اخترنا لكم

إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم 4 مارس 2026 م ـ 15 رَمضان 1447 هـ

في كتابه الجديد «عمق الحاضر: تاريخ الفكر»، يذهب الفيلسوف الفرنسي «رمي براغ» إلى أن الخطر الذي يتهدد الغرب المعاصر هو قطيعته مع جذوره اليونانية التي هي الخلفية الجوهرية «لخصوصياته» العقلانية.

بالنسبة لبراغ ما ميز العصر اليوناني الكلاسيكي هو الخروج من مرجعية الأسطورة في تفسير الأشياء الطبيعية وفهم الوجود من منطلقات عقلية محضة تفضي إلى حقيقة برهانية مشتركة بين العموم وقابلة للنقاش والدحض.

لا خلاف على هذه القراءة التاريخية للفكر اليوناني القديم، لكن الإشكال يبرز في مستوين: تحديد المجال الثقافي والحضاري اليوناني بربطه بأوروبا الحديثة التي هي مفهوم جديد يرجع إلى عصر النهضة، وإقصاء التقليد الإسلامي الكلاسيكي من الموروث العقلاني في تفاعله الحي والمكثف والمبكر مع الفكر اليوناني.

بخصوص الموضوع الأول، نحيل إلى أعمال المؤرخ المعروف بول فاين الذي بين فيها أن اليونان لم تكن «الأصل المقدس للغرب»، بل إن هذه المقولة ليست سوى سردية معاصرة ليس عليها دليل، فمن البديهي أن المجتمع اليوناني الكلاسيكي كان شديد الاختلاف عن الواقع الأوروبي من حيث التركيبة الدينية والأخلاقية وطبيعة النظام السياسي، وعلاقته كانت أساساً مع مصر وبلاد الرافدين.

ولسنا بحاجة إلى الرجوع للنصوص المحورية في الفكر اليوناني لندرك طبيعة هذه العلاقة، التي يكرسها المؤرخ الشهير هيرودوت في حديثه عن التأثير الديني المصري على المعتقدات اليونانية وفي ذكره لأوجه التداخل والتبادل بين المصريين واليونان حتى في المجال الفلسفي (سفر الحكيم صولون والفيلسوف فيثاغوروس إلى مصر)، كما أن أفلاطون بشير في عدد من محاوراته إلى هذا التأثير المصري.ثم لا بد من الإشارة هنا إلى أن الفلسفة اليونانية نشأت في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) خلال الحكم الفارسي لهذه المناطق التي ينحدر منها مؤسسو القول الفلسفي مثل طاليس وهرقليطس وانكسمندر..

وما يبينه مؤرخو الفلسفة هو أن العهد الروماني البيزنطي الذي ورث الحضارة اليونانية حارب الفكر الفلسفي من منظور ديني، إلى حد إغلاق الامبراطور جستنيان الأول آخر مدرسة فلسفية في أثينا سنة 529 ميلادية، وقد غادر فلاسفة تلك المدرسة مثل داماسكيوس (صاحب الشروح الهامة على أرسطو)، وهيرمياس وديوجونيس إلى البلاط الفارسي الساساني. وبعد إغلاق هذه المدرسة أصبح محور الفكر الفلسفي اليوناني في الإسكندرية (مركز الأفلاطونية المحدثة) وحران (مركز العلوم الرياضية والفلكية)، وإنطاكية (المنطق واللاهوت) والرها (جنوب شرق تركيا) والقسطنطينة...وعلى عكس التصور السائد حول تأخر دخول الفلسفة إلى التقليد العربي الإسلامي، يبين مروان راشد أن مفكري الإسلام الأوائل اكتشفوا الفلسفة اليونانية مبكراً وكان لها حضور قوي في نصوص المتكلمين المتقدمين الذين لم يروا فيها جسماً دخيلاً على الدين، بل هي داخلة في باب الحكمة المكملة للملة الصحيحة.

وبخصوص الموضوع الثاني، يبين الآن دي لابيرا صاحب الكتابات الرائدة في فلسفة العصور الأوربية الوسطى، أن المرجعية اليونانية للفكر الأوروبي الحديث مجرد وهم، ذلك أن العصر اللاتيني المتأخر لم ينفتح مباشرة على الفلسفة اليونانية، بل قرأها بعيون وتراجم عربية، إلى حد يمكن معه القول: إن الأوروبيين المحدثين تعلموا الفلسفة من العرب لا من اليونان. ولم يكن العرب مجرد مترجمين شارحين، بل انهم دشنوا إمكانات نظرية مختلفة عن الاهتمامات اليونانية مثل التمييز بين الماهية والوجود، وفكرة التجريد في علاقتها بالكلي التصوري، وإشكالية منزلة التفكير في الذات... وهي المسائل التي ستوجه لاحقاً مسار الفلسفة الأوربية الحديثة.

ليس من همنا إفاضة القول في هذه الاعتبارات التاريخية العلمية، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن خطاب الهوية الخصوصية الذي يسيطر حالياً على قطاع واسع من المفكرين الغربيين ومن كتابنا الذين استمرؤوا نقد المركزية الغربية، يقوم على وهم التمايز الجذري بين التقليد العربي الإسلامي والسياق الأوروبي.

لقد كان الغرض من احتكار الأصول اليونانية هو الفصل الراديكالي بين عالم الإسلام وعالم الغرب، وكان اختزال الفلسفة الإسلامية في نصوص معزولة لكتاب «منبوذين» الغرض منه القول بهشاشة وضعف الموروث العقلاني في تاريخ الفكر الإسلامي الكلاسيكي (بينما تؤكد المعطيات الموضوعية اتساع التأثير الفلسفي في التقليد الإسلامي الأوسع).

وحاصل الأمر أن فكرة الغرب نفسها ليست سوى وهم متخيل ومصطنع، والحقيقة التي لا مراء فيها هي التداخل الكثيف فكرياً وتاريخياً بين العالم العربي الإسلامي ومحيطه الواسع الذي هو قلبه ومحوره.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 1 مارس 2026 23:45

ليست أزمة الفقه في عصرنا ناشئةً عن قلّة النصوص ولا عن ندرة التراث، فإن النص محفوظ، والمدوّنات عامرة، والمدارس قائمة، وإنما منشأ الإشكال في ضعف المَلَكة التي تُحسن التعامل مع هذا التراث، وتُنزل النصوص منازلها، وتُميّز بين دلالاتها، وتجمع بين مقاصدها وجزئياتها. فالنص حاضرٌ بقوّته، ولكن الأهلية التي تستنطقه على وجهه الحقّ قد تراجعت، فاختلّ ميزان الفهم، واضطربت مسالك الاجتهاد.

المَلَكة الفقهية والأصولية ليست كثرة محفوظٍ، ولا جمع متونٍ، ولا سرعة جوابٍ في نازلة، بل هي هيئة راسخة في النفس، بها يقتدر المجتهد على إدراك مراتب الأدلة، والتمييز بين قطعيّها وظنيّها، ومعرفة مواقع العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ومجاري العُرف والمقاصد. وهذه الهيئة لا تُنال دفعةً واحدة، ولا تُختزل في مقرّرٍ دراسي، بل تُبنى بالتدرّج، وملازمة النظر، وممارسة التخريج، ومعاودة النقد، حتى يصير النظر سجيّة، والاستدلال طبيعة.

ومن أظهر مظاهر الخلل في الفقه المعاصر اختلال العلاقة بين النص والفهم. فطائفةٌ جمدت على ظاهرٍ لا تُجاوزه، فحوّلت النص إلى قوالب مغلقة، لا يُنظر في سياقها ولا في مقاصدها. وطائفةٌ أخرى أسرفت في التوسّع التأويلي، حتى صار النص مطيّةً للواقع، يُحمَّل ما لا يحتمله لسان العرب ولا نظام الشريعة. وكلا المسلكين ناشئٌ عن ضعف المَلَكة، لأن صاحب المَلَكة يعلم أن للنص سلطاناً لا يُهدر، وللفهم ضوابط لا تُتجاوز.

الأصل في علم الأصول أنه علمٌ لضبط الفهم، لا لتكثير الأقوال. وبه يُعرف كيف يُستنبط الحكم، لا كيف يُستحسن الرأي. فإذا غاب هذا المعنى، تحوّل الاشتغال الفقهي إلى استعراضٍ للنتائج دون عنايةٍ بمسالكها. والمَلَكة الحقّة تقتضي أن يعي المجتهد أن الدلالة طبقات: دلالة وضعٍ، ودلالة سياق، ودلالة استعمال، ودلالة مقصد. فمَنْ اقتصر على واحدةٍ دون أخرى أخلّ بالبناء، ومن جمعها بميزانٍ مختلّ أفسد التقدير.

ثم إن للذات المجتهدة موقعاً دقيقاً بين النص والواقع. فهي ليست منشئةً للحكم من عند نفسها، ولا متلقّيةً له تلقّياً آلياً مجرداً عن النظر، بل هي كاشفةٌ عنه بواسطة أدواتٍ منضبطة. وبهذا المعنى، فإن الاجتهاد فعلٌ بشريٌّ محكوم، تحيط به شروط الأهلية، ويُقيّده لسان العرب، وتضبطه مقاصد الشريعة، وتُرشده قواعد الترجيح. فإذا لم تُدرَّب النفس على هذا التوازن، مال النظر إمّا إلى ادّعاء الحياد المطلق، أو إلى إطلاق العنان للذوق والميول.

ومن ركائز المَلَكة كذلك إدراك أن التأويل ليس خصماً للنص، بل وسيلة لفهمه عند تعدّد الاحتمال أو تعارض الظواهر. غير أن التأويل المشروع ما كان مستنداً إلى قرينةٍ معتبرة، أو مقصدٍ كليٍّ ثابت، أو جمعٍ صحيح بين الأدلة. أما التأويل التبريري الذي يُراد به إخضاع النص لضغط اللحظة، فليس من الاجتهاد في شيء، وإنْ تزيّا بلباسه. فالمَلَكة تُميّز بين تأويلٍ يُعمّق الدلالة، وتأويلٍ يُفرغها.

وتبرز هنا مسألة السياق: فالواقع معتبرٌ في تنزيل الأحكام، لكن اعتباره لا يعني الذوبان فيه. فالفقيه الحقّ هو الذي يُحسن تصوير النازلة، ويُنزّل عليها الحكم بعد استكمال شروطه، دون أن يجعل الواقع مصدراً للحكم ذاته. والفرق دقيقٌ بين مراعاة الواقع واستمداد التشريع منه. ومن لم تُحصّنه المَلَكة وقع في أحد طرفين: إمّا أن يُهمل الواقع فيُنتج فقهاً معزولاً، وإمّا أن يُغرق فيه فيُنتج فقهاً تابعاً.

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للمَلَكة تقتضي إصلاح مسالك التكوين: إحياء الدرس اللغوي العميق، وتعميق النظر المقاصدي دون تفلّت، وتدريب الطلاب على التخريج والمقارنة، لا على الحفظ المجرد. كما تقتضي إحياء روح المسؤولية في الاجتهاد، حتى يُدرك المتصدّر أن الفتوى ليست رأياً شخصياً، بل تنزيلاً لحكمٍ شرعيٍّ يُسأل عنه أمام الله والناس.

إن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل لدينا نصوص كافية؟ بل: هل لدينا عقولٌ مؤهلة لاستنطاقها؟ وهل مناهجنا تُخرّج حافظاً أم تُنشئ ناظراً؟ إن أزمة الفقه ليست في مادته، بل في آلته، ليست في النص، بل في ضعف المَلَكة التي تتعامل معه. فإذا استُعيدت هذه المَلَكة في إطارها الرصين، عاد الاجتهاد إلى مساره الطبيعي: أمانةً للنص، وفقهاً للواقع، وعدلاً في التنزيل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 26 فبراير 2026 00:43

«إنني أقرأ لأنني نسيت»... هذه المقولة أطلقها رولان بارت، وهي التي تكاد تكون الحقيقة الأولى في الأدب وفي الفن. إننا نقرأ الأدب ونتمتع بالفنون نظراً واستماعاً لا لشيء، إلا لما نجده فيها من انعكاسات لأنفسنا. إنها نحن معكوسة أمامنا في أبيات شعرية أو حبكة روائية أو خطوط على لوحة... أو نغمة موقعة، (مقتبس من كتابي «الخطيئة والتكفير»). ومنه أنطلق لوظيفة النسيان في الإبداع.

ولو تصورنا كم تنتج أذهاننا من أفكارٍ في ساعة واحدة مثلاً، لما أحطنا بذلك عدداً، وكل حركة تمرّ بنا أو صورة أو صوت ستترك جميعها على صفحة الذهن صوراً ذهنية تتحول مع الوقت إلى أفكارٍ حسب حال ما نستقبله وما نسمعه وما نشمه. وكثيراً ما تكون هذه ظنوناً حسب مصطلحنا العام أو أوهاماً وهواجسَ، لكنها كلها تترك أثرها فينا ويختزنها الذهن وستذهب هناك في مخازن الذاكرة ظناً منا بأننا نؤجلها لتنقيحها وتنقيتها أو التخلص منها. والذهن تلقائياً يفعل فعل المحو المتصل، فكل صورة جديدة تدخل للذهن تنسخ سابقتها بمعنى إيداعها في خانة النسيان، وكل وجه يمر بنا سيتزاحم مع وجوه قبله.

وقد يلتصق بنا وجهٌ محدد أو صوتٌ محدد أو رائحة، ولكن ذلك كله سيمر وكأنه لم يحضر ونحن نعرف ذلك بخبرتنا مع ما يقع لنا في حياتنا اليومية ونعرف من خبرتنا أننا سننسى، ولذا نلجأ لتسجيل بعض الحوادث اللافتة إما بالتقاط صورة أو رصد ملاحظة على ورق أو تثبيتها باستمرار تحت مظنة التفكر فيها، إلى أن يطرأ ما هو أشد إلحاحاً فيسرق لها نقطة اهتمامٍ مباشر وبمقدار إشغالها لتفكيرنا فهي ستتوثق معنا. وهذا ما يجعل التركيز على أي حال استقبالاً ذهنياً يفعل فعله في إلغاء غيره مما تخزّن من قبل.

وهذا يعني أننا مرهونون لفعل النسيان والمحو مع كل خطوة نخطوها طوال يقظتنا. وكذلك نجنح لنسيان أحلامنا في المنام وقليلٌ نادرٌ منها ما يتبقى ويظل معنا ولو لبعض الوقت.

ونحن ننسى فعلاً، والذاكرة الجمعية للبشر أيضاً تنسى، وفعل التذكير يصبح ضرورياً لاستعادة ولو بعض المنسي. كما أننا نمارس التغافل وهو وجه من وجوه التناسي. والتغافل فعلٌ أخلاقي وترفعٌ سلوكي وأحيل هنا لكلمة ابن حنبل في أن «التغافل تسعة أعشار حسن الخلق» وأنك لكي تعفو لا بد أن تنسى وهي قيم أخلاقية عليا لها وظيفةٌ تحقق سلامة الضمير وتحريره وتعني العيش بسلام، وهذه ضرورية للعلاقات العامة وللأمن الاجتماعي.

وقد يكون التذكر نقمةً حين يكون سبباً للحقد أو الرغبة في الثأر، والثأر حس شيطانيّ شخصه غاندي بقوله «الثأر هو أن تعظ الكلب الذي عظك».

على أن التذكر الكامل الذي نسميه الحفظ يكون مزحوماً بالتفاصيل، والتفاصيل تقتل الإبداع كما تفعل التخمة بالجسد، حيث تفسد حس التذوق، ولكن نصف التذكر يحفز الذهن لتغطية الناقص وهذا مدعاةٌ للإبداع. والأبلغ إبداعية هو حين ننسى الحدث بالمطلق، وهنا تنشط المخيلة لاستعاضة المفقود كما فعلت الثقافة مع قيس بن الملوح حيث أفقدته عقله أولاً، ثم جعلته يهيم بليلاه العامرية، وهو الاسم الذي أصبح مطلباً لكل شعراء الحب والفقد والتعلق اقتداءً منهم بالمجنون تعشقاً وتأسياً. وكل فقدٍ هو مدعاةٌ لإبداعٍ يسد مسد ما فات.

غير أن هناك صيغاً للنسيان تعطي نتائجَ سلبيةً كأن ننسى المعروف أو ننسى حق غيرنا علينا أو ننسى درساً في لحظة الامتحان، أو حبة دواء تضبط جريان الدم في الجسم. وهذا النسيان الضار، ويجاريه النسيان النافع كحال الكوليسترول النافع يقابله الآخر الضار.

ومن ثم فإن وظيفة النسيان وظيفة حيوية تفوق وظائف التذكر من حيث مزايا النسيان أو مخاتلاته، وكل مزية لها وجهها السلبي، فقوة الملاحظة مثلاً ترهق صاحبها ولو غفل استراح. وفي النهاية فلعبة التذكر والمحو هي لعبة إبداعية تجلت لدى مجنون ليلى بقوله:

عَشيَّةَ ما لي حيلَةٌ غَيرَ أَنَّني

بِلَقط الحَصا وَالخَطِّ في الدارِ مولَعُ

*

أَخُطُّ وَأَمحو كُلَّ ما قَد خَطَطتُهُ

بِدَمعِيَ وَالغِربانُ حَولِيَ وُقَّعُ

فالخط والمحو هو الصيغة الشعرية لفعل الذاكرة في لعبة التذكر والتناسي. ولا تستقيم أمور الحياة العقلية ولا الوجدانية إلا في تداول مستمر بين التذكر والنسيان، وهذه وظيفة النقص في البشر، حيث تتحرك العقول لسد النواقص ومنه تأتي الابتكارات والاختراعات وكذلك فتوحات الإبداعات الكبرى.

ويبلغ النسيان أخطر درجاته حين يكون متقّصداً وهو الذي نسميه بالتناسي، وهذا جرمٌ ثقافي فتاك ومن أقصى أمثلته تناسي دور المرأة في الفلسفة، وبما أن الفلسفة هي أعلى درجات الفكر الحر، فإنها وقعت تحت سوط الاحتكار الذكوري مثلها مثل الفحولة الشعرية، وكلاهما حكرٌ على الرجال رغم وجود عشرات الفيلسوفات على مر التاريخ، وقد جرت محاولاتٌ لاستعادة ذاكرة الفيلسوفات، ولكن بعد أن تمكن التناسي من سحق وجودهن حتى لم يعد ينفع معه أي مسعى لتذكير ما طمسته الثقافة.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الثلاثاء - 07 رَمضان 1447 هـ - 24 فبراير 2026 م

التأم في القاهرة مؤخراً المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري التابع للأزهر الشريف، حول موضوع الفرق الإسلامية «من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية». ومن الواضح أن الغرض من تأسيس هذا المركز في أحضان الأزهر الذي كان في السابق القلعة الأساسية للأشعرية في العالم السُّني، هو تجديد مناهج علم الكلام الذي كاد يتلاشى في العقود الأخيرة التي سادت فيها أَدْلجة الدين وتسييس العقيدة.

في السنوات الماضية، أصبحت أهم الأعمال حول علم الكلام الأشعري تصدر أساساً في الجامعات والمؤسسات البحثية الغربية، في حين تقلّص الاهتمام بهذه المباحث في أعرق الجامعات العربية، رغم أن جُلَّ أهل السنة لا يزالون متشبثين بالعقيدة الأشعرية التي هي مذهب أغلب أئمة التوحيد والفقه في التقليد الإسلامي الوسيط.

والواقع أن منزلة علم الكلام الإبستمولوجية لا تزال تطرح إشكالات معقّدة، بحيث تتباين الآراء حول هذا العلم، هل هو نمط من اللاهوت الإسلامي، أو ممارسة حوارية جدلية، أو فلسفة كاملة في الدين تقدم رؤية شاملة للعالم؟

وفي مقالة بعنوان «علم الكلام» صادرة سنة 1992، يُبيّن المستشرق الأميركي ريتشارد فرانك أن هذا العِلم ليس مجرد صناعة خطابية جدلية للدفاع عن «العقيدة الصحيحة»، كما يُقدَّم عادة في التراث الإسلامي، بل هو نسق فلسفي متكامل له مناهجه ومفاهيمه الخاصة، وقد تناول إشكاليات طبيعية وأخلاقية ودينية معقّدة مثل الحرية الإنسانية والعدالة الإلهية ونظام الطبيعة.ما يميّز علم الكلام عن اللاهوت، حسب رأينا، هو كونه لا يصدر عن منطق «عقلنة الاعتقاد في الموضوع الإلهي»، كما هو الشأن في اللاهوت المسيحي، فالمتكلمون متّفقون على أنه لا سبيل للبحث في الذات الإلهية، وإنما الاكتفاء بأثر الصفات في العالم والتجربة الإنسانية. وهكذا ندرك أن المباحث الكلامية تتمحور حول الطبيعة والوجود والأخلاق، ولا تتعلق بالميتافيزيقا ذاتها.

بيد أنه لا بدّ أن نبيّن في ضوء ملاحظة ثاقبة لابن خلدون في مقدمته أن علم الكلام انتقل منذ نهاية القرن الخامس الهجري إلى نمط من الخطاب الفلسفي الذي يتجاوز منهج الإلزامات الذي كان سائداً من قبل، بيد أن ما يعتبره ابن خلدون «طريقة فلسفية في الكلام» نراه مظهراً لتحول إبستمولوجي نوعي بدأ مع الغزالي وفخر الدين الرازي، اللذيْن استكملا المنعرج الأنطولوجي الذي دشّنته المدرسة الاعتزالية الأخيرة (البهشمية) من خلال استخدام القاموس السينوي.

ما أوضحَتْه كتابات الغزالي، في امتداداتها لدى الشهرستاني والرازي، هو ضرورة الانتقال من عِلم الجدل العقدي إلى فلسفة الدين، بحيث يتحول علم الكلام إلى مجرد مدونة اعتقاد لعموم أهل الملة، وتُصاغ مسائل النظر الإشكالي في الطبيعة والأخلاقيات والإلهيات في قوالب فلسفية تسبطن الروحانية الإسلامية في مرتكزاتها الصوفية العميقة.

وهكذا ندرك أن الأشعرية المتأخرة تحوّلت بالفعل إلى منظومة اعتقاد جماعي في مسائل الصفات والقدر والإمامة، فانتشرت على نطاق واسع، لكنّها انفصمت عن أفقها الفلسفي الذي كاد يختفي في العالم السُّني.

الأدهى من هذا كله، هو أن الأشعرية تعرّضت لضربات متلاحقة، من النزعات الإصلاحية التي رأت فيها علامة على الجمود والانغلاق والجبرية (باستثناء محاولة محمد إقبال الرائدة في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام)، ثم من الاتجاهات الحداثية التي ربطتها زوراً باللاعقلانية والاستبداد (محمد عابد الجابري وحسن حنفي)، في حين حاربتها حركات الإسلام السياسي وأرادت استبدالها بما سمّته «التصور الإسلامي الخاص».

لقد ظلّ الباحث المصري علي سامي النشار يُغرِّد سنوات طوالاً وحده، داعياً إلى إعادة الاعتبار للأشعرية، من حيث هي التعبير عن المضمون العقدي المعتدل والمتسامح للإسلام السني، إلا أن الدراسات الغربية الجديدة قدّمت فعلاً خطوات ملموسة في اتجاه إبراز الجوانب الفلسفية العميقة في التقليد الأشعري، حتى في الموضوعات التي كانت في السابق مدار جدل واعتراض مثل نظريات الجوهر الفرد والكسب وقانون تأويل الصفات والأفعال... ومما يُحمَد لشيخ الأزهر الحالي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب أنه بادر منذ توليه المسؤولية العليا إلى إعادة الاعتبار للأشعرية، وقد دعاني مع عشرات المختصين والمهتمين بفكر الإمام الأشعري إلى مؤتمر علمي حاشد عُقد في القاهرة منذ سنوات، وليس المركز الذي بدأ نشاطه العلمي خلال الآونة الأخيرة سوى ثمرة لهذا الجهد المبارك. وحاصل الأمر، أن العودة للأشعرية في تراثها العلمي وبنائها الفلسفي ضرورة قصوى لتحرير الإسلام من تعصُّب العقائد الجامدة والأيديولوجيات السياسية التي قوّضت روحانية الدين وألغت جوانبه العقلانية الثرية.

