملايينُ من البشر أنفاسَها، انتظاراً للإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل للعلوم، والعربُ لا ينشدُّون إلا إلى بعض الأسماء المتكررة التي تحلم، بنيل تلك الجائزة، في مجال الأدب.

حتى التقنيةُ التي اخترعتها العقولُ المتنوّرة، يوظفُها النائمون في حفر الماضي السحيق، للملاكمة على حلبةِ اللغو فيما يُسمَى المناظرات، على شاشات التلفزيونات واليوتيوب وغيرها يتنابز فيها، من يُوصفون بالعلماء بلغة متحجرة، ويتقاذفون بحجارةٍ قُدّت من جبال ابتلعها الماضي. قضايا عاشت في قرونٍ غبرت، ولا تقدم حلولاً لما نعانيه اليوم، من كوارث ودماء واستباحة للأرض، وطوفان التخلف الذي لا يهدأ، إلا لكي يعبئ أمواج رياحه، بحرائق أقوى. معاركُ تقاتل فيها العربُ والمسلمون، منذ قرون غبرت، يجرد لها المتناظرون سيوفَ ألسنتهم، ويعيدون خوض تلك المعارك، ويستحضرون ما كتبه أو قاله الغابرون. المذاهبُ والطوائفُ والجماعات وما كان من الصراعات، هي الحاضر الحيُّ في مناظراتهم. شيوخٌ لا يقرأون الفلسفة والعلوم ولا دراية لهم بالسياسة والاقتصاد والرياضة، لكن في كل يوم لهم إطلالاتٌ على وسائل التواصل الاجتماعي، يعارضون هذا ويؤيدون ذاك، وكل ما يصنع قفازات ملاكمتهم، هي أقوال وكتابات نساها النَّاس، ولا يتذكرها سواهم، لكنَّهم يحوّلونها إلى قداحاتٍ تشعل الفتنَ والخلاف. لا نسمع منهم ما يحفّز الشبابَ على اقتحام دنيا العلوم، في الطبِ والصناعة والزراعة والهندسة والكهرباء والبحث العلمي. التَّاريخ ليس أكلات يجترُّها البشر، لكنَّه حلقاتُ حياةٍ عاشَها بنو البشر في أزمان مضت، يعود إليها الدَّارسون المتخصصون، ليستلُّوا منها عبراً تَقدحُ قدراتِ العقل، والدين لا يُستحضر ليكون حطباً يغذي الحرائق. البلدانُ المسيحية بمذاهبها الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، وما يتفرّع عنها من طوائف مختلفة، تشترك في عضويةِ الاتحاد الأوروبي، ولا نشاهدُ على شاشاتِ تلفزيوناتهم أو وسائل التواصل الاجتماعي في بلدانهم، مناظراتٍ يتبادلونَ فيها التنابز والملاكمة الكلامية، ولكنَّها تكون محفلاً لتوسيع آفاق التعاون، وترسيخِ السَّلام الاجتماعي، وتكريسِ الحرية وحقوق الإنسان، وتطويرِ قدراتِ البشر بالعلم وسيادة القانون. ما كتبه الأقدمون أو قالوه، كانَ إجابات لأسئلة فرضها زمانهم، واجتهدوا لاجتراح إجابات لها، اتَّفقوا واختلفوا، وكلُّ مجتهد كانَ ابنَ زمانِه وبيئته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

في عالم اليوم بما فيه من وسائل تواصل واتصالات، وجامعات، وكتبٍ ودوريات علمية، ومشاكلَ وتحدياتٍ لا تغيب، لا مناصَ من اجتهادات في جميع المجالات، ولكن بعقولٍ ومؤهلات بنات وأبناء زمنِها. من كانَ يفكر لزمنٍ ومجتمعٍ كانَ يستعمل الدواب، في تنقُّلِه ويعالج المرضى بالكيّ والرقيةِ، ويكتب على جلودِ الحيوانات، ويقرأ الكفَّ والفنجانَ ويستعينُ بالسحر، والقتال بالسيوف والرماح، كيف يمكنُه أن يكونَ هادياً أو مستشاراً لزمن القطاراتِ والطائراتِ والمستشفياتِ الحديثة، والأدويةِ التي لا تتوقَّف البحوثُ العلمية، عن الاستثمار الضخم في تطويرها؟ عددُ سكان العالم الذي تخلَّقت فيه اجتهاداتٌ قديمةٌ مختلفة، لا يتجاوزُ عددَ سكانِ مدينةٍ كبيرة في عالم اليوم، وأساليبُ إدارةِ الأمم تغيَّرت. علينَا اليوم أن نختارَ بين الخروج من قمقم الزَّمنِ الغابر، أو أن نعبرَ إلى الدنيا الجديدة، بعقلٍ وعلمٍ وفكرٍ من إبداع زمننا.

***

عبد الرحمن شلقم

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: السبت - 08 ربيع الثاني 1448 هـ - 19 سبتمبر 2026 م

في كتابه «مسار الحضارات»، يصرُّ المؤرخ الهولندي المعروف يوهان هويزينغا على أنّ التغير الثقافي هو الذي يصنع التغير السياسي. ومع أنه توفي عام 1945، فإنه ظلَّ مُصراً على أن الماركسية هي في جوهرها «تغير ثقافي»؛ وأنه هو الذي يصنع القرن العشرين. لكن رغم الجبروت الذي ضرب روسيا وشرق أوروبا والصين؛ فإنّ نظام العالم بعد الحرب العالمية الثانية استعاد ظاهراً القيم الليبرالية للتنوير الأوروبي في «ميثاق الأُمم المتحدة» و«الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». وقد انتصرت هذه القيم أو شعاراتها في النهاية على الاتحاد السوفياتي، واضعةً تطورات العالم تحت جناحها بعد عام 1990. ووقتها تحدث الرئيس الأميركي جورج بوش الأب عن «النظام العالمي الجديد»، وفيه صارت العولمة واقتصادات السوق أبرز معالم النظام. وفي حين كانت «الديمقراطية» وثقافتها «الليبرالية» هي التي أعلن عنها، على أرض الواقع الأميركي والأوروبي؛ فقد تبين أنّ الذي ساد أو يسود في المرحلة الجديدة ليس التنوير القديم وآفاقه الثقافية الرحبة؛ بل هيمنة اقتصاد السوق، والشركات العابرة للقارات.

لقد كانت المرحلة المبشَّر بها قصيرة ومملوءة بالتحديات والحروب، التي حفل بها الشرق الأوسط، ثم ما لبثت أن تسللت إلى أوروبا على مستويين: مستوى التحدي الروسي، ومستوى ظهور اليمين الذي يستهدف اصطناع تغيير جذري دنا من الثقافي، وتنكَّر للعولمة الاقتصادية.

ومنذ تفكيك الاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن الماضي، بدأت تتوالى النُذُر بانهيار الغرب الذي كان معتزاً بانتصاره الاستراتيجي إلى درجة اليقين أنّ الصين ستنضمُّ إليه ثقافياً واستراتيجياً (!). لكنّ المخاوف من الصين لن تنتهي، وروسيا تسعى إلى التحالف معها؛ من أجل الصمود في وجه مصالح الغرب الكبرى.

أيُّ هذا هو الأعمق نخراً في جسم الحضارة الغربية: الحرب الروسية، أم الزحف الصيني، أم صعود اليمين الراديكالي، أم الانسحاب الأميركي من القارة العجوز؟ إيمانويل تود صاحب كتاب: «انهيار الغرب» يعدُّ هذه الأسباب مجتمعةً إيذاناً بالانهيار حتى قبل الحرب العالمية الثالثة.

لكنّ برت بودن في كتابه «إمبراطورية الحضارة... تطور فكرة الإمبريالية» يشير إلى الصراعات على الموارد والممرات البحرية والجوية بوصفها نُذُراً لتمدُّد الإمبريالية التي تقتل نفسها وتُهلك العالم. ومناطق الصراع العالمي على الموارد من وجهة نظره هي ثلاث رئيسية: الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. هو يعدّ التغير الثقافي أو الحرب الثقافية مزحة؛ جربَتْها الولايات المتحدة في الحرب الباردة، أما الواقع الذي هدّد النظام العالمي، فهو الصراع على الموارد بمقتضى التطور الإمبريالي الكبير الذي، ومنذ ثمانينات القرن الماضي، ما عاد قاصراً على القطبين الأعظمين، بل انضمت إليه الصين التي نافست الجميع وليست الولايات المتحدة فقط في المناطق الثلاث الرئيسية من دون شهر السلاح. أُولى المحاولات التمددُ في أفريقيا وأميركا اللاتينية ثم الشرق الأوسط، وأضافت إلى ذلك منطقة شرق وجنوب شرقي آسيا بِعَدّها مجالها الخاص، ولو على حساب روسيا، والاتحاد السوفياتي المنكمش والمتصدع حينذاك. فالطبيعة تأبى الفراغ، والانكماش الروسي أغرى الجميع وليس الولايات المتحدة فقط؛ وهي الموجودة في كل مكانٍ أصلاً؛ ليس بشركاتها الضخمة فقط، بل أيضاً بأساطيلها العملاقة. ولذلك، ومنذ 3 عقود، يتحدث الأميركيون عن التمدد الصيني، ويريدون التفرغ له، من دون أن يستطيعوا ذلك؛ لاتّساع المجالات التي يريدون البقاء فيها والسيطرة عليها، وهذه المرة ليس بـ«النظام العالمي الجديد»، بل بـ«القوة العسكرية» إذا لزم الأمر.

برتران بادي، مفكر استراتيجي فرنسي، وليس من همّه الانقلابات الثقافية أو الحضارية، بل المديات الاستراتيجية. هو يرى أنّ المَعلم الأهمّ في الصراع العالمي الحالي، إلى جانب الصين والولايات المتحدة، هو ظهور القوى الإقليمية في مناطق التجاذب أو الصراع. وفي حين يضطرب في تحديد القوى الإقليمية الجديدة بأميركا اللاتينية وأفريقيا، يذكر في الشرق الأوسط: إيران وتركيا وأخيراً إسرائيل. وإيران هي الأكبر طموحاً وتضيف الديني إلى القومي في تحركاتها، وتعتمد سياسات الاختراق من طريق الميليشيات، ولم تنجح حتى الآن بعد الصدام المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ربط الاستراتيجي بالاقتصادي والسياسي، ولذلك؛ فسيتعذر عليها الاستمرار لهول التكاليف. تركيا تفعل ذلك ولها مستقبل. أما إسرائيل فمنهمكة في تأمين حدودها وما وراءها بالقوة العسكرية، وفي ذلك استنفاد للموارد إن تراجع الدعم الأميركي!

هل لهذا الصراع الذي تندلع فيه الحروب علائق بالحضارات ومصائرها؟ الثابت حتى الآن أن له آثاراً مفجعة على الأمن السياسي والإنساني وعلى استمرار واستقرار النظام العالمي؛ لكنّ الفرنسيين، أو بعضهم، مهجوسون أيضاً بمصائر الحضارة الأوروبية أو الغربية.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 07 ربيع الثاني 1448 هـ - 18 سبتمبر 2026 م

ليست أزمة العقل المسلم اليوم أزمةَ مرجعية، فمرجعيته لا تزال غنية بالأصول والقواعد والمقاصد وتجارب الاجتهاد.. وإنما أزمته الأعمق هي في كيفية تحويل المرجعية إلى قدرة على قراءة الواقع وصناعة المآل. فليس السؤال: ماذا نملك من تراث؟ بل السؤال هو: ماذا نستطيع أن نصنع به؟ وليس التحدي في كثرة الأجوبة، وإنما في جودة الأسئلة التي تسبقها.

لقد اعتاد جزء من خطابنا أن يتحرك بعد وقوع الأشياء: تظهر النازلة، ثم نبحث عن حكمها.. تتفاقم الأزمة، ثم نناقش أسبابها.. يتشكّل واقع جديد، ثم نحاول تكييفه. وهذا لون من الاجتهاد لا غنى عنه، لكنه لا يكفي لبناء أمة تريد أن تكون فاعلةً في التاريخ. فالعقل الحضاري لا يكتفي بفقه الواقع بعد تشكله، بل يسأل عن مقدماته واتجاهاته ومآلاته قبل أن يستحكم.

وهنا تستعيد أصولُ الفقه وظيفتَها الكبرى. فاعتبار المآلات ليس باباً هامشياً في النظر، وتحقيق المناط ليس مجردَ تنزيل تقني للحكم، وسد الذرائع وفتحها ليسا آليتين جزئيتين، بل كلها تعبير عن عقل لا ينظر إلى الفعل منفصلاً عن نتائجه، ولا إلى الحكم منفصلاً عن أثره، ولا إلى الحاضر منفصلاً عن المستقبل. ومن ثم فإن نهضة العقل المسلم تبدأ حين ينتقل من فقه الحادثة إلى فقه ما قبل الحادثة.. من معالجة النتائج إلى بناء الشروط التي تمنع فسادَها أو تعظم مصالحها.

 والمقاصد نفسُها تحتاج إلى أن تسترد هذا البعد. فحفظ العقل اليوم لا يقتصر على حمايته من المسكر، بل يشمل حمايتَه من التضليل، والاستلاب، والتبعية المعرفية، ومن الخوارزميات التي تعيد تشكيلَ وعي الإنسان من حيث لا يشعر. وحفظ الدِّين لا يكون بكثرة الشعارات، بل بصيانة معناه من التوظيف والاختزال. وحفظ المال يتجاوز حماية الملكية إلى بناء قدرة اقتصادية منتجة. وحفظ النسل لا ينفصل عن قوة الأسرة واستقرار المجتمع. وهكذا تصبح المقاصد مشروعاً للعمران، لا مجرد قائمة للحفظ.

 إن العالَمَ الجديدَ لا يكافئ الأكثر امتلاكاً للمعلومات، بل الأكثر قدرةً على التمييز والتحليل والتركيب والاستشراف. ولهذا لم يعُد ممكناً أن يعمل الفقيهُ وحده، أو المفكرُ وحده، أو التقني وحده. تعقد الواقع يفرض عقلاً مركباً، تتجاور فيه الشريعةُ والاقتصادُ والفلسفةُ والاجتماعُ والتقنيةُ، لأن النازلة المعاصرة لم تعُد ذات وجه واحد.

كما أن النهضة لا تُبنى بعقل يخاف من السؤال.. السؤال ليس تهديداً للإيمان، وإنما قد يكون طريقاً إلى تجديد فهمه. والخطر الحقيقي ليس في أن يسأل الجيل الجديد، بل في أن يجد أسئلتَه خارج مؤسساته العلمية، وأجوبته عند مَن لا يعرف مرجعيتَه ولا حاجاتِه.

ومن هنا تبرز ثلاثة أسئلة حاسمة: كيف نعيد إلى العقل المسلم شجاعةَ السؤال؟ وكيف يتحوّل الاجتهادُ من ملاحقة الواقع إلى المشاركة في توجيهه؟ وكيف نبني إنساناً راسخَ المرجعية، واسعَ المعرفة، قادراً على صناعة المستقبل؟

إن الأمة لا تتأخر لأنها فقدت ماضيها، بل حين تعجز عن تحويل ماضيها إلى قوة للمستقبل. ونهضة العقل المسلم تبدأ يوم يستعيد قدرتَه على أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يستشرف قبل أن يستجيب، وأن يصنع المآلات بدل أن يكتفي بشرحها.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 16 سبتمبر 2026 00:30

كان ذلك عام 1985. عند بداية تعرّفي إلى التجربة الأميركية. دخلتُ للمرة الأولى مركزاً تجارياً كبيراً، فكانت التجربة مذهلة ومرهقة معاً. بدت الدكاكين بلا نهاية، والبضائعُ أكثرَ من قدرة العين على الفرز. لم أكن أعرف ما يستحق التوقف أمامه، إلا إذا حمل اسم علامة سمعتُ عنها من قبل. وقد تقودني إضاءة قوية إلى متجر مألوف، مع أن متجراً آخر، في ممر جانبي، قد يعرض ما هو أجمل وأفضل. لكنني، بعد طول المشي، لم أعد أبحث عن الأفضل؛ كنتُ أبحث عن مقعد وشربة ماء. كان «المول» متاهة بورخيسية تتحول من البضائع... كانت الوفرة فيها مسارات تفضي إلى الضياع وضلال السبيل.

تذكرتُ تلك الرحلة، بعد أربعة عقود، وأنا أقلّب حسابي على منصة «إكس»: مَن أتابع؟ ماذا أقرأ؟ ولماذا تضع الخوارزمية تغريدة في قمة المشهد، وتترك أخرى تموت في الطريق من دون أن يقرأها أحد؟ كيف سقطت تلك التغريدات؟ وهل أصبحت نفايات لأنها رديئة، أم صارت رديئة في نظرنا لأن أحداً لم يرها؟ وهل كل ما ترميه الخوارزمية خارج مجال الرؤية نفايات فعلاً، أم أن بينها جواهر لم تصل إليها الإضاءة، ولم يُصِبْها فيروس التكرار؟

كنتُ يومها في الجامعة، وكانت ما بعد الحداثة تدخل قاعات الدرس الأميركية. جئتُ من عالم السرديات الكبرى: القصص القرآني، والسيرة، وأبو زيد الهلالي، والزير سالم؛ حكايات لا تروي حياة الفرد وحده، بل تمنح الجماعة أصلاً ونسباً ومعنى. ثم قيل لنا إن زمن السرديات الكبرى انتهى، وإن لكل جماعة، بل لكل فرد، سردية صغيرة لها حق الكلام وشرعية الاختلاف. قرأنا ليوتار في «الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة»، ودريدا في «الكتابة والاختلاف». وكتبت على السبورة ذات يوم أحداثاً مفصلية في قريتنا غيّرت حياة الناس لم يسمع بها الطلاب الغارقون في السرديات الكبرى للحروب العالمية وما بعدها. كنتُ يومها قد اشتريتُ منهجية ما بعد الحداثة.

جاءني صديق من كندا وقال: «الحوار الأكاديمي في كندا ليس مثلكم، بل عن مدرسة فرانكفورت، وأولريش بيك، وأنتوني غيدنز والحداثة الانعكاسية». ودخلنا المتاهة. قلتُ له: «ربما يتطلب الأمر تجاهل الاثنين والعودة إلى ماركس وأنماط الإنتاج؛ إذا تغيرت وسائل إنتاج المعنى، فعلينا أن نسأل: مَن يملكها؟!».

لم يعد الاقتصاد السياسي متعلقاً بمن يملك المصنع وحده، بل بمن يملك أدوات إنتاج الصور وتوزيع الأفكار وتحديد ما يستحق الانتباه.

ثم جاءت التسعينات، وجاء الإنترنت. تعرفت إلى غوفر، ثم البريد الإلكتروني، وتعلمتُ كتابة الأكواد التي أظهرت أول صورة لي على الإنترنت، فكنتُ من أوائل أساتذة جورجتاون الذين امتلكوا صفحة شخصية على الإنترنت. بدا الأمر تحريراً من الصحيفة والناشر والتلفزيون.

