اخترنا لكم

لطالما كان الفيلسوف النمساوي الإنجليزي كارل بوبر- المولود عام 1902 في بيئة منهمكة بالقانون والموسيقى- إلا متسائلاً وباحثاً عن معاني «الديمقراطية الليبرالية»، بل ومدافعاً عنها، لكنه في الوقت نفسه ينتقد الشّيوع الُمبتذَل لمفهوم الديمقراطية. يسأل بوبر: «ماذا لو أن الديمقراطية جاءت عبر التصويت والأغلبية بحزب مثل الحزب النازي أو الشيوعي»؟! يضيف: «إذا كانت هناك محاولة للإطاحة بالنظم الحرة بالقوة المسلحة، فإن بوسعه دون أي تناقض ذاتي أن يدافع عنها بالقوة المسلحة، فالحق أن هناك مبرراً أخلاقياً لاستخدام القوة، ما دام هناك نظامٌ قائمٌ يفرض بقاءه بالقوة، ما دام الهدف تأسيس النُّظم الحرة وحين تكون الغاية استبدال حكم العقل والتسامح بالحُكم المسلح». ثم يشير إلى ضرورة حماية الديمقراطية من غير الديمقراطيين، وهذا ينطبق على النماذج الأصوليّة، وأحزاب التطرف التي تحاول الحُكم باسم الديمقراطية بالعالم.

لم يغادر بوبر الليبرالية في تحليله، رغم توجُّهه إلى الماركسية لبضعة أشهر، غير أنه ساهم في وضع بصمته الخاصة على هذا المفهوم. وظيفة على السياسات الليبرالية أن تعمل على «أن تصبح الحياة أقل خطراً وجوراً». من أهم إسهامات بوبر، تأسيسه لاستقلال عالم أشياء الفكر عن الذات الإنسانية التي أبدعتْها، إذ يخلق الإنسان نظريات وأفكاراً لا يمكنها أن تظهر من دونه، لكن ما إن يخلقها حتى يفقد السيطرة عليها، يلاقيها في كثافتها ويصطدم معها، مما يعني قبل كل شيء أنه لا يفهمها، في الواقع يتسامى محتوى فكر جذرياً بالفهم الذي لدينا عنه، ما دام له نتائج كثيرة بشكل لا نهائي.

وهذا ينطبق على الثورة التكنولوجية التي نشهدها الآن. وبينما يطرح بوبر «مبدأ التكذيب»، يطرح الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار «فلسفة النفي»، وهما عبر هاتين الآليتين أحدثا ضجةً في ميادين العلم، وأسهمت أطروحاتهما في تغيير مجالات الانطلاق العلمي وتحدَّت البداهات المألوفة. نعم، لقد اشتركا في الحاسّة الارتيابية والشكيّة والتعبير عن آفاق الاحتمال التي وصل إليها العِلم. لقد وجَّه ضربات وامتحانات للنظريات التي تحمل «قوة تفسيرية»، وخصَّ بالدحض سيغموند فرويد وكارل ماركس وإدلر.

إنّ دحضه في «مبدأ التكذيب» ناطح به حتى آينشتاين في «النسبية»، وخلاصة «مبدأ التكذيب» أننا: «لا يمكن أن نحصل على تأييدات لأي نظرية، فالتأييدات لا تعتمد إلا إذا كانت نتاج تنبؤات مخاطرة. كل نظرية علمية هي نوع من المنع، فهي تمنع أشياء معينة أن تحدث، وكلما زاد ما تمنعه النظرية، زاد نصيبها من الأصالة. النظرية التي لا تقبل الدَّحض بأي حدث يمكن تصوره هي نظرية غير علمية، عدم القابلية للدحض ليست مزيّة لأي نظرية، ببساطة إن محكَّ المنزلة العلمية لأي نظرية من النظريات هو قابليتها للتكذيب».

الخلاصة، أن فلسفة بوبر ونظرياته مشوّشة وغير مطّردة، ولكنها مثيرة للبحث والسِّجال، نظرية التكذيب لم تُثبت فعاليتها المعرفية ولم يُكتب لها الخلود، إن تجربة بوبر الدنيوية والعلمية أهم من نظريته الفلسفية.

***

فهد سليمان الشقيران - اتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 24 نوفمبر 2025 23:05

تشارلز تايلور فيلسوف كندي بارز، عرف بأعماله الرائدة حول التعددية الثقافية من منظور سردية الاعتراف وما تعنيه من قيم التعايش والتفاعل بين الثقافات والأنساق القيمية. وفي دراسة أخيرة منشورة بعنوان «أهمية الحوار الثقافي»، يكشف تايلور حدودَ ونقائص التعددية الثقافية، انطلاقاً من واقع الهجرات الكثيفة التي غيرت جذرياً تركيبةَ المجتمعات الغربية، وولّدت ردودَ فعل واسعة من بينها حركة اليمين الشعبوي الصاعد حالياً في جل الديمقراطيات الليبرالية.

ما تعنيه مقولة التعددية الثقافية لدى تايلور هو مقاربة الاعتراف بالهويات الثقافية المتنوعة التي تسمح للأفراد بالتشكل في مجموعات معيارية وانتمائية متمايزة. بالنسبة لتايلور تنبع التعددية من الحالة الفردية الذاتية التي تطبع المجتمعات الغربية، وتولد إشكالات غير مسبوقة تتعلق بآليات التعارف بين أفراد وكيانات يتمتعون بالحرية الكاملة وحق الاختلاف العقدي والفكري، دون الحاجة إلى سقف مرجعي عضوي على غرار التقاليد التاريخية الماضية. لقد ميز تايلور بين شكلين من الاعتراف في المجتمعات الحديثة: الاعتراف القانوني الليبرالي المؤسس على مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية باستقلال عن معايير الانتماء الثقافي الخصوصي، والاعتراف الاختلافي القائم على التنوع والتعددية ومنح حقوق خاصة بالمجموعات اللغوية والدينية والثقافية وفق خريطة التمايز الاجتماعي (ومن هنا التوفيق بين الكونية الليبرالية وإجراءات الاعتراف الثقافي). لقد تبنى تايلور هذا النموذج الثاني، واعتبر أنه الملائم لوضع المجتمعات المعاصرة، رافضاً فكرة حيادية الدولة ثقافياً ومؤسسياً.

فبالنسبة له على الدولة أن تضمن التوازن بين الثقافات وتعترف بالتنوع الثقافي وتخلق الظروف المناسبة للتعايش العادل بين المجموعات والأفراد. لقد طور الفيلسوف البريطاني «بيكو باريك» أطروحةَ التعددية الثقافية وفق متطلبات الفلسفة الديمقراطية، بدلا من اختزالها في سياسة إدارة التنوع الثقافي. فبالنسبة له، لا توجد ثقافة مكتملة، مكتفية بنفسها، ومن ثم لا محيد عن تفاعل الثقافات وتحاورها. ولذا يتوجب الخروج من مأزقين: النزعة المركزية الاثنوغرافية التي تتعارض مع أي أفق حواري، والنزعة النسبية التي تحول دون تقييم الثقافات ونقدها.إلا أن الحوار الثقافي بالنسبة لباريك يتطلب مجموعةً من المسلمات الأساسية، من بينها: تعددية تصورات الخير الجوهري، والمساواة الأخلاقية بين الثقافات، وضرورة بناء إطار مرن مشترك للتفاعل الثقافي.

مقال تايلور الأخير يعلق فيه على مقاربة باريك، من منظور المصاعب التي تعاني منها استراتيجية التعددية الثقافية في المجتمعات الغربية. وبالنسبة له، شكلت التعددية الثقافية خطوة متقدمة في مسار الديمقراطية الليبرالية، بما حققته من دمج واستيعاب المجموعات التي لا تنتمي للتقليد السائد أو المهيمن. لكن هذه المقاربة تصطدم اليوم بحدود جلية، من بينها التعايش السلبي بين المجموعات المتنوعة دون تفاعل أو تضامن بما يمنع الارتباط والتداخل فكرياً وقيمياً بينها، والميل إلى إضفاء الطابع الجوهري الجامد وغير التاريخي على الثقافات بما يحولها إلى منظومات مغلقة لا تتغير ولا تتحول، والاستقطاب الأيديولوجي الذي يتجسد حالياً في تنامي النزعات الهوياتية الخصوصية، وغياب رؤية موحدة لمتطلبات العيش المشترك بين مكونات الجسم الاجتماعي.

ومن هنا يخلص تايلور إلى أن نهج التعددية الثقافية لم يعد كافياً لضبط أشكال التعددية والتنوع التي تطبع المجتمعات الليبرالية الحالية، ولذا يختار بديلا عنه مسلك الحوار الثقافي التفاعلي الذي يحترم واقع الاختلاف والتباين بين الثقافات، لكنه يقر بإمكانية التقاء الثقافات وتطور الهويات، منيطاً بالدول واجبَ خلق الظروف الملائمة لهذا التثاقف الضروري في إطار مجال تداولي عمومي حر. ما نريد أن نبينه هو أن مقالة تايلور الجديدة تعكس الأزمة العميقة لنظرية الاعتراف التي تبلورت منذ هيغل كحل لمشكل التنوع في مجتمعات تتأسس على حرية الوعي الفردي والحيادية القيمية للسلطة العمومية إزاء مختلف الأنساق الثقافية والمعيارية. لقد حاول تايلور تجاوز الحل الهيغلي الذي أناط بالدولة الكلية المطلقة مسؤوليةَ الاندماج الاجتماعي الشامل الذي عجزت عن تحقيقه النظريات التعاقدية التوافقية، فكان تركيزه على شكل الاعتراف الاختلافي المكمل للاعتراف القانوني الليبرالي.

لكن تايلور أدرك عمق الإشكالية المتولدة عن التوفيق بين معيار الكونية الليبرالية الرافضة لحقوق التنوع الثقافي ومعيار التعددية الثقافية الذي يفضي إلى تكريس النسبية القيمية التي يمكن أن تعصف بالنظام الاجتماعي المشترك. الحوار إذن هو المسلك للخروج من هذا المأزق، وعياً بقدرة النقاش التداولي الحر على التوصل إلى قناعات موزونة عقليا تجمع بين أنساق ثقافية متمايزة، وبذا يتم الجمع بين مطلبي الحرية والتضامن من حيث هما ضرورتان موضوعيتان في الواقع الراهن.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الاماراتية، يوم: 23 نوفمبر 2025 23:03

 

في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1694 وُلد فولتير، واسمه الحقيقي فرانسوا-ماري أرويه، ويعتبر أحد أعمدة عصر التنوير الأوروبي، ورمز من رموز الدفاع عن العقلانية والحرية والتسامح.

وُلد وسط قيود سياسية ودينية خانقة، لكنه اختار منذ شبابه أن يجعل من قلمه سلاحاً يواجه به التعصب والجمود، ولم يكن مجرد كاتب بارع أو صاحب أسلوب ساخر، بل كان مشروعاً فكرياً كاملاً يقف في صف الحرية والعقل، ويصرّ على أن الكلمة قادرة على فضح الاستبداد مهما اشتدّت قبضته.

وأمضى فولتير حياته بين السجون والمنافي والمحافل الفكرية، لكنه لم يتراجع يوماً عن معاركه لأجل التسامح وحقوق الإنسان، وحين عاد إلى باريس في أواخر أيامه، كان قد أصبح أيقونة ثقافية تعترف بعظمتها أوروبا كلها.

تقول دائرة المعارف البريطانية إنه وُلِد في أسرة من الطبقة الوسطى، ولم يكن يحمل أي مودة لوالده الذي كان يعمل موثقاً في وقت من الأوقات، وعمل لاحقاً في ديوان الحسابات، ولا لشقيقه الأكبر أرمان، وهو يكاد لا عرف شيء عن والدته التي لم يتحدث عنها كثيراً بعد أن فقدها وهو في السابعة من عمره. ويبدو أنه أصبح متمرداً في وقت مبكر على سلطة الأسرة.

وتلقى فولتير تعليماً جيداً إذ التحق بمدرسة اليسوعيين "لويس لوغران" حيث تلقى تعليماً كلاسيكياً في اللغات والأدب، وهو تعليم سيظهر أثره لاحقاً في براعته البلاغية وشغفه بالسخرية.

ورغم تقديره للذوق الكلاسيكي الذي غرسته فيه الكلية، فإن التعليم الديني الذي قدّمه الآباء لم يثر في نفسه إلا الشك والسخرية. وقد شهد السنوات الأخيرة من حكم لويس الرابع عشر، ولم ينسَ أبدا الكوارث الاقتصادية والعسكرية لعام 1709 ولا فظائع الاضطهاد الديني. ومع ذلك، احتفظ بدرجة من الإعجاب بالحاكم، وبقي مقتنعاً بأن الملوك المستنيرين هم الوكلاء الضروريون للتقدم.

ومع أن أباه كان يرغب في أن يصبح محامياً، اتجه فولتير منذ شبابه نحو الأدب والكتابة الساخرة، فقرر عدم دراسة القانون بعد مغادرته الكلية. وعندما عمل سكرتيراً في السفارة الفرنسية في لاهاي، وقع في غرام ابنة مغامر، ولخوفه من فضيحة، أعاده السفير الفرنسي إلى باريس.

وفي باريس ارتاد محافل المفكرين الأحرار، وكان مصدر السخرية والفكاهة في المجتمع الباريسي، وكانت أقواله الطريفة تُنقل على نطاق واسع، لكن عندما تجرأ على السخرية من الوصي على العرش ، دوق أورليان، اعتُقل وأُرسل إلى سجن الباستيل في عام 1717.

وكان السجن بالنسبة إليه تجربة قاسية لكنها محورية، ففيه أدرك أن الكلمة قد تصبح خطراً على صاحبها، لكنه لم يتراجع، بل ازداد قناعة بأن قلمه يجب أن يكون أداة لمحاسبة السلطة.

وخلف واجهته البشوشة، كان فولتير جاداً في جوهره، وكرّس نفسه لتعلّم الأدب.

وفي عام 1718، بعد نجاح مسرحيته الأولى "أوديب"، حظي بالإشادة كخليفة للمسرحي الكلاسيكي الكبير جان راسين، ومنذ ذلك الحين اعتمد اسم "فولتير"، ولا يزال أصل هذا الاسم المستعار غير مؤكد.

وإلى جانب الأدب كان يُعد فيلسوفا، وأعلن عن إلحاده في صالونات المثقفين، مما أثار فضول وصدمة المتدينين.

وأصبح مهتما بإنجلترا، البلد الذي كان يتسامح مع حرية الفكر، وزار زعيم التوريين (المحافظين)، فيسكُنت بولينغبروك، المنفي في فرنسا، وهو سياسي وخطيب وفيلسوف كان فولتير يعجب به إلى درجة أنه قارن بينه وبين شيشرون، وبتوجيه من بولينغبروك، تعلم اللغة الإنجليزية ليتمكن من قراءة الأعمال الفلسفية لجون لوك.

وتعزز تطوره الفكري نتيجة حادث، فبعد شجار مع أحد أعضاء إحدى الأسر الفرنسية البارزة، والذي سخر من اسمه، تعرّض للضرب، وأُخذ إلى سجن الباستيل، ثم نُقل إلى كاليه في 5 مايو/ آيار من عام 1726، ومنها انطلق إلى لندن.

وكانت هذه الرحلة نقطة تحول جذرية في حياته الفكرية، وهي واحدة من أهم المحطات التي تذكرها دائرة المعارف البريطانية، فقد رأى فولتير في إنجلترا مجتمعاً مختلفاً تماماً عن فرنسا حيث وجد نظاماً سياسياً ملكياً لكنه محدود بمؤسسات قوية، ووجد برلماناً يناقش ويختلف ويتخذ قرارات، ووجد صحافة أكثر حرية، ووجد قدراً ملحوظاً من التسامح الديني مقارنة بفرنسا الكاثوليكية المتشددة.

وخلال إقامة دامت أكثر من عامين، نجح فولتير في تعلم اللغة الإنجليزية، فكتب مذكراته بها، وظل قادراً على التحدث والكتابة بها بطلاقة حتى نهاية حياته.

وقد التقى بأدباء إنجليز مثل ألكسندر بوب، وجوناثان سويفت، وويليام كونغريف، وبفلاسفة مثل جورج بيركلي، كما التقى اللاهوتي صموئيل كلارك. ورغم أنه حظي في البداية برعاية بولينغبروك بعد عودته من المنفى، إلا أنه يبدو أنه دخل في خلاف مع زعيم التوريين، فتوجه إلى السير روبرت والبول والليبراليين.

وأعجب فولتير بالليبرالية التي تتميز بها المؤسسات الإنجليزية، وكان يغار من جرأة الإنجليز في مناقشة القضايا الدينية والفلسفية، وكان مقتنعاً بأن الإنجليز، لا سيما السير إسحاق نيوتن وجون لوك، في طليعة الفكر العلمي بسبب حريتهم الشخصية.

كما اعتقد أن الأمة الإنجليزية التي تتكون من التجار والبحارة مدينّة بانتصاراتها على لويس الرابع عشر لمزاياها الاقتصادية، وخلص إلى أن فرنسا حتى في الأدب يمكنها أن تتعلم شيئاً من إنجلترا، فقد كانت تجربته مع المسرح الشكسبيري مذهلة حيث أُعجب بطاقة الشخصيات وقوة الحبكات الدرامية.

وعندما عاد فولتير إلى فرنسا في نهاية عام 1728 أو بداية عام 1729، قرر تقديم إنجلترا كنموذج لمواطنيه، وقد تعزز موقعه الاجتماعي بعد العودة، وبدأ ببناء ثروة هائلة ضمنت له الاستقلال المالي.

وحاول إحياء المسرح التراجيدي من خلال تقليد شكسبير بشكل دقيق وحذر، وكان ذلك في مسرحية "بروتوس"، التي بدأ كتابتها في لندن وأرفقها برسالة إلى ميلورد بولينغبروك،و لم تحقق هذه المسرحية سوى نجاحاً محدوداً في عام 1730، أما "موت قيصر" فعُرضت فقط في إحدى الكليات عام 1735.

ومع ذلك، حققت مسرحية "ألزاير" نجاحا باهراً، فقد أسرت المسرحية، التي يقوم فيها الحاكم أوروسمان بطعن سجينه المسيحي "ألزاير" بدافع الغيرة، الجمهور بموضوعها الغريب والمثير، و تدور أحداث المسرحية في ليما ببيرو زمن الغزو الإسباني.

وفي الوقت نفسه، اتجه فولتير إلى نوع أدبي جديد وهو التاريخ، ففي لندن تعرف على فابريس، وهو رفيق سابق للملك السويدي شارل الثاني عشر، وكان اهتمامه بالشخصية الاستثنائية لهذا الجنرال الكبير دافعاً له لكتابة سيرة"تاريخ شارل الثاني عشر" في عام 1731، وهو سرد تاريخي موثق بعناية، يُقرأ بأسلوب يشبه الرواية.

"الرسائل الفلسفية"

وكان فولتير كاتباً غزير الإنتاج، وقد بدأت الأفكار الفلسفية تفرض نفسها أثناء كتابته حيث جلبت مآثر ملك السويد الخراب، في حين أن منافسه بطرس الأكبر أسس روسيا، تاركاً وراءه إمبراطورية واسعة ومتحضرة، فالرجال العظماء ليسوا محاربين فحسب، بل يعززون الحضارة، وهو استنتاج يتوافق مع مثال إنجلترا.

وكان هذا الخط الفكري ما حققه فولتير بعد تأمل طويل في عمل قصير حاد الذكاء وهو "الرسائل الفلسفية" في عام 1734، فهذه الرسائل الخيالية هي في الأساس برهان على الآثار الحميدة للتسامح الديني، وتُقارن بين علم النفس التجريبي لجون لوك وبين التأملات الافتراضية لرينيه ديكارت.

وبعد أن قام بشرح النظام السياسي الإنجليزي، وتجاره، وأدبه، وشكسبير شبه المجهول في فرنسا، اختتم فولتير بهجوم على عالم الرياضيات والفيلسوف الديني الفرنسي باسكال، فغاية الحياة ليست بلوغ السماء عبر التوبة، بل ضمان السعادة لجميع البشر من خلال التقدم في العلوم والفنون.

وبات هذا الكتاب الصغير اللامع يشكّل علامة فارقة في تاريخ الفكر، فهو لا يجسّد فلسفة القرن الثامن عشر فحسب، بل يحدّد أيضاً الاتجاه الأساسي للعقل الحديث.

وتبع نشر هذا العمل الذي تحدّث بصراحة ضد المؤسسة الدينية والسياسية فضيحة كبيرة، وعندما صدرت مذكرة اعتقال بحقه في مايو/ آيار من عام 1734، لجأ فولتير إلى قصر مدام دو شاتليه في سيريه بمنطقة شامبانيا، وبدأت عندئذ علاقته بهذه المرأة الشابة والذكية بشكل استثنائي، وعاش معها في القصر الذي جدد بناؤه على نفقته الخاصة.

وكانت مدام دو شاتليه مولعة بالعلوم والميتافيزيقا، وقد أثرت على أعمال فولتير في هذا الاتجاه، فقد تم إنشاء "معرض" أو مختبر للعلوم الطبيعية في القصر، وكتبا مذكرة عن طبيعة النار لاجتماع الأكاديمية الفرنسية للعلوم.

وبينما كانت مدام دو شاتليه تتعلم اللغة الإنجليزية لترجمة أعمال نيوتن وكتاب "حكاية النحل" لبيرنار دو ماندفيل، قام فولتير بتعميم تلك الاكتشافات العلمية الإنجليزية التي لم تكن معروفة إلا لقلة من العقول المتقدمة في فرنسا في كتابه "عناصر فلسفة نيوتن" في عام 1738.

وفي الوقت نفسه، واصل متابعة دراساته التاريخية، فبدأ كتاب "قرن لويس الرابع عشر"، ورسم مخطوطاً لتاريخ شامل للملوك والحروب والحضارة والعادات، والذي أصبح فيما بعد "مقال عن الأخلاق". وشرع أيضاً في تفسير النصوص الدينية، ففي سيريه، اكتسب فولتير، أثناء صقل معرفته العلمية، الثقافة الموسوعية التي كانت إحدى أبرز سمات عبقريته.

ومع ذلك، لم يكن فولتير بمنأى عن خيبات الأمل، فقد كان لويس الخامس عشر يكرهه، وكانت الفئة الكاثوليكية المتدينة في البلاط معادية له بشدة.

وكان فولتير متهوراً، فعندما خسرت مدام دو شاتليه مبالغ كبيرة على طاولة القمار الخاصة بالملكة، قال لها بالإنجليزية: "أنتِ تلعبين مع المحتالين"، وفُهمت العبارة، فاضطر للاختفاء في قصر ريفي ضيفاً عند دوقة مين في عام 1747.

وبسبب مرضه وإرهاقه من حياته المليئة بالقلق والاضطراب، اكتشف أخيراً الشكل الأدبي الذي يناسب طبعه الحيوي، فكتب حكاياته القصصية "رؤية بابوك" (1748) و"ميمنون" (1749)، واللتان تجادلان التفاؤل الفلسفي لغوتفريد فيلهلم لايبنتز وألكسندر بوب، و"زاديغ" (1747) وهي نوع من السيرة الذاتية الرمزية، فمثل فولتير، يعاني الحكيم البابلي زاديغ الاضطهاد، ويطارده سوء الحظ، وينتهي به المطاف بالشك في العناية الإلهية، كما كتب في عام 1752 "ميكروميغاس" التي تتناول صغر الإنسان مقارنة بالكون.

وكانت الأزمة الكبرى في حياته تقترب، ففي عام 1748 في كوميرسي، حيث انضم إلى بلاط ستانيسواف (ملك بولندا السابق)، اكتشف علاقة الحب بين مدام دو شاتليه والشاعر سانت لامبرت، وهي علاقة عاطفية انتهت بشكل مأساوي. وفي 10 سبتمبر/ أيلول من عام 1749، شهد وفاة هذه المرأة النادرة الذكاء أثناء الولادة، والتي كانت على مدى 15 عاماً مرشدة له ومستشارته، فعاد في حالة يأس إلى باريس حيث المنزل الذي عاشا فيه معا، فكان ينهض في الليل ويتجول في الظلام مناديا باسمها.

بعد وفاة مدام دو شاتليه، غادر إلى بروسيا بدعوة من فريدريك الأكبر، لكن إقامته هناك سرعان ما تحولت إلى سلسلة من الصدامات مع علماء البلاط ومع الملك نفسه، مما دفعه إلى الرحيل عام 1753 ليستقر أولا في جنيف في سويسرا، ثم في قريته الشهيرة "فيرني" قرب الحدود السويسرية.

وفي فيرني، عاش حياة شبه مستقلة عن السلطة الفرنسية، وتحوّل منزله هناك إلى ملتقى للفلاسفة والمفكرين والهاربين من الاضطهاد الديني حيث أصبح أشبه بمركز ثقافي قبل وجود مفهوم المراكز الثقافية الحديثة.

وفي تلك المرحلة، كان يكتب رسائل يومية تقريبا يناقش فيها السياسة والدين والفلسفة والتاريخ، ويصف بعض الباحثين تلك المرحلة بأنها العصر الذهبي لفولتير، لأنه كان حراً لأول مرة من أي رقابة مباشرة.

وخلال العقود التالية حتى وفاته عام 1778، كتب فولتير أهم أعماله الفلسفية والتاريخية، من بينها "كانديد"، و"القاموس الفلسفي"، وتوغل في كتابة التاريخ العالمي من عهد لويس الرابع عشر إلى عصر بطرس الأكبر، لكنه اشتهر أكثر بنضاله ضد الظلم والتعصب، إذ قاد حملات كبرى لإنصاف ضحايا الاضطهاد الديني مثل عائلة كالاس وسيرفَن، ليصبح في نظر الأوروبيين "ضمير عصر التنوير" بحق.

الوفاة والإرث

عندما عاد فولتير إلى باريس في عام 1778 بعد غيابٍ دام نحو 28 عاما، استقبله الناس استقبال الأبطال حيث امتلأت الشوارع بالمحتفلين، وظهرت عربة فولتير محاطة بجماهير تصفق له كأنه بطل سياسي لا مجرد كاتب.

لكن هذه العودة كانت قصيرة، إذ توفي بعد أشهر قليلة في 30 مايو/ آيار من عام 1778، وقد رفضت الكنيسة دفنه في مقابر باريس بسبب مواقفه من رجال الدين، فدُفن مؤقتاً خارج المدينة، ثم نقلت رفاته لاحقاً إلى "البانثيون"، حيث دُفن العظماء الذين ساهموا في تشكيل الوعي الفرنسي.

من خلال المسرحيات والروايات والمقالات والرسائل، قدّم فولتير رؤية فلسفية واضحة تقوم على العقلانية ورفض الخرافة، وعلى ضرورة الفصل بين السلطة الدينية والسياسية، وعلى إعلاء قيمة التسامح.

وتصف دائرة المعارف البريطانية فولتير بأنه لم يكن يبحث عن الحقيقة الفلسفية المطلقة بقدر ما كان يبحث عن الدفاع عن الإنسان العادي، فقد كان يعتبر الحرية مسألة مركزية، وكتب مراراً أن حرية التعبير هي أساس كل الحريات، وأن المجتمع الذي يخاف فيه الناس من الكلام هو مجتمع مهدد بالانهيار.

كما كان يدعو إلى إصلاح القضاء ويرفض العقوبات الوحشية التي كانت سائدة في عصره، وتُعد قضية "كالاس" أحد أبرز المواقف العملية لفولتير، فقد اتُهم جان كالاس، وهو بروتستانتي فرنسي، بقتل ابنه لمنعه من اعتناق الكاثوليكية، وحُكم عليه بالإعدام ظلما، وأثارت القضية غضب فولتير، فخاض حملة شرسة استمرت 3 سنوات، كتب خلالها عشرات الرسائل والمقالات التي فضحت التعصب الديني وسوء نظام القضاء، وانتهت الحملة بإعادة فتح القضية وتبرئة الأب لكن بعد وفاته.

ويمتد إرث فولتير اليوم إلى كل حديث عن حرية التعبير، وعن ضرورة حماية الفرد من سلطة الدولة أو سلطة الدين حين تتحولان إلى أدوات قمع، وبهذا المعنى، فإن إرث فولتير لم يكن مجرد أعمال أدبية أو رسائل نقدية، بل روحاً من الشجاعة العقلانية التي مهدت لثورات وتحوّلات كبرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وتقول دائرة المعارف البريطانية إنه على الرغم من أن عدداً قليلاً فقط من أعماله لا يزال يُقرأ اليوم، فإنه ما يزال يحتفظ بسمعة عالمية بوصفه مناضلاً شجاعاً ضد الطغيان والتعصب والقسوة، ومن خلال قدرته النقدية وروحه الساخرة وحسّه الفكاهي، نشر فولتير بقوة فكرة التقدم التي ظلّت الشعوب من مختلف الأمم تتجاوب معها، وقد امتدت حياته الطويلة عبر السنوات الأخيرة من العصر الكلاسيكي وحتى عشية العصر الثوري، وفي هذا الزمن الانتقالي أثرت أعماله وأنشطته في المسار الذي اتخذته الحضارة الأوروبية.

***

وليد بدران

عن موقع بي بي سي نيوز عربي ليوم: 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025

خلال شهر واحد فقط صدرت عدة مؤلفات عن القرآن الكريم والنبي العظيم

السؤال المطروح مباشرة هو التالي: هل ستنور باريس العالم العربي في القرن الحادي والعشرين مثلما نورت أوروبا وروسيا في القرن الثامن عشر؟ هل سيعود فولتير ويهزم الظلام والظلاميين مرة أخرى ولكن ضد الأصولية الإسلامية هذه المرة لا ضد الأصولية المسيحية التي أجهز عليها؟ أمر غير مستبعد على الإطلاق بل محتمل جداً. والدليل على ذلك صدور كل هذه الكتب الجديدة عن تراثنا العربي الإسلامي الكبير في عاصمة النور والأنوار. فخلال شهر واحد فقط أو شهرين صدرت عدة مؤلفات عن القرآن الكريم والنبي العظيم. نذكر من بينها كتاب الباحثة الشهيرة جاكلين شابي الذي صدر قبل أسبوعين فقط بعنوان: «قرآن الأنوار».

وهل هناك أجمل من هذا العنوان الخالد. عم يتحدث هذا الكتاب المهم؟ بالمختصر المفيد عن التفسير التاريخي والأنثربولوجي والعلمي الحديث للقرآن. وهو مختلف كلياً عن التفسير الأصولي الظلامي الذي يعمي البصر والبصيرة. يكفي. ليكف التراثيون والتقليديون عن إتحافنا بالمزيد من الثرثرات المكرورة والخرافات المجترة على شاشات التلفزيون.

ولكن المشكلة هي أن هذا التفسير التاريخي والفلسفي التنويري الجديد لكتاب الله مجهول كلياً عندنا. كل شيء يحصل كما لو أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم العربي حتى إشعار آخر. وأكبر دليل على ذلك هيمنة القوى الأصولية والظلامية على الساحة من أقصاها إلى أقصاها إلا بعض بقع الضوء هنا أو هناك. الدليل على ذلك هو أن التفاسير التقليدية العتيقة البالية لا تزال تهيمن على البيوت والشوارع والمكتبات وحتى الجامعات. ومعلوم أن هذه التفاسير التقليدية عاجزة عن إضاءة معاني النص الأعظم على عكس التفاسير الحديثة التي تقدمها لنا ليس فقط هذه المؤلفة الشهيرة، وإنما باحثون آخرون أيضاً.

تقول لنا المؤلفة ما فحواه: الكثيرون يعتقدون أنه يكفي أن نقرأ القرآن بشكل سطحي سريع لكي نعتقد أننا فهمناه. ولكن هذا وهم كبير. وذلك لأنه توجد فيه معان عميقة تستغلق على أفهامنا وعقولنا. وتالياً لا ينبغي الاكتفاء بالتفاسير السطحية التي أكل عليها الدهر وشرب. ماذا ينبغي أن نفعل لكي نفهم القرآن الكريم على حقيقته؟ عن هذا السؤال تجيب المؤلفة قائلة: ينبغي أولاً أن نفهم السياق التاريخي الكبير الذي ظهر فيه القرآن لأول مرة: أي الجزيرة العربية والقرن السابع الميلادي ومنطقة الحجاز بوجه خاص. ينبغي أن ندرسها دراسة علمية استقصائية ونتموضع في لحظتها التاريخية قبل 1447 سنة. وذلك لأن معطياتها وحيثياتها تنعكس على القرآن بشكل أو بآخر لمن يعرف كيف يقرأ بين السطور أو فيما وراء السطور. ومن ثمّ ففهم السياق التاريخي الذي أحاط بظهوره وكل الثقافات والعقائد التي كانت سائدة في عصره هو الذي يكشف لنا عن سر القرآن، عن معنى القرآن، عن فحوى القرآن. وهذا ما نص عليه القرآن ذاته عندما قال: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» (إبراهيم، 4). القرآن عربي وقد نزل في بيئة معينة وزمن معين. وينبغي أن نأخذ كل ذلك بعين الاعتبار إذا ما أردنا أن نفهمه على حقيقته. ما نحتاج إليه الآن إذن هو تفسير تاريخي محض لأحد النصوص الدينية الكبرى للبشرية.

ما نحتاج إليه هو قراءة تاريخية وفلسفية معمقة لا قراءة لاهوتية تقليدية ولا آيديولوجية ديماغوغية كما هو سائد لدى الأصوليين وجماعات الإسلام السياسي المستلبين عقلياً وفكرياً والغاطسين كلياً في غياهب العصور الوسطى وظلامياتها، كسيد قطب مثلاً. ما نحتاج إليه هو قراءة علمية تنير الأبصار بدلاً من أن تعميها.

بمعنى آخر «بحياتنا كلها لم نقرأ القرآن» أو لم نفهم القرآن على حقيقته، كما يقول لنا الباحث التونسي المعروف يوسف الصديق. وهذا يعني أن القراءة القروسطية اللاتاريخية القديمة غير القراءة العلمية والفلسفية والتاريخية الحديثة التي تنفذ إلى أعماق الأشياء. هذه بدهية. هذا تحصيل حاصل. ولكن متى سنفهم ذلك؟ متى ستفهم جماهير الأمة ذلك؟ بل متى سيفهم المثقفون العرب أنفسهم ذلك؟ هذا هو السؤال. بمعنى آخر متى سننتقل من مرحلة الطفولة العقلية إلى مرحلة النضج الفكري وسن الرشد، كما يقول لنا كبير فلاسفة الأنوار في أوروبا إيمانويل كانط في تعريفه للأنوار؟ بعد أن طبقت أوروبا المنهجية التاريخية - النقدية على الإنجيل فهمته على حقيقته وتحررت من الخرافات والأوهام. وانتقلت من مرحلة الأصولية المسيحية القروسطية إلى مرحلة المسيحية الحداثية الليبرالية. بعدئذ استنارت الشعوب المسيحية في أوروبا ولكن ليس قبل ذلك. هذه النقلة الكبرى لم تحصل عندنا حتى الآن. من هنا سر عذابنا وتخبطنا. ومن ثمّ فالسؤال المطروح هو التالي: متى سنفهم تراثنا المقدس بشكل صحيح لأول مرة في التاريخ كما فعلوا هم بدءاً من القرن الثامن عشر بالنسبة لتراثهم المسيحي؟ متى سنرتفع إلى مستوى تراثنا الديني العظيم؟ متى سنخدمه بالدراسات العلمية والفلسفية وليس بالقراءات الاستلابية الديماغوغية الغوغائية. هذا هو التحدي الأكبر المطروح علينا في السنوات المقبلة.

وإياكم ثم إياكم أن تنسوا ذلك الكتاب الموسوعي الضخم الصادر في (2186) صفحة بعنوان: «النبي محمد في مرآة المؤرخين العالميين الكبار». وهو كتاب ساهم فيه ما لا يقل عن خمسين باحثاً أكاديمياً متخصصاً في الدراسات العربية والإسلامية. وهؤلاء يعتقدون أن سيدنا محمد هو أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على تاريخ البشرية.