***

 د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 22 فبراير 2026 23:51

اشتغل صمويل هنتنغتون في مقالته: «صراع الحضارات» (عام 1993 التي صارت كتاباً عام 1996) على مقولة إنّ لكل حضارةٍ جوهراً مكوِّناً لا يتغير هو عبارة عن دينٍ معين. وفي اعتباره أنّ الحضارات الحية الباقية ما بين سبع وتسع توشك أن تنضوي جميعاً تحت مظلة الحضارة اليهودية المسيحية، باستثناء الحضارة الإسلامية التي تمتلك حدوداً دموية، أي تُواجِه الحضارة المنتصرة بالعنف، وتأبى الانضمام إلى ركب الحضارة الفائزة، بعد إسقاطها للاتحاد السوفياتي!

ومن طريقٍ معاكس تعظيمي للحضارة العربية والإسلامية، توصل الراديكاليون الديكولونياليون الكارهون لهنتنغتون إلى النتائج نفسها: الإسلام دين عظيم وحضارة مكتملة، والغرب وتنويره وحداثته هو الصانع لكل شرّ لا يمكن للإسلام التلاؤم معه. أما الذي يتوهم إمكان التلاؤم فإنه يوشك أن يخرج من الإسلام!

وهكذا، فاليمين الغربي يعتبر الإسلام خارجاً على الحضارة بعنفه. أما اليسار الديكولونيالي، فيقول بوجوب الخروج على الغرب الذي هو بدوره يتآمر عليه ويرمي لإبادته.

والواقع أنّ كلا التيارين (اليميني واليساري) مخطئٌ في فهم العرب والمسلمين وتقديرهم. وقد بدأ اليمين العلماني هذا النزوع في أواسط القرن التاسع عشر، عندما اكتشف إرنست رينان، المفكر والفيلولوجي الفرنسي، ابن رشد والرشدية اللاتينية التي عملت على تحرير أوروبا من الظلامية الدينية. وفي الوقت نفسه ألحق الإسلام واليهودية بالعقلية السامية الجامدة التي لا تعرف الإبداع(!). ومنذ ذلك الوقت، احتار «المستشرقون» في تكييف الإسلام، سواء اعتبروه من نتاجات العقلية السامية، أو اعتبروه خصماً شرساً للمسيحية وأطروحاتها الإنسانية، أو أنه شهد زمان نهوض، عندما كان المسلمون يفيدون من التراث اليوناني، حتى إذا أعرضوا عن ذلك انتصر لديهم الانحطاط، وهو الانحطاط الذي حَلَّل جموده وكوارثه برنارد لويس... وهنتنغتون وآخرون!

ومنذ إدوارد سعيد، وإلى يساره فيما صار يُعرفُ بتيار التابع (subaltern)، تصاعدت الحملة الشعواء على الغرب الآثم العامل على إبادة العالم وإبادة نفسه. وهذا تقليد منذ أيام الاستعمار وفي شتى العلوم والسلوكات. عند إدوارد سعيد كان الإسلام (في كتابه: تغطية الإسلام) مظلوماً في العلوم والإعلام والثقافة بالغرب، ثم نما هذا الميل و«تردْكل» واتجه إلى التاريخ الفكري والفقهي والفلسفي، فتبلور الإسلام عبر التاريخ باعتباره نظاماً كاملاً يكون عليه أن يصادم الغرب المتآمر عليه وعلى العالم. وكما أفاد الإسلامويون من نزعات إدوارد سعيد المخاصمة للغرب، أفادوا أكثر من نزعات الديكولونياليين المنتشرين في الهند وأميركا اللاتينية والجامعات الغربية(!). نعم، يزدهر اليوم الغضب على الغرب بسبب حرب الإبادة في غزة.

وبالطبع فإنّ هاتين النزعتين: نزعة «الإسلام ضد الحضارة» ونزعة «الإسلام عَلَم الحضارة»، تتغذيان من الهيام بالغرب أو كراهية الغرب. فلا يمكن تهميش الإسلام وحصره في بوتقة الاستشراق، وهو واقعٌ في قلب العالم منذ القرن السابع الميلادي. ومن عالمه ومن حوله خرجت الديانات الإبراهيمية، وهو الذي قاد الحضارة العالمية لثمانية قرون. وحتى القرن السادس عشر عندما حمل البرتغاليون المدافع على سفنهم التجارية، كان الصينيون والمسلمون هم سادة التجارة العالمية وحواملها الثقافية. وحتى عندما كان الاستعمار سائداً في القرن التاسع عشر، ظلَّ خير الدين التونسي يسعى لإقناع الغربيين وبني قومه بأنهم شركاء، وكذلك الأمر نفسه حاوله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في «العروة الوثقى»: «ضرورة التحرر من الاستعمار الأوروبي لأننا شركاء في الدين والثقافة والتاريخ والأخلاق، وليس بيننا سيدٌ ومسود»!

لا نستطيع الانضمام إلى تيار التابع في الاحتجاج، لأنّ موقعنا من أوروبا بالفعل ليس بهذه الهشاشة والتبعية. كما أننا لا نستطيع الانضمام إلى زعم الحضارة اليهودية المسيحية، لأنه ليست هناك حضارةٌ كهذه، بل إنّ هناك من ألّف (R. Bulliet) في الحضارة المسيحية – الإسلامية. مثقفو الديكولونيالية بالهند وأميركا اللاتينية يعتقدون أنّ الغرب أخرج هذه الشعوب من إنسانيتها(!). وقد حاولوا ذلك معنا، لكنهم فشلوا لأننا جزءٌ منهم، شاءوا أم أبوا. والدليل على ذلك أن الصراع الثقافي والعسكري لم يخمد رغم تفاوُت القوى، ورغم الابتلاء بإسرائيل!

يا دعاة الديكولونيالية ويا دعاة رؤية التابع: إنّ التبرؤ من قيم الغرب، رغم كثرة ارتكاباته، يعني التبرؤ من نصف ما نعيشه وما نؤمن به. وما أسوأ ما قاله كيبلنغ: «الشرق شرق، والغرب غرب ولن يلتقيا»! نحن إلى لقاءٍ رغم الخلاف، لأنّ الكفر بالغرب كفر بتاريخية الذات، وشراكة الحضارة.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 03 رَمضان 1447 هـ - 20 فبراير 2026 م

قصة البشر مع الخلود قصة عجيبة طريفة، لكنها مليئة بالعبر والحكم، فقد كان الإنسان مولعاً بالخلود ولعاً شديداً إلى درجة أن أبانا آدم كان الوهمُ الذي أسقطه من عليائه، ليستبدل بالدار الفانية خلوداً لا يداخله موت، وقصته مع حفيده داوود في هذا المعنى شهيرة أرّخها قوله صلى الله عليه وسلم «يقول نسي أبوكم فنسيتكم».

عنونت هذه المقالة بمديح الخلود وليس وهم الخلود، لأنه في الحقيقة وإنْ كان وهماً فقد نُسي كونه كذلك، ولفردريك نيتشه عبارة جميلة في هذا المقام يقول فيها: «الحقائق أوهام نسينا أنها أوهام»، وعندما تحثنا  الحِكم على أن نعمل في دنيانا كأننا لا نموت أبداً، فهو نوع من تكريس هذا الوهم لأنه ضروري لعمارة الأرض التي نُدب إليها الإنسان، ولولا هذا الإحساس الكامن بفطرته بالخلود لما استطاع أن يقيم عمارة الأرض بهذا البذخ والجبروت الذي نراه اليوم. لذا اخترتُ المديح على الوهم، فهو وإنْ كان وهماً فخليق أن يمدحَ ويُنتصر له. ومن هنا فالشوق إلى الخلود لم ينتهِ مع أبينا آدم بل قَوي في أبنائه واستعرّ.

تخبرنا قصة جلجامش، هذه الملحمة البابلية القديمة، عن هذا النزوع القوي إلى الخلود شخصاً، فقد كان جلجامش يطمع في حياة لا نهاية لها، وتروي القصة المصاعب والمتاعب التي قاساها ليصل إلى نبتة الخلود، فما إنْ عثر عليها حتى هجمت عليها حيّة فابتلعتها فتركته كئيباً حسيراً.

إذا كان آدم عليه السلام وجلجامش قد أخطآ خلود شخصيهما، فإن النوع البشري لم يخطئه، على الأقل ما دامت السّماء هي السّماء والأرض هي الأرض، فقد كان لجوء الإنسان إلى التّعبير عن عقله وأشواقه وخططه بأشكال متنوعة نظرية وعملية وجمالية، أملاً في ذكرٍ لا ينقطع ضرباً، من خلود نجح فيه بشكل كبير.

فالأنبياء الذين قعّدوا للحضارة أخلاقها الكاملة لا يزالون يذكرون في جميع المحافل اللائقة بهم، وأساطين الشعراء الذين نَفثوا في البشرية روح المعاني الرفيعة التي نبتت منها العلوم أمثال هوميروس وهوزيود وشعراء المعلقات العرب وغيرهم، وقادة الفكر ممن أسّسوا للحضارة قواعدها من أمثال أرسطو وأوغسطين وأبو نصر الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم لا يزالون يذكرون في محافلهم، وكثير من الصروح العمرانية التي شيّدها الإنسان وبخاصة ما أصبح يسمى بعجائب الدنيا السبع القديمة، وهي عجائب وإنْ اندثر بعضها فإنها ظلّت في مخيلات البشر تنطق بتجلّي هذا الشوق العارم إلى الخلود ضداً على حدثان الزمان وصروف الدهر. ولعل هذا الشوق إلى الخلود هو الذي أنتج عجائب الدنيا الحديثة، كما جعل أبانا إبراهيم عليه السلام يدعو ربّه أن يجعل له ِذكراً في الآخرين، إذ لم يكن فيلسوف الأنبياء بمعزل عن هذا الشعور المضمّخ باللّانهائي البشري، والذي يمتد ما دام زمان الناس قائماً وأسواقهم عامرة، ولعل أفلاطون كان التعبير عن هذا بجلاء في محاورته الشهيرة «فيدون» في خلود النفس، والتي كان لها أثر كبير في حياة فلاسفة الإسلام.

لكن الإنسان الحديث، وقد تملّكه وهم الخلود تملكاً عجيباً أراد أن يجعله خلوداً شخصياً لا خلوداً نوعياً، وهو يمضي اليوم في أبحاثه المتعلقة بالجينوم البشري بحثاً عن إكسير الحياة. نعم قد يزيد العمر، وقد يتضاعف كما هو حال ليلة القدر عند المسلمين، لكن الخلود سيظل أجمل وهم إنساني يَؤزُّه إلى عمارة الأرض والضّرب فيها كأنه سيعيش أبداً، وهو وهم أحرى بمدحه من ذمّه، وأليق أن يشاد به من تخْسيسه.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 20 فبراير 2026 00:53

كتابه الشهير عن التربية والدين أشعل الحرائق في كل مكان

يا لها من معركة حامية الوطيس تلك التي جرت في قلب القرن الثامن عشر: عصر التنوير الكبير. كل المثقفين الفرنسيين انقسموا إلى قسمين: قسم مع حزب الفلاسفة وقسم مع حزب الأصوليين. وهناك قسم ثالث بين بين. ولكن ينبغي الاعتراف بأن أغلبية الشعب الساحقة كانت مع الأصوليين لا مع الفلاسفة. وهذا شيء طبيعي لأن أفكار الأصوليين كانت مسيطرة على الجميع منذ مئات السنين وكانت راسخة في العقليات رسوخ الجبال. أما أفكار الفلاسفة وتصوراتهم عن الدين المسيحي فكانت جديدة كلياً، وبالتالي فلا قاعدة شعبية لها. ولن تتشكل لها قاعدة إلا بعد مرور وقت طويل. ولذلك قال أحدهم: كانت فرنسا أصولية ظلامية في بداية القرن الثامن عشر ثم أصبحت فولتيرية تنويرية في نهايته. لكن ليس عن فولتير سوف أتحدث الآن وإنما عن القطب الآخر جان جاك روسو. فالواقع أن تأويله الجديد والمنعش جداً للدين المسيحي كان أخطر من تأويل فولتير، وتجديده أكبر بكثير، على عكس ما نظن.

بعد أن أصدر روسّو كتابه الشهير عن التربية والدين عام 1762 هاجت عليه الهوائج. ونزل مطران باريس كريستوف دو بومون شخصياً إلى ساحة المعمعة. قال عنه ما فحواه: «إننا نُدين الكتاب الصادر عن هذا الشخص المسمى جان جاك روسّو الذي يدَّعي العلم والفلسفة وهما منه بَرَاء. إننا نُدينه إدانةً قاطعةً مانعةً لأنه يحتوي على جملة من الأخطاء الفاحشة عن ديننا وتراثنا. إن كتابه مليء بالكفر والهرطقة والزندقة. ينبغي أن يعلم الجميع أن أفكاره الهدامة تزعزع أركان الدين المسيحي».

في الواقع أن أفكار روسّو لا تشكل أي خطر على الدين، وإنما فقط على الأصولية الدينية. وشتّان ما بينهما. ولكن ما كان أحد يستطيع التفريق بينهما في ذلك الزمان. ونضيف؛ ولا حتى في هذا الزمان.

من يستطيع التفريق بينهما في العالم العربي حالياً؟ ولذلك ردَّ عليه روسّو قائلاً: «يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لعقيدة الإنجيل فقط. يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن ليس كتلميذ للكهنة والأصوليين وإنما فقط كتلميذ ليسوع المسيح. إنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لقوانين العقل والمنطق لا طبقاً للخرافات والشعوذات، والتعصبات والتكفيرات... إلخ».

يقال إن فولتير عندما قرأ نص روسّو عن الدين صرخ قائلاً: «رائع، رائع، ليتني أنا الذي كتبته». ويقال إنه أحسَّ بالغيرة تلسع قلبه لسعاً، وكذلك الحسد. ومعلوم أن المثقفين الفرنسيين يغار بعضهم من بعض تماماً كالمثقفين العرب. هل رأيتم امرأة حلوة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ من رابع المستحيلات. تكاد تذبحها. وكذلك لن تجدوا مثقفاً واحداً يُثني على مثقف آخر الا ما ندر. أين تكمن المشكلة بالضبط؟ إنها تكمن في الشيء البسيط التالي: الأصوليون الظلاميون يشكّلون صورة معينة عن الدين، والفلاسفة التنويريون يشكّلون صورة أخرى مضادة تماماً. الأصوليون يشكّلون صورة تكفيرية متجهمة، والفلاسفة يشكّلون صورة تسامحية متنورة. ينبغي العلم أن جان جاك روسّو كان يأخذ من الدين جوهره لا قشوره. ولهذا السبب اندلع الصراع بينه وبين الأصوليين. وجوهر الدين في رأيه يتلخص في عبارة واحدة: الإيمان بالله والعمل الصالح ومكارم الأخلاق. جوهر الدين هو الشفقة على الفقير والمسكين واليتيم وابن السبيل. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم حرفياً كما نعلم. وبالتالي فالعبرة ليست في الشعائر والطقوس والعبادات وإنما في الأفعال والمعاملات. ولذلك قال أحد فلاسفة الأنوار الكبار: الدين المعاملة. نقطة على السطر. مَن كانت معاملته حسنة مع الآخرين، مَن كان نزيهاً صادقاً، فهو أكبر متدين حتى ولو لم يؤدِّ الطقوس والشعائر.

وأما من كان غشاشاً في التعامل فهو ليس من الدين في شيء حتى لو صلّى يومياً مائة ركعة. يضاف إلى ذلك أن الفلاسفة كانوا يقولون ما معناه: المسألة ليست هل أنت مع الدين أو ضد الدين. كلنا مع الدين. المسألة هل أنت مع الأصولية الطائفية التكفيرية التي تؤدي مباشرةً إلى المجازر والمذابح أم لا؟ هذا هو السؤال الأساسي، والباقي تفاصيل.

لكن لِنَعُدْ إلى جان جاك روسو. بعد أن أصدر كتابه الشهير الذي أشعل الحرائق في كل مكان احمرَّت عليه الأعين وأصبح في عين العاصفة. ولذلك قال له صديقه الكبير وراعيه، الماريشال دو لوكسمبورغ، بعد الثانية ليلاً: «البس ثيابك فوراً وارحل على وجه السرعة. إنهم آتون للقبض عليك». ومعلوم أن الماريشال كان ينتمي إلى إحدى كبرى العائلات الأرستقراطية الفرنسية. وهكذا ودَّعه روسّو باكياً وهو يعرف أنه لن يراه بعد ذلك اليوم، لأن الماريشال كان متقدما في السن.

وبالفعل فقد لمح روسّو رجال الشرطة الآتين للقبض عليه في منتصف الطريق. هم آتون وهو راحل. لقد نجا منهم بأعجوبة في آخر لحظة. وعندما وصل إلى سويسرا نزل من عربة الخيول وانبطح فوراً على التراب السويسري قائلاً: «أقبِّل أرض الحرية». كان يعتقد أنه قد نجا بنفسه بعد أن عاد إلى أرض آبائه وأجداده. ومعلوم أن سويسرا الأقلّوية البروتستانتية كانت أكثر تسامحاً واستنارةً من فرنسا الظلامية الكاثوليكية. ولكنَّ هذا لا يعني أن رجال الدين فيها كانوا قادرين على هضم أفكاره عن الدين. فقد كانت سابقة لأوانها بكثير. والدليل على ذلك هو أن كتبه أُحرقت أيضاً في جنيف. فاضطر إلى الهرب إلى إنجلترا؛ أكثر بلدان أوروبا تسامحاً واستنارةً في ذلك الزمان.

عندئذٍ عاش جان جاك روسّو فترة عصيبة استمرت حتى مات. يقول عن ذلك في كتاب «الاعترافات» الشهير: «هنا في هذه الفترة بالتحديد ابتدأت المؤامرة الكبرى التي لا تزال تلاحقني وتُطْبق عليَّ حتى اللحظة. منذ ثماني سنوات وأنا غارق في ظلمات رهيبة لا أعرف ما الذي يحصل حولي. أشعر بالضربات الموجعة ولكن لا أعرف بالضبط مَن هي اليد التي تلسعني من خلف الستار. كل ما أعرفه هو أني مطوَّق من كل الجهات: لا مخرج ولا منفذ ولا خلاص».

كان هناك أمير فرنسي من العائلة المالكة يحميه سراً من الاعتداءات الجسدية أو حتى الاغتيال. وكان أميراً ليبرالياً معجباً بالأفكار التنويرية الجديدة التي ابتدأت شمسها تشرق على البلاد. وفي إحدى المرَّات قال له: «انتبه جيداً حالتك أصبحت حرجة جداً، وأنا ما عدت قادراً على حمايتك. أفكارك عن الدين تعد راديكالية وانقلابية أكثر من اللزوم. وهي مرفوضة من كل الأصوليين المزمجرين الذين يكادون يشربون دمك شرباً. وقد يفتكون بك في أي لحظة. فانزل تحت الأرض».

وهكذا اختفى جان جاك روسّو عن الأنظار. بل غيَّر اسمه وملابسه وهيئته وشكله لكيلا يعرفوه وهو يمر في الشارع.

وحلف بأغلظ الأيمان بأنه لن يكتب حرفاً واحداً بعد اليوم؛ لا عن الدين ولا عن السياسة ولا عن أي شيء. وهذا أكبر دليل على مدى ضراوة الصراع الذي كان دائراً آنذاك بين الأفكار الجديدة والأفكار القديمة. كما أنه أكبر دليل على أن المفهوم الأنواري الجديد للدين المسيحي، أي المفهوم العقلاني واللاطائفي واللاتكفيري، لم يتحقق الا بعد مخاض عسير. هنا تكمن معجزة الأنوار الكبرى.

وبعد موته عام 1778 عن خمسة وستين عاماً قبروه في إحدى ضواحي باريس المحاطة بغابات السرو والصفصاف. وهل هناك أجمل من ضواحي باريس؟ وراح البشر يتوافدون على قبره زرافاتٍ ووحداناً. ولن تصدقوا إذا ما قلنا لكم إن ماري أنطوانيت وزوجها لويس السادس عشر قاما بالزيارة أيضاً ضمن إطار «الحج الفلسفي». وعندما رآهما الشعب صفَّق لهما طويلاً. كان ذلك في 14 يونيو (حزيران) 1780.

وأما نابليون بونابرت الذي كان يعرف جيداً من هو جان جاك روسّو؛ لأنه كان تلميذه المعجب جداً بكتاباته، فقد زار القبر يوم 28 أغسطس (آب) 1800. وبعد أن خشع أمامه طويلاً قال لأحد مرافقيه هذه العبارة التي لا تكاد تُصدَّق: «كان من الأفضل من أجل راحة فرنسا لو أن هذا الرجل لم يوجد قط». فاستغرب مرافقه وسأله باندهاش: «ولماذا يا جلالة الإمبراطور؟»، فأجابه نابليون: «لأنه هو الذي مهَّد للثورة الفرنسية وأشعلها».

فقال له المرافق: «والله شيء عجيب، كنت أعتقد أنه يحق لجميع الناس أن يتذمروا من الثورة الفرنسية ما عداك أنت؟ لولاها لما كنت على رأس فرنسا الآن».

فأجابه نابليون: «المستقبل وحده سيقول ما إذا لم يكن من الأفضل لراحة البشرية كلها أنه لم يوجد شخصان اثنان على وجه الأرض: أنا وجان جاك روسو...».

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 15 فبراير 2026 م ـ 27 شَعبان 1447 هـ

يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ؛ لأن الحداثة، حين نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة. لذلك يصرّ يورغن هابرماس على أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بل ويعدّ «ما بعد الحداثة» مشروعاً نقدياً داخل الحداثة وليس منفصلاً عنها.

الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث بمعنىً أو بآخر، وبالتالي؛ فإن الحداثة شريكة في هذا المنجَز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.

الأستاذ محمد سبيلا ترجم بحثاً للفيلسوف جان بودريار عن «الحداثة»، وهو من البحوث المهمة، وقد تطرّق فيه إلى أفكار كثيرة، منها أن الحداثة ليست مفهوماً سوسيولوجيّاً، ولا مفهوماً سياسياً، وليست بالتمام مفهوماً تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالمياً انطلاقاً من الغرب، ومع ذلك، فهي تظل مدلولاً ملتبساً يشير إلى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية.

غير أن تشارلز تايلر، وهو من المنظّرين لتاريخ الحداثة، له رأيٌ آخر، ففي كتاب «مسائل التعدد والاختلاف... مدخل إلى أعمال تشارلز تايلر» من تأليف سايد مطر، أن الحداثة عنده ذات طابع غربي خاص وفريد. فالحداثة عند تايلر «لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التطور الثقافي والسياسي والأخلاقي الخاص بالمجتمعات الغربية. من الضروري إذن، بحسب تايلر، إذا ما أردنا الغوص في فهم الهوية الأخلاقية والسياسية الغربية الحديثة، أن نتتبع تطورها التاريخي حتى وقتنا الراهن. وجاءت دراسته للحداثة انطلاقاً من التفكيك الذي أصاب الروابط القروسطية للجماعة التاريخية التقليدية وأصاب أيضاً الدين، مروراً بعالم تحول إلى (عالم عديم السحر)، ووصولاً إلى إعلان استقلالية الذات الإنسانية كمرجع وحيد يحدد اختيارات الفرد والتزاماته الحياتية. وما يميز الحداثة في مراحلها الأولى، بحسب تايلر، نزعتها الصريحة إلى (المذهب الإنساني الحصري - (Exclusive Humanism)».

نعم إن الحداثة لها جانب معقّد ذو اشتباك تاريخي؛ لها بداية ونهاية، ولها جانب بسيط؛ مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشروعات التنموية العالمية، والأفكار الكبرى على مستويات تطوير نظريات الأدب والسياسة والدولة، ذات بعد حداثي بمعنىً أو بآخر. إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تاريخها المرتبط بأحداث سياسية ودينية، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم.