ظهرت بعد ذلك شركات تصميم الصفحات، ثم «فيسبوك» والمنصات الأخرى، وبدا أن نبوءة ما بعد الحداثة قد تحققت: ماتت القصة الواحدة، وصار لكل إنسان منبر وصورة وحكاية. قال بودريار إن العلامة قد تسبق الأصل وتحل محله، وشرح فوكو كيف تنتج السلطة أنظمة الحقيقة، وفتح دريدا النص على اختلاف لا ينتهي. لكن ما لم ننتبه إليه أن تفتت الحكايات على مستوى المحتوى صاحبه تركّز للسلطة على مستوى التوزيع.

فالخوارزمية لا تكتب السردية الكبرى القديمة، ولا تأمرك بتصديق قصة واحدة. إنها تفعل ما هو أخطر: تقرر أي القصص يظهر، وبأي ترتيب، وكم مرة، ولمن. عند فوكو هذه سلطة تنظم مجال الرؤية، وعند فيبر عقلنة تحول الإنسان إلى أرقام قابلة للحساب. ويسميها دولوز تحكماً لا يغلق الباب... يتغير الطريق تحت أقدامنا. أما عند هابرماس فكانت استعماراً للمجال العام، لأن المنصة لا تستضيف النقاش فقط؛ إنها تصمم الإطار الذي يسبق النقاش. ويعيدنا ماركس إلى السؤال المحرج: مَن يملك المنصة والبيانات والرقائق ومراكز الحوسبة؟

كان أحد أهلي في البر الغربي يستطيع اختصار هذا التاريخ الفلسفي كله بمشهد من استوديو التصوير على الضفة الشرقية من النيل. يحمل المصوّر شريطاً عليه عشرات الوجوه: موتى وعرسان وأطفال وأبواب. الصور كلها موجودة، لكنه يختار واحدة فيكبّرها ويثبتها في المحلول ويُخرِجها إلى النور، ويترك غيرها سالبة في العتمة حتى تأكلها الرطوبة. وبعد زمن يظن الناس أن الصورة المكبرة كانت الصورة الوحيدة الموجودة على الشريط.

وكان سيقول إن الحكايات تشبه عيال زمان في منطقة نقادة: يولدون معاً، لكن بعضهم تخطفه الحمى، وبعضهم يبلغ ويواصل حمل اسم البيت. غير أن موت الأطفال قضاء. أما الحكايات فلها الآن غربال لا نرى يد صاحبه. يقول دارون إن البيئة تنتخب الأقدر على البقاء؛ أما الخوارزمية فتصنع البيئة، ثم تنتخب الأصلح لها. تثير الاهتمام حول قصة، ثم تدّعي أنها رفعتها لأن الناس اهتموا بها؛ تكبّر الصورة لأنها مشهورة، وتجعلها مشهورة لأنها كبّرتها.

هنا تغيَّر معنى «اليد الخفية». عند آدم سميث كانت استعارة لنتائج اجتماعية تنشأ من أفعال أفراد يسعون إلى مصالحهم من دون مدير مركزي. أما اليد الخفية الجديدة فليست نتيجة غير مقصودة فقط. إنها نظام صُمم ورتّب وقاسَ وتعلّم، وإن ظل غامضاً أمام من يخضعون له. وهو لا يبيعنا البضاعة فحسب، بل يرتب «المول»، ويوجه الإضاءة، ويطيل الممر، ويضع الماء بجوار المتجر الذي يريدنا أن نتوقف عنده.

لهذا لم تعد الرأسمالية الثقافية تكتفي بتحويل الفلسفة المعقدة إلى منتج خفيف. لقد انتقلت من بيع الأفكار إلى انتخابها: تمنح بعضها الضوء والغذاء والتكرار، وتترك بعضها يموت قبل أن يعرف الناس أنه وُلد. الأخ الأكبر الجديد لا يفرض علينا حكاية واحدة؛ يسمح لملايين الحكايات بأن تُولَد، ثم يوزع بينها الأكسجين. وبعد ذلك يقنعنا بأن الحكاية التي بقيت حية انتصرت وحدها، وبأن الطريق الذي رسمه لنا كان اختيارنا الحر، رغم أن الخوارزمية هي التي جعلتنا نتوهَّم هذا الاختيار الحر، الذي لم يكن مطلقاً ضمن خياراتنا قبل دخولنا المتاهة.

***

د. مأمون فندي

عن جريدة الشرق الأوسط الندنية، يوم: الاثنين - 02 ربيع الثاني 1448 هـ - 14 سبتمبر 2026 م

قراءة في أطروحة الأستاذ زكي الميلاد

مدخل: لا تكمن صعوبة الإنسان في أنه مُعقَد، بلُّ في أننا نميلُّ، كلما أردنا فهمه إلى تبسيطه (أننا نميلُّ إلى تبسيط كلُّ ما أردنا فهمه… (أكثرَّ مماَ يَّنبغي، وهذه المفارقة هي التي تعود إليها دراسة الأستاذ زكي الميلاد المنشورة على صفحات هذه المجلة، والموسومة بعنوان:

«الإنسان والطبيعة الإنسانية بين منظوريَّن»(1)، لا بوصفها مجرَّد عرَّض لنظرَّيَّات نفسية متجاورة، بلُّ بوصفها سؤالًا عن حدّ التفسير ذاته، متى يَّصبح التفسير إضاءة، ومتى يَّنقلب إلى اختزال؟ وهنا بالضبط تبدأ أهمية النص، لأنه لا يَّناقش الإنسان بوصفه موضوعاً خارجاً عناّ، بلُّ باعتباره الكائن الذي تتقاطع فيه الدوافع والمعاني، الرَّغبات والقيود، الفطرَّة والانحرَّاف.

أطرَّوحة الأستاذ الميلاد تقوم على فكرَّة بسيطة في ظاهرَّها، شديَّدة التركيب في عمقها. الإنسان لا يَّفُهم فهماً كافياً إذا حُصر في دافع واحد، سواء كان اللذَة أو التفوُق

 أو المعنى. هذه الفكرَّة تبدو أول الأمرَّ دفاعاً أخلاقيًا عن صورة مرَّكَبة للذات البشريَّة، لكنها سرعان ما تكشف أنها أكثرَّ من ذلك، كونها نقد لطرَّيَّقة في النظرَّ إلى الإنسان، طرَّيَّقة تميلُّ إلى تحويَّلُّ البعُد الجزئي إلى صورة كلية، ثم تتصرَف كما لو أن الكلُّ قد اكتملُّ. لذلك فإن الدراسة المقصودة تتجاوز مقام «الشرح» إلى مقام «المساءلة»، لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا قال فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ؟ بلُّ أيَّضاً: هلُّ يَّكفي أن نلخّصهم بهذه الطرَّيَّقة لنقول: إننا فهمناهم؟

والجديَّرَّ بالذكرَّ أن اختيار الأستاَذ زكي الميلاد لهذه الثلاثية ليس اعتباطًا، فالفرَّويَّديَّة تمُثلُِّ لحظة مرَّكزيَّة في جعلُّ اللذة مفتاحاً لفهم السلوك، والأدلرَّيَّة تنقلُّ النظرَّ من النقص إلى التعويَّض والسًعي إلى التفوُق، أما فرَّانكلُّ فيفتح أفقاً ثالثاً يجعلُّ المعنى لا مجرََّد قيمة نفسية، بلُّ شرطا للنجاة الوجوديَّة نفسها. وهكذا، فإن هذه الدراسة تسير من التفسير الغرَّيَّزي إلى التفسير التعويَّضي، ثمَُ إلى التفسير الوجودي. لكن هذا التدرَج، على أناقته التنويَّرَّيَّة، يخفي سؤالًا أدق: هلُّ نعرَّض هذه النظرَّيَّات بوصفها أنساقاً فكرَّيَّة كاملة، أم بوصفها مجرََّد علامات كبرى على مسار طويَّلُّ؟

هنا تظهرَّ أولى نقاط التحفُظ المنهجي، فحين نختصر فرَّويَّد في اللذَة، وأدلرَّ في الشعور بالنقص، وفرَّانكلُّ في إرادة المعنى، فإننا نرََّبح وضوحاً سريَّعاً، لكننا نخسر شيئاً من كثافة النظرَّيَّات نفسها، ففرَّويَّد لا يَّقوم على اللذة وحدها، بلُّ على اللاشعور والصراع وآليات الدفاع والتمثيلُّ الرَّمزي. أيَّضاً أدلرَّ لا يخُتزل في التعويَّض، لأنه يَّرَّبط الدافع بأسلوب الحياة والاهتمام الاجتماعي والغايَّة الشخصية. أما فرَّانكلُّ، فإن إرادة المعنى لديَّه ليست مجرَّد رغبة في الاكتمال النفسي، بلُّ موقف وجودي يجعلُّ الإنسان قادرًا على أن يَّتحمَلُّ الألم من داخلُّ معنى يختاره أو يَّكتشفه. بالتالي، المشكلة لا تكمن في اختيار هذه الأسماء، بلُّ في أن طرَّيَّقة تقديَّمها قد تميلُّ أحياناً إلى تبسيطٍ يَّقترب من الاختزال، حيث هذا التمييز بين التبسيط والاختزال حاسم، فالتبسيط أداة شرح، أما الاختزال فادِعاء إغلاق. والتبسيط يَّفتح الباب للفهم، والاختزال يَّغلقه باسم الفهم.

على أساس ما سبق، فإن أيَ قرَّاءة جادَة لأطرَّوحة الأستاذ الميلاد يَّنبغي أن تسأل: هلُّ هو يَّبسّط النظرَّيَّات لتقرَّيَّبها من القارئ، أم إنه يحُوِلها إلى عناويَّن تختزلها أكثرَّ مما تحتملُّ؟ هذا السؤال ليس فرَّعيًا، فمن يَّرَّيَّد أن يَّنقد الاختزال لا يَّنبغي أن يَّمارس اختزالًا موازيَّاً له، ولو بحسن نيَة .

ومن جهة أخرَّى، تذكّرَّنا الدراسة، من حيث لا تقول ذلك صراحة، بأن العلوم النفسية الحديَّثة نفسها لم تقف عند حدود الدوافع الأحاديَّة. فسيليغمان، مثلاً، حين انتقلُّ إلى علم النفس الإيجابي، لم يَّعد يَّسأل فقط: ما الذي يخُفِف المرَّض؟ بلُّ: ما الذي يجعلُّ الحياة مزدهرَّة؟ هنا يَّتبدَل السؤال من التشخيص إلى البناء، ومن العجز إلى الرَّفاه، ومن النقص إلى عناصر الحياة الجيدة: الانخرَّاط، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز، هذه النقلة مهمة لأنها تكشف أن مقاومة الاختزال ليست مجرَّد مطلب قرَّآني أو فلسفي، بلُّ تحوُلًا داخلُّ العلم نفسه.

 معنى هذا أن أطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد، في مستواها الأول، لا تقف فقط عند حدود النقد النفسي، بلُّ تفتح سؤالًا أوسع: كيف نفهم الطبيعة الإنسانية من دون أن نحبسها في وظيفة واحدة أو دافع واحد؟ هذا هو السؤال الذي سيقودنا إلى مستوى أعمق، حيث لن يَّكون الأمرَّ مجرََّد مقارنة بين مدارس نفسية، بلُّ مساءلة للبنية التي تجعلُّ الإنسان، في النهايَّة، أكثرَّ من مجموع دوافعه.

حينئذٍ لا يَّعود الأمرَّ مجرَّد مقارنة بين ثلاثة أسماء كبيرة في تاريَّخ علم النفس، بلُّ يَّصير مساءلة لطرَّيَّقة تصوَر الإنسان نفسه: أهو كائن تحرَّكه اللذَة؟ أم الذي يَّنهض من شعور بالنقص؟ أم الذي يَّعيش ليمنح حياته معنى؟ هذه الأسئلة ليست متجاورة فقط، بلُّ متداخلة؛ لأنها تكشف أن الإنسان الحديَّث لم يَّعد يَّفُهم من خلال وحدة بسيطة، بلُّ من خلال شبكة من الدوافع والمتطلبات والمواقف التي تتقاطع فيه وتتجاذبه، وهذا بالضبط ما يجعلُّ تمثلُّ ثلاثية فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ أكثرَّ من مجرَّد تصنيف معرَّفي؛ إنها تعبير عن تاريَّخ طويَّلُّ من التوترُّ بين تفسير الإنسان بوصفه موضوعاً طبيعيًا، وتفسيره بوصفه ذاتاً تبحث عن سبب لوجودها .

 ثلاثية الدافع الإنساني

عندما نقرَّأ فرَّويَّد في ضوء أطرَّوحة الأستَاذ الميلاد، نجد أنفسنا أمام لحظة تأسيسية في فهم الدافع الإنساني، لحظة جعلت من اللذة مفتاحاً أوليًا لتفسير كثير من السلوك، غير أن قيمة فرَّويَّد لا تختزل في هذا المفتاح، لأن مشروعه أوسع من ذلك: إنه يَّسعى إلى الكشف عن البنية اللاشعوريَّة التي تشتغلُّ تحت سطح الوعي، وعن الصراع بين الرَّغبات والموانع، وعن الحيلُّ التي تبني بها الذات صورتها عن نفسها. ففي تقديَّرَّي، إن اختزال فرَّويَّد في اللذَة وحدها قد يَّكون عمليًا في العرَّض، لكنه يَّضعف التعقيد النظرَّي الذي يَّمُيزِ مشروعه. وهنا يَّظهرَّ أول فرَّق بين التبسيط المفيد والاختزال المخلّ: الأول يختصر من أجلُّ الفهم، أما الثاني فيختصر حتى يَّغُلق .

ويَّنطبق الأمرَّ نفسه على أدلرَّ، فحين يَّقُدَم بوصفه منظّرًَّا للتفوُق أو للتعويَّض عن النقص، يَّبدو وكأنه يَّرَّدّ الإنسان إلى جرَّح نفسي واحد يَّدفعه إلى البحث عن مكانة أعلى. بينما أدلرَّ، في الحقيقة، يَّرَّبط الدافع الإنساني بأسلوب الحياة، وبالاهتمام الاجتماعي، وبالقدرة على إعادة تنظيم الذات داخلُّ العالم، وهو بهذا يَّقترب من سؤال ترَّبوي وأخلاقي بقدر ما يَّقترب من سؤال نفسي. فالسعي إلى التفوُق ليس عنده مجرََّد تعويَّض عن ضعف، بلُّ محاولة لبناء نمط حياة أكثرَّ اتسِاقاً مع الذات ومع الآخرَّيَّن. وهذا الَتَفصيلُّ مهم لأن أطرَّوحة الأستاذ الميلاد، وهي تحاول نقد الاختزال، تحتاج بدورها إلى ألا تختزل هذه النظرَّيَّة في ظاهرَّها الخاطف .

أما فرَّانكلُّ، فهو الحلقة الأكثرَّ قرَّباً من الإشكال الذي تعالجه الدراسة. فإرادة المعنى عنده ليست رغبة في الإشباع، ولا مجرََّد تعويَّض عن نقص، بلُّ هي صياغة جديَّدة لسؤال الإنسان نفسه: كيف يَّظلُّ المرَّء إنساناً حين يَّتعرََّض للحصار والألم والفرَّاغ؟ هنا يَّنتقلُّ علم النفس من تفسير ما يَّدفعنا إلى تفسير ما يحمينا من السقوط في العبث. وهذا هو المعنى العميق للمنظور الوجودي: أن الإنسان لا يَّفُهم فقط بما يَّطلبه، بلُّ بما يَّقدر على احتماله، وبما يَّصنعه من الألم، وبما يَّستخرَّجه من التجرَّبة من معنى .

 بين التبسيط والًاختزال

 الحدُ المنهجي للأطرَّوحة يَّظهرَّ كيف الثلاثية مفيدة، بلُّ ضروريَّة، لكنها تصبح مشكلة إذا تحوَلت إلى تمثيلُّ نهائي لتاريَّخ الفكرَّ النفسي. التبسيط هنا ليس خطأ، أما الاختزال فهو موضع النقد، حيث التبسيط يَّضع المدخلُّ في متناول القارئ، أما الاختزال فيغلق الفضاء ويَّقول لنا: إننا دخلنا كلُّ الفضاء. ولذلك يَّنبغي قرَّاءة الأستاذ الميلاد بوصفه يَّمارس تبسيطاً معرَّفيًا مشروعاً في خطوطه العامة، لكنه يحتاج إلى مزيَّد من التدقيق حتى لا يَّبدو كما لو أنه يَّعُيد عرَّض النظرَّيَّات عبر شعاراتها الأساسية فحسب .

ومن المفارقة أن هذا الإشكال لا يخص الدراسة وحدها، بلُّ يَّلامس أيَّضاً الفكرَّ النفسي المعاصر كله. فحين انتقلُّ سيليغمان إلى علم النفس الإيجابي، كان يَّفعلُّ شيئاً قرَّيَّباً من هذا النقد: يَّرَّفض أن يَّبقى الإنسان موضوعاً للعجز والمرَّض فقط، ويَّقترح أن نفهمهأيَّضاً من خلال شروط الازدهار، ثم صارت الحياة الناجحة في هذا المنظور بناءً مرَّكَباً يَّقوم على الانخرَّاط، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز، بدل أن تكون مجرََّد تخلص من الألم، وهذه النقلة بالذات تعُمِق الفكرَّة التي تشتغلُّ عليها الدراسة: أن الإنسان لا يخُتزل في واحدة من حرَّكاته الداخلية، بلُّ يَّعيش في توترُّ بين ما يَّنقصه وما يحُقِق به نفسه .

 الطبيعة الإنسانية بين الوجود والمعنى

إذا خرَّجنا من دائرَّة النقد النظرَّي إلى أفق أوسع، فإن الطبيعة الإنسانية تتبدَى في ضوء علم النفس الوجودي بوصفها شيئاً آخرَّ غير ما تقترحه النظرَّيَّات الغرَّيَّزيَّة أو التعويَّضية وحدها. الإنسان هنا ليس مجرَّد كائن تحُرِّكه الدوافع، بلُّ ذات تعيش داخلُّ أسئلة الحرَّيَّة والمسؤولية والقلق والمصير، والتحوُل ليس مجرَُّد انتقال في اللغة، بلُّ في الصورة الكلية للإنسان. فبدل أن نسأل: ما الذي يجعله يَّفعلُّ؟ نسأل: كيف يَّواجه وجوده؟ وبدل أن نتصوَر النفس كحقلُّ من المطالب، نكون أمام كائن يَّواجه عدم اليقين ويحاول أن يَّبني معنى وسط التهديَّد .

في هكذا الأفق، يَّصبح فرَّانكلُّ أكثرَّ من مجرَّد مرَّجع نفسي؛ إنه شاهد على أن الإنسان قد يَّنجو من الانكسار حين يَّظلُّ قادرًا على إنتاج معنى. ولذلك فإن الطبيعة الإنسانية، في القرَّاءة الوجوديَّة، ليست جوهرًّا صلباً ولا آلة بيولوجية، بلُّ إمكان مفتوح يَّتشكَلُّ داخلُّ التجرَّبة، وبالتالي هذه النقطة تلتقي بعمق مع الرَّؤيَّة القرَّآنية، لا على مستوى التطابق الاصطلاحي، بلُّ على مستوى الفكرَّة الكبرى: الإنسان ليس منتهياً عند شهوته، ولا مكتملاً في نقصه، بلُّ هو كائن يَّبُتلى ويخُتبر ويَّدُعى إلى أن يَّستجيب لما هو أعلى من مجرََّد الميلُّ.