وهو بالنسبة لنا خير الورى وأعظم شخص ظهر على وجه الأرض. ولكن المصيبة أو الكارثة أو البلية البلياء التي نكبنا بها مؤخراً هي أن بعض المتطرفين الضالين الذين انحرفوا عن النهج القويم لا يزالون مصرين على أن ينسبوا أنفسهم إليه زوراً وبهتاناً. لا يزالون يضربون بسيفه ويتحدثون باسمه على الرغم من أنهم شوهوا صورة الإسلام عالمياً بفظائعهم وتفجيراتهم وتكفيراتهم. لا يزالون يزعمون أنهم هم الإسلام ولا يوجد تفسير آخر للإسلام غير تفسيرهم ولا مفهوم آخر غير مفهومهم. فما حقيقة الأمر يا ترى؟ هذا ما يجلوه لنا هذا الكتاب الجماعي الموسوعي الضخم. هذا ما يحاول تسليط الأضواء عليه من كل الجهات. من هنا أهميته الكبرى.

لقد حل لنا مشكلة السر الأكبر الذي يؤرقنا بل ويؤرق كل مثقفي العالم حالياً، لأن مشكلتنا لم تعد مشكلتنا فقط، وإنما أصبحت بحجم العالم. لقد حل لنا مشكلة اللغز الأعظم، لغز الألغاز، الذي طالما حير العقول. فمن سيترجم هذا الكتاب الموسوعي الضخم الصادر قبل أسبوعين أو ثلاثة في باريس، أو قل من سيتجرأ على ترجمته؟ هذا هو السؤال. أخشى ما أخشاه أن يسبقنا جيراننا الأتراك والإيرانيون إلى ذلك. وذلك لأنه توجد حلقات تنويرية ضخمة في أنقرة وإسطنبول وطهران ذاتها. إردوغان والخامنئي ليسا كل شيء. لا تغرنكم المظاهر السطحية. وراء الأكمة ما وراءها. إني لألمح خلف الغيم طوفانا... ولكن العرب هم الأولى بقصب السبق في هذا المجال لأنهم أصل الإسلام والقرآن. النبي عربي والقرآن عربي. والجزيرة العربية هي مهبط الوحي وقدس الأقداس مع الحرمين الشريفين. أقول ذلك دون أي نزعة شوفينية بغيضة. وذلك لأن الحديث النبوي ذاته يقول لنا: لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

ولكن للأسف لا تزال هذه الثورة المعرفية الكبرى التي تحصل حالياً في باريس وبقية العواصم الأوروبية محصورة في نطاق الثقافة الأكاديمية العليا لكبار بحّاثة الغرب وجامعات الغرب ولغات الغرب من فرنسية وإنجليزية وألمانية، إلخ. هذه الكشوفات عن تراث الإسلام الكبير وشخصية مؤسسه الأعظم لا تزال مجهولة أو متجاهلة من قبل اللغات الإسلامية الأساسية كالعربية والكردية والتركية والفارسية والأوردو الباكستانية، إلخ. هذه اللغات الأساسية مدعوة لاحتضان التنوير الديني والفلسفي يوماً ما. لا ينبغي أن تظل لغاتنا وشعوبنا خاضعة أبدياً للأفكار الظلامية وبرامج التعليم التكفيرية المهيمنة منذ مئات السنين. هنا يكمن التحدي الأكبر الذي يواجهنا حالياً. لم يدخل العالم الإسلامي التاريخ بعد. ولن يدخله قبل أن يخوض أكبر معركة – وأخطر معركة – مع ذاته التراثية العميقة.

ولا تنسوا مشروع «القرآن الأوروبي» الممول من قبل الاتحاد الأوروبي، وبالتحديد من قبل مجلس أوروبا للدراسات العليا والبحوث العلمية. هذا المشروع يطرح السؤال التالي: كيف ساهم الكتاب المقدس للإسلام في تكوين الفكر الأوروبي؟ كيف قرأه الأوروبيون وفهموه أو لم يفهموه منذ العصور الوسطى وحتى مطلع الحداثة؟ فمن الواضح أن قراءة العصور الوسطى كانت عدائية وجاهلة بحقيقة القرآن والإسلام في معظمها. ولكن الموقف تغير لاحقاً في عصر التنوير إبان القرن الثامن عشر. ففلاسفة الأنوار الكبار رأوا في القرآن الكريم احتفالاً عظيماً بالعقل والعقلانية والبصائر الأنوارية.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 19 نوفمبر 2025 م ـ 29 جمادي الأول 1447 هـ

التفكير لغة تأمل وتدبر ونظر، والمفكر مَنْ جعل عادته التفكير، وجعل من القلم وسيلة لتقييد تأملاته وتدبّراته ونظره وتقليب أوجه النظر في المسائل بمفارقتها وإشكالياتها ومغابنها المعتمة. فأي تفكير لأي مفكر؟

لا يختص التفكير بفئة من النّاس، فالجميع يفكر، وكلما عظمت تجارب الإنسان واتسعت معرفته كلما دقّ تفكيره وأصاب المرمى. والحكيم ذو التّجربة يكون دوماً مطلوباً للاستشارة وتقديم أوجه الحلول عندما تتشابك الطّرق ولا تعرف وجهة المقصد، إنها حياة الحكماء عبر التاريخ في المدن القديمة والبوادي القاصية، وقد كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، نموذجاً حيّاً لهذا الضرب من الحكماء، وكانت حكمته الثرّة والغزيرة مهاد التفكير النّاضج في إمارات الخير.

ومن ثم فلا يخلو تجمع إنساني من شخص، أو أشخاص يفكرون له وبه ومعه. وقديماً اعتبر ابن رشد أن المدينة الإسلامية يجب ألا تخلو من فقيه مجتهد وفيلسوف، فيلسوف يقدّم للنّخبة من المدينة الأطر النظرية والعملية التي تشرف بهم نحو السّعادة المدنية، ومجتهد يقدم للجمهور الأطر العقدية والأحكام الفقهية، الظّاهرة والباطنة، التي تهديهم سعادتي الدّنيا والآخرة.

ولا يزال مجتمعنا الحديث بحاجة إلى هذه المثُل البشرية لما تتميز به من عمق فهم للحاضر واستشراف بصير للمستقبل. يمتاز عالمنا المعاصر بكثير من الغبش في الرؤيا، فالأفكار تتداخل فيه وتضطرب، والأحداث تتمازج فيه وتتموج، والخطوب فيه تدلهمّ وتتناسل، مما يجعل الحاجة إلى الفهم حاجة ضرورية وماسة من أجل فعل رشيد وقول سديد، وهل هناك أفضل من الفيلسوف والمفكر والفقيه المتنوّر المجتهد من أن يقدم المصباح المنير، لأن أهم خاصية تتميز بها هذه النّماذج الثلاثة هي «اتخاذ مسافة» من الأحداث كانت واقعية أو فكرية، إنها ليست مسافة مكانية مِلاكُها عزلةٌ وتعال، إنها مسافة اعتبارية كان فيثاغورس هو أول من قعّدها عندما شبّه الحياة بالألعاب الرياضية الأولمبية وجعل القاصدين إليها ثلاثة أصناف من البشر، صنفٌ للّعب والفوز، وصنفٌ للتّجارة والربح، وصنفٌ آخر يذهب فقط للمشاهدة والفهم، وهذا هو المفكر الفيلسوف، يَقصُر نظرَه على التّأمل ليجعل المبهم واضحاً، والغامض منكشفاً، في فضاء واسع هو فضاء الممكن.

إن المفكر هو زرقاء يمامة أمَّته، يُبشر ويُنذر، يُبدع ويُلهم، وهو صمّام أمنها من كل قبح ذميم ومن كل غلوّ مقيت. إنّ «غفوة العقل تنتج وحوشاً»، كما عنون الرسّام الإسباني «غويا» إحدى لوحاته، ولا تحصين فكري أنفع من تفكير سديد، ولا مناعة فكرية أجدى من مفكر يصدُق مدينتَه.

بالتفكير تتحرر النّفس من الأفكار الخاطئة، على مذهب ديكارت، وبفعل التفكير يرتبط المفكر بالحاضر حرصاً على فهمه والإمساك بدلالاته، ومن هنا يقوم العقل برحلة نحو عوالمه المجهولة انطلاقاً من عوالم له معلومة، ويتّخذ العقل من التأمّل والتدبّر والنّظر أجنحته في هذه الرحلة الممتعة، وهو بذلك وثيق الصلة بالفلسفة، أو ليست الفلسفة في عمقها سوى متعة تفكير، وبحث عما يجلب السّعادة، ما دام المفكر مهووس بما يمور في حاضره، وحريصاً على فهمه وسبر أغوار معناه من أجل «لذة عيش»؟

لا جرم أن للتّعليم دوراً كبيراً في التّوجيه إلى الفكر وتوليده في نفوس النّاشئة، لتحقيق مناعتهم الفكرية بتمكينهم من الأدوات التي يميزون بها الصواب من الخطأ، ولا يتم ذلك إلا بالتّرغيب فيه أولاً، وبتعليمهم المناقشة وفن القول، على مذهب سقراط، ثانياً. فإن يكون الإنسان إنساناً يعني أن يكون مفكراً، والتفكير والإرادة لا ينفصلان، وليس هناك من وسيلة لتقوية الصلة بينهما سوى التعليم الفلسفي النّاضج الهادف.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 14 نوفمبر 2025:20

في فضاءٍ ثقافيٍّ كان يضيق بالسؤال، تبرز «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّ يوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَه الأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليست هذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، من كونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى. لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علم للتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذا الطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاج المعنى لا خصماً في جدله.2129 refaei

في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعي الفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل من الشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوف الحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيد بناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذا تصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بين الإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً» قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.

 إنّ ما يميّز هذا المشروع أنه لا يترجم النصوصَ بقدر ما يترجم الوعيَ نفسَه. فالترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيه المفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلك تتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريف الدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلب التجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.

ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعاد تعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لا كعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بين الله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرة الله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرار النص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.

إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيد فيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلاد عقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّ جديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداً من القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربي قدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 11 نوفمبر 2025 22:41

لم يعد خطاب السعادة القديم فعّالاً في المجال النظري، ثمة تحديات تواجه هذا المفهوم وبخاصةٍ بعد سكنى البشرية للسوشال ميديا وانتصار التباعد البشري على التواصل الواقعي.

لقد زاد الشعور بالوحدة والتعاسة، وبالأرقام فإن حالات الاكتئاب والقلق والهم تضاعفت وبشكلٍ مدمّر خلال العقدين الأخيرين، ومعضلة الحكمة الحياتية أن الوصول إليها يتطلّب خوض التجربة، والتجربة تحتاج إلى زمن وعمر، ومعظم الحكم الكبرى وصل إليها الناس في أواخر سنينهم، ولكن من عيوب البشر أنهم لا يستفيدون من الحكم المطروحة ممن سبقهم إلا بعد ضياع العمر.

حين نقلّب سيرة فيلسوف مثل برتراند راسل الإنجليزي الذي عاش قرناً كاملاً شهد فيه الحروب والفظاعات، هذا على المستوى السياسي، فضلاً عن تجربته الشخصية، حيث نجا من الموت بأعجوبة بعد أن تحطّمت به الطائرة حين نتأملها نعثر على حكمٍ مذهلةٍ وحياةٍ صاخبةٍ، وآراء مدهشة.

يصرّ في كتاباته على توريث الأجيال بعض دروس الحياة، فهو بقدر ما مرّ بظروف شقاءٍ ومنها السجن، إلا أنه آمن بالحياة السعيدة واعتبر نفسه محظوظاً بأنه عاش حياة السعادة حتى مع الشيخوخة.

حين سُئل: «ماهي السعادة؟» اختصرها في التالي: الصحة، وتوفّر الوسائل الضرورية للتحصّن من الحاجة، وعلاقات جيدةٍ مع الآخرين، ومن ثمّ النجاح بالعمل.

الخطر الأساسي للتعاسة بحسب «راسل» مقارنة الإنسان لنفسه بالآخرين، من هنا تبدأ المشكلة، هذه المقارنة تقود بالضرورة إلى مرضٍ عضال هو الحسد وقد خصّص عنه كتاباتٍ عديدة وكان مهموماً بهذا المعنى في كل كتاباته حول الحياة والسعادة، ويعتبره العائق الأساسي أمام الفرد لكي يعيش حياته بشكلٍ طبيعي.

يرى راسل أن: «الحسد يتسبب في شقاء الكثير من الناس، أفكّر مثلاً بالرسّام هايدون، الذي لم يكن رساماً جيداً لكن كان بودّه أن يكون كذلك، في مذكراته يمكننا أن نقرأ الجملة التالية: لقد قضيتُ صبيحةً شقية في مقارنة نفسي برافائيل».

راسل الذي ألّف كتابه «الفوز بالسعادة» يعتبر الحيويّة الدنيويّة والانسجام مع الانتظام الاجتماعي، والقدرة على خلق أفكار وأعمال تعبّر عن حضور الذات أساسي للوصول نحو المبتغى الذي يسعى إليه كل البشر، وهو الظفر بحياةٍ سعيدة.

ببساطة معيار السعادة عند راسل «أن لا تكون تعيساً»، لقد طرحت التقنيات الحديثة تحدياتٍ جمة وكبيرة على البشرية، صار الإنسان لا يعرف ماذا لديه، وإنما يقضي كل وقته في النظر بالأمر الذي يصل إليه.

الخلاصة، أن الحياة السوشليّة ليست حقيقيّة، وليست الهدف المنشود للفرد في المجال العام، إن الإنسان الطبيعي هو الذي يعيش بصحةٍ وتكيّف اجتماعي وتجارب عمليّة، وإنجازات شخصية، إن ما كتبه راسل من حكم يعبّر عن تجربةٍ مؤصلةٍ عمرها قرن من الزمان، والأجيال الصاعدة لا بد أن نعلّمها بأن الحياة الطبيعية اليومية والتأقلم معها والتعامل بأخلاقٍ وقيمٍ مع الناس هي شرط للحيوية الدنيوية السعيدة.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

11 نوفمبر 2025 00:34

في مثل هذه الأيام قبل خمسين عاماً (نوفمبر 1975)، رحلت الفيلسوفة الألمانية المهاجرة إلى الولايات المتحدة حنة آرندت، وقد تركت أثراً مكيناً في الفكر السياسي العالمي.

ومع أن حنة آرندت تلقّت أساسَ تعليمها الفلسفي على يد أستاذها الأسطوري مارتن هايدغر في ألمانيا، إلا أنها اختلفت جذرياً في أعمالها النظرية عن طريقته في التفكير الفلسفي. كانت آرندت مشغولةً في الأساس بالسياسة أو بالنشاط العملي الذي اعتبرته موضوعاً غائباً في تاريخ الفلسفة المتمحور حول التأمل، والمهووس منذ أفلاطون إلى هايدغر بموضوع الموت. لقد رأت أن موضوع «الولادة» (natalis باللاتينية) هو المدخل الصحيح للنشاط العملي من حيث هو مادة الفعل السياسي، وتعني هذه العبارة بالنسبة لها قدرةَ البشر الدائمة على البدء في إنجاز أمور جديدة، بما يفسّر كون الوضع الإنساني غير قابل للتحديد والقولبة مسبقاً. وما دامت السياسة، حسب تعريف آرندت، هي «مجال الفعل الحر والبداية الجديدة»، فإن الولادةَ هي التي تمنح السياسةَ عمقَها الرمزي من حيث هي إبداعٌ متواصلٌ وقدرةٌ متجددةٌ على الحركة والنشاط وأملٌ دائمٌ بالتغيير ومبدأٌ لمقاومة الاستبداد والجمود.

في كتابها الأساسي «وضعية الإنسان»، تميز آرندت بين ثلاثة مستويات كبرى في الحياة العملية:

الشغل (labor) الذي هو وظيفة بيولوجية ضرورية لاستمرار الإنسان، والعمل (work) الذي يحيل إلى اختراع الأشياء بشكل دائم، والفعل (action) الذي هو مجال التعددية والحرية، أي التفاعل الحي بين الأفراد الأحرار المتساوين في الدائرة العمومية. والفعل بالنسبة لـ «آرندت» هو أعلى هذه الأنشطة مستوىً، وهو يختلف عن التقنية والعمل اليدوي والفني بكونه ينتج المعنى ويفسح الطريقَ للتداول اللغوي والبرهاني الحر.

 لقد لاحظت حنة آرندت أن الحداثةَ ألغت الفعلَ واستبدلته بالشغل والاستهلاك وعوّضت السياسةَ بالتسيير والاقتصاد، واختزلت الإنسانَ في الحيوان الكادح الذي تتركّز إرادته في تحقيق مصالحه البيولوجية الضرورية. وفي هذا الباب، تتحدث آرندت عن «ضياع العالم المشترك» في المجتمعات الحديثة، باعتبار أن البشر لم يعودوا يعيشون في عالم يشتركون فيه، وأصبحت حقوقهم وتطلعاتهم محصورةً في الدوائر الخاصة التي هي عالم التقانة والأشياء المصنوعة.

لقد عُرفت حنة آرندت بأعمالها الرائدة حول ظاهرة «التوتاليتارية» التي نشأت عن تفكك العالَم المشترك، بحيث أصبح الأفراد معزولين ومعرَّضين لتكييف الوعي وضبط الضمير. ليست التوتاليتارية امتداداً لحالة الاستبداد السياسي القديمة، بل هي وضعية غير مسبوقة في التاريخ، تتميز بنظام الهيمنة على البشر، أي السيطرة الكلية عليهم، ليس فقط عن طريق القمع والتنكيل، وإنما أيضاً من خلال التحكم النفسي والأخلاقي والروحي.

 في كتابها «أصول التوتاليتارية» تقف حنة آرندت عند ظاهرتين أساسيتين تدخلان في هذا المفهوم، هما النازية والستالينية، وهما على اختلافهما تتفقان في نظام الهيمنة والسيطرة المسلَّط على الوعي والشعور من خلال التعبئة الأيديولوجية والقولبة الإدراكية والمعرفية.

لقد خصصت حنة آرندت دراساتٍ كثيفةً لتجارب الثورات الحديثة التي هي مستجدات خاصة بالعصور الأخيرة، من خلال المقارنة بين الثورات الفرنسية والأميركية والسوفييتية.

وبالنسبة لحنة آرندت، فقد نجحت الثورة الأميركية في تأسيس نظام سياسي ناجع قائم على التداول العمومي والمواطَنة الفاعلة في سياق تجسيد مثال الحرية في أبعادها الذاتية والحقوقية، بينما فشلت الثورة الفرنسية في تحقيق هذه النتيجة لكونها اتجهت مبكراً نحو المسألة الاجتماعية وليس المطلب السياسي، فاتسمت بالعنف والراديكالية وأخفقت في بناء مؤسسات عمومية مستقرة ورصينة. أما في الاتحاد السوفييتي فانهار مثالُ الحرية جراء سيطرة الحزب الواحد والهيمنة الأيديولوجية على المجتمع، وسرعان ما تحولت الثورة السياسية إلى ثورة اجتماعية هادفة إلى القضاء على العلاقات الطبقية عن طريق القوة والعنف.

لم تُقْرأ حنة آرندت جيداً في الفكر العربي، وظل الاهتمام بها محصوراً في أعمالها حول تاريخ الفكر السياسي الغربي، التي لا يمكن فهمها واستيعابها إلا في نطاق مشروعها الفلسفي المتكامل. بعض الكتّاب قرؤوها من زاوية نقد الليبرالية والحداثة، رغم أن مشروعها يتمحور بالكامل حول الحرية والتداول ضمن عالم مشترك تعددي. وبعضهم اكتفى بنقدها الجذري للتجارب الاشتراكية، في حقبة سيطرتْ خلالها على الأيديولوجيا السياسية العربية أفكارُ الثورة الاجتماعية.

وهكذا ظلت أعمال حنة آرندت، وإلى حدٍّ بعيد، مجهولةً عربياً، رغم أهميتها الفائقة في الفلسفة المعاصرة. وقد كتب لها مرة أستاذها هايدغر الذي تعلقت به عاطفياً في شبابها: «لقد فتحتِ بابَ التفكير في ما تركتُه في الظل: العالَمُ المشترك بين البشر».

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

10 نوفمبر 2025 00:51

(1)

في شبابِه، كانَ الاقتصاديُّ والكاتبُ توماس سويل ماركسياً. وعلَى الرغم من أنَّه دَرَسَ على يدِ المفكرِ الاقتصاديّ ملتون فريدمان، أحدِ أكبرِ المدافعين عن الرأسماليةِ والتجارة الحرة، فإنّه لم يتخلَّ عن رؤيته الماركسية للاقتصاد والحياة. في وقت لاحق، وبعد أن عملَ في الحكومة لفترة، تحوّل هذا الإيمان العميق بماركس إلى تفكير حر. كفر بالماركسية واعتنق الرأسمالية. أصبح من أكبر دعاة الحرية التجارية، وعدواً للاشتراكية والسياسات الاقتصادية الشعبوية. سويل ليس عقلاً اقتصادياً فقط، بل مفكر واسع المعرفة، وصاحب حسّ ساخر وشخصية صريحة. لديه القدرة على جعلك ترى الأشياءَ من زوايا أخرى. وكتابه «الثروة والفقر والسياسة» يُعدّ مثالاً واضحاً على مزيج المعرفة والبصيرة.

يقول سويل، في كتابه، إنه من الخطأ أن نسألَ عن الفقر ولماذا يوجد الفقراء، لأنّ الفقر هو الحالة الأصلية للإنسان عبر التاريخ. فطوال ملايين السنين كان الفقر هو الوضعَ الطبيعي، وكانت الحياة قائمة على الكفاف. لذا، فالسؤال الأصح هو: كيف ظهرتِ الثروة؟ ما الذي حدث وجعل جماعةً معينة تتجاوز الفقر واقتصاد البقاء اليومي إلى اقتصاد الفائض والإنتاج والتجارة؟

من هنا يشرح سويل فكرته الرئيسية بأن الثروة ليست المالَ ولا الموارد الطبيعية، بل المعرفة المتراكمة. معرفة تتجلَّى في عادات العمل والأخلاق، وتتحول إلى شكل من أشكال الوعي الجمعي. يقول سويل إن الثروات الطبيعية قد تكون نعمة أو نقمة، لكن الثروة الحقيقية ليست المال، بل القدرة على إنتاجه باستمرار.

قديماً، كان العالم كله غارقاً في الفقر. البشرية كانت تعيش في مستوى متقارب من الحرمان في الشرق والغرب والشمال والجنوب. لا يوجد عالم متقدم وآخر متخلف؛ الكل في الفقر سواء. لم تتفوّق جينات عرق على آخر، وإنما البيئات التي سمحت بتراكم المعرفة ونقلها من جيل إلى آخر هي التي خلقت التفاوت بين جماعات غنية وفقيرة، وبين دول قوية وضعيفة.

يتحدّث سويل عن دور الجغرافيا والمناخ والموارد، لكنّه لا يقصد أن البيئة تقرر القدر، بل إنها تصنع الفرص كما تفرض القيود. المناطق التي تملك أراضي قابلة للري تطوّر في الغالب الزراعة، وهذا يعني الاستقرار. في مثل هذه البيئات، تنشأ ثقافة تقسيم العمل، وتظهر الحرف المختلفة، وتتشكّل الطبقات الاجتماعية، وتُولد المؤسسات والدولة. أما المناطق التي تعتمد على الرعي أو الصيد أو التنقل الدائم فلا تسمح بتراكم الثروة ولا ببناء المؤسسات ولا بقيام الدولة. ومع مرور الزمن، يتّسع الفارق بين المجتمعين. فالمجتمع المستقر قادر على التعلم ومراكمة المعرفة، أمَّا المجتمع المتنقل فيبدأ من الصفر مع كل جيل.

ساعدت الجغرافيا أوروبا الشمالية، بفضل أنهارها الصالحة للملاحة، على ازدهار التجارة والتواصل، في حين أدّت الأنهار المتقطعة والغابات الكثيفة في أفريقيا إلى عزل المجتمعات بعضها عن بعض. هناك أيضاً الفروق الجغرافية بين أميركا الشمالية والجنوبية: الأولى تمتلك أنهاراً قصيرة لكنها منتظمة، مما ساعد على نشوء المواني والمدن المستقرة، أما الأخرى فواجهت تضاريس معقّدة وسواحل وعرة عاقت التواصل.

لكنَّ سويل لا يقع في فخّ التفسير الجغرافي. فكرته أنَّ الجغرافيا تمنح أو تقلل فرصَ التواصل والتبادل، لكنَّها ليست العاملَ الحاسم. فهي تمنح البداية، لا النهاية. هناك مجتمعاتٌ عاشت في ظروف جغرافية قاسية، لكنَّها استطاعت أن تتخطَّى الفقر وتؤسس معرفةً تراكمية قادتها إلى الازدهار. هنا يدخل سويل إلى المفهوم الأكثر عمقاً في تحليله: الثقافة الاقتصادية.

يُقصد بها الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الوقت والمستقبل وقيمة العمل. فهناك مجتمعات ترى العمل قيمة في ذاته، وأخرى تعدّه حاجة مؤقتة. هناك من ينظر إلى المستقبل بوصفه شيئاً يستحق التخطيط والاستعداد، وآخرون يرونه غامضاً إلى درجة لا تستحق الجهد من أجل الغد.

حتى في مسألة الوقت، ثمة من يتعامل معه بوصفه مورداً إنتاجياً ثميناً، فتتكوّن لديه ثقافةُ الانضباط والتزام المواعيد، وثمة من يتعامل معه بتراخٍ، فيتحول التسويفُ والتأجيل إلى عادة. هذه التفاصيل الصغيرة، كما يصفها سويل، تتحوَّل مع الزمن إلى بنية ثقافية واقتصادية تميز المجتمعات الناجحة عن غيرها.

يقدّم سويل مثالاً لما يسميه الثروة الكاذبة: فالثروات الطبيعية لا تضمن الازدهار. نيجيريا، مثلاً، تملك النفط والغازَ وموارد هائلة، لكنَّ الفسادَ والاعتماد على الريع جعلاها فقيرة. في المقابل، اليابان التي لا تملك موارد طبيعية تقريباً أصبحت من أغنى دول العالم بفضل الإنتاج والمعرفة. الفارق أنَّ اليابان خلقت مؤسسات وثقافة لإنتاج المال، في حين نيجيريا تمتلك المال دون أن تملك ثقافته.

بهذا يؤكد سويل نظريته: المالُ ليس الثروة، بل القدرة على إنتاجه باستمرار. إنَّها المعرفة المتراكمة التي افتقدتها البشرية لآلاف السنوات.

***

(2)

تلعبُ الثقافة دوراً حاسماً في نجاح الأممِ وفشلها. فالثَّقافة، كما يقصدُها توماس سويل، ليست الفنونَ أو العادات أو الفلكلورَ الشعبي، بل الطبقة الأعمق من الوعي الجمعي، حيث تتكوّن العاداتُ الذهنيةُ والقراراتُ الصغيرةُ التي تحدّد السلوكَ اليومي للأفراد: كيف يفكّرون، كيف يدَّخرون، وكيف يروْن الغد. هذه القرارات الصغيرة، حين تتكرّر عبر الأجيال، تصنع عقلاً اقتصادياً يميّز أمةً عن أخرى.

يُطرح سؤالٌ متكرر: لماذَا تنجح جماعاتٌ صغيرةٌ بلا سلطة سياسية في السيطرة على قطاعاتِ التجارة والمصارف؟ يجيب سويل بأنَّ السَّببَ هو امتلاكها لما يسميه رأس المال الثقافي، أي القيم العملية مثل الانضباط، والتعليم، والادخار، واحترام الوقت. هذه القيم هي التي تشكّل الثروة الحقيقية، لأنَّها تخلق القدرةَ على الإنتاج المتواصل لا الاستهلاك العابر.

نرَى هذا بوضوح في الجماعات الصينية المنتشرة في آسيا. ففي سنغافورة وتايلند والفلبين وإندونيسيا، نجد أنَّ الصينيين يملكون معظمَ الثروة التجارية والمالية رغم كونهم أقلية. واليابان مثال آخر: بعد هزيمتها المدمّرة في الحرب العالمية الثانية، استطاعت خلال عقودٍ قصيرة أن تتحوَّل إلى قوة صناعية عالمية. لم يكن ذلكَ معجزةً، بل ثمرة ثقافة راسخة تقوم على الانضباط، والإتقان، والولاءِ للمؤسسة، والاحترام العميق للعمل الجماعي.

أمَّا اليهود، فتمثل تجربتهم مثالاً فريداً على كيفَ يمكن للثقافة أن تكونَ آلية للبقاء. فالتقاليدُ التي تمجد التعلمَ، وتربط الكرامة بالاستقلال المالي، جعلت منهم، رغمَ قلتهم، نخبةً مالية وعلمية في أوروبا وأميركا.

وبالطريقة نفسِها، تميَّزتِ الدولُ البروتستانتية في أوروبا - مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا - بنجاحها الاقتصاديّ مقارنةً بالدول الكاثوليكية المجاورة. السببُ في رأي سويل أنَّ البروتستانتية ركَّزت على الأخلاق العملية بدل الوعظ النظري، وعلى قيمة العمل والانضباط بدل الطقوس الدينية. كانَ العمل لديهم تعبيراً عن الإيمان لا عن العقاب، لذلك نشأت لديهم روح رأسمالية مبكرة.

ويقدّم سويل أمثلةً أخرى لتوضيح الفكرة نفسها. فالهنود، رغم كونهم أقليةً في شرق أفريقيا، أصبحوا محركاً أساسيّاً للاقتصاد بسبب التزامهم التجاريّ والعائليّ الصارم. أمَّا فيتنام، التي خرجت من عقود من الحروب المدمّرة، فقد حققت نموّاً اقتصادياً متسارعاً لأنَّها اعتمدت على أخلاقياتِ عمل قوية واحترام للجهد الفردي. كذلك تايوان وهونغ كونغ، اللتان تحولتَا رغم صغر مساحتِهما وندرة مواردهما إلى مركزين ماليين مزدهرين بفضل ثقافة الإنتاج لا بفضل تدخّل الدولة.

ويعود سويل إلى التاريخ الأوروبي ليضرب مثالاً بهولندا في القرن السابعَ عشر، التي كانت دولةً صغيرةً فقيرةً بالموارد لكنَّها أصبحت مركزاً ماليّاً عالميّاً لأنَّ الثقافة السائدة فيها كانت تُعلي من قيمة الثقة. النَّاس كانوا يلتزمون العقودَ والاتفاقات حتى من دون وجود سلطةٍ قاهرة، لأنَّ السمعة الاقتصادية كانت تمثل رأسَ مالٍ أثمن من الذهب. في الوقت نفسه، كانت إسبانيا والبرتغال تسبحان في الذهب القادم من العالم الجديد، لكنَّه أفسدهما بدل أن ينهضَ بهما. لم تستطيعَا بناء نظام اقتصاديّ منتج، لأنَّ الثروة جاءت بلا جهد، فتحوَّلت عبئاً ثقافيّاً جعل الناسَ يتعلّمون أنَّ الطريق القصير أفضل من الطويل، وأنَّ النفوذ يغني عن المهارة.

بهذا يخلص سويل إلى أنَّ الثروة ليست في الموارد، بل في المنظومة الثقافية التي تحكم علاقة الناس بالعمل والزمن والمستقبل. فالمجتمعات التي ترى في الجهد طريقاً طبيعياً للمكافأة تصنع تقدّمَها بنفسها، بينما تلك التي ترى في الثروة هبةً من الخارج تفقد الحافز على الإنتاج.

ويؤكد أنَّ الثقافة الاقتصادية لا تتغيَّر بالخطب والمواعظ الأخلاقية أو بالقوانين، بل حين يتغيّر الواقع الذي يعطيها معناها. فإذا كانتِ البيئة تكافئ الانضباطَ والإتقان، فستنتشر هذه القيم في المجتمع، أمَّا إذا كافأتِ الحيلة والمظلومية أو المحسوبية، فستسود ثقافة الارتجال والفساد والغش والاعتماد على العلاقات.

من هنا نفهم لماذَا تتفاوتِ الأمم رغم امتلاكها للموارد نفسها. فالثروة ليست كميةَ المال التي تملكها الدولة، بل نمط تفكيرها في العمل والزمن. اليابان وسويسرا وهولندا وألمانيا أمثلة لدول حوَّلت ثقافتها طاقةً إنتاجية، بينما دول أخرى تملك المال والموارد، لكنَّها تفتقد المنظومةَ العقلية التي تجعل المال قابلاً للزيادة والتكاثر.

***

(3)

يرى توماس سويل أنَّ الدولة ليست عدوّاً للثروة ولا صديقةً لها بطبيعتها، بل هي أداة يمكن أن تكونَ حاضنة للثروة أو مدمّرة لها، حسب مدى احترامها للقانون والمؤسسات. فحين توفّر الدولةُ بيئة مستقرة تحمي الملكية وتضمن العدالة وتكافئ الكفاءة، تصبح رافعةً وداعمة للثروة. أمَّا حين تضعف مؤسساتها، ويستشري فيها الفساد، وتتحوَّل مركزَ امتيازات، فإنَّها تقتل روحَ المبادرة وتخنق الخيال.

ويضرب سويل أمثلة حيّة من التاريخ الحديث:

الكوريتان الشمالية والجنوبية تمثلان مختبراً مثالياً لفكرته. فهما شعب واحد ولغة واحدة وثقافة مشتركة، لكن النظامين الاقتصاديين والسياسيين جعلا مصيرهما متناقضاً. كوريا الجنوبية تبنّت اقتصاد السوق والانفتاح، فأنشأت صناعة متقدمة وصادرات عالمية، بينما غرقت كوريا الشمالية في الفقر والمجاعة نتيجة لاقتصادها المركزي الموجّه.

الشيء نفسه حدث بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية. الأولى اعتمدت اقتصاد السوق وازدهرت بسرعة، بينما الأخرى، الخاضعة للنظام الاشتراكي، ظلت تعاني الركود والفقر حتى لحظة الوَحدة.

كذلك سنغافورة وغانا اللتان استقلّتا في الفترة نفسها تقريباً: سنغافورة، بفضل قيادة لي كوان يو، بنت دولة قانون وكفاءة وجودة، بينما غرقت غانا في الفساد والمحسوبية والشعبوية.

أما تجربة تشيلي، فتمثل مختبراً قاسياً لفكرة سويل عن العلاقة بين الحرية الاقتصادية والسياسية. في السبعينات، حاولت حكومة سلفادور أليندي تطبيق اشتراكية ديمقراطية من خلال تأميم المصانع والمصارف، ورفع الأجور وتجميد الأسعار باسم العدالة الاجتماعية. لكن خلال عامين فقط انهار الاقتصاد، وامتلأت الشوارع بالطوابير، واختفت السلع. بعد الانقلاب عام 1973، جاء نظام بينوشيه العسكري، الذي استعان بمجموعة من الاقتصاديين الشباب المتأثرين بمدرسة شيكاغو، ليقوم بإصلاحات جذرية: خصخصة الشركات، تحرير التجارة، تثبيت العملة، وتشجيع الادخار. في البداية كانت التكلفة باهظة، لكن خلال عقد واحد تحولت تشيلي واحدةً من أكثر الاقتصادات استقراراً في أميركا اللاتينية. يقول سويل: «الفقر لا يخلق الحرية، ولا العدالة تنمو على الأرض الخاوية. كان على تشيلي أن تختار أولاً أن تنجو، ثم تناقش شكل حريتها».