الخلاصة: الحداثة مثل أيّ مفهومٍ آخر؛ تمر بأطوار وتتنقل وتتحوّل مع محض التجربة. ولكن يمكن أن ألخّص رأيي في نقطتين أساسيتين: الحداثة ليست محصورة في التجربة الغربية الفريدة، ولم تكن منذ انعكاسها الأول علينا؛ نحن العرب والمسلمين، خارج الهواجس والتهم العميقة؛ وذلك بِعَدّها معادية للأديان بالنسبة إلى البعض... هذه الفكرة رسمت الموقف البسيط مع المنتج الحداثي؛ الفني، والفلسفي، والمعرفي، والتقني. وُضعت الحداثة بإزاء الدِّين، بوصفها ستحلّ محله، أو ستقوّض بنيانه، أو ستهدم قيمه. انتقل العداء للحداثة من العامي الوعظي، ليحولها بعض دارسي الفلسفة إلى منهاجٍ مفهومي، باسم الدهرانية، أو العلمانية الشاملة، أو الداروينية الاجتماعية. بينما الحداثة لم تبثّ يوماً لظاهرتها تعريفاً يتفق عليه الجميع، فهي تشمل كل الرحلة الأوروبية الطويلة منذ القرن السادس عشر، وحتى عصور الأنوار، وزلازل كوبرنيكوس وغاليليو والثورة الفرنسية، وصولاً إلى فتوحات الفلاسفة في نظرية المعرفة. فالحداثة بمعناها العام هي قصة تحولات الإنسان نحو اكتشاف ذاته وعلاقاته بالعالم. واكتشافُ موقعه من الأشياء لا يعني العدوان عليها، ومن ذلك فهم الدين، ولا يمكن عَدّ تلك الرحلة مقتصرة فقط على جانبٍ محدد يتعلق بالحرية، أو الانشقاق على هيمنة الكنيسة، بل الرحلة أشمل وأعم.

النقطة الثانية أن الحداثة بتحولاتها وصَرعاتها المتصلة بتطور العلوم الإنسانية، ومن ثم توسع المشروع البعدي منها ضمن انتقالاتٍ من الكليات إلى الجزئيات، ومن المتن إلى الهامش، ومن الصرح إلى الزاوية، ومن الإنسان إلى ظلّه، اتُّهمت بأنها حالة مسيحية، وذلك من قِبل منتقدي الحداثة في القرن العشرين، منذ نيتشه وهيدغر وحتى ليوتار وباديو وفوكو وبارت ودلوز. وعدّت نظريات كانط وهيغل مجموعة تنويعات عقلانية على المسيحية كما يكتب نيتشه. بمعنىً آخر؛ فإن الحداثة مفهوم هائل ومتطوّر وينسجم مع تجارب الدول والأمم والشعوب... إنه مفهوم سهل وبسيط وشريك للناس في حيويتهم الدنيوية، وللنّظُم في تشريعات القوانين الضابطة للمجال العام.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب وباحث سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 19 رَجب 1447 هـ - 8 يناير 2026 م

في مقالة نشرت خلال الآونة الأخيرة بصحيفة «جون أفريك» الفرنسية، يتحدث الفيلسوف الكاميروني «أشيل بمبة» عن ثلاث أزمات كبرى تعاني منها المجتمعات الأفريقية هي: أزمة إنتاج الموارد الوطنية، وأزمة التوزيع العادل للثروة القومية، وأزمة المواطنة السياسية. في تحليله لهذه الأزمات، يرى «بمبة» أن مصدرها الأساس هو ما يسميه «الاستعمار الذاتي»، الذي يتمثل في استمرار أساليب الإدارة الاستعمارية لدى نخب الاستقلال الحاكمة من تحكم تعسفي بدلا من الحكامة الراشدة ومن فساد ونهب بدلاً من التدبير العادل.

مفهوم الاستعمار الذاتي يختلف نوعياً عن مقولة «قابلية الاستعمار»، التي اشتهر بها المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي، وكان يعني بها وضعية المجتمعات التي تفقد مناعتها الحضارية، فتصبح عرضة للغزو والاحتلال الأجنبي. الاستعمار الذاتي يعني استمرار أساليب الهيمنة الأجنبية بعد نهاية الحقبة الاستعمارية، بحيث تتغير الواجهة الخارجية دون أن تتحول السياسات العمومية. لتفسير هذه الظاهرة، اعتبر «بمبة» أن الأدبيات الاستعمارية لا تزال تشكل النسق التأويلي المحدد لوعي النخب الوطنية نفسها، فالتصنيفات والتحديدات الاجتماعية التي بلورتها تلك الأدبيات استبطنتها الثقافة المشتركة وغدت من مكونات المتخيل الجماعي.

ومن هذه التحديدات مفهوم الهوية العرقية الذي يبدو بديهياً وطبيعياً، مع أنه مخترع منتج تاريخياً لأغراض التشخيص والتجزئة، وكذا مفهوم «الزنوجة» نفسه الذي اعتمدته النخب التحررية والقومية مع أن الغرض الأصلي منه هو طمس إنسانية الإنسان الأفريقي وإقصائه من دائرة البشرية المتحضرة. في الإتجاه نفسه يبلور «اشيل بمبة» مفهوم «الجثثية السياسية» nècroplitique المستمد من نظرية الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو حول «السلطة الحيوية» التي قصد بها التحكم في أنماط العيش والحياة بما ترمز اليه مقولة السيادة الحديثة التي تتأسس على القدرة على إحداث «الموت الشرعي».

«الجثثية السياسية» هي سلطة الموت التي كان ينتهجها المستعمر في تحديده لمناطق خارج القانون، تعلق فيها الحريات والحقوق، ويصبح فيها العنف عادياً، بما يتمثل في تجارب العبودية والاحتلال القسري والحشد التعسفي. ومع أن الإستعمار انتهى، إلا أن ظاهرة «الجثثية السياسية» لا تزال هي المحدد للفعل السياسي داخل المستعمرات السابقة، وهي الأفق الاستراتيجي للعلاقات بين القوى الدولية والعالم الجنوبي الشامل.

الانقلابات العسكرية التي تتجدد حالياً في القارة الأفريقية تدخل في باب «الجثثية السياسية» حسب «أشيل بمبة»، بما تقوم عليه من نهج العنف والقتل وتحويل السياسة إلى حرب دائمة. كان المفكر البحريني الراحل محمد جابر الأنصاري يقول إن المجتمع العربي يعاني من ثغرة سياسية مزمنة، أرجع جذورها إلى عاملين أساسيين هما: الانقطاع الجغرافي بين المراكز الحضرية المحدودة والصحاري القاحلة التي هي أساس المجال الإقليمي المحلي، والانقطاع التاريخي بين فترات الحكم المركزي المستقر ومراحل الاضطراب الممتدة.

ولقد لاحظ الأنصاري أن الاستراتيجيات الاستعمارية أرادت قولبة المجتمع السياسي العربي وفق محددات الدولة السيادية القومية دون العمل على سد اختلالات التجربة التاريخية للمجتمعات العربية، من ثم أوجه المأزق الذي دخل فيه عدد من الدول المحورية في المشرق العربي مثل العراق وسوريا.. بالرجوع إلى ملاحظات الأنصاري التي تحمل بصمات خلدونية واضحة، يمكن القول إن الفرق الجوهري بين الاستراتيجيات الاستعمارية في افريقيا جنوب الصحراء والسياسات المطبقة في العالم العربي هو أن تلك الاستراتيجيات كانت من صياغة الاثنولوجيا الثقافية والاجتماعية التي وظفت في إعادة تشكيل نظام الحكم والتدبير السياسي(ما عبر عنه اشيل بمبة بصناعة العقل الزنجي la raison nègre)، في حين اتسمت السياسة العربية للقوى الاستعمارية بالتأقلم الواقعي مع المتخيل السياسي القائم بما يفسر هشاشة الإرث الاستعماري في المجتمعات العربية.

الإشكال المطروح اليوم في الفكر السياسي العربي هو إلى أي حد يمكن تحميل التركة الاستعمارية اختلالات الوضع الراهن؟ ففي الوقت الذي تسعى الأدبيات ما بعد الكولونيالية الصاعدة إلى إرجاع كل تلك الاختلالات إلى الموروث الاستعماري، تنزع الدراسات الاجتماعية النقدية إلى البحث عن جذور هذه الثغرات في المتخيل الثقافي والبنيات الاجتماعية مع تحميل القوى الاستعمارية مسؤولية الحفاظ عليها وعدم السعي إلى تغييرها على غرار ما حدث في مناطق كثيرة من العالم فرضت عليها الحداثة المستوردة.

قبل سنوات كتب غسان سلامة كتابا بعنوان «مطالب امبراطورية» تحدث فيه عن ظاهرة اللجوء إلى القوى الاستعمارية السابقة للتدخل في حل المشكلات الداخلية للدول المستقلة. ومع أن الظاهرة تغيرت جزئيا في السنوات الأخيرة، إلا أن أزمات الحقل السياسي في البلدان الجنوبية لا تزال إلى حد بعيد متصلة بالإرث الاستعماري سلبا وايجابا.

***

د. السيد ولد أباه - أستاذ الفلسفة بجامعة نواكشوط

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 فبراير 2026 23:30

كنت أحسب أنَّ للدعوات المشتعلة في أوساط مثقفينا ضد الغرب (الغرب كله: أوروبا وأميركا) علاقةً بمشاعر وسياسات الإسلاموفوبيا في أوروبا الجديدة. بيد أنَّ الحرب على غزة ذكّرتني بأمرين: أنَّ التيارَ الثقافي المعادي للغرب في أوساط المثقفين العرب والعالمثالثيين أقدمُ من الإسلاموفوبيا - وأنَّ العنفَ باسم الإسلام مثيرٌ للمخاوف بالفعل بعد حالة «القاعدة» (2001) وحالة «حماس» (2023). لكن على الرغم من ذلك، تبقى العلاقة - إن وُجدت - غيرَ وثيقة ولا تمضي في اتجاهٍ واحد أو سببٍ واحد. بدليل لجوء الملايين إلى الغرب والاستماتة في ذلك، بحيث هلكتْ أُلوفٌ في البحار للعجز عن بلوغ شواطئ أوروبا الأمان!

كانت كراهية الغرب (أوروبا على وجه الخصوص) ضرباً من ضروب الآيديولوجيا في أكثر عقود القرن العشرين وسط صعود التيارات القومية واليسارية وتذكُّر بلايا الاستعمار ومواريث حروب فلسطين والجزائر. ثم ظهر تيار التابع subaltern اليساري الراديكالي تحت تأثير أنثروبولوجيا طلال أسد (مواجهات استعمارية، 1974) وإدوارد سعيد (الاستشراق، 1978). وينتشر مفكرو هذا التيار المتعاظم في الهند وأميركا اللاتينية، لكنّ العديدين منهم باقون بالجامعات الغربية (!). وحسب هذا التيار، أخذ الاستعمار (المستمر) من الناس كل شيء حتى لغتهم، ووسط هذه السطوة لا يستطيع التابع أن يتكلم لأنه مسلوب اللغة والوعي والثقافة، وأياً يكن ما يحاول التعبير عنه يجد نفسه كالببغاء يكرر مقولات الغرب حتى لو كان ثائراً على الغرب أو مُعارضاً له! وكما سبق القول، تعاظم تيار كراهية الغرب هذا بين المثقفين والمفكرين في سائر الأنحاء إلى حدود نقد إدوارد سعيد نفسه الذي، حسب هذه الرؤية، ما مضى إلى الحدود القصوى ضد الغرب، بل كان يلوم الاستشراق - وهو علم غربي - لأنه فارق قيم التنوير في الاستنارة والعقلانية والإنصاف ولو التزم بها المستشرقون لما سيطرت عليهم الثقافة الكولونيالية ضد الغرب والإسلام! أما الكارهون الجدد فيذهبون إلى أن المصيبة بالغرب شاملة بما في ذلك قيم التنوير الاستعمارية الخبيثة؛ فالعدالة عدالتهم لهم وحدهم وكذلك التنوير والعقلانية!

ثم جاءتِ الحرب على غزة على أثر «طوفان الأقصى» فدمَّرت كل تمييزٍ أو فواصل بين الإسلامويين والجهاديين واليساريين وأتباع تيار التابع! في الثمانينات من القرن الماضي كان الإسلامويون وجماعات الهوية هم أكثر المستفيدين من استشراق إدوارد سعيد ونقده للغرب من خلال الاستشراق. واليوم، ينعى المثقفون والفلاسفة من أصولٍ عربية أو آسيوية أو أفريقية الغرب بقضّه وقضيضه؛ فهو سيُهلك العالم ويُهلك نفسه ولا تجوز مجاملته أو تجاهُلُ شروره!

وبالطبع، ما حدث ويحدث بغزة وفلسطين مهول ويتجاوز التصور والمعقول. لكنّ العالم خارج الغرب الاستعماري السابق واللاحق حيٌّ وفعّالٌ وغير خاضع، وقد بلغ الآسيويون درجة الندية وزيادة في الاقتصاد والتقدم العلمي والتكنولوجي. والعالم نظامٌ واحدٌ للعيش والتصرف والأعراف السائدة للجميع إسهاماتٌ فيها. وفي العالم بالأمس واليوم ظالمٌ ومظلوم ولن يفيد في شيء العودة للنعي على مادية الغرب وامتداح روحانية الشرق. بل إنّ أحد كبار الثائرين على الغرب اليوم يقول إنّ الإسلام يمتلك نظاماً كاملاً من سائر النواحي، ولا يمكنه التلاؤم مع الغرب الظلامي، ومن يتوهم إمكان التلاؤم يخرج من الإسلام!

يمارس الإسرائيليون ويمارس الأميركيون ظلماً وعنجهية تجاه الفلسطينيين والعالم كلّه. لكنّ القيم في الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والعيش المشترك والسلام هي قيم كونية، وتبقى كذلك لدينا ولدى الغرب وإن لم تجد تحققاً فعالاً الآن. ولن نكسب شيئاً إذا كفرنا بها باعتبار أصلها الغربي وهي ليست كذلك وإن يكن الغرب هو الذي حوّلها نظاماً عالمياً بعد الحرب الثانية، التي كانت حرباً غربيةً أيضاً. إنّ شيطنة الغرب لن تكسبنا شيئاً، بينما يظل التشارك القيمي رابطةً إنسانيةً وثيقة هي قوام نظام العيش وليس التنكر والإنكار. نوشك أن نصبح خمس سكان العالم ولا نريد ولا نستطيع مقاتلته، بل نناضل للعيش معه وفيه بالسلم والإنصاف.

قرأت حتى الآن ستة كتب وعشرات المقالات التي تُدينُ ما حصل ويحصل بغزة وفلسطين. بيد أنها بدلاً من لوم الغرب أو إدانة ردة فعله البطيئة، أقبلت على نعي الغرب نفسه، إما لأنه لم يراعِ الحق الإنساني في الحياة والحرية، أو لأنه فاسدٌ ومتآمرٌ من الأصل!

إنّ الذي أخشاه أن كبار مثقفينا الذين ينعون الغرب وينشرون اليأس منه، إنما ينفخون في أبواق المتطرفين للاستمرار في شنّ الحرب على العالم، وهي حرب يموت فيها أطفالنا وأطفال الآخرين، ليظل الدم بيننا وبين العالم مسفوكاً في مستقبلنا كما هو في حاضرنا.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 18 شَعبان 1447 هـ - 6 فبراير 2026 م

 

 

يبدو أن من أبرز ما عانتْ منه الفلسفة هو توجّه بعض المختصّين فيها إلى إعلاء مكانة الفيلسوف على غيره من المشتغلين بالعلوم والمعارف الأخرى، وبصفة خاصة العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية. وبطبيعة الحال، فإن المجال الفلسفي يهتم في الأساس بالقضايا الجوهرية كما يُعنى بتنقيح المفاهيم وبلورتها نظرياً.. لكن يردّ البعض بأنه حتى الرياضيين والفيزيائيين انغمسوا في العلم دون أن يكونوا منفصلين عن المدينة وعن المجال العام في مستواه العملي.

ويعود ذلك الفهم المنقوص حول وظيفة الفيلسوف إلى انعزال بعض المختصّين في الفلسفة عن الناس وعن الحياة اليومية متجهين نحو حياة الجامعة والمكتبة، بينما المفترض أن تكون وظيفة الفلسفة أعمّ وأشمل من الاقتصار على الدرْس والكتاب.

ويعود احتدام النقاش بين الفلسفة في مجالها المدرسي، وبين الفلسفة في حياة المدينة والمجال العام إلى المرحلة اليونانية، حيث دار النقاش بين الفلاسفة اليونانيين حول الواقع والفكر، وها هو الآن يتجدد كما تجدد في كل العصور السابقة.

ولو قرأنا نظريّةَ جان بول سارتر في كتابه «الوجود والعدم» لوجدنا أن المحاججة التي اعتمد عليها فيما يخص «الغياب»، لإثبات نظريته، رسم أفكارَها الرئيسيةَ انطلاقاً من المقهى الذي اعتاد أن يجلس فيه، حيث ضرب المثال بصديقه «بيير» حول الوجود والغياب والعدم، وهذا مفصّلٌ في الكتاب المذكور.

وفي سياق مشابه، نطالع نقاشاً مهماً عنوانه «الفيلسوف والمدينة»، وهو سجالٌ بين الفيلسوفيْن الفرنسيين روجي بول دروا ورافييل انتوهوفن، وقد جرى ونُشر على صفحات مجلة «لوبوان» وترجمه إلى اللغة العربية عبد الوهاب البراهمي وأُعيدَ نَشره في مجلة «حكمة». وسأعرضُ هنا النتيجةَ التي توصل إليها كلّ من الفيلسوفين.

يقول بول روجي بول دروا إن «الفلاسفة أصبحوا في الأغلبية موظفين، وأساتذة.. إنها حركة حديثة العهد تعود بدايتها إلى نهاية القرن الـ 18 مع إيمانويل كانط، ثم مع هيجل، الأستاذ الكبير في برلين. لكننا نجد قبلهما، في تاريخ الفلسفة كثيراً من الفلاسفة ليس لهم أي شان بتدريس الفلسفة، مثل ديكارت».

ثم يضيف دروا: «أن نُتَهَمَ بممارسة (فلسفة يوم الأحد) فهو اتهام يتصّل، كما يبدو لي، بهذا التوتّر الحديث الذي يجعل الفلسفة تخصّصاً جامعياً، يجب ألا يكون مشروعاً إلاّ إذا كان أكاديميّاً. لقد قال برجسون ذات يوم: توجد مسألة فلسفية كبرى لا يمكن التعبير عنها بلغة الحياة اليوميّة، وسأكون أوّل من يفكر بأن الفلسفة الجامعية ليس لها احتكار الفكر ولا فكر الفلسفة، ولا تملك لوحدها تعريفَ هذا التمرين ولا هذا التخصّص».

والآن نأتي إلى رأي رافييل انتوهوفن الذي ذهب إلى أنه «لحصر الفلسفة في الجامعة فضائلُه، إذ الفلسفة معرفة، لكن يوجد تكبّر أكاديمي أو جامعي يختزل الفيلسوف في أستاذ فلسفة، والفلسفة في تاريخ الفلسفة. لا يوجد مَن يسخر من (فيلسوف الأحد) سوى الجامعيين».

ويتضح من هذين الرأيين المتباينين مستوى الصدام بين النظريتين. والخلاصة، في رأيي، أنه من الصواب حصر الفلسفة في الجامعة ونفي مَن يتفلسف خارجها، وبالمقابل فإن ازدراء فيلسوف المدينة للأكاديميين هو أيضاً موقف لا يخدم المجالَ الفلسفي.

إن التكامل بين تينك النظريتين يمكن أن يساعد في وضع الفلسفة في حالةٍ من الغنى بالمفاهيم والنظريات والإنتاج النظري، حيث إن لكل من المجالين الأكاديمي والمدني مصادر غناه العلمية والمفهومية، ولذا فمن الضروري الاستفادة من كل المنابع الفلسفية، ولا مانع من أن يجمع الفيلسوف بين جامعته وساحات مدينته!

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الاماراتية، يوم: 2 فبراير 2026 23:00

 

في تونس، حيث شاركتُ الأسبوع الماضي في الندوة الفلسفية المتميزة التي احتضنتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول موضوع الاختلاف والمغايرة والاعتراف، وشارك فيها فلاسفة متميزون من تونس وبقية العالم العربي.

ولا شك في أن الموضوع هام، ويستأثر حالياً باهتمام الحقل الفلسفي، ويعكس الإشكالية الكبرى التي تعيشها المجتمعاتُ الحديثة حول تركة الذاتية التي هي براديغم الفلسفة الغربية منذ اللحظة الديكارتية. منذ هيغل ندرك أن الذاتية تنبع في سرديتها الطويلة من التقليد المسيحي الذي حوّل الوعيَ أو الضمير إلى أرضية التفكير المتمحور حول النفس ومقوم الأخلاقيات المرتكزة على الإرادة المستقلة التي هي مدار القيم الفردية والاجتماعية.

إلا أن هذا التصور الذي أسس الأفكارَ الحديثة حول الحرية والأهلية الأخلاقية طرح إشكالاتٍ عصيةً، من حيث تلاؤمه مع الغيرية المختلفة، التي هي الإطار المعياري لفلسفات التسامح والاختلاف. ومن هنا برز مشكلُ الاعتراف المعقد الذي طُرح منذ هيغل في صيغة البحث عن توافقات ناجعة بين أفراد أحرار يختلفون من حيث أفكارهم ومعتقداتهم وتصوراتهم الاجتماعية. وقد لاحظت حنة ارندت أن التصور الحداثي الإرادة في نسختها الكانطية يعاني من تصدع داخلي، من حيث هي من جهة حرة، ولكنها لا تمارس حريتَها إلا في إطار الامتثال للقوانين الأخلاقية الملزمة. ومن هنا خلصت ارندت إلى أن الأخلاق الكانطية محصورة في دائرة الوعي، ولا صلة لها بالعالم المشترك الذي هو مجال النشاط الإنساني التعددي.

ما عبّرت عنه حنة ارندت هنا هو جانب أساسي من جوانب المأزق النظري لفلسفات الوعي، من حيث حرصها على إعادة بناء نظرية الأخلاق وفق القوانين الكلية للإرادة. ومن هنا نشأ سؤالٌ جديد في الفلسفة المعاصرة: كيف يمكن تصور الرابطة الأخلاقية مع الآخر خارج مركزية الوعي التي تحول بالضرورة الغيرَ إلى وجه من وجوه الأنا؟ وهل يكون الحل هو الخروج كلياً من نموذج الذاتية بصفتها عاجزة عن ضبط المسألة الأخلاقية نظرياً وعملياً مع ما قد ينجر عن هذا الخيار من تضحية بفكرة الإرادة الحرة المسؤولة التي هي مقتضى الفعل الأخلاقي، أم أن المطلوب هو إعادة تحديد فكرة الذات بالقطيعة مع محورية الأنا والغير، مع ما قد يفضي إليه هذا القول من ارتكاس في مأزق الذاتية الواعية من منعرجات أخرى؟

الإشكال طُرح بقوة في الفلسفة المعاصرة في اتجاهين متمايزين، ذهب أحدهما إلى إعلان مبدأ المسؤولية الأخلاقية من حيث أولوية الغير على الأنا في تجاوز جذري للموقف الأنطولوجي، أي الوجود من حيث هو نسق كلي، وذلك ما نلمسه في فكر أمانويل لفيناس مع بعض الامتدادات في كتابات جاك دريدا، في حين ذهب الاتجاه الآخر إلى دمج الغيرية في مسار الذاتية عبر الوسائط التأويلية والمؤسسية، حرصاً على إنقاذ فكرة الإرادة الواعية المستقلة التي هي الأفق الأخلاقي للإنسان الغربي، كما هو الحال في فلسفة بول ريكور.

لقد قيل الكثير حول المأزق الذي يُفضي إليه الاتجاهان: الاختلافي الذي يضحّي بمثال الحرية ويعوّضه بفكرة المسؤولية اللامتناهية والضيافة غير المشروطة، غير قابلة للترجمة في نظم مؤسسية عادلة، في حين أن «الذاتية التأويلية» ليسن سوى صيغة معدّلة لنموذج الوعي في قدرته اللامحدودة على استيعاب ودمج الآخر.

في كتابه «الحكم والمجد»، يبيّن جورجيو أغامبن أن الأنطولوجيا الغربية، على عكس ما يُعتقد، لم تفصل بين الوجود والقيمة، بل اتسمت منذ البداية بسمات سياسية وقانونية وحملت لاحقاً أبعاداً لاهوتية معقدة.