 الإنسان في القرآن

في القرَّآن، لا يَّظهرَّ الإنسان كنسخة ديَّنية من «الذات النفسية» الحديَّثة، بلُّ بوصفه كائناً ذا فطرَّة، أي ذا استعداد أصيلُّ نحو الحق والمعرَّفة والخير. وهذه الفطرَّة، كما توُضِحه الدراسات المعاصرة في هذا المجال، ليست كمالًا فعليًا، بلُّ قابلية أولى تفتح الإنسان على التوجُه إلى الله وعلى الاعتراف بالمعنى، مع بقائه قابلاً للانحرَّاف إذا فسدت وجهته أو تشوَهت بيئته أو انحرَّفت إرادته. كما أن الفطرَّة ليست تبريَّرًّا ساذجاً لخير طبيعي مطلق، بلُّ إطارًا يَّفُسِر لماذا يَّكون الإنسان مسؤولًا: لأنه مهيَأ للخير، لكنه غير مضمون فيه .

وهنا تأتي ثلاثية الأستاذ زكي الميلاد القرَّآنية: الكبر، وحب التملك والخلود، والحسد. وهذه ليست مجرَّد صفات أخلاقية منفصلة، بلُّ مفاتيح لفهم ما يحدث عندما يَّبتعد الإنسان عن فطرَّته .

الكُّبر: هو رفض الاعتراف بالحد .

حب التملك والخلود: هو التورُط في وهم السيطرَّة على العالم والزمن.

الحسد: هو انهيار العلاقة بالآخرَّ حين يَّتحوَل حضوره إلى تهديَّد.

عبر هذه القرَّاءة تصبح القصص القرَّآنية، من إبليس إلى آدم إلى قابيلُّ وهابيلُّ، تشريحاً رمزيًّا لانحرَّاف النفس من الداخلُّ، لا مجرََّد سرد لأحداث سابقة، حيث يَّلتقي التحليلُّ النفسي بالتحليلُّ القرَّآني: كلاهما يَّرَّفض سطح السلوك ويَّبحث عن الجذر. لكن الفارق بينهما جوهرَّي، لا شكلي، النص القرَّآني ليس نظرَّيَّة نفسية تجرَّيَّبية، بلُّ أفق هدايَّة وتأصيلُّ، يَّشتغلُّ على الإنسان من جهة الفطرَّة والتكليف والابتلاء والاستحلاف.

 لذلك لا يَّنبغي أن نسُرع إلى تحويَّلُّ هذا الأفق إلى نموذج نفسي مباشر؛ لأن ما يَّتيحه القرَّآن هو أساس أنثرَّوبولوجي وأخلاقي، أما تحويَّله إلى بناء نظرَّي فيحتاج إلى وسائط: مفاهيم، تحليلات، ونقاشات منهجية جوهرَّيَّة مع العلوم الحديَّثة. مما يَّبُرز أهمية التمييز بين الاستلهام والاستنباط والبرهنة. فالاستلهام يَّلتقط الاتجاه العام، والاستنباط يحُدِد الدلالة، والبرهنة تثبت إمكانية إدراج هذه الدلالة داخلُّ نسق معرَّفي محكم .

 آفاق النظرية

مما تقدَم تتكشف قيمة مزج الأستاذ الميلاد بين القرَّآن وعلم النفس الوجودي، فالنص القرَّآني يَّمنحه أفقاً تأصيليًا، وعلم النفس الوجودي يَّمنحه تأويَّلُّ لغوي للحرَّيَّة والمعنى والمسؤولية، لكن هذه الآفاق لا يَّنبغي أن تتحوَل إلى قفزة؛ لأن القفزة تمحو الفرَّوق بدل أن تنُظمِها، الأفضلُّ أن نقول: إن القرَّآن يَّقدّم صورة عن الإنسان بوصفه مخلوقاً ذا فطرَّة ومسؤولية، فيما يَّبيّن علم النفس الوجودي أن الإنسان يَّصوغ نفسه في مواجهة القلق والحدود. وبين الصورتين حوار قوي، لكنه ليس هويَّة كاملة .

ثمتزداد الصورة وضوحاً إذا استحضرَنا داماسيو؛ لأن حديَّثه عن الجسد والعاطفة والوعي يَّذكّرَّنا بأن الإنسان ليس عقلاً مُعلقاً فوق العالم، ولا روحاً منفصلة عن مادته، بلُّ كائن مُتجسِد تنكشف ذاته عبر ما يَّشعرَّ به وما يَّقصده وما يَّعيشه. وهذا مهم جدًا في سياق النقد الذي نحن بصدده؛ لأن أيَ تصوُر يختزل الإنسان في دافع واحد يَّنسى أن الدافع نفسه لا يَّعملُّ في فرَّاغ، بلُّ داخلُّ جسد وتجرَّبة وذاكرَّة وعلاقة، يَّعني لا يَّصبح الاختزال مجرََّد تبسيط مخلٍُّ، بلُّ خطأ في التصوُر نفسه.

كما تفُيد هنا نظرَّيَّة التحديَّد الذاتي التي تجعلُّ من الاستقلالية والكفاءة والانتماء ثلاث حاجات أساسيةَ لنمو الإنسان، هذه النظرَّيَّة تساعدنا على فهم لماذا لا يَّكفي أن نختزل الإنسان في اللذة أو في النقص أو حتى في المعنى وحده، لأن ثمّة أيَّضاً الحاجة إلى أن يَّشعرَّ الإنسان بأنه فاعلُّ، وأنه قادر، وأنه منتمٍ. وهذه الأبعاد كلها تكشف أن الطبيعة الإنسانية أوسع من أي صيغة أحاديَّة، وأن قيمتها ليست في البساطة، بلُّ في القدرة على التداخلُّ بين مختلف مستويَّاتها.

 المستخلص

تصلُّ قرَّاءتي لأطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد، في ضوء ما سبق، إلى نتيجة مزدوجة: فهي من جهة دراسة جادَة ومهمّة، لأنها تعُيد السؤال عن الإنسان إلى موقعه الأول، أي إلى المفصلُّ الذي تتقاطع فيه النفس والمعنى والأخلاق والفطرَّة. ومن جهة أخرَّى كونها دراسة تحتاج إلى مزيَّد من الصقلُّ المنهجي، لا لأنها ضعيفة، بلُّ لأنها طموَحة؛ وكلُّ طموح تأصيلي كبير يَّظلُّ مُهدَدًا بأن يَّتجاوز حدوده الأدواتية إذا لم يَّضُبط بدِقة.

كما لا تغفلُّ عن أن القيمة الأساسية هنا ليست في أنها قدَمت إجابة نهائية، بلُّ في أنها أعادت فتح السؤال: ما الإنسان؟ وهلُّ يَّقُرَّأ من دافعه، أم من معناه، أم من توترَُّه بين الفطرَّة والانحرَّاف؟

نجحت الدراسة، أولًا، في مقاومة النزعة الاختزالية التي هيمنت طويَّلاً على بعض التصوُراتَ الحديَّثة للذات الإنسانية، حيث تذكّرَّنا بأن الإنسان لا يَّفُهم فهماً كافياً إذا حُصر في اللذة أو التفوُق أو حتى المعنى المجرَّد. وهذا في ذاته موقف مهم؛ لأن الفكرَّ الحديَّث كثيرًا ما وقع في إغرَّاء التفسير الواحد، بينما الإنسان، في الواقع، كائن يَّتجاوز أي مفتاح أحادي .

كما تنجح الدراسة، ثانياً، في وصلُّ النفس بالأخلاق، وهو وصلُّ ضروري؛ لأن السلوك الإنساني لا يَّبُنى على البنية النفسية وحدها، بلُّ على الوجهة التي تمنح هذه البنية معناها .

وتنجح، ثالثاً، في إعادة إدخال البعد الرَّوحي والحضاري إلى سؤال الطبيعة الإنسانية، وهو ما يَّمنحها قيمة خاصة في سياق عرَّبي يحتاج إلى تجاوز التفسيرات الوظيفية الضيقة.

غير أن هذه القوة نفسها تكشف حدودًا يَّنبغي التنبَه لهُا، فالتقديَّم المختصر للنظرَّيَّات النفسية، على وجاهته المعرَّفية، يحتاج إلى مزيَّد من التوغلُّ حتى لا يَّبدو وكأن فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ مجرََّد عناويَّن متجاورة. كما أن الانتقال من الرَّؤيَّة القرَّآنية إلى الصياغة النظرَّيَّة يحتاج إلى وضوح أكبر في التفرَّيَّق بين الاستلهام والاستنباط والبرهنة؛ لأن الفارق بين هذه المستويَّات ليس لفظيًا، بلُّ هو الذي يحُدِد ما إذا كان النص قد بنى مفهوماً أم اكتفى بإيحاء تأويَّلي.

 أضف لذلك الحوار مع علم النفس الوجودي، ومع سيليغمان، وداماسيو، ونظرَّيَّة التحديَّد الذاتي، يَّمكنه أن يَّكون أوسع قليلاً، لا لإحلال هذه المرَّجعيات محلُّ الرَّؤيَّة القرَّآنية، بلُّ لتقويَّة الحجة، وإظهار أن نقد الاختزال ليس مطلباً خاصًا بتصوُر دون آخرَّ، بلُّ أفقاً معرَّفيًا تشترك فيه حقول مُتعدِدة.

بكلُّ أمانة، يَّمكن القول: إن أطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد لا تنتمي إلى النصوص التي تقُرَّأ ثم تطُوى، بلُّ إلى النصوص التي تحُدث أثرًّا؛ لأنها تضع القارئ أمام سؤال لم يَّعد سهلاً: هلُّ الطبيعة الإنسانية بنية ثابتة، أم مجال متوترَِّ بين الفطرَّة والشرط، بين الحرَّيَّة والمسؤولية، بين المعنى والمحنة؟ وهذا بالضبط ما يَّمنح الدراسة قيمتها الأعلى: إنها لا تدّعي أنها أغلقت السؤال، بلُّ تذكّرَّنا بأن كلُّ إغلاق للإنسان هو في ذاته نوع من سوء الفهم، وإذا كان ثمَة تقييم نهائي لها، فهو أنها تملك من القوة الفكرَّيَّة ما يجعلها جديَّرَّة بالنقاشات.

***

ا. مراد غريبي - كاتب وباحث من الجزائر

عن مجلة الكلمة، العدد 131، ربيع 2026م /7144هـ، السنة الثالثة والثلاثون، ص94 - 113.

عالمُ السياسة إدوارد بانفيلد طرحَ مفهومَ «النزعة العائلية اللاأخلاقية»، ويقصد به عجز النَّاس عن العمل معاً من أجل المصلحة العامة. تركيز الفرد يكون على مصالحه الشخصيةِ أو عائلته أو قبيلته، وأي شيء خارج هذه العلاقاتِ لا يعنيه. مفهوم المصلحةِ العامة خارجٌ عن تفكيره ولا يقع ضمن اهتماماته.

تأثير ثقافة «النزعة العائلية اللاأخلاقية» مدمّر على تطور المجتمعات، لأنَّ الجميعَ يعمل فقط لتعظيم المكاسبِ المادية للعائلة القريبة، حتى بطرق غير شرعية أحياناً.

يقول بانفيلد إنَّ مثل هذه الثقافة تنتج ما يلي: «لا أحد يخدم مصلحة الجماعة إلا إذا خدم مصلحتَه الشخصية أولاً. يتم تجاهل القانون عندما لا يوجد خوف من العقاب. تنتشر الرشوة والمحسوبية عندما يكون الإفلات منهما ممكناً».

ما يقصده الكاتبُ أنَّ المجتمعات التي تهيمن عليها الشكوكُ والأحقاد والحسد والمصلحة العائلية الضيقة، تجد صعوبة في بناء العمل الجماعي، فتتعثَّر التنمية حتى لو توافرت الموارد. لا توجد أي أسباب خارجية تدفع الفرد للتصرف على هذا النحو. إنَّها، مرة أخرى، الثقافة التي تشكّل تفكيره وسلوكه.

لفقر ليس بسبب قلَّة الموارد أو الاستعمار، ولكن بسبب هيمنةِ المصالح الضيقة وغياب أي شعور عام بالمصلحة العامة للوطن الأكبر. من جانبه، يُحمّل الصحافي الفنزويلي كارلوس رانخيل الأساطيرَ الثقافية التي سيطرت على أميركا اللاتينية، مسؤوليةَ هيمنة ذهنية التخلف. من هذه الأساطير فكرة «المتوحّش النبيل»، وهي صورة الهندي قبل وصولِ الأوروبيين، وتصويره كأنَّه يعيش حياةً مثالية أشبهَ بالنعيم قبل أن يدمّرها الاستعمار الأوروبي.

الأسطورة الثقافية الأخرى هي أسطورة «الثوري النبيل»، وهي صورة شخصية الثائر الماركسي اللينيني الذي يحمل على كاهله إنجاز مهمة بطولية؛ وهي تطهير أميركا اللاتينية من التَّأثير الاستغلالي والفاسد لأوروبا والولايات المتحدة الأميركية!

المشكلة الكبرى التي يعزو إليها فشل أميركا اللاتينية هي الإيمانُ اليقيني لدى قطاعاتٍ ثقافية وسياسية وشعبية بأنَّ أميركا «الإمبريالية» هي خلف تخلّفِ أميركا اللاتينية.

ويهاجم الكاتبُ بشدةٍ الثقافةَ الإسبانية التي هيمنت على أميركا اللاتينية، ويتهمُها بزرع قيمٍ ثقافية مناهضة للتقدم والنجاح، إذا قورنت بكندا والولايات المتحدة التي سيطرت عليهما الثقافةُ الإنجليزية أو الأنغلوسكسونية بشكل عام.

يقول الكاتب: «إنَّ من سوء حظ أميركا اللاتينية أنَّها استعمرت من قبل إسبانيا في مرحلة تاريخية بدأت فيها إسبانيا ترفض روحَ الحداثة الصاعدة، وتقف ضد العقلانية والتجريبية وحرية الفكر، أي ضد الأسس التي قامت عليها الثورةُ الصناعية والليبرالية الحديثة والتنمية الرأسمالية».

من القيم السلبية التي نقلتها الثقافةُ الإسبانية في ذلك الوقت إلى أميركا اللاتينية: النفور من العمل، والميل إلى العنف، وغياب التعاون الاجتماعي، والنزعة السلطوية وفقاً لقول الكاتب.

ولا يتوقف الكاتبُ عن نقد الهيمنة الإسبانية على أميركا اللاتينية، ويقول إنَّ تقاليد الاحتكار والامتيازات والقيود المفروضة على النشاط الاقتصادي الحر ما زالت راسخة في المجتمعات ذات الأصل الإسباني.

الكنيسة الكاثوليكية لعبت دوراً سلبياً ومضراً في الثقافة اللاتينية، بحيث لم تشجّع على السلوك العملي والانضباط والادخار والالتزام والمسؤولية الاجتماعية، وذلك على العكس من الثقافة البروتستانتية التي أثرت عميقاً في ثقافة المجتمعات بأميركا الشمالية.

ويرى أنَّه لو غزا الإسبان أميركا الشمالية، فمن المرجّح أن تكون الولايات المتحدة وكندا دولتين متعثرتين. من حسن حظهما أنَّ العكس هو الذي حدث. هذا دليل آخر على أنَّ الثقافة تلعب دوراً محوريّاً في مصير المجتمعات، ولكن الاعتراف بذلك جارح للكبرياء، والأسهل هو إلقاء اللوم على الأشرار في الخارج!

***

د. ممدوح المهيني

 

عن جريدة الشرق الأوسط، السبت: 09 ربيع الأول 1448 هـ - 22 أغسطس 2026 م

ليست الأخلاق مجموعة من القوانين الجامدة التي نحفظها عن ظهر قلب، ولا قائمة طويلة من الممنوعات والمحظورات، التي نرددها في المدارس والمساجد والبيوت. فالأخلاق بلا وعي ليست سوى قيود جوفاء، وأوامر ونواهٍ فقدت معناها الإنساني. إن الأخلاق هي الجسد، أما الوعي فهو الروح التي تمنحه الحياة والمعنى. وحين ينفصل الجسد عن روحه، لا يبقى سوى هيكل فارغ يبدو حياً من الخارج لكنه في الحقيقة ميت من الداخل.

كثيرون يختزلون الأخلاق في عدم السرقة، وتجنب الفساد، والامتناع عن الخوض في أعراض الناس، وعدم الظلم أو أكل الحقوق. ولا شك أن هذه السلوكيات تمثّل جزءاً أصيلاً من المنظومة الأخلاقية، لكنها ليست الأخلاق كلها. فالأخلاق أوسع من ذلك بكثير، إنها القدرة على رؤية إنسانية الإنسان قبل أي شيء آخر، والشعور بألمه ومعاناته، واحترام حقه في الاختلاف، وقبول تنوعه الفكري والثقافي والديني والاجتماعي. الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما نتعامل مع الآخر باعتباره إنساناً كاملاً في الكرامة والحقوق، لا نسخة أخرى منَّا يجب أن تشبهنا حتى نستحق احترامها.

إن فهم الأخلاق بوصفها مجموعة من المحرمات فقط هو فهم عقيم وقاصر لجوهرها الحقيقي. فكم من إنسان لا يسرق ولا يكذب ولا يعتدي على أحد، لكنه يحتقر الفقير، ويزدري المختلف، ويتعالى على من يراه أقل مكانة أو نفوذاً. وكم من شخص يتحدث عن الفضيلة والشرف، بينما يمارس التهميش والإقصاء والتنمر والتمييز ضد الآخرين. إن الأخلاق ليست فقط ما نمتنع عن فعله، بل أيضاً ما نفعله تجاه الناس من رحمة وعدالة وتعاطف وإنصاف. كما أن الدين والعلم تم تسخيرهما لخدمة مفاهيم انحيازية لثقافات معينة جعلتها نسخة بما تؤمن به تلك المجتمعات ومحاولتها.

وفي مجتمعاتنا العربية يزداد الأمر تعقيداً، لأن مفهوم الأخلاق ارتبط عبر قرون طويلة بثنائية الشرف والعار، وغالباً ما تم تفسير هذه الثنائية من منظور ذكوري بحت. فأصبحت المرأة في بعض العقول معياراً للشرف ومخزناً للعار، وتحولت إنسانيتها إلى قضية ثانوية أمام الأدوار التي رُسمت لها سلفاً. يُنظر إليها أحياناً بوصفها عالة على المجتمع، أو مجرد وعاء للإنجاب، أو كائناً خُلق لخدمة الرجل وإرضائه، بينما يُنظر إلى أي محاولة لعكس هذه المعادلة باعتبارها اعتداءً على الرجولة أو خروجاً عن الأخلاق.

هذا التصور لا يمثل أخلاقاً، بل يمثّل تشويهاً لها. فالأخلاق التي تنتقص من إنسانية نصف المجتمع ليست أخلاقاً، والفضيلة التي تُقاس بجنس الإنسان أو شكله أو دوره الاجتماعي ليست فضيلة. لا يمكن لمنظومة أخلاقية أن تكون عادلة وهي تقوم على التمييز والتفوق الوهمي بين البشر.