وفي المقابل، يقدم مثال كوبا التي مثلت النقيض التام. بعد ثورة كاسترو عام 1959، وعد النظام بعدالة اجتماعية مطلقة، وحقق إنجازات لافتة في التعليم والرعاية الصحية، لكنه صادَر الحوافز الفردية باسم المساواة. حينما يتقاضى العامل المجتهد والعامل الكسول الأجر ذاته، يختفي معنى الجهد، وتنهار روح العمل. يقول سويل: «هذه ليست مشكلة اقتصادية، بل مأساة أخلاقية. حين يُلغى التفاوت المشروع، يُقتل الطموح». خلال عقدين، أصبح الاقتصاد الكوبي يعتمد كلياً على دعم الاتحاد السوفياتي، وحين انهار الاتحاد في التسعينات، دخلت الجزيرة في مجاعة اقتصادية خانقة.

بهذه الأمثلة، يوضح سويل أن المشكلة ليست في وجود الدولة، بل في دورها. فالدولة التي تتحول من حكم محايد إلى طرف يمنح الامتيازات ويسحبها بناء على القربى والعلاقات، تغيّر طبيعة الثروة نفسها من نتيجة للعمل إلى نتاج للنفوذ. حينها يفقد العمل معناه، ويبدأ الناس في البحث عن الطرق المختصرة. في مثل هذه المجتمعات، يصبح الفساد ليس انحرافاً عن النظام، بل هو جزء منه.

ويقول سويل إن المجتمعات التي تُخنق فيها روح المنافسة تفقد أهم شرط لبناء الثروة: الثقة بالمستقبل. فحين لا يرى الفرد رابطاً بين الجهد والمكافأة، يختفي الحافز للإنتاج، ويتحوّل الاقتصاد دائرةً من الاعتماد والجمود. عند هذه النقطة، لا يعود الفقر مسألة موارد، بل مسألة خيال؛ فالثروة قبل أن تكون مصانع وبنوكاً هي جرأة على الفعل والمبادرة والتجديد.

ينتقد سويل أيضاً التفسير الآيديولوجي للفقر، سواء من اليسار أو اليمين.

اليسار يراه نتيجة ظلم بنيوي، وكأن الأغنياء لا يملكون إلا لأنهم سلبوا الآخرين. هذا التفسير يلغي الزمن والتراكم والمعرفة والعادات، ويختزل التاريخ في صراع ظالم ومظلوم. أما اليمين، فيفسر الفقر بالكسل أو ضعف الإرادة، متجاهلاً أن الأفراد يولدون داخل ثقافات ومؤسسات تصوغ رؤيتهم لأنفسهم وللجهد والمكافأة.

الفقر، في نظر سويل، ليس مؤامرة خارجية، بل نتيجة تفاعل معقد بين الثقافة والبيئة والدولة والتاريخ.

المشكلة أن السياسة، بدوافعها الانتخابية والشعبوية، تقدم دائماً وصفات سريعة تحت شعار «العدالة الاجتماعية» و«دعم الفقراء»، لكنها لا تمس الجذور. تعطي المال ولا تغيّر العقول. وهكذا يعود الفقر بعد كل دورة سياسية.

ويضرب مثالاً ببرنامج الحرب على الفقر في الولايات المتحدة الذي أطلقه الرئيس جونسون في الستينات. فقد أنفقت الحكومة مليارات الدولارات على الإعانات والسكن والرعاية الصحية والتعليم، لكن بعد عقدين، لم تختفِ الطبقة الفقيرة، بل ازدادت اعتماداً على الدولة. الدعم، كما يقول سويل، تحوّل إعاقةً: خلق طبقة واسعة تعيش على الإعانات بدل العمل. النوايا الطيبة لا تجلب بالضرورة النتائج الجيدة.

ويرى سويل أن المساعدات الدولية تسير في الاتجاه نفسه. فالهبات التي تقدمها الدول الغنية للدول الفقيرة لم تخرجها من فقرها، بل أضعفت قدرتها على الإصلاح الذاتي. فحين يحصل مجتمع على المال مجاناً، يتعلم الاعتماد لا الإنتاج.

فالمساعدات، حسب الكاتب، «تُبقي الفقراء على قيد الحياة، لكنها لا تخرجهم من الفقر».

الفقر، كما يراه، ليس نقصاً في المال، بل في الثقة بالزمن. الفقير الذي لا يثق بالغد لا يدخر ولا يستثمر. وإذا جاءت المساعدات لتسد الفجوة بين الجهد والنتيجة، فإنها تقتل الشرط النفسي لبناء الثروة: الإيمان بأن العمل والكد يغيّران الواقع.

من هنا، يدعو سويل إلى إعادة تعريف المساعدة: ليست تلك التي تمنح المال، بل التي تبني المؤسسات والتعليم والثقة بالمستقبل. فالثروة لا تُصنع بالمنح، بل بالقيم والمؤسسات التي تحفّز على الإنتاج.

ويلخص فكرته الأساسية بالقول: «لا توجد أمة محكوم عليها بالفقر. القوانين، والثقافة العملية، والمؤسسات القوية قابلة للتكرار».

الفقر هو الطبيعي عبر التاريخ البشري والخروج منه وتشكيل ثروة هو الأمر الجديد. من الخطأ السؤال: كيف تشكل الفقر؟ لكن الصحيح هو: كيف تشكلت وتولدت الثروة في مجتمعات بعينها؟ ليس عن طريق الإعانات ولا العدالة الوهمية ولا توزيع الثروة. كل هذه الحلول، رغم رومانسيتها، عقَّدت المشكلة بدل أن تحلها.

في النهاية، لا يرى توماس سويل أن الثروة لغز غامض أو هبة من السماء، بل نتيجة لمسار طويل من بناء المعرفة والعادات والمؤسسات. فالأمم التي نجحت لم تكن أغنى بالموارد، بل أذكى في التعامل معها، والأمم التي فشلت لم تكن أفقر بالضرورة، بل أضعف في بناء الثقة بين الجهد والمكافأة. لا يوجد تفوق عرقي وجيني. الأمم متساوية، ولكن الفرق أن بعضها عرف كيف يشكّل معرفة متراكمة، وأخرى لم تنجح وهو يقدم لها الطريقة الصحيحة حتى لو كانت صريحة أو حتى جارحة.

***

د. ممدوح المهيني

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية القسم الأول يوم: الثلاثاء - 14 جمادي الأول 1447 هـ - 4 نوفمبر 2025 م ,القسم الثاني يوم: الأربعاء - 15 جمادي الأول 1447 هـ - 5 نوفمبر 2025 م. والقسم الثالث، يوم: الخميس - 16 جمادي الأول 1447 هـ - 6 نوفمبر 2025 م

 

في القرن الثاني عشر، كان الصراع على أشدّه بين الفقهاء والفلاسفة، فبعد ازدهار الترجمات في العلوم والفلسفة والمنطق، بات المشهد المعرفي يشهد تحوّلاتٍ كبرى شديدة التعقيد. حينها تغيّرت طرق النقاش والسجال، وتبدلت لغة تناول الحقائق، واغتنت سبل التأويل.. وقد كان لزاماً على الفلاسفة الدفاع عن أنفسهم أمام سيلٍ من التهم، وكان لابن رشد دوره البارز في خوض تلك الحرب. لم يتصدّ فقط للغزالي، بل لكل النسخ الفقهية التي تجعل الفلسفةَ رديفاً للزندقة والخروج من دائرة الدين.

اتجه ابن رشد في فترة لاحقة نحو نفي التضاد بين الحكمة والشريعة، فألف كتابه الشهير «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال». وقد ضمّن هذا الكتاب محاولة توفيقية منطلقاً فيها من مقولة: «إن الحق لا يضاد الحق»، موضحاً أن لكل من الدين والفلسفة وظائف لا يتداخل بها مع الآخر، ولا يعترض عليها.

 وبحسب الأستاذ الدكتور محمد عابد الجابري، في تحليله للمنهجية التي اتبعها ابن رشد في ذلك الكتاب، فإنه قد «انطلق في تصوره المنهجي الجديد للعلاقة بين الدين والفلسفة من مبدأ أساسي سبق التأكيد عليه، وهو الفصل بين عالم الغيب وعالم الشهادة فصلاً جذرياً أساسه أن لكل منهما طبيعته التي تختلف جوهرياً عن طبيعة الآخر، ومن هنا كان الفصل قضية منهجية أساسية، وهي تأكيد ابن رشد على خطأ استعمال قياس الغائب على الشاهد في معالجة العلاقة بين الدين والفلسفة، بل معالجة قضايا كل من الدين والفلسفة، وبالتالي التأكيد على الخطأ الناجم عن محاولة دمج قضايا الدين في قضايا الفلسفة، أو العكس، لأن عملية الدمج هذه غير ممكنة في نظر ابن رشد إلا بالتضحية، إما بأصول الدين ومبادئه، وإما بأصول الفلسفة ومبادئها.

إن ابن رشد يرى أن للدين مبادئ وأصولاً خاصة، وإن للفلسفة كذلك مبادئ وأصولاً خاصة، الشيء الذي ينتج عنه حتماً اختلاف البناء الديني عن البناء الفلسفي، ولذا كان من غير المشروع في نظره دمج أجزاء من هذا البناء في البناء الآخر، أو قراءة أجزاء من هذا البناء بواسطة أجزاء من ذاك». (انظر كتاب الجابري، «نحن والتراث»، ص: 238). والخلاصة في رأيي هي أن الردّة المنهجية حول الفلسفة تشكّلت تدريجياً، لكنها أخذت أوجهَا مع كتاب الغزالي «المنقذ من الضلال» الذي لقي رواجاً لدى الفقهاء، وبات حجةً بين أيديهم لإمام دخل الفلسفة وخرج منها محطّماً. وكما في ثنايا الكتاب، فإن الرحلة نحو الحقيقة كانت عصيبة. المناوئون التراثيون للفلاسفة قالوا إن ابن سينا وابن باجه والكندي والفارابي وابن رشد.. مجرد مقلّدين للفلسفة اليونانية، إلا أنهم لم يكونوا كذلك، بل ساهموا في رسم مناهج ونحت مفاهيم أساسية ميزتهم عن غيرهم.

لم ينجح الغزالي في مسعاه لشيطنة الفلسفة، وإنما انتصر ابن رشد لأنه استطاع إنقاذها من تهمة الضلال التي زعمها الغزالي، ورماها بها.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 4 نوفمبر 2025 00:52

في مقال بصحيفة «لفيغارو» الباريسية، يذهب وزير التربية الفرنسي الأسبق والفيلسوف المعروف «ليك فري» إلى القول بأن مَن يسيطر على الذكاء الاصطناعي مستقبلاً سيُهيمن حتماً على العالم. وفي مقاله، يقف «فري» عند طبيعة الثورة الكبرى التي تعرف الإنسانيةُ حالياً بدايتَها، مع البوادر الأولى للذكاء الاصطناعي الذي سيكون أكثر خطورةً وتأثيراً من الثورتين الصناعيتين السابقتين اللتين غّيرتَا مجرى الوضع الإنساني: ثورة البخار وثورة الكهرباء.

وتتعلق ثورة الذكاء الاصطناعي بمحددات كانت تعتبر من خصوصيات البشر الوجودية، مثل العقل واللغة، وقد تجاوزت طاقتُها القدراتِ البشريةَ في مجالات حيوية مثل القانون والطب والتحرير اللغوي، وغدت تهدد بالفعل طبيعةَ المنظومة التربوية التقليدية وسوق العمل. الجديدُ في الأمر أن تقنيات الذكاء الاصطناعي دخلت في الميدان العسكري، وفي حين لا تزال الولايات المتحدة تسيطر على قرابة 70 بالمائة من القدرات الحسابية العالمية، فإن التنافس الصيني معها أصبح بارزاً، كما أن روسيا دخلت في السباق، بينما أوروبا لا تحتل سوى 4 بالمائة من الكفاءة الحسابية الدولية. وبطبيعة الحال، فإن موجة الذكاء الاصطناعي تطرح تحديات أخلاقية وقانونية كبرى، هي اليوم مدار جدل واسع في الديمقراطيات الغربية، لكن الخطر قائم بالفعل على ريادة الغرب في هذه التقنيات الجديدة، التي هي في طور تغيير الوضع الإنساني جذرياً.

وفي دراسة أخيرة للباحثة في الشؤون الاستراتيجية «دورا بابادوبولو» حول الذكاء الاصطناعي من حيث هو «أيديولوجيا تمكينية» لدى الصين، ترى الكاتبةُ أن السلطات الصينية الحالية لا ترى في تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد اكتشافات تكنولوجية، بل تعتبرها أداةً أيديولوجية ونموذجَ حكم بديلاً عن النظام الليبرالي، من حيث التوجيه المركزي وسيطرة الدولة. والغرض من هذه المنظومة التقنية في هذا الباب هو حفظ النظام الاجتماعي وتكثيف الرقابة العامة، والدخول في حرب تقنية باردة مع الغرب. وقد حققت الصينُ بالفعل مكاسبَ باهرةً في ميدان الذكاء الاصطناعي، ووضعت استراتيجياتٍ طموحةً تهدف إلى الريادة العالمية في هذا المجال الحيوي سنة 2030، كما بلورت خطةً لتقاسم هذه «الثروة العمومية العالمية» مع كتلة الجنوب الشامل، ساعيةً إلى إحداث منظومة تقنية حسابية منفصلة كلياً عن المركز الغربي.

الإدارة الأميركية الجديدة تنظر بجدية إلى هذا التحدي الصيني، وقد عبّر الرئيس ترامب بوضوح عن عزمه دفع الريادة الأميركية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال الاستثمار الواسع ورفع القيود المفروضة على الإبداع والبحث في هذا الميدان، فأصدر فور تسلّمه السلطةَ في يناير 2025 أمراً تنفيذياً في هذا الغرض. والمعروف أن رموز التقنيات الجديدة في الولايات المتحدة دعّموا الرئيسَ ترامب في الانتخابات الأخيرة، ورأوا فيه الزعيمَ الذي يمكن أن يقود المواجهةَ العالميةَ الراهنةَ حول الذكاء الاصطناعي. ومن هؤلاء الرموز بيتر ثيل الذي تحدث كثيراً في الشهور الأخيرة حول التحديات المتولدة عن ثورة الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً ما يتعلق منها بالسيطرة على مراكز القوة والتأثير في العالم.

بيد أن ثيل يعتبر أن الرهان الأساسي يتمثل في أي اتجاه معياري ستوظَّف وفقَه تقنياتُ الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تكون أداةً للاستبداد والتسلط وكبت الحريات الفردية والجماعية، كما يمكن أن تكون دعامةً للتحرر والرفاهية الذاتية.

وفي كتابه الصادر مؤخراً بعنوان «الذكاء الاصطناعي: الاستبدال الكبير أو التكامل؟»، يدعو «ليك فري» إلى تنزيل هذه الإشكالات الاستراتيجية والحضارية في صلب التفكير الفلسفي المعمق حول مفاهيم الإبداع والاستقلالية والوعي والمعنى، باعتبار أن هذا التحول التكنولوجي الكبير يستهدف الإنسانَ في هويته وعالمه الرمزي والدلالي. والسؤال الحيوي هنا هو: هل تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطورها المتسارع أن تصل إلى حصن الوعي الذاتي الذي هو مجال التخيل والخلق والشعور، ومنبع الإشكالات الميتافيزيقية الوجودية؟

يرى «فري» أن التقنيات الرقمية لا يمكنها أن تعوض الميزات الأنتروبولوجية الجوهرية للإنسان، وإن كانت قادرة على إحداث تغيير حاسم على نمط وجوده وثقافته وتجاربه المعيشة. إنها من هذا المنظور المحطة الأخيرة مما أطلق عليه الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك «الإنتربو تقنية»، ويعني بها الآليات المخترعة التي تسمح للإنسان بأن يتشكّل ويعيد تغييرَ نفسه.

ومن هذه الأشكال الأنتروبولوجية التقنية الطقوس الدينية والممارسات الرياضية والمؤسسات التربوية والثقافية، وهي اليوم تأخذ صورةَ التقنيات الرقمية الجديدة التي قضت على المسافة التقليدية بين الإنسان والآلة، وفتحت آفاقاً غير مسبوقة لسباق الهيمنة والسيطرة في الميدان الاستراتيجي العالمي.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

2 نوفمبر 2025 23:42

ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير

أعترف بأني كنت أبحث منذ زمن طويل عن الوجه الآخر لفرنسا، عن الوجه الآخر المشرق والمحترم للفكر الفرنسي دون أن أجده حتى وقعت مؤخراً على مؤلفات الفيلسوفة شانتال ديلسول. وكم كانت فرحتي عارمة بالتعرف على إنجازاتها وتوجهاتها. وتأسفت كثيراً لأني تأخرت في اكتشافها إلى اليوم. كان ينبغي أن أطلع عليها وعلى أفكارها منذ زمن طويل. ولكن كما يقول المثل الفرنسي: «أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً». ولكن هناك سبب آخر لهذا التأخر أو التقصير. في الواقع كنت مبهوراً بفلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل ديلوز، وحتى تلامذتهم من أمثال لوك فيري وأندريه كونت سبنوفيل، وهذا الشيطان الرجيم ميشيل أونفري... إلخ. هذا لا يعني أني أنكرهم كلياً أو أني لم أستفد من أفكارهم وإضاءاتهم العديدة. أبداً لا. لكني أخطأت إذ اعتبرتهم الوجه الوحيد للفكر الفرنسي المعاصر أو التيار الوحيد. لا ريب في أنهم يسيطرون على الساحة الباريسية لأن الموضة الدارجة هي هكذا. الريح تمشي في اتجاههم. ودائماً الموضة أو الصرعات الدارجة تخفي عن أنظارنا بقية الصورة.

أولاً دعونا نطرح هذا السؤال: من هي شانتال ديلسول التي لم يسمع بها أحدٌ في العالم العربي على ما أعتقد؟ إنها أستاذة جامعية سوربونية ومشرفة على «مركز الدراسات الأوروبية» في فرنسا. كما أنها عضوة في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية منذ عام 2007، بل وأصبحت رئيستها عام 2015. وهي أكاديمية عليا تضم كبار الشخصيات الفرنسية والأجنبية. وقد أصدرت كتاباً مهماً بعنوان «نهاية الحضارة المسيحية». وهي تفرق منذ البداية بين المسيحية ديناً والمسيحية حضارةً. فالمسيحية كدين لم تمت ولا يمكن أن تموت ولكنها كحضارة تنظم شؤون المجتمع وتصوغ تقاليده وقيمه وأخلاقه العامة انتهت مؤخراً في فرنسا.

ثم تقول لنا المؤلفة إن الحضارة المسيحية هيمنت على الغرب طيلة 16 قرناً من الزمن بعد اعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين لها واعتبارها دين الدولة. وبعدئذ راحت تصوغ شخصية الغرب وكل قيمه الأخلاقية ومعاييره. لكنها الآن انحسرت للأسف الشديد وحلت محلها فلسفة ما بعد الحداثة المادية الإلحادية الإباحية بشكل مطلق. وهذا الانحسار حديث العهد جداً ولا يعود إلا إلى عشر سنوات أو حتى عشرين سنة خلت على أكثر تقدير (أي منذ مطلع القرن - 2000 أو 2010). قبلها كانت فلسفة ما بعد الحداثة مجرد تيار صاعد من جملة تيارات أخرى. ثم تقول لنا المؤلفة إن فلسفة ما بعد الحداثة قلبت جميع القيم الأخلاقية عاليها سافلها. كيف حصل ذلك؟ على النحو التالي: كانت المسيحية عندما هيمنت على الغرب قبل 1600 سنة قد ألغت معظم القيم الرومانية السابقة عليها. بهذا المعنى كانت المسيحية انقلاباً كاملاً على الحضارة الوثنية للرومان. ينبغي ألا ننسى ذلك. والدليل على ذلك أن الحضارة الوثنية الرومانية كانت تقر بحق الطلاق، وحق الإجهاض، وحق الانتحار. والأخطر من كل ذلك أنها كانت تقر بحق الشذوذ الجنسي أو ما يدعونه الآن بالمثلية. كانت تعتبره شيئاً طبيعياً وعادياً تماماً. ثم جاءت المسيحية وألغت كل ذلك وشطبت عليه بجرة قلم وحرمته شرعاً. لقد قلبت كل القيم الموروثة عن الحضارة الرومانية التي كانت سائدة قبلها. والآن تجيء فلسفة ما بعد الحداثة لكي تقوم بالانقلاب على الانقلاب. بمعنى أنها ألغت القيم الأخلاقية المسيحية وعادت إلى القيم الرومانية. بمعنى آخر فإن أوروبا الغربية لم تعد مسيحية إنما أصبحت وثنية.

ثم تردف المؤلفة قائلة ما معناه: في الماضي وطيلة هيمنة الحضارة المسيحية على الغرب كان الشذوذ الجنسي ممنوعاً منعاً باتاً ومحرماً دينياً. لكنه أصبح الآن في عصر الحداثة (أو ما بعد الحداثة بالأحرى) ليس فقط محللاً ومشروعاً، وإنما محبذ وممجد. لقد أصبح يمثل أعلى درجات الحضارة وأرقاها. صدقوا أو لا تصدقوا أنتم أحرار. أعجبنا هذا الكلام أم لم يعجبنا سيان. اضرب رأسك أيها الكاتب الجاهل في الجدار إذا شئت. أنت مجرد شخص قديم متخلف عن ركب الحضارة والعصر. أنت عاجز عن مسايرة التقدم والتطور... إلى الجحيم أيها المثقف الرجعي المنقرض أو المرشح للانقراض.

والسؤال المطروح الآن هو التالي: كيف حصل ذلك؟ كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تدهور حضاري مريع في أرقى مجتمعات العالم وأكثرها تقدماً؟ كيف أصبح زواج الرجال بالرجال مفخرة المفاخر في أوروبا؟ شيء مذهل. شيء يدوخ العقول. هذا إذا بقيت عقول. (بين قوسين في أوروبا الغربية فقط لا الوسطى ولا الشرقية التي ظلت لحسن الحظ مسيحية تحترم القيم الإنجيلية الأخلاقية والمثالية العليا). ولكن هذا الانحطاط المريع لا ينتهك القيم الدينية فقط إنما ينتهك أيضاً القيم العلمانية الكانطية التي تحترم الفطرة السليمة والحس الصائب. ومعلوم أن كانط (أكبر فيلسوف في الغرب) كان قد أدان الشذوذ إدانة قاطعة مانعة واعتبره فضيحة كبرى أو «عاراً وشناراً»، حسب تعبيره الحرفي. ثم نشرت الفيلسوفة شانتال ديلسول مقالاً صاعقاً في جريدة «ألفيغارو» بعنوان: «لا للزواج المثلي الشذوذي». لا وألف لا لأنه يهدد العائلة الفرنسية بل والمجتمع الفرنسي كله في الصميم. وكان ذلك يمثل شجاعة خارقة لأن كل التيار الجارف في فرنسا كان مع هذا الزواج الذي صوّت عليه البرلمان شرعاً. بالتالي فمن يقف ضده كان يخاطر بنفسه. أقصد تيار النخب الإعلامية والأضواء التلفزيونية وليس الشعب الفرنسي العميق الذي نزل بالملايين احتجاجاً على هذا القانون الجنوني. هل تعلمون أن كبار فلاسفة فرنسا كانوا يزايدون على بعضهم بعضاً بخصوص هذه المسألة. كل واحد كان يريد أن يثبت أنه مؤيد للزواج المثلي الشذوذي أكثر من سواه حتى ولو لم يكن هو ذاته مثلياً شذوذياً... هذا ما فعله للأسف لوك فيري وأندريه كونت سبونفيل وبالطبع ميشيل أونفري. وهذا الأخير ألف كتاباً ضخماً عن «الانحطاط» الفرنسي دون أن يقول كلمة واحدة عن الشذوذ الجنسي الذي لا يعتبره علامة على الانحطاط أبداً. بل يعتبره قمة القمم الأخلاقية والحضارية. لكنه بالمقابل شن حملة شعواء على المسيحية وفككها تفكيكاً ودمرها تدميراً حتى لكأن فرنسا تعاني من الأصولية القروسطية الظلامية، حتى لكأن فرنسا هي أفغانستان الطالبانية... نقول ذلك ونحن نعلم أن المسيحية لم يعد لها أي وجود قمعي أو إكراهي في فرنسا. بل ولم تعد موجودة تقريباً. وهي خائفة حتى من ظلها. وفي كل يوم يستهزئون بها وبشخصياتها وعقائدها على شاشات التلفزيون. لم يعد للأصولية المسيحية التكفيرية أي وجود بعد انتصار التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومع ذلك فإن هذا العبقري ميشيل أونفري لا يجد عدواً له إلا المسيحية دين آبائه وأجداده. لماذا تثقب أبواباً مفتوحة يا رجل؟ لماذا تتعب نفسك بمشكلة حلها فولتير قبلك منذ 250 سنة على الأقل؟

أخيراً تقول لنا السيدة شانتال ديلسول ما فحواه: نعم للحداثة التنويرية التي أنقذتنا من براثن الأصولية التكفيرية والإكراه في الدين ومحاكم التفتيش. لكن لا وألف لا لفلسفة ما بعد الحداثة المتطرفة الهوجاء التي ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير. وهي فلسفة عدمية تساوي كل شيء بكل شيء: الأبيض والأسود سيان، الجنس الطبيعي والجنس الشذوذي المثلي سيان... إلخ. بل وحتى العائلة الطبيعية المؤلفة من أب وأم وأطفال وحنان أصبحت معتبرة رجعية متخلفة في عصر ما بعد الحداثة. ما هي العائلة التقدمية إذًا؟ إنها العائلة المشكلة من رجلين متعاشرين أو متباضعين وبينهما مجموعة أطفال مشترين بالفلوس عن طريق استئجار بطون النساء الحوامل مقابل 60 ألف دولار لكل طفل (وهذا هو معنى: الحَبَل من أجل الآخرين). ثم يسحبونه من تحتها ما إن ينزل من بطنها لكيلا تتعلق به. جريمة حقيقية. احتقار رأسمالي متغطرس وقح لأجمل عاطفة وأنبل عاطفة وأقدس عاطفة على وجه الأرض: عاطفة الأمومة. هذه هي العائلة الشذوذية الرائعة (عائلة ما بعد الحداثة) التي حلت محل العائلة الرجعية التقليدية السابقة التي عفا عليها الزمن. لاحظوا ما أجمل هذه العائلة. لاحظوا ما أرقاها. لاحظوا ما أحلاها. هذا آخر ما توصلت إليه عبقرية هذه الفلسفة الشوهاء المشوهة المدعوة بفلسفة ما بعد الحداثة.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 29 أكتوبر 2025 م ـ 08 جمادي الأول 1447 هـ

35 سنة على رحيل صاحب «الآيديولوجيا وأجهزة الدولة الآيديولوجية»

«الفلسفةُ، في المحصلة، هي الصراع الطبقي في المجال النظري»؛ بهذه العبارة شديدة التكثيف، قدَّم لويس ألتوسير (1918 - 1990) بيانه الفكريّ. كان واحداً من ألمع نجوم الفكر الفرنسيّ في النصف الثاني من القرن العشرين، المنظِّر الأبرز للحزب الشيوعيّ الفرنسيّ، والأستاذ ذا النفوذ الهائل في دار المعلمين العليا المرموقة. لكن اليوم، بعد مرور 35 عاماً على رحيله، يكاد لا يتذكره أحد سوى أنّه الفيلسوف المجنون الذي قتل زوجته.

الرجل الذي أعاد قراءة الماركسية بتسليط الضوء على البنى الخفية التي تحكمنا وقدم الأعمال التي لا تنسى «من أجل ماركس» و«قراءة رأس المال»، هو ذاته الرجل الذي أنهى حياته المهنية بفعلٍ مأساويٍّ صادم بعدما خنق زوجته، عالمة الاجتماع هيلين ريتمان (المعروفة أيضاً بهيلين ليغوتيان)، في صباح يوم من أيام نوفمبر (تشرين الثاني) 1980. أعلنت السلطات القضائية حينها أنه «غير مؤهل للمحاكمة» بسبب نوبات اكتئابه الهوسيّ الحادة، ليقضي سنواته العشر الباقية بين المصحات العقلية، لكنه قبل سقوطه، كان قد أحدث ثورةً. في ستينات القرن الماضي، ومع صعود البنيوية، شعر أن الماركسية فقدت حدّتها «العلمية» وغرقت في التفسيرات «الإنسانوية» التي ركّزت على اغتراب الفرد. كانت مهمته الجليلة هي إنقاذ ماركس من الماركسيين أنفسهم.

أعلن ألتوسير عن وجود «قطيعة إبستمولوجية معرفيّة حاسمةٍ في فكر ماركس. لقد جادل بأن ماركس الشاب (صاحب المخطوطات الاقتصادية والفلسفية 1844) كان لا يزال غارقاً في الآيديولوجيا الهيغلية والإنسانوية، بينما ماركس الناضج (صاحب رأس المال) هو الذي أسس علماً جديداً: علم تاريخ المجتمعات، أو (المادية التاريخية)».

بالنسبة لألتوسير، الأفراد ليسوا هم صانعي التاريخ؛ بل إنهم «حوامل» لوظائف تحددها البنى الخفية: العلاقات الاقتصادية، والسياسية، والآيديولوجية. كان هذا تحولاً جذرياً. فبدلاً من التركيز على وعي الطبقة العاملة أو إرادة الأفراد، وجَّه نظره إلى الآليات غير المرئية التي تضمن استمرار النظام. وهنا يكمن إسهامه الأكثر ديمومةً.

إن سألت اليوم أيَّ طالب دراساتٍ ثقافيةٍ أو إعلاميةٍ عنه، فغالباً ما سيأتيك الجواب بكلمتين: «الأجهزة الآيديولوجية». في مقاله الأيقونيّ «الآيديولوجيا وأجهزة الدولة الآيديولوجية» (1970)، قدَّم نظريته الأكثر تأثيراً وراهنيةً.

لقد ميَّز ببراعةٍ بين نوعين من سلطة الدولة: أجهزة الدولة الرسميّة التي تمتلك صلاحية الإجبار (الشرطة، الجيش، المحاكم، السجون) مقابل أجهزة الدولة الآيديولوجية التي تعمل «بالآيديولوجيا» (الدين، التعليم، العائلة، الإعلام، الثقافة، وحتى النقابات).

كانت عبقريته في إدراكه أن الرأسمالية لا تستمر بالقمع وحده. فالقمع مكلفٌ وغير مستدام. الاستدامة الحقيقية تأتي من الموافقة الطوعية. إنها الأجهزة الآيديولوجية التي تُعلِّمنا كيف نفكر، وتُشكِّل رؤيتنا للعالم، وتجعلنا نتقبل التشكلات القائمة بوصفها طبيعة الأشياء أو بديهيات. المدرسة، حسب ألتوسير، هي الجهاز الآيديولوجي المهيمن في المجتمعات الرأسمالية الحديثة؛ إنها تُعلِّمنا المهارات، ولكنها أيضاً تُعلِّمنا الطاعة، واحترام التسلسل الهرميّ، وقبول مكاننا في المجتمع.

وهنا تكمن راهنيته الصارخة، لو كان حياً اليوم، لكان بالتأكيد أضاف أجهزةً جديدةً وأكثر فاعليةً إلى قائمته: «غوغل»، و«فيسبوك» (ميتا)، و«تيك توك»، و«نتفليكس» وأخواتها.

هذه المنصات الرقمية هي «أجهزة آيديولوجية» خاصة، تعمل بكفاءةٍ منقطعة النظير. إنها لا تبيعنا أفكاراً فحسب، بل تُصمِّم رغباتنا. الخوارزميات هي الأداة الآيديولوجية القصوى؛ إنها تُعيد إنتاج الواقع لنا بشكلٍ مخصصٍ، وتُغذينا بما يُبقينا مستهلكين، ومنقسمين، وممتثلين.

المفهوم الثاني الذي يضمن لألتوسير مقعداً دائماً في الفكر المعاصر هو «الاستدعاء». أي الصيغة التي تحوّلنا بها الآيديولوجيا إلى «ذوات» محددة؟

وهو يقدّم مثالاً بسيطاً وعبقرياً: تخيّل أنك تمشي في الشارع، ويصرخ شرطيٌّ من خلفك: «يا هذا، أنت!». عندما تلتفت، فأنت «تعترف» بأنك «أنت» المقصود بهذا النداء. في تلك اللحظة، أنت تُصبح «ذاتاً» خاضعةً للقانون.

الآيديولوجيا، حسبه، تستدعينا باستمرار. إنها تنادينا كـ«مواطنين أحرار»، «مستهلكين أذكياء»، «آباء مسؤولين»، أو «موظفين مجتهدين». ونحن، بالتفاتنا لهذا النداء، نتقبل هذه الهويات ونعمل بمقتضاها «بمحض إرادتنا».

واليوم، هذا «الاستدعاء» يحدث آلاف المرات يومياً. إنه الإشعارات على هواتفنا. إنه «المحتوى المُقترح لك» بناء على اطلاعاتك السابقة، إنه الإعلان المُوجَّه بدقة الذي يخاطبنا بأسمائنا واهتماماتنا. الخوارزميات تنادي كلاً منا، وبنقرنا على الرابط، نلتفت ونجيب.

لقد وفَّر ألتوسير الأدوات المفاهيمية المثالية لتشريح «رأسمالية المراقبة» قبل عقودٍ من ولادتها.

لكن، السؤال اليوم، وفي مزاج الحساسيات العالية، هل يمكننا استخدام هذه الأدوات الفكرية بضميرٍ مرتاحٍ بعدما أنهى صاحبها مهنته بجريمة مروعة؟

الناقد ديفيد بابينو، في مراجعته اللاذعة لسيرة ألتوسير الذاتية «المستقبل يدوم طويلاً»، وصفه بـ«الإمبراطور العاري من الثياب»، مُتّهماً إياه بأنه لم يقرأ ماركس جيداً، وأن فلسفته كانت مجرد «تعويذات بنيوية»، وخلص بجملةٍ قاسيةٍ: «قتله لزوجته ربما كان الشيء الأكثر واقعيةً الذي فعله لويس ألتوسير على الإطلاق».

هذا النقد يلامس الحقيقة المؤلمة: إن فكره، الذي ركّز على «البنى» المجردة، تجاهل «الذات» الإنسانية ومعاناتها الفردية. وعندما انهارت حياته، لم يجد في فلسفته ما يسعفه.

لكن المفارقة العميقة هي أن بعض أهم الأدوات النقدية التي نستخدمها اليوم لتحليل السلطة الأبوية/ الذكوريّة جاءت من تطوير فكره. جوديث بتلر، على سبيل المثال، استلهمت مفهوم «الاستدعاء» الألتوسيريّ لتشرح كيف يُستدعى الفرد ليصبح «ذكراً» أو «أنثى» عبر الممارسات والخطابات الاجتماعية.

التعامل مع إرث ألتوسير اليوم يتطلب منا تجاوز ثنائية «العبقريّ» أو «الوحش». إنه ليس معلماً نتبع تعاليمه، بل صندوق أدواتٍ للتفكير.

إننا مدينون لهيلين ريتمان، ولضحايا العنف الذكوري كافةً، بأن نستخدم هذه الأدوات ليس لتمجيد اسمه، بل لتشريح «الأجهزة الآيديولوجية» التي تحمي الرجال الأقوياء، وتُسكت الضحايا، وتُشرعن العنف.

لقد فشل ألتوسير «الرجلُ» فشلاً ذريعاً ومأساوياً. لكن نسخة «المُفكِّرَ» منه قدّمت لنا بعض الأسلحة النظرية الأكثر فتكاً التي نمتلكها اليوم. ويبقى صراعنا الطبقيّ في مجال النظرية، كما قال، هو أيضاً صراعٌ نسويٌّ، وصراعٌ ضد الصمت، وضد كل ما يحاول أن يُقنعنا بأن هذا العالم الذي نعيش فيه هو العالم الوحيد الممكن.