لقد كانت هذه الأنطولوجيا منذ نشأتها ذات طابع عملي إجرائي، يبرز في تصنيف الأشياء وتقويمها وتوجيه الفعل والسلوك. ومن هنا يجب أن نفهم حديثَ هايدغر عن «نسيان الوجود» بمعنى أن الأنطولوجيا الغربية ربطت عضوياً بين فهم الأشياء والتصرف الإجرائي فيها، فالوجود من هذا المنظور ليس ما عليه الشيء بل ما ينبغي أن يكون عليه. والفعل هو الذي يصوغ الوجود والأمر هو مدار السلوك وليس الإرادة. ما حدث مع اللاهوت المسيحي هو تحويل الأنطولوجيا إلى منظومة أمرية تنزع إلى ترجمة الإلزامات الأخلاقية في لغة الوجود الكلي.

في ضوء ملاحظة اغامبن، نخلص إلى أن الفلسفة الغربية قامت على وهم الفصل بين الوجود والقيم، وفق صيغ عديدة تفاوتت من العصر اليوناني إلى الحقبة الحديثة، ولذا فإن الجدل الراهن حول أولوية الوجود أو القيمة لا معنى له، سواء اعتمدت الأخلاق مرجعية أنطولوجية أو كان منطلقها الغيرية المطلقة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 1 فبراير 2026 23:52

منذ أن بدأ الإنسان يطرح أسئلته الأولى، كان يعتقد أن الكون موجود هناك، في الخارج، مستقلاً عنه، لا يهتم بوجوده، ولا يتأثر به، ولا يتشكّل عبره. كان الإنسان يرى ذاته نقطة صغيرة في فضاء بارد لا عقل له. لكن العِلم بشكل مدهش وغير متوقّع بدأ يقترح عكس ذلك تماماً، والإشارة إلى أن الكون ليس مجرد امتداد فيزيائي للمادة، بل مرآة معرفية تستجيب للوعي، وتنحني أمام المراقبة، وتظهر خصائصها فقط عندما ننظر إليها.

السؤال يبقى: هل الوجود نفسه مصمَّم ليتفاعل مع العقول، لا مع الجسيمات فقط؟ فأول من تحدّث في صورة الكون الموضوعي كان علماء ميكانيكا الكم. ففي التجارب الأساسية مثل تجربة الشّق المزدوج، يظهر الجسيم كموجة عندما لا نراقبه، ويتحول إلى جسيم عند الملاحظة. وكأن الكون ينتظر حضور الوعي ليقرر كيف يتجسّد. هذا ليس تأويلاً خيالياً، بل نتيجة تجريبية تتكرّر منذ مئة عام. كيف يمكن لجسيم صغير أن يعرف أننا نراقبه؟ أو أن يغيّر حالته بناءً على قرار ذاتي؟ هذا السؤال دفع كبار الفيزيائيين مثل بور، هايزنبرغ، وويلر إلى فكرة جريئة: وهي أن الوعي ليس متفرجاً على الكون، بل جزءاً من معادلته.

الكون لا يكشف نفسه إلا حين نقوم نحن بفكّ شفرته. وما لا نراقبه يبقى احتمالاً. ثم جاء المستوى الكوني ليعمّق المفاجأة. فالكون مضبوط بدقة استثنائية: ولو حدث تغير ثابت الجاذبية بنسبة جزء من تريليون، لما وُجدت نجوم. ولو تغيّرت الطاقة المظلمة قليلاً، لانكمش الكون أو انفجر قبل أن يتشكّل أي شيء. هذا الضبط الدقيق جعل العلماء يتساءلون: هل الكون جاء من تلقاء ذاته بصدفة، أم مُصمَّماً؟

إن الوعي يلعب دوراً أعمق مما نتخيل؟ نظرية «الكون القابل للحساب» التي طرحها جون ويلر تقول: «الكون ليس آلة، بل سؤال ينتظر العقل كي يجيب». أي أن الوعي ليس عارضاً، بل شرطاً لظهور الكون بمعناه. فالكون بلا مراقِب هو مجرد احتمالات، مثل كتاب بلا قارئ أو موسيقى بلا مستمع. أما علم الدماغ فيقدم مفاجأة أكبر. فالعقل لا يتلقى الواقع، بل يصنعه لحظة بلحظة. لا نرى الضوء، بل تفسيراً ضوئياً. لا نسمع الصوت، بل تأويلاً عصبياً للاهتزاز. لا نلمس الأشياء، بل خريطة حسية يصنعها الدماغ من الفراغ. والجميل والمخيف في آن: أن العالم الخارجي لا يدخل إلى العقل كما هو، بل العقل يحوّله إلى صورة، ثم يصدّق الصورة، وينسى أنها صورته هو.

كل ما سبق ينتج عنه سؤال لا يستطيع العلم تجاهله: إذا كان الدماغ يصنع تجربتنا، والكون يتشكّل عندما يراقبه الإنسان أو الحيوان ذاتياً، والجسيمات تتحدد وفق حضور الوعي، فهل الوجود خارجي كما نعتقد؟ أم أن الخارج هو استمرار داخلي للوعي في شكل آخر؟ ولك أن تتأمل اللحظة التي ننظر فيها إلى السماء. فهل نرى مجرّات تبعد ملايين السنين الضوئية، أم أن الضوء الذي يصل إلينا ليس المجرة نفسها، بل أثرها القديم؟ نحن لا نرى الماضي، ولكن هل نرى صورة الماضي داخل الوعي الآن؟ فالمجرّة الحقيقية لم تَعُد موجودة في المكان الذي نراها فيه. وما نراه ليس الكون، بل ذاكرة الكون كما تظهر في وعينا.

وهنا تظهر أهم فكرة في هذا المسار كله: ربما الكون ليس وعاءً نعيش داخله، بل خريطة معرفية تتشكّل في وعينا وتتشابك مع قوانين لا تعمل إلا حين يكون هناك عقل يفسّرها. إن الكون الذي نعرفه بقوانينه وثوابته وألوانه وأشكاله قد يكون مجرد طبقة واحدة من واقع أعمق، لا نراه إلا من خلال نافذة الإدراك البشري. وربما هناك عوالم كاملة لا يمكن أن تظهر لنا لأن وعينا غير مهيأ لترجمتها. ولذلك، الوعي ليس مجرد سائح في الكون، ولا الكون مسرحاً محايداً، ولكن لما لا يكونان ثنائية واحدة: الوعي يكشف الكون، والكون يظهر للوعي وهما مرآتان تعكسان بعضهما، لا بداية ولا نهاية بينهما؟فربما أكبر مفارقة في تاريخ العلم هي: كلما اكتشف الإنسان الكون، اكتشف نفسه. وكلما تقدم خطوة نحو الخارج، اتضح أن الخارج كان انعكاساً للداخل. ونحن كمسلمين لا نستوعب لماذا يخاطبنا القرآن بصيغة الماضي حتى عن المستقبل، وما عظمة خلق الإنسان، ولماذا سجدت له الملائكة؟ ولماذا نفخ الله فينا من روحه؟ هل الإنسان مجرد نقطة في الكون، أم أن الكون نقطة في الإنسان بأبعاد اللامحدودة والتي تكمن فيه؟

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 يناير 2026 22:00

 

اللذة حسية مادية واضحة، لا يمكن التشكيك في وجودها؛ لأنها تُعاش مباشرة قبل أي تفسير أو حكم، وتعمل بوصفها محركاً خفياً للسلوك، حتى قيل إن حركات الإنسان كلها جبرية تحكمها اللذة والألم. واللذة ليست محصورة في الأكل والشرب والجنس، كما درج الخطاب الأخلاقي على اختزالها، بل تتخلل الجسد كله، وتتشكل وفق خريطة دقيقة من الاستجابات العصبية والتوترات والانفراجات. وهذه الملذات، وكذا الآلام، تتفاوت في القوة. لنا أن نتخيل لذة نيوتن عندما اكتشف قانون الجاذبية. ولنا أن نتذكر أنك عندما تنظف أذنك، لا تكون المسألة مجرد إزالة للشمع، بل هناك لذة حقيقية، ذات قوة، تدعو الإنسان إلى تكرار الفعل، حتى بعد تحقق الغاية الوظيفية. هذه الملذات، كبيرها وصغيرها لا تحتاج إلى تبرير، ولا إلى خطاب أخلاقي؛ لأنها ببساطة تحدث.

جغرافية اللذة تمتد لمساحات أوسع بكثير مما يتصور العجلان. وبإمكان القارئ أن يستكشف هذه التضاريس ويتوسع في دراستها. فاللذة، في معناها الجوهري، ليست بالضرورة نشوة عالية أو إثارة قصوى، بل غالباً ما تكون إحساساً دقيقاً بزوال اختلال، أو بعودة الجسد إلى الراحة. ولهذا السبب نغيّر المِرفق الذي نتكئ عليه بمجرد أن نشعر بأدنى انزعاج. لا ننتظر ألماً حقيقياً، ولا نفكر في القرار، بل تتحرك أجسادنا كالآلات لتجنّب الألم، ولو كان في بدايته. هذا السلوك اليومي البسيط يؤكد أن حياتنا تُدار، في مستواها الأعمق، وفق ميزان اللذة والألم، لا وفق المفاهيم الكبرى التي تخترعها عقولنا لاحقاً.

هنا يبرز سؤال السعادة. إذا كانت اللذة بهذا الوضوح والحضور، فما السعادة إذن؟ وهل هي شيء نعيشه فعلاً؟ حين نزعم أننا سعداء، فإننا لا نصف تجربة حاضرة، بل نصدر حكماً عاماً على فترة أو على حياة كاملة. لكننا في الواقع لا نلتقي بشيء اسمه السعادة في الشارع. ما نعيشه دائماً هو لحظات، لذة وراحة وانشراح وزوال توتر، أو على العكس ألم وضيق وحزن. السعادة ليست إحساساً نشعر به، بل تلك هي اللذة. السعادة بناء ذهني، أشبه بعنوان يُوضع على سلسلة من الوقائع بعد مرورها، وقد يكون وهماً.

ولا بد من التفريق بين اللذة الحسية واللذة العقلية ضرورياً. اللذة الحسية قصيرة العمر، مرتبطة بالجسد واستجابته المباشرة، لا يمكن للطعم أن يدوم ساعات، ولا للمس أن يبقى متوهجاً إلى ما لا نهاية، فجميع الملذات الحسية لا تتجاوز الدقائق المعدودة. أما اللذة العقلية فهي أبطأ وأطول نفساً؛ لأنها لذة المعنى والحديث والذاكرة. حين نقول إننا قضينا ساعات ممتعة على العشاء مع أصدقاء، فإن اللذة الحسية للطعام انتهت في وقت قصير، وما استمر هو لذة النقاش والضحك واستعادة الذكريات والشعور بالقرب الإنساني.

من هنا يمكن القول إن اللذة هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها؛ لأنها تُعاش دائماً في الحاضر. أما السعادة فليست سوى مفهوم اخترعه الإنسان ليمنح حياته شكلاً كلياً، وليحكي عنها قصة متماسكة. الحياة، كما تُعاش فعلاً، ليست سعيدة ولا تعيسة، ولا ذنب لها في إنشاء تلك المفاهيم الحالمة، بل هي سلسلة من الاستجابات الدقيقة للذة والألم.

ما نسميه سعادة ليس إلا الاسم الذي نطلقه، بعد مرور الوقت، على تتابع لحظات لذة غلب فيها الانسجام على الاختلال. في هذا السياق، يظهر تصور أرسطو للسعادة بوصفه المثال الأوضح على تحويل اللذة من حقيقة معيشة إلى عنصر ثانوي. أرسطو لا ينكر اللذة، لكنه يرفض أن تكون أساس الحياة الجيدة، ويعرّف السعادة بأنها «نشاط النفس وفقاً للفضيلة في حياة تامة». غير أن هذا التعريف ينقل معيار الحياة من مستوى التجربة المَعيشة إلى مستوى الحكم العقلي، وهذا ديدن أرسطو في كل حقل.

الإنسان لا يشعر بما يسمى «نشاط النفس»، ولا يختبر «الفضيلة» بوصفهما إحساسين مباشرين. ما يعيشه فعلاً هو لذة أو ألم، راحة أو توتر، انشراح أو ضيق. أما الفضيلة والنشاط فليستا كيفيتين حسيّتين، بل تسميتان ذهنيتان تُستخلصان بعد الفعل، حين يُعاد ترتيب ما عِيش، ووضعه تحت عنوان أخلاقي عام. كما أن اشتراط «الحياة التامة» يكشف الطابع النظري والسردي لهذا التصور. لا أحد يعيش حياته بوصفها كُلاً مكتملاً، بل يعيشها لحظة بلحظة، في توازن هش. السعادة، بهذا المعنى، ليست تجربة، بل قصة تُروى عن حياة بعد مرورها. وما لا يُعاش في الحاضر لا يمكن أن يكون موجهاً فعلياً للسلوك.

إن الزعم بأن اللذة مجرد نتيجة تابعة للفعل وليست غايته يتعارض مع ما نعيشه يومياً. فالأفعال لا تستمر إلا بقدر ما تمنح صاحبها نصيباً من اللذة، مهما كان ضئيلاً أو مؤجلاً. وحين تغيب اللذة، ينهار الدافع، مهما بدا الفعل نبيلاً في الخطاب الأخلاقي. فاللذة ليست زينة تُضاف إلى الفعل، بل شرط بقائه واستمراره.

بهذا المعنى، يتضح أن جغرافية اللذة ليست موضوعاً ثانوياً، بل مفتاح لفهم الإنسان كما هو، لا كما يراد أن يُرى في المرآة الأخلاقية. السعادة، إن كان لها معنى، فهي ليست شيئاً نبحث عنه، بل تقرير عن مهمة بعد انتهائها. بينما اللذة هي الشيء الوحيد الذي نعيشه حقاً، هنا والآن.

الحديث عن مركزية اللذة في توجيه السلوك يصطدم بالحسّ الأخلاقي التقليدي؛ لأنه لا يصوّر الإنسان كما ينبغي أن يكون، بل كما هو في واقعه. فالإنسان لا يعيش وفق مخطط مثالي، ولا يسير موجَّهاً بصورة ذهنية عن «الحياة الجيدة»، بل يتحرك داخل شبكة دقيقة من الاستجابات الحسية، يختار فيها ما يخفف توتره، ويؤجل ألمه، ويمنحه قدراً من الراحة، حتى وإن غلّف كل ذلك بأغلفة من المفاهيم الفلسفية التي لا تنتهي.

***

خالد الغنامي

عن جريدة الشرق الأوسط، يوم: 26 يناير 2026 م ـ 07 شَعبان 1447 هـ

صدر، مؤخراً، في الولايات المتحدة الأميركية، الجزء الثاني من الكتاب الموسوعي «الخيط الذهبي.. تاريخ التقليد الغربي»، والذي كتب جزأه الأول جيمس هانكينس، بينما كتب جزأه الثاني آلان غلزو. المنطلق الذي يَصْدر عنه المؤلفان ليس معرفياً أكاديمياً، على غرار عمل ميشال فوكو الشهير في تاريخ الأفكار الغربية «الكلمات والأشياء» (1966)، بل سياسي أيديولوجي، يتمثل في الدفاع عن الهوية الثقافية الغربية في مواجهة ما يعتبرانه شعوراً جارفاً بالنقمة على الذات وجلد النفس في المجتمعات الغربية نفسها التي تعيش ضياعَ البوصلة وانهيار الشخصية الحضارية.

الكتاب يسرد مسارَ التقليد الغربي الطويل من الحقبة اليونانية الرومانية إلى وقتنا الحالي، مروراً بحقبة الإصلاح الديني وعصر التنوير ثم الثورات المعاصرة، منتقداً بشدة ديناميكية تفكيك المرجعيات الفكرية التي شكّلت «عظمة» الحضارة الغربية، وفق الحركية التي بدأت مع نيتشه وماركس وشبنجلر، وأفضت لاحقاً إلى تأويليات القطيعة والانفصال التي هيمنت على العلوم الإنسانية في العقود الماضية.

لا ينكر المؤلفان أن تاريخ الغرب مليء بالتحولات الكبرى، لكنهما يعتقدان أن التقليد الغربي يقوم على مجموعة من الثوابت تشكِّل خصوصيتَه الفريدة، وهي أساس تركته التي لا تزال صالحةً للحاضر والمستقبل معاً، وأهمها: الخطاب البرهاني العقلاني الذي تمثّل أساساً في الكتابة الفلسفية والعلوم التجريبية، والحرية السياسية القائمة على العقل والقانون والكرامة، ونظريات الحق الطبيعي في مقوماته الأخلاقية والتشريعية والإحساس الجمالي. ومن ميزات الكتاب، أنه يكشف عن الاستقطابات الداخلية الحادة في التقليد الغربي: ما بين الإيمان والعقل والمساواة والتراتب والسلطة والحرية والاتباع والابتداع، بدلاً من اعتبار الحداثة لحظة قطيعة قصوى غيّرت جوهرياً نُظم المعرفة والحقيقة والقيم في المجتمعات الغربية. ليس من همّنا هنا الدخول في نقاش فلسفي متخصّص حول أطروحة الكتاب التي ستُثير دون شك جدلاً واسعاً في قادم الأيام، بل حسبُنا الوقوف عند النتائج المتوقعة في إطار النقاش الدائر راهناً على نطاق واسع حول الهوية الغربية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية.

ومن المعروف أنه صدرت في السنوات الأخيرة أعمالٌ عديدة تدور كلها حول «أزمة الغرب» من النواحي الاستراتيجية والثقافية، وقد سلكت هذه الأعمال مسلكين أساسيين متمايزين، ذهب أحدُهما إلى أن حركية العولمة التي تولّدت عن تطور النسق الغربي نفسه، قوَّضت الهويةَ الحضارية الغربية المتمحورة حول التقليد اليهودي المسيحي والعقلانية العلمانية الحديثة، ومن هنا ضرورة العودة إلى هذه الجذور «الخصوصية» لمواجهة ما سمّاه البعض «الاستبدال الكبير» (أي التهديد الناجم عن الهجرات الدينية والعرقية من الجنوب)، بينما ذهب المسلكُ الآخر إلى أن موازين الصراع الجيوسياسي العالمي لم تَعُد في صالح «الهيمنة الغربية» التي تواجه صعودَ الجنوب الشامل وفي قلبه العالم الأفروآسيوي. في عالمنا العربي، شكّل كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، الصادر عام 1978، بداية نهج بحثي طويل في نقد «المركزية الغربية»، من أبرز تجلياته كتاب «الاستغراب» الذي ألّفه المفكر المصري الراحل حسن حنفي وأراد من خلاله - حسب عبارته - «تحجيم الوعي الغربي» وتحويل الغرب إلى موضوع للدراسة والتقويم، معتبِراً - في ضوء ملاحظات سابقة لهوسرل - أن الوعي الغربي وصل إلى محطة اكتماله ولم يعد لديه ما يضيفه للفكر الإنساني.

وفي السنوات الماضية، صدر لمفكر فلسطيني أميركي آخر، هو وائل حلاق، كتاب نقدي للمركزية الغربية بعنوان «قصور الاستشراق»، وصل فيه حدَّ الهجوم الحاد على أصول ومرجعيات الحداثة والدفاع عن تقليد أخلاقي مناوئ لها. ما تتعين ملاحظته هنا هو أن نقد المركزية الغربية، الذي تعجّ به الكتابات العربية السيارة، هو في غالبه من نتاج الكتاب والفلاسفة الغربيين نفسهم، الذين دأبوا منذ القرن التاسع عشر على المراجعة النقدية المستمرة لمسار التحديث والتنوير.

والواقع أن الغرب لم ينتج ديناميكيةً حداثيةً واحدةً، بل إن مشروع التحديث طُرح منذ بدايته في صيغة استقطابية بين اتجاهات متمايزة: الذاتية المفكرة والتجريبية الواقعية، السيادة الإطلاقية والإرادة المشتركة، الأمة العضوية والمجموعة المدنية، عدالة الاستحقاق وعدالة المساواة.. إلخ. وقد طبعت هذه الديناميكيةُ الاستقطابيةُ التحولاتِ المجتمعية والفكرية في الغرب الحديث، وانعكست في الاتجاهات الأيديولوجية المتصارعة: الثنائية المحافظة والتقدمية التي تخترق التمييزات التقليدية بين اليمين واليسار.

ما حدث في السنوات الأخيرة هو أن هذا النقاش الذي كان يدور في الأروقة الفلسفية المتخصصة، انتقل إلى الفضاء السياسي العام، وأصبح يتحدد وفق سؤال الهوية الحضارية الطاغي اليوم على الحقل الأيديولوجي، بانبثاق كتلتين متعارضتين: تتشبث إحداهما بالطابع الكوني الإنساني للحداثة الغربية، وتُحوِّل الأخرى الغربَ إلى تقليد حضاري وثقافي خصوصي متميز وممتد عبر التاريخ.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 25 يناير 2026 23:15

 

يمكن تصنيف دور النخب المثقفة في الحياة السياسية للمجتمع من الناحية النظرية بأنه ذو مسارات ثلاثة: فأولاً، يقوم المثقفون بتقويم الممارسات السياسية، ويتضح هذا الدور التاريخي من رفض العديد من الممارسات الخاطئة للسياسيين، كما حدث من مخرجات للثورات العالمية الكبرى كالفرنسية والروسية، حيث كان معظم تلك الثورات من أعضاء النخب المثقفة.

أولئك القادة كانوا يتحركون من خلال العمل الميداني الفعلي لتلك الثورات، أو من خلال توعية الجماهير وحثها على رفض الممارسات الخاطئة، كما يحدث في العديد من دول العالم النامي منذ استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وثانياً، مشاركة أعضاء من النخب المثقفة عملياً في السلطة. وتأتي تلك المشاركة عبر وسائل ثلاث، هي التأثير على السياسات الرسمية من جانب، وعلى الرأي العام من جانب آخر للقبول بتلك السياسات، وتقوم النخب المثقفة بدور الناصح لممارسي السياسة وتقديم المشورة لهم في القضايا المهمة المتعلقة بالسياسة والاقتصاد وشؤون المجتمع.

وبالإضافة إلى ذلك ينخرط بعض أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية العملية كسياسيين محترفين. وبطبيعة الحال تتوخى عملية التأثير على السياسة تغيير الأوضاع المختلة وتقويمها، ويتم ذلك بالتأثير على الشعارات المطروحة عن طريق كافة وسائل الضغط المتاحة. وتتوقف إمكانية حدوث هذه الظاهرة على الدرجة التي يمكن القبول بها من قبل المؤسسات السياسية القائمة. والعلاقة هنا طردية، فكلما زاد قبول المؤسسات السياسية بذلك كلما كانت الظاهرة أكثر وضوحاً، والعكس بالعكس.

ويتجلى دور النخب المثقفة الموجه للسياسات في عدة أدوار يؤديها أفراده، هي: دور رجل العلاقات العامة ذي الشخصية القادرة على التواصل والإقناع، كما يحدث في المجتمعات ذات التجارب الانتخابية أثناء الحملات، حيث يقوم أصحاب الفكر والرأي من أعضاء النخب المثقفة بإعداد البرامج الانتخابية والسياسات الموضوعية المناسبة، والمساعدة في وضع الحجج الدافعة التي تضمن سلامة القرار السياسي المتخذ والحلول العملية للمشاكل. وفي الزمن الحالي أصبحت المعلومات الغنية من الأمور التي لا يمكن لأي متخذ قرار واعٍ أن يستغني عنها.

ويلاحظ بأن الأمم المتحضرة تدشن مراكز البحث العلمي والإدارات المتخصصة لكي يمارس المثقفون من خلال نشاطاتها وعبر ميزانياتها لتقديم المشورة السياسية المتكاملة لمؤسسات الدولة وأجهزتها. وبهذه الوسيلة يتاح لأعضاء النخب المثقفة المشاركة في إبداء آرائهم حول صنع القرار وللدولة والمجتمع الاستفادة القصوى من تلك الآراء والمشورات.

ثالثاً، العزلة. وهنا تكون مشاركة أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية ذات طبيعة سلبية، حيث توجد شرائح واسعة منهم تعتبر لا مبالية بشؤون السياسة والمجتمع.

ويعزى هذا النمط السلوكي اللامبالي للمثقفين إلى ما يعرف بـ «الإقرار الصامت» بين النخب المثقفة والنخب السياسية تمتنع عبره النخب المثقفة عن التدخل في السياسات المتعددة الجوانب للنخب السياسية.