لقد تربت أجيال كاملة على أفكار تتسلل إلى العقل منذ الصغر حتى تصبح حقائق مقدسة لا تقبل النقاش، أن هناك بشراً أفضل من غيرهم بحكم النسب أو اللون أو الثروة أو المكانة الاجتماعية، وأن بعض الناس يستحقون الاحترام أكثر من غيرهم، وأن الفقير أو العامل أو الأجنبي أو المختلف أقل قيمة من أصحاب النفوذ والمال. هذه الأفكار لا تُدرَّس في المناهج بصورة مباشرة، لكنها تُبث يومياً في البيوت والممارسات الاجتماعية حتى تتحوّل إلى جزء من الوعي الجمعي.

ومن هنا يظهر الفرق بين الأخلاق والوعي. فالأخلاق قد تمنع الإنسان من السرقة، لكن الوعي يمنعه من احتقار الآخرين. والأخلاق قد تمنعه من الاعتداء الجسدي، لكن الوعي يمنعه من ممارسة الإقصاء والتهميش والتمييز. والأخلاق قد تدعوه إلى التسامح، لكن الوعي يجعله يدرك أن البشر خُلقوا سواسية في الكرامة، وأنه لا وجود لنوع بشري سامٍ أو لعرق أنقى من غيره، ولا لإنسان أعلى مرتبة من إنسان آخر إلا بقدر ما يقدمه من خير وعدل ورحمة.

إن أخطر أشكال الانحطاط الأخلاقي ليست تلك التي ترتكب الشر عن قصد، بل تلك التي تمارس الظلم وهي مقتنعة بأنها تدافع عن الفضيلة. والأكثر رعباً من العمى أن تكون الوحيد الذي يبصر وسط جمع يرفض رؤية الحقيقة. فحين يغيب الوعي، تتحوّل الأخلاق إلى أداة للوصاية والقمع والإقصاء، وتصبح القيم الجميلة مجرد شعارات فارغة.

إن المجتمعات لا تحتاج إلى مزيد من الوعظ الأخلاقي بقدر حاجتها إلى وعي أخلاقي جديد، وعي يعيد تعريف الفضيلة بوصفها احتراماً كاملاً لإنسانية الإنسان، ويجعل الرحمة والعدل والمساواة والتعاطف أساساً لكل قيمة. فالأخلاق بلا وعي جسّد بلا روح، والوعي بلا أخلاق روح تائهة بلا اتجاه، ولا تنهض الأمم إلا عندما يلتقي الاثنان في إنسان يرى الآخر إنساناً قبل أي صفة أخرى.

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الامارتية، يوم: 24 أغسطس 2026 22:30

صامويل هنتنغتون مفكر استراتيجي أميركي محافظ اشتهر بمقالته عام 1993 التي صارت كتاباً عام 1996 بعنوان: «صراع أو صدام الحضارات». لكنني اليوم أريد التحدث عن الكتاب الذي ألّفه مع أحد تلامذته عن تأثيرات الثقافة في السياسة أو السلوك السياسي. ومن السهولة بمكان تعريف أو وصف السياسة، خصوصاً إذا كان المعني بها السلوك السياسي لحكومة أو رجل دولة. أما الثقافة فشأنها عسير لأن مفهومها أو مفاهيمها متشعبة؛ فقد يكون المقصود بها المعنى العام، أي ما يشبه «رؤية العالم» لدى فردٍ أو جماعة، وتتناول الأوليات الدينية والأخلاقية ومسائل الخير والشر والحسن والقبح والصحيح والخطأ. وفي حين يعتبر الفيلسوف هانز غادامر أصول الرؤية هذه هي المقصود بالتراث الذي يجرُّه الإنسان معه ولا يستطيع الخروج منه؛ يرى السوسيولوجيون أن الثقافة هي المحيط الذي يعيش فيه الإنسان حيواته التربوية واللغوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيحتضنه ويتحكم فيه، ويبقى للموروث تأثير لكنه ليس الخيار الحاسم في المواقف إلَّا في الأزمات الكبرى.

هنتنغتون يقصد بالثقافة التي تؤثر في السياسة أو السياسات ما يسميه الثقافة أو الحضارة اليهودية - المسيحية ذات المنحى الليبرالي التي انتصرت في الحرب الباردة! وهذا بناءٌ اخترعه الرجل ليس له أصل تاريخي، باستثناء تبنّي العهد القديم من جانب المسيحيين، وهناك خلاف بين الكاثوليك والبروتستانت في موقع العهد القديم في الكتاب المقدس. المهم أنه بسبب ما لاقته أطروحة الحضارة عند هنتنغتون من ردود، صار يفضّل الإحالة في التأصيل على الثقافة الغربية التي ترتبط بالديمقراطية والسلام.

أما سبب العودة للثقافة الآن، فهو الضجيج الذي حصل ويحصل بسبب الحروب وأهوالها، سواء حرب روسيا - أوكرانيا، أو حروب أميركا وإسرائيل - إيران. في عام 2002، كان هنتنغتون شديد الحماسة للحرب على العراق، باعتبار أنّ صدّام حسين يمتلك إرثاً ثقافياً عنيفاً، لأن الإسلام يمتلك حواشي دموية؛ فكيف إذا امتلك السلاح النووي؟(!). فلما قابلتُه في الجنادرية بالرياض عام 2006 كان قد صار ضد الحرب، وليس لأن النووي العراقي ثبت أنه أسطورة إعلامية أميركية، بل لأن الغزو تسبب في المواجهة بين ثقافتين عنيفتين: الإيرانية والعربية ولهما أصل إسلامي. ولما سأله أحد الحاضرين عن مسؤولية ثقافة الرئيس جورج بوش الابن الدينية عن غزوه للعراق، خصوصاً أنه يستخدم مصطلح الحرب الصليبية، انزعج، وقال إن النقاش خرج عن حدوده العقلانية(!).

إنّ البارز الآن كثرة الحديث عن الثقافة ذات الأبعاد الدينية والأخلاقية باعتبارها دوافع في السلوك الحربي. لكنّ الملحوظ شدة التضارب والتلاعب بالثقافة وبالدين؛ فمن الذي سيصدّق أنّ سلوك بنيامين نتنياهو العنيف توراتي، أو أن سلوك الرئيس دونالد ترمب دافعه أنه من الإنجيليين الجدد المتطرفين؟! ويُظهر الرئيس فلاديمير بوتين بعضاً من اهتمام بالكنيسة الأرثوذكسية، ويردّ عليه الأوكرانيون بتغيير مسار الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية؛ فمن الذي سيصدّق أنّ بوتين وفولوديمير زيلينسكي (اليهودي الأصل) تحركهما في حربهما دوافع دينية. والأوكرانيون في كثرتهم الساحقة أرثوذكس، لكنّ الدوافع الوطنية هي التي تحركهم في الدفاع ضد الروس الأرثوذكس مثلهم.

إنّ كل هذا لا يعني أنّ الانتماء الديني ليس مهماً، لكنّ الدين كما نعرف هو قوة ناعمة، وقد جرى استخدامه تلاعباً في صناعة العنف، ففشل الاستخدام بعد وقتٍ قليل. أما الشكل الثاني من أشكال الاستخدام للدين، فما قام ويقوم به المتطرفون باسمه، كما اشتهر لدى العنيفين من الشبان باسم الإسلام، وهؤلاء شكّلوا انشقاقاتٍ في الدين، والظاهرة أبرز لدى المتطرفين باسم الإسلام، بيد أنّ التطرف موجودٌ في الديانات الأخرى، مثل بوذيي ميانمار، وهندوسية بعض نواحي الهند.

إنّ خطورة أُطروحة هنتنغتون التي يُستشهد بها كثيراً من دون ذكر اسمه أو الإحالة عليه أنها لاقت قبولاً من بعض صُنّاع السياسة في أوروبا وأميركا، ومن العاملين في سياسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ثم (من جهة ثانية) من كثافة الهجرة إلى أوروبا من بلدانٍ فيها كثرة من المسلمين، بحيث ظهر مصطلح الإسلاموفوبيا، وما عاد التخلص منه سهلاً ما دامت الظاهرة مستمرة!

الظواهر الثقافية ليست جواهر ثابتة في الماضي أو في الحاضر. وحتى فوكوياما صاحب «نهاية التاريخ» قال فيما يشبه الردّ على هنتنغتون: «لماذا ينفرد الإسلام بالتجوهر بينما تتغير كل الديانات الأخرى؟»، أما ريتشارد بوليت صاحب كتاب «الحضارة المسيحية - الإسلامية»، فقال إن «التشارك الوثيق كان في الماضي، أما في الحاضر وقد تغير الطرفان تماماً فينبغي البحث عن أسلوبٍ آخر للتشارك»!

إنّ الأحرى القول إنّ السياسات في المدى المتطاول في الدولة القوية هي التي تُحدث تغييرات ثقافية وليس العكس، وهو الذي حصل في الولايات المتحدة!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 15 ربيع الأول 1448 هـ - 28 أغسطس 2026 م

 

السؤالُ الأبرزُ الذي طرحه عالمُ الاجتماع الشَّهير ماكس فيبر هو: لماذا تنجحُ جماعاتٌ معينة وتحقق قفزاتٍ اقتصاديةً أكثرَ من غيرها؟!

الخلاصةُ المعروفةُ التي انتهى إليها فيبر تؤكد وجودَ علاقةٍ قوية بين الدين والإنجاز الاقتصادي. فحص سجلاتِ في مدينة بادن الألمانية ولاحظ التالي: البروتستانت أكثرُ إنجازاً من الكاثوليك، واليهودُ أكثر إنجازاً من البروتستانت. قادته هذه المقارناتُ إلى أنَّ الدينَ يلعب دوراً عميقاً في دفع جماعاتٍ معينة إلى النجاح وتعطيلِ جماعات أخرى.

ما يقصده فيبر هو القيمُ والمُثل التي يحضُّ عليها دينٌ معين، وليس العقيدة الإيمانية ذاتها. قيمٌ مثل العملِ الجاد والادخار والأمانة والعقلانية والتقشف. كلُّ هذه القيم تحرّض الجماعاتِ التي تعتنقها على الازدهار، وتؤمن بأنَّ علاماتِ النجاح هي دليلٌ على رضوانِ الله عليها.

دفعت هذه القيمُ إلى ما عُرف لاحقاً بالرأسمالية، التي تقومُ على الادخار ومن ثم الاستثمار حتى يتراكمَ رأسُ المال وتتشكَّل الثروة.

الكاثوليك، من جهة أخرى، ذهبوا في اتجاهٍ آخر.

كانَ تركيزهم على العالم الآخر يجعلهم أقلَّ قدرة على التنافس الاقتصادي في الحياة الدنيا. تبنّوا قيماً مختلفة عن البروتستانت واليهود. النقطة الأخرى هي أنَّ العلاقة الأبوية بين رجال الدين والعامة جعلتِ الناسَ خاضعين لهم ولا يخرجون عن تعاليمهم، وهذا على العكس من البروتستانت الذين تمتَّعوا بالحرية والعلاقة المباشرة مع الله؛ الأمر الذي أضعف سلطةَ رجال الدين عليهم. من مزايا الخروج عن هذه السلطة الكهنوتية تعلم القراءة والكتابة؛ الأمر الذي زادَ من معارفهم ومهاراتهم. الكاثوليك، في المقابل، كانوا في حاجةٍ إلى رجال دين ليقرأوا لهم كتابَهم المقدس. كان هناك وسيط بين العبد وربه. قبل أن تنهض النمور الآسيوية، تحدث فيبر عن القيم والعادات السلوكية التي دفعتها إلى الركود. هذه القيم المستمدة من الأديان الشرقية مثَّلت عائقاً أمام التنمية. لقد جعلت الإنسانَ مستلب الإرادة وواقعاً تحت تأثير قوى أكبر منه هي من تقرر مصيره. إضافة إلى التقاليد القوية المتمثلة في الطاعة العمياء للآباء والخضوع للتقاليد والولاء العائلي المفرط؛ الأمر الذي جعل التغيير شديد الصعوبة.

وفيبر لا يتحدّث عن أنَّ هناك أدياناً أفضلَ من أخرى، أو أنَّ هناك عقائدَ صحيحة وعقائدَ خاطئة. ما يشرحه هو أنَّ القيم لدى البروتستانت تحتوي على تعاليم تساعد أكثرَ على الازدهار الاقتصادي، وتغرس في البنية الذهنية والنفسية منذ الطفولة مبادئَ تغوص عميقاً لتشكّل سلوكَ الشخص وتجعله ميالاً للنجاح أكثر من غيره.

هذه القيمُ مثل: العمل المتواصل، والانضباط الذاتي، والادخار بدل الاستهلاك، واحترام الوقت، والتعليم والقراءة، واعتبار النجاح المهني واجباً أخلاقياً، كلها دفعت إلى تراكم رأس المال ومن ثم الثورة الصناعية.

من جهة آسيا، قبل أن تزدهرَ، غرقت في التعاليم الأبوية والاحترام المبالغ فيه للتقاليد والعادات وإحساس الفرد بأنَّه مقيَّد ومسيّر، فأفضى ذلك إلى تراجعها.

عالمُ النفس ديفيد ماكليلاند يطرح السؤالَ الأهم: لماذا تتطوّر بعضُ الدول أسرعَ من غيرها؟

الإجابةُ عن هذا السؤال تكمنُ في داخل الإنسان والمجتمعات نفسها، وليس خارجها. القوى التي تنتج التنميةَ وتقود إلى النجاح وتحفّز على التغيير هي دوافعُ عميقة في النفس البشرية، قبل أن تكونَ في المصانع والموارد الطبيعية.

يعتقد ماكليلاند أنَّ التنمية تحدث عندما ينتج المجتمع عدداً أكبرَ من الأشخاص الذين يملكون ما سمَّاه «الحاجة إلى الإنجاز». وهم الأشخاص الذين يسعون بقوة إلى النجاح الشخصي، ويضعون أهدافاً واضحة، ويتحمَّلون المسؤولية، ويفضّلون الإنجاز على الراحة، ويبحثون عن التحدي. في المجتمعات التي يزيد فيها هذا النمط من الشخصية، تكون أقربَ إلى التفوق على غيرها.

حلل ماكليلاند قصص الأطفال في نحو ثلاثين دولةً، ووجد أنَّ القصص التي تمجّد الاجتهاد والنجاح والمبادرة والاعتماد على النفس ترتبط لاحقاً بمعدلات نمو اقتصادي أعلى.

أي أنَّ غرسَ مثل هذه الثقافة في الصغر يشبه غرسَ البذور التي ستتفتح لاحقاً عبر نجاحات اقتصادية ومجتمعية.

من أشهر الأفكار التي طرحها ما تتعلَّق بالتربية وأهميتها القصوى. يرى أنَّ السنوات بين الخامسةِ والثانيةَ عشرة من العمر حاسمة في تكوين دافع الإنجاز وحافز النجاح.

ويرى أنَّ أفضلَ القيم والعادات التي تساعد في هذه المرحلة العمرية تكمنُ في التالي: معاييرُ مرتفعةٌ للطفل ولكن معقولة في الوقت ذاته، وتشجيعُ الطفل على الاستقلال، وتدخّل أبويّ محدودٌ وليس خانقاً، وإظهارُ الفخر بإنجازات الطفل.

الطفلُ يحتاج إلى أن تضع له معاييرَ عالية، ولكن ليست خانقة، وتعلّمه أن يعتمدَ على نفسه، وأن يتدخَّلَ الأبُ بشكل محدود وليس بطريقة تمسخ شخصيته، والافتخار بالطفل وليسَ تحطيمه. الدَّلال المفرط أمرٌ مضرّ، مثله مثل التَّسلط المفرط. ويقدّم نصيحةً مهمة للحكومات، حيث يقول:

«لا تنظروا إلى الخطط الاقتصادية، بل إلى تأثير هذه الخططِ في قيم النَّاس ودوافعهم وسلوكهم؛ لأنَّ هذه العوامل هي التي تحدد نجاحَ التنمية والنجاح على المدى الطويل».

***

د. ممدوح المهيني

عن جريدة الشرق الأوسيط اللندنية، يوم: الخميس - 07 ربيع الأول 1448 هـ - 20 أغسطس 2026 م

في كتابه «إسلام الأنوار، تاريخ النزعة الإنسانية الإسلامية» الصادر مؤخراً، يبيّن المؤرّخ الفرنسي أوليفييه هان أن الاتجاه التنويري ليس ظاهرة حديثة في الفكر الإسلامي، مستوحاةً من التنوير الأوروبي، بل له جذوره في التقليد الوسيط الذي برزت فيه اتجاهاتٌ عقلانية إنسانية مختلفة، في إطار مناخ الانفتاح الفكري والفلسفي مع الثقافات الأخرى ومسارات النشاط العلمي والأدبي.

لم يكن هذا الاتجاه خاصاً بالفلاسفة الذين تأثروا بالفكر اليوناني، ولا بعلم الكلام المعتزلي الذي عادة ما يُقدّم أنه التيار العقلاني الوحيد في الثقافة الإسلامية الوسيطة، بل يمتد إلى الأشاعرة والصوفية والمؤرّخين والأدباء.

في ضوء نظرية هان، يمكن أن نميّز بين ثلاثة أنماط من العقلانية في التقليد الإسلامي الوسيط: العقلانية الأخلاقية لدى المعتزلة، والعقلانية النصّية لدى الأشاعرة وبعض فقهاء الإسلام من أهل الحديث والأثر، والعقلانية الوجودية لدى الفلاسفة.

العقلانية الأخلاقية تبرز في مذهب التحسين والتقبيح العقليين، الذي هو الميزة الخصوصية للمتكلمين المعتزلة في المبدأ الناظم لأفكارهم، وهو استقلالية وكونية المعايير الأخلاقية في النظر والعمل، دون تمييز بين حقل الصفات والأفعال الإلهية وميدان النشاط الإنساني. فالمعايير التي تُحدّد المرجعية التأويلية في فهم الصفات الإلهية وطبيعة العدل والخير في مجرى الأقدار هي نفس المعايير التي تحكم التصرفات البشرية الفردية والجماعية وتفسّرها. والعقل هنا بالأساس نشاطٌ معياري قيمي، حتى في الوجوديات والطبيعيات والإلهيات، وذلك هو مدار التصور الاعتزالي الذي لا علاقةَ له بأفكار الحرية الحديثة.

أما العقلانية النصّية، فتنطلق من كون الممارسة التدبرية والنظر البرهاني يجب أن ينطلقا من إمكانات التأويل الرّحبة في النَّص، فلا تفكير من خارج الكتاب والأثر. في العقلانية النصية الأساسُ هو استكناهُ الدلالات والمعاني وضبط سلاسل البراهين والحجج وفق النظر الموجَّه بالاعتقادات والقيم. فلا تعارض بين العقل والنقل أو «صريح المعقول وصحيح المنقول»، ما دام طريق فهم النّص هو النظر العقلي الذي اعتبَره المتكلمون الأشاعرةُ الفريضةَ الأولى في أصول الدين.

أما العقلانية الوجودية، فتنطلق من تماهي اللوغوس والكوسموس حسب العبارة اليونانية القديمة، أي الصور والمُثل والكليات المجردة من جهة، وظواهر الطبيعة ومكوناتها من جواهر وكائنات وأشياء من جهة أخرى. في العقلانية الوجودية، الحقيقة هي ماهيّةُ الموجودات، وليست الألفاظُ والمعاني سوى التعبير عن الأشياء في استقلاليتها الموضوعية عن الأذهان واللغة.