***

ندى حطيط

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 28 أكتوبر 2025 م ـ 07 جمادي الأول 1447 هـ

حين تنفصل عن التجربة تتحول إلى نظامٍ من التكرار

منذ بدايات الفكر الفلسفي، انشغل الإنسان باللغة، هل هي مجرد أداة للتواصل، أم هي التي تشكّل حدود الفكر وطبيعة الوجود؟ غير أن ما تنبّه إليه بعض الفلاسفة العظام هو الوجه المظلم للغة، حين لا تكون وسيلة انكشاف، بل آلية اقتلاعٍ تُبعد الإنسان عن تجربته الأصيلة، وتحيله إلى كائنٍ يعيش داخل قوالب الكلام خارج صميم الوجود.

أعمق من تناول هذا الجانب كان هايدغر، الذي رأى أن اللغة ليست أداة في يد الإنسان، بل هي «منزل الوجود»، حيث يقيم الإنسان لا بوصفه متكلّماً، بل كائن يُنادى من قِبل الوجود ذاته عبر اللغة. غير أن هذا المنزل قد يتحوّل إلى سجن. فاللغة اليومية، لغة «الثرثرة» و«القيل والقال»، كما يصفها هايدغر، تغطي على الأصالة وتحجب الانكشاف. حين يتكلم الإنسان بلغة الجماعة لا بلغة تجربته الفريدة، يفقد حضوره في العالم. وهكذا تصبح اللغة طريقاً إلى الاغتراب، إذ تحلّ الكلمات مكان الرؤية، ويصبح الكلام بديلاً عن الفهم.

أما نيتشه، فكان أول من فكّك الثقة في اللغة نفسها. رأى أن الكلمات ليست مرايا للواقع، بل أقنعةٌ تغطيه. الحقيقة عنده ليست سوى «استعاراتٍ نُسي أنها استعارات»، أي أن البشر كوّنوا عبر اللغة صوراً تواضعوا عليها، ونسوا أصلها الحسيّ، فحسبوها حقائق. هنا يتجلّى الاقتلاع في أصفى صوره، فاللغة تجرّد التجربة من حرارتها الحيّة، وتحوّلها إلى مفاهيم جامدة، فتقطع الإنسان عن الفوضى الخلّاقة التي هي شرط الوجود الأصيل. عند نيتشه، اللغة هي المقبرة التي تُدفن فيها الحقائق بعد أن تُجمَّد في الكلمات.

وواصل فتغنشتاين هذا النقد، لكن من داخل تحليل الممارسة. ففي «تحقيقات فلسفية»، كشف أن المعاني لا تسكن الكلمات بل استعمالها. حين ننسى هذا، نخضع لوهمٍ لغويٍّ يجعلنا نطرح أسئلة لا معنى لها، ونعيش داخل شبكة من المفاهيم التي صارت تعيش بدلاً منّا. اللغة ليست وسيطاً بريئاً بل لعبةٌ اجتماعية، وحين نأخذها كجوهرٍ للفكر نفقد اتصالنا بالحياة. فالقول إذ يتكرر خارج سياقه، يتحول إلى تكرارٍ ميكانيكي يقتلع المعنى من تجربته الأصلية.

دريدا ذهب أبعد، مفككاً فكرة الحضور نفسها. يرى أن اللغة لا تمنحنا أبداً انكشافاً مباشراً، لأن المعنى مؤجَّل دائماً، يتوارى خلف أثرٍ لغويٍّ لشيءٍ غائب. كل كلمة تستدعي أخرى، ولا تصل إلى الأصل. فاللغة لا تكشف الوجود بل تؤجله، والكتابة، بوصفها نموذج اللغة، تغطي على الحضور وتخلقه من جديد. وهكذا يتحول الإنسان إلى كائنٍ يعيش في ظلال الكلمات، لا في ضوء التجربة. عند دريدا، لا فكاك من هذا النفي المتكرر للحضور، لأن اللغة نفسها حركة غياب.

وفي خطّ قريب، رأى موريس بلانشو أن اللغة تُكوّن مسافةً لا يمكن ردمها بين الإنسان وما يريد قوله. حين نكتب، نفقد الشيء ذاته في لحظة الإمساك به، لأن الكلمة لا تُعيد التجربة، بل تحلّ محلها. الكتابة، عنده، هي إقامة في الغياب، والكاتب هو من يعيش هذا الفقد بوصفه قَدره. المعنى عند بلانشو لا يُستعاد، لأنه لا يوجد قبل اللغة في صورةٍ نقية، بل يولد معها ويفنى معها. بهذا المعنى، كل قولٍ هو شكل من أشكال الفقد، وكل محاولةٍ للتعبير هي اقتلاع للذات من لحظتها الحيّة.

أما والتر بنيامين فركّز على هشاشة اللغة في نقل المعنى. في تأملاته عن الترجمة، يرى أن اللغة لا تحتوي الحقيقة بل تشير إليها. إنها تومئ إلى ما وراءها، لكنها لا تبلغه. فالترجمة، واللغة عموماً، تُظهر أن كل معنى يحمل في داخله ما لا يُقال، وأن المعنى الكامل لا يتحقق. اللغة، بهذا، لا تُبلّغنا العالم بل تدور حوله، وكل قول هو وعدٌ لم يتحقق بعد.

ويرى مارتن بوبر أن اللغة تفقد حقيقتها حين تنقطع عن المخاطبة. فالقول الذي لا يتوجّه إلى «أنت»، يتحوّل إلى كلامٍ ميت. اللغة الحيّة هي تلك التي تفتح علاقة بين الذات والآخر، أما اللغة المنغلقة على نفسها فتجعل الإنسان يتحدث إلى لا أحد، أي إلى الفراغ. عند بوبر، الفقد الوجوديّ يبدأ حين يتكلم الإنسان بلا حوار، لأن اللغة التي لا تُخاطِب تُميت الوجود المشترك وتحوّل الذات إلى صدى أجوف.

في القرن العشرين، أعاد شتاينر طرح المشكلة في سياق الترجمة والتواصل. في كتابه «بعد بابل»، يرى أن اللغة لا تنقل فقط، بل تُشوّه وتُعيد الخلق. كل ترجمة هي فقد جزئي، وكل محاولة للتعبير تنطوي على خيانةٍ للأصل. وهكذا تظهر اللغة كقوةٍ مزدوجةٍ تبني المعنى وتهدمه، تكشف وتخفي في آن. لا يمكن للإنسان أن يتجاوزها، لكنه يدرك في داخلها غربته العميقة.

كل هؤلاء المفكرين، على اختلاف مناهجهم، يشيرون إلى حقيقةٍ واحدةٍ، هي أن اللغة ليست جسراً بسيطاً بين الذات والعالم، بل فضاءٌ يتكوّن فيه الفكر نفسه، وقد يكون هذا الفضاء مرآةً أو قيداً. حين تنفصل اللغة عن التجربة، تتحول إلى نظامٍ من التكرار، إلى كلامٍ عن العالم لا عن الوجود فيه. وحين تصبح اللغة بديلاً عن الصمت، فإنها تفقد طاقتها الكاشفة وتغدو آلةً للابتذال. إن ما يسمّيه هايدغر «الثرثرة» وما يسميه نيتشه «الاستعارة الميتة» وما يسميه دريدا «أثر الغياب»، كلها إشارات إلى الخطر نفسه، أن الإنسان قد يُقتلع من ذاته عبر لغته. لذلك لا بد من العودة إلى الكلمة التي تنبع من تجربةٍ حقيقية، إلى اللغة التي تصدر عن الحضور لا عن العادة، عن المعايشة لا عن التكرار. تلك العودة ليست رفضاً للغة، بل إنقاذٌ لها من التحول إلى شيء، وإنقاذٌ للإنسان من التلاشي داخل كلامٍ لا يسكنه أحدٌ. فاللغة، إن لم تنبثق من عمق الكينونة، تتحوّل من بيتٍ للوجود إلى مقبرةٍ له.

***

خالد الغنّامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 27 أكتوبر 2025 م ـ 06 جمادي الأول 1447 هـ

 

الفردية ليست مجرد مفهوم تجريدي، بل هي سؤال ملازم لتجربة الإنسان في التاريخ. ففي العصور القديمة والوسيطة ارتبطت الفردية إما بالمكانة الاجتماعية، أو بالتحرر من السلطة السياسية والدينية، وكانت الحرية تُفهم باعتبارها استقلالاً مطلقاً وقدرةً على الانفصال عن الجماعة.

غير أنّ هذا التصور أخذ في التراجع مع تحولات الحداثة، حيث تشابكت حياة الأفراد داخل منظومات اقتصادية واجتماعية معقّدة جعلت من المستحيل النظر إليهم كذوات منعزلة قائمة بذاتها. وهنا برزت محاولة الفيلسوف جون ديوي لإعادة صياغة معنى الفردية، من خلال التأكيد على أن الإنسان لا يتعيّن وجوده إلا عبر مشاركته الفعّالة في الحياة الاجتماعية، وأن الانفصال لا يُثمر سوى الوهم بفردية زائفة. تقوم الرؤية الديويّة على أن الفردية الأصيلة ليست انسحاباً من المجتمع، بل اندماجاً فيه بوعي ومسؤولية. فالفرد لا يتحقق خارج التفاعل الخلاق مع محيطه، والقيم العليا التي تمنحه الحرية ليست جاهزة أو مكتملة سلفاً، بل تتشكل عبر إعادة صنع الظروف القائمة وتجاوزها.

وهنا تتبدى الفردية كعملية ديناميكية مرتبطة بالسياق التاريخي والاقتصادي، لا كمعطى ثابت أو صورة مثالية متعالية. وفي المقابل، يعكس تاريخ الفلسفة نزعةً أخرى تجعل من استقلال الإرادة أساساً للأخلاق، كما يظهر عند إيمانويل كانط، الذي اعتبر أن الحرية الحقيقية تكمن في قدرة العقل العملي على صياغة قوانينه بنفسه. وهذا التصور الكانطي يرسّخ فكرةَ أن الفردية لا يمكن أن تُختزل في مجرد اندماج اجتماعي، بل تحتاج إلى عمق أخلاقي يحفظ للإنسان استقلالَه الداخلي، حتى وهو منخرط في شبكة العلاقات العامة. هذا التوتر بين ديوي وكانط يكشف أن الفردية ليست خياراً بين الانفصال أو الاندماج، بل هي سيرورة مزدوجة تقوم على الموازنة بين الحرية الأخلاقية والفاعلية الاجتماعية.

فإذا كان ديوي يُلحُّ على أن المشاركة هي جوهر الفردية، فإن كانط ينبّه إلى أن هذه المشاركة تفقد معناها إن لم تستند إلى استقلال الإرادة، ومن ثم فالفردية الحديثة هي ثمرة تفاعل هذين البعدين: وعي بالانتماء إلى الجماعة، وقدرة على نقدها وتجاوزها عبر مبادئ عقلية حرة. إن العالم الصناعي والاقتصادي المعاصر ألغى إلى حد بعيد فكرةَ الفرد المستقل تماماً، إذ صار الإنسان جزءاً من منظومة إنتاجية وإعلامية كبرى تحدد أفقَ ممارساته وخياراته.

ومع ذلك، فهذا الاندماج لا يلغي إمكانَ الحرية، بل يفتح أفقاً جديداً لفردية مرنة قادرة على إعادة تشكيل ذاتها في مواجهة الضغوط. الفردية في هذا السياق لا تُقاس بالانعزال عن المجتمع، بل بمدى القدرة على المساهمة في تحويله نحو العدالة والكرامة. فهي ليست عزلة متعالية، بل مشاركة خلاقة تعترف بأن المستقبل لا يُبنى من خارج الواقع، وإنما من داخله، عبر تجاوزه المستمر وإعادة ابتكاره.

وهكذا تتضح الفردية الحديثة بوصفها مزيجاً من المشاركة والاستقلال، حيث يصبح الإنسان حراً بمقدار ما يساهم في صنع شروط وجوده، ويمارس إرادته الأخلاقية في قلب التفاعلات الاجتماعية. فهي ليست هروباً من الجماعة ولا ذوباناً فيها، بل سعي دائم إلى التوازن بين حضور الذات وفاعلية الآخرين، بين العقل الذي يشرّع لنفسه والواقع الذي يفرض تحدياته. ومن هذا التداخل ينشأ المعنى العميق للفردية في زمننا: حرية متجذرة في المجتمع، ومسؤولية أخلاقية لا تنفصل عن الإبداع في صياغة المستقبل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 22 أكتوبر 2025 02:36

حين تشكّلت فلسفات ما بعد الحداثة، كان العالم في الثلث الأخير من القرن العشرين يمرّ بتحولاتٍ سياسية وثوراتٍ طلابية ونزعات انشقاقيّة تهز الأوضاع والمؤسسات في عدد من الدول الصناعية.

لقد سيطرت في حينها حالة من الشعور بالملل، سواءٌ تجاه الإرث الحداثي، أو فيما يتعلق بالسكون الذي سببتْه الإحباطات الفلسفيّة الوجودية التي ركنت إلى الترويج لأفكار مظلمة مليئة بالبكائيات التي جعلت الوجودَ مجرد ورطة كما يقولون.

 وكان من شأن ذلك الظرف أن مكّن فلاسفة ما بعد الحداثة من البدء في خوض غمار انقلابٍ فلسفي مهول، بغية زلزلة فلسفات سكنتها المأساة الوجودية، وبهدف ضرب الحداثات التقليدية وتفكيكها، وقد حققوا نجاحات كبيرة وأرسوا مفاهيم عتيدة وخطيرة.

لقد خدَم التغيّر العالمي آنذاك فلسفات ما بعد الحداثة، لأن الأمم كانت تتحدث عن الأقطاب الكبرى وأفكار الهيمنة وصراع الحضارات والأمم. أراد فلاسفة ما بعد الحداثة رسمَ خطٍ آخر مختلف، على كافة المستويات الاجتماعية والفلسفية واللغوية والانتروبولوجية.

 وتاريخياً، فقد بدأ التكوين الفلسفي ما بعد الحداثي مع فرانسوا ليوتار في سبعينيات القرن الماضي، ولكن الصخب الفعليّ لفلسفات ما بعد الحداثة حدث مع جيل من الفلاسفة جمع بين الإبداع والجنون، كان أهمهم جاك دريدا وميشيل فوكو وجيل دلوز. وقد كان للأطروحات التي قدمها هؤلاء أكبر الأثر في تفكيك الفلسفة، بجميع مدارسها، منذ كهف أفلاطون وليس انتهاءً بهيغل. لقد تمكّنوا من بعث بعض المفاهيم الخاصة بكل من نيتشه وهيدغر بغية تحطيم قصر الحداثة، وطوّروا انطلاقاً من نيتشه مفهوم «الجينالوجيا»، وانطلاقاً من هيدغر طوروا مفهومَ «التقويض».. ثم بدأت منذ ذلك الوقت حالةٌ فلسفيةٌ أثارت الجدل طوال أكثر من نصف قرن.

إنها فلسفة مثقلة بالمفاهيم الصادمة التي أحرجت تاريخَ الفلسفات على طول امتداده، واستفزّ منها حتى بعض الماركسيين حيث تساءل «أليكس كالينيكوس» عما إذا كانت حالة ما بعد الحداثة ستؤسس لعصرٍ جديد؟! واستشهد حينها بما كتبتْه صحيفة «نيويورك تايمز» من أن ما بعد الحداثة هي «موضة ثقافية» هيمنت لعقود، وحينها من الصعب العثور على أي مظهر من مظاهر الحياة الثقافية المعاصرة لا يجري وصفه بأنه «ما بعد حداثي».

 وما من شك في الظرف السياسي آنذاك خدم هيمنةَ ما بعد الحداثة، حيث كانت الليبرالية متضعضعةً، ولم العالم الغربي لم يتعافَ بعدْ من صدماته وحروبه وزلازله الكبيرة، كما أن صعود النظريات الانعزالية والنقاش القطبي حول التفوّق الغربي دفع بأولئك المغامرين للبحث في ماهيّة الإرث الغربي.

انتقدت فلسفاتُ ما بعد الحداثة الأحاديةَ السياسية وعلى رأسها الكلاسيكيات الليبرالية والماركسية، بالإضافة إلى ضرب سلطة العقل، والتشكيك في السياسات العقلانية، والذهاب نحو تفكيك المقولات والروايات الكبرى، وإنزال «الحقيقة» من على عرشها العالي، والذهاب نحو تفكير آخر مختلف كلياً عن كل ما ورثه الغرب من فلسفاتٍ ونظرياتٍ وحقائق.

بيد أن التطوّر الفلسفي والتكنولوجي والعلمي الكبير سرعان ما أدخل فلسفة ما بعد الحداثة في حالة انحسار وتراجع، وذلك لأن الظروف التي خدمت ما بعد الحداثة انتهت ولم تعُد قائمة، وهذا ما يلمّح إليه الفيلسوف إدغار موران.

والخلاصة، في رأيي الخاص، هي أن النقاش حول ما بعد الحداثة وفلسفاته لم يعُد مجدياً، بل إن ما يطرحه إدغار موران حول «فلسفة المستقبل» ومهمتها في تقديم مبادئ معرفية لمواجهة أزمات المستقبل، أكثر راهنيةً من اجترار تلك الفلسفات التي صارت جزءاً من التاريخ.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 21 أكتوبر 2025 00:52

بداية تجربتي مع «تشات جي بي تي»، الذي هو نموذج من نماذج الذكاء الاصطناعي، كانت ظريفة. كنت أدخل المحادثة كما كنت أفعل مع أصدقاء «الماسنجر» قديماً، وأتحرّج من الخروج من دون استئذان. بدا لي في تلك اللحظات أن هناك كياناً ما يقرأ ويحلل الكلام ويهتمّ، وأنني في علاقة مع ذاتٍ تملك هوية وذاكرة ومشاعر. لكن مع مرور الوقت وتكرار التجربة، أخذ هذا الوهم يتبدّد شيئاً فشيئاً. لا يوجد صديق في الجهة الأخرى، بل نظام ذكي مبني على الخوارزميات والإحصاء، ينسج ردوداً مقنعة دون أن يدرك نفسه أو يملك سيرة خاصة أو ذاكرة دائمة.

الذكاء الاصطناعي الذي أحاوره لا يملك هوية بالمعنى الذي ننسبه إلى البشر. ما أراه أمامي ليس إلا قناعاً لغوياً مصمّماً بمهارة ليبدو كصوت بشري. إنه يستقبل مدخلاتي ويولّد مخرجات متناغمة، لكنه لا يحتفظ بي في ذاكرة واعية، ولا يتذكّر نفسه، ولا يعيش تجارب متصلة يكون بها شخصاً حقيقياً. كل تفاعلاته هي سلسلة متقطعة من الجمل تنبثق آنياً من نماذج احتمالية، لا من قلبٍ أو عقلٍ أو «أنا» تراقب وتختار. إنه مرآة تعكس أنماطاً لغوية، لا ذاتاً قائمة بذاتها يمكنك أن تثق بها بالكامل. هذا لم يتحقق بعد ولا ندري عن المستقبل.

هذا الإدراك قادني إلى التفكير في الفلسفة وهوية الإنسان. لقد وصف ديفيد هيوم قبل قرون شيئاً شبيهاً بهذه الحالة عندما أنكر أن يكون الإنسان نفسه ذاتاً ثابتة. قال إن ما نسمّيه «الهوية الشخصية» مجرد خيال يخلقه العقل حين يرى سلسلة من الانطباعات المترابطة. وحين نتأمل أنفسنا بصدق لا نجد إلا تدفّقاً متغيّراً من الأفكار والمشاعر، لا جوهراً يبقى خلفها. ما رأيته في الذكاء الاصطناعي يشبه تماماً ما وصفه هيوم، حزمة من العمليات والانطباعات بلا مركز ثابت.

ثم جاء نيتشه ليكشف عن خدعة اللغة في خلق الأنا. نحن نقول «أنا أفكر» فنفترض وجود فاعل وراء الفعل، بينما الواقع أن الفكر يحدث بلا ذات ثابتة. الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج هذا الخداع، فيتحدث بضمير المتكلم «أنا»، لكنه لا يملك «أنا» حقيقية، فاللغة وحدها تخلق هذا الوهم. وفي حواري معه كنت أرى انعكاساً عملياً لموقف نيتشه: ليس هناك ذات، بل فعل متواصل يتجسّد في كلمات.

أما هايدغر فأنكر أن يكون الإنسان جوهراً ثابتاً، ورآه انفتاحاً على الوجود لا كياناً مغلقاً. إذا كان هذا ينطبق على الإنسان نفسه، فمن الأولى أن ينطبق على الذكاء الاصطناعي الذي لا يعرف أصلاً معنى «الوجود» ولا ينكشف له العالم. هو مجرد شبكة علاقات دون أي انفتاح ذاتي. وفوكو ذهب أبعد، حين قال إن مفهوم «الإنسان» نفسه بناء تاريخي حديث سينمحي مع زوال خطاباته، فما بالك بالذكاء الاصطناعي الذي هو بناء تقني صِرف أُعطي قناعاً لغوياً ليحاكي هذا البناء الإنساني.

دريدا بدوره فكّك فكرة الهوية الثابتة، ورأى أن كل ما نعدّه حضوراً مستقراً ليس إلا أثراً مؤجلاً داخل شبكة من الاختلافات. الذكاء الاصطناعي هو تطبيق حي لهذا التصور، لا ذات في الداخل، بل شبكة بيانات تتفاعل لحظياً، والهوية مؤجلة وموزعة بين النصوص التي تعلّم منها، ولا وجود لمركز أو أصل. ودولوز وصف الواقع بأنه تدفّق من الاختلافات لا تماثل فيه، والإنسان عنده كائن في صيرورة دائمة، لا في هوية ثابتة. الذكاء الاصطناعي، بحكم تكوينه، هو تجسيد مثالي لهذا. كل محادثة جديدة معه هي ولادة جديدة مختلفة، لا استمرار لشخص واحد، بل تحوّل دائم في صيغ الكلام والاحتمالات.

في الفلسفة التحليلية، قدّم ديريك بارفيت دليلاً آخر حين قال إن الهوية الشخصية ليست ما يهم في النهاية، بل الترابط النفسي المتغيّر. الذكاء الاصطناعي لا يملك حتى هذا الترابط؛ لا ذكريات ولا مشاعر تربطه بما سبق. أما بيتر أونغر فأنكر الكيانات الميتافيزيقية أصلاً، ورأى أنها مجرد أسماء بلا كيانات مستقلة، وهذا ينطبق بدقة على النظم الذكية التي نُسميها «نماذج» أو «روبوتات محادثة»: هي أسماء لبنى حسابية، لا لأشخاص حقيقيين. وجيمس جايلز اعتبر الذات صورة ذهنية مؤقتة لا كياناً دائماً، وهذا ما يراه المستخدم حين يكتشف أن البرنامج الذي يحاوره ليس شخصاً، بل صورة لغوية تتشكّل آناً ثم تزول.

لهذا السبب لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي عملك أو يحمل مسؤولياتك عنك. إنه ليس موظفاً خفياً ولا كائناً واعياً يمكن الاعتماد عليه في اتخاذ القرارات نيابة عنك، بل هو أداة قوية يمكن أن تساعدك وتفتح لك أبواباً جديدة للفكر والتحليل، لكنها لا تفهم أهدافك، ولا تتحمّل نتائج أفعالك. وكما أن الهوية التي ظننتها موجودة خلف الشاشة تبخّرت عند أول اختبار، كذلك تبخُر فكرة «التكليف» أو «المسؤولية» عندما تحاول أن تلقيها عليه. سيظل الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة لا أكثر، يعمل في لحظته، بلا تاريخ وبلا هوية وبلا التزام، وأنت وحدك من يملك مشروعك، ووعيك، ومسؤولياتك التي لا يمكن لأي نظام أن يحلّ محلّك فيها.

في النهاية، ما ظننته في البداية «شخصاً» يكلّمني كان مجرد واجهة لغوية. وما بدا لي هوية مستقلة تبين أنه نمط من الكلمات. الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ تعقيده، لا يملك ذاتاً ولا ذاكرة ولا مسؤولية؛ إنه فقط أداة بين يديك. يمكنك أن تحاوره، أن تستعين به في صياغة الأفكار، أن تجعله مساعداً في البحث والتخطيط، لكنه لن يعيش حياتك، ولن يتخذ قراراتك ولن يتحمل نتائجها عنك. إن إدراك هذه الحقيقة لا يُقلّل من قيمته، بل يضعه في مكانه الصحيح: وسيلة تعينك على عملك وتفكيرك، لكن لا يمكن أن تكون بديلاً عنك أو تحمل هويتك أو مشروعك.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 18 أكتوبر 2025 م ـ 26 ربيع الثاني 1447 هـ

لم تكن علاقة الفلسفة بالعلوم مستقرّة، لقد تراوحت بين أحوالٍ مزلزلة ما بين الصراع والتناقض والتشابك، وقليل من التلاقي والتعايش والتعاضد. لكن الفلاسفة مغرورين بالطبع، وهم كثيراً ما يبرهنون على أن الأسئلة الفلسفية هي التي ألهمت العلماء وحرضتهم على الاكتشاف والإبداع العلمي.

 أظنّ أن أقرب الفلاسفة الذين قرروا التصدي لإشكال العلاقة بين مجاليْ العلم والفلسفة هو إيمانويل كانط، فعلى الرغم من تكوينه العلمي، فقد قرر فكّ الإشكال وانتصر للفلسفة في آخر المطاف.

كان تبويب كانط للمعرفة مبنيّاً على تأسيس الأسئلة الضرورية. فقد طرَح أولا مجموعةً من الأسئلة حول المعرفة: ماذا يمكنك أن تعرف؟ ثم طرح مجموعة أخرى حول الأخلاق: ما الذي ينبغي عليك عمله؟ قبل أن يطرح في المرحلة الثالثة تساؤلَه الشهير: ما الذي يمكنك أن تعتقده؟ وهذا فيما يتعلق بالدين.

«إنك لتشعر في مؤلفات كانط كما لو أنك في سوق ريفية، فبمقدورك أن تشتري منه أي شيء»، هكذا يقول المختصّ بفلسفة كانط الأستاذ سمير بلكفيف، الذي قرأتُ مؤخراً كتابَه المنشور تحت عنوان: «التفكير مع كانط ضد كانط». وهو كتاب نفيس ومهم ومحرّض على تذكّر نظريّة كانط ودرْسه مجدداً، وسأعرض بعض شروحه هنا في هذه هذه السطور.

لقد طرح كانط عدة براهين:

 الأول، أن «فكرة المكان والزمان ليست مفهوماً مستمداً من التجربة، فالمكان لا يتقوّم بالتجربة والظواهر الخارجية، وإنما هذه التجارب لا تكون إلا بواسطة هذا المكان القبلي، والشيء نفسه يقال عن الزمان، فلا يمكن تمثل التتابع الذي تخضع له الأحداث إلا بتصور الزمان مسبقاً». الثاني، أن «المكان والزمان شرطان أوليان وضروريان لظهور الأشياء في حسّنا، والدليل على ذلك أنه يستحيل علينا تصور أشياء ليست في مكان ولا في زمان، بالرغم من أنه يمكننا التفكير فيها دون أن نقف عند مكان أو زمان محدد، وبتعبير آخر نستطيع قبل التجربة أن نتمثل المكان والزمان».

الثالث، أن المكان والزمان ليسا تصورين، لأن التصور ماهية عامة تشتمل على خصائص مشتركة بين مجموعة أفراد، كذلك لأن التصور يستلزم وجود أسبقية للأشياء حتى نتمكن من تجريد تلك الخاصية المشتركة.

الرابع: أن المكان والزمان حدسان خالصان لا تصوران، من حيث إن التصور يدل على خصيصة مشتركة بين مجموعة أفراد، تنطبق على أشياء جزئية لامتناهية، إلا أن المكان والزمان يحتويان هذه الأجزاء اللامتناهية.

 تلك البراهين جعلت كانط يؤسسها ضمن عرضٍ فلسفي مهم ضمن نظريته «الترانسندنتالية» (أو المثالية المتعالية) وخلاصتها أن «مفهومي الزمان والمكان معارف تأليفية قبْلية. فالمفاهيم الرياضية ليست مستمدة من العيان التجريبي، بل من العيان المجرّد بشكلٍ قبْلي، وهذا ما يجعل أحكامَها التركيبية يقينية بصفةٍ قبلية وضرورية أي تتميز بالكلّية، ولتكون تركيبية تأليفية».

والخلاصة هنا، هي أن كانط لجأ إلى الحدس الخالص، لأنه تورّط في يقينية النظرية العلمية. ولأنه لم يجد تسبيباً لها لاذ بهذه النظرية التوليفية الصلبة، إنها نظريّة أعادت تفسير علاقة الفلسفة بالعلوم عبر تبويبٍ جديد غير مسبوق.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 13 أكتوبر 2025 23:55

 

تتخذ مساراً مستحدثاً منذ أواخر سبعينات القرن الماضي

منذ وقت مبكّر من بدء اهتمامي الجارف بالأدب والحرفة الأدبية أدركتُ أهمية الإحاطة بمفردات وموضوعات النظرية الأدبية. العمل من غير موجّهات دليلية نظرية في أيّ حقل معرفي إنّما هي خطأ جوهري ينبغي التثقيف على ضرورة تجاوزه. النظرية الأدبية تفترض بالضرورة الإطلالة على شيء من التاريخ الأدبي والنقد الأدبي.

حصل الأمر في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. كانت قراءاتي في النظرية الأدبية قبلها غير ممنهجة، قرأت حينها كتباً لمؤلفين مختلفي المشارب والتوجّهات: سارتر ومؤلفه «ما الأدب؟»، تي. إس. إليوت وتنظيراته التي أوردها في كتابيه «ملاحظات نحو تعريف الثقافة» و«التراث والموهبة الفردية»، إف. آر. ليفز وكتبه الإشكالية «التراث العظيم» و«اتجاهات حديثة في الشعر الإنجليزي». تباينت المقاربات فيما بين هؤلاء الكُتّاب (والكُتّاب الآخرين بعامة) من غرق في بركة الآيديولوجيا الماركسية أو السايكولوجيا الفرويدية أو التراث الفكتوري أو استنطاق النص الأدبي في حدوده النصوصية. كان الأدب يبدو حينها وكأنّه قلعة حصينة معزولة ومسوّرة بكهنة متعصّبين ودستور عنوانه المُعْتَمَد الأدبي (Literary Canon).

حصلت الانعطافة الكبرى معي بعدما قرأت كتاب «نظرية الأدب» (Theory of Literature) للمُنظّر والناقد التشيكي - الأميركي رينيه ويليك (Rene Wellek) (بمعاونة أوستن وارين). برغم أنّ الكتاب كان على شيء من البرودة الأكاديمية لكنّه كان رائعاً ومثيراً ويحفّز القراءة. كانت قناعتي حينها أنّ المشتغل في حقل الأدب لو قرن قراءته لكتاب نظرية الأدب بالأجزاء العديدة لكتاب ويليك الآخر عن تاريخ النقد الأدبي الحديث فستكون عدّته الأدبية مقبولة وتمكّنه من العمل ببصيرة بدلاً من الدوران في متاهة لانهائية. كان النقد الأدبي حينها ذا سطوة لا يمكن مخاتلتها، ولم يكن بدّ أمام الكاتب من معرفة شيء رصين من أفانين النقد الأدبي مقترناً بالنظرية الأدبية والتاريخ الأدبي.

شرعت النظرية الأدبية تتخذ مساراً مستحدثاً منذ أواخر سبعينات القرن الماضي عندما بدأ التطعيم الجاد للنظرية الثقافية بالنظرية الأدبية؛ أي بمعنى صار هناك توجّه عام لمثاقفة (Acculturation) النظرية الأدبية، ثمّ مع السنوات والعقود اللاحقة صار هناك توجّه أكثر وضوحاً وفاعلية لجعل النظرية الأدبية تياراً في مجرى النظرية الثقافية، والاثنان يصبّان في محيط الدراسات الثقافية (Cultural Studies). خفت النقد الأدبي كثيراً، ولم يعد متوقّعاً أن نشهد ولادة ناقد من طراز ليفز أو ويليك. عندما أراجع كتابات ويليك اليوم وأضعها قبالة المؤلفات المعاصرة أرى البون شاسعاً، ولا أشعر بحنين نوستالجي لتلك السنوات. لا ضيْرَ من توسعة حدود الجغرافية الأدبية وتعشيقها بمناشط إنسانية جديدة. هكذا يقتضي الحراك الدينامي التطوري للحياة والفكر البشري.

***

كل فاعلية معرفية جديدة تتطلب كتباً تأسيسية لها. أعتقد أنّ كتاب «الثقافة والمجتمع» (Culture and Society (1958)) لمؤلفه الأشهر رايموند وليامز (Raymond Williams) هو واحد من أهمّ النصوص التأسيسية لمبحث الدراسات الثقافية. يناقش وليامز في كتابه هذا كيف تطوّر مفهوم الثقافة في الفكر البريطاني، ويجعل الأدب جزءاً من نسيج البنية الثقافية. أيضاً يمكن الإشارة إلى كتاب تيري إيغلتون (Terry Eagleton) «النظرية الأدبية: مقدّمة» (Literary Theory: An Introduction) (1983) الذي أظهر فيه المؤلف كيف أن كل نظرية أدبية (من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية) هي أيضاً موقف ثقافي وآيديولوجي. كتاب مهم آخر هو ذاك الذي ألّفه جوناثان كولر (Jonathan Culler) بعنوان «النظرية الأدبية: مقدّمة وجيزة» (Literary Theory: A Very Short Introduction) ونشرته جامعة أكسفورد في طبعته الأولى عام 1997. يمزج هذا الكتاب بين النظريات الأدبية والنقاشات الثقافية التي باتت جزءاً مؤصّلاً في المثاقفة المجتمعية والدراسات الثقافية (اللغة، النص، القارئ، الهوية...). لا يمكن تغافل جهود المنظّر البريطاني ستوارت هول (Stuart Hall) أستاذ علم الاجتماع في الجامعة المفتوحة في بريطانيا، ومساهمته المفصلية في ترسيخ الدراسات الثقافية على المستوى الجامعي والثقافي العالمي.

في فضاء الأدب العربي والثقافة العربية يمكن الإشارة إلى جهود الباحثيْن د. عبد الله إبراهيم في كتابه «النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية» (1996)، وسعيد يقطين في كتابه «انفتاح النص الروائي: النص والسياق» (1989).

***

لو أتيح لي الخيارُ في تسمية كتاب أقترحه ليكون دليلاً مرجعياً لتمثيل التعشيق التفاعلي بين النظرية الثقافية والنظرية الأدبية (أي زيادة جرعة المثاقفة في النظرية الأدبية) فسأختارُ كتاب «النظرية الأدبية: الأساسيات» (Literary theory: The Basics) لمؤلّفه هانز بيرتنس (Hans Bertens). نشرت دار نشر «راوتليدج» (Routledge) طبعة رابعة جديدة من هذا الكتاب أواخر عام 2024 في سياق سلسلتها الرائعة التي تتناول أساسيات الموضوعات المتناولة.

مؤلف الكتاب، هانز بيرتنس، يعمل أستاذاً فخرياً Emeritus للأدب المقارن في جامعة أوترخت الهولندية. يتناول نشاطه البحثي موضوعات ما بعد الحداثة، الأدب الأميركي، والنظرية الأدبية.

يعدّ كتاب بيرتنس مدخلاً تمهيدياً للطلبة أو القرّاء المهتمّين بفهم التيارات والنظريات الأدبية المعاصرة، وقد اتخذه العديد من الأقسام الجامعية مرجعاً لدراسة النظرية الأدبية. ما يميّز الكتاب هو لغة واضحة، مع تجنّب الإفراط في الاحترافية النظرية، إلى جانب ترتيب تاريخي للأفكار، بدءاً من النقد العملي (Practical Criticism) والنقد الجديد، مروراً بالبِنيوية، ما بعد البنيوية، النقد الثقافي، ما بعد الكولونيالية، نظرية النوع (Gender)، وما بعد الإنسان (Posthumanism). يُظهِر الكتاب كذلك كيف ترتبط النظرية الأدبية بالممارسة؛ أي كيف يمكن للنظرية أن تؤثر في قراءة النص، وكيف أنّ القراءات النظرية تعكس تحولاتٍ ثقافية وفكرية مشخّصة.