وفي مقابل ذلك تقوم النخب السياسية بتزويد أعضاء النخب المثقفة بمزايا وتسمح لهم بالعمل بحرية تامة في مجالاتهم العلمية والثقافية والاجتماعية وتدعمها أدبياً بما يمكنهم من الإنتاج الوفير والانتشار الواسع وظهور المبدعين من بين صفوفهم، خاصة بالنسبة لمواهبهم غير المرتبطة بالنشاط والممارسات السياسية.

***

د. عبد الله جمعة الحاج

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 يناير 2026 23:15

 

من المهمّات الفلسفية الأصيلة أن يفتح الفيلسوف مجموعةً من الأسئلة مشفوعةً بنحت العديد من المفاهيم، وما كانت مهمة الفلاسفة أن يغلقوا الأسئلة بإجابةٍ ناجزةٍ بقدر جدّيتهم في طرحِ مقاربةٍ نظريّة لها، مع الإبقاء دائماً على جذوة السؤال وقادةً مشتعلة.

ومن بين هؤلاء الفلاسفة الذين أثّروا كثيراً على الغنى المفهومي مارتن هايدغر، الذي كتب قليلاً وأثّر كثيراً. ومن هنا، فإن رصد انعكاس الفلسفة الهايدغرية على العرب ضروريٌ جداً ومفيد للغاية. ولعل أبرز مَن رصد استقبال العرب لفكر هايدغر هو الباحث مشير عون في كتابه «هايدغر والفكر العربي». وسأعرض هنا بشكل سريع بضع نقاطٍ مما طرحه عون في هذا الصدد، ولعلها تكون نقاطاً مفيدة:

 أولاً: يرى عون أنه وممّا لا جدال فيه «أنّ الغرب يكوّن، بالنسبة إلى الفكرين العربيّ والهايدغريّ، بطريقة مفارقة، نقطة جذبٍ ومصدر ريبةٍ وحذر، بفعل كلّ ما يحمله في مجال أنماط الإدراك وأنظمة التفسير، ومعايير الحكم وقواعد السلوك، والقيم الثقافيّة والمكتسبات الحضاريّة».

ثانياً: يقول عون: «إذا ما اتّضح أنّ الفكر العربيّ، في اتّجاهاته الإسلامويّة والتقليديّة، مستشرسٌ في نزعته العدوانيّة إزاء الفكر الغربيّ وأنّه، في خياره الإصلاحيّ والحداثيّ، متبصّرٌ في توجيه سهام النقد إلى هذا الفكر إيّاه، واصطفائيٌ بالضرورة بالنسبة إلى اقتبال هذا الفكر، فذلك لأنّ الغرب لم يكفّ البتّة عن إغواء العالم العربيّ والتأثير فيه تأثيراً يختلف في طبيعته وحدّته. وقياساً على ذلك، يجد الفكر الهايدغريّ نفسه مرغماً تاريخانياً، بحسب الاصطلاح الذي يؤثره هايدغر، على التعامل مع الغرب بهدف استيلاده على حقيقته الخاصّة. وهي الحقيقة التي حجبتها الغطاءات المتعاقبة التي ولّدها التيهان الميتافيزيقيّ».

ثالثاً: يرى مشير عون أن «العالم العربيّ لم يقدّر هايدغر حقّ قدْره إلى حدٍّ ما، على الرغم من اتّساع فكره اتّساعاً لا ريب فيه، خلافاً للأعلام الأخرى البارزة في الفكر الغربيّ.

وإذا كان علينا أن نتحاشى الوقوع في فخّ النُواح أو الاستغراق في التشاؤم في ما يخصّ مصير الفكر الفلسفي في العالم العربي، فإنّ أسباب هذا التجاهل عديدة: هزال الترجمات، وجِدَّة الاصطلاحات الهايدغريّة التي تكاد تكون عصيّة على الفهم، والتجريد المفهوميّ المفرط في ما يخصّ الاستدلالات والتحليلات الهايدغريّة، وغرابة القضيّة أو غرابة القصد الرئيس للمشروع الهايدغريّ بالنسبة إلى الأنظمة الفلسفيّة الأُخرى. وفي ما يتعلّق بالجهد الذي بُذِل في مجال الترجمة، فإنّ المترجمين آثروا اختياراً حَكَمَ المبادرات التي قاموا بها.

فقد فضّلوا الموضوعات الهايدغريّة التي تتعلّق بالدرجة الأولى بالفن، والشعر، واللسان، والسياسة، وكلّها ميادين يهتمّ بها القارئ العربيّ اهتماماً مباشراً». والخلاصة هنا هي أن فلسفة هايدغر لم تكن مثل الأطروحات العابرة الوقتية، كالفلسفة الوضعية أو الفلسفة الوجودية العبثية، وإنما تميزت بكونها أسست لنمط مفهومي عميق لا يزال فعّالاً ومؤثراً.

ولعل الأهم من وهذا وذاك أن هايدغر سبب إرباكاً لكلّ قارئيه تقريباً، وما كانت دراسة عون لارتباك العرب حيال هايدغر إلا وسيلةً لفهم الظاهرة الفلسفية ككل وطرق استقبالنا لها. ولعل المهمّة الأساسية في هذا الصدد هي أن نحترم النظريات المتسائلة التي يدوم سؤالها طويلاً ويكبر معنا ونكبر معه.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 19 يناير 2026 23:45

في عددها الأخير (13 يناير 2026) نشرت صحيفة «ايكونوميست» البريطانية ملفاً بعنوان «رأسمالية الزوارق الحربية» (Gunboat capitalism)، ذهبت فيه إلى أن المعايير المرجعية التي يعتقد أن الرأسمالية الاقتصادية تقوم عليها، من اقتصاد حر وتبادل مفتوح، باتت في طور التراجع حالياً، في ظل مرحلة تشهد انبثاقَ نوع من السياسة الاقتصادية القسرية تُستخدم فيها الأدواتُ العسكرية والاستراتيجية من أجل المصالح القومية المباشرة.

في السابق، كانت الصين البلد الوحيد الذي يقال إنه كرس نمط «رأسمالية الدولة» من خلال التخطيط المركزي والتحكم السياسي الأحادي، بيد أن هذا النموذج يبدو اليوم في طور التمدد داخل العالم الليبرالي الغربي نفسه. لقد عادت الأنظمة الحمائية القديمة، من احتكار وسياسات ضريبية، لضبط التبادل الخارجي، وتحولت الشركات الوطنية إلى ركن أساسي من أركان هذه الرأسمالية القسرية الصاعدة.

ويعود بنا الملفُّ إلى مؤرخ الأفكار وعالم الاقتصاد الكندي «كين سلوبوديان»، الأستاذ في جامعة بوسطن، الذي عُرف بنظريته حول النيوليبرالية في علاقتها التلازمية بالدولة، حيث يبين في عدة أعمال منشورة أن الفكر الليبرالي انتقل من فكرة التبادل الحر إلى أطروحة التأطير القانوني والسياسي للمصالح الاقتصادية. وقد أوضح سلوبديان أن ارتباط الرأسمالية بالليبرالية الديمقراطية ليس سوى وهم زائف، فأهم مفكري الليبرالية الجديدة في الغرب الرأسمالي كانوا ضد الديمقراطية الشعبية ويطالبون بإخراج الاقتصاد من المسارات الانتخابية، ومن ثم مبادرات إنشاء مؤسسات عابرة للقارات لها الأولوية على التشريعات المحلية.

لم تكن العولمة من هذا المنظور تعبيراً عن تمدد السوق الحرة، بل هي مشروع قانوني سياسي، لم يفض إلى توحيد المنظومة الاقتصادية العالمية، بل أدى على عكس ذلك إلى تجزئتها إلى مناطق متمايزة وممرات تجارية مغلقة. ولذا فإن رأسمالية الزوارق الحربية هي تطور طبيعي في الاقتصاد المعولم الذي يقوم على الإكراه والعقوبات والضغوط والتهديدات.

ما يخلص إليه سلوبديان هو أن التناقض الجوهري الذي يعرفه العالَمُ راهناً هو التناقض بين مبدأ السوق المعولمة والديمقراطية الليبرالية التي لم تعد قادرة على ضبط الخارطة الاجتماعية المتولدة عن الحركية الاقتصادية.

لقد بين عالم الاقتصاد التركي داني رودريك، الأستاذ في جامعة هارفارد الأميركية، أن الوضعية الراهنة لم تعد تسمح بالجمع بين الديمقراطية والسيادة القومية والعولمة الجذرية، فلا بد من التضحية بأحد أضلاع هذا المثلث. عندما تمتزج العولمةُ بالسيادة تضعف الديمقراطية، وعندما ترتبط الديمقراطية والعولمة تتشكل الدولةُ ما بعد القومية، وعندما يُجمع بين الديمقراطية والسيادة تقوم العولمة المنظمة. وفي هذا الباب يتبنى رودريك الخيارَ الثالث الذي يطلق عليه «العولمة المعقولة»، وهي تختلف عن العولمة الجذرية القائمة على الليبرالية القصوى والشبكات المالية الشاملة، بما تؤدي إليه من إضعاف قدرة الدول على اعتماد القرارات الديمقراطية، وتقويض المفهوم العمومي للسياسة واستبدالها بالتسيير التقني النفعي.

لا يمكن فهم السياسات الاقتصادية الجديدة للرئيس ترامب في الولايات المتحدة، وما يماثلها في البلدان الصناعية الأوروبية، إلا من هذا المنظور، باعتبار الحاجة الموضوعية إلى كبح حركية العولمة الجذرية من منطلقات سيادية قومية.

الكثير من الأصوات الليبرالية وجدت في هذه التوجهات نكوصاً عن الديمقراطية التعددية ونظام الفصل بين السلطات مع طغيان النزعات الشعبوية التي تدعي التمثيل الشعبي المباشر للأمة، وتجسيد روح الشعب. بيد أن هذه الموجة الشعبوية تعبر في عمقها عن تجذر المطلب الديمقراطي في مواجهة منظومة معولمة لم تعد السلطات العمومية الوطنية قادرة على التحكم فيها.

الحصيلة هنا هي أن الخيار الرأسمالي يظل قائماً بل راسخاً، لكن آليات ضبطه وإدارته تغيرت نوعياً، بالانتقال من مبدأ السوق الحرة المفتوحة إلى الرأسمالية القومية القسرية التي تُخضع الحركيةَ الاقتصادية لمصالح المجموعة الوطنية.

ليس من الغريب في هذا الأفق الجمع بين الليبرالية الاقتصادية والنزعة الشعبوية المتمحورة حول المركزية السياسية، إذ أصبح من الجلي أن صراع المصالح المحتدم داخل المنظومة الرأسمالية نفسها يقتضي مسلكَ الانكفاء القومي وحماية السيادة المحلية.

لا خلاف في أن المأزق الراهن متولد عن الانزياح بين السوق التي أصبحت كونية والديمقراطية التي لا تزال وطنية سيادية، والحل يكون إما بالانتقال نحو الديمقراطية ما بعد القومية، التي يدعو إليها بعض الفلاسفة والسياسيين، أو التضحية بالسوق المعولمة من أجل الحفاظ على المكاسب الديمقراطية. الرأسمالية القسرية هي إذن التعبير الصريح عن هذا المأزق الراهن.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 19 يناير 2026 00:15

في النقاش بين المتكلمين المسلمين قديماً حول مسائل القِيم كان هناك مَنْ قدّم أخلاق العدل، وهناك مَن قدّم أخلاق العمل أو المسؤولية. وواضحٌ أنّ التقديم الأول هو تقديمٌ اعتقادي ونظري، بينما التقديم الثاني هو تقديمٌ عملي فيما صار يُعرف – مقترناً بالإيمان - بالعمل الصالح. والواقع أنه لا ينبغي الفصلُ بينهما لأن أخلاق الاعتقاد هي أخلاق الإيمان، ولا فهم للعمل الصالح إلاّ إذا كان أساسُهُ الاعتقاد. ولذا فإنّ التسديد في العمل بحيث يمكن وصفه بأنه صالح، لا ينضبط إلاّ إذا كان الاعتقاد أو الإيمان أساساً له.

وهكذا فإنّ أخلاق الإيمان أو الاقتناع كما تتصل بالعدل، تتصل أكثر بالرحمة، فقد جاء في القرآن الكريم: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ». وفي الأمرين، العدل والرحمة، هناك جانبٌ عملي يتصل بالأعمال الإنسانية. فكما يجب على المرء في تصرفاته أن يكون عادلاً، ينبغي بالدرجة الأولى أن يكون راحماً أو تُحرِّكه دوافع وأخلاق الرحمة ذات الأصل الاعتقادي الإلهي والمآلات الإنسانية.

فما علاقة العدل بالرحمة على المستوى العملي والإنساني؟ كلتا القيمتين كما تتصلان بالمسألة الإيمانية، وهي العلاقةُ بين الله وعباده، تتصلان كذلك بالتصرفات الإنسانية بين الأفراد والجماعات. في الجانب الإيماني تظل النية ودوافعها هي الأساس، أما في الجانب العملي فتبدو ظاهرةً للعيان يستطيع كل مُشاهد أو مُراقبٍ الحكمَ عليها. وهكذا في حين يختلف الوصف بالعدل من حالةٍ إلى حالة، فإنّ الوصف بالرحمة ليس له غير تأويل واحد.

واستناداً إلى النتائج المشاهَدة في هذا العالم ظهر نتيجة ذلك لاهوتان أو اعتقادان بالنظر للمآلات: لاهوت العدل، ولاهوت الرحمة والفضل. وإذا كان الاعتقاد الأول تبدو نتائجه في أعمال القضاة والحكام، فإنّ الثاني تبدو نتائجه في علاقات الناس بعضهم ببعض، واستناداً إليه نشأت مؤسسات الصدقات وأعمال الخير والتضامُن بين الناس. ولنتأمل قوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ». فالتعاون في أعمال البر والتقوى يدخل بالطبع في أخلاق الرحمة والفضل.

إنّ الرحمة في التعامل بين الناس فضيلة كبرى، وكذلك العدالة. فهل هو تنازُعٌ في القيم أم بين القيم؟ إنّ الذين يقولون بنسبية الأخلاق، يذهبون إلى أنّ الأمر يختلف من حالةٍ إلى حالة، فقد يُستحسن العدل في حالة، ويُستحسنُ التراحُمُ في حالةٍ أُخرى. بينما يذهب القائلون بمطلقية الأخلاق إلى أنّ العدل درجة، لكنّ الرحمة والتعاطف حتى في الأنظمة القانونية تقع في درجةٍ أعلى. لكنّ هؤلاء يقولون أيضاً إنّ أنظمة العدالة لكي تظلَّ إنسانية ينبغي أن تتسم بالتعاطف والتضامن والرحمة، أو أنّ القانون ينبغي أن يكون ذا أصول أخلاقية لكي يُحسَّ الناسُ بالطمأنينة والثقة على اختلاف فئاتهم.

إن الأحداث والمشكلات الكثيرة والعواصف العالمية، والتي ما عادت النظم الدولية تتحكم فيها أو تضبطها، تدفع الأديان والمنظمات الإنسانية إلى رفع مطالب الرحمة والتعاطف والتسامح والضيافة وحقوق الجوار. فالحق المرحمي صار حقاً وواجباً أخلاقياً وإنسانياً وبما يتجاوز اعتبارات قانون الغالب أو المنافس. كان اللاهوتي الكاثوليكي هانس كينغ قد اقترح في مطلع التسعينيات الوصولَ إلى إجماع أخلاقي بين الأديان الكبرى، عماده القاعدة الذهبية: أحبَّ لأخيك ما تحبه لنفسك! وهي أخلاق الفضيلة والرحمة وليست أخلاق القانون. وقد تحقق ذلك في «وثيقة الأخوة الإنسانية» (2019) التي وقّعها البابا فرانسس وشيخ الأزهر بأبوظبي.

قد يجادل البعض في أنّ أخلاق العدالة، وبخاصةٍ في الدول وعلى المستوى الدولي، ضرورية. لكنّ أحداً لا يجادل في أنّ أخلاق الرحمة والتعاطف ينبغي أن تسود.

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الاتحاد الإماراتية،  يوم: 17 يناير 2026 23:30

 

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.

***

شوقي بزيع

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 13 يناير 2026 م ـ 24 رَجب 1447 هـ

في القرن الثامن عشر الميلادي هيمن الفيلسوف هيغل على هيكليّة النظريّة الفلسفية في كل أوروبا تقريباً. حاول شبنهاور منافسته وفشل. لقد غيّر هيغل مسار الفلسفة وورّط كل من جاء بعده بمن فيهم نيتشه الذي شتمه بشكل شخصي في كتابه: «ما وراء الخير والشر».

وما كان هيغل بعيداً عن درْس الآيديولوجيات، بل كانت نظريّته سبب تفجّر متناقض بين مفهوم «القلب الهيغلي» عند كارل ماركس، ومن ثمّ نشأة تيار «اليسار الهيغلي»، وعلى الضد فجّرت نظريته تلميذه الفيلسوف فيورباخ الذي ما فتئ أن انقلب على أستاذه، وحاول نقض مقولاته، وإنكار صحّة جدليته وإبطال حججه.

كان هيغل يرى أن الدين هو أعلى أشكال الوعي البشري، ويُمثل رحلة الروح نحو إدراك الذات المطلقة.

الأستاذ حوسي أزارو، في مقالة له بهذه الجريدة بعنوان: «هيغل وإذابة الخصومة بين الدين والفلسفة»، ركّز على نقاطٍ عدة منها:

الأولى: أن هيغل «ينطلق من تقليب طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة، بغية تجاوز المنظور الأنواري للدين، واللغط الكبير الذي حيق حول جدوى حضوره في تجربة الحياة البشرية، وكذلك سعيه نحو تنبيه كل من استمرأ النظر إليه بازدراء، كأدنى أشكال التفكير الإنساني الذي ينم عن عجز طافح في إعمال العقل، والتأمل المجرد في الذات والحياة والوجود، لا سيما أن معظم الفلاسفة الأنواريين، عدّوه مجرد تفكير جنيني وطفولي، يفتقر إلى النضج العقلاني النظري والمنطق».

الثانية: أن «الموقف المعهود في النزعة الإنسية والمادية للحداثة الغربية يشي بنزعة متمركزة حول الذات الأوروبية التي ترفع من مقام الحصيلة التاريخية والفكرية للحداثة، مزينة إياها برداء السمو والرفعة... ولعل هذا الأمر من القضايا التي تنبّه إليها هيغل مبكراً، وجعله ينزع نحو التأصيل لرؤية فلسفية جذرية جديدة، تتجاوز منطق التضاد والصراع والتناقض بغية احتواء الفهم السليم للدين ضمن منطق جدلي وشمولي، ونسق فلسفي عام».

الثالثة: قوله إنه «لا مجال متاحاً في نسق هيغل الفلسفي لفهم بسيط للدين، ولا لصراع بين الفلسفة والأديان أو عداء بينهما: فالخطاب الفلسفي لا يتدخل في المسائل الدينية لإفسادها، أو هدم اعتقاداتها الإطلاقية وتدنيسها. مثلما لا يجوز التوجس المستديم من الخطاب الديني لحظة انكبابه على القضايا الفلسفية بتعطيلها أو تحريم تداولها».

تعليقي أنه وفي فضاء كل النقاش المتفجّر عن النظرية الهيغلية لا بد من التأكيد على تغيّر المُنْطلق الذي بدأ منه. على سبيل المثال في ندوة نقاشيّة بين جاك دريدا وجياني فاتيمو، طبعت بكتاب تحت عنوان «الدين في عالمنا»، قام دريدا بضربة قويّة عنوانها التجاوز الصارم لثنائية الحق والباطل، النور والظلام، المركز والهامش. يقول: «لنتذكّر أيضاً ما اعتبره مؤقتاً عن حق أو باطل أمراً بدهياً، كيفما كانت العلاقة التي تربطنا بالدين، هذا الدين أو ذاك، فإننا لسنا رجال دين تابعين لمؤسسة كهنوتية، ولا نخبة من التيولوجيين... كما أننا لسنا أعداء للدين بالمعنى الذي يمكن أن يكونه بعض فلاسفة الأنوار».

الخلاصة؛ أن هذا النمط المتجاوز للفهم التقليدي للآيديولوجيا ضروري. كما أن ادعاء عداوة الفلاسفة للعقائد غير صائبة، فالدين مقدّس، وإنما المفهومان العلمي والعملي لمعالجة الأفكار التي يُصدرها البعض حول هذه الموضوعات يجب أن يحاربا لأنهما يؤسسان لأدلجة منطلقها عقائدي، ولكنها تُصاغ ضمن إطارٍ سياسي بحت.

وما كانت مهمّة الفلاسفة حول تبويب هذا الاتجاه سهلة، بل حُوربت من الآيديولوجيين خصوصاً منهم غير المتخصصين ولا المتعلمين، وإنما كانوا عبر التاريخ خليطاً من المتحمسين الذين يرون أن أي كشف لأفكارهم الآيديولوجية يمثّل تحدياً لهم، وهذا ما أبدع به هيغل حين ضرب ضربته الكبرى على الآيديولوجيا بمعول نظريّ متين.

***

فهد سليمان الشقيران

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 26 رَجب 1447 هـ - 15 يناير 2026 م

 

لم يكن نسق هيغل مجرّد بناءٍ فلسفيٍّ محكم، بل كان ادّعاءً كونيّاً بأن العقل قادر على استيعاب العالَم كلّه داخل حركة مفهومية واحدة، تُمسك بالتاريخ، والدولة، والروح، والإنسان، في آنٍ واحد. لقد بدا هذا النسق، في ذروة القرن التاسع عشر، كأنه المعبد الأخير للعقل الغربي، حيث يُعاد ترتيب الوجود وفق منطق الضرورة، وتُردّ التناقضات إلى مصالحة عُليا داخل مفهوم «الروح المطلقة». غير أن المفارقة العميقة في الهيغلية لا تكمن في اكتمالها، بل في أنها أنجبت، من داخل صرامتها، أعنف أشكال التمرّد عليها. كأن النسق، في سعيه إلى الإحاطة بكل شيء، فتح البابَ لسؤال لم يكن قادراً على احتوائه: ماذا عن الإنسان حين لا يعود جزءاً مِن الخطة؟

أولى الصدمات جاءت من حيث لم يتوقعها النسق: من الفرد. لقد وقف كيركجورد أمام الهيغلية لا بوصفه ناقداً منطقيّاً، بل بوصفه كائناً موجوداً، قلقاً، متورّطاً في الحياة. لم يهاجم الجدل من حيث هو أداة عقلية، بل رفض أن يتحوّل الوجود الإنساني إلى مثالٍ توضيحي داخل كتاب فلسفي. وبالنسبة إليه، لا يُعاش الإنسان بوصفه لحظةً في تطوّر الروح، بل بوصفه ذاتاً تختار، تخطئ، وتتحمّل وحدتَها أمام الوجود. هنا انكسر ادّعاء الشمول: فالنسق الذي يفسّر كل شيء، يَعجز عن تفسير التجربة الفردية حين تُعاش من الداخل. ومع كيركجورد، لم تَعُد الحقيقة مسألة تطابقٍ بين الفكر والواقع، بل صارت مسألة علاقة، ومعاناة، والتزام ذاتي لا يقبل التعميم.

والصدمة الثانية جاءت من الأرض، لا من الذات، ففيويرباخ لم يناقش هيغل في تفاصيل منطقه، بل سحب البساطَ من تحته عبر إعادة توجيه السؤال: لماذا تبدأ الفلسفة من السماء بدل أن تبدأ من الإنسان؟ رأى أن المطلق الذي تتغنّى به المثالية ليس سوى إسقاطٍ إنسانيٍّ مُضخّم، وأن ما سُمّي «روحاً» لم يكن إلا الإنسان وقد نَسي نفسَه. وبهذا التحويل، تحرّرت الفلسفة من قداسة الفكرة، وعادت إلى الجسد، والطبيعة، والحسّ. لم يعد الإنسان تجلّياً للروح، بل صارت الروح تعبيراً عن الإنسان. كان ذلك انقلاباً هادئاً، لكنه حاسم: فالفلسفة لم تَعُد مطالبة بتفسير العالَم من علٍ، بل بفهم الإنسان في محدوديّته، وحاجته، وعلاقته بالعالم المادي.