وهذه الأنماط الثلاثة من العقلانية ليست متعارضةً ولا متصادمةً، فالأشاعرة وإن رفضوا مبدأَ التحسين العقلي، إلا أنهم اعتمدوا التعليلَ بالحكمة والمقصد، بما يعني في نهاية المطاف القولَ بالتأويل العقلي. كما أن المعتزلة هم أئمة التأويل اللغوي والبلاغي، وقد سايرهم أهلُ السُّنة في جُلِّ تفاسيرهم للنص المقدس واعتمدوا نظرياتهم في البيان والدلالة والمعاني

وكذا الأمر بالنسبة للفلاسفة المسلمين، الذين ذهبوا إلى أن مسلك الإبداع الفلسفي هو التأويل الذي يسمح بإبراز تطابق المقولات الأنطولوجية وحقائق الشرع المنزل (أي الموروث اليوناني والوحي المرسل)، كما هو ظاهر لدى عموم فلاسفة الإسلام، من الكندي والفارابي إلى ابن باجة وابن رشد.

 وقد تغيّرت بطبيعة الحال الفكرةُ العقلانيةُ في العصور الحديثة، لكن لا يزال مدار هذه الفكرة يدور حول ثلاثية الوجود والنص والأخلاق، وإنْ تغيرت الخلفيات والمنطلقات بين المسارين.

والأخلاق في الوقت الراهن لم تَعُد أخلاق الفضيلة والسعادة، بل أخلاق الواجب والضمير الذاتي (بالمفهوم الكانطي)، والنّص أصبح يُنظر إليه بصفته نسقاً مفتوحاً من العلامات المتجذّرة في المعيش والتاريخي، والوجود تحوّل إلى طبيعة إجرائية تخضع للمعاينة التجريبية والتصرف التقني.

لا شيء يحول دون استيعاب التقليد الإسلامي لهذه المحددات الجديدة في الممارسة العقلانية، بدلاً من المحاولات اللاتاريخية لإعادة الاعتبار للمواقف الكلامية والفلسفية القديمة (كالنظر إلى عقيدة خلق الأفعال المعتزلية بصفتها تعبيراً عن فكرة الحرية واستقلالية الإرادة واعتبار الرشدية نزعةً علمانية تنويرية سابقة على العصر)، أو النظرة العدمية للتقليد، عوضاً عن التفكير المتجدد من داخله وبحسب إمكاناته التأويلية الواسعة.

المطلوب اليوم هو إعادة بناء المنظور العقلاني على أساس التداخل الكثيف بين تأويلية الوجود وموضوعية النظر العلمي ومناهج قراءة النص المعاصرة.

وإذا كانت الهرمنوطيقا الفلسفية الحديثة قد خرجت من نقاشات وجدالات اللاهوت المسيحي، في حين قامت التصورات الليبرالية المعاصرة على تحويل الأخلاقيات الجوهرانية إلى قيم عمومية كونية، وترجمت العقلانية العلمية فكرة التمايز الوجودي والتناسب الإبستمولوجي بين أحكام الفكر وظواهر الطبيعة، فإن هذه التحولات تفرض مراجعة منظومتنا العقلانية وإعادة بنائها وفق ثوابتنا المرجعية التي لا خلاف حولها.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 أغسطس 2026 22:49

متى تبدأ التساؤلات المتعلقة بالذهنيات والأفكار؟ قبل متغيرات الواقع أم بعدها أم أنها تقترن؟ إذا التفتنا لتطبيق ذلك على حالات غربية بالذات نجد أن شبنغلر الذي نشر كتابه: «انهيار الغرب» (1913) بعد أن عمل عليه سنوات عدة، أنكره عليه زملاؤه ملاحظين السلام الطويل الذي ساد بأوروبا والتقدم بعد حروب توحيد ألمانيا، بيد أن المخاوف والتوجسات الشبنغلرية مع أنها ذات طابع حضاري ما لبثت أن تحققت بنشوب الحرب العالمية الأولى. والحالة الثانية التي يمكن ذكرها في هذا السياق، ثوران طلاب أوروبا وفي الطليعة شباب الجامعات الألمانية والفرنسية في عام 1968. كانت الرأسمالية في أزهى فتراتها وبخاصةٍ في ألمانيا، لكنّ ذلك لم يَحُلْ دون استشعار الشباب المتمركسين بالقلق وعدم التوازن. ومضت الموجة الأوروبية الساخطة باتجاه جامعات الولايات المتحدة، وهؤلاء كانت في بلادهم مشكلات حقيقية ظاهرة للعيان؛ تطبيق قوانين المساواة المدنية بعد ثوران السود، والحرب الأميركية الشرسة على فيتنام للحيلولة دون سيطرة شيوعيي الشمال على سايغون.

إنّ ما أُريد الحديث عنه هذا الأسبوع بعد التشاؤم الأوروبي والأميركي، هو بشأن الانحطاط وليس بشأن الانهيار، وهو يأتي من الجهة المقابلة، أي من الآسيويين والأفارقة، ومن المفارقات أن هؤلاء الثائرين على الغرب معظمهم من الأساتذة بالجامعات الأميركية والبريطانية ومن أصول هندية ومن أميركا اللاتينية والعرب، ويُعتبرون من الناجحين في جنة الغرب التي يتمردون عليها! وبالطبع، أول ما يخطر بالبال إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» (1977) الذي نعى على هذا التخصص دوغمائياته وانحيازاته ودأبه على صناعة صورةٍ مزيفةٍ عن الإسلام والعرب، تتلاءم مع طموحات الغرب ومسبقاته الكولونيالية. حصل كتاب سعيد على ترحيبٍ هائل من سائر الجهات ومن الجامعات في أميركا وأوروبا. وجاءت النقدات من جهتين؛ جهة أنصار الاستشراق مثل برنارد لويس، ومن جهة الكبار في التخصصات الأخرى مثل الفلسفة والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع. برنارد لويس أنكر أن يكون المستشرقون في معظمهم متعصبين على العرب والإسلام، وذكر كم نشروا من النصوص والبحوث وطوّروا من مشاريع الفهم. أما أهل الاتجاه الآخر، فقالوا إن الاستشراق اهتمام فرعي وهامشي وليس أصلاً أصيلاً في العلوم الإنسانية الغربية. ولم يأبه سعيد بحملة برنارد لويس؛ لكنه تحت وطأة الحملة الثانية سارع لنشر كتابه بعنوان: «الثقافة والإمبريالية»، حيث ذهب إلى أن كل العلوم الإنسانية ذات صبغةٍ استعمارية بشكلٍ من الأشكال.

أما النقد الجذري الآخر للحضارة الغربية والذي صار سائداً في السنوات الأخيرة، فقد قاده الأنثروبولوجي المعروف طلال أسد في الكتاب الذي حرّره عام 1974 بعنوان: «مواجهات كولونيالية». سعيد كان يرى أنّ المستشرقين خانوا تقاليد وقيم التنوير، ولو ظلّوا أُمناءَ لها لما وقعوا في دوغمائيات صناعة الصُوَر الزائفة لخدمة الاستعمار! أما الأنثروبولوجيون والمؤرخون الذين تابعوا الحملة الجذرية فيما بين السبعينات وأواخر القرن العشرين مثل غوها وسبيفاك وطلال أسد، فقد اعتبروا المشكلة في تقاليد التنوير وقيمه وفلسفاته التي سادت في التفكر الغربي، لكن ظلت ممارساتها قاصرة على الغرب في زمن الاستعمار وما بعده. أما في العقود الأخيرة، فقد صارت نفاقاً وخراباً على العالم كله عندما انتهى التكاذب. وهذا منطق التيار الفكري والثقافي والسياسي المعروف بتيار التابع Subaltern: فهل يستطيع التابع أن يتكلم؟ بالطبع لا؛ لأنّ اللغة المسماة «علمية» هي لغةٌ مسيطرٌ فيها وعليها وليس في المصطلحات فقط، بل وفي المفردات أيضاً. والدليل على ذلك عالم «الاستعارة» الذي اهتمّ به الأُدباء والمفكرون الفرنسيون والأميركيون والذي يريد السيطرة أيضاً على المتخيَّل بالمعنى الأرسطي، والتأويلات اللسانية الحديثة. وعندما يحمل هؤلاء حتى على المتخيل الغربي فهُم يقصدون ليس الفلسفة والتاريخ مثلاً، بل ويقصدون أيضاً الفن الروائي والرسم وسائر الفنون ووسائل التواصل واستعبادات الذكاء الاصطناعي كما يسمونها!

هل هي تيارات فكرية خاب أملها في الغرب كما خيب الغرب آمال وتوقعات بعض المفكرين الغربيين، أم أنّ رؤاها السلبية تتأثر بالأحداث؟ تيار التابع في الأصل رؤية وفلسفة مهجوسة باستمرار الاستعمار حتى في العلوم. لكن في أحداث غزة الأخيرة انحاز عشرات منهم عرباً وغير عرب لفلسطين. إنما المشكلة أننا نحن الذين نحمل على الاحتلال الإسرائيلي بمصطلحات القانون الدولي الإنساني، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نجد أنفسنا مختلفين مع مفكري تيار التابع الذين لا يقبلون هذه الإنشائيات بحجة أن الغرب نفسه الذي اخترعها ما عاد يقول بها، وإلاّ لما حصلت المذبحة!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 08 ربيع الأول 1448 هـ - 21 أغسطس 2026 م

 

هل الأساطير التي يقاس عمرها بقدم الإنسان والتي عبّر من خلالها عن آماله وآلامه قد ضمُرَت وانصرم وجودها مع تقدم الفلسفات والعلوم، أم أنها قد استعصت على الأفولِ واختلفت تعبيراتها فقط، ليظل جوهرها جاثماً في حياتنا اليومية بدلالات متباينة؟ إن الأطروحة التي تروم هذه الفسحة الثقافية الدّفاع عنها تزعم أنه لا العلم ولا الفلسفة استطاعا القضاء على الأساطير، بل إن الأساطير، التي أسست العقل الغربي ذاته، ما تزال تحيا بيننا، وقد تصدى كثير من المفكرين المعاصرين إلى تفكيك تجلياتها الحديثة.

إن علاقة الفلسفة بالأسطورة علاقة قديمة، وقد ظنّ بعضهم أن الفلسفة والعلم قد انفصلا عن الأسطورة، في حين أثبت «جان بيير فرنان» أن الفلسفة ليست سوى إضفاء الطّابع العقلاني على الأسطورة، مما جعله يرى الأسطورة في أصل الفكر الغربي ذاته، فالأسطورة والفلسفة هما لحظتان في نفس التّاريخ، فاليونانيون لم يتركوا الأسطورة وينتقلوا فجأة إلى الفلسفة، بل كان ذلك عبر تحول بطيء من السّرد إلى البرهان.

ومع استقلال الفلسفة وتميزها خطاباً علمياً برهانياً، فإن ذلك لم يؤدّ إلى نفي الأسطورة؛ فقد ظلت الأسطورة حاضرة في قلب الفلسفة، وأكبر شاهد على ذلك أسطورة أوديب التي حوّلها سقراط إلى سؤال فلسفي. وأسطورة الكهف التي شخّص بها أفلاطون عالم المُثل وعالم الظّلال وجسَّد بها صورة الفيلسوف.

وأسطورة العربات التي مثّل بها قوى النفس المختلفة، لتصبح الحكاية مطية لجعل حقائق العقل قريبة من المتلقي ومستساغة من ذوقه العام. وقد سمّى «جان بيير فرنان» ذلك بـ«العقلانية الأسطورية»، مؤكداً حاجة العقل إلى الأسطورة للتّفكير في قضايا فلسفية أصيلة مثل قضايا الموت، والأصل، والعدالة. ومن هنا أكد فرنان أن العقل الغربي قد وُلد من رحم الأسطورة، ليأتي رولان بارت مفكّكاً أساطير الحياة اليومية التي تخدع الإنسان المعاصر. فقد تنبّه «رولان بارت»، في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، إلى بعض أساطير الحياة اليومية الفرنسية، فكتب على مدى سنتين كتابه «أسطوريات»، Mythologies يشرح فيه مظاهر من حياة الفرنسيين، وباحثاً عن الكيفية التي تشتغل بها الدّلالات والمعاني.

لم ينظر «رولان بارت» إلى الأسطورة مرادفاً للخرافة، بل رأى فيها طريقة للتّفكير والكلام يعبر بها المجتمع عن ذاته. فكل حقيقة هي ثقافية وتاريخية، لكن عندما تبدو وكأنها طبيعية بديهية غير قابلة للنّقاش فإنها تضحى أسطورة. ومن هنا فكل ما يعجّ به المجتمع يمكن أن يصبح أسطورة، فالسّيارة مثلاً هي أسطورة لأن وظيفتها أن تحول ما هو ثقافي إلى شيء طبيعي وبديهي غير قابل للتساؤل عنه، فقد قُدِّمت سيارة «د.س ستروين» على أنها مركبة فضائية تجسد أسطورة التقدّم والتكنولوجيا. بل إن «برج إيفل» ليس غير آلة أسطورية بحيث إن النّاظر إليه يراه رمزاً، والنّاظر منه من علٍ وهو يشرف على باريس يراها كخريطة، أمّا باريس المتعددة فتختفي في النّظرتين معاً لتصبح، مع برج إيفل، شيئاً طبيعياً وموّحداً.

إن وظيفة الأساطير أنها تجعل الواقع المصنوع يبدو طبيعياً. ومن هنا عمل «بارت» في كتابه المهم على تفكيك الأساطير لبيان كيف يتم تصنيعُ المعنى، وهدفه من ذلك خلْق فكر نقدي لا يقبل كل أمور حياة النّاس كمسلّمات.

إن للأساطير قوّة لا تقاوم، إذ «النّفس تنقاد للوهم كما تنقاد الحقيقة للعلم» كما يقول ابن العريف في كتابه «محاسن المجالس»، لذا فإن أصحاب اتجاه «نزع الأسطرة» Démythologisation رافعوا على كشف الحجب عن الأساطير المشبعة بالأوهام لجعل الحقيقة الوجودية أقرب، وجعل الواقع في تعدّده وتناقضاته أجْلَى وأبْين وأظْهر.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 6 أغسطس 2026 23:30

أحد الدروس المهمة التى تلقتها المعرفة الحديثة من ديكارت هو أن نحلل الظواهر المركبة إلى عناصرها البسيطة ثم نسعى إلى التعرف على هذه العناصر واحداً بعد الآخر. تحول هذا التحليل لكل ماهو مركب إلى نموذج إرشادى يحكم إنتاج المعرفة فى جميع المجالات طبيعية أو إنسانية. يرى إدجار موران أننا أسرفنا كثيرا فى هذا التحليل لدرجة أنه أصبح يمثل عائقاً أمام المعرفة.

إدجار موران مفكر فرنسى توفى مؤخراً بعد أن تجاوز عمره قرناً من الزمان. وهو فيلسوف وعالم اجتماع وأنثروبولوجى ولم يكن ذلك رغبة منه فى الإسهام فى هذه العلوم ولكن هذه الوجوه المتعددة له لم تكن إلا انعكاساً لطريقته فى تناول الظواهر. فهو يضع موضع المساءلة كل التعارضات التى أقامتها المعرفة الغربية الحديثة: الطبيعة والثقافة، الذات والموضوع، العقل والعاطفة، اليقين واللايقين.

التحليل إلى عناصر بسيطة أدى إلى نشأة التخصصات وهذا أدى بدوره إلى عزل العناصر بعضها عن بعض فى حين أنها فى الواقع غير معزولة والظواهر بالغة التعقيد. هذه النظرة العلمية الحديثة والتى يحق لنا الآن أن نطلق عليها التقليدية تمثل عائقاً أمام المعرفة لأنها لا تستطيع أن تفهم الكل. فالكل أكبر من حاصل جمع أجزائه، لأن دخولها معاً فى شبكة من العلاقات، أى فى نسق، يسمح بانبثاق خصائص غير موجودة فى الأجزاء. والكل فى الوقت نفسه أقل من مجموع الأجزاء لأنه يكبح خصائص تكون موجودة فى الأجزاء وهى منفصلة. هذا التداخل يحتاج إلى منهج فى المعرفة بكون أكثر ديناميكية وأكثر قدرة على متابعة هذه التفاعلات ويتسم هذا المنهج بالاهتمام بفكرة الارتباط أى البحث عن ما يربط هذه التناقضات التى تصورناها متنافرة. وكما أن الكل يحتوى على العناصر فإن العنصر يحتوى على الكل. الشفرة الوراثية موجودة فى الجينات الموجودة فى الخلية. وكذلك فى النظام الاجتماعى، الأفراد يشكلون المجتمع والمجتمع يصنع الأفراد.

هذا التفاعلى الجدلى نجده يتمثل فى الإنسان. الإنسان عنصر من العناصر المكونة للطبيعة. ولكن الانسان يريد أن يحقق ذاته بوصفه كائناً مستقلاً عن الطبيعة ولكى يتمكن من ذلك لابد له من طاقة. هذه الطاقة يستمدها من المحيط الطبيعى. وهكذا يكون الربط ضروريا بين الاستقلال والتبعية. والإنسان كائن ثقافى لأنه يعتمدعلى الطبيعة وهو كائن طبيعى لأنه يتسم بالثقافة.

كذلك ينبغى إقامة الارتباط ببن الفوضى والنظام. فقد شاعت فكرة أن الطبيعة فى الواقع مليئة بالصدفة والعشوائية أما فكرة النظام والقانون والحتمية فهى أمور يفرضها العقل على الطبيعة وبالتالى هى ليست إلا تصورات عقلية. من منظور آخر الطبيعة كيان يضم أشياء تخضع لقوانين محددة ونظام عام أما الإنسان فأفكاره وعواطفه وتصرفاته لا يحكمها قانون وتتسم بالفوضى والعشوائية. وفى الحقيقة الفوضى والنظام يحكمان الظاهرة الطبيعية ويحكمان الظاهرة البشرية كما يحكمان التفاعلات بين الإنسان والطبيعة.

الفكر المركب الذى يتجاوز الفكر الاختزالى والتبسيطى هو القادر على إتاحة هذا النوع من المعرفة التى تزيد من مساحة إدراكنا للعالم. هذا الفكر ينطلق من مبدأ أن اللايقين هو شرط ضرورى للمعرفة وأن الوصول إلى اليقين هو لحظة عابرة لن تدوم طويلاً ولهذا يحتفى إدجار موران برأى عالم فيزياء الكم نيلز بور حين يقول: للوهلة الأولى هذا الموقف يبدو مؤسفاً ولكن فى الغالب يبين لنا تاريخ العلم أنه عندما تظهراكتشافات جديدة فإنها تبين لنا حدود أفكار لم نكن نشك أبداً فى قيمتها العامة. ومع ذلك يمنحنا هذا تعويضا حيث إن رؤيتنا تتسع ونصبح قادرين على الربط بين ظواهر كانت تبدو لنا متناقضة. المعرفة عند موران هى إبحار فى محيط من اللايقين تتخلله جزر من اليقين.

من هذه النظرة الكلية قدم موران رؤيته فى الأخلاق وفى علم الجمال. كما نادى بإصلاح التعليم بحيث يشمل هدم الأسوار بين التخصصات للربط بين المعارف المختلفة، وتعليم فن العيش، وتوعية التلاميذ بانتمائنا لجماعة انسانية واحدة فى مواجهة التحديات الكوكبية. وكانت أزمة الكوفيد فرصة كى يبين مواضع الخلل فى إدارة الدول للمجتمعات وفى المنطق التجارى النفعى الذى يسود العلاقات الدولية.