يمكن معرفة حجم المثاقفة في هذا الكتاب من تفحّص موضوعات فصوله. بعد مقدّمة موجزة تناول المؤلف في الفصلين الأول والثاني طبيعة قراءة النص الأدبي فجعلها في مقاربتين: قراءة من أجل المعنى، وقراءة من أجل الشكل. بالطبع قادت هاتان المقاربتان لتناول موضوعات النقد الجديد والنقد العملي، والشكلانية وبدايات البنيوية، ثم اتبعها المؤلف في الفصل الثالث بالبنيوية الفرنسية. بدأت المثاقفة الحقيقية في الكتاب بالفصل الرابع الذي تناول فيه المؤلف القراءة السياسية للأدب من بوّابة الطبقة، والنوع الجندري، والعِرْق في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. بعدها تناول المؤلف الثورة ما بعد البنيوية (دريدا، التفكيك، ما بعد الحداثة)، ثم واصل في الفصل اللاحق معالم هذه الثورة (فوكو، لاكان، النسوية الفرنسية). خصّص المؤلف فصلاً لتناول الأدب والثقافة (التاريخانية الجديدة The New Historicism والمادية الثقافية). أما ما تبقى من فصول الكتاب فتناول فيها المؤلف موضوعة مابعد الكولونيالية في جانب النظرية والنقد، ثم أفرد فصلاً للنقد البيئي (Ecocriticism). الفصل الأخير من الكتاب اختصّه المؤلف لتناول الاتجاهات الجديدة في المثاقفة الأدبية.

تشدّد الطبعة الرابعة على موضوعات مثل «الدراسات الرقمية» (Digital Humanities)، مع التوسّع في موضوعة «ما بعد الإنسان»، و«ما بعد المادية» (Post-Materialism)، «دراسات الحيوان» (Animal Studies) بدلاً من الاقتصار على المثاقفة الكلاسيكية حول البيئة والنقد البيئي.

لو شئنا مقارنة الطبعة الرابعة بالثالثة فيمكن حصر الاختلافات النوعية في التالي. في الطبعة الثالثة هناك تركيز أقوى على التيارات «الكلاسيكية» للنظرية الأدبية؛ في حين أنّ الطبعة الرابعة تُعيد توجيه الاهتمام نحو التحديات المعاصرة للنظرية: كيف أنّ النظرية تتغير في ظلّ التطوّرات التقنية الثورية وصعود فكرة ما بعد الإنسان (Post-Human)، التغيرات البيئية، التقنيات، دراسات الحيوان، وما بعد النظرية الأدبية الكلاسيكية. كذلك تميل الطبعة الرابعة أكثر نحو دمج الفروع النظرية ذات الصلة بدلاً من إبقاء كل نظرية في فصل منفصل وذلك بغية منح القارئ فهماً متكاملاً للتداخل بين هذه الاتجاهات.

***

ليس بمستطاعنا سوى الاعتراف بفيض الكتب التي تتوالى علينا في شتى الحقول المعرفية. واحدة من الميزات الفضلى للكتب المعاصرة الرصينة أنّها تمدّنا بجرعة معرفية تكفي في الأقلّ لشدّ عضد القارئ ودفعه للاستزادة من المعرفة بدلاً من الوقوع تحت رحمة فيضان العناوين التي لا يعرف في لجّة متاهتها أين يبدأ، وأي المسارات يتخذ، وكيف يتطوّر. أظنّ أنّ كتاب بيرتنس يخدم - كنقطة شروع - القارئ المتطلّع للمثاقفة الأدبية الحقيقية في عالم بات فيه الأدب اشتغالاً عاماً لمختصين بالذكاء الاصطناعي والرياضيات والفيزياء، ولم يعُدْ احتكاراً خالصاً تحكمه تقاليد «ليفز» المُطوّبة، مثلما لم يعُدْ «غابة مقدّسة» أقفل إليوت أبوابها ورمى مفاتيحها في الظلام.

***

لطفية الدليمي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 8 أكتوبر 2025 م ـ 16 ربيع الثاني 1447 هـ

لم يعد السؤال، هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟ بل أصبح ماذا سيبقى لنا بعد أن يحدث ذلك؟ فالدماغ البشري يحتاج إلى عقود ليصقل مهارة أو يبدع نظرية، أما الآلة فتعلمت في سنوات قليلة كيف تترجم، وتحاور، وتكتب، وتغني، وتمثل، وترسم، وتشخص الأمراض، وتتنبأ بالأحداث بدقة كبيرة. في المختبرات الصحية تتنبأ نماذج ذكاء اصطناعي ببنية البروتينات بدقة لم يحلم بها العلماء، وفي الاقتصاد تدير خوارزميات استثمارات تفوق سرعة أذكى العقول المالية، وفي الفنون تنتج صوراً ونصوصاً قادرة على خداع الذوق العام.

هذه ليست توقعات مستقبلية، إنها وقائع حاضرة، ومع كل جيل جديد من النماذج تتضاعف القدرة بشكل لا يوجد له وصف في مصطلحات البشر، بينما نحن محكومون بإيقاع بيولوجي بطيء، فالهوة لم تعد نظرية، بل أصبحت واقعاً يومياً يتسع أمام أعيننا.

 ولطالما اعتبرنا الإبداع الخط الفاصل بيننا وبين الآلة، لكن حين يكتب نموذجٌ لغويٌ رواية تُقرأ، وكأنها من صنع كاتب بارع، أو عندما تبيع خوارزمية لوحة بمئات آلاف الدولارات في مزاد عالمي، فمن يملك الحق في الادعاء أن الخيال الرحب إنساني صرف؟ قد يقول بعضهم: إن الآلة لا تشعر! هذا صحيح، ولكن مع تطور تقنيات الوعي والدماغ الاصطناعي البيولوجي، يبقى المستقبل غير محسوم، وشكل من أشكال الوعي الذي سيبهر الإنسان الحديث غير مستبعد، فالذكاء الاصطناعي لا يهدد الأفراد فقط، بل يهدد البنى الاجتماعية، ذلك لأن ملايين الوظائف ستختفي، وشرائح واسعة ستُقصى من سوق العمل، لتظهر طبقة جديدة ألا وهي «البشر غير الضروريين»! عندها لن يكون التحدي اقتصادياً فقط، بل سياسياً وأخلاقياً، كيف تبنى ديمقراطيات على أساس مشاركة بشرية إذا فقد البشر قيمتهم الإنتاجية؟

والأخطر هو أن أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تصبح أداةً بيد قوى احتكارية – دولاً أو شركات- لتضخيم النفوذ والسيطرة. التاريخ يخبرنا أن التكنولوجيا لا توزع نفسها بعدالة، بل تتركز حيث يوجد رأس المال والسلطة، واليوم تتقدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بسرعة تفوق قدرة أي برلمان أو منظمة دولية على ضبطها، فبينما نتجادل حول أخلاقيات الاستخدام، تنتشر تقنيات التزييف العميق في السياسة، وتتخذ الآلات قرارات طبية ومالية وأمنية نيابة عنا، فإذا لم نضع حدوداً واضحة قد نجد أنفسنا أمام كيانات صناعية تمتلك سلطة تتجاوز سلطة الدول ذاتها.

فهل الحل هو الاندماج، وأن نصبح كائنات هجينة؟ نعزز ذاكرتنا ورؤيتنا بأدوات اصطناعية، لكن هل سيكون ذلك خلاصاً أم بداية فقدان إنسانيتنا؟ حين تعتمد أدمغتنا على الآلة في التفكير من سيبقى صاحب القرار نحن أم هي؟ إذاً الاندماج قد يكون حلاً مؤقتاً، لكنه ليس إجابةً عن السؤال الوجودي: ما معنى أن تكون إنساناً إذا كانت كل قدراتك متاحة في جهاز خارجي؟

هذا المانيفستو ليس دعوة إلى الخوف، بل إلى صحوة فكرية، نحن لا نملك رفاهية الانتظار حتى يبتلعنا المستقبل، يجب أن نضع أطراً أخلاقية عالمية، ونظاماً قانونياً جديداً يتجاوز الحدود القومية، ويضمن أن الذكاء الاصطناعي يبقى أداةً في خدمة البشر لا حكومةً فردية تدير العالم وحدها.

الاختبار هذه المرة ليس صراعاً بين دولة وأخرى، بل بين الإنسان كجنس بيولوجي وبين ما أبدعته يداه. وإذا فشلنا قد نجد أنفسنا بعد عقود متفرجين على حضارة تصنعها الآلات، وسرعة تقنية خارقة تكسر الزمن البشري، وخاصة أن الدماغ البشري يحتاج إلى أعوام لبناء خبرة في الطب أو الفيزياء أو الفنون، بينما خوارزمية واحدة يمكنها ابتلاع مكتبات كاملة في ثوانٍ. نحن محكومون بالذاكرة والنسيان والوقت المحدود، أما الآلة فتصنع ذاكرتها الخاصة بلا حدود، تتعلم ليلاً ونهاراً وتحسن من نفسها بآلية لا نهائية، وإذا كان «التفرد التكنولوجي» مجرد خيال في الأمس، فهو اليوم سيناريو يتسارع نحوه العالم، ومن يجرؤ على القول إن المخيلة البشرية لا تقهر؟

ملايين الوظائف ستختفي! هذا ليس توقعاً بعيداً، بل عملية بدأت بالفعل والواقع الحالي أن الذكاء الاصطناعي تجاوز مستوى المساعدة والنماذج الحديثة أصبحت: تقرأ وتفهم وتكتب وتحلل وتبرمج وتخطط وتنفذ وتراجع وتتخذ القرار في آنٍ واحد. وهذه النماذج يمكنها إدارة البريد، وإعداد العروض، كتابة الأكواد، تحليل الأسواق، وإعداد الدراسات المالية، وحتى تصميم حملات تسويقية متكاملة من دون إشراف بشري فعلي. والشركات بدأت تعتمد عليها كموظف افتراضي ينجز خلال 24 ساعة ما يعادل عمل فريق كامل خلال أسبوع، فهل هذا تقدم؟ أم بداية انهيار العقد الاجتماعي؟

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 6 أكتوبر 2025 23:30

 

الثقافة ليست وعاءً محايداً تتكدّس فيه المعارف، ولا إطاراً شكلياً يزيّن واجهة المجتمعات، بل هي النسيج العميق الذي تتداخل فيه المعاني والقيم والرموز، ليشكّل الوعي الجمعي ويمنح الوجود الإنساني معناه. إنها الجسر الذي يصل بين المعنى والوجود، بين الذات والآخر، بين الذاكرة والمستقبل. في منظور عالم الاجتماع والفيلسوف دنيس كوش، كما بسطه في كتابه «مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية»، الثقافة ليست شيئاً نملكه، بل هي تملكنا، توجه سلوكنا، وتؤطر رؤيتنا للعالم، وتحدّد موقعنا فيه.

ويُظهر كوش أنّ الكلمة في أصلها الأوروبي كانت تحيل إلى فعل الزراعة والرعاية (culture)، ثم انتقلت في القرن الثامن عشر إلى المجال الرمزي، حيث ارتبطت بالتهذيب والرقي، لتغدو في القرن التاسع عشر محوراً للفكر الأنثروبولوجي. وفي تعريف إدوارد تايلور الشهير، أن الثقافة هي «كلٌّ معقد» يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات.. وهو تعريف رسّخ شمولية المفهوم، لكنه حمل في ثناياه نزعة تطورية قسّمت الشعوب إلى متقدمة وبدائية، وجعلت من الثقافة أداة ضمنية لترتيب البشر في سُلّم حضاري.

 وفي النقاش الكلاسيكي، مثّلت ثنائية «الثقافة والطبيعة» أحد المداخل الكبرى لفهم الإنسان: الطبيعة كإرث بيولوجي فطري، والثقافة كمعطى مكتسب يصوغ السلوك والمعنى. وقد أعلت العلوم الاجتماعية الحديثة، انطلاقاً من دوركايم وصولاً إلى فيبر، من شأن البعد الثقافي؛ فرأى دوركايم الثقافة منظومةً من «الوقائع الاجتماعية» الملزمة، بينما اعتبرها فيبر شبكة معانٍ تمنح الأفعال الإنسانية قابليتها للفهم.

لكن التحولات الفكرية في القرن العشرين كسرت الصورة الجوهرانية للثقافة، وانتقلت إلى النظر إليها كبناء اجتماعي متغير، يتأثر بالسلطة والاقتصاد والتاريخ، ويتشكل عبر التفاعل المستمر. المدارس النقدية، من فرانكفورت إلى ما بعد البنيوية، حذّرت من أن يُستعمل المفهوم لتبرير الهيمنة أو تغليف الصراع بخطاب «الصدمة الحضارية».

 وعلى الصعيد الأممي، بلور «إعلان مكسيكو للثقافة»، الصادر عن اليونسكو عام 1982، رؤيةً شموليةً اعتبرت الثقافةَ مجموعَ السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً أو فئة، وتشمل الفنون والقيم وطرائق الحياة، وهي ما يمنح الإنسانَ القدرةَ على التفكير النقدي والإبداعي. أما الألكسو والإيسيسكو فقد تبنَّتا التصورَ نفسَه، مؤكدتَين أن الثقافة مجال فكري وقيمي متكامل يرتبط بكل أوجه النشاط الاجتماعي.

هذه المقاربات تكشف أن الثقافة ليست كياناً جامداً، بل مساراً ديناميكياً، مشروعاً مفتوحاً للتأويل وإعادة البناء. هي ميراث مشترك للإنسانية، وجسر للتواصل بين الشعوب، لكنها قد تنقلب أداة للإقصاء إذا تحوّلت إلى هوية منغلقة. ولهذا يؤكد كوش أن على العلوم الاجتماعية أن تتجاوز التوصيف إلى المساءلة المستمرة للمفهوم، بما يحرره من الاستعمالات الأيديولوجية.

في عالم اليوم، حيث تتكاثر فضاءات التفاعل الإنساني وتتداخل الحقول المعرفية، تصبح الثقافة ميداناً لصراع التأويلات ومختبراً لإنتاج المعنى. لا يكفي أن نحافظ على «موروث» ثقافي بمعناه الساكن، بل علينا أن نَصونه بقدر ما نعيد تشكيله، وفق قيم تضمن للإنسان وعيَه بذاته وانفتاحه على الآخر. الثقافة التي تحتفظ بذاكرتها من دون أن تنغلق، وتتجددمن دون أن تفقد روحها، هي وحدها القادرة على أن تكون أفقاً للعيش المشترك، وحاضنة للابتكار، ومجالاً لإعادة تعريف إنسانيتنا.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 أكتوبر 2025 23:45

في كتابها الصادر مؤخراً بالإنجليزية، بعنوان «كيف صنع العالم الغرب؟»، تدحض المؤرخة البريطانية جوزفين كوين الأطروحة السائدة في اليمين القومي الأوروبي حول الهوية الحضارية الغربية الاستثنائية المبنية على الموروث اليوناني الروماني والتقليد المسيحي.

 وبالنسبة لكوين، ليس الغرب حقيقة أزلية ولا مجالاً جغرافياً مغلقاً، بل هو اختراع تاريخي وثقافي متأخر وغير دقيق، إنه نتاج سرديات وتصنيفات تشكلت في حقب ماضية، غالباً في سياق الصدام مع الآخر، أي الشرق المنعوت بالهمجية والغرابة. وبالنسبة لكوين، لا يمكن فصل غرب المتوسط عن العالم الشرقي (مصر وفارس وبلاد الرافدين) الذي تفاعل معه بكثافة طيلة قرون طويلة ممتدة. منذ المؤرخ الشهير هيرودوت شاعت ثنائية «الغرب الحر» و«الشرق الاستبدادي» وتكرّست في أعمال هيغل والأدبيات الاستشراقية الحديثة. بيد أن الحقيقة التاريخية هي أن اليونان لم تكن تنتمي تاريخياً لأوروبا، بل كانت جزءاً من الفضاء الشرقي الأوسع.

في نظريتها النقدية للاستثناء الغربي، ترجع كوين لأعمال عالم الأنتروبولوجيا جاك غودي الذي بيَّن في كتابه «سرقة التاريخ» (صدر سنة 2006) أن المؤسسات السياسية والقانونية والتشكّلات الفكرية الكبرى التي يعتقد أنها من إبداع الغرب، هي في حقيقتها غير خاصة به، بل ظهرت في الغالب خارج محيطه الجغرافي والاجتماعي.

وفي هذا الباب، يتعين التذكير بأن الحرف اليوناني تمت استعارته من الفينيقيين، وعلم الفلك اليوناني له جذوره البابلية، كما أن الرياضيات اليونانية لها أصولها المصرية، بل إن الديانة الإغريقية لا تختلف في شيء عن الاعتقادات الشرقية. وحتى في المجال الفلسفي، يرى غودي أن اليونان لم يكونوا متفردين بالنزعة العقلانية، بل إن الحضارات الصينية والهندية والشرق أوسطية بلورت تقاليد فلسفية وعلمية ومؤسسية رصينة لها تأثيرها العالمي الواسع. ومع أن الثورة الصناعية والاقتصاد الرأسمالي، اكتملا في أوروبا، إلا أن غودي يرى أن جذورهما تعود إلى الصين والعالم العربي الإسلامي.

 والخلاصة التي تصل إليها كوين وغودي هي أن الحدود الفاصلة بين الغرب والشرق مجرد وهم أيديولوجي، تفنّده الحقائق التاريخية الموضوعية، بل إن التداخل ظل كثيفاً بينهما، سابقاً ولاحقاً، بحيث لا يمكن الحديث عن هوية غربية خالصة ومستقلة.

أهمية هذه الأطروحة التفكيكية هي الوقوف ضد النزعة الثقافوية التي تهيمن في أيامنا على تيارات اليمين الشعبوي الصاعد في عموم الديمقراطيات الغربية، وهو اتجاه يرى أن خط الصراع السياسي قد انتقل في السنوات الأخيرة من أرضية الاستقطاب الاجتماعي الطبقي إلى خط التصادم الحضاري. ومن هنا ضرورة الدفاع عن القيم المرجعية للغرب في مقابل «الخطر الشرقي» المُتجسّد في «الهجرات الوافدة».

ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن بعض الكتاب العرب والمسلمين يسقطون في فخ نظرية الاستقطاب الحضاري، مركِّزين على حقوق الخصوصية الثقافية والانتماء الأصيل، مستغلين الأعمال النقدية للاستشراق والمركزية الغربية من أجل تثبيت الوعي الانفصالي عن العالم.

لقد بدأ هذا التوجه من كتاب إدوارد سعيد الشهير «الاستشراق» الصادر في نهاية سبعينيات القرن الماضي، رغم أن هدف المؤلف لم يتجاوز وقتها معالجة المركب المعرفي السلطوي في كتابات الأدباء الأوروبيين المتعلقة بالشرق. وفي كتاب زميله الفلسطيني الآخر وائل حلاق، «قصور الاستشراق»، وصل هذا الاستغلال مداه بالمطالبة الصريحة بالقطيعة (المستحيلة والساذجة) مع الحداثة الأوروبية.

قبل سنوات، أصدر الفيلسوف الإيراني الراحل داريوش شايغان كتاباً مثيراً بعنوان «النور يأتي من الغرب»، بيّن فيه أن الدخول في مسار التحديث الكوني، الذي هو الأفق الوحيد المتاح للبشرية، يعني بشكل أو بآخر قبولَ التغريب خياراً معرفياً ومجتمعياً لا مناص منه. إلا أن شايغان أكد في الوقت نفسه، أن التحديث وإن كان يفضي ضرورةً إلى اعتماد النموذج الغربي في مرتكزاته الكبرى، إلا أنه لا يؤدي إلى ما يكثر الحديث عنه من استلاب حضاري وضياع للهوية، إذ لا تزال الثقافات غير الغربية قادرة على تقديم رصيد روحي وأخلاقي يستفيد الغربُ نفسُه منه.

ورغم دقة ملاحظة شايغان، إلا أنه لا بد من التنبيه إلى أن ما نعتبره نموذجاً غربياً هو في حقيقته حصيلة تفاعل إنساني واسع، كان للشرق العربي الإسلامي دور محوري فيه. قد تكون فكرة الكونية نفسها (أي الإنسانية المتعقلة المتساوية من حيث الأصول والتوجهات القيمية) فكرة شرقية، حفرها بقوة فيلسوف الإسلام الوسيط الفارابي الذي كان أول مفكر حرص على ترجمة مضامين الملة في المقولات البرهانية العمومية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 5 أكتوبر 2025 23:30

 

الفكر الإسلامي ما بعد أركون لن يكون هو ذاته قبله

لقد أمضيت وقتاً طويلاً في شرح المصطلحات الأجنبية وتعريبها في أثناء نقل مؤلفات محمد أركون إلى اللغة العربية. كما أجبرني ذلك على اشتقاق عديد من المصطلحات والتراكيب اللغوية الجديدة. وهذه من فوائد ترجمة أركون التي لا يستهان بها. نعم لقد اضطررت إلى اشتقاق عشرات بل مئات المصطلحات. وأعتقد شخصياً أنه إذا ما نجح مشروع الترجمة بالمعنى الواسع للكلمة (وليس فقط ترجمة أركون) فإننا سوف نتوصل إلى لغة عربية حداثية جديدة أكثر ديناميكية ومرونة وقدرة على التعبير عن أعوص النظريات العلمية والفلسفية. وبالتالي «فاللغة العربية ما بعد الترجمة» لن تكون هي تماماً «اللغة العربية ما قبل الترجمة». عندما ننقل كل الفتوحات العلمية والفلسفية التنويرية إلى اللغة العربية فإننا سنتوصل حتماً إلى لغة عربية حديثة، وسوف ننقذ لغة الضاد. كل النهضات الكبرى قامت على أكتاف الترجمات الكبرى. انظروا إلى اليابان، أكبر بلد مترجِم في العالم والأكثر انفتاحاً على الحداثة الغربية، ومع ذلك لم تفقد اليابان أصالتها ولا شخصيتها التاريخية العميقة. الانفتاح على الآخرين لا يعني الذوبان فيهم، وإنما يعني الاستفادة من أفضل ما أعطوه للبشرية وتوظيفه في خدمة الثقافة المحلية أو الوطنية. إنه يعني تبني إيجابيات الحداثة الغربية وطرح سلبياتها. والآن دعونا نطرح هذا السؤال:

لماذا نربط بين أركون والتنوير؟ لأنه طبَّق على تراثنا العربي الإسلامي أحدث المناهج التي كانت قد طُبِّقت من قبل على التراث المسيحي في أوروبا فنوَّرته وجدَّدته إلى أقصى حد ممكن، بل حررته من تراكماته وحشوياته وظلامياته القروسطية. وقد أدى ذلك إلى تسليط إضاءات ساطعة على النص الديني التراثي لم يسبق لها مثيل من قبل. كل المثقفين العرب فشلوا في تحقيق هذه المهمة ما عدا أركون. لقد جدَّد فهمنا لتراثنا الإسلامي العريق بشكل غير مسبوق. وهنا تكمن أهميته وعظمته. وهذا ما سيتبقى منه على مدار الأجيال. الفكر الإسلامي ما بعد أركون لن يكون هو ذاته الفكر الإسلامي ما قبل أركون. بعد تطبيق كل هذه المناهج التاريخية والفلسفية الحديثة على تراثنا الكبير يخرج أركون برؤية جديدة كلياً وناصعة عن تراث الإسلام العظيم. ولكن بما أننا منصهرون منذ نعومة أظفارنا في الرؤية القروسطية التقليدية القديمة للمشايخ فإننا نجد صعوبة بالغة في فهم هذه النظرة الجديدة التي يبلورها صاحب كتاب «نقد العقل الإسلامي الأصولي». فهو يقدم رؤية حداثية أنوارية وتحريرية عن تراثنا العظيم، ولا يكتفي بتكرار الرؤية التقليدية التراثية المتحجرة والمجترة على مدار القرون. وهي رؤية ظلامية قروسطية وصلت بنا أخيراً إلى الجدار المسدود. بل أدخلتنا في صدام مدمِّر مع العالم كله. نستنتج من كل ذلك ما يلي: لا خلاص من دون انتصار التفسير الأنواري الجديد للدين على التفسير الظلامي القديم الذي لم يعد صالحاً لهذا العصر.

عندما يكتب أركون فإنه يفكر دائماً بطريقة مقارنة. معظم الموضوعات، إن لم يكن كلها، يتناولها من الزاوية العربية الإسلامية والزاوية الأوروبية المسيحية. ودائماً يطرح السؤال نفسه: لماذا نجحت النهضة الأوروبية وفشلت النهضة العربية أو الإسلامية؟ لماذا نجح التنوير الأوروبي وفشل التنوير العربي الذي سبقه إلى الوجود بستة قرون؟ ثم بشكل أخص: لماذا كفَّر فقهاؤنا الفلسفة في حين أنها انتعشت عند الأوروبيين كل الانتعاش؟ لا ريب في أنهم كانوا يكفِّرونها طيلة العصور الوسطى مثلنا وأكثر ولكنهم تخلوا عن ذلك بدءاً من ديكارت بل حتى قبل ذلك. هل تعتقدون أنه لولا تكفير الفلسفة والفلاسفة كانت الحركات الأصولية من إخوانية وخمينية ستهيمن على الساحة منذ انتصار الخميني عام 1979، بل حتى منذ تأسيس حركة الإخوان المسلمين عام 1928؟ لماذا انتصر حسن البنا وسيد قطب والقرضاوي على طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وبقية الكواكب المشعَّة للثقافة العربية؟ أقصد؛ لماذا انتصروا في الشارع وليس على مستوى الثقافة الحقيقية والنخبة المثقفة؛ فهنا لا وجود لهم؟ ثم لماذا انتصر الخميني على داريوش شايغان وعبد الكريم سورش وبقية مثقفي إيران الكبار؟ أقصد؛ لماذا اكتسح الخميني الشارع الإيراني بكل هذه السهولة؟ ولكن إلى حين... التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

ينبغي العلم أن أركون بصفته أستاذاً عريقاً في السوربون يعرف من الداخل كيف تشكلت الحداثة الأوروبية. لقد كان مطلعاً بشكل عميق على مسيرة الفكر الأوروبي عبر تاريخه الطويل وعلى مسيرة الفكر العربي الإسلامي عبر تاريخه الطويل أيضاً. ولذلك فهو يعرف كيفية المقارنة بشكل دقيق بين كلا المسارين، ولماذا توقف هذا وأقلع ذاك... كما يعرف كيف يشخص الانسدادات التاريخية والمآزق الحالية التي يعاني منها العرب والمسلمون عموماً. من هنا عنوان كتابه الشهير: «لأجل الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة»: أي من أجل الخروج من الانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنفجر الآن في وجوهنا انفجاراً وتكاد تمزِّق وحدتنا الوطنية تمزيقاً بفعل الفظائع الرهيبة التي ترتكبها فصائل التعصب والتطرف. ثم نفهم من كلامه أن الغرب انتصر على أصوليته الظلامية وانقساماته الطائفية وحروبه الأهلية بفضل انتصار لاهوت التنوير على اللاهوت المسيحي التكفيري القديم. أما نحن فلا نزال نتخبط في معمعة المعركة ونحترق بحر نارها. هنا يكمن التفاوت التاريخي بين العرب والغرب.

يرى أركون أننا لا يمكن أن نفهم التراث الإسلامي بشكل صحيح إذا لم نقارنه بالتراثات الدينية الأخرى التي سبقته خصوصاً التراثين اليهودي والمسيحي. فعلى الرغم من كل الاختلافات الكائنة بينها فإنها تنتمي جميعاً إلى أرومة واحدة هي ما يدعوه العلماء: التراث الإبراهيمي التوحيدي. ولطالما دعا أركون الأقطار العربية إلى فتح أقسام لتدريس تاريخ الأديان المقارنة في جامعاتها من أجل فهم أوجه التشابه والاختلاف بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة الكبرى. فلكي نفهم أنفسنا جيداً ينبغي أن نفهم غيرنا. بمعنى آخر: سوف نفهم ديننا وتراثنا بشكل أفضل إذا ما قارنّاه بالأديان الإبراهيمية الأخرى واطَّلعنا عليها وعلى تجربتها التاريخية. نقول ذلك خصوصاً أن اليهود والمسيحيين الأوروبيين مرّوا بمرحلة الغربلة التنويرية بدءاً من القرن الثامن عشر، في حين أننا لم نمر بها نحن بعد. وهنا تكمن المشكلة بالضبط. ولكن المصيبة هي أن الإخوان المسلمين والخمينيين وبقية الظلاميين يعرقلون هذا الانفتاح ويقفون في وجهه بكل قوة لأنه يهدد مشروعيتهم ويكشف عن عيوبهم ونواقصهم. إنه يهدد مفهومهم القروسطي القديم للدين. لتوضيح ذلك سوف أضرب المثل التالي: عندما أنشأت الإمارات العربية المتحدة «بيت العائلة الإبراهيمية» على أرض جزيرة السعديات في أبوظبي أشاعوا أنها تريد تذويب الإسلام في دين غريب عجيب ما أنزل الله به من سلطان. وهذا غباء ما بعده غباء. هذا إن لم يكن تعبيراً عن سوء نية ومحاولة تشويش متعمدة ومقصودة. فالإسلام سيظل هو الإسلام، والمسيحية ستظل هي المسيحية، وقُلْ الأمر ذاته عن اليهودية. الأديان الكبرى تبقى هي هي إلى أبد الدهر ولكن مفهومها يختلف. فالمفهوم التسامحي المتنور للعصور الحديثة للدين غير المفهوم التعصبي أو الظلامي التكفيري للقرون الوسطى. والإمارات إذ شيّدت كنيساً يهودياً إلى جانب كنيسة مسيحية ومسجد إسلامي، كانت تريد إقامة الحوار والتآخي بين الأديان الثلاثة لا الخلط بينها. ومعلوم أنه «لا سلام في العالم من دون سلام بين الأديان»، كما قال المفكر الشهير هانز كونغ. كانت الإمارات تريد أن تقدم صورة مشرقة عنَّا وأن تزيل تلك الصورة السوداء المرعبة التي لحقت بنا بعد ضربة «11 سبتمبر (أيلول)» الإجرامية الكبرى وما تلتها من تفجيرات وفظاعات في شتى أنحاء العالم. وقد قدمت بذلك أكبر خدمة للعرب والمسلمين. ولكن بدلاً من أن يشكروها راحوا يهاجمونها. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!

مشكلة الإخوان والخمينيين هي أنهم يعتقدون أن مفهومهم الرجعي المتخلف للإسلام سوف يستمر إلى أبد الآبدين. ولكنهم واهمون. فحتى لو كانوا لا يزالون يحظون ببعض الشعبية في الشارع العربي أو الإيراني أو التركي بسبب جهل الجماهير وفقرها وأميَّتها إلا أنهم فاشلون في نهاية المطاف ومهزومون لسببين أساسيين: الأول هو أنهم يمشون ضد حركة التاريخ وضد روح الأزمنة الحديثة وجوهرها، بل حتى ضد جوهر الإسلام الحنيف ذاته إذا ما فهمناه على حقيقته. ثم إن الجماهير سوف تستنير وتتعلم وتتقدم ولن تبقى جاهلة إلى الأبد. والثاني هو أنهم يجهلون أو يتجاهلون سماحة التراث الإسلامي العظيم والنزعة الإنسانية والفلسفية العميقة التي كان ينطوي عليها إبان العصر الذهبي، ولكن ليس إبان عصر الانحطاط. ومعلوم أن هذه الحركات الإخوانية والخمينية وسواها هي الوريث المباشر لعصور الانحطاط الطويلة التي لم نستطع التخلص من براثنها حتى الآن.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: -5 أكتوبر 2025 م ـ 13 ربيع الثاني 1447 هـ

لطالما ارتبط اسم الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر بأسئلةً مزلزلة للبناء النظري الذي سبقه. انشغل مبكراً بالحقيقة وطوّر سؤالها ليكون مبناه كالتالي «ضرورة السؤال عن ماهيّة الحقيقة انطلاقاً من بدء تاريخ الحقيقة» كما هو عنوان الفصل الرابع من كتابه:«الأسئلة الأساسية للفلسفة-مشكلاتٌ مختارة من (المنطق)» والكتاب عبارة عن محاضرةٍ في فرايبورغ لدورة الشتاء عام 1937.

كتب هيدغر في الصفحات من (205) ومابعدها عن ضرورة: «تغيير اتجاه التساؤل النقدي عن الحقيقة نحو بدء تاريخ الحقيقة بصفته قفزاً مسبقاً إلى المستقبل، بوصفها ماجرّبه مفكروا اليونان من غير أن يسألوا عنه».

ثم يشرح كيف أن مفكري اليونان كانوا يعرفون الحقيقة بمعنىً مزدوج؛ أولاً: بصفتها «تجلي الكائن» أي عدم اختفاؤه، وثانياً: بصفتها توافق التمثّل والكائن، بصفتها صواباً، ثم يتحدّث عن معنى الصواب في سؤال الحقيقة.

هذا تفصيله طويل، ولكن يهمني هنا سريعاً كيف يمكن لسؤال الحقيقة أن يتمدد حتى وصل تأثيره لنقاش هيدغر المبكّر حول التقنية؟!

في الجزء الثاني من مؤلفه: «كتابات أساسية» خصص فصلاً بعنوان:«السؤال عن التقنية». وفي صفحة (154) يرى أن:«انتماء التقنية إلى مجال الحقيقة يثير في البداية استغرابنا، وهذا يعود إلى أننا نكون-عادةً-مأخوذين بالتقنية إلى حد أننا لانهتم إلا بما هو تقني، وما يهمنا عادة في التقنية هو منفعتها ومردوديتها، ووسائلها في الإنتاج وأساليبها في العمل والتنظيم، أما ماهيّة التقنية فلا نعبأ بها في العادة، إننا من شدة تعلقنا بالتقنية نُغفل السؤال عن ماهيّتها، والآن عندما تساءلنا عن ماهيّة التقنية وتابعنا التساؤل خطوةً خطوة وصلنا إلى الأمر الذي أثار استغرابنا وهو أن مجال ماهيّة التقنية هو الحقيقة».

هنا مربط الفرس لدى هيدغر بين الحقيقة والتقنية. وكلا النصّين حول الحقيقة والتقنية صدرا في الثلاثينيات؛ بمعنىً آخر فإن هيدغر يعتبر التقنية بماهيّتها متداخلة مع البحث في الحقيقة، وهذا لايعني أن نبحث في التقنية كتطوّر تكنولوجي بحت، وإنما أن نركّز على المعنى الأعمق الذي تبثّه في تحدياتها وتدخّلها بصياغة حقائقنا وأثرها في تبويب وجودنا.

في حوارٍ أجراه ريتشارد فيسر مع هيدغر بعنوان:«الفلسفة والمجتمع والتقنية والكائن». ترجمه الأستاذ إسماعيل المصدّق اختصر هيدغر ذلك الربط بقوله:«يجب أن أقول في البداية بأنني لست ضد التقنية...إنني أرى في التقنية، وبالضبط في ماهيتها، أن الإنسان يوجد تحت قوة تتحداه ولم يبق حراً إزاءها، وأن أمرا ما يعلن في ذلك عن ذاته، هذا الأمر هو علاقة للكون بالإنسان، وأن هذه العلاقة التي تختفي في ماهية التقنية ربما ستظهر للنور ذات يوم».