أما الصدمة الثالثة، فكانت اجتماعية تاريخية بامتياز. ماركس لم يهدم الهيغلية، بل أعاد توجيهها. احتفظ بالجدل، لكنه نزعه من عليائه، وأعاده إلى حركة المجتمع والتاريخ. لم تعد الدولة تجلّياً للعقل، بل صارت بنية صراعية تحكمها علاقات إنتاج وقوى مادية. ولم يعد الفكر أصل الواقع، بل نتيجة له. وبهذا التحول، خرجت الفلسفة من فضاء التأمل الخالص إلى ميدان الصراع، وصار السؤال الفلسفي مرتبطاً بالعمل والاقتصاد والهيمنة. لم يعد التاريخ مساراً عقلانيّاً ضروريّاً، بل ساحة مفتوحة على التغيير والفعل والانكسار.

 هذه الصدمات الثلاث لم تُلغِ هيغل، بل كشفت حدودَه. لقد أظهرت أن العالَم أوسع من أي نسق، وأن الإنسان يفيض عن كل محاولة لاحتوائه داخل مخطط مفهومي مغلق. من هنا، انتقلت الفلسفة من وهم الكلّية إلى الاعتراف بالتعدّد: تعدّد الذوات، وتعدّد الأجساد، وتعدّد التواريخ. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق: أن الفلسفة لا تحيا حين تمتلك الحقيقة، بل حين تُجبر، مرة بعد مرة، على مغادرة معابدها، والإنصات لصوت الإنسان وهو يتشكّل خارج كل نسق مكتمل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 14 يناير 2026 01:21

في القاهرة أُعلن الأسبوع الماضي عن وفاة الفيلسوف المصري مراد وهبة عن عمر بلغ مئة عام. وكان وهبة من أشد المنافحين عن حركية التنوير العربي في جذورها القديمة والحديثة. كان الفيلسوف الراحل يدعو بوضوح إلى إحياء الرشدية ويرى فيها الأفقَ المرجعي الذي لا غنى عنه من أجل بناء ديناميكية تنويرية عربية على أساس قراءة عقلانية وإنسانية للتراث الوسيط. وبالنسبة لوهبة، تُشكّل الرشدية التعبيرَ الأقصى عن العقلانية العربية من حيث التوجّه البرهاني والدفاع عن حرية التفكير واستقلالية النظر عن الدين، لكنّ مشروع ابن رشد أُجهض جراء تحالف الفقهاء والسُّلطة، في حين انتقل إلى الغرب اللاتيني وأثمر ثورةَ التنوير والحداثة.

لا تختلف قراءة وهبة عن الخط الذي دشّنه المفكر اللبناني فرح أنطون في كتابه الشهير «ابن رشد وفلسفته» (صدر سنة 1903) الذي اندرج في سياق جدل حاد مع الإمام محمد عبده. وبالنسبة لأنطون، بلور ابن رشد كلَّ الآليات المعرفية والمنهجية التي تدفع للتنوير والعلمنة، مِن التبشير بالتأويل العقلاني للدين وفصل الفلسفة عن الشريعة وفصل الدين عن الدولة.

وعلى الرغم من التقليد الجامعي النقدي الذي أسّسه محمود قاسم في الدراسات الرشدية العربية، إلا أن ابن رشد ظل بالنسبة للتيار التنويري العربي مرجعاً تراثياً أساسياً يمكن البناء على أفكاره التجديدية من أجل الدفاع عن قيم العقلانية والتفكير الحُر.

وقد بلغ هذا التوجه مداه في مشروع المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري الذي رأى أن ابن رشد هو اللحظة القصوى في العقلانية البرهانية العربية، واعتبر أنه وضع مقاربةً أكسيومية تفصل بين الخطاب الديني والفلسفة وترفض القراءات الغنوصية والعرفانية للشرع.

وهكذا يمكن الحديث مع الجابري ومراد وهبة عن رشدية محدثة، لها أتباع كُثُر في الفكر العربي المعاصر.

ومع أن الرجل كان من دون شك أهم شارحي أرسطو في العصور الوسطى رغم أنه لم يكن يعرف اليونانية، إلا أننا ننسى أنه أيضاً كان قاضياً وعالماً دينياً مشتغلاً بالعلوم الشرعية (خصص زميلنا إبراهيم بورشاشن دراسةً وافيةً لعلاقة الفلسفة بالفقه في فكر ابن رشد). بل إن أشهر أعماله وهو كتابه المختصر «فصل المقال» كان في أصله فتوى حول سؤال طُرح عليه حول حكم النظر في الفلسفة، وقد أجاب من منظور تأصيلي شرعي بأن الفلسفة واجبة على من كان أهلاً لها وإنْ كانت محظورة على العامة، وهي بالنسبة له المعيار التأويلي الصحيح للعقيدة.

وفي السنوات الأخيرة، برزت قراءاتٌ جديدة لابن رشد في الكتابات الغربية، من منظور استكشافِ أثره في العصر اللاتيني الوسيط وامتداداته في الفلسفة الحديثة (لدى ديكارت وسبينوزا ولايبنتز). ومِن أهم مَن قدّم هذه القراءات الآن دي لابيرا وتلميذه جان بابتست برنيه.

ما تبينه هذه المقاربات هو أن تأثير ابن رشد في الفكر المسيحي الوسيط كان بالأساس سلبياً، أي أنه نُظر إليه منذ ترجمة أعماله المبكرة إلى اللاتينية بكونه خصماً خطيراً، بما جرّ عليه تحريم تداول كتبه من لدن أسقف باريس سنة 1270 في حين حمل عليه توماس الأكويني بشدة.

لم تكن أطروحة «ازدواجية الحقيقة» (ما بين الفلسفة والدين) هي ما أثار اهتمام مفكري العصر اللاتيني الوسيط، بل نظرية ابن رشد المثيرة حول وحدة العقل واستقلاليته عن الإنسان التي ظلت مدارَ جدل واسع امتد حتى ديكارت فيلسوف الذات المفكرة. ما بيّنه برنت هو أن ابن رشد بلور نمطاً مغايراً من الكوجيتو لتفسير قدرة الإنسان على الاستخدام الشخصي للعقل، فاعتبر أن ملكة التخيل هي الواسطة الضرورية بين النظر الشخصي والعقل الكوني، وهي فكرة ظلت غريبة في التفكير الفلسفي إلى حدود النقدية الكانطية.

ليس من همنا بسط القول في الفلسفة الأرسطية في مسارها العربي وتأثيرها الأوروبي، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن مشروع ابن رشد لم يكن حداثياً ولا تنويرياً، بل يندرج في سياق التصور الفلسفي القديم الذي يحصر النظر العقلي في الخاصة، على عكس مثال «الاستخدام العمومي للعقل» الذي اعتبر كانط أنه ميزة حركية الأنوار. العقل لدى ابن رشد هو العقل الوجودي الكوني وليس العقل الذاتي المعيش، ومن هنا الاختلاف الجوهري مع العقلانية الحديثة المنغرسة في الممارسة الاجتماعية والمحددة بقيم الاستقلالية والتحرر.

وحاصل القول هو أن الرشدية المحدثة ليست المسلك العربي للتنوير الذي هو ديناميكية كونية إنسانية مفتوحة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية،  يوم: 11 يناير 2026 23:05

 

ظلّت الحكمة منذ القديم مطلباً إنسانياً عميقاً، وكانت المجتمعات البشرية تُقدّمها وتفتخر بحكمائها، فتُسوِّدهم سيادة فعلية حين تضع أزمة قيادتها بين أيديهم، أو سيادة رمزية حين تجعل أعنّة عقولها في سداد بصيرتهم. ولم ينقطع تضوّع أريج الحكمة عبر الزمان، ولا تزال إلى اليوم مطلباً عند أصحاب النّظر من قادة السياسة والفكر.

احتفى القرآن الكريم بالحكمة، وتردّدت أجراس حروفها في كثير من آياته مشيرةً إلى معاني الخُلق والعلم، لكن لعلّ أهمّ مدح قرآني للحكمة في الإشارة إلى الاستئثار الإلهي بها، وقرنها بالخير الكثير: {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا} [البقرة]، وقرن الحكمة بالخير الكثير لأجل أن يُرغّب فيها ويجعلها مطلباً عزيزاً تُشدُّ إليه رحال أهل الحج من البشر. ولعله لهذا السبب، وإدراكاً من الفلاسفة وكبار المفكرين لنبل الحكمة وشرفها بنوا لها بيتاً وسكنوا فيه، فمنذ أن تردّد اسم الحكمة عند اليونان في المدرسة الفيثاغورسية وصاحبها فيثاغورس الذي رأى أن الحكمة خاصة بالإله، ولا يمكن منازعتها له، خاصة بعد أن عاش أزمة الأعداد الصماء، فكانت قولته الشهيرة أنا لست حكيماً، فالحكمة تنسب للإله، إنما أنا محب للحكمة، أي فيلوصوفوس، ليجترح اسماً لهذا الفكر النظري الذي اخترعه اليونان وسارت بقافلته ركبان الفلاسفة عبر العصور حتى زماننا الحاضر. لنجد الفلسفة وقد حققت إنجازات نظرية وعملية مذهلة.

قعد اليونانيون الفلسفة في إطار نسق نظري وجعلوا المنطق مدخلاً له، باعتباره الآلة التي تمكّن العقل من تمييز الصواب من الخطأ، ثم قسّموها إلى حكمة نظرية وحكمة عملية، الحكمة النظرية هي ذلك النظام المعرفي المكوّن من الرياضيات والعلم الطبيعي والإلهيات، وخصيصتها الكبرى أنها عارية عن العمل، فالحكمة النظرية تُعلم ولا يعمل بها، أما الحكمة العملية فهي ذلك النّظام المعرفي المكوّن من الأخلاق والسياسة وتدبير المنزل، وخصيصتها الكبرى أنها متعلّقة تعلّقاً كبيراً بالعمل والممارسة. وقد ظلّت الحكمة العملية تهتدي بنبراس الحكمة النظرية، خاصة إذا سلمنا مع بعض المفكرين أن الحكمة العملية ما هي إلا نتاج عملي للفكر النّظري في الوجود والابستمولوجيا.

لقد كانت الحكمة قبل اليونان حكمة عملية خاضعة لمقتضيات العقل العملي فقط، وكان الإسهام الأكبر للعقل الإغريقي هو هذا التجريد النظري الذي أسس «العقل النظري» والذي لا تزال البشرية اليوم تقطف من ثماره خاصة مع الرياضيات، التي تعتبر المحرك المعرفي الأول لكل تقدم معرفي ممكن.

لم يفتأ الفلاسفة يلهجون بالحكمة منذ «فيثاغوروس»، ومع «سقراط» الذي قرنها بالاعتراف بالجهل. لنجد لها مساراً غنياً في تاريخ الفلسفة، حيث ربطها «هيوم» بالتّواضع والإقرار بحدود العقل البشري. وجعل «اسبينوزا» الحكيم من يعيش مع النّاس وفق العقل. وجعلها «استورت مل» في الإصغاء لكل صوت، وعدم الاقتصار على المعرفة من القضية بجانب واحد منها. وجعلها «راسل» في التكيف مع العالم دون ذوبان الذات فيه. وجعلها «آينشتاين» مرتبطة بالحركية الدائمة لإدراك الحقيقة وثمرة لها.

وكان لفلاسفة الإسلام قول في الحكمة فاعتبرها «ابن رشد» «العلم بالأشياء على ما هي عليه، والقدرة على استعمال هذا العلم في خيرات الناس». وجعلها «ابن سينا»، من قبله، «استكمال النفس الإنسانية بتصوّر الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية». وجعل «الفارابي»، من قبلهما، «غاية الحكمة أن تصير النّفس عالمة بحدود الأشياء ومراتبها، عاملة بما يحقق كمالها». وجعلها ابن مسكويه «رأس الفضائل لأنها تُهذِّب النّفس وتدلّ على حدود الخير والشر».

وهكذا كانت الحكمة ضالّة الإنسان عبر التاريخ، وبقيت النّبراس المتّقد الذي ينير الّليالي المدلهمّات بعقول الحكماء من خيار قادة السّياسة والفكر.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 يناير 2026 23:45

لم تكن القطيعة التي أنجزها العقل الفلسفي الغربي مع المرجعيات الميتافيزيقية مجرّد حدث معرفي عابر، بل كانت خياراً وجوديّاً عميق الأثر، أعاد تعريف الإنسان والعالم والمعنى. فقد تحرّر العقل من السُّلَط الرمزية التقليدية، وراكم منجزاتٍ تحليليةً غير مسبوقة، لكنه في المقابل أفرز فراغاً دلاليّاً أخذ يتّسع كلما ازداد وعي الإنسان بتناهيه. وهنا تبرز المفارقة: عقلٌ بالغُ القدرة على التفكيك، شديدُ العجز عن الطمأنينة، بارعٌ في مساءلة كل شيء، لكنه عاجز عن إسكات قلقه الخاص.

لقد تصوّر العقل الحديث أنه حين يزيح السؤال الديني من أفق التفكير، فإنه يحرّر الإنسانَ من الوهم، غير أن ما وقع فعليّاً هو انتقال الوهم من الخارج إلى الداخل، إذ صار الإنسان مطالَباً بأن يكون مصدر المعنى الوحيد في عالم لم يُعد يعترف بأي مرجعية تتجاوزه. ومن هنا لم يَعُد القلق حالة نفسية طارئة، بل غدَا بنيةً وجوديةً ملازِمةً للوعي الحديث، أي: قلقاً نابعاً من إدراك التناهي، ومِن هشاشة القِيم، ومِن افتقاد الغاية النهائية.

وفي هذا السياق، ظهرت الوجوديةُ بوصفها اعترافاً فلسفياً متأخراً بأن الإنسان ليس عقلًا محضاً، بل كائناً منفتحاً على السؤال، محكوماً بالاختيار، ومهدَّداً بالعدم. غير أن الوجودية اللادينية، رغم شجاعتها في تشخيص المأزق، كثيراً ما توقّفت عند حدود الوصف، فحوّلت القلقَ إلى قدَر، والعبثَ إلى أفق، والحريةَ إلى عبء بلا معنى جامع. وهنا يتولّد سؤالٌ أكثر جذريةً: هل يكفي أن نعي التناهي دون أن نبحث عمّا يمنح هذا الوعي قابليةَ الاحتمال؟

ومن داخل هذا المأزق ذاته، حاول بعض مفكري الغرب إعادةَ فتح السؤال الديني لا بوصفه رجوعاً إلى اللاهوت السلطوي، بل باعتباره سؤالَ معنى لا يستقيم تجاوزه. ويبرز هنا اسم باول تيليش، لا بوصفه صاحب نسق مغلق، بل بوصفه شاهداً على إمكان تفكيرٍ دينيٍّ من داخل العقل الحديث. فالدين، في هذا الأفق، لا يُقدَّم كمنظومة أجوبة جاهزة، بل كاستجابة وجودية لما سمّاه «الاهتمام الأقصى»، أي ذلك الانخراط الكلي الذي يمنح الوجودَ اتجاهَه دون أن يُلغي توتّرَه.

وليس تيليش استثناءً معزولاً، بل هو امتداد لمسار بدأ مع سورين كيركغارد حين كشف أن الحقيقة الوجودية لا تُنال بالبرهان المجرد، وأن القلق ليس نقيض الإيمان، بل شرطه. كما يتقاطع، وإنْ من موقع مختلف، مع تشخيص مارتن هايدغر لوضع الإنسان بوصفه كائناً مُلقى في العالم، محكوماً بالزمن والموت، غير أن الفرق الحاسم يكمن في أن الوجودية الدينية ترفض أن يكون هذا الإلقاء نهايةَ المعنى.

الإيمان، وفق هذا التصور، لا ينافس العقل في مجاله، ولا يدّعي امتلاكَ الحقيقة، بل يمنح الإنسانَ «شجاعة الوجود»، أي القدرة على مواجهة القلق دون إنكاره، وعلى تحمّل التناهي دون السقوط في العدمية. وهو إيمان يعمل بالرمز لا بالتصوّر الحدي، وبالإشارة لا بالامتلاك.. ما يجعله قابلا للتأويل والحوار، لا أداة للإغلاق أو الإقصاء.

ومن هنا لا تبدو الوجودية الدينية ارتداداً عن الحداثة، بل نقداً داخليّاً لها، ولا تبدو عودةً إلى ما قبل العقل، بل مساءلة للعقل حين يتوهّم الاكتفاء الذاتي. إنها تضع العقل الفلسفي الغربي أمام امتحان حاسم: إمّا أن يظل وفيّاً لشجاعته النقدية فيُعيد فتح السؤال الديني بوصفه سؤال معنى، أو أن يكتفي بإدارة القلق وتحويل الأزمة إلى حالة دائمة بلا أفق.

وهكذا، لا يعود السؤال الحقيقي: هل يحتاج الإنسان إلى الدين؟ بل: هل يستطيع العقل أن يحيا دون أفق يتجاوز ذاتَه؟ ذلك أن العقل الذي لا يعترف بحدوده، لا يلبث أن يتحوّل من أداة تحرير إلى مصدر قلق، ومن وعْد بالمعنى إلى عبء وجودي لا يُحتمل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 6 يناير 2026 23:45

من العجيب أن يستمرّ تأثير نظريات فيلسوفٍ حتى بعد موته بقرون. إنّ مستوى الخلود النظري لإيمانويل كانط (1724-1804) يعتبر استثنائياً وخارقاً في تاريخ الفلسفة والعلوم، ذلك الفيلسوف المنطوي الصارم تصدر عنه مجموعة من الأبحاث والدراسات حتى اليوم. لقد انقرضت الفلسفة الوضعيّة، وتحدّت من بعد ذلك نظريّاته صعود موضة الفلسفة الظاهراتية، غير أن ما طرحه من أسئلة لم تزل فعّالة ومُلهمة.

لم يتمتّع كانط بأسلوبٍ أدبي في صياغة الأفكار، ولم تكن لديه جماهيرية على مستوى الطلاب والجامعات والأكاديميين كما توفَّر لهيغل، وإنما بقاء نظرياته يعود إلى صرامة الأسئلة التي انطلق منها والتبويب العلمي والقوّة المنهجية.

ومن آخر ما قرأت عنه ما كتبه: «مايكل رولف» بدراسةٍ مطوّلةٍ عن كانط، ترجمها الأستاذ علي الحارس. «ربما انعكست النشأة عليه وعلى فلسفته، والتي لخّصها رولف بأنه: «عاش في كنف أسرة مهنية ذات موارد متواضعة، فأبوه كان من شيوخ السرّاجين، وأمّه كانت ابنة رجل يعمل في المجال نفسه، لكنّها كانت على مستوى من التعليم يفوق معظم نظيراتها في طبقتها الاجتماعية. ولم تعانِ أسرة كانط من فقر مُدقِع، لكنّ عمل أبيه كان يتراجع عندما بلغ كانط عتبة الشباب، واضطرّ والداه أحياناً لطلب المعونة المالية من الأقارب... وكان والدا إيمانويل كانط يعتنقان المذهب التقوي، فارتاد مدرسة تدين بهذا المذهب (تدعى: كوليگيوم فريديريكيانوم) من الثامنة من عمره حتّى الخامسة عشرة».

بالتأكيد، إن النشأة الدينية القويّة زلزلته وأثّرت على تفكيره ونظريّته، حتى تدريسه لطلاب الابتدائية مطبوعٌ على نظريته حول التربية التي برع فيها وكتب عنها مجموعة من التأملات، ومن ثمّ طوّرها في كتابه «نقد العقل العملي». بقي سؤال الحقيقة مقلقاً له منذ يفاعته، فهو طرح السؤال الفعّال والمُربِك والمؤثّر على تاريخ الفلسفة حتى اليوم، وهو:«كيف أعرف»؟!

وقد قارب ذلك في كتابه «نقد العقل المحض». يعتبر رولف أن: «الموضوع الأول لكتاب (نقد العقل المحض) هو إمكانية الميتافيزيقا، وذلك وفقاً لفهم محدّد. إذ يعرّف كانط الميتافيزيقا بأنّها «الإدراكات التي من شأنها أن تسمح للعقل بعد حصولها أن يسعى مستقلاً عن أيّة تجربة»، وكان هدفه في الكتاب أن يصل إلى «قرار بشأن إمكانية أو عدم إمكانية الميتافيزيقا عموماً، وتحديد مصادرها، بالإضافة إلى توسيع حدودها، على أن يكون ذلك كلّه بالانطلاق من المبادئ».

وبهذا تكون الميتافيزيقا عند كانط متعلّقة بمعرفة قبلية، أو بالمعرفة التي لا يعتمد تسويغها على التجربة، وهو يُقرن المعرفة القبلية بالعقل».

الخلاصة، أن خلود نظرية كانط برأيي يعود إلى سببين اثنين، أولهما: أنه تجاوز الأسئلة التقليدية المتداولة في الفلسفات منذ العصر اليوناني، وهي ذات طابع مدرسي اعتيادي ومُملٍّ. الثاني: أنه استطاع أن يستثمر خبرته في العلوم الطبيعية والفيزياء في صوغ نظرياته عن الإدراك والحقيقة والزمان والمكان، وهذان السببان منحا نظرياته كلَّ هذا الاستمرار وديمومة التأثير.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 5 يناير 2026 23:45

هذا كتاب يضم حوارات مهمة مع ثمانية عشر من المفكرين المصريين والعرب، حول أسباب التردي العربي، وما هي سبل التقدم الممكنة. وجميعهم كتبوا كتبا رائعة على مدار حياتهم، عن تجديد الخطاب الديني وما يحيط به من معانٍ، وعن الوضع العربي بين العلمانية والدين، ونظم الحكم المختلفة. الكتاب عنوانه «تحطيم أوثان العقل ـ حوارات الفكر في السنوات العاصفة»، وهي سنوات ما بعد الربيع العربي. الحوارات كلها ما بين عامي 2016-2022.

الكتاب صادر عن مؤسسة المثقف العربي في مدينة سيدني في أستراليا في ثلاثمئة وأربعين صفحة، وتقوم بتوزيعه في العالم العربي دار أمل الجديدة، أجرت الحوارات وجمعتها الباحثة حنان عقيل، التي كتبت كثيرا من المقالات في هذا الشأن، وتعمل الآن في قناة «الوثائقية» المصرية. الحوارات تأخذ بعقلك ليس لأهميتها فقط، ولكن لأن كل الأسئلة جاءت من قراءة حنان عقيل العميقة لأهم أعمال من تدير معهم الحوارات، وهذا جهد رائع جعل الحوارات ذات عمق فكري، نفتقده في كثير من الحوارات الشائعة. وفي مقدمة كل حوار حديث عن المفكر وما دفعه بعضهم من ثمن لآرائه في قضايا مثل ازدراء الأديان، أو انتقال بين البلدان.

بالطبع لن أستطيع الإحاطة بكل أفكار وموضوعات الكتاب، ولا كل الأحاديث، وسأختار من بينها القضية الشائكة بين الفكر العلمي والدين، أو بين السياسة والدين. في الحوارات جرأة كبيرة من أصحابها في تشخيص بعض حالات الحكم الديكتاتورية. مع سيد القمني يركز الحوار على كيف يصبح الفكر الديني في قداسة الأديان نفسها، وكيف خلط أعداؤه بين رأيه في المفكرين في الدين، والدين نفسه، وكيف أن العلم هو طريق الصلاح الحقيقي. من المهم الإشارة إلى بعض مراجعاته التي لا يخجل منها، خاصة في ما يخص بعض المعلومات، وفي ما يخص تطبيق الشريعة، فهو يطلب ممن ينادون بذلك إعطاء حقوق المواطن قبلها كاملة. رأيه في القول بالإعجاز العلمي للقرآن إنه فكرة لاستجلاب الرزق فقط، فلن تجد في المقدس اكتشاف علمي جديد، وهذا التفكير قد يجعل الفرد غير راغب في العمل أو العلم. يحتل دور المثقف مساحة في الحوار معه ومع غيره، والمثقف في رأيه هو بمعناه الفلسفي، لا بد أن يعرف آخر ما توصلت إليه العلوم وأيضا الجغرافيا والتاريخ، وليس هو المثقف بمفهوم مواقع التواصل الاجتماعي. يأتي حديث مع المفكر المصري أحمد صبحي منصور، وكيف بعد سجن وملاحقات أمنية هاجر إلى الولايات المتحدة ليستقر منذ عام 2001. هو زعيم التيار القرآني الذي رأى الإسلام دينا علمانيا، والدولة وفقا له دولة إسلامية علمانية. العلمانية التي يريدها هي العلمانية المؤمنة، والفارق بينها وبين العلمانية الغربية يأتي من معنى الإسلام، وعقيدة الإيمان باليوم الآخر، ما يعني مسؤولية كل فرد في اختيار دينه أمام الله، ومن يتدخل في ذلك يزاحم الله. ومن ثم فالاختلاف الديني أو المذهبي أمر مقرر، ولا سلطة فيه لبشر على بشر. وعن المثقفين وملاحقتهم يقول، إن المحاكمات والسجن والمصادرة لا يمكن أن تمحو فكرا، وخصوصا في عصر العولمة ومظاهرها مثل الإنترنت.. ويشير أيضا إلى التيارات الوهابية ودورها في التراجع الفكري وحضور الإرهاب، الوهابية مطروحة من الجميع تقريبا، وبسبب زمن الحوارات يشيرون إلى المملكة العربية السعودية ودورها في ذلك، بينما اختلف الأمر الآن في السعودية. يرى أن مصطلح تجديد الخطاب الديني، مصطلح سياسي خاطئ، مثله مثل مصطلح التغيير، فقد يكون التغيير إلى الأسوأ، والأصح هو القول بالإصلاح الديني الذي لا ينفصل عن الإصلاح السياسي، ويقوم على إصلاح تشريعي دستوري قانوني، ينقّي التشريع من كل ما يضيّق على حرية الفكر والدين.