بدأ موران حياته مقاوما للاحتلال النازى واستمر معارضا يساريا. وفى عام 2002 هاجم سياسة القمع الإسرائيلى للانتفاضة الثانية للشعب الفلسطينى فرفعت بعض المنظمات الصهيونية قضية ضده تتهمه بمعاداة السامية رغم أنه من أصل يهودى، وحكمت المحكمة عليه بدفع تعويض رمزى لكن محكمة الاستئناف برأته لأنه فى النهاية مفكر يعبر عن رأيه.

***

د. أنور مغيث

عن جريدة الاهرام القاهرية يوم: الثلاثاء 21 من صفر 1448 هــ 4 أغسطس 2026 السنة 150 العدد 51010

من حسنات أرسطو الكبرى على الفكر الفلسفي، وعلى الإنسانية جمعاء، أنه ميّز في الأورغانون- (مجموعة كتب أرسطو في المنطق)- بين أنواع مختلفة من الاستدلالات، جعل قطب رحاها الاستدلال البرهاني، وجعله معيار اليقين المطلق. ثم أتبعه بالاستدلال السّفسطي ثم الاستدلال الجدلي ثم الاستدلال الخطْبي ثم الاستدلال الشعري. ولم يخل التّقليد المنطقي من هذه الاستدلالات الخمسة، فضلاً عن الكتب الثلاثة الممهدات: المقولات والعبارة والقياس.

ومن هنا تعددت أنواع الأقلام الفلسفية من قلم برهاني إلى قلم سفسطي إلى قلم جدلي إلى قلم خطبي وأخيراً إلى قلم شعري، وقد يجمع الفيلسوف بين هذه الأنواع من الأقلام جميعها كما أبرز ذلك ابن رشد وهو يفحص فحصاً نقدياً كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي.

ولعل أكثر الأقلام تنافساً قلم أهل البرهان المنتمي إلى الفكر النظري وإشكالاته، وقلم أهل الخطابة والجدل المنتمي إلى المعتقد والسياسة، ولكلٍ ظرفه وموضعه وخصوصياته.

يتميّز القلم الفلسفي بكثير من التّواضع في البحث عن الحقيقة والتساؤل عنها، لأنّه قول تحاصره الإشكالات من كل جانب، إذ تجده لا يقتنع بقول حتى يداهمه قول بحجة أقوى، فيتنقل إلى تمحيصه. ثم إذا به أمام قول أقوى حجة. وهكذا هو في حيرة من أمره لا يكاد يستقر على رأي حتى يجد نفسه أمام مَعاول نقدية لا يستطيع لها دفعاً. ومحاورات أفلاطون خير شاهد على عمل القلم الفلسفي على لسان سقراط، فقد كان قلمَ شفاهٍ ولم يكن قلم مدادٍ. ثم إن القلم الفلسفي مهموم بالحفر لاختراع المفاهيم، وتاريخ القول الفلسفي هو تاريخ هذه العلامات المضيئة للفكر في مجاهل تاريخه، «فالأنا المفكر» لديكارت مثلاً، وما حام حوله من مفاهيم هو نتيجة معاناة فكرية وتجربة روحية قوية عاشها ديكارت، لأن قصده لم يكن إقناع الآخرين، بقدر ما كان وكْدُه حلّ إشكالات تركتها الثّورة الكبرينيكية كما صرح هو نفسه بذلك.

أما القلم الخطبي فهو قلم «الفرسان» من الباحثين الذين يحملون على عاتقهم أمانة اجتماعية خاصة في الدفاع عن ثوابت مدينتهم، وما اشتهر فيها من قيم سياسية وأخلاقية يرومون من وراء ذلك تقوية لُحْمة مجتمعاتهم، وجعلها سدًّا منيعا ضدّ من يعتبرونهم خصوما خطرين على هذه الوحدة، ويروْن فيهم تهديدا لهذه اللّحمة، فيكون لقلمهم صوْلة في هذا المجال، إقناعاً بفكرة جامعة، وتقويضاً لفكرة هادمة، وفضحاً لخصوم مفترضين.

أيّما القلمين اختار الباحث فلا تثريب عليه، إذا كان واعياً بمقاصده، وكان في نيّاته أبعد عن الأيديولوجيات السّيئة، فلا جرم أن القول البرهاني هو قلم العلماء والباحثين عن الحقيقة مساهمة في التّقدم الفكري للإنسانية، لأن القلم البرهاني هو قلم كوني، ومن هنا فهو لا يستقيم مع الأدْلَجة، أما القلم الخطبي، فهو قول محلّي، ومن هنا فالأدلجة قِطْميرُه، لذا فهو لا يسلم، مع غياب الحذر المنهجي، من شَططٍ أو غلوّ في القول، بل كثيرا ما تخالطه السّفسطة من هذه الجهة، وهو ما يجعله، في كثير من الأحيان، ليس أكثر من شهادة على الزّمان المعيش، يستفاد منها في التّأريخ للفكر والثقافة. وكثير من أقلام علماء الكلام وأقلام أهل الملل والنّحل نَحَتْ، في ثقافتنا، هذا النّحو.

 إن من حسنات هذا التّمييز وعي الباحث بمنطق الكتابة الذي يختاره لبسط القول، ووعيه كذلك بمنطق الكتابة الذي يسلكه منْ كتبَ، وهو وعي يجعل الفكر النّقدي في أجلى حضوره تمحيصاً، ونقداً، وتمييزاً بين قول يروم الحقيقة، وقول لا يعدو أن يكون إثباتاً للمشهورات والحِجاج عنها، أو قول يسلك طرق الإيهام والتّأثير الانفعالي ليس غير.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 يوليو 2026 23:30

من في العالم لا يعرف الكاتب الروسي الشهير «فيودور دوستويفسكي» Fyodor Dostoevsky (1821-1881) الذي لا تزال الأوساط الأدبية تعتبره كاتبًا عبقريًا، ولا يزال يحظى بقاعدة شعبية عريضة من القرَّاء والمحبين، حتى بعد موته بزهاء القرن والنصف القرن من الزمان! و»دوستويفسكي» هذا الذي تكمن عبقريته في القدرة على تحليل النفس البشرية بدقَّة متناهية وسوداوية تعكس الواقع، كان من أشدّ المعجبين بالكاتب الأمريكي «إدجار ألان بو» Edgar Alan Poe (1809-1849)، وينعته بالعبقري الفذّ. وبلغ شدَّة إعجابه به الذروة، لدرجة أنه ترجم عملين له من الإنجليزية إلى الروسية، وكأنه راغب في أن يقدِّمه لقاعدة شعبية كبيرة وجديدة؛ لأنّ ما يقدِّمه «بو» من مادة أدبية نفسية تحليلية تستحق أن يُنظر لها بعين الاعتبار.

ولو كان هذا رأي دوستويفسكي، الذي يُعدّ أحد الأقطاب الأدبية الخالدة في الأمريكي «إدجار ألان بو»، فربما تصعق الدهشة كل من يعي أن عالم الفيزياء الألماني الفذ «ألبرت أينشتاين» Albert Einestein (1879-1955)، الذي اخترع نظرية النسبية، التي لا تزال أصداؤها تزلزل عقول العلماء لشدَّة عبقرية الفكرة، قدّ تأثَّر أيضًا ب»إدجار ألان بو»، وعلى وجه الخصوص بمقاله عن الفيزياء وقصيدته النثرية «يوريكا» Eureka (1848) لكونهما يخوضان مجال الفيزياء واكتشاف الكون، وكانا مصدر إلهام له وللعديد من العلماء من بعده؛ لأنهما كشفا الستار عن نظريات علمية سابقة لعصرها.

على الرغم من أنّ «بو» كتب «يوريكا» بوصفها «قصيدة نثرية فلسفية» لا ورقة علمية صارمة، وكذلك هي الحال بشأن مقاله عن الفيزياء. ويلاحظ أنَّ أوجه التشابه في المفهوم بين قصيدة «يوريكا» والفيزياء الفلكية الحديثة، جعلها تحظى بالشهرة في الأوساط العلمية بعد وفاته، ويمتدّ الإعجاب والتأثير إلى يومنا هذا، ما جعل منها محلّ تقدير واسع باعتبارها نموذجاً مذهلاً للاستنباط الحدسي. فقد كانت حجر الأساس عند «أينشتاين»، وكذلك كشفت الستار عن سبب ظلام الليل بالرغم من وجود النجوم، وأزال الغموض عن النظرية التي تُسمَّى «متناقضة أولبر». أمَّا المذهل فكان اكتشافه للزمكان والأكوان المتعددة، بل أيضًا نظرية «الانفجار العظيم» والثقوب السوداء، ونظرية الانسحاق العظيم. ويعدّ ذلك السبب وراء صيحة ألبرت أينشتاين الشهيرة «يوريكا.. يوريكا» التي أطلقها بعد اكتشافه لنظرية النسبية؛ فقد كان يشيد بعبقرية «إدجار ألان بو» التي سبقت حدود الزمان، وليس كما يظنّ البعض أنه يُحاكي ما قاله أرخميدس عند اكتشافه لقانون الطفو.

ولو كان عباقرة الأدب والعلوم يشيدون بالعبقري الفذّ إدجار ألان بو، فسوف يندهش من لا يعلم سيرته أنّ تلك الإشادة لا تفيه حقّه؛ فقد كان «بو» رائدًا للكتابة النفسية التحليلية، وأيضًا لولاه لما شقّ الجنس الأدبي الذي يُسمَّى بـ «الرعب النفسي» طريقه في العصر الحديث. بل إنه كان أيضًا أوَّل من كتب قصَّة بوليسية، وبفضله وسيرًا على نهجه، استطاع «سير أرثر كونان دويل» Sir Arthur Conan Doyle (1859-1930) أن يبتكر شخصية المحقق «شيرلوك هولمز» الشهيرة.

كان إدجار ألان بو الأوَّل في كل شيء وأي شيء يضطلع به، وكلَّما عمد اقتحام مجال تبرز شخصيته على الفور، ويحقق أولى المراكز، ويحظى بكل الشهرة. فلقد أظهر ذكاء تعليمياً فائقاً، حتى ولو كان يرتاد مدرسة ليست جيِّدة، بل وكان يدهش الجميع بخطّ يده عند الكتابة، لدرجة أنّ ما يسطره كان يُشبه الكتابة المطبوعة شديدة التنميق. وعندما ضاقت به الحال والتحق بالمدرسة العسكرية، أظهر تفوُّقًا ملحوظًا، لدرجة أنه صار محلّ ثقة الجميع، والفرد الذي يُعتمد عليه. وحتى عندما التحق بمدرسة «وست بوينت»West Point العسكرية الشهيرة، المعروفة بصرامتها وتشددها، لمع نجمه فيها بعد شهور قليلة بها.

وعشقه لكتابة الشعر والقصة القصيرة والنقد الأدبي، دفعه إلى الفوز بالجائزة الأولى عند اشتراكه في مسابقة شعر واحدة، ما جعل أحد أعضاء لجنة التحكيم أن يدعوه للعمل محرِّرًا مبتدئاً في مجلَّة أدبية لا يتم بيع سوى 700 نسخة منها فقط، أو أقلّ. لكن «بو» العبقري لم يلبث أن اضطلع تقريبًا بجميع مهام المجلَّة، وانبرى يكتب أشعاراً وقصصاً قصيرة، ومقالات نقدية لاذعة جعلت صيته يذيع في وقت قصير جدًا. وأمَّا القرَّاء، فقد تهافتوا على المجلَّة، وصاروا ينتظرون صدور جديدها، لدرجة أن عدد النسخ الموزَّعة ارتقى إلى 3700 نسخة. وبتزايد المبيعات، أصبح «بو» نائب رئيس مجلس الإدارة الذي له اليد العُليا، وكأنه مالك الجريدة. ناهيك عن شهرته التي أصبحت مدوِّية في جميع الأرجاء، وأشعاره التي يرددها الصغار قبل الكبار.

ويجدر القول إن «بو» رسم ملامح القصيدة النثرية الحديثة، وإنه كان أوَّل من شدَّد على وجوب أن تكون القصائد قصيرة، حتَّى يستمتع القارئ بقراءتها بسهولة في أي وقت، حتى ولو كان أثناء انتقاله بالحافلة من مكان إلى آخر. وكان له أيضًا السبق بأن يكون أوَّل كاتب، مهنته ومصدر رزقه الوحيد هما الكتابة الأدبية فقط، في وقت كان جميع الأدباء يشغلون وظائف بعيدة عن المجال الأدبي أو لديهم مشروعات أو ممتلكات؛ لأنه لم تكن توجد جهة صحفية أو أدبية واحدة حينئذٍ تمنح الكاتب نقودًا كافية لأن يحظى بفضلها بحياة كريمة. ناهيك من كون الجهات الأدبية والنَّاشرين في الولايات المتَّحدة الأمريكية حينئذِ أيضًا لا يمنحون الكاتب حقوق الطباعة والنشر، ولو اشتروا عملاً فسيكون ذلك بأبخس الأثمان التي لا تُذكر؛ لأنهم كانوا يفضِّلون طباعة الكتب البريطانية التي تم تسريبها لهم، دون أن يدفعوا مليمًا واحدًا للكاتب.

وأمَّا عن صفات «بو» الشخصية، فقد كان كاتبًا مُرهف الحسّ، يتميَّز بالرقة، ولا يكتب إلَّا وعلى كتفه قطته التي يربيها ويرعاها. وكانت جميع كتاباته تُجبر القارئ أن يَدخل عالمه، ويتماهى معه، لدرجة تجعل أي سطر يكتبه من الصعب نسيانه. وهذا الكاتب ذو الكلمات الدقيقة الاختيار، شديدة الوقع، وأفكاره المبتكرة التي صنعت منه رائدًا لتيَّار الرومانسية في الولايات المتحدة، كان أيضًا رياضيًا بارعًا، مفتول العضلات، وله القدرة على التحدِّي، حتى ولو كان من يتحدَّاه الطبيعة نفسها. ويُذكر أنه سبَّاح ماهر استطاع قطع مسافة ستة أميال عكس اتجاه التيار في نهر «جيمس» بولاية فيرجينيا سباحة، وكان بطلًا محلِّيا في ألعاب القوى، وخاصة الوثب الطويل. بالإضافة إلى براعته في الملاكمة والتجديف اللذين منحاه صيتًا ذائعًا بين أقرانه. وحافظ طوال حياته على وتيرة مشي عسكرية سريعة ونشطة.

قد يعتقد البعض أنّ الموهبة العريضة والنعم الربَّانية غير المسبوقة التي حظي بها «بو» وفَّرت له حياة سعيدة رغدة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا؛ كانت حياته سلسلة من الألم والفقد والفقر. عاش «بو» يتميًا، طفلاً غير محبوب من أبيه البديل الذي كان يمقته ورفض أن يتبنَّاه، وسمح له فقط بالمكوث في منزله بناء على رغبة زوجته التي لم تحظ بأطفال. وأمَّا عن جميع أحبابه، فقد فاضت روح أمّه أمامه في سنواته الأولى بعد إصابتها بمرض السلّ وهي لا تزال في العشرينيات من عمرها، بعد أن هجرها زوجها وصارت العائل الوحيد لثلاثة أطفال. ومنذ ذاك الحين، كان «بو» يشهد موت أحبابه واحدًا تلو الآخر؛ ماتت أخته طفلة مجنونة مشرَّدة في الشوارع من جرَّاء السلّ بعد أن فقدت والديها بالتبني، وماتت المرأة التي أحبها في مراهقته، وبعدها ماتت أمُّه بالتبني، ثم مات أخوه، وبعدها زوجته التي كان يُفني نفسه لتوفير علاجها. كذلك كان الفقر يُلازمه، لدرجة أنه كان يعيش في بيوت بالية تقريبًا تخلو من الأثاث، ويعوزها الدفء، وبالكاد يستطيع تدبير قوته. ولم تطله الرحمة من العذاب والألم النفسي طوال حياته، وكذلك ممن كرَّسوا أنفسهم لتشويه صورته ومسيرته، حتى بعد موته.

كان الشعور بالوحدة قاتلاً، خاصة أنه كان مصحوبًا بذعرٍ دائم لم يجد متنفَّسًا له سوى في كتاباته النفسية العميقة، التي استطاع بعبقريته أن يجعل منها أدباً شعبياً رغم أفكارها الرَّاقية ولغتها المنمَّقة. كان وجه «بو» الحقيقي يطلّ على العالم من خلال كتاباته، أمَّا العالم الخارجي فكان يقتله في كلّ ثانية نصب عينيه حيَّا. وكما كانت مسيرة حياته وكتاباته لغزًا، كان موته لغزًا أكبر عجز أي فرد عن حلُّه حتى يومنا هذا.

***

نعيمة عبد الجواد

عن جريدة القدس العربية، يوم: السبت: 25 يوليو - 2026

لولا هيغل لما كان بسمارك

أولاً ينبغي العلم أن ألمانيا في عهد هيغل كانت ذات أغلبية بروتستانتية كبيرة بنسبة 70 في المئة والباقي كاثوليك تابعون للفاتيكان وبابا روما الذي يكرهه البروتستانتيون. وثانياً إن هيغل ذاته كان لوثرياً بروتستانتياً في عمق أعماقه. ولكنه لم يكن طائفياً. مستحيل. لا يمكن لفيلسوف كبير دشن الحداثة الفكرية والسياسية والأنوارية في أوروبا أن يكون طائفياً. ولا ننسى أن ألمانيا هي بلد مارتن لوثر الذي دشّن الإصلاح الديني وحرّر الإنسان المسيحي من سطوة رجال الدين وفسادهم واستغلالهم. ومعلوم أن بابوات روما وكرادلتها كانوا قد أصبحوا مليونيرات على حساب الشعب البسيط الخائف من نار جهنم والمستعد لدفع كل فلوسه من أجل نيل صكوك الغفران ودخول الجنة. وقد أقنعوه بأنه كلما دفع أكثر كان حظه في الجنة أكبر. على هذا النحو تمت المتاجرات الكبرى بالدين. وضد كل هذا الفساد المستشري انفجر لوثر بثورته العارمة وزلزل عرش البابوية. ولهذا السبب كان هيغل معجباً به إلى أقصى الحدود.

كانت الطائفية في زمن هيغل لا تزال مشتعلة وكان الشعب الألماني منقسماً مذهبياً إلى كاثوليكيين وبروتستانتيين. وكانت هناك حزازات هائلة بين الطرفين. وكان الكاثوليك يمثلون التيار الرجعي في ألمانيا على عكس البروتستانت الذين يمثلون التيار الليبرالي التقدمي داخل المسيحية. كان الكاثوليك الألمان خاضعين لكلام بابوات روما الذين كانوا رجعيين طيلة القرن التاسع عشر بل وحتى منتصف العشرين. بعدئذٍ جددت الكاثوليكية ذاتها وتصالحت مع الحداثة والعصر ولم تعد تكفيرية على طريقة القرون الوسطى. ولكن في زمن هيغل كانت لا تزال رجعية جداً... ومعلوم أن البابا بيوس التاسع أدان عام 1864 أي بعد وفاة هيغل بثلاثين سنة ونيف «أخطاء العالم الحديث» وكفرها في فتوى مشهورة. لقد أدان حرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والضمير، وأدان العقلانية والليبرالية ومجمل أفكار الحداثة. وقال إنها مخالفة لتراثنا وديننا وعقيدتنا. وأدان فلسفة حقوق الإنسان لأنها تساوي بين البشر هكذا لا على التعيين. لكأن غير المسيحي يمكن أن يساوي المسيحي أو غير الكاثوليكي يمكن أن يساوي الكاثوليكي، أو لكأن الكافر يمكن أن يساوي المؤمن. كل هذه الأشياء كفرها وزندقها بابا روما تماماً كما تفعل جماعات الإسلام السياسي السائدة عندنا حالياً. فهي أيضاً عدوة لدودة لفلسفة حقوق الإنسان ولم تشم رائحة الحداثة التنويرية بعد.