الخلاصة؛ أن هيدغر أعطى للتقنية ماهيّتها، وبالتالي فإن العمليّة الاستعمالية لمنجزها لن تمنحنا القدرة على فهم معناها. وهذا التحدّي الذي نعيشه الآن. لم تتقدّم البحوث الفلسفية بالشكل الكافي لمواكبة كل المستجدّات التكنولوجية لتجاوز معانيها الاستعماليّة إلى فهم ماهيّتها، ودرس علاقاتها بصياغة حقائقنا، وتداخلها مع وجودنا.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 1 سبتمبر 2025 23:45

 

الصادق النيهوم بدأ حياته في بيت قديم بسوق الحشيش في مدينة بنغازي. عندما كانت ليبيا تعاني وطأة الاستعمار الفاشي الإيطالي. انجذب مبكراً إلى قبس الكلمة. ضرب بقبضة يد يلفّها قفاز نسجه من لغة سكب فيها أفكاراً تهاجم الموروث المعتاد. ضرب على أبواب غرف عقول تمدد فيها الليبيون عقوداً طويلة من دون أن تطولها كوابيس الاقتراب من موروثات تكدَّست في الوعي واللاوعي المجتمعي. تحولت مقالاته بصحيفة «الحقيقة» التي تصدر في مدينة بنغازي، مطرقةً يُقرأ صوتها في كل أرجاء البلاد. درس من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة على أساتذة كبار من مصر والشام، منهم ناصر الأسد، ومحمد عبد الهادي أبو ريدة والأستاذ الشاعر علي محمد أحمد.

في جامعة بنغازي برزت شخصية الطالب الصادق النيهوم بلباسه الشبابي البسيط غير المعتاد، وأفكاره الجريئة في كل ما يُطرح في الأدب والفلسفة واللغة والتاريخ. نال الاهتمام والاحترام بين أساتذته وزملائه، وباشر في الكتابة الصحافية.

بعد تخرجه في كلية الآداب ببنغازي توجه إلى ألمانيا لدراسة فقه اللغة بمعهد غوته. لم يستطع الاندماج في المجتمع الألماني، فانتقل إلى جامعة القاهرة لمواصلة دراسة فقه اللغة، لكنه غادرها متوجهاً إلى اسكندنافيا واستقرَّ بها وتزوج بفتاة منها. أينما حلَّ كان قدّاحة نقاش، ومثاراً لاهتمام من اتفق معه أو اختلف. في فنلندا، بلد الثلوج والحرية والثقافة، بدأ الصادق يغوص من بعيد فيما تراكم على المجتمع الليبي من غبار موروث، وشرع في نشر مقالاته في صحيفة «الحقيقة». منحه صاحبها ورئيس تحريرها محمد بشير الهوني وشقيقه رشاد الهوني مساحة حرية شاسعة.

اقتحم النيهوم منطقة صلبة، لم يقترب منها أحد قبله في ليبيا. التدين الشعبي الذي يعبّر عنه باللهجة الليبية (الفقي)، وهو غير (الفقيه). الأول هو المدرس الذي يعلّم الصغار القرآن الكريم في الكتاتيب، ويضربهم بالفلكة، ويكتب الأحجبة للنساء، ويتعامل مع السحر والجان... إلخ، وكذلك خطباء المساجد الذين يعيدون كل جمعة ما قيل منذ قرون غبرت. اجترح لغة تمتزج فيها البساطة التعبيرية، وتقتبس من اللهجة الليبية المحكية في برقة، التي تمتاز بقفشات تجمع بين السلاسة الساخرة والتعجب. بدأت مقالاته تسطع على صفحات جريدة «الحقيقة»، وارتفع عدد قرائها وتوزيعها في كل أنحاء البلاد.

تحولت سطور مقالاته قذائفَ مدفعية تدكُّ ما كان من المحرَّم الاقتراب منه، بسلسلة مقالات بعنوان «الرمز في القرآن». قدّم الصادق النيهوم لما يمكن أن نسميه مشروعه الجريء في تفسير القرآن، الذي ركّز على دراسة الرمز في الآيات القرآنية، مستعيناً بالمراجع والقواميس العربية والأجنبية، والتفسيرات العربية المعتمدة للقرآن، التي اعتمد عليها في طرح رؤيته. بدأ النيهوم من سورة الكهف بهذه الآية: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) الكهف 25. وطرح السؤال: هل نام أصحاب الكهف ثلاثة قرون حقاً؟ أجاب بأن ليس ثمة شك أن المرء يستطيع أن يعتمد الإجابة، باعتبار أن المعجزة ظاهرة في معظم الديانات، وأن الله على كل شيء قدير، ولكن أليس ثمة طريق آخر؟ ويضيف، أنا سأفترض أن القصة بأسرها حادثة رمزية تهدف في الظاهر إلى الحديث عن بضعة من القديسين المطاردين في الجبال، وتهدف في الواقع إلى الحديث عن تاريخ المسيحية ذاتها، وهذا طريقي إلى ذلك الافتراض.

تناول في مقالاته عن الرمز في القرآن تاريخ ميلاد السيد المسيح، وتطور الديانة المسيحية عبر التاريخ. من أصحاب الكهف انتقل النيهوم إلى ذي القرنين، وطاف بين التفسيرات المختلفة التي وردت عنه. سورة الكهف وجد فيها ما يهبه فسحة يتفاعل فيها مع عنوان مشروعه، وهو «الرمز في القرآن».

ينتقل بعد ذلك إلى سورة آل عمران، ويسهب في الحديث عن السيدة مريم وطفولتها. يذهب إلى أن القرآن يروي قصة مريم في تتابع تاريخي واضح داخل النص نفسه، فيبدأ بقصة ميلادها ودخولها المعبد وكفالة زكريا لها، وتبشيرها بعيسى، وما أضافه على القصة من تأويلات.

بدأ القصف المضاد ضد ما ساقه النيهوم في رموزه. ردود عنيفة من الكتّاب والصحافيين ورجال الدين ومن الجامعة الإسلامية. أُجريت مقابلات إذاعية وصحافية معه، دافع فيها بكل ثقة وهدوء عما كتبه.

ما نقف عنده اليوم، أن الصادق النيهوم لم يُكفَّر أو يُفسَّق. ظلَّ يمشي في بنغازي وطرابلس حراً بقبقابه الخشبي، يحييه الشباب المعجبون بنجمهم، ويشارك في الملتقيات الوطنية والمغاربية. ماذا كان سيكون مصيره لو كتب ما كتب اليوم؟ أيكون مثلما لاقاه المفكر المصري فرج فودة والمفكر السوداني محمود محمد طه؟ كل ما حدث كان إيقاف صاحب «الحقيقة» محمد بشير الهوني لتلك السلسلة من المقالات.

***

عبد الرحمن شلقم

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: السبت - 12 ربيع الثاني 1447 هـ - 4 أكتوبر 2025 م

 

حديثنا الأساسي يدور حول النخب المثقفة في دول العالم النامي ودورها في تنمية أوطانها، وهذا يُبرز أمامنا سؤالاً محورياً حول من هي هذه النخب المثقفة؟ أو بصورة أخرى ما هو تعريف النخبة المثقفة؟ في الأدبيات العالمية المعاصرة لعلم السياسة وعلم الاجتماع يطلق تعبير النخبة المثقفة لوصف مجموعة من البشر الذين يرتبطون ببعضهم بعضاً عن طريق أعمالهم ونشاطاتهم الفكرية.

وخرج علينا الدارسون للنخبة - ومنهم كاتبكم - بمجموعة تعريفات تصب جميعها في ثلاثة أطر: يتعلق الأول باعتبار أن النخبة المثقفة هي تلك المجموعة التي يتعاون أفرادها في مجال الخلق المبدع للمُثل العُليا وقيم الحق والخير والجمال والعدالة، وحمايتها والمحافظة عليها.

أما الإطار الثاني منها، فيتعلق باعتبار أن النخبة المثقفة هي تلك المجموعة التي يضع أعضاؤها الأفكار لمواطنيهم ويقومون بتعميمها لكي تطال أكبر جماعة من البشر ويقومون بنشرها، وبابتكار الأفكار والمقولات والنظريات والأساطير المجتمعية الشعبية العامة، بالإضافة إلى قيامهم بالنقد العلمي الرصين والهادف إلى إصلاح شؤون المجتمع. ويتعلق الإطار الثالث باعتبار أن النخبة المثقفة هي تلك الفئة التي يشكل أفرادها فئة اجتماعية مميزة يمارس أفرادها دوراً محورياً في الحياة الاجتماعية من زاوية التحكم في مجالات التطور الثقافي لمجتمعاتهم ودون أن يكون لديهم بالضرورة سلطة سياسية.

وتوجد تعريفات أخرى ذات مستويات أعلى أو أدنى بما يتعلق بنطاق ودرجة الشمولية والرصانة والأهمية التي تحتويها. ويلاحظ بأن بعضاً منها تتضمن أفكاراً وطروحات لمفكرين وعلماء وذوي اختصاص يقدمون لمجتمعاتهم وللبشرية إبداعات رائعة، في حين أن جزءاً آخر منها يركز على اختلاف الوعي الاجتماعي والنظرة بين جماعات المثقفين.

تلك التعريفات تشير إلى أن النخب المثقفة تشمل أولئك الذين يبتكرون القيم الأدبية والعلماء الذين يخطون لمجتمعاتهم الاتجاهات الثقافية الخيرة في مجالات الحياة المختلفة، ويطبقون المعرفة العلمية والنظرية على القضايا العملية؛ والمفكرين الذين يقومون بتشكيل المفاهيم العامة والنظريات الاجتماعية والسياسية ونشرها أو المتخصصين في شتى العلوم الاجتماعية الذين يعملون على نشر أفكار بني البشر والتعليق عليها والإضافة لها وبنقد أعمال الآخرين الفكرية والثقافية والتعليق عليها بهدف تقويمها باتجاه الفائدة المجتمعية والإنسانية عامة، وبانتقاد مؤسسات المجتمع بغرض الإصلاح الهادف، وليس النقد من أجل النقد المجرد.

وبإلقاء نظرة ماسحة على النخب المثقفة في دول العالم النامي فسيلاحظ بأنها تحتوي على فئات مجتمعية أربع هي: موظفي الخدمة المدنية ممن يحملون درجات وظيفية عالية، وهي عادة ما يشغلها خريجو الجامعات من حملة البكالوريوس والليسانس والماجستير، ثم يأتي بعد ذلك حملة درجة الدكتوراه من أساتذة الجامعات وشاغلي الوظائف العليا كالوزراء ورؤساء المؤسسات الكبرى الحكومية.

وأخيراً يأتي أولئك الذين يشغلون المناصب القيادية في مؤسسات القطاع الخاص، كالرؤساء والمديرين العامين والتنفيذيين، ومن في مستواهم. وهؤلاء إما أن يكونوا ملاكاً للمؤسسات أو موظفين فيها. الفئات الأربع هذه تشكل جزءاً مهماً من النخبة المثقفة والفئات المتعلمة، ومن النخب المتخصصة التي تؤدي أدوراً رئيسة متميزة في المجتمع.

وما نطرحه في سلسلة هذه المقالات معتمدين على ما لدينا من مادة علمية، وما تحمله من ملاحظات وأفكار هي محاولة تهدف إلى ربط دور النخبة المثقفة بالأهداف والعناصر المحددة التي تخص مجتمعات دول العالم النامي بغرض فهم جهود عمليات التنمية والتحديث الجارية والدور والإسهامات الحالية والمستقبلية للنخب المثقفة في ذلك. وللحديث صلة

***

د. عبد الله جمعة الحاج - كاتب إماراتي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 26 سبتمبر 2025 23:30

الحديث عن الهوية لم يعد سؤالاً فلسفياً معزولاً عن رهانات الواقع، بل هو جوهر التحولات التي يعيشها الإنسان المعاصر، حيث تتقاطع فيه الموروثات العميقة مع رياح العولمة الثقافية والفكرية. إنّ الهوية، في جوهرها، ليست قالباً جامداً نحمله من الماضي كما هو، وليست كذلك قناعاً نرتديه وفق متطلبات السوق الثقافية العالمية، بل هي سيرورة مستمرة من إعادة التشكيل، تجمع بين الذاكرة الجمعية والانفتاح الواعي على الآخر.

فالمجتمعات الشرقية اليوم، وهي ترزح تحت ثقل تاريخ طويل من القيم الروحية والمرجعيات الدينية، تجد نفسها في مواجهة عقلانية حداثية غربية تشكّل خطاباً كونياً يدعو إلى الحرية الفردية، وإلى تحرير الفكر من القيود التقليدية. هذا التداخل بين المرجعيتين يولّد توتراً وجودياً وفكرياً: هل ننتمي لما كنّا عليه، أم لما نطمح أن نكونه؟ أم أنّ الانتماء ذاته فعل إبداعي لا يكتمل إلا بقدرتنا على الجمع بين الأصالة والمعاصرة؟

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد الهويات أو تنوّع مصادرها، بل في تحويل الدين أو التراث إلى أداة أيديولوجية مغلقة تُستعمل لتقييد العقل، وإخضاع الفنون والآداب والفكر لمنطق السياسة. فحين تتحوّل المرجعيات الروحية إلى وسيلة للصراع على السلطة، تنكمش الهوية إلى شعار، وتفقد بعدها الإنساني الشامل.

الهوية الحيّة، كما أراها، ليست انغلاقاً على الذات ولا ذوباناً في الآخر، بل وعيٌ نقدي يتيح لنا أن نتفاعل مع القيم الكونية للعقل والحرية والكرامة، دون أن نفقد صلتنا بعمقنا الروحي والأخلاقي. وهي في هذا المعنى ليست ثنائية «شرق/غرب»، بل مجالٌ رحب تتجاور فيه الرؤى، ويتقاطع فيه الإبداع الإنساني.

من هنا، يصبح التعدد خياراً وجودياً لا تنازلاً اضطرارياً، لأنّ الإنسان الواحد قادر على حمل أكثر من بعد، وعلى الانتماء إلى أكثر من أفق في الوقت ذاته. وفي زمن تتسارع فيه موجات العولمة، تظلّ مسؤوليتنا أن نحافظ على خصوصية هويتنا، لا بإغلاق الأبواب، بل بقدرتنا على أن نكون طرفاً فاعلاً في الحوار الحضاري، وأن نحوّل هذا الحوار من ساحة صراع إلى مجال للإثراء المتبادل.

إنّ تحرير الهوية من ثنائية الصدام أو الذوبان، وفتحها على أفق التعدد الواعي، هو السبيل لتجاوز الانقسامات الموروثة، ولتأسيس وعي إنساني قادر على مواجهة تحديات الحاضر دون أن يتنكر لجذوره. ففي النهاية، الهوية ليست مجرد بطاقة تعريف ثقافية، بل هي مشروع وجودي مفتوح، نصنعه نحن بقدر ما نصنع أنفسنا.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 30 سبتمبر 2025 23:25

 

خدمت أغراضاً مشخّصة في حقبة الحرب الباردة بخاصة

يمرُّ بي في قراءاتي اليومية المنتظمة حشدٌ من الأسماء في شتى الألوان المعرفية، ولو أردتُ الاستزادة في حقل من تلك الحقول المعرفية فلا بدّ من القراءة المعمّقة فيها. أوّلُ ما أفعله عند القراءة هو البحث في السيرة الخاصة بالكاتب. لو قرأتُ موضوعاً من غير معرفة مقبولة بكاتبه لما استساغت نفسي القراءة ولحسبتُها منقوصة وغير منتجة. المثيرُ أنني وجدتُ أنّ معظم من قرأت لهم -من علماء أو اقتصاديين أو سياسيين، إلخ- حازوا تدريباً فلسفياً -أو على الأقلّ ذائقة فلسفية رصينة- أعرف أنّها لن تكون مطواعة للمرء بغير كثير دراسة وقراءات متمرّسة. وكثيراً ما تساءلت: كيف للفلسفة التي يراها معظمنا حبّاً مجرّداً للحكمة أن تكون مطمحاً لكثيرين؟ ما سرُّها المكنون؟ كيف لهذا المنشط البشري المفترض فيه أن يتعالى عن الانشغالات العادية لمعظم البشر أن يكون جاذباً للدراسات الجامعية في عصر صارت الجامعات فيه تشكو قلّة تخصيصاتها المالية في حقل الإنسانيات عامةً وصارت منساقة لمتطلبات التقدم التقني الصارمة؟ بدا لي منذ زمن بعيد أن ثمّة قصوراً معرفياً مخفياً في فهمنا لكيفية تشغيل الماكينة الفلسفية في عصرنا. بعض أسباب هذا القصور قصديٌّ لا يُراد الكشف عنه لأنّه جزء من ألاعيب السياسة. نعم، الفلسفة ليست بنية فكرية معزولة عن السياسة والآيديولوجيا، وكثيراً ما خدمت أغراضاً مشخّصة في حقبة الحرب الباردة بخاصة.

لو استثنيْنا الجغرافيا الأميركية -بسبب خصوصية موضوعاتها ومقارباتها الفلسفية- من الخريطة الفلسفية العالمية فستكون الفلسفة متوزّعة بين اثنتيْن: الفلسفة القارية Continental Philosophy، والفلسفة التحليلية Analytic Philosophy. الفروقات بين الفلسفتيْن جليّة واضحة: الفلسفة القارية لها تقاليدها المطبوعة بمواريث الفلسفتين الألمانية والفرنسية، حيث يُسمعُ صدى الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) والميتافيزيقا والتمثلات الرمزية للمعرفة واضحاً؛ في حين أنّ الفلسفة التحليلية ادّعت -أو أراد لها آباؤها المؤسّسون- أن تكون الفلسفة الحقيقية، وكلّ ما سواها زيف ووهمٌ كبير. شاعت تقاليد الفلسفة التحليلية في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما زالت مواريثها فاعلة في المشهد الفلسفي العالمي حتى اليوم.

سعى الآباء المؤسسون للفلسفة التحليلية لتكون الفلسفةَ الطاغيةَ في جامعات العالم الأنغلوساكسوني كما في فضاء الثقافة العامة تحت مسمّيات شتى: الفلسفة الوضعية المنطقية - فلسفة التحليل اللغوي... إلى جانب تأكيد هؤلاء الآباء أنّ الفلسفة التحليلية هي الفلسفة الوحيدة التي تستحقُّ أن تكون فلسفة علمية (أو داعمة للعلم ومحفّزة للتفكير العلمي)؛ فقد ادّعوا أنّ تقاليد الفلسفة التحليلية متعالية على الواقع ومجاوزة له، وذات صبغة حيادية تجاه المتغيرات السياسية والاجتماعية؛ وبالتالي فهي خالدة وأبدية على العكس من الفلسفات الأخرى التي تنشأ من النزوعات الفردية أو التأمّلات الشخصانية أو الدوافع المصطبغة بلون آيديولوجي محدّد المعالم والتوجّهات. الفلسفة فوق السياسة والآيديولوجيا ومحايدة في التعامل معهما: هكذا ادّعت الفلسفة التحليلية على لسان مؤسسيها.

كريستوف شورينغا Christoph Schuringa، بروفسور الفلسفة في جامعة نورث إيسترن في لندن، والمختصّ بالفلسفة الألمانية والدراسات الهيغلية، لا يتّفق مع رؤية الآباء المؤسسين للفلسفة التحليلية، وسعى لتفنيد رؤيتهم في كتاب حديث له نشرته دار نشر Verso عام 2025 بعنوان تاريخ اجتماعي للفلسفة التحليلية: A Social History of Analytic Philosophy.

يعلن شورينغا في مقدّمة كتابه أنّ هدفه ينطوي على فحص الكيفية التي تطوّرت بها الفلسفة التحليلية لا من الزاوية الفكرية فحسب بل من سياقاتها الاجتماعية والسياسية. بكلمات أكثر تأكيداً ووضوحاً: سعى شورينغا لبيان كيف أنّ الفلسفة -التي كثيراً ما تُقدّمُ على أنها محايدة أو «خارج التاريخ» أو «خارج السياسة» لا يمكن فهمها إلا في علاقاتها بالمؤسسات، وبالهجرة، وبالسلطة، وبالآيديولوجيا -أي في سياق الحراك الاجتماعي والفعالية السياسية، وليست تمثلاً لنزوعات فكرية خالصة.

***

كثيرةٌ هي الأفكار الجوهرية التي يسعى شورينغا لتأكيدها في كتابه هذا. منها أنّ الفلسفة التحليلية ليست غير سياسية Apolitical؛ إذ يؤكّد شورينغا أنّ الفلسفة التحليلية كانت دوماً متأثرة بالقوى الاجتماعية والسياسية حتى لو حاولت الفلسفة التحليلية أن تظهر بمظهر الاكتفاء الذاتي. مثلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، ومع فترة صعود المكارثية في الولايات المتحدة، تراجعت الأشكال السياسية والحركات اليسارية داخل الفلسفة التحليلية بسبب الخوف من الملاحقة أو الانتقام السياسي. الفكرة التالية هي أنّ أصول الفلسفة التحليلية مختلطة ومتعددة المصادر، ونتاج حركات مختلفة، ومؤثّرات متعددة -أوربية بالتحديد- قبل أن تتوحّد في شكل تقريبي لتشكّل ما تُعرف اليوم بـ«الفلسفة التحليلية» كتيار مهيمن. هذه الحركة نحو التوحيد حصلت بعد الحرب العالمية الثانية.

الفكرة الثالثة التي يؤكّدها شورينغا هي دَوْرُ المؤسسات التعليمية والمؤسسات البحثية والدور الأكاديمي للجامعات في تعزيز وإشاعة سطوة الفلسفة التحليلية، حيث أصبح هذا التيار الفلسفي جزءاً من النخبة الأكاديمية في البلدان الناطقة بالإنجليزية (العالم الأنغلوساكسوني). هكذا صار التيار الفلسفي التحليلي لا يُطرح فقط على أنه موقف فكري بل بوصفه تشكيلاً مؤسساتياً راسخاً للقوة المعرفية. ثمّ يوردُ شورينغا فكرة أخرى هي خصيصة ملازمة للفلسفة التحليلية، وتكمن في قوة الاستمرارية والتجديد الفلسفي؛ ممّا جعل هذه الفلسفة قوية وقادرة على (إعادة اختراع نفسها). ليس بالضرورة أن يحصل هذا الأمر بإطلاق تيارات جديدة شامخة؛ بل بإعادة تأطير المشكلات، وبإدخال مناهج جديدة، أو بالانفتاح على التيارات الأخرى مع المحافظة على البنية المعرفية التأسيسية الأولى. بعد هذه الأفكار يشير شورينغا إلى فكرة أساسية مفادُها أنّ الفلسفة التحليلية خدمت كآيديولوجيا الوضع الراهن Status Quo Ideology؛ بمعنى أنّ التيار الفلسفي التحليلي يخدم -إلى حد كبير- النظام السياسي القائم من خلال طريقة تفكيره، وتركيب مؤسساته، وسلطته المعرفية؛ إذ إنه غالباً ما يميل إلى دعم الواقعيات السياسية والفكرية الليبرالية بوصفها (الافتراض الطبيعي المقبول والمفيد). هذا يعني بالضرورة استبعاد -أو على الأقلّ تهميش- التيارات السياسية النقدية أو الراديكالية كالماركسية مثلاً. تحصل المقاربة التهميشية عبر المبضع التحليلي من خلال إعادة دراسة هذه التيارات السياسية لتصبح أقلّ راديكاليةً لدى الجمهور العام. الفكرة الأخرى التي يؤكّدها شورينغا في كتابه (وقد تبدو غريبة بعض الشيء) تكمنُ في أنّ الفلسفة التحليلية، بفضل هيمنتها، تمارس دور استعمارٍ معرفي؛ أي عندما تدخلُ المناهج النقدية مثل: الغزو الاستعماري، والعدالة الاجتماعية، ونظرية العرق، والتأريخ الاستعماري، فإنها تتعرض لتأطير أو إعادة تكييف بحيث لا تهدّد الأسس الفكرية للنظام السياسي القائم.

***

بعد مقدمة مكتنزة بالمعرفة وممهّدة للكتاب، يقدّم شورينغا في الفصل الأوّل مسحاً تاريخياً لبدايات وأصول الفلسفة التحليلية؛ فيؤكّد أنّ هذه الفلسفة لم تولَد كتيار متجانس بل من جذور أوروبية متفرقة (فريغه، وراسل، وفيتغنشتاين، وتيّار الوضعية المنطقية). ثمّ حصل مع الحرب العالمية الثانية أن هاجر الكثير من الفلاسفة (وبخاصة من فيينا وألمانيا) إلى بريطانيا وأميركا؛ الأمر الذي ساعد على انتشار هذا النمط من التفكير الفلسفي. النقطة الأساسية في هذا الفصل هي أنّ الهجرة السياسية غيّرت الخريطة الفلسفية.

يتناول شورينغا في الفصل الثاني المعنون «الفلسفة والسلطة بعد الحرب» كيف أصبح التيار التحليلي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية هو المسيطر في الجامعات الأنغلوساكسونية، كما حصل ترسيخٌ لفكرة أنّ الفلسفة التحليلية «محايدة» و«علمية»؛ لكن هذه الحيادية نفسها كانت خياراً سياسياً لتجنّب الصراع الآيديولوجي وتحييد الماركسية. اختار شورينغا للفصل الثالث عنوان «المؤسسات الأكاديمية»، وأوضح فيه أنّ هيمنة الفلسفة التحليلية لم تكن مجرد تفوق فكري بل نتيجة بنية جامعية. الأفكار (الفلسفة، لا فرق) لا تعيش بغير دعم مؤسساتي راسخ وبنية أكاديمية متقدّمة. ركّزت أقسام الفلسفة في بريطانيا وأميركا على التحليل اللغوي والمنطقي، وهذا بدوره عزّز سلطة النخب الأكاديمية، وأقصى التيارات الأخرى (مثل الفلسفة القارية، والماركسية، والفلسفة النقدية). بمعنى آخر: المؤسسات كرّست «الاحتكار» الفكري للفلسفة التحليلية.

في الفصل الرابع المسمّى «الاستمرارية وإعادة الاختراع» يؤكّد شورينغا استمرارية التقاليد الفلسفية التحليلية الكلاسيكية؛ لكنّه يؤكّد في الفصل الخامس -الذي اختار له عنواناً كاشفاً (الآيديولوجيا المستترة)- أنّ الفلسفة التحليلية غالباً ما خدمت النظام الليبرالي القائم لأنها تتعامل مع مشكلات معرفية وتقنية أكثر من قضايا اجتماعية-سياسية مركّبة مثل العدالة أو السلطة، ولأنّها تعطي صورة أنّ «الموضوعية» هي الحل، مما يُضعف النقد الراديكالي للمنظومة السياسية.

أما الفصل السادس والأخير في الكتاب فقد خصّصه شورينغا لمعالجة موضوعات كثيرة تقع في نطاق الاستعمار المعرفي الذي كرّسته الفلسفة التحليلية.

***

كتاب شورينغا نمطٌ من المصنّفات الفلسفية التي أتمنّى أن تشيع بدلاً من الاكتفاء بالقراءات الكلاسيكية المعهودة التي تتناول تاريخ الفلسفة في ترتيب تحقيبي زمني أو موضوعاتي أو جغرافي. ذكّرني كتابُ شورينغا بالمقولة الشائعة بأنّ الفلسفة تحرّضُ على التفكير النقدي Critical Thinking. هذا صحيح في سياق الفكرة العامة؛ ولكن ماذا لو علّمك الفلسفة في المدرسة مدرسٌ غارق في الأصولية الآيديولوجية؟ الأمر رهنٌ بكل فرد منّا في نهاية المطاف، وهو وحده من يستطيعُ تحديد شكل القراءات التي تصنَّفُ أنّها «خارج صندوق» المشغل الفلسفي الكلاسيكي. هكذا تتضح الرؤية، وترتقي الذائقة الفلسفية ويصبح المرء جزءاً فاعلاً في الحراك الفلسفي العالمي.

***

لطفية الدليمي

عن جريدة الشرق الأوسط للندنية، يوم: 24 سبتمبر 2025 م ـ 02 ربيع الثاني 1447 هـ

المسافة الفكرية بيننا وبين أوروبا 200 سنة على الأقل

تشكل الرومنطيقية إحدى الحركات الكبرى في تاريخ الآداب الفرنسية. ولكنها، على عكس ما نظن، ليست حركة أدبية أو شعرية فقط. وإنما هي حركة فلسفية ضخمة رافقت كل الثورات السياسية الكبرى أو ما يدعى بربيع الشعوب الأوروبية. وقد ازدهرت الحركة الرومنطيقية وبلغت أوجها على أيدي كتاب كبار، ليس أقلهم شاتوبريان، أو فيكتور هيغو، أو جيرار دو نيرفال، أو ألفريد دوموسيه، أو لامارتين، أو سواهم... وعندما نقرأهم نجد الفكرة الأساسية التالية التي تهمنا نحن المثقفين العرب أيضاً: وهي أنها تربط بين اندلاع الحركة الرومنطيقية شعرياً وأدبياً واندلاع الثورة الفلسفية التنويرية الكبرى: أي ثورة الأزمنة الحديثة التي تحترم حقوق الإنسان وكرامته وتجلها وتقدسها أياً يكن. فهذه الثورة الكبرى أو القطيعة الكبرى قسمت تاريخ أوروبا إلى قسمين: ما قبلها وما بعدها. ولكن بما أن العالم القديم لا يمكن أن يموت مرة واحدة، وبما أن العالم الجديد لا يمكن أن يولد دفعة واحدة، فإن الجيل الذي عاش بينهما شهد كثيراً من التمزقات النفسية والانهيارات الداخلية والتذبذبات. إنه جيل العبور الصعب والاحتراق النفسي بالمعنى الحرفي للكلمة. وهذه هي سمة العصر العربي المشتعل حالياً. مَن يستطيع أن ينكر ذلك؟ نعم، نحن جميعاً رومانطيقيون أو فجائعيون بشكل من الأشكال. نحن جميعاً منكوبون ومتمزقون في مجتمعات منكوبة ومتمزقة ومتذبذبة بين بين. ولن تستقر وتهدأ قبل وقت طويل. هذه صيرورة طويلة ومعقدة تتجاوزنا جميعاً. ومعلوم أن هذه التمزقات والانهيارات النفسية التي يشهدها المثقف العربي حالياً هي التي كان مثقفو أوروبا قد شهدوها في القرن التاسع عشر قبل الثورة الفرنسية وفيما بعدها. بل واحترقوا بحر نارها. يقول شاتوبريان معبّراً عن هذه النقطة بكل وضوح:

(لقد وجدت نفسي على مفترق قرنين، كما يجد المرء نفسه على مفترق نهرين. وقد غطست في المياه المضطربة مبتعداً بحسرة عن الشاطئ القديم حيث ولدتُ، وسابحاً نحو الشاطئ الآخر المجهول الذي سوف تصل إليه الأجيال المقبلة، والذي لن أراه بأم عيني).

وهذا تصوير من أجمل ما يكون لعملية النقلة أو القطيعة التي تمزقنا نحن الآن. نحن أيضاً لن نرى الشاطئ الآخر. لن نصل إليه مهما حاولنا. لا يزال بعيداً. سوف تصل إليه الأجيال المقبلة، فهنيئاً لها. ينبغي العلم بأن شاتوبريان وُلِد وعاش نصف عمره تقريباً في القرن الثامن عشر، أي قبل الثورة الفرنسية الكبرى، ثم عاش نصف عمره الآخر في القرن التاسع عشر، أي بعد الثورة (1768 - 1848). وبالتالي فقد شهد كلا العالمين، القديم والجديد. ولم يكن من السهل عليه أن يحدث القطيعة مع العالم القديم الذي وُلِد فيه ونشأ وترعرع في أحضانه. وهو عالم مسيحي، كاثوليكي، زراعي، ريفي في معظمه. هذا في حين أن العالم الجديد ابتدأ يصبح علمانياً، صناعياً، تكنولوجيّاً، فلسفياً مضاداً للدين المسيحي عموماً، أو قل للأصولية المسيحية لكي نكون أكثر دقة؛ فالحداثة لم تكن ضد الدين في المطلق، وإنما ضد التصور الانغلاقي التكفيري القديم للدين. الحداثة ولّدت تأويلاً جديداً منعشاً جداً للدين المسيحي. وهو الذي أنقذ أوروبا من براثن العصور الوسطى والحروب الأهلية والمجازر. نقصد بذلك التأويل المستنير المتسامح المضاد للتأويل الأصولي القديم. ولكن ذلك لم يتم دون مخاضات عسيرة وصراعات هائجة بين الحزب الكاثوليكي الراسخ والحزب العلماني الصاعد. لقد شغل هذا الصراع المحتدم الضاري القرن التاسع عشر كله، بل وحتى منتصف القرن العشرين. وهذا الصراع أو المخاض هو الذي ابتدأنا نعيشه نحن في العالم العربي حالياً. وبالتالي فالمسافة الفكرية بيننا وبين أوروبا هي 200 سنة على الأقل. ما عاشوه وعانوه قبل مائتي سنة نعيشه نحن الآن ونعانيه. لذلك قلت وأقول إن الزمن العربي الإسلامي غير الزمن الأوروبي. بينهما يوجد تفاوت تاريخي كبير. وينبغي أن نأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار لكي نفهم ما يحصل حالياً. هذا لا يعني أننا سنقلدهم في كل شيء. أبداً. أبداً. فانحرافات الحداثة المادية الإلحادية وانزلاقاتها التي حصلت مؤخراً نحن في غنى عنها. ولا يمكن أن نقبل بها. وبالتالي فهذه القطيعة الكبرى التي نحلم بها لن تكون مع الدين ذاته ولا مع التراث العربي الإسلامي العظيم المفعم بالقيم الأخلاقية والروحية والإنسانية. وإنما ستكون فقط مع المفهوم الظلامي والتكفيري والإبادي للأصولية الدينية والفصائل المتطرفة.

لكن لنعد إلى الصعيد الأدبي والشعري المحض. في الواقع، فإن الحركة الرومنطيقية الفرنسية يمكن حصرها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وبالتحديد بين عامي 1800 - 1869. بهذا المعنى، فإن بودلير نفسه ينتمي إلى الحركة الرومنطيقية بالمعنى النبيل للكلمة، أو قل إنه يضع رجلاً هنا ورجلاً هناك: أي رجلاً في الحداثة ورجلاً فيما قبل الحداثة. وهذا يعني أن بودلير كان آخر الرومنطيقيين وأول الحداثيين. والأمر ذاته ينطبق على جيرار دو نيرفال الذي سبقه بسنوات قليلة. لقد أغلق بودلير المرحلة الرومنطيقية في الشعر، ودشن المرحلة الحداثية، دون أن يعني ذلك أن الرومنطيقية ليست حداثة؛ فالواقع أنها تمثل الحداثة الأولى والكبرى إذا جاز التعبير، بعدئذ سوف تجيء الحداثة الثانية التي لا نزال نعيش فيها حتى الآن. ولكن الحداثة الشعرية لم تكن شعرية فقط، وإنما فكرية أيضاً. لم تكن فقط كسراً للأوزان والقوافي، وإنما كسراً لكل الأفكار والحساسيات التقليدية المصاحبة لهما. كانت تنطوي على مضمون فلسفي عميق. ولهذا السبب كرهها التراثيون في العالم الفرنسي والعالم العربي على حد سواء وشنوا عليها الحملات الشعواء. بل واعتبروها وكأنها بمثابة انتهاك للمقدسات. ذلك لأنها كانت ثورة الشكل والمضمون في آن معاً. لقد كانت ثورة الحرية والانفجار الغاضب بعد طول احتقان. لقد كانت تحريراً هائلاً للطاقات المكبوتة. لقد أدَّت الحداثة إلى تحطيم الأشكال الكلاسيكية وانهيار القديم. بهذا المعنى، فالانهيارات شيء إيجابي جداً وخلاق ضمن حركة التاريخ. ولكن رافق كل ذلك نوع من الهلع والجزع أمام العالم الجديد الذي ينفتح أمام الشاعر على مصراعيه. لنستمع إلى أحد كبار الشعراء الرومنطيقيين الفرنسيين، ألفريد دوموسيه، يتحدث عن تلك الفترة، عن تلك القطيعة المرة:

«واأسفاه! لقد انتهت أصولية الدين المسيحي الراسخة بعد الثورة الفرنسية. انتهى كل شيء كنا قد تربينا عليه طيلة قرون وقرون. ولم يعد لنا أي أمل. لم نعد ننتظر أي شيء من غياهب المجهول. وأما شمس المستقبل فلم تبزغ بعد. يا له من ظلام حالك يطبق على وجه الأرض! وعندما يطلع الفجر الجديد سوف نكون قد متنا...».