يأتي المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، ورؤاه الماركسية. يتحدث عن كيف بعد فشل ثورات «الربيع العربي» فشل اليسار في أن يتصدر المشهد، بينما نجح تيار الإسلام السياسي. أسباب ذلك في السنوات السابقة من انهيار الاتحاد السوفييتي، وتصالح أنظمة عربية مع العدو الصهيوني، وظهور الموجات الأصولية بدعم الأنظمة لها. حال المثقفين والقسمة بينهم. كما أن الثورات التي عوّلنا عليها لم تنجح في خلق تيار ثقافي بديل، ولم تكن سببا في توحيد المثقفين.

عن أهمية الماركسية أيضا يتحدث المفكر الأردني هشام غصيب، مشيرا إلى غيره مثل صادق جلال العظم ومهدي عامل وحسين مروة وسمير أمين، الذين قدموا مقاربات مهمة علينا أن ننطلق منها. يعطي أمثلة مثل، كيف فتكت كورونا بالدول الرأسمالية، بينما الصين التي لا تزال متأثرة بإرثها الماركسي، نجحت إلى حد كبير في حصار الوباء. النظم الصحية في الغرب كانت محدودة أمام الوباء لأن أولوياتها منصبة على الربح لا البشر والبيئة.

يرى المفكر السوري محمد شحرور، أننا نعيش في مرحلة ما بعد الرسالات، بعد أن اختتمت الرسالة المحمدية، وبالتالي فنحن في مرحلة التشريع الإنساني، التي لم تعد فيها البشرية في حاجة إلى رسالة أو نبوة، فهي قادرة على التشريع لنفسها، ومن ثم يتعين أن نقرأ النص القرآني من منظور معارفنا الراهنة، وتأسيس فكر ديني معاصر لا يتعارض مع المعارف الإنسانية وتطور المجتمعات، فتقديس الماضي بما فيه من غث وسمين، كان له تأثير شديد على العقل العربي، بالإضافة إلى الحركات السياسية التي ظهرت في منتصف القرن الماضي، وفشلها في تقديم بديل مقبول عن الاستعمار. فالماركسيون جعلوا الاتحاد السوفييتي قدوتهم، والقوميون قدموا شعارات رومانسية فأنتجوا دولا أمنية بامتياز، والحركات الإسلامية لم تقدم أيْ مفهوم للديمقراطية. يأتي حوار مع المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين أستاذ التصوف في المعهد البابوي للدراسات العربية في روما. يرى أن البعد الروحي في الأديان يمكن أن يخلق وحدة واحدة، متمثلة في قيم أساسية تمثل روح كل الأديان. فالفكر المادي منتشر نوعا ما في الغرب، خصوصا مع ظاهرة العولمة التي صارت عولمة تسويقية تهدد ما بقي من القيم الإنسانية والأخلاقية. كذلك يقع العالم الإسلامي تحت سيطرة هذه الظاهرة. لكن العالم الإسلامي فيه حضور أكثر للقيم الأخلاقية، وللحفاظ عليها فلا بد من ثورة روحية توجد معها ثورة عقلية تتواءم مع الحداثة، والإسلام الحقيقي لا يتعارض مع الحداثة. لا بد من تعاون جهات مختلفة في المجتمع لإعادة التصورات في النظر في التصورات القديمة عن الدين.

عن العولمة أيضا يتحدث المفكر الجزائري محمد شوقي الزين، وكيف أن تراجعها لن يكون ممكنا، إلا بانحسار النموذج المالي – الاقتصادي، الذي بات يحدد مصائر دول، ويسهم في التفاوت بين أرباب العمل والعمال. ورغم ذلك يعاديها اليمين المتطرف لأنها أتاحت الهجرة الكبيرة للغرب ويغلق الحدود أمام المهاجرين.

المفكر العراقي عبد الحسين شعبان يتحدث عن فقه التسامح، وكيف صار غيابه سببا في شيوع العنف والتعصب والتطرف، ومن أسبابه المرجعيات الدينية، أو الطائفية، أو العشائرية، أو غيرها في نظم الحكم أو الدولة. يتحدث المفكر التونسي عز الدين عناية عن نزع القداسة، فالاختزال الأيديولوجي للإسلام الآن مثّل ضربة قاصمة لرحابة الدين الحنيف. الإسلام السياسي في بلادنا جرب كل التجارب في التغيير من انتفاضات وانقلابات واغتيالات وغيرها، حتى التحالفات وصناديق الاقتراع، لكنه لم يراهن على التغيير الفكري والروحي القادر على إحداث نقلة نوعية في عمق المجتمعات، بعيدا عن التحشيد والتجييش الخاويين. ثالوث الغيبية والأسطورية والعاطفية المتربص بالعقل الإسلامي، في حاجة إلى ورشات للنقد الديني للتخلص من براثن اللامعقول. المفكر التونسي محمد الحداد يتحدث عن كيف لم تعد الدولة دينية في الغرب، ولا توجد هيئة دينية أعلى تخضع لها الدولة، كما كانت الكنيسة يوما وهذا ما ينقصنا. تأتي ثلاثة فصول أخيرة يتحدث فيها المفكرون أديب صعب اللبناني والسوري نجيب جورج عوض والتونسي عبد الحميد الشرفي والأردني فهمي جدعان، عن الدين والمستقبل.

هكذا تكون مع الكتاب، قد قطعت رحلة فكرية رائعة، مع التاريخ والحاضر والمستقبل، بعد الانهيار الذي جرى مع الربيع العربي.

***

إبراهيم عبد المجيد - كاتب مصري

عن جريدة القدس العربي، يوم: 3/1/2026

هذه ليست وجهة نظر فلسفية، بل نتيجة لأبحاث في علم النفس التطوري، وعلم الأعصاب الأخلاقي، والاقتصاد السلوكي، والذكاء الاصطناعي، ومع تراكم الأدلة تظهر صورة جديدة ومقلقة، حيث إن المستقبل لن يشبه الماضي أخلاقياً، والمبادئ التي اعتبرها البشر مقدسة ستفقد معناها في عالم يعاد فيه تعريف السلوك، والوعي، والنية، والمقبول اجتماعياً بحسب الفئات، ولم يعد القبول المجتمعي قراراً جماعياً مشتركاً، فالقوانين والتشريعات المحلية المتأثرة حتماً بالقوانين الدولية قد تجعل المرفوض في السابق في مجتمع ما أمراً مقبولاً اليوم، ولا يجرؤ من يعارضه بالجهر بذلك، بل في البيت الواحد قد يتفاوت تعريف الفعل الأخلاقي من شخص لآخر.

البداية جاءت من علم النفس التطوري الذي كشف أن الأخلاق ليست وحياً أو مطلقاً، بل استراتيجية للبقاء، فالصدق، والإيثار، والتعاون، والولاء، وعدم الاعتداء كلها ظهرت كآليات ضرورية لبقاء المجموعات الصغيرة التي عاش فيها الإنسان القديم، ومع تمدد المجتمعات تحولت هذه السلوكيات إلى ما نسميه «قواعد أخلاقية»، وجاء الدين ليضيف لها بعداً آخر، روحياً وتشريعياً خاصاً، فالأخلاق لم تبنَ في الأساس على حقيقة ثابتة، بل على بيئة محدودة من مجتمع صغير، وموارد شحيحة، وخطر وتهديد خارجي دائم، ونسبة القدرة على الاستمرار في الحياة، ووعي بسيط غير معقد.

ثم جاءت الضربة الثانية من علم الأعصاب، فالدماغ لا يحمل مركزاً أخلاقياً كما كنا نعتقد، بل يحمل شبكات من العواطف والذاكرة والانحيازات والتجارب، إذاً القرارات الأخلاقية ليست تطبيقاً لمبادئ ثابتة، بل استجابات عصبية تتأثر بالاحتياجات الفسيولوجية والشعورية والنفسية والمعتقدات، والخوف، واللذة، والتربية، والكيمياء الدماغية، وحتى الطعام والهرمونات.

فالإنسان قد يقتل إنساناً آخر دون ندم متى ما كان هناك قبول متعارف عليه لفعله، أو لديه مسببات هو يراها منطقية، ويؤمن أنها أخلاقية، وقد أظهرت تجارب معهد MIT الأميركي أن تغييراً بسيطاً في مستوى السيروتونين، أو نشاط اللوزة الدماغية يمكن أن يحوّل قراراً أخلاقياً من القبول إلى الرفض، ولهذا نحن اليوم بما نمر به من مؤثرات خارجية وداخلية نتعرض لها ونستخدمها بصفة يومية دائمة، نشارك الآخرين صياغة مفهومنا للخير والشر، والصواب والخطأ، وقد يحرضنا بطريقة غير مباشرة لتبني موقف معين، وأن ندافع عنه بشراسة.

من جانب آخر، إذا كانت الأخلاق نتيجة كيمياء، فكيف يمكن أن تكون ثابتة؟ ثم يظهر الذكاء الاصطناعي ليقلب المسألة رأساً على عقب! فالآلة لا تملك نوايا، ولا عواطف، ولا معايير بشرية، ورغم ذلك تصنع قرارات أخلاقية كتصنيف الأولويات الطبية، واتخاذ قرارات القيادة الذاتية، وتوزيع الموارد بدقة تفوق الإنسان! وهنا يصبح السؤال مخيفاً: فإذا كانت الأخلاق قابلة للتنفيذ دون وعي، فهل هي حقاً قيمة، أم مجرد خوارزمية تنظيمية؟

ومع صعود الذكاء الاصطناعي الإدراكي، تبدأ فكرة نية الفعل بالتآكل. النية كانت أساس الأخلاق، أما في عالم تتخذ فيه قرارات حساسة دون تدخل بشري، فإن الأخلاق تتحول إلى معادلات احتمالية، وليس إلى مبادئ مع عامل جديد، وهو تفكك الهوية البشرية ذاتها. فالإنسان الذي عاش بوعي واحد سيعيش قريباً بوعي رقمي- بيولوجي مزدوج، وستصبح القرارات الأخلاقية موزعة بين أنظمة دماغ بشري وذكاء اصطناعي مساعد، ومعالجة حسية تأتي من مصادر متعددة، فهل سيكون القرار الأخلاقي حينها قراراً إنسانياً؟ أم اتفاقاً بين أجهزة داخلية وخارجية؟

فالقيم والمبادئ العليا للإنسان تخالف في الغالب طبيعته البيولوجية وطموحه وأطماعه ورغباته، ودوافع الأنانية وحب الذات لديه، ناهيك أن الأخلاق التي كانت تعتمد على النية، والعاطفة، والتجربة الشخصية، ستفقد معناها في عالم تنتج فيه الأنظمة الذكية معظم القرارات. وهذا لا يعني أن الإنسان سيفقد إنسانيته، لكنه سيفقد شكل الإنسانية القديم، وسيدخل مرحلة جديدة لا تقوم على الأخلاق، بل على تنظيمات معرفية تبنى وفق الحاجة لا وفق المقدس. وسيكون الخير ما يضمن الاستقرار، والشر ما يهدده، وليس ما يجعل الإنسان أفضل أو أسوأ. ونعم إننا نقترب من نقطة يصبح فيها السؤال ليس ما هي الأخلاق؟ بل أي نظام سلوكي يناسب نوع الإنسان القادم؟ ويجب أن يعلم عالمانا الإسلامي والعربي، أن الذكاء الاصطناعي دون وعي بشري خارق بالبيئة المحيطة بنا يعد تحدياً جوهرياً وتهديداً مباشراً، وإن لم نتمكن من إنشاء اللغات الكبرى للخوارزميات، أي نماذج اللغة الكبيرة (Large Language Models - LLMs)، وهي ليست جزءاً من سيادتنا الرقمية، فلا جدوى من الحديث عن الأمن السيبراني، وسنخضع حتماً للهيمنة الرقمية والمادية، وإن كنا نعتقد أننا في مقعد القيادة.

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 ديسمبر 2025 23:00

 

اعتبر المفكر السياسي الفرنسي بيار هاسكي أن خط التصادم المستقبلي في الحقل السياسي الغربي سيتمحور حول التناقض بين النزعة الكونية (الليبرالية) والنزعة الحضارية (المجموعاتية)، بين العولمة عابرة الحدود والكيانات القومية المحلية.

ليس من همّنا الوقوف هنا عند المسألة الليبرالية التي كنا قد تناولناها سابقاً، وإنما سنستعرض بعض التوجهات الأيديولوجية البارزة في المسألة الحضارية التي تشغل اليوم بعض الاتجاهات الصاعدة من اليمين الشعبوي والحركات المحافظة في البلدان الغربية والعديد من دول العالم. وفي هذا الباب، يمكن التمييز بين أربعة تيارات متمايزة هي: الحداثة البديلة، وما بعد الليبرالية، والنزعة القومية المحافظة، والديمقراطية غير الليبرالية. التيار الأول ارتبط بالمفكر الصيني تشانغ ويوي الذي عُرف بكتابه «الموجة الصينية.. انبثاق دولة حضارية»، وفيه يطرح فكرةَ الحداثة البديلة عن التجربة الغربية، من منظور الخصائص الحضارية الخاصة بالنموذج الصيني في تميّزه التاريخي والاجتماعي. وفي هذا السياق، يتحدث ويوي حول «الحداثة عن طريق التكيف»، بدلاً من الحداثة القطائعية التي هي خاصة بالغرب الليبرالي في مكوناته المعروفة: الليبرالية والديمقراطية الانتخابية والفردية.

«حداثة التكيف» التي اعتمدتها الصينُ، تقوم على مقومات ثقافية خاصة وعميقة من قبيل: الدولة المركزية القوية، والحكامة الاستحقاقية والبرغماتية المتدرجة والدولة الحضارية المختلفة عن الدولة القومية. ومع أن ويوي لا يتحدث هنا إلا عن النموذج الصيني، إلا أن مفهوم الحداثة الحضارية غدا له تأثير واسع في بلدان وأمم أخرى، مثل الهند واليابان وأميركا اللاتينية. أما نزعة ما بعد الليبرالية، فارتبطت بالفيلسوف الأميركي باتريك دنين الذي نشر كتاباً هاماً بعنوان «لماذا فشلت الليبرالية؟»، يبيِّن فيه أن التجربة الليبرالية أدت إلى تفتيت المنظومة الاجتماعية وتكريس الفردية الراديكالية وتشكيل دولة تكنوقراطية من دون عمق أخلاقي أو رمزي، فضاع كلياً مفهوم الخير المشترك (في دلالاته اللاهوتية الأخلاقية) وانتكس معيار الفضيلة المدنية، الذي هو مرتكز النظرية السياسية الكلاسيكية. ومن هنا يدعو دنين إلى قيام ديمقراطية جوهرية تستبطن القيم المجموعاتية والثقافية العامة التي قوّضتها الديناميكية الليبرالية. أما النزعة القومية المحافظة، فارتبطت بالفيلسوف الإسرائيلي الأميركي يورام حازوني الذي أصدر كتاباً بعنوان «فضائل القومية»، يتبنّى فيه بقوة مفهومَ الدولة القومية والسيادة الشعبية في مقابل حركية العولمة الاقتصادية والاستراتيجية. فبالنسبة له، الدولة القومية هي الشكل السياسي الوحيد الملائم للحرية والتعددية، وهي نتاج الحداثة الغربية في خصوصياتها الحضارية المميزة. والقومية، كما يعرّفها حازوني، هي «الحق الجماعي لشعب حُر في حكم نفسه»، ومن ثم يجب أن تكون محور الرؤية السياسية والاستراتيجية للدولة.

وقد أثّرت أفكار حازوني بقوة على التيار اليميني في إسرائيل وعلى النزعة الشعبوية في الولايات المتحدة الأميركية. أما تيار الديمقراطية غير الليبرالية، فارتبط بالفيلسوف المجري اندرياش لنزسكي الذي هو العقل السياسي لرئيس حكومة بلاده فيكتور أوربان، وقد عُرف بنقده الراديكالي للتقليد الليبرالي من منطلق فكر كارل شميت، الفيلسوف والقانوني الألماني الشهير.

وبالنسبة للنزسكي، تكمن السياسة الحقيقة في الصراع والقرار الأمري والسلطوية الفاعلة، وهي أبعاد ألغتها الممارسة الليبرالية القائمة على مفاهيم الحرية الفردية ودولة القانون ومنظومة حقوق الإنسان الصورية. لا يرفض لنزنسكي الآلية الانتخابية الديمقراطية، لكنه يريد تخليصها من الرؤية الليبرالية، معتبراً أنها تتناقض في الجوهر مع منطق السيادة الشعبية الحرة وغير المقيدة. ولا يمكن الخلط بين هذه التيارات الأربعة التي تنتمي إلى تقاليد فكرية وأيديولوجية متمايزة، لكنها تلتقي في عناصر ثلاثة محورية هي: رفض الليبرالية في تصوراتها الفردية الإجرائية للنظام السياسي والحركية الاجتماعية، واعتبار الخصوصيات الحضارية والثقافية في منطق الفعل السياسي، والتشبث بالهويات الخصوصية في الدوائر القومية والمحلية.

ما يجري راهناً ليس صراعاً حول الحداثة ذاتها، والتي أصبحت إطاراً كونياً إنسانياً لا محيد عنه، ولا حول الديمقراطية التي لا خلاف حول كونها الأسلوب الأمثل لضبط التعددية السياسية (حتى في الصين التي تعلن أن لها منظورها الخاص للديمقراطية)، وإنما هو صدام حول التركة الليبرالية من منطلق أفكار الهوية والخصوصية الحضارية والانتماء القومي.

ومِن المرجّح أن يتعمق هذا الصراع ويتزايد في المدى المنظور في كل الديمقراطيات الكبرى، وسيكون له أثره الحتمي على طبيعة الموقف النظري والعملي من مسارات الحداثة والديمقراطية والليبرالية، وهي مسارات تشابكت وتزامنت تاريخياً، وإنْ كانت اليوم في طور التمايز والتصادم.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

28 ديسمبر 2025 23:07

يثير سؤال الدين والمعتقد إشكال العلاقة بين حدّين يبدوان في بادئ الرأي مُتماهيين في حين أن العلاقة بينهما هي علاقة انفصال مُؤَدْلج؟ إن الحديث عن الدين وكأنه قول متواطئ يفتقر إلى الدقّة، فالدّين وإن كان واحداً عند أمّة ما، فهو متعدّد بتأويلاته، متفرّع بمعتقداته، ولعل أهم مقاربة للدّين نجدها في ثلاث طرق، طريقة حي بن يقظان، وطريقة سالامان، وطريقة آسال، إذا نحن استعرنا أبطال «قصة حي بن يقظان» لابن طفيل.

«طريقة الشّريعة الخاصة بالحكماء» التي تصل إلى القضايا العقدية بالعقل وحده، وهي طريقة تستلهم منهج المشائين والأفلاطونية المحدثة، وكذا منهج أصحاب التّحسين والتّقبيح العقليين، وهي طريق حي بن يقظان. ثم طريقة التناول الظاهري للنصوص الدينية، وممارستها بشكل حرفي في خضم الحياة اليومية التي تستغرق تفكير النّاس وهمومهم، مما يجعل حضور الدين حضوراً سُننياً يُلبي المصالح الضّرورية والحاجية والتّحسينية لأعضاء المجتمع، وهي طريق الجمهور أصحاب سالامان. وطريقة الغوص الباطني في النّفس الإنسانية لالتماس الحقيقة عند صفائها، وطريقة الصّرف العقلي لألفاظ النّصوص لاكتشاف معانيها الثّاوية في النّفوس عند صفاء الحدْس وتوقُّد العاطفة والفكر، فتصرف ظواهر النصوص إلى دلالات أخرى تحتملها، مما يجعل حضور الدين أقرب إلى العلم والفلسفة والعرفان، وهي طريق آسال.

إنّها طرق مختلفة تؤثر حتماً على النّظر إلى الدّين في علاقته بكل ما يبدو غريباً عنه و«دخيلاً» عليه، وتحوِّله إلى معتقد. ولعل تاريخ الدّين في المجتمع الإبراهيمي الكبير بدياناته الثلاثة لم يخرج عن هذه المسارات.

إن تأملنا في هذه الصور الثلاث للدّين تقودنا إلى القول إن المعتقد هو أوسع من الدين، وإن كان الكثير يسمي الدّين معتقداً. فالدين وحي ونصوص أما المعتقد فيتشكل في هذه المساحة العقلية والثّقافية التي يحضر فيها التأويل، ولهذا السّبب ميّز ابن رشد، بين ما سمّاه «الشريعة الأولى» قاصداً الوحي في تلقّيه الأول والمتمثّل في جملة النّصوص التي تؤخذ على ظاهرها للغاية المقصودة منها وهي «السعادة المشتركة» للجميع، وبين المعتقد وهي جملة التأويلات الكلامية والعرفانية التي تزعم أنها تعبر عن حقيقة الدين، في حين أنها تأويلات أطّرتها سياقات مختلفة شكلت أبنية فكرية تعبر بها جماعة ما عن مقاصد نظرية عملية مضمرة حيناً ومكشوفة أحياناً كثيرة.

فهذا جمهور الفقهاء في الأندلس، مثلاً، كان منخرطاً في إطار نسق شيده علماء كلام تبنّوا فلسفة ديموقرطس للدفاع عن عقيدة الخلق من العدم، على أساس أن العالم المؤلف من أجزاء لا تبقى، لا يمكن أن يكون أزليّاً، حيث اعتبر المتكلمون معتقد الخلق من عدم وحياً، فالمتكلمون بنوا هذه العقيدة على عدة أدلّة منها دليل أن الإرادة القديمة تعلّقت بإيجاد العالم في وقت مخصوص وهو الوقت الذي وجد فيه. إن المتكلمين في قولهم بالخلق من عدم كما يقول ابن رشد: «ليسوا...على ظاهر الشرع، بل متأولون. فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجوداً مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نص أبداً». بل إن ابن رشد يرى أن ظاهر الشريعة يوافق غير هذا المعتقد، قال تعالى: «وكان عرشه على الماء» ويستنتج منها أن الماء والعرش قديمان، ثم قوله تعالى «يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات»، لبيان أن العالم أبدي ولا يفنى إنما يتحول فقط ويتغير إلى صورة أخرى.

نستنتج من ذلك أن الوحي هو غير المعتقد، وكثير من المعتقدات التي تحفل بها شريعتنا في حاجة إلى مراجعة فكرية صارمة لتخليص الدّين مما عرض له من تغييرات.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 26 ديسمبر 2025 

 

قصة أحمد الأحمد، السوري الأسترالي، الذي خاطرَ بحياته لينقذ يهوداً من القتل في أستراليا انتشرت كما النار في الهشيم كبطل مسلم، وفي الوقت ذاته ألصقت دوائرُ إعلاميةٌ غربية العنفَ بالإسلام؛ لأنَّ الجاني الآخر وابنه مسلمان. ففي لحظة عنف أعمى، وقف أحمد الأحمد، مخاطراً بحياته ليمنع مسلمَين آخرَين من القتل. الجميعُ مسلمون، لكن لكلٍّ منهم تأويلُه، وسرديتُه، وفهمُه لإسلامه ولما يهدّد هويته. هذه المفارقة ليست فقهيةً ولا أخلاقية فقط، بل هي في جوهرها مسألة هوية كما تفهمها الأنثروبولوجيا السياسية. هذه الدوائر أسهبَت في تحليل المسلمين من الهند، ولم تتوقف إلا قليلاً عند إسلام الأحمد. ولكن كان هناك منصفون.