بالطبع فإن بسمارك الذي وحّد ألمانيا عام 1870 أي بعد وفاة هيغل بأربعين سنة فقط اضطر إلى قصم ظهر الرجعية الكاثوليكية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه هذا التوحيد الكبير. في ذلك الوقت كان الليبراليون التقدميون المضادون للطائفية معظمهم من البروتستانت. وكان معظم الأصوليين الرجعيين يتشربون كلام بابا روما تشرباً من الكاثوليك البابويين المضادين للحداثة والمكفرين للبروتستانتيين وبالتالي لهيغل ذاته... ضمن هذه الأجواء المشحونة ينبغي أن نموضع موقف هيغل من المسألة الطائفية لكي نفهمه على حقيقته. وينبغي العلم أن بسمارك الذي وحّد ألمانيا على قاعدة المساواة في المواطنة اللاطائفية بين جميع الألمان نفذ حرفياً برنامج هيغل وكانط وفيخته وشيلنغ وبقية فلاسفة الأنوار الكبار. وهنا نلتقي مباشرة ذلك التمفصل الرائع الكائن بين الفكر والسياسة. لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم يسبقها ويحتضنها ويفتح لها الطريق. بهذا المعنى فالفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. هيغل هو الأساس بعدئذٍ يجيء بسمارك. الأولوية للمثقف الكبير لا للسياسي حتى لو كان ضخماً في حجم بسمارك.

لماذا أقدّم كل هذه الديباجة؟ لكي أوضح مدى خطورة المشكلة الطائفية أو بالأحرى المذهبية في كل المجتمعات والأديان. عندما تنظر إلى أوروبا الحالية المستنيرة المتطورة لا تجد أي أثر للحساسيات المذهبية أو الطائفية فيها. لقد تبخّرت كلياً بفضل جهود هيغل وبقية فلاسفة الأنوار. وهذا أول شيء يدهش العربي أو المسلم القادم من الشرق الذي يعج بالأصوليات والطائفيات والمذهبيات... لم يعد يوجد كاثوليكي واحد يحقد على البروتستانتي لأنه بروتستانتي، أو العكس. إنهما مواطنان متساويان في المواطنة الألمانية ويتعايشان بكل سلام ووئام في ذات الشارع أو ذات الحي أو ذات البناية. لم تعد توجد أحياء بروتستانتية مفصولة عن الأحياء الكاثوليكية. ولم يعد يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو ثالثة... كل هذا انتهى منذ زمن طويل. ولكنه لم ينتهِ قبل انتصار المفهوم التنويري للدين المسيحي على المفهوم الظلامي التكفيري القديم. وعلى الرغم من أن التنوير كان قد حصل في زمن هيغل على مستوى النخبة فإن العصبيات المذهبية كانت لا تزال مشتعلة على مستوى عامة الشعب وجاهزة للاستنفار والاشتعال في أي لحظة.

وعلى الرغم من أن هيغل كان أكبر فيلسوف في عصره وربما في كل العصور فإنه ما كان يطيق سماع اسم الكاثوليك والمذهب الكاثوليكي. ويروي المفكر الفرنسي فيكتور كوزان أنه كان يتجول معه مرة في شوارع كولونيا حتى وصلا فجأة إلى الكاتدرائية الشهيرة التي هي من أجمل الكنائس في العالم. وأتذكر أنها سحرتني شخصياً بجمالها وبهرتني عندما رأيتها لأول مرة أثناء زيارتي الأولى لألمانيا عام 1990. فماذا قال هيغل وهو يمعن النظر في هذا البنيان الباذخ الشامخ؟ يقول فيكتور كوزان إنه سمعه يشتم البابا والكاثوليكيين بل يكاد يبصق على الأرض في وسط كاتدرائيتهم المقدسة ذاتها. وقد تعجب منه في هذا الموقف المتشنج وما كان يتوقع أن يصدر عن فيلسوف كبير في حجمه. كان هيغل يفقد أعصابه عندما تثار أمامه المشكلة الطائفية أو المذهبية. كان يحمل على الكاثوليكيين البابويين حملة شديدة ويعتبرهم سبب تخلف ألمانيا وتعصبها وتعلقها بتدين القرون الوسطى. وهذا يعني أن ألمانيا عام 1826 ليست ألمانيا عام 2026! نعم التاريخ يتقدم إلى الأمام أيها السادة. نعم هناك تطور وتجدد في التاريخ لحسن الحظ.

نعم، لقد كانت الحساسية المذهبية أو الطائفية لا تزال قوية في زمن هيغل. بل وحتى فيما بعده بسنوات طويلة ظلت حية منتعشة. فبسمارك، موحد ألمانيا، كان أيضاً يصطدم برجعية الكاثوليكيين البابويين مثل هيغل كما ذكرنا آنفاً. لماذا كان هيغل يكره المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني؟ ليس فقط لأنه بروتستانتي. هيغل ليس ابن شارع! هناك سبب وجيه لذلك. وهو أن المذهب الكاثوليكي كان يعتبر نفسه الحقيقة المطلقة للمسيحية بل وللدين كله والبقية فراطات أو زندقات أو هرطقات أو أقليات لا يعتد بها. وكان يعتبر نفسه بسبب كثرته العددية (أكثر من مليار شخص) الفرقة الناجية الوحيدة في المسيحية. كان يعتقد أن الكثرة العددية تعني أتوماتيكياً امتلاك الصحة الدينية والحقيقة الإلهية المطلقة. وكان يعتقد أنه لن يدخل الجنة بروتستانتي واحد ولن يحظى بمرضاة الله. الجنة محجوزة فقط للكاثوليك. وكان المذهب الكاثوليكي البابوي في أغلبيته يمثل قلعة الرجعية الفكرية والسياسية. عندما تقرأ تصريحات بابوات روما آنذاك، عندما تطلع على فتاواهم التكفيرية لروح الأزمنة الحديثة وجوهرها، تكاد تتخيل أن أقطاب الإسلام السياسي السائد حالياً هم الذين دبجوها وكتبوها... وهذا يعني أنه يوجد مفهومان للدين: المفهوم الطائفي الغياهبي الظلامي، والمفهوم الأنواري اللاطائفي المتصالح مع الحداثة والعصر. وهذا الأخير هو الذي أنقذ أوروبا من براثن الطائفية وجحيم الحروب المذهبية. وهو الذي أتاح نهضتها وإقلاعها الحضاري وتفوقها على جميع شعوب الأرض. كما يعني أنه يوجد مفهومان للإيمان. فهناك المفهوم التكفيري الطائفي القديم الذي يقتل ويذبح على الهوية ويدمر الوحدة الوطنية. وهناك المفهوم الأنواري الجديد الذي يحيي وينعش ويبني الحضارات ويجمع كل المكونات الاجتماعية حوله. ولكن المشكلة هي أن المفهوم الطائفي التكفيري القديم راسخ في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. ولا يمكن اقتلاعه بين عشية وضحاها. هنا يكمن الاستعصاء الكبير.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 20 يوليو 2026 م ـ 05 صفَر 1448 هـ

- كمية القراءة وطبيعتها

- هل لا تزال الناس تقرأ؟

يكاد يكون هذا أكثر الأسئلة تكراراً كلما اشتكى أحد من هيمنة الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما زالت الناس تقرأ؟ ويأتي الجواب عادة حاسماً: لم يعد أحد يقرأ. لكن هذه الإجابة العجلى، على شيوعها، تخفي مفارقة تستحق التأمل. فربما لم يقرأ الإنسان في تاريخه كما يقرأ اليوم كثرة. نحن نستيقظ على الكلمات، ونعمل بالكلمات، ونتواصل بالكلمات، وننام والكلمات لا تزال تلاحقنا على شاشات الهواتف. الأخبار، والرسائل، والتعليقات، والإعلانات، والتعليمات، والإشعارات، كلها تجعل القراءة النشاط الأكثر حضوراً في حياتنا اليومية. لذلك؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟

لقد تغيرت القراءة أكثر مما تراجعت. ففي الماضي كانت القراءة حدثاً استثنائياً، يختار الإنسان كتاباً، ويجلس إليه ساعات، ويمنحه انتباهه الكامل. أما اليوم، فقد أصبحت القراءة تياراً متصلاً لا يكاد ينقطع. غير أن هذا التيار لا يمنح القارئ دائماً فرصة التوقف أو التأمل. إنه يدفعه إلى الانتقال المستمر من نص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبحت السرعة إحدى خصائص القراءة الحديثة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين كمية القراءة وطبيعتها. فكمية القراءة تشير إلى عدد الكلمات التي يمر بها الإنسان في كل يوم، أما طبيعتها فتتعلق بالعلاقة التي يقيمها مع النص ومدى حميميتها. قد يقرأ المرء آلاف الكلمات في يوم واحد، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة توقفاً كافياً يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم وللحياة.

ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات، فنحن نعيش أكثر العصور امتلاءً بها. المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. فالمعرفة ليست حصيلة ما نجمعه من بيانات، وإنما هي القدرة على إقامة العلاقات بينها، واكتشاف المعنى الذي يجمعها. ولهذا؛ كان الكتاب، في أفضل صوره، لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّم القارئ كيف يطرح أسئلة أفضل.

لقد غيرت الوسائط الرقمية مفهوم القراءة نفسه. ففي الكتاب الورقي كانت البداية والنهاية واضحتين يمكن تحسسهما باليد، وكانت العلاقة بالكتاب علاقة حميمية حقاً، وكان القارئ يسير في طريق واحد رسمه المؤلف. أما على الشاشة، فإن كل صفحة تقود إلى عشرات الصفحات، وكل فكرة تستدعي إشعاراً جديداً أو رابطاً آخر، وقد تقاطعك الإعلانات أثناء ذلك. وهكذا أصبحت القراءة أشبه بالتجوال في مدينة لا تنتهي شوارعها. ولا ينبغي أن يكون تصورنا لهذه القضية مأساوياً؛ فهذه الحرية الهائلة في الوصول إلى النصوص هي إحدى أعظم منجزات العصر، لكنها في الوقت نفسه جعلت المحافظة على الانتباه تحدياً ثقافياً غير مسبوق.

ولهذا؛ فإن أخطر ما يهدد القراءة ليس قلة الكتب، ولا عزوف الناس عنها، بل تآكل القدرة على المكوث مع فكرة واحدة حتى تبلغ مداها. هذا هو مربط الفرس. فالقراءة العميقة تحتاج إلى الصبر، والصبر أصبح لا يطاق في زمن الإيقاع المتسارع، وفي زمن الكم الهائل من النصوص الذي يريد أن يقتحم وعينا في كل لحظة. وحين يعتاد العقل القفز السريع بين النصوص، فإنه يربح اتساعاً في الاطلاع، لكنه قد يخسر القدرة على التعمق والخروج من دائرة الفهم السطحي. وهنا لا تنقص كمية القراءة، بل يتغير شكلها ووظيفتها.

ولعل أهم ما تمنحه القراءة العميقة أنها تعيد إلى الإنسان ملكة الانتباه. والانتباه ليس مجرد تثبيت النظر على الكلمات، بل هو القدرة على الإقامة مع فكرة واحدة حتى تستنفد ما تقوله. فالإنسان لا يفهم النصوص لأنه يقرأها بسرعة، وإنما لأنه يمنحها الزمن الذي يسمح لها بأن تكشف عن طبقاتها الخفية. وربما كانت الأزمة الثقافية اليوم أقل ارتباطاً بندرة الكتب منها بندرة الانتباه.

فنحن نعيش في اقتصاد جديد تتنافس فيه التطبيقات والمنصات ووسائل الإعلام على الاستحواذ على أعيننا وعقولنا، حتى أصبح الانتباه نفسه مورداً نادراً. ولهذا تغدو القراءة، في أعمق معانيها، مقاومة لهذا التشظي، فهي ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تدريب يومي على استعادة السيادة على الذهن، وعلى تحريره من الإيقاع الذي تفرضه وفرة المعلومات.

ولعل هذا يفسر ظاهرة لافتة في حياتنا الثقافية. فنحن نتداول اليوم اقتباسات أكثر من أي وقت مضى، لكننا نناقش أفكاراً كبرى أقل من ذي قبل. أصبحت الجملة القصيرة أكثر انتشاراً من الحجة الطويلة، والعنوان أكثر تأثيراً من الكتاب، والملخص أكثر رواجاً من النص الكامل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحنين للماضي بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى القراءة نفسها. فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنما هي تدريب على الإصغاء، وعلى تحمّل التعقيد، وعلى مقاومة الإغراء الدائم بالانتقال إلى الشيء التالي.

ولهذا؛ فإن مستقبل القراءة لن يتحدد بعدد الكتب المطبوعة، ولا بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل بقدرتنا على استعادة القراءة بوصفها فعلاً من أفعال الانتباه. فالثقافة لا تُقاس بما نستهلكه من كلمات، وإنما بما تتركه تلك الكلمات فينا من أثر. قد نقرأ كثيراً ولا يتغير فينا شيء، وقد نقرأ صفحة واحدة فتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم بأسره.

لذلك؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: هل ما زالت تقرأ بالكيفية التي تجعل القراءة تجربة تُعيد بناء الإنسان، لا مجرد عادة يستهلك بها الكلمات والوقت؟ فبين كثرة القراءة وجودتها، وبين وفرة النصوص وعمق التلقي، تتحدد ملامح الثقافة في عصرنا، ويتحدد معها نوع الإنسان الذي نصنعه بقراءاتنا.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 12 يوليو 2026 م ـ 27 مُحرَّم 1448 هـ

 

النظر إليها من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.

***

ندى حطيط

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 8 يوليو 2026 م ـ 23 مُحرَّم 1448 هـ

ليست وثيقة إلغاء الرِّق في سنة 1846 مجرد خبر من أخبار تونس، ولا مناسبة للحديث عن سبق بلد على بلد، بل هي شاهدٌ على لحظة نادرة في تاريخ الإصلاح الإسلامي الحديث، لحظة اجتمع فيها نظر الحاكم، ووعي العلماء، وقوة القواعد الشرعية، لتنتقل كرامة الإنسان من معنى أخلاقي عام إلى قرار نافذ.

كان أحمد باشا باي يدرك أن قضية الرق لم تَعُد مجرد باب من أبواب الفقه الموروث، بل صارت واقعاً تختلط فيه التجارة بالغلبة، والعادة بالاستغلال، وتضيع فيه الشروط التي تكلم عنها الفقهاء في أزمنة وسياقات مخصوصة. ولذا جاء القرارُ لا بوصفه خروجاً على الشريعة، ولا تقليداً لموجة خارجية، بل بوصفه تصرُّفاً من تصرُّفات الإمامة حين ترى أن بقاءَ ممارسة ما صار سبباً للضرر والامتهان.

قيمة الوثيقة أنها لا تقدم الإصلاح بوصفه صداماً بين الدولة والفقه، بل تكشف عن إمكان آخر: أن تتحرك الإرادة السياسية في أفق المصلحة العامة، وأن يواكبها نظرٌ علمي رصين يعرف كيف يميّز بين النَّص والعادة، بين الحكم ومحيطه التاريخي، بين المقصد والصورة التي لبسها في زمن من الأزمنة. وفي هذا المعنى يظهر عمق المدرسة المالكية، بما رسّخته من اعتبار للمصلحة، وسدٍّ للذرائع، ورفعٍ للضرر، ومراعاة للمآلات، وربطٍ لتصرف الإمام بما يحقق الخيرَ العام للرعية.

لم يكن موقف العلماء المالكية في تلك اللحظة تبريراً لقرار سياسي جاهز، ولا انكفاءً على ظاهر الموروث، بل كان نظراً في حقيقة الواقع. فالقرآنُ جعل العتقَ باباً من أبواب البر والكفارات والتطهير، ووسّع مسالكَ التحرير، وضيّق أسباب الاسترقاق. فإذا تحوّل الرقُّ في واقع القرن التاسع عشر إلى سوق بشرية قائمة على الأخذ والقهر والبيع، فإن منطق الشريعة نفسه يقود إلى منعه، لا إلى إدامته.

ومن هنا يصبح القرار درساً في كيفية اشتغال الفقه حين يكون قريباً من الحياة، لا حبيساً في الصور المتوارثة. فالفقيه لا يحرس اللفظَ وحدَه، بل يحرس العدلَ الذي جاء اللفظُ لإقامته. والحاكم لا يكتفي بإعلان المقاصد، بل يحوّلها إلى نظام يحمي الناسَ من الاستغلال. وعندما يلتقي هذان المعنَيان، تنشأ سياسةٌ عامةٌ لا تتنكر للدين، ولا تترك المجتمع أسيرَ عادة فقدت معناها الشرعي والأخلاقي.

واللافتُ أن هذا القرارَ صدر سنة 1846، في وقت كانت فيه دولٌ كثيرةٌ، ومنها دولٌ أوروبيةٌ، لم تكن قد حسمت المسألةَ بصورة نهائية. ففرنسا، مثلاً، لم تلغِ الرِّق في مستعمراتها إلا سنة 1848. وليس المقصود من هذه المقارنة صناعةَ مفاخرة تاريخية، وإنما التنبيه إلى أن الإصلاح في المجال العربي والإسلامي لم يكن على الدوام تابعاً أو متأخراً، فقد عَرفَ لحظاتٍ استطاع فيها أن يتقدّم حين اجتمعت القيادةُ المسؤولة مع الاجتهاد الرصين.

إن درس الوثيقة يتجاوز جغرافيا المكان وزمن الواقعة. فهي تقول إن القواعد الكبرى في الفقه ليست محفوظاتٍ للدرس فقط، بل أدوات لبناء العمران وصون الإنسان. وتقول إن المصلحة العامة إذا ظهرت حجّتها، وانتفى وجه الإبقاء على الضرر، صار تحويلها إلى قانون من صميم وظيفة القيادة، ومن صميم رسالة العِلم.

ولهذا تبقى وثيقة 1846 ذات معنى متجدد، لأنها تعلِّمنا أن الإصلاح العميق لا يحتاج إلى خصومة مع الشريعة، بل إلى فهم أمين لها، وإلى قيادة تعرف أن كرامة الإنسان ليست شعاراً يُرفع، بل حقٌّ يُصان بنظام، وحكم يُتَرجَم في الواقع، ومصلحة تُقدّم حين تصبح العادة باباً من أبواب الظلم.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 يوليو 2026 23:15

 

منذ أكثر من ألف عام، تعيش منطقتنا صراعًا لم ينتهِ بعد؛ صراعًا بين رسالتين مختلفتين تمامًا: رسالة الدين بوصفه منظومة قيم تهدف إلى بناء الإنسان، ورسالة السلطة التي تستخدم الدين أداةً لإدارة الصراع السياسي.