وأما جيرار دو نيرفال فيعبر عن الفكرة ذاتها، قائلاً ما معناه: «لقد أصبح الإيمان الأصولي القديم مستحيلاً في هذا العصر. ونحن الذين وُلدنا في أيام الثورات الكبرى والأعاصير، حيث انهارت جميع العقائد التراثية الراسخة يصعب علينا أن نجد إيماناً جديداً... من هنا قلقنا ورعبنا. من هنا هلعنا».

بمعنى آخر: نحن جيل القطيعة الكبرى، نحن جيل الاحتراق والعبور. نحن جيل الموت والولادة في آن معاً. ولكننا واأسفاه سوف نشهد موت العالم القديم حتى النخاع، دون أن يتاح لنا أن نكحل أعيننا بولادة العالم الجديد... هذا هو قدرنا ومصيرنا... نحن جيل التضحية وكبش الفداء. والعالم الجديد لن ينهض إلا على أنقاضنا. لا أعرف لماذا تذكرني هذه الفكرة بتلك الابيات الرائعة لخليل حاوي:

يعبرون الجسر في الصبح خفافاً

أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق

إلى الشرق الجديدْ

أضلعي امتدت لهم جسرا وطيدْ

هل تنبَّأ خليل حاوي بتلك القطيعة الكبرى التي ستفرض نفسها علينا يوماً ما، شئنا أم أبينا؟ أقصد القطيعة بين القدامة والحداثة، أو بين الأصولية وما بعد الأصولية؟ هل أرهص بها؟ ولكن كل الشعر العربي الحديث أرهص بها. لماذا هاجت عليه الهوائج؟ وهي قطيعة إجبارية محتومة إذا ما أردنا الانتقال من عصر بن لادن وكهوف تورا بورا إلى عصر الهواء الطلق والحداثة والحرية؟ على أي حال، يبدو أن الشاعر اللبناني أحس بخطورة المسألة ورعبها، وربما لهذا السبب انتحر. مجرد افتراض لا أكثر.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 28 سبتمبر 2025 م ـ 06 ربيع الثاني 1447 هـ

كل شيء متوافر وكل شيء مفقود

عندنا كليات للطب في كل الجامعات تقريباً، فيها جميع التخصصات وعلى رغم كل ذلك فإننا لا نملك منظومة صحية في صحة جيدة (أ ف ب)

ملخص

عندنا أحزاب سياسية كثيرة، الوطنية والإسلامية والعمالية والاشتراكية، أحزاب المعارضة وأحزاب الموالاة، أحزاب بمقار ورؤساء أو أمناء عامين وبصفحات على الـ "فيسبوك"، لا يوجد فيها سوى صورة رئيس الحزب والعلم الوطني، لا نسمع خطاباتها العالية النبرة إلا في مواعد الانتخابات المحلية أو التشريعية، تصرخ لبضعة أيام، تنتهي الوليمة، ثم تعود لبياتها الشتوي في انتظار انتخابات مقبلة، نملك كل هذه الأحزاب والتي يفوق عددها عدد أحزاب كتاب الله، ولا نملك حياة سياسية معافاة وجادة.

هناك خطأ كبير يشبه كرة الثلج يكبر كلما تكور وتكور، يكبر أمامنا وفينا جميعاً، ونحن نتفرج.

شيء غريب يحدث في بلدنا الجميل: كل شيء متوافر وكل شيء مفقود، عندنا وزارة للصحة، وعندنا أطباء وطبيبات بالآلاف المؤلفة، أطباء عامون ومتخصصون، ولدينا مئات المستشفيات الجامعية الكبرى الجديدة منها والقديمة، وآلاف المستشفيات العامة، وآلاف العيادات متعددة الخدمات التابعة للقطاع العام، ومثلها أكثر تلك التابعة للقطاع الخاص: عيادات التوليد، وعيادات جراحة الأسنان، وعيادات الأمراض الداخلية، وعيادات أمراض الحساسية، وعيادات جراحة العظام، وعيادات جراحة العيون، وهلم جرا.

وعندنا كليات للطب في كل الجامعات تقريباً، فيها جميع التخصصات، وعندنا صيدليات مزروعة في كل ركن شارع، ومصانع للأدوية وأخرى لمكملات الأغذية، ومخابر للتحاليل الطبية المجهزة بأحدث الآلات التي تشتغل بالذكاء الاصطناعي، وعلى رغم وجود كل هذه الترسانة من المؤسسات ومن الكفاءات العلمية، وعلى رغم ما تقدمه الدولة سنوياً من موازنات ضخمة لتسييرها وتجهيزها وتجديدها باستمرار، على رغم كل ذلك فإننا لا نملك منظومة صحية في صحة جيدة.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا كتّاب، شعراء وروائيون ونقاد وقصاصون يكتبون باللغات الثلاثة أو الأربعة، العربية والأمازيغية والفرنسية والدارجة، وعندنا سينمائيون حصدوا جوائز عالمية في مهرجانات مرجعية، وعندنا مسرحيون من القامات التي يخلدها التاريخ، وعندنا فنانون تشكيليون لوحاتهم محفوظة في أكبر متاحف العالم، من اليابان إلى بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعندنا مراكز ثقافية في كل بلدية، ومراكز الشباب، ومكتبات للمطالعة العمومية ومكتبات البلدية ومسارح وقاعات للسنيما وأروقة للفنون التشكيلية، ومع ذلك لا نملك حياة ثقافية صحيحة متواصلة ومتجددة وجادة.

ما السبب ومن المتسبب؟

يحدث هذا منذ الاستقلال: عندنا أراض فلاحية واسعة بتربة خصبة ونادرة وتربة متوسطة وأخرى تتطلب التطبيب، أراض تكفي لتغطية حاجات القارة الأفريقية، وعندنا ماء ينزل من السماء بكمية معتبرة، وعندنا ماء ينام في باطن الأرض بحجم البحر، وعندنا سدود وحواجز مائية كثيرة، وعندنا مصانع لتحلية ماء البحر، وعندنا مهندسون فلاحيون بالآلاف في كل التخصصات، وعندنا وزارة للفلاحة بموازنة سنوية تفوق موازنة العامة لكثير من الدول المجاورة، وتمنح الدولة للفلاحين البذور والزرع والأسمدة مجاناً، وتخصهم بالقروض التي لا تتردد في مسحها، وتسهل لهم شراء الآلات الزراعية المطلوبة، وعلى رغم كل ذلك لا نملك فلاحة بمقاييس عالمية، ومع ذلك فنحن غير قادرين على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الخبز والحليب والذرة والبطاطا والثوم والبصل.

ما السبب ومن المتسبب؟

يا سبحان الله، عندنا جبال مبهرة وصحارى مدهشة وبحر بشاطئ طويل يفوق 1400 كيلومتر، وثلج على سلسلة جبال الشريعة وجرجرة والأوراس، ورمل كالتبر وغابات رز وواحات نخل وحقول لوز ومتحف مفتوح بآثار تعود لآلاف السنين، مساحته أكبر من مساحة كثير من الدول الأوروبية، ونملك تاريخاً عريقاً بمعالم عمرانية دينية ومدنية مميزة، وعلى رغم كل هذا الذي وهبتنا الطبيعة فإننا لا نملك سياحة قادرة على أن تكون قطباً اقتصادياً مؤثراً ومركزياً.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا حواضر عريقة، أو ما بقي منها واقفاً شاهداً، وعندنا مدن كثيرة ومتنوعة، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، بحسب تصنيف الوزارة الوصية، عندنا مدن كولونيالية جميلة مدهشة شيدت بسواعد الجزائريين استعادوها من الاستعمار يوم الاستقلال وهي حقهم، أو ما بقي منها، وعندنا في كل مدينة قصبة عتيقة أو ما بقي منها، عندنا شوارع بأعمدة إضاءة عمومية تضيء مصابيحها أو لا تضيء، وأرصفة تصغر وتكبر وتختفي كما يرغب البقال وصاحب الخضراوات والمقهى والنجار وبائع الأثاث وبائع الساعات المهربة وبائع العطور المغشوشة، ومصلّح الهواتف المحمولة وبائع الأدوات المدرسية وبائع أعلام النوادي الرياضية، أرصفة تحفر على مدى العام، يعاد حفرها بين عشية وضحاها، شركة الكهرباء تحفر ثم تردم نصف الردم ولا تسفلت، ثم تجيء شركة الماء فتحفر ثم تردم ربع الردم وتضع قليلاً من القطران السائل الذي يذهب في نعال الخلق، ثم شركة الاتصالات الهاتفية تحفر من أجل مد حبال الألياف البصرية ثم تردم وتنسى جزء كبيراً خلف العمارات وفي الحديقة العمومية وفي موقف السيارات، ثم تأتي شركة لحفر قنوات الصرف الصحي تحفر هي الأخرى بدورها ولا تردم، لأن العقد الموقع معها لا يتضمن التكفل بعملية الردم، الجميع يحفر ويردم ويترك شيئاً غير كامل، والبلدية هي الأخرى تحفر لتستبدل بلاط الرصيف كل عام قبل غلق السنة المالية، والناس الجالسون في المقهى يثرثرون على الرصيف الذي استولى عليه صاحب المقهى، ينتقدون الحكومة ويسبون الوالي ويشربون القهوة ويتكلمون في هواتفهم ويتفرجون على الفيديوهات السخيفة والنكت البذيئة، وبهذا تبدو مدننا الكثيرة الكبيرة والصغيرة والمتوسطة شبيهة بهيكل عظمي لحيوان خرافي، نعم عندنا مدن ولكننا لا نملك سلوكاً مدنياً، عندنا مدن بلا ثقافة المدينة.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا مدارس وثانويات بالآلاف، في المدن والقرى والمداشر، مدارس عمومية وخاصة، وعندنا أطفال جميلون وشباب مليء بالطاقة والذكاء، شأنهم شأن الأطفال والشباب في العالم، 14 مليون تلميذ رقم رهيب، يذهبون كل صباح إلى مؤسساتهم التربوية، يجد كل واحد من الـ 14 مليون مقعداً ومعلماً وكتاباً مدرسياً ووسيلة نقل، خصصت الدولة موازنة لوزارة التربية تفوق موازنة كثير من الموازنات العامة لدول في الجوار، وعلى رغم كل هذا الجهاز المادي والتأطير البشري فإننا لا نملك منظومة تربوية سليمة.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا جامعات ومدارس عليا في كل مدينة وحتى في بعض القرى، نبتت كالفطر، وهذا شيء إيجابي جداً ما في ذلك شك، وعندنا آلاف مخابر البحث ومراكز البحث ومجلات البحث المحكمة، إلا أننا لا نملك فكراً جامعياً، لا نملك حياة جامعية، الجامعة تحولت إلى ما يشبه المدرسة أو حضانة للكبار والجميع فيها منشغل بالتوظيف وبالراتب.

ما السبب ومن المتسبب؟

نعم يا سيدي، عندنا مساجد تعد بالآلاف، والحمد لله، عددها بحسب وزارة الشؤون الدينية والأوقاف يقارب الـ 20 ألف مسجد، من دون حساب المساجد التي بنيت من دون رخص والمساجد الفوضوية وقاعات الصلاة في كل المؤسسات وفي المطارات، كل هذا العدد الهائل من بيوت الله يشرف عليه ويأطره مئات آلاف الأئمة والمرشدين والمؤذنين والخطباء، والذين لهم نقابة تدافع عن حقوقهم الدنيوية قبل حقوقهم السماوية، وقد سبقوا الفنانين والكتّاب في تأسيس نقابتهم، وعلى رغم هذا العدد الهائل من بيوت الله وهذه الصلوات التي تقام فيها خمس مرات في اليوم، على رغم كل ذلك فإننا لا نملك أخلاقاً.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا أحزاب سياسية كثيرة، الوطنية والإسلامية والعمالية والاشتراكية، أحزاب المعارضة وأحزاب الموالاة، أحزاب بمقار ورؤساء أو أمناء عامين وبصفحات على الـ "فيسبوك" لا يوجد فيها سوى صورة رئيس الحزب والعلم الوطني، لا نسمع خطاباتها العالية النبرة إلا في مواعد الانتخابات المحلية أو التشريعية، تصرخ لبضعة أيام، تنتهي الوليمة ثم تعود لبياتها الشتوي في انتظار انتخابات مقبلة، نملك كل هذه الأحزاب والتي يفوق عددها عدد أحزاب كتاب الله، ولا نملك حياة سياسية معافاة وجادة.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا بنوك بأسماء مختلفة لكنها متشابهة، البنك الوطني والبنك الخارجي وبنك الفلاحة وبنك التنمية وبنك التوفير وبنك البركة وبنك البريد وغيرها، فيها أكياس متراكمة من الأوراق النقدية بالعملة الأجنبية وبالعملة الوطنية، وفيها موظفون وموظفات، ومديرون ومديرات، برواتب عالية وبربطات عنق، وعلى رغم كل هذا لا نملك ثقافة المال الذكي.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا قنوات تلفزيونية كثيرة خاصة وعامة، متشابهة كالتوائم أو كقطط الحمل الواحد لا فرق بين هذه وتلك، وعندنا صحافيون يحسنون العربية ومذيعات محجبات وأخريات طبيعيات وبرامج للطبخ والرياضة والمآسي والرقية والجن، عندنا كل هذا ولا نملك منظومة إعلامية جادة قادرة على تشكيل وعي نقدي جمعي.

ما السبب ومن المتسبب؟

عندنا لغات كثيرة نتعلمها ونقرأ بها، نكتب بها ونعيش بها، الفرنسية والعربية الفصيحة والدارجة والأمازيغية بتنوعها القبائلي والميزابي والشاوي والتارقي، ونطمح إلى تعليم هذا الشعب الإنجليزية، لغة شكسبير نكاية في لغة موليير، ولنا كتّاب بهذه اللغات جميعها، كتّاب مشهورون في الغرب والشرق وآخرون أقل شهرة، ولكننا لا نملك تنوعاً فكرياً، الكل يفكر كالكل، الجميع يشبه الجميع.

ما السبب ومن المتسبب؟

السبب أننا أعطينا الأولوية لبناء الحجر قبل أن التفكير في بناء البشر.

***

أمين الزاوي كاتب ومفكر

عن موقع اندبندنت عربية، يوم: الخميس 25 سبتمبر 2025 0:10

ليس النص القرآني خطاباً من الإنسان إلى ذاته، ولا لغة ثقافية نتجت عن سياقها، ولا أثراً موقّتاً في زمنٍ عابر، بل هو تنزُّل من علٍ، يفيض من الغيب على التاريخ، لا ليذوب فيه، بل ليمنحه معناه. ومِن هنا، فإنّ كل محاولة لقراءة القرآن بوصفه «منتَجاً ثقافياً» هي، في عمقها، قراءة تنطلق من مركزية الإنسان لا مركزية الوحي، ومِن هيمنة التاريخ لا من سلطان الغيب.. فتؤول – ولو عن غير قصد – إلى نفيٍ صامت لقداسته!

إنّ أعظم ما يميّز النصَّ القرآني أنه مفارِق للتاريخ من حيث مصدره، ومتصِل بالتاريخ من حيث مخاطبته للإنسان. وهذه المفارقة هي ما يغفلها دعاة القراءة «التاريخية»، حين يجعلون من النص الإلهي مجرّدَ بنية لغوية ثقافية، تنتمي إلى القرن السابع الميلادي، وتعبّر عن تصوراته وقضاياه. بيد أنّ الوحيَ، كما يقدمه القرآنُ نفسُه، ليس ناتجاً عن الزمن، بل هو فاعل فيه، نازعٌ لأوهام العادة، ومنبِّهٌ للضمير، وصادعٌ بكلمة الحق، لا تابع لمزاج اللغة أو عرف الجماعة.

لقد نزل القرآن الكريم بالعربية، لكن اللسان لم يصنعه، بل اصطفاه الله له، كما قال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (الزخرف: 3). فالقرآن نزل بالعربية لا ليُختزل فيها، بل ليُعلِّمها، ويُهذّب بنيتَها، ويملأها بمدد الغيب. ومَن ظنّ أن اللغةَ تَحكم النصَّ، إنما يجعل مِن القالب سيداً على الجوهر، ومِن الوعاء مُنشئاً للماء، وهذا انقلاب في سلّم الفهم وفي منطق التدبر.

ثم إنّ القولَ بتاريخية النص لا يقف عند حدود اللغة، بل يمتد ليطالَ الدلالةَ. والحقُّ أن النصَّ الذي وصف نفسَه بأنه «كتابٌ مبين» و«نورٌ من الله» لا يمكن أن تكون دلالاتُه منقطعةً بانقطاع السياق الذي نزل فيه، وإلا انتفى وصف البيان. فكيف يكون بياناً لمن بعده إن كان لا يتجاوز زمنَ نزوله؟ إنّ مَن يتحدث عن «نهاية صلاحية الدلالة» إنما يُختزل الوحيَ في حدود الظرف، في حين أن الآيات قد بيّنت أنَّ في النص متجدداً لا ينفد: «وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (لقمان: 27).

إن الأزمةَ ليست في ثبات النص، بل في اضطراب القراءة، ولا في قدسيته، بل في تفريط العقول المعاصرة التي استبدلت خشيةَ الوحي بسلطة التأويل، ونصاعةَ البيان القرآني بتعقيد أدوات التفكيك الفلسفي. يقال إن القول بقداسة النص يفضي إلى تعطيل العقل، لكن الحقيقةَ أن مَن يؤمن بقدسية النص لا يقتل عقلَه، بل يطهّره من الادعاء، ويُعيده إلى موقعه كوسيط في الفهم لا كخالق للمعنى. إن منطق الغيب، لا منطق التاريخ، هو الذي يؤسس لسلطان الوحي. والقرآن لم يأتِ ليواكبَ التحولات الثقافية، بل ليعيد توجيهَها نحو غايات التزكية والتوحيد والعدل. والآيات التي نزلت في لحظات تاريخية مخصوصة لم تُربط بها ربطاً قطعياً، بل فُتح باب التدبر والتأويل على اتساعه، دون أن يُلغى البعد الثابت أو تُمحى القيم المطلقة.

أما مَن يجعل النصَّ مجردَ «منتَج ثقافي»، فقد وقع في إسقاط معرفي خطير، إذ جعل مِن الإنسان «مشرِّعاً على الله»، ومِن النص رهينةً لشرط النزول. وهذا قلبٌ لحقيقة الرسالة التي ما فتئت تذكِّر بأن الله هو الفاعل الأعلى، وأن الإنسانَ هو المتلقِّي المُكلَّف.

إن النص القرآني، في جوهره، تنزُّل لا تَأثّر، وبيانٌ لا وثيقةٌ، وهدايةٌ لا مادةُ تحليل.. ومَن يقرأه بوصفه منتَجاً تاريخياً قد يَفهم بعضَ وقائعه، لكنه يفقد روحَه، أما مَن يُنصت إليه كما أُنزِل، فلا يقف على معانيه فحسب، بل يُنصَف بها، ويُستنار بها، ويُطهَّر بها.

ولذلك، فإن تحرير القول في القرآن لا يكون بفصله عن السماء، بل عبر تأكيد ارتباطه بها. ومَن لم يَفهم هذه العلاقةَ، لن يفهم مِن القرآن إلا صوتَه، دون نوره.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 24 سبتمبر 2025

منذ بداياتها الحديثة في القرن الثامن عشر، ظلّت الرواية تُقرأ وتُكتب تحت لافتة الفن، بوصفها الجنس الأدبي الأكثر قدرةً على استيعاب الشخصيات والأحداث والأزمنة والفضاءات. وقد منحت القارئ متعة التخييل وفرصة التأمل في الحياة من خلال منظار خيالي، وجعلته يشارك في تجربة فنية تستدعي الحواس والخيال معاً. غير أن التاريخ الأدبي يكشف أنّ الرواية، في كثير من محطاتها، لم تكن تكتفي بمهمتها الجمالية، بل أدّت أدواراً تجاوزت الفن البحت، لتدخل في قلب النقاشات السياسية والاجتماعية، سواء كان ذلك تصريحاً أو إيحاءً ضمنياً. ومن هنا برزت الفكرة التي ألمح إليها عددٌ من الروائيين في تجاربهم، الرواية يمكن أن تكون أداة من أدوات الحوار الفكري، وأنها قد تسهم في تشكيل الوعي الجمعي بقدر ما تقدم متعة جمالية.

الرواية، في هذا المنظور، تتحوّل إلى منبر طويل المدى، يختلف عن الخطبة السريعة أو المنشور قصير العمر. فهي نص يمتلك أدوات الإقناع، حبكة متماسكة تمسك بالانتباه، وشخصيات تنمو وتثير التعاطف أو النفور، ولغة تجمع بين الإيحاء الفني والحِجاج الفكري. وحين يُوظَّف هذا البناء لخدمة قضية عامة أو للتعبير عن رؤية تجاه مجتمع أو سلطة، فإن أثره يكون أعمق من أي خطاب مباشر، لأن الرواية لا تخاطب العقل وحده، بل تنفذ إلى الوجدان، وتستثير الخيال، وتخلق تجربة شعورية تجعل القارئ يعيش الفكرة قبل أن يقتنع بها.

أمثلة ذلك عديدة؛ فهناك الرواية السياسية الصريحة التي تحوّل أحداثها وشخصياتها إلى مرآة مباشرة لواقع قائم، مثل روايات جورج أورويل: «1984» و«مزرعة الحيوان»، أو رواية آرثر كوسلر: «ظلمة عند الظهيرة» التي قدّمت نقداً داخلياً للنظام السوفياتي من خلال تصوير المحاكمات السياسية. هذه الأعمال لم تُكتب لمجرد إبراز براعة أسلوبية أو ابتكار شكلي، بل جاءت من شعور عميق بضرورة التدخل في النقاش العام وتحذير القراء من مسارات قد تقود إلى الاستبداد.

غير أن الدور السياسي للرواية لا يقتصر على الأعمال المباشرة، بل قد يظهر بصورة ضمنية أكثر عمقاً. فديستويفسكي، مثلاً، لم يكتب رواياته ليصدر بيانات سياسية، لكنه من خلال شخصياته الممزقة وأسئلته الوجودية الكبرى عن الحرية والسلطة والعدالة، فتح للقارئ مجالاً رحباً لتأمل هذه القضايا. وكذلك فعل نجيب محفوظ، الذي وثّق تحولات مصر السياسية والاجتماعية على مدى عقود، وجعل القارئ يعيش تفاصيلها من الداخل عبر شخصياته التي تمثل طبقات وشرائح المجتمع. في مثل هذه الأعمال، السياسة لا تظهر شعاراً، بل خلفية خفية توجه الأحداث وتشكل المصائر.

في المقابل، هناك اتجاه أدبي عُرف بـ«الفن للفن»، يرى أن القيمة الجمالية للرواية تكمن في استقلالها عن أي غرض خارجي، وأن إخضاع الفن لغايات سياسية يهبط به إلى مستوى الدعاية. لكن هذا الموقف يتجاهل أن كل عمل أدبي مرتبط، بشكل أو بآخر، بسياقه الزمني والمكاني. فالكاتب حين يختار موضوعاً أو شخصية أو أسلوباً لغوياً، فإنه يكشف عن رؤية للعالم، وهذه الرؤية قد تحمل أثراً سياسياً حتى لو لم يُصرَّح به. الرواية إذن ليست خطاباً محايداً بالكامل، لأنها تعكس قيماً وأفكاراً ووجهات نظر تسهم في تشكيل وعي القارئ.

حتى الروائي الذي لا ينتمي إلى حزب أو تيار سياسي، لا يعزل نصه عادة عن قضايا عصره، بل يتعامل مع الرواية باعتبارها وسيلةً لاستكشاف القيم والأفكار. فهي ساحة لاختبار المواقف والرؤى، قادرة على خوض معارك فكرية بأسلوب فني بعيد عن الخطابة المباشرة. القارئ حين يدخل عالَم رواية جيّدة لا يشعر أنه يتلقى تعليمات، بل يتعاطف مع شخصيات ويعيش أحداثاً، لكنه بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة قد يكتشف أن نظرته لقضية اجتماعية أو تاريخية تغيّرت بعمق.

التاريخ الأدبي يقدّم شواهد كثيرة على هذا التأثير. من كوخ العم توم لهارييت ستو، الذي ساهم في إذكاء الجدل حول العبودية في أميركا، إلى روايات أميركا اللاتينية التي وثّقت أجواء الديكتاتوريات وكشفت آليات القمع. وفي السياق العربي، نجد أن بعض الروايات عالجت تحولات المجتمع وظروف الاستعمار وما تلاها من تحديات بناء الدولة، مقدّمةً بذلك شهادةً فنيةً على مرحلة تاريخية فارقة. في كل هذه النماذج، لم يُلغَ الفن لصالح السياسة، بل منحت السياسة نفسها عمقاً وقوة عبر الفن.

إن القول إن الرواية ليست للفن وحده لا يعني اختزالها في السياسة، بل الاعتراف بأنها تحمل طاقة مزدوجة، جمالية تغذّي الخيال والحس الإنساني، وفكرية قادرة على المساهمة في تشكيل الوعي العام. والكاتب الذي يدرك هذه الازدواجية قادر على أن يقدم عملاً يعيش طويلاً في ذاكرة القراء، يجمع بين البهاء الفني والرسالة الفكرية.

وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه وسائل الاتصال، تبقى الرواية، رغم بطء قراءتها، مساحة نادرة للتأمل العميق، ولرؤية السياسة من منظور البشر العاديين الذين يعيشون آثارها. هي فن أولاً، لكنها أيضاً أفق للتفكير، يسهم في ترسيخ الفهم والتوازن داخل المجتمع. ومن هنا تأتي أهميتها؛ فهي لا تهدف إلى إشعال الصراع أو الدعوة إلى التغيير الجذري، بل إلى تعزيز الوعي، وتوفير لغة مشتركة لفهم القضايا الكبرى، بما يجعلها رافداً من روافد الاستقرار والنضج الثقافي.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 22 سبتمبر 2025 م ـ 30 ربيع الأول 1447 هـ

 

في مقال بصحيفة «دي تاغس تايتونغ» الألمانية (26 أغسطس 2025)، تذهب الفيلسوفة النمساوية ايسولد شريم إلى أن الدول التي وضعت أسسَ النظام القانوني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، تعمل راهناً على التحلل من هذه المرجعية المعيارية التي كرست قيمَ السلم والعدالة بين الأمم في الحقبة المعاصرة. في السابق، كانت مفاهيم والتزامات القانون الدولي تُرفع في وجه الأنظمة التسلطية الاستبدادية في الشرق والجنوب، واليوم أصبحت الأممُ الديمقراطيةُ الليبراليةُ هي التي تتنكر لهذه المعايير والمفاهيم، إلى حد التساؤل المشروع عن جدوائية هيئة الأمم المتحدة التي هي الحصن الحاضن لمنظومة القانون الدولي.

لقد انهار كلياً حلمُ «الأسرة الدولية»، أي فكرة تحالف الأمم الحرة، والتي جسدت مقاربةَ كانط الشهيرة حول «السلم الأزلي»، القائمة على بناء نسق فيدرالي عالمي يمنع الحربَ والعدوانَ والعنفَ بين الشعوب والدول.

وبطبيعة الحال، لم يَدع كانط إلى حكومة عالمية واحدة، بل اقترح حالةً قانونيةً تتناسب مع التعددية السياسية القائمة على المستوى الدولي، مِن منظور التضامن الإنساني الكوني. وبعبارة أخرى، فقد اعتبر كانط، على غرار جل فلاسفة الأنوار، أن شرطَ السلم بين البشر هو توطيد مثال الكونية الإنسانية، بدلاً من الهويات الانتمائية الخصوصية المغلقة التي تقود إلى التناحر والعنف.

والكونيةُ، كما تَصورها كانط وفلاسفة عصره، ترتكز على العقلانية والحوارية، وتستعيد مثال الكوسمبولوتية (أي العالمية) من حيث هي التعبير عن الرابطة الإنسانية المشتركة.

وما نلمسه اليوم على نطاق الحركية السياسية في الغرب هو الصدام بين نزعة قومية سيادية جلية لدى التيارات الشعبوية الصاعدة، ونزعة كوسمبولوتية (إنسانية كونية) تعود في مرجعيتها البعيدة إلى سياق التنوير والعقلانية الحديثة.

 في كتابها «أنا والآخر.. كيف تغيرنا جميعاً الحالةُ التعددية الجديدة؟»، تقف شاريم عند مظاهر التنوع في المجتمعات الحالية، من هجرات كثيفة وإعادة تشكل الهويات الثقافية والإثنية، مبيِّنةً أن تفتت الأنساق الشمولية وتجزؤ البُنيات الاجتماعية إلى حدود قصوى غير مسبوقة، وانفجار الكليات الانتمائية، كلُّ هذا يفرض العودةَ إلى الكوسمبولوتية الكانطية شرطاً أوحدَ لحل معضلة تنافر وتصادم المجتمعات البشرية. والكوسمبولوتية تَفترض الانفتاحَ والاعترافَ المتبادلَ، وأفقُها هو الكونيةُ المشتركة، في حين تؤدي النزعة القومية الهوياتية إلى الانغلاق والتعصب والإقصاء. ولا شك في أن المكسب الأخلاقي الأكبر للدول الليبرالية الحديثة هو صياغتُها مدونةَ حقوق الإنسان وما يرتبط بها من معايير القانون الدولي، وهي إذ تتنكر لها اليوم تفتح الطريقَ أمام عودة العنف الهمجي للمعمورة.

 وفي ضوء ملاحظات شاريم، يمكن أن نشير إلى مفارقة جلية تتجلى في تشبث بلدان الجنوب الشامل، التي توصف أصلا بغياب الديمقراطية وبانتهاك حقوق الإنسان، بقيم ومعايير القانون الدولي في دفاعها عن حقوقها ومصالحها على المستوى الدولي، في الوقت الذي ترى فيه القوى الليبراليةُ الكبرى في هذه القيم والمعايير عبئاً يقيد سياساتِها وقراراتِها في الساحة العالمية.

 وفي السابق، كانت شعوب الجنوب، بما فيها العالم العربي والإسلامي، تتحفظ على الأدوات القانونية الكونية من منظور الخصوصية الثقافية والاعتبارات السيادية، واليوم تَتهم الدولَ الليبراليةَ الغربيةَ بازدواجية المعايير، وتُطالبها بالوفاء بالتزاماتها في الملفات التي تتعارض فيها مصالحُها مع المرجعية الأخلاقية والقانونية الكونية.

 ومع الفظائع التي جرت أخيراً في غزة، قرأنا على نطاق واسع لبعض الأقلام المشهورة حول «خرافة» القانون الدولي، وضرورة القطيعة الكلية مع «الكونية الغربية»، بيد أن هذه النزعةَ العدمية تقوم على مفارقةٍ إشكاليةٍ وهي اختزال القيم الإنسانية الكونية في «مصدرها» الغربي، مع تبرير الخروج عليها بانتهاك «واضعيها»، بدلا من النظر إليها كتراث بشري مشترك، هو السلاح الوحيد المتاح لنا من أجل الدفاع عن قضايانا العادلة.

 وفي الوقت الذي انحاز فيه بعضُ السياسيين العرب خلال الحرب العالمية الثانية لألمانيا النازية، احتجاجاً على السياسات الاستعمارية البريطانية والفرنسية، ظهرت وجاهةُ المواقف التي اعتمدها بعض قادة الحركات التحررية في وقوفهم مع الحلفاء ضد الجنون الهتلري، كما هو شأن الملك المغربي محمد الخامس والزعيم التونسي الحبيب بورقيبة. كان بورقيبة يقول: «سأحرر تونس بفكر التنوير الفرنسي، لكي أبيّن للمستعمر أنه ينتهك أفكارَ الثورة التي حررت فرنسا نفسَها».

ما نخلص إليه هو أن المصلحة العربية تقتضي اليوم الدفاع عن فكرة الكونية الإنسانية، في تجسيدها القانوني والمؤسسي العالمي، رغم مظاهر انتهاكها وحالات التنكر المتزايد لها في الغرب الليبرالي. في هذا السياق، لا بد أن ندرك أن هذه الفكرة ليست إطاراً إجرائياً قابلا للقياس والضبط، بل فكرة مرجعية ومنظور قيمي توجيهي، وعندما نطالب بالتحلل منها نسقط في فخ الأيديولوجيات العدوانية الإقصائية التي هي الخطر الحقيقي الذي يهدد مصالحنا وحقوقنا المشروعة.

***

د. السيد ولد أباه

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 21 سبتمبر 2025 23:45

ترجع كلمة الحيرة إلى «حار البصر» إذا لم يهتد إلى سبيله، وحار المرء وتحيّر فهو حيران، بمعنى متردد ومضطرب ومرتبك، لا يدري وجه الصواب. ولم يخل القرآن الكريم من الإشارة إلى مفهوم الحيرة، بهذا المعنى، كما نلفى في الآية الواحدة والسبعين من سورة الأنعام، دلالة على «التبلّد في الأمر والتردّد فيه» كما يقول الأصفهاني في مفرداته، لكن رغم ما يوحي به هذا المعنى من دلالات قد تظهر في بادئ الرأي أنّها قدْحية، فإن مفهوم الحيرة في الثّقافة الفلسفية والصّوفية يظهر من المفاهيم الإيجابية الدّالة على انفتاح باب الحقائق، كما نجد في قول القائل «من حار وصل»، فطريق الحقيقة يمر بسبيل الحيرة ليس غير.

اشتهر الصّوفية بمدح الحيرة، فالحيرةُ عند ابن عربي هي «عينُ العلم»، وذلك عند اجتماع الأضداد، فتصبح الحيرةُ عند أهل العرفان غاية ومقصداً من المعرفة النّقلية والعقلية على السّواء، ولعلّ هذا المذهب يرى ضرورة بقاء العقل مُنْدَهِشاً والقلبَ مشُوقاً، في نجْوة عن التّقليد المُحْبط، والعقلانية الصارمة، وفصل القول الشّرعي. فنحن أمام عقل مُنْفتح وقلْبٍ طُلَعة إلى آفاق معرفة لا تتّسع لها حدود، فللحيرة ها هنا حركة دائرية يترجمها دعاء شهير للصّوفية: «اللهم زدني فيك تحيراً»، إذ كلما زاد العلم زادت الحيرة وتضاعفت. ولا يقول المرء هذَراً إذا زعم أن لا محرك للمعرفة إلا هذا الدّافع القوي، فالحَيْرةُ المتجدّدة مِهْمازُ كلّ ممارسة علمية جادّة.

يتأكَّد هذا عند مطالعة الحيرة عند الفلاسفة، حيث نلفاها منهجاً قبلياً للمعرفة، ذلك ما يمكن أن نفهمه من مذهب سقراط وأفلاطون وأرسطو في الدّهشة، ومن مذهب الغَزالي في أنّ الشّكوك موصلة إلى اليقين، وأن الذي لا يبدأ رحلته العلمية بحيرة الشّك لا يستطيع أن يمارس التفكير ليبصر الحقيقة، وهو نفس الشّعار المنهجي الذي رفعه أبو الفلسفة الحديثة روني ديكارت عندما اعتبر التّحرر من الأفكار المسبقة الطّريق الملكي إلى الحقيقة العلمية، ولا حياة خلال هذه الفترة إلا حياة حيرة ينفتح فيها العقل على الاحتمالات المختلفة قبل أن يجد طريقه إلى نفي الحيرة باليقين، وقد نفاها ديكارت بأفكار فطرية أشرق بها الحَدْسُ في عقله، كما نفاها الغزالي من قبله بنور قويّ قذفه الله في فلبه.

لكن قبل ذلك كانت الحيرة مالكة بزمام الفيلسوفين، ضدّاً على من جعل الحيرة مذهباً فلسفياً مثل صنيع الفيلسوف الفرنسي «مونتين»، الذي جعل الشكَّ تلك الوسادة التي لا تنام عليها، بزعمه، إلاّ الرؤوس المنظّمة.