وفي تقديري، فإن أخطر ما دخل إلى الوعي العربي هو ما أصبح يُعرف اليوم بـ”الإسلام السياسي”. ليس لأن الإسلام يتناول الشأن العام أو يوجه السلوك السياسي، فهذا أمر طبيعي في أي منظومة أخلاقية، وإنما لأن السياسة أصبحت هي التي تعيد تشكيل فهم الدين بما يخدم مشروع السلطة.

لقد جاء القرآن في زمن كانت الإمبراطوريات تُبنى على أساس العرق أو القبيلة أو الدين. كانت الدولة تعني غلبة جماعة على جماعة، وكانت الحدود تُرسم بالسيف، والناس يُصنفون وفق انتمائهم لا وفق إنسانيتهم.

وسط هذا العالم ظهر سيدنا محمد ﷺ ليقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا.

لم يبدأ ببناء إمبراطورية، ولم يؤسس دولة دينية مغلقة، بل أسس مجتمعًا في يثرب يقوم على عقد اجتماعي يجمع المسلمين وغير المسلمين في كيان سياسي واحد، يتشاركون الحقوق والواجبات، ويحكمهم ميثاق ينظم العلاقة بينهم.

ولهذا فإنني أرى أن المدينة في القرآن ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما نموذج حضاري؛ فضاء يجتمع فيه المختلفون تحت مظلة القانون والعدل، لا تحت مظلة التشابه الديني أو العرقي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن النبي ﷺ، بعد فتح مكة، لم يجعلها عاصمة مشروعه، بل عاد إلى المدينة، وكأن الرسالة تؤكد أن المستقبل لا يُبنى في المجتمع الأحادي، بل في المجتمع القادر على استيعاب التنوع.

فالقرآن يخاطب الناس جميعًا:

﴿يا أيها الناس﴾

ولا يحصر خطابه في جماعة بعينها.

ويقرر مبدأ الحرية بوضوح:

﴿لا إكراه في الدين﴾

ويجعل الاختلاف سنة من سنن الخلق:

﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾

فالتعارف، لا الصدام، هو الغاية.

ومن هنا أفهم أن رسالة سيدنا محمد ﷺ كانت مشروعًا عالميًا لبناء مجتمع إنساني متعدد، لا مشروعًا لإقامة دولة تحتكر الحقيقة الدينية.

لكن هذا المسار، في قراءتي، بدأ يتغير مع قيام الدولة الأموية، حيث أصبحت السلطة السياسية هي المحور، وأخذ الدين يؤدي - في كثير من الأحيان - وظيفة منح الشرعية للحاكم وللتوسع السياسي. ومنذ تلك المرحلة بدأ يتبلور نموذج يربط بين الدين والسلطة بصورة تجعل السياسة هي التي تحدد شكل الخطاب الديني، بدلاً من أن تخضع السياسة للقيم القرآنية.

ولا يعني ذلك أن هذه الظاهرة كانت استثناءً في التاريخ الإسلامي؛ فالإمبراطوريات الفارسية والرومانية وغيرها استخدمت الدين والقومية بالطريقة نفسها. غير أن الرسالة المحمدية، كما أفهمها، جاءت لتكسر هذه القاعدة، لا لتكررها.

وقد تناول القرآن هذا المفهوم من زاوية أخرى حين تحدث عن الإيلاف في سورة قريش. وفي قراءتي السابقة، فإن الإيلاف لا يقتصر على رحلات التجارة، بل يعبر عن بناء منظومة من الاتفاقات الاقتصادية والسياسية التي تحقق الأمن والازدهار من خلال التعاون لا الهيمنة.

وهذا ما أدركه العالم بعد الحربين العالميتين. فقد أثبتت الحروب القائمة على القومية والعرق أنها تقود إلى الدمار الشامل، فاتجهت الدول إلى بناء التكتلات الاقتصادية والسياسية، والتحالفات الدولية، والاتفاقيات التي تجعل المصالح المشتركة أساسًا للاستقرار.

بينما بقي الشرق الأوسط، إلى حد كبير، أسير مشاريع الهوية المغلقة؛ فتنافست القومية العربية، والحركات الإسلامية، والمشاريع المذهبية، وكل منها رأى نفسه الممثل الوحيد للحقيقة.

ورأينا كيف تحولت شعارات النهضة والوحدة والخلافة إلى صراعات داخلية، دفعت الشعوب العربية ثمنها دمًا ودمارًا وتأخرًا اقتصاديًا.

ولا يعني هذا إنكار إخلاص كثير من المنتسبين إلى تلك الحركات أو دوافعهم، لكنه يميز بين النوايا والنتائج؛ فالتجارب التاريخية أظهرت أن تحويل الدين إلى برنامج حزبي أو أداة للوصول إلى السلطة كثيرًا ما أدى إلى الاستقطاب والانقسام، بدلًا من تحقيق الوحدة التي سعت إليها تلك الحركات.

إن الدولة التي بشّر بها القرآن، كما أفهمها، ليست “دولة إسلامية” بالمعنى الذي شاع في الأدبيات السياسية الحديثة، بل دولة تقوم على قيم الإسلام: العدل، والحرية، والرحمة، وحفظ الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، واحترام التعدد.

ولهذا فإن الانتماء الحقيقي للدولة لا ينبغي أن يكون للدين أو العرق، وإنما للعقد الذي يجمع المواطنين جميعًا.

فالدولة ليست عقيدة، بل إطار ينظم حياة الناس.

أما العقيدة، فهي علاقة الإنسان بربه، لا يجوز أن تتحول إلى معيار للمواطنة أو أداة للإقصاء.

إن البشرية اليوم لا تحتاج إلى إحياء نماذج الصراع القديمة، بل إلى استعادة جوهر الرسالة المحمدية؛ رسالة الإنسان، ورسالة المدينة، ورسالة السلام.

فالسلام ليس هدنة بين الحروب، بل هو النظام الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يختلف مع غيره دون أن يحوله إلى عدو.

وعندما ندرك هذه الحقيقة، يصبح الإسلام رسالة عالمية تستوعب الجميع، لا مشروعًا سياسيًا يتصارع مع الآخرين.

وهنا، في تقديري، يكمن الفرق الجوهري بين الإسلام بوصفه منظومة قيم إنسانية، والإسلام السياسي بوصفه توظيفًا للدين في خدمة السلطة. وكلما اقتربنا من الأول، اقتربنا من روح القرآن، وكلما غلب الثاني، ابتعدنا عن المقصد الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ لبناء مجتمع يسوده السلم والعدل والكرامة الإنسانية.

اتمنى أن تكون التعليقات في روح التعددية واحترام المختلف وليس بما لا يليق بأخلاق معلمنا ونبينا محمد صلوات ربي عليه

***

وائل كريم

 

لم يأتِ الإسلام بنظرية سياسية كما يزعم دعاة تسييس الدين، وإنما جاء برسالة إيمانية وأخلاقية واجتماعية، حيث انحصرت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الوحي والرسالة، ولم تكن دعوته لتأسيس نظام سياسي بعينه، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. ومن ثم فإن القرآن الكريم، على كثرة ما فصّل في شؤون العبادات والمعاملات وأخلاق التعامل مع الناس، خلا من نص يفرض شكل الخلافة، أو يرسم بناءً سياسياً ملزماً للمسلمين على مر العصور. وانطلاقاً من ذلك، لم تكن الخلافة أصلاً من أصول الدين، وإنما نشأت باعتبارها اجتهاداً سياسياً مصلحياً لإدارة شؤون الاجتماع البشري آنذاك، ويؤكد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سكت عن تسمية خليفة من بعده، ولو كانت الخلافة فريضة شرعية ملزمة، لما ترك أمرها عرضة للاجتهاد.

لقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم القضاء، وإدارة الجيوش، وتنظيم شؤون المجتمع، وما كانت تصرفاته في كثير من الأحيان تشريعاً دينياً ذا صبغة مقدسة، وإنما تدابير دنيوية اقتضتها المصلحة، صدرت عنه كونه مسؤولاً عن تجمع بشري ناشئ يدير شؤونه وفق ظروف عصره.

لقد أدرك الصحابة هذا المعنى، فجاء حكمهم مدنياً قائماً على تدبير شؤون المجتمع وفق ما تقتضيه المصلحة، ولم يعدّوه قضية عقدية. وكانوا يميزون بين ما يصدر عن الرسول وحياً ملزماً، وبين ما يصدر عنه اجتهاداً دنيوياً، حتى كانوا يسألونه في بعض الوقائع: «أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟».

لقد شهد التاريخ نماذج متعددة لتديين السياسة، فظهرت ميثولوجيا الإمامة عند بعض الشيعة، التي رفعت الإمامة إلى مرتبة الأصل الديني، كما برزت الحاكمية عند الخوارج، واتخذت من السلطة قضية عقدية. وأسهم ذلك في نشوء مفهوم «السياسة الشرعية»، وهو بناء بشري متأثر بالفكر الفارسي، ثم أُضفيت عليه لاحقاً صبغة شرعية، حتى بدا وكأنه جزء من التشريع، مع أنه منتج تاريخي لا يمتُ لنصوص الوحي بصلة.

وفي العصر الحديث، عاد تديين السياسة في صورة أكثر أيديولوجية مع نظرية «الحاكمية» لدى جماعات الإسلام السياسي، و«ولاية الفقيه» عند بعض الشيعة، حيث عملت هذه التيارات على أسطرة التاريخ، وحولت الخلافة من تجربة تاريخية بشرية إلى عقيدة، ومنحتها كمالاً وقداسة وصورتها نظاماً معصوماً عن الخطأ، لا تقوم قائمة للإسلام إلا بقيامه. ولترسيخ هذا التصور، اعتمدت على أحاديث تتنبأ بعودة الخلافة على منهاج النبوة، وهي أحاديث واهية، واتخذتها وسيلة لإقناع الناس بأن إعادة الخلافة وعد شرعي محتوم.

أدى ذلك إلى رفع شعارات «الإسلام دين ودولة» و«الإسلام هو الحل» و«الحاكمية»، وهي شعارات زائفة أُريد بها إضفاء القداسة الدينية على مشاريعهم التخريبية.

وحوالي منتصف القرن العشرين، استحدث المودودي مفهوم الحاكمية، وجعلها أصلاً من أصول الإيمان. وسيد قطب، وسّع هذا التصور حتى أصبحت الحاكمية قسماً رابعاً من أقسام التوحيد، معتبراً أن الله هو الحاكم والمالك الوحيد للكون، وأن أي تشريع بشري هو منازعة لله في ملكه.

غير أن المتأمل في لفظ «الحكم» في القرآن، وفي اللغة العربية، يجد أنه دار على معنى القضاء والفصل بين الخصومات، أو العلم والحكمة، ولم يأتِ قط بمعنى السلطة السياسية. فالقرآن يقول في يحيى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾، بينما هو ما كان صاحب دولة ولا سلطان، إنما المقصود آتاه الحكمة والعلم، الأمر الذي يؤكد أن الحاكمية بالمعنى الأيديولوجي تأويل مستحدث لتشويه الدلالة القرآنية.

إنّ قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فقد نزل في سياق القضاء عند أهل الكتاب، وبخاصة بني إسرائيل، فجاءت الآية تعالج تلك الواقعة، ولم تُنزَّل لتأسيس حاكمية، ولا لجعل الحدود والعقوبات الواردة في ذلك العصر غايةً في ذاتها، وإنما شُرعت لتحقيق مقاصدها، وفي مقدمتها الزجر، فتتحقق هذه المقاصد بما يحقق الزجر، دون الوقوف عند صورة تاريخية جامدة.

وعلى الرغم من أن الإسلام لم يأتِ بنظرية سياسية، فإنه أرسى من المبادئ ما يكفل انتظام المجتمع واستقرار الدولة، فدعا إلى السلم، والوفاء بالعهد، وتعزيز الانتماء إلى الوطن، والدفاع عنه، وطاعة ولي الأمر صيانةً للنظام العام ودرءاً للفوضى. لذا تبقى الدولة باعتبارها المجال التدبيري لإدارة الشأن العام ميداناً للاجتهاد والتنمية، ويظل الدين مرجعاً للقيم والمقاصد.

***

د. خليفة مبارك الظاهري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 يونيو 2026

 

لنتوقف عن المجاملات الدبلوماسية. جماعة «الإخوان» ليست حزباً سياسياً، ولا حركة مدنية، ولا صوتاً يمثّل المسلمين في أي مكان على وجه الأرض. هي آلة أيديولوجية عمرها قرن من الزمن، بُنيت لغرض واحد لا غير: الاستيلاء على السُّلطة بالعنف والتخريب وتدمير كل مجتمع كان ساذجاً بما يكفي ليسمح لها بالعمل بحرية. مكانها خلف القضبان، لا خلف المنابر. أسّسها حسن البنّا في مصر عام 1928، وأمضت ما يقارب المئة عام تتقن فن التمويه السياسي. تلبس البذلات حين يلزمها، وترفع ورقة الاقتراع حين تحتاج، وتتحدث عن الخير والمجتمع أمام الكاميرات. لكن ما إنْ تكشف الغطاء حتى تجد منظمةً يَقْطُر حمضها الأيديولوجي دماً. البنا لم يبنِ نادياً اجتماعياً، بل بنى طليعة ثورية. وجاء بعده سيد قطب، ليذهب أبعد من ذلك، مُعلناً أن المجتمع الحديث كله في حالة جاهلية، وداعياً إلى ثورة عنيفة لإسقاطه. تلك الأيديولوجيا لم تَمُتْ بإعدام قطب عام 1966. انتشرت. تمدّدت. وأنجبت كل حركة إرهابية إسلاموية كبرى خلال نصف القرن الأخير.

لنسمّي الأشياء بأسمائها. أسامة بن لادن، الرجل الذي أوقع آلاف القتلى في صباح سبتمبر ذاك، تشكَّل فكره على تعاليم «الإخوان» وتحرّك في دوائرهم. أيمن الظواهري، المهندس الأيديولوجي لتنظيم «القاعدة»، خرج مباشرة من رحم بيئة «الإخوان» في مصر. وحركة «حماس» التي تحتفل بالذبح الجماعي باعتباره واجباً دينياً، هي إحدى ميليشيات جماعة «الإخوان». العلاقة بالإرهاب ليست علاقة هامشية عابرة، بل هي العلاقة الأم.

على مدى أكثر من تسعين عاماً، ارتبط اسم هذه الجماعة باغتيالات وأعمال شغب وتفجيرات وزعزعة استقرار الحكومات من القاهرة إلى دمشق إلى عمّان. اغتالت رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي عام 1948. وأمضت عقوداً تتآمر ضد ناصر والسادات، الذي اغتيل لاحقاً على يد رجال تشرّبوا أيديولوجيتها، وضد كل حكومة عربية رفضت تسليمها السلطة. هذا ليس سلسلة حوادث متفرقة. هذا نمط. نمط متعمّد ومتواصل وممتد عبر الأجيال، يُلبس العنف السياسي ثوب الفريضة الدينية.

وهنا يجب أن نواجه الحكومات الغربية بفشلها الذريع. في لندن وبروكسل وواشنطن وأوتاوا، رُحّب بالمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان» في مشاورات الحكومات، وموّلت من أموال دافعي الضرائب، ومُنحت منابر في الجامعات، وقُدّمت باعتبارها الصوت الحقيقي للمجتمعات المسلمة. وهي ليست كذلك بأي حال. هم مشغّلون سياسيون يستغّلون الهوية الإسلامية للترويج لأجندة شمولية لا يريد لها الغالبية العظمى من المسلمين العاديين أي وجود. «الإخوان» لا يمثّلون المسلمين، بل يفترسونهم.

هذا التمييز بالغ الأهمية. الإسلام السياسي بصيغته «الإخوانية»، أيديولوجيا قطب والبنّا التي تُقسم البشرية كلها إلى مؤمنين وأعداء، ليس إسلاماً. هو مشروع سياسي يرتدي الدين زياً عسكرياً. مئات الملايين من المسلمين المتدينين حول العالم يعيشون بسلام، يحبّون أوطانهم، يرفضون الثيوقراطية، ويمقتون ما فعله «الإخوان» بسمعة دينهم. هؤلاء هم مَن يعانون أكثر من سواهم حين يتمركز «الإخوان» في حيّ أو مسجد أو مدرسة. هم المجتمع الذي يحتاج إلى الحماية من هذه الجماعة، لا إلى محاضرات من الليبراليين الغربيين عن شرعيتها المزعومة.

يُجيد أنصار «الإخوان» في الغرب صراخ «إسلاموفوبيا» في كل مرة يتجرأ أحد على فحص أيديولوجيتهم. هذا تكتيك، ليس حجة. انتقاد جماعة «الإخوان» ليس أكثر عداءً للمسلمين من انتقاد الجيش «الجمهوري» الإيرلندي للإيرلنديين. هذه منظمات سياسية تخضع للرقابة السياسية، والاختباء خلف الهوية الدينية لصرف المساءلة، خدعةٌ نجحت طويلاً أكثر مما ينبغي.

دول عدة أدركت هذه الحقيقة. روسيا ومصر ودولة الإمارات والسعودية وغيرها صنّفت «الإخوان» منظمة إرهابية. المملكة المتحدة تتراقص حول التصنيف الكامل منذ سنوات، وهو موقف يعكس جُبناً سياسياً لا تفسير له. أما الولايات المتحدة فقد تقدّمت ولايتا تكساس وفلوريدا على الحكومة الفيدرالية بتصنيف الجماعة وشبكاتها المرتبطة بها على المستوى المحلي. خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تطرح فوراً سؤالاً ملحّاً رفضت أوتاوا الإجابة عنه حتى الآن: ماذا يحدث للمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان»، التي تعمل بحرية عبر الحدود الكندية؟ الجواب واضح لمن يريد أن يرى. كندا ستتحول إلى الثغرة، إلى الفناء الخلفي الذي تُمرر منه شبكات «الإخوان» عملياتها وتمويلها وحملات نفوذها هرباً من الحظر الأميركي. فروع «الإخوان» في كندا يجب أن تُصنَّف وتُفكَّك، وإلا فإن الإجراءات الأميركية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.

التردد على ضفتي الأطلسي ليس مبدئياً، بل هو جبن مكشوف. المجتمعات المسلمة في كندا تستحق الحماية ذاتها التي تحظى بها في فلوريدا وتكساس. السماح لـ«الإخوان» باستخدام الأراضي الكندية ملاذاً آمناً ليس تسامحاً، بل تخلٍّ عن مسؤولية الدولة في حماية أمنها ومواطنيها.

مئة عام للإخوان. مئة عام من العنف والتخريب والتطرف والمعاناة. مئة عام من الديمقراطيات المحطمة والمصلحين المغتالين والمجتمعات المحتجزة رهينةً لأيديولوجيا تكره الحرية وتكره التعددية وتكره كل من يخالفها.

صنّفوها. احظروها. لاحقوا شبكاتها. وتوقّفوا عن التظاهر بأن منظمة بهذا التاريخ وهذه الأيديولوجيا وهذه الطموحات تستحق مقعداً على أي طاولة ديمقراطية.

***

محمد التوحيدي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 يونيو 2026 22:54

 

في المثقف اليوم