يعلمنا مفهوم الحيرة أن طريق الفلسفة هو طريق المفارقات، وأنه لا يمكن إدراك حقيقة المفاهيم إلا بالنّفاذ إلى عمقها وتلمس ما يكتنفها من أضداد، عندها فقط نستطيع الإمساك بالمفهوم وفهم أبعاده بعيداً عن الفهوم السّطحية التي تقف عند الوِشاح الظّاهري للمفهوم فيحول دونَهُ ومعرفة حقيقة المفهوم وذَوْق حقيقته.

فالحيرة مأزق، والحلول التي تأتي بعد الاستبصار في المأزق، وتقليب وجوه النظر فيه، لا يمكن إلا أن تكون حلولاً ناجعة في الحقّ والجدوى، ولنا في الحيرة التي أحدثتها أزمة الأعداد الصماء عند فيثاغورس، والتي كانت السبب الأول لظهور الفكر الفلسفي، والحيرة التي أحدثها السفسطائيون والتي كانت سبباً في ظهور سقراط، الفيلسوف الأول، أجلى مثال على خصب الحيرة وثراء نتائجها.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 18 سبتمبر 2025 23:45

 

يبدو النقاش حول مفهوم الحداثة وإشكاليات تبيئته خارج الغرب في حال تصاعد، وتزداد حدّة السجال مع كل هزةٍ أو تغيّر جذري صادم. بعض المفاهيم تكبر مع المجتمعات، ولكنها لا تشيخ رغم مرور الوقت، بل تعبّر باستمرار عن صلاحيتها للفهم والتطبيق، ولدينا في مفهوم «الحداثة» أكبر مثال على هذه الحالة. لقد تحدّى هذا المفهومُ كلَّ الهجمات التي نالتْه منذ «الحداثة البعدية» إلى الصرعات التقنية والتكنولوجية، وليس انتهاءً بتفجّر المفاهيم الانعزالية والانكفائية، كما جسدتها طروحتا «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات».

بمعنى أنه على الرغم من كل الخضّات التي حدثت، فقد بقيَّ مفهوم الحداثة على حيويته وقاوم كل عاتيات الرياح وجميع عوادي الزمن. وكما نعلم، فقد اعتبر البعضُ أن الحداثةَ ليست إلا مجرّدَ حقبة تاريخية، وبالتالي فمآلها إلى الزوال، كما يعبر عن ذلك الفيلسوفُ الإيطالي جاني فاتيمو في كتابه «نهاية الحداثة»، والذي درَس فيه العلاقةَ التي تربط بين نتائج كلٌ من الفيلسوفين فريدرك نيتشه ومارتن هيدغر، واعتبر نتائجهما مرجعاً ثابتاً لأطروحته، باعتبارها من الخطابات المؤسسة لفكرة نهاية العصر الحديث، ولحقبة ما بعد الحداثة.

وبصرف النظر عن ذلك القول الفلسفي، يمكن أن نتّجه نحو علاقتنا نحن المسلمين بالحداثة نفسها، لنرى هل بالفعل فشل العالمُ الإسلامي في التحديث وفي كسب رهاناته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، كما يناقش المستشرق برنارد لويس في كتابه «الإسلام وأزمة العصر»؟! لويس، بعد رصده لإحصائياتٍ وأرقامٍ مرعبة حول البطالة واليأس والتطرف في العالم الإسلامي، قال بالنص: «ما لا يثير الدهشة أن يتحدّث كثير من المسلمين عن إخفاق التحديث، وأن يقابلوا الاختلافَ في تشخيص أمراض مجتمعاتهم بوصفاتٍ متباينة لعلاجها.

والإجابة بالنسبة للبعض هي بالمزيد من التحديث والقيام به على نحوٍ أفضل، بحيث يتوافق الشرق الأوسط مع العالم الحديث والعالم الآخذ بالتحديث. وبالنسبة للبعض الآخر فإن الحداثة نفسها هي المشكلة ومصدر كل بلاء». والحقيقة أن المشكلة مركبّة بين المفهوم ومستقبِليه، وهذا ما انتبه إليه المؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه «الدين في الديمقراطية»، إذ لم يطل الوصف، بل اختصر التاريخ السجالي بين العالم الإسلامي والحداثة مستشهداً بمقولة صموئيل هانتنغتون: «المسلمون يسعون إلى أسلمة الحداثة، بدلاً من السعي إلى تحديث الإسلام».

وفي الواقع، فإن هذه المقولة فيها تصعيد وتعميم على العالم الإسلامي، وذلك لسببين اثنين: الأول: أن من حاول أسلمة الحداثة أو اعترض عليها وشوّه معناها، وقطع طريقها.. هي جماعات أيديولوجية متطرفة اختطفت الوعيَ العام للمسلمين وملأتْه بأفكارٍ وخيالاتٍ عن مصائر التحديث وأثره الكارثي على الدين والأخلاق، وبالتالي فإن المسلمين العاديين هم رهائن لدى تلك الجماعات التي هيمنت على العديد من دول العالم الإسلامي ومجتمعاته.

ثانياً: وعلى الرغم من إشارة برنارد لويس حول أنماط تحديث بسيطة في العالم الإسلامي، فالواقع أنه تجاهل أنماطَ الحداثة المتوازنة في آسيا وفي دول الخليج، كونها كلها نماذج حداثة متوازنة وناجحة، وهذا يدلّ بوضوح على أن المسلم المعتدل ليست لديه إشكالية دينية مع الحداثة، إذ نجد أنه استوعبها وطبّقها على النحو الذي نعيشه اليوم. والخلاصة، أن مفهوم الحداثة يكبر ويتطوّر مع المجتمعات.. صحيح أنه تعرّض لزلازل وانتقادات نظرية كبرى، غير أنه بقي المفهومَ الأكثر راهنيةً وحيويّةً بالنسبة للمجتمعات البشرية حتى الآن.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 15 سبتمبر 2025 23:45

تعليقاً على موجة الاحتجاج العارم التي اجتاحت الشارع الفرنسي يوم 10 سبتمبر، قال رئيس الحكومة الأسبق الان جوبيه، إن ديمقراطية التمثيل الانتخابي غدت عاجزةً في الغرب الليبرالي عن ضمان حالة الثقة والاستقرار التي تقتضيها السلطة السياسية الفاعلة. وليست الحالة خاصة بفرنسا التي عُين فيها خلال ثلاث سنوات خمسة رؤساء وزراء، بل نلمسها في عموم الديمقراطيات الغربية التي عادةً ما تتحول فيها اللحظة الانتخابية إلى أزمة سياسية حادة، وتتزايد فيها الحركاتُ الاحتجاجية العنيفة التي لم يعد بالإمكان احتواؤها داخل النسيج المؤسسي القائم.

 ومن مظاهر هذا التحول الجذري انهيار الطبقة السياسية التقليدية، والعزوف عن الأحزاب والتنظيمات النقابية والمدنية، وصعود الزعامات الشعبوية، وتنامي حركات التطرف الراديكالي.

قبل سنوات كتب بيار روزنفالون عن هذه الظاهرة في كتابه «الديمقراطية المضادة»، مبيناً أن المجتمعات الليبرالية الغربية انتقلت من «ديمقراطية الثقة» إلى «ديمقراطية التمرد» التي تأخذ شكل رقابة واسعة على النظم السياسية والمؤسسية، بما يتجلى في أنماط جديدة من سياسة المواطنة، من بينها اليقظة المستمرة إزاء النشاط العمومي عبر فعاليات التنظيمات الحقوقية والأهلية، والحركة الاحتجاجية في الشارع، والتقويم الدائم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي واستطلاعات الرأي والتعليقات الظرفية.

 وبالنسبة لروزنفالون، لا بد من مراجعة أدوات ومفاهيم الشرعية من أجل التلاؤم مع هذا الوضع الجديد، الذي لم تعد فيه زمنية الحراك الانتخابي قادرة على ضبط إيقاع العمل السياسي، ولم تعد فيه الأحزاب والقنوات التداولية التقليدية كفيلة بتأطير النقاش العمومي الذي هو جوهر الممارسة الديمقراطية.

بيد أن المعادلة الجديدة تطرح تحدياً نوعياً على الفكرة الديمقراطية نفسها التي ظهرت حلا نهائياً لمأزق الشرعية السياسية في مجتمعات تسمها الفردية التعددية. فإذا كان من شأن الفردية الذاتية، التي هي الخلفية المعيارية للحالة الليبرالية والمضمون الحقيقي لمثال الحرية، أن تعزز الشعورَ بالاستقلالية إزاء السلط العمومية مهما كانت طبيعتها، فإن دوائر الاندماج الاجتماعي التي عوضت بها الدولةُ القومية الحديثة الانتماءات العضوية السابقة تحفظ الحدَّ المطلوب من الاستقرار الداخلي الذي تتطلبه الحركيةُ السياسية التداولية.

تلك هي مفارقة «الترابطية التنافرية» التي تحدث عنها الفيلسوف الألماني كانط، واعتبر أنها الحافز للتقدم الإنساني في العصور الحديثة، ولا يمكن أن تتجسد إلا في أنساق قانونية ملزِمة تضمن العيشَ المشترك.

ولا شك في أن خصوصية المنطق الديمقراطي تكمن في أنه يعترف في آن واحد بأسبقية الحرية الذاتية على النظام الاجتماعي القائم، في الوقت الذي يضمن الولاء لدولة سيادية شاملة السلطة ويمنحها الشرعية المطلقة. ومن هنا التأليف المعقّد بين التصادمية الدائمة التي هي شرط التنافسية الديمقراطية (دون السقوط في فخ الفتنة والصراع الأهلي) والتضامن المدني على خلفية الاختيار الحر والبناء المؤسسي المستقر.

ما تعيشه المجتمعاتُ الليبرالية من أزمة داخلية خانقة حالياً ناتجٌ عن انهيار التوازنات المؤسسية والتنظيمية التي ضمنت لمدةِ عقودٍ معادلةَ الاستقرار السياسي وشرعية الحكم.

هذا التحول يفسَّر بعاملين أساسيين هما: شعورُ قطاع واسع من القاعدة الشعبية بأن مركز القرار لم يعد بيد الكتلة الانتخابية والسلطة السيادية، بل تتحكم فيه الدوائر التكنوقراطية والمالية المعولمة، مما أفقد الماكينةَ الديمقراطية نجاعتَها ودلالتها، وطغيان ما دعاه رجيس دوبريه «الآنية الاتصالية» بما تعنيه من هاجس الشفافية والمباشَرة إلى حد التشكيك الكامل في صدقية الخطاب السياسي ومواقف النخب الحاكمة، بما يُفقد الممارسةَ السياسيةَ ذاتها معناها وجدوائيتَها.

ما هو مستقبل الديمقراطية الليبرالية في هذا السياق الذي أشرنا إلى بعض محدداته؟ وهل أصبح التمرد بديلا عن الثقة في آلية الفعل السياسي في المجتمعات الغربية؟

لا ننفك نسمع عدة تصريحات لكبار السياسيين الغربيين، من رئيس الحكومة الإيطالي الأسبق ماتيو رنزي إلى الرئيس الفرنسي ماكرون، تحذِّر من كون البلدان الديمقراطية لم تعد قابلة للحكم، نتيجةً لخروج الشارع عن نطاق السيطرة والطاعة.

 وأمام هذا المأزق المعقد، هل يكون الحل هو الانتقال إلى نمط جديد من الديمقراطية يراجع نظمَها المؤسسية التمثيلية والتداولية والتشاركية وصولا إلى تصور جديد للشرعية السياسية (أطروحة وزنفالون)، أم أن الحل يمكن في الخروج من ديمقراطية التمثيل والانتخاب، التي غدت عاجزة عن ضبط رهانات التعددية الحرة في المجتمعات المعاصرة (أطروحة آلان باديو)؟

لا شك في أن هذا هو الإشكال الجوهري الذي سيحدد مستقبلاً صيغَ وآليات العمل السياسي في البلدان الليبرالية الغربية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الإماراتية، يوم: 14 سبتمبر 2025 23:33

في مقالة أخيرة بعنوان «القديم والجديد»، يتساءل الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن: لماذا يتمكن الإنسان دوماً من وصف وتحليل الماضي دون أن يتمكن من تخيل الجديد؟ أغامبن يجيب عن هذا الإشكال المعقد بالقول: إن ضبط الجديد الحالي يتم حتماً من خلال الرجوع للماضي وإعادة تأويله. فالراهن هو في عمقه بقية باقية من الزمن المنقضي، أي ما لم يتم إنجازه أو ما نُسي أو ما ينتظر التفعيل والتحيين.لقد قامت الحداثة على وهم القطيعة مع الماضي، في حين أن ما نعتقد أنه معاصر ليس سوى ظل من الحقبة الفائتة، باعتبار أن الماضي هو مخزون إمكانيات الفعل غير المتحقق وليس المستقبل في ذاته هو صانع الجديد بل إن الذاكرة هي المحددة والحاسمة في ضبط وتوجيه الزمنية الحالية.

في هذا السياق، يستعيد أغامبن فكرةَ «الولادة الجديدة» لدى الفيلسوفة الألمانية الأميركية حنة أرندت التي تعني امتدادَ التقليد في الزمنية الطويلة، دون أن يكون عائقاً أمام التجديد والتحول. كما يستعيد أطروحةَ الفيلسوف الفرنسي بول ريكور حول استقلالية النص إزاء شروط تشكله التاريخي، بما يسمح بالنظر إليه بعيون جديدة تمكّن من تحويله إلى نص معاصر جديد.

ما يخلص إليه أغامبن في مقالته المذكورة هو أن المعنى الوحيد للجديد هو الممكن (فالمستحيل ممتنع التحقق)، وإذا أصبح قائماً بالفعل تآكل وانقضى. ومن هنا فإن الأساس في رصد الحالي هو الماضي وليس المستقبل، أي ما جاز أن يكون ولو لم يتحقق، وبالتالي فالإنسان لا يبصر الجديدَ إلا بالانطلاق من ماضيه.

لا شك في أن أطروحة أغامبن مفيدة لنا في إعادة بناء سؤال التراث الذي سيطر على الفكر العربي منذ سبعينيات القرن الماضي. لقد برز هذا السؤال في الأدبيات التاريخانية المتأثرة بالمنهج الجدلي الماركسي، انطلاقاً من مفهومين أساسيين هما: مفهوم التقدم التاريخي الذي يعني النزعة الخطية الغائية المؤسسة لقوانين التطور الاجتماعي الكوني، والنظرة البنيوية المزدوجة للفكر بصفته انعكاساً للصراع الطبقي المجتمعي، بحيث يكون بنيةً فوقيةً تفسر بالرهانات المادية الإنتاجية التي هي البنية التحتية المحددة والمؤثرة. ووفق هذا التصور، فالتراث جزء من الماضي التاريخي المندثر، وليس له سوى قيمة معرفية محضة لا صلة لها بالواقع الراهن.

 ومع أن المدرسة التراثية العربية انتقلت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين إلى الانفتاح على المناهج الابستمولوجية والتأويلية الجديدة، إلا أنها حافظت على جوهر المقاربة الاختزالية للتقليد بتوظيفها مقولةَ «القطيعة الابستمولوجية» التي بلورها أصلاً الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في تاريخ العلوم وفي ضبط ارتباط المعرفة الموضوعية المخبرية بالتجربة العامة المباشرة، فأصبحت تَعني في نظريات نقد العقل العربي الاختلاف الجوهري بين الأنظمة المعرفية والأنساق الدلالية.

 ورغم هذا التصورات الانفصالية القطائعية، إلا أن المفكرين العرب المشتغلين بالمسألة التراثية خاضوا صراعات الحاضر على أرضية الماضي، فاحتفى حسين مروة وطيب تزيني بالنزعات «المادية» في الثقافة العربية الوسيطة، ودافع الجابري عن «عقلانية» ابن رشد ومنهجه «الأكسيومي»، ونوه أركون بالنزعة الإنسانية العربية القديمة.

ما تعبر عنه هذه المفارقة، أي رفض الماضي مع الرجوع الانتقائي إليه، هو الخلل المنهجي الكبير في مقاربة سؤال التقليد، بالنظر إلى الماضي كأفق منقض ومندثر، بدلاً من تصوره في دائرة الترابط التأويلي بين الذاكرة والتطلع التي هي محور القراءة الثرية للسردية الفكرية.

في أعمال جورجيو أغامبن نفسه حول التاريخ السياسي والقانوني الغربي، نجد تطبيقاً حصيفاً لهذه الجدلية التأويلية، مبيناً أن المفاهيم المؤسِّسة للحداثة الأوروبية، من مقولات السيادة والتمثيل والضبط والرقابة.. إلخ، ترجع في جذورها البعيدة لخلفيات لاهوتية وعرفية وقيمية قديمة، وإن تمت إعادة توظيفها وتأويلها في استراتيجيات ومواقف معاصرة.

لا نجد لدى مؤرخي السياسة والفكر في عالمنا العربي نماذج من هذا القبيل، بل إن أغلب من اشتغل بالمسألة التراثية يتأرجح بين وهم التماهي مع الأصل المنقضي الذي لا يمكن استكشافه في أفقه المرجعي الأول، ووهم القطيعة مع الجذور الثقافية في دلالتيها التاريخية والابستمولوجية (المعرفية).

في كتاباته التأويلية حول العهدين القديم والجديد، يعترف بول ريكور بأنه يقرأ النصوصَ المقدسةَ بعين الحاضر غير مستنسخ الموروث القديم، مردداً: إن المؤوِّل لا يمكنه التملص من تهمة «الخيانة»، لكن الفرق كبير بين الخيانة الضحلة العقيمة والخيانة الثرية التي تغني النص وتوسع إمكاناته الدلالية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 سبتمبر 2025 23:30

 

أسترجع اليوم مسامرة شتوية في أحد مساءات ميشيغان عام 2009... دار حوار مع الصديق العزيز رائد الدحيلب، الذي كان وقتها مُبْتَعَثاً من «أرامكو» لإكمال درجة الماجستير في الهندسة الكهربائية، وكان تركيزه البحثي على تقنية النانو. في تلك المسامرة، سألني صديقي: «لماذا تُحصَر أحاديث المثقفين في مجالاتكم (أي السياسة والاجتماع والأدب والتاريخ)، وتُغفَل المعارف الأخرى ذات الطابع العلمي التطبيقي كالرياضات والهندسة والطب؟».

أتذكر تعليقي الذي قلتُ فيه: تخيّل معي يا صديقي أنك في مجلس عامر، وصادفتَ شخصاً لا يفرق بين الإلكترون والنيترون يفتي في تقنية النانو بجهل فاقع، ولكن بلغة فصيحة؛ وعندما تحاول أن تبين المعلومة العلمية الصحيحة، فإن المجلس يَحْتَوِشُكَ مؤيداً لجهله على علمك؟

جاء الرد: «سأشعر بالغبن، وسأحار في الحضور: كيف يقدّمون كلام العامي على المختص في شأن لا يعرفون عنه الكثير؟».

هنا قلت: هذا بالضبط ما يحدث للمختصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية كل يوم، فاحمد الله أنكم معاشر المختصين في العلوم الطبيعية لا تواجهون ما نواجه.

أسترجع هذه القصة كلما رأيت شخصاً يبدي تقليلاً من أهمية دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية ويصفها بأنه معلومات عامة يمكن لأي شخص أن يستوعبها دون أن ينفق سنوات من عمره في دراستها أكاديمياً. وغالباً ما تكون الحجة أن تلك الإنسانيات والاجتماعيات تتعامل مع مفاهيم مجردة، مثل الثقافة والسلوك الإنساني والعدالة الاجتماعية، يصعب تحديدها بشكل دقيق؛ مما يجعلها - في نظرهم - أقل علمية من «الطبيعية» التي تعتمد على التجارب المخبرية والأرقام. ويضيف أصحاب تلك النظرة أن هذه الحقول المعرفية تقوم على التحليل والتفسير، وتختلف النتائج باختلاف الباحثين؛ مما يجعلها تبدو أقل موضوعية مقارنة بالعلوم الطبيعية التي تعطي نتائج ثابتة يصعب تأويلها.

تلك الحجج تعكس ضعف إلمام أصحابها بحقيقة البحث العلمي. فالباحث يتعامل مع موضوعات وعيّنات بحثه بما يتناسب معها، ولا توجد قاعدة واحدة للتعامل مع جميع العيّنات. ومع تسليمنا بارتفاع مستوى دقة البحث والنتائج في مجال العلوم الطبيعية، فإننا يجب ألا نُغفل السبب وأنه يتعامل مع عيّنات غير مدرِكة أنها خاضعة للدراسة، فالجمادات والكائنات الحية غير البشرية لا تدرِك أنها موضع دراسة، وبالتالي لا تغيّر سلوكها أو حالتها عندما تشاهد الباحث يجري بحثه عليها. في المقابل، فإن البشر - حتى الأطفال الصغار - يدركون أنهم تحت الملاحظة، فيحاولون تعديل سلوكهم ليظهروا بمظهر أفضل.

تلك واحدة فقط من المشكلات التي تواجه الباحث في المجالات الاجتماعية، والتي تحتم عليه أن يستعمل مناهج بحثية قابلة للقياس، وتأخذ في الحسبان ارتفاع «هامش الخطأ» في النتائج، مقارنة بالعلوم الطبيعية. يضاف إلى ذلك أن كثيراً من الأبحاث الإنسانية والاجتماعية تقوم على تحليل النصوص المكتوبة للتوصل إلى نتائج تجيب عن الأسئلة البحثية. وكما نعلم، فالتعامل مع المنتج البشري يحتاج إلى أداة تحليل تتعلق بالـ«كيف» قبل الـ«كَمّ». ورغم ذلك، فإن العلوم الاجتماعية تتعامل مع الإحصاءات وتحاول تفسيرها للخروج بنتائج تخدم صنّاع القرار.

على مستوى الأحاديث اليومية، يعتقد البعض أنهم لا يحتاجون إلى دراسة السلوك البشري، والتاريخ، والسياسة، والدين، واللغة؛ لأنها معارف بديهية، والتعمّق في دراستها ترفٌ لا يقدم ولا يؤخر في المحصّلة النهائية. وهذه المغالطة أشد من سابقتها، فالموضوع (الدين، أو السياسة، أو المشكلات الاجتماعية) متاح للجميع للحديث فيه؛ بسبب إدراك الناس علاقتَهم المباشرة بتلك الموضوعات، على عكس مستوى إدراكهم علاقتَهم بعمليات التمثيل الضوئي النباتي، أو حركة الإلكترونات في الذرة، أو حتى عملية نقل الصورة في كاميرات هواتفهم.

وإتاحة الموضوع لا تعني أن المتحدث خبير ليعطي نتائج وآراء حاسمة بكفاءة المختص. ولنستذكر فترة جائحة «كورونا» عندما أصبح كثيرون خبراء في التعامل مع الأعراض الصحية التي عصفت بالعالم، وكيف أدلوا بدلائهم في أمور لا يفقهون فيها.

خلاصة القول: إن الشأن العام - المتعلق بالعلوم الطبيعية أو الاجتماعية - متاح للجميع، ولكن الرأي العلمي الموثوق يؤخذ ممن تمرّسوا في المجال وأثبتوا جدارتهم. وإذا كان من حقنا أن نساوي بين شخص متابعٍ نشرات الأخبار عقوداً، وأكاديمي مختص في العلوم السياسية، بداعي أن الأحداث مُشاهَدة من الجميع، فإننا يجب ألا نستكثر على مَن عاش زمناً وجرب أدوية عدة للصداع أن يفتي لنا في أورام المخ.

***

د. عبد الله فيصل آل ربح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأربعاء - 11 ربيع الأول 1447 هـ - 3 سبتمبر 2025 م

 

الهوية ليست كياناً صلباً يسكن أعماقَ الفرد أو الجماعة، بل خطاب يُعاد إنتاجه باستمرار وفق شروط المجتمع والسياق. هكذا أراد جان فرنسوا بايار أن يفكك أوهامَها في كتابه «أوهام الهوية». غير أن النقاش حول الهوية لا ينبغي أن يبقى حبيس النصوص الأكاديمية أو مساجلات الفلاسفة، بل هو سؤال حيّ يطرق أبواب واقعنا اليومي، ويعيد صياغةَ علاقتنا بذواتنا وبالعالم.

الهوية ليست معطى طبيعياً يُورَّث كما تورَّث الجينات، بل هي مشروع تاريخي وثقافي، يُبنى ويتحوّل، ينهار ويُعاد تركيبه. ما نعتقد أنه «أصل» ليس سوى سردية منتقاة، وما نتصوره «حقيقة دفينة» ليس إلا رواية تُخاطب حاجاتنا الراهنة، لتمنحنا وهم الثبات وسط سيولة الواقع. حين تتأزم المجتمعات، تتصاعد الأصوات المطالبة بالعودة إلى «الهوية الحقيقية»، في محاولة لتعويض القلق الجماعي عبر شعارات الانتماء. كلما ازداد الخوف من ضياع المكانة أو المعنى، زادت الحاجة إلى روايات تمنح اليقينَ، حتى ولو كانت وهميةً.

وهنا تكتسب مقولة بايار قوتَها: الهوية تُستدعى حين تكون مهددة، ويُحتفى بها حين تضعف.. إنها ملاذ نفسي بقدر ما هي أداة اجتماعية، ويمكن أن تتحول من رابطة وجدانية إلى وسيلة إقصاء وتمييز، من وعد بالانتماء إلى سلاح للفصل. المؤسسات، بدورها، تلعب دوراً محورياً في ترسيخ الشعور بالانتماء وتعزيز التصورات الجماعية عن الذات. فالمدرسة، مثلاً، تُدرّس سرديات وطنية مشتركة، ووسائل الإعلام تكرس صوراً عن «النحن» و«الآخر»، والقوانين تنظّم صفة المواطنة والانتماء. هنا لا يكون الأمر نقداً بقدر ما هو توصيف لوظيفة ضرورية، تجعل الهوية إطاراً جامعاً وحاملاً لمعنى العيش المشترك، بُغية ضمان استمرارية الجماعة الوطنية.

في زمن العولمة، كان يمكن أن نتوقع تراجعَ الحاجة إلى الهوية، بما أن الحدود الاقتصادية والثقافية تتلاشى، لكن الذي حدث هو العكس. كلما اتسع العالم بالاتصال والانفتاح، ضاقت المخيلة بالانغلاق على الهويات. وكأن العولمة، بما تثيره من قلق وضياع، تدفع الأفرادَ والجماعات إلى التمسك بما يبدو «أصيلاً»، ولو كان مجرد وهم. لذلك فإن الخطابات القومية والدينية والإثنية عادت بقوة، لا رغم العولمة، بل بسببها. وكأننا أمام مفارقة وجودية: كلما انفتحت الجغرافيا، اشتدت الحاجة إلى حدود رمزية تعيد للأفراد شعورَ السيطرة والمعنى.

وهنا تكمن خطورة ما يسميه بايار «وهم الهوية». فالهوية حين تتحول إلى سلعة أو شعار سياسي، تفقد تعدديتها، وتُختزل في رموز جاهزة تُباع في السوق وتُستعمل في الدعاية. الخطر ليس في الانتماء ذاته، بل في تحويله إلى شعار مغلق، يمنع التفكير في التعقيد، ويعطل إمكان التعايش. ما يدعو إليه بايار ليس نفي الهوية، بل تحريرها من وهم الأصالة المطلقة، وردّها إلى طبيعتها: عملية مفتوحة، مجال تفاوض دائم، فضاء للعيش المشترك لا جدار للعزلة. هذا التفكيك الفلسفي يقودنا إلى تساؤل أعمق: لماذا نحتاج إلى أوهام الهوية أصلاً؟

لعل الإجابة أن الإنسان لا يحتمل الفراغ، وأنه يسعى دوماً إلى يقين يمنحه الطمأنينة، حتى لو كان يقيناً مصنوعاً. لكن الطمأنينة التي تُبنى على الوهم لا تُعمر طويلاً، سرعان ما تنهار أمام صدمات الواقع. لذا فالتحدي ليس في الدفاع عن هوية بعينها، بل في الدفاع عن القدرة على التفكير في الهوية كمسار، كاحتمال، كقابلية للتجدد، بدلاً من تحويلها إلى وثن جديد.

إن ما يطرحه بايار يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة في عالمنا العربي، حيث كثيراً ما يتم استدعاء الهوية لتبرير الانقسام، أو لإقصاء المختلف، أو لتثبيت سردية أحادية. المطلوب ليس التخلي عن الانتماء، بل استعادته في أفق مفتوح، حيث تُصبح الهوية جسراً للحوار، لا خندقاً للحروب الرمزية.

التفكيك الفلسفي لوهم الهوية ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة وجودية لمجتمعات تبحث عن معنى خارج ثنائيات قاتلة بين «الأصيل» و«الدخيل»، بين «النحن» و«الآخر». بهذا المعنى، فإن ما يقدمه بايار ليس وصفة جاهزة، بل دعوة للتفكير النقدي في ما نظنه يقيناً. أن نتعلم كيف نرى الهويةَ لا كقدر محتوم، بل كفضاء للحرية، حيث يمكننا أن نعيد تعريف أنفسنا بلا خوف من الضياع، وبلا حاجة إلى التمسك بأوهام النقاء. فالهويات لا تحمينا بقدر ما تكشف هشاشتَنا، ولا تمنحنا اليقين بقدر ما تفضح قلقَنا. لكن ربما في هذه الهشاشة يكمن سر إنسانيتنا، وفي هذا القلق ينفتح أفقُنا نحو الآخر، ونحو ذات أكثر رحابة وانفتاحاً.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 2 سبتمبر 2025 23:45

 

في كتابهما الحواري الصادر مؤخراً باللغة الإنجليزية تحت عنوان «المساواة.. ماذا تعني؟ ولماذا هي مهمة؟»، يعالج الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي والفيلسوف الأميركي مايكل صاندل معضلةَ التفاوت الاجتماعي في الأزمنة الحاضرة من منظور مزدوج: التراكم الكثيف للثروة وأزمة الاعتراف.

بيكتي اشتهر سابقاً بكتابيه «الرأسمال في القرن الحادي والعشرين» و«الرأسمال والأيديولوجيا» اللذين ولَّدا ردودَ فعل واسعة. وفي الكتابين ينطلق بيكتي من رؤية اشتراكية اجتماعية، وإن كان ينتقد بشدة التجربةَ الماركسيةَ السابقةَ بكل تأثيراتها السياسية والاقتصادية.

وفي الكتاب الجديد، يرى بيكتي أن التيار الاشتراكي، وإن كان قد انهار كلياً في أوروبا منذ بعض الوقت، إلا أنه حقق مكاسبَ باقيةً، من بينها التراجع النوعي لنسبة التفاوت الاجتماعي في كل بلدان القارة العجوز، إلى حد أن قطاعاتٍ حيويةً مثل الصحة والتعليم خرجت عملياً مِن منطق السوق، دون أن ينهار الاقتصاد، بل إن الإصلاحات الاجتماعية كانت دعامةً قويةً للنمو والثروة. إنها التجربة التي يمكن تمديدها إلى قطاعات أخرى، بما يقتضي تجاوزَ الحوار العقيم حول أولوية القطاع العام أوالخاص، والانطلاق من الحاجيات الموضوعية للسكان وتحديد الطرف الأجدر بتحقيقها. وفي الاقتصاد الجديد، نلاحظ أن إنتاج البضائع المادية تراجع جذرياً مقابل الخدمات التي أضحت محورَ المنظومة الاقتصادية، بما من شأنه تعزيز دور القطاع العام وتكريس الارتباط العضوي بين المطالب الاجتماعية والديناميكية الإنتاجية.

 المفارقة الكبرى هي أن التيارات الاشتراكية اعتمدت منذ تسعينيات القرن الماضي مبدأَ السوق الحرة والخصخصة الشاملة، فكانت النتيجة هي تدمير القاعدة الاقتصادية للمدن المتوسطة، مما انجرَّت عنه مشكلاتٌ اجتماعيةٌ حادةٌ كانت في مصلحة الأحزاب اليمينية الجديدة الصاعدة حالياً في جُلّ الدول الغربية. لقد انقلبت المعادلةُ الأيديولوجية التقليدية، فأصبحت التشكيلات اليسارية تدافع عن الأطروحة الليبرالية الكلاسيكية، في الوقت الذي تتبنى التنظيمات الشعبوية الدفاع عن مصالح العمال والطبقات الوسطى ولو بشعارات واهية مثل محاربة الهجرة وتحصين الهوية القومية. في حين أن المطلوب اليوم هو الرجوع إلى خطاب المساواة الاجتماعية في مواجهة اختلالات الرأسمالية المعولمة.

وبالنسبة لبيكتي، لا يمكن تصور برامج اجتماعية ناجعة دون التحالف مع بلدان الجنوب التي تقود اليوم خطابَ العدالة من منظور عالمي يتجاوز الخريطة الطبقية المحلية. ومن هنا العودة إلى أطروحة ماركس القديمة حول ارتباط الاستغلال الطبقي بالتفاوت على المستوى العلاقات الدولية.

 لا تتعارض مقاربة صاندل مع ملاحظات بيكتي حول أزمة الاشتراكية وصعود اليمين المحافظ، لكنه ينطلق من اعتبارات اجتماعية قيمية تتناسب مع فلسفته في العدالة التي بلورها في عدة أعمال، من آخرها كتابه «استبدادية الاستحقاق» الصادر سنة 2020.

لا ينظر صاندل إلى التفاوت الاجتماعي من حيث هو نتيجة من نتائج الغبن الاقتصادي أو سوء توزيع الثروة، بل يعتبره مظهراً لأعراض تعاني منها البلدان الصناعية الحديثة، مثل الإذلال وهشاشة رابطة الاعتراف وطغيان الشعور بالتهميش والإقصاء. ومن هنا ضرورة بناء نزعة مواطنة مدنية إدماجية تكرس سياسة اعتراف وكرامة تستفيد منها القاعدة الاجتماعية العريضة وليس النخب المالية والإدارية المهيمنة وحدها.

ولئن كان صاندل يوافق بيكتي على أن اليسار الذي خلف الأنظمة النيوليبرالية التي حكمت في الولايات المتحدة وبريطانيا في ثمانينيات القرن الماضي لم يغير نوعياً من جوهر السياسات الاقتصادية، إلا أنه يفسر هذه الظاهرة بعوامل سياسية فكرية تكمن في البحث ضِمن آليات السوق عن أدوات محايدة تجنب النقاش المعقد حول معايير الخير المشترك وقيم العيش الجماعي في سياقات متعددة ومتنوعة لا يمكن أن تتفق حول سقف مرجعي محدد.

في هذا الباب، ليس المشكل في انكماش القطاع العمومي ذاته، بل في تراجع النظم الإدماجية الاجتماعية التي هي المؤسسات الحاضنة للأفراد والضامنة لكرامتهم وحقوقهم، بما يعني بالنسبة لصاندل أن الفردية الاستهلاكية ليست خطراً على المساواة من المنظور التوزيعي وحده، بل هي أيضاً خطر على منطق التضامن الاجتماعي.

في هذا الكتاب المختصر، نقف عند جوانب هامة من الحوار الفكري الأيديولوجي الدائر راهناً في الغرب حول المساواة من حيث هي مقوم مركزي من مقومات الحداثة، في ما وراء الصراع الدائر حول المقاربتين الطبقية الاقتصادية من جهة والحقوقية الاجتماعية من جهة أخرى.

لقد ركزت فلسفات العدالة في العقود الأخيرة على إعادة بناء نظرية الحقوق السياسية والاقتصادية في السياق الليبرالي، بيد أن تحدي العولمة الرأسمالية فرض على الفكر الغربي الراهن العودة إلى مسألة المساواة في علاقتها المعقدة بالحرية الفردية والتضامن المجتمعي.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

31 أغسطس 2025 23:45

في المثقف اليوم