يقع المسلمون في الخارج والداخل في ورطة في تفسير ظاهرتين لمسلم يضحي بنفسه من أجل الآخرين، وآخر يمارس القتل باسم الدين. ولكي نفهم الظاهرة يجب أن نبدأ من أن هناك فرقاً جوهرياً، من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي، بين الإسلام كما يُعاش خارج العالم العربي، وبين الإسلام كما يُعاش في الداخل. إسلامنا في الغرب هو، في أحد وجوهه الأساسية، هوية قبل أن يكون ممارسة دينية. هوية واعية، يقظة، تدرك هشاشتها داخل فضاء ثقافي أوسع لا يشبهها. أما إسلام أهل الداخل، فهو دين وثقافة موروثة، وربما عادة يومية. هذا الفرق ليس حكماً أخلاقياً ولا تفضيلاً قيمياً، بل توصيف بنيوي لطريقتين مختلفتين في تشكّل المعنى.

الهوية، كما تُجمِع أدبيات الأنثروبولوجيا، لا تتكوّن في الفراغ، بل في سياق علاقات القوة والحدود والشعور بالتمايز. قوة الأقليات تنبع من شعورها الدائم بالتهديد: تهديد الإقصاء أو الذوبان داخل ثقافة أوسع عبر مسارات الاندماج والاستيعاب. في هذا السياق، يتشكَّل الإسلام في الغرب كهوية حدودية، وفق ما يسميه فريدريك بارث «حدود الجماعة». حيثما وُجد الحد، اشتدَّتِ الهوية وازدادت صلابة. وليس مصادفة أن تكون الهويات الدينية الأكثر تماسكاً، هي تلك التي تعيش في التخوم الثقافية، سواء في فلسطين أو البوسنة أو كشمير، أو في أحياء المهاجرين في مدن الغرب الكبرى.

وحتى لا يُساء فهم هذا الطرح، لا بد من إدانة ما جرى ضد المدنيين في أستراليا إدانة واضحة لا لبس فيها. غير أن ما يعنيني هنا هو محاولة فهم حالتين من «إسلام الخارج»: واحدة حلَّلت القتل، وأخرى ضحّت بالنفس لإنقاذ الضحايا. كلتاهما يستحق الفهم والتأمل. فالمسلم في الغرب ليس كتلة واحدة، كما أنَّ «الغرب» ذاته ليس كياناً متجانساً. المسلم هنا يتحرَّك داخل سلّم هويات متدرج، تتراجع فيه الهويات الثانوية عندما تتعرَّض الهوية الكبرى لإخافة.

في هذا السياق، لا يُمارس الدين فقط، بل يُستدعى رمزياً للدفاع عن الذات في لحظات الاقتراب من الذوبان. لذلك ترى المسلم غير المتدين، أو المتجاوز شعائرياً، وربما الخارج لتوّه من حانة، أكثر تمسّكاً بالإسلام بوصفه هوية. يعيد إنتاجه سردياً عبر رموز بسيطة: لباس، حجاب، كوفية، اسم، أو حتى موقف سياسي. هكذا تُبنى «الجماعة المتخيلة»، بتعبير بندكت أندرسن، حيث تصبح الهوية قصة مشتركة تُستعاد كلما تعاظم الإحساس بالاختلاف والتهديد.

في المقابل، يبدو الإسلام في العالم العربي جزءاً من الهواء الاجتماعي الذي يستنشقه الفرد. لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى دفاع رمزي. وحين تغيب المسافة، تضعف الرؤية. الهوية هنا مدمجة في اللغة والقانون والإيقاع اليومي والطقس الاجتماعي. هذا الإدماج، كما يشرح بيير بورديو، يحوّل الدين إلى «هابيتوس» غير واعٍ: ممارسة تلقائية تُؤدى دون تفكير، وتُهمل دون شعور بالخسارة. التَّرهل هنا لا يعني غياب الإيمان، بل الاعتياد عليه.

لهذا قد يقتتل مسلمو الداخل في حروب لا يكون الإسلام محركها الأساسي، أو يكون مجرد جزء من مادتها الثقافية. من هنا ينبغي الحذر من إقحام الدين في تفسير كل عنف داخلي؛ إذ قد تكون جذوره سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما في الحالة السودانية. معارك الداخل تختلف جذرياً عن معارك الهوية في الغرب، حيث تبقى الهوية مسألة وجود وحدود.

في الخارج، يظل الإسلام علامة حدودية داخل المجتمع الواحد، بينما يتحوَّل في الداخل إلى خلفية صامتة للأحداث، وأحياناً إلى تفسير متعجل لظواهر أكثر تعقيداً. في هذا الفرق تكمن الصلابة والهشاشة معاً. الهوية لا تقوى بكثافة حضورها، بل بحدة السؤال عنها. وكما يقول أمبرتو إيكو، إنَّ المعنى لا يولد من الامتلاك، بل من التأويل تحت الخطر. الإسلام، بوصفه هوية، يصبح أكثر وضوحاً حين يُسأل، لا حين يُسلَّم به.

من هذا المنظور، يمكن فهم ما فعله أحمد الأحمد لا بوصفه فعلاً استثنائياً، بل بوصفه تعبيراً عن سردية هوية تشكلت في سياق أقلوي ترى في القتل تهديداً لمعناها، لا تجسيداً له. في المقابل، من يقتل باسم الإسلام يفعل ذلك ضمن سردية أخرى تشكلت في فضاء مختلف، حيث لا تُسأل الهوية، بل تُستهلك.

وهكذا تتكشف المفارقة: كلما كان الإسلام بديهياً، تراجع حضوره كهوية فاعلة، وكلما أصبح موضع سؤال، ازداد تماسكاً ومعنى. تلك خلاصة أنثروبولوجية تفسر الصلابة في الهامش، والاعتياد في المركز، بعيداً عن الأحكام، وقريباً من تحليل المعنى والسلطة والتاريخ الاجتماعي. ومن هنا لا يمكن فهم قصة الأحمد إلا في سياقها الهوياتي، وتحدي تأويل إسلام الخارج في ظروف عالمية ومحلية معقدة.

***

د. مأمون فندي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الاثنين - 02 رَجب 1447 هـ - 22 ديسمبر 2025 م

 

في باريس، حيث كنت الأسبوع المنصرم، شاركتُ في الندوة الفلسفية المتميزة التي نظّمتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، بالتعاون مع جامعة السربون الفرنسية العريقة، حول «المعتقد والعلم والمعقولية»، بمشاركة عدد مهم من أبرز الوجوه الفلسفية مِن أوروبا والعالم العربي.المناسبة فريدة من دون شك، باعتبار المؤسسة العلمية العتيدة التي نشأت في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، واحتضنت أهم أوجه الجدل الفلسفي اللاهوتي في العصر الوسيط والأزمنة الحديثة.

وفي الفترة المعاصرة، درس أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين في جامعة السربون، من برغسون وباشلار وميرلو بونتي إلى مؤسس علم الاجتماع دوركايم وعالم الأنثروبولوجيا الأشهر كلود ليفي شتراوس. كما أن الموضوع نفسه شديد الأهمية من المنظور الفلسفي، ويترجم وفق ما عبّر عنه الدكتور خليفة الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، في كلمته الافتتاحية المتميزة والرصينة، خلال لقاء باريس، أهميةَ التبادل الثقافي العربي الغربي في مسألة محورية لا يمكن اختزالها في اعتبارات الاعتقاد الديني الذي تحرّفه في بلداننا مجموعات أيديولوجية معروفة ووجوه تتلبّس غطاءً فلسفياً زائفاً لتمويه تطرفها الراديكالي وانغلاقها عن العصر.

فهذه الإشكالية، كما بيّن الظاهري، هي في صلب الموقف الفلسفي الراهن، وتستدعي من ثم القراءةَ الجادةَ والتفكيرَ الدقيق. وإذا كان موضوع الإيمان والعقل له جذوره الفكرية اللاهوتية العميقة والبعيدة في تراثنا العربي الإسلامي، وفي التقليد اليهودي المسيحي الغربي، فإن الاهتمام به تقلّص لمدة طويلة قبل أن يرجع إليه الاعتبار في الفترة الأخيرة في سياق مختلف ومغاير لأجواء الجدل السابق. في كتابه «الإيمان والمعرفة»، الصادر سنة 1996، يرجع الفيلسوف الفرنسي الراحل جاك دريدا إلى ثنائية الاعتقاد والعقل، مستعيداً الأفكارَ البارزةَ التي بلورها أمانويل كانط حول الموضوع ذاته في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، وكذلك هيغل في كتابه الذي يحمل نفسَ عنوان كتاب دريدا (الإيمان والمعرفة).

وإن كان كانط قد قال في مقدمة كتابه الأساسي، «نقد العقل المحض»، إن غرضه هو تبيان حدود العقل، بغية إفساح المجال للاعتقاد، ودعا إلى ترجمة المعتقدات اللاهوتية في صيغ أخلاقية إنسانية، بينما دعا هيغل في نصّه الذي كتبه سنة 1802 إلى نقل الحدوس العَقدية الذاتية إلى مستوى المفاهيم العقلية الكونية.. فإن دريدا يذهب إلى أن الحداثة لم تنجح في القضاء على الاعتقاد الديني، مبيناً أن العلوم والقانون والتقنيات تصدر عن منظور إيماني غير واع وبالتالي فلا سبيل لتعويض الاعتقاد بالمعقولات المجردة أو الموضوعية.

وبالنسبة لدريدا ليس الاعتقاد والعقل متقابلين، بل هما متلازمان ويشكّلان عمقَ التجارب التأويلية والرمزية الإنسانية الثابتة، مثل الشهادة والكلام والوعد والثقة في الآخر. ومن ثم يظل الاستقطاب الإبستمولوجي والنظري بين الاعتقاد والمعقولية قائماً دون انقطاع أو تبدل في الفكر الإنساني. هذه الرؤية لدريدا لثنائية الاعتقاد والمعقولية تندرج في نطاق ما عبّر عنه البعض بالمنعرج اللغوي في الفلسفة المعاصرة، أي الخروج من المقاربة الوصفية الطبيعية للعقل إلى الفهم التأويلي، لكون الفاعلية التعقلية نفسها إنما تتم من داخل النصوص وعبر إمكاناتها التصورية والتداولية.

فلا توجد علاقة مباشرة بين العقل والوجود، بل لا بد من وسائط تعبيرية ورمزية تنشأ داخل ما سمّاه بول ريكور «عالم النص» بصفته تعبيراً عن أفق مشترك للعيش وليس مجرد شبكة دلالية نستنطق معانيها وحقائقَها كما كان قائماً في النظريات البلاغية القديمة. ولا شك في أن الفكر الإسلامي الذي اكتشف في جوانبه الأصولية الكلاسيكية أطروحة المقاصد والضرورات، بحاجة إلى الانتقال إلى نمط «التأويلية التلاؤمية» بلغة العلامة الشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للفتوى رئيس منتدى أبوظبي للسلم، الذي قدّم في الندوة محاضرة افتتاحية عميقة وثرية.

«التأويلية التلاؤمية» تجمع بين قيم الدين ومعتقداته الثابتة من جهة والواقع الراهن الذي يدخل في باب الظواهر القدرية التي هي في نهاية المطاف من آيات الخالق الذي أنزل النص إلى الوعي البشري. في لقاء باريس، خرج المشاركون بانطباع قوي أن الفكر الإسلامي الرصين المتحرر من شباك الأيديولوجيات ومن شوائب التعصب والتطرف قادر على التحاور مع الفكر الإنساني المعاصر دون مصاعب أو عوائق. وحسْب جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية أنها فتحت الطريقَ وقدمت النموذج وأتاحت الأرضية الفكرية الضرورية للحوار المنشود.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم:21 ديسمبر 2025 23:00

 

لم يكن مفهوم العلمانية مُنْصفاً في العالم الإسلامي، لقد وقع ضحيةً فوضى عمومية، بين مَن لم يفهم معنى هذا المفهوم فقام بشيطنته، وبين مَن يفهمه ولكنه لم يحسن شرح المعنى، وبين مَن يفهم ويحسن الشرح ولكنه خائف من مواجهة جمهور محكوم بتصوراته المسبقة. ولعل الخطورة في المحاولات العربية التي شرحت مفهومَ العلمانية أنها فسّرته بطريقةٍ شيطانية، وكأن العلمانية تعني التفسّخ وانهيار الأخلاق وتفكك المجتمع! شرح «بعض» المفكرين المفهوم، ولكن بحذر ومواربة، وآية ذلك أنهم طرحوا شروحاتٍ اعتياديةً من دون الدخول في البناء النظري للمعنى العلماني، ومن هؤلاء على سبيل المثال ، لا الحصر، طه حسين الذي لم يتطرق لمفهوم العلمانية مباشرةً بل اكتفى بالمقولة الدارجة «لا كهنوت في الإسلام». والمشكلة الأخرى فيما يتعلق بمفهوم العلمانية أن جماعة «الإخوان المسلمين» روّجت لتفسيرها الخاص حول هذا المفهوم وعملت على ذلك بكل إمكاناتها، ومن أخطر مَن فسّر هذا المفهوم المنظّر الإخواني محمد قطب، شقيق سيد قطب، وبصفة خاصة في كتابيْه «واقعنا المعاصر» و«الإسلاميون والعلمانية». لقد شيطن العلمانيةَ وربطها بالانحلال الأخلاقي. هذا التفسير أغلق على المثقفين إمكانيةَ الاستمرار في شرح المفهوم وإنصافه، إذ اربط «الإخوان» كلَّ مَن يبرر هذا المفهوم بالكفر والمروق عن الدين.

والموضوع الأخطر أن بعض المثقفين انطلت عليهم تفاسير «الإخوان» للعلمانية، وأضرب على ذلك مثالاً بالأستاذ الراحل محمد عابد الجابري الذي عارضَ المفهوم بشكلٍ مطلق، وذلك في كتابه «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، وقد جادله في الموقف الأستاذُ الراحل جورج طرابيشي في كتابه «هرطقات». ويطرح الجابري «الديمقراطية» بديلاً عن «العلمانية»، ثم يشرح رأيه قائلاً: «في رأيي أنه من الواجب استبعاد شعار (العلمانية) من قاموس الفكر القومي العربي، وتعويضه بشعاري (الديمقراطية) و(العقلانية)، فهما اللذان يعبران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي.. إن مسألة (العلمانية) في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات». ثم يضيف الجابري تعبيراً عجيباً عن «العقلانية السياسية»، إذ يقول: «الديمقراطية تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد، وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية، وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج».

لكن طرابيشي رد عليه: «إن الجابري، عندما يعوزه المزيد من الأسلحة المنطقية لتدعيم مقولته عن عدم لزوم العلمانية، يستعين بمنطق الأصوليين، ولكنه لا يأخذ من استدلالهم سوى مقدمته الصغرى، أي تحديداً الضعيفة. هكذا يقول بالحرف الواحد: أنا مقتنع تماماً بأن الإسلام هو دين ودولة في آن واحد».

والخلاصة من كل هذا، هي أن الحشد الأيديولوجي ضد العلمانية خدع حتى كبار المفكرين، ممن لم يدركوا أن العلمانية مفهوم يتطوّر وتتعدد استخداماته وتتنوع تطبيقاته، وقد أثبتت تجارب كبرى أن علمنة الدولة لم تقضِ على الأسس الثقافية ولم تعادِ الدين. إن العلمنة ليست أيديولوجيا، بل فضاء عام، وهي لا تخلق واقعاً جديداً، بل تبوّب الاختلافات بين الجموع وتعمل على تبيئة المجال الديني للفرد، بما يجعل التدين أكثر تهذيباً وأشد تأنقاً، ويجعل المجتمعات أكثر تعايشاً وأقل احتراباً.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 9 ديسمبر 2025 08:42

 

في عالمٍ تصبح فيه البيانات أهم من النفط، والاتصال أهم من الغذاء، تظهر طبقية لا ترفعُها الثورات، بل تقاوم بالوعي. وإن الثورة الرقمية، بمنتهى الهدوء، تؤسس لطبقية جديدة وهي الطبقية الرقمية، والتي تحولت إلى ما يمكن تسميته بـ «الفصل العنصري الرقمي». ومن ناحية أخرى  لا يعيش العالم فقط في عصر التحول الرقمي؛ بل يعاد تشكيله على صورته، مع بزوغ طبقة عليا رقمية تمتلك مفاتيح المعرفة، البيانات، والقرار، تقابلها طبقة دنيا متصلة بالشبكة لكن مفصولة عن السلطة والمال، وذلك الفصل بين البشر لم يعد مسألة مستوى اجتماعي، اقتصادي، ثقافي أو دين أو لون أو قومية فقط، بل بات يقاس بعدد النقرات، بسرعة الاتصال، وبتراكم البيانات في الخوادم التي لا نراها.

الحقائق الصادمة وخريطة الفصل العنصري الجديد وفقاً لتقرير الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لعام 2025، فإن 2.6 مليار شخص ما زالوا خارج نطاق الإنترنت، أي أن ثلث سكان العالم يعانون من الجفاف التقني وهذا يعني أن هناك عدداً كبيراً من الأشخاص الذين لا يمكنهم الاستفادة من فوائد الاتصال بالإنترنت، مثل الوصول إلى البيانات ومحركات البحث والخدمات الاجتماعية وهؤلاء المنفيون رقمياً لا يملكون حق الوصول للمعلومة التمكينية، وللتعليم الرقمي، ولا للمشاركة في الاقتصاد الرقمي، مما يجعلهم في حكم الطبقة غير المرئية.

كما أن نسبة 82% من البيانات الضخمة في العالم تنتج وتخزن وتعالج في أميركا الشمالية وأوروبا والصين فقط، وفقاً لتقرير مؤسسة «IDC» وماذا يعني ذلك؟ يعني أن قرارات العالم تبنى على تجارب سكان نصف الكرة الشمالي فقط، بينما تترك بقية شعوب الأرض خارج المعادلة. ومن بين أكثر من 100 مليون وظيفة جديدة متوقعة بحلول 2030 في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، أكثر من 86% منها تتطلب مهارات لا تتوفر حالياً في أكثر من نصف سكان أفريقيا والشرق الأوسط، حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2024.

نحن أمام نظام إقصائي استباقي، يتم فيه إعداد المستقبل لأبناء طبقة رقمية محددة، ويستثنى منه الآخرون من دون حتى فرصة للمنافسة. حتى أولئك الذين اتصلوا بالإنترنت لا يعيشون في العالم ذاته. ففي حين يتنقل أحدهم بين خوارزميات توصيات مصممة خصيصاً له، يلقى بغيره في تيه رقمي، يتغذى على محتوى سطحي، يستهلكه ولا ينتجه. وإن كان الإنترنت هو المدينة الجديدة، فبعضنا يقطن أحياء تحاط بأصوار وبها القصور والفلل الرقمية الفخمة، والآخرون يرمون خارج السور ليقطنوا في عشوائيات رقمية هامشية مهملة.

ومن جانب آخر فإن 80% من المحتوى العربي على الإنترنت من إنتاج 1% فقط من المستخدمين العرب، وفق دراسة «المرصد العربي للثقافة الرقمية». وهذه النسبة تؤكد أن السواد الأعظم من المستخدمين مجرد جمهور، وليسوا فاعلين في الحراك الرقمي. وفي هذا النظام الطبقي، حتى الذاكرة تخزن وتفلتر حسب الجغرافيا الطبقية الرقمية. فقد تحذف أو تشوه روايات وعادات وتقاليد وأفكار وسرديات وتروج وتمجد أخرى، وتقصى لهجات، وتعمم لغات، كل ذلك بواسطة خوارزميات لا تخضع لأي رقابة وحوكمة منصفة وخاصة أنه في كل ثانية، تنتَج 3.7 مليون عملية بحث على محرك Google، ولكن الخوارزميات لا تعرض للجميع نفس النتائج، بل نتائج طبقتك الرقمية هي ما تراه، وأن كانت تلك مفاجئة لك فإن ما تراه حسب القارة والدولة والمجتمع قد يختلف من دون أن تشعر بذلك. وأول من يمارسون هذا الفصل الرقمي هي المجتمعات التي تسمى ديمقراطية رافضين أن تكون هناك عدالة رقمية شاملة تنطبق على الجميع من دون تمييز.

الحقوق هنا يجب أن تكمن في حق الوصول للمعلومة، وحماية الخصوصية، والمشاركة في إنتاج المعرفة. ولما لا تفرض ضرائب عالمية على شركات التكنولوجيا لتستخدم المداخيل المالية لتمويل البنية التحتية الرقمية في الجنوب العالمي، ولنشر الأخلاق الرقمية ومكافحة التطرف والإدمان الرقمي أو الحرمان المعرفي أو إنشاء مجلس الأمم المتحدة للعدالة الرقمية، أو مجلس الأمن الرقمي الدولي ليراقب أداء الشركات والمنصات كما يراقب أداء الدول في منظومة حقوق الإنسان الرقمية.

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 ديسمبر 2025 23:30

الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس

عندما تطبِق الظُلمة الظلماء على أمة من الأمم في لحظة ما من لحظات تاريخها، فإنه لا يعود في الساحة إلا فلاسفة الدرجة الأولى لكي يضيئوا لها الطريق. ولكنهم عندئذ قد يخاطرون بأنفسهم ويدفعون الثمن باهظاً. عندما شعر أرسطو بالخطر يقترب من رقبته أكثر مما يجب قال هذه العبارة البليغة: «لن أدعهم يرتكبون جريمة أخرى ضد الفلسفة. يكفي أنهم قتلوا سقراط». ثم غادر أثينا مسرعاً تحت جنح الظلام. ومعلوم أن سقراط كان بإمكانه أن ينجو بجلده لو أراد. ولكنه رفض الهرب في آخر لحظة على الرغم من إلحاح تلامذته وأصدقائه الشديد عليه. لقد توسلوا إليه وبكوا على ركبتيه وكانوا جاهزين لتهريبه بكل سهولة ولكنه رفض بإصرار. وفضل بذلك أن يواجه مصيره المحتوم ويتجرع السم الزعاف. وكان بذلك أول شهيد في تاريخ الفلسفة ولكنه لن يكون الأخير. وذلك لأن تهديد المثقفين، بل واغتيالهم على مدار العصور أمر شائع لدى مختلف الأمم والشعوب. بل إنهم المستهدف الأول بالاغتيال حتى قبل رؤساء الدول وقادة الجيوش. لماذا؟ لأن جيوش الفكر أخطر على الظلاميين والرجعيين بكثير. فالتغيير الحقيقي وتبديد حلكات الظلام يتم أول ما يتم على أيدي الفلاسفة والمثقفين الكبار. في البدء كانت الكلمة. الكلمة أخطر من الرصاصة. بعدئذ يأتي الفعل والتغيير العملي. الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. ولكن الفكر بهذا المعنى نادر جداً على عكس ما نتصور. كم هو عدد الفلاسفة الذين غيروا وجه التاريخ البشري؟ يعدون على أصابع اليد الواحدة أو اليدين. بعد الثلاثي سقراط وأفلاطون وأرسطو نقفز قفزة كبرى ألفي سنة لكي نصل إلى ديكارت، وسبينوزا، ولايبنتز، وكانط، وهيغل، ونيتشه وهيدغر... ولكن هل يمكن أن ننسى فولتير، وجان جاك روسو وديدرو الذين تصدوا للظلامية الكاثوليكية بكل قوة؟ بالطبع لا. هذا ما يشرحه لنا أستاذ جامعة بروكسل البروفسور ريمون تروسون في كتابه الضخم عن فولتير (798 صفحة من القطع الكبير). على أي حال، هناك شيء لافت للانتباه هو أنه كلما ازدادت حلكة الظلام اسوداداً اقترب موعد الفجر. كلما احتدت واحتدمت انبجس الفكر المنقذ كفلق الصبح. ما أجمل تلك اللحظة. اشتدي أزمة تنفرجي.

ولكن الشيء الملاحظ أيضاً هو أن التغيير الفكري أصعب أنواع التغيير. إنه أصعب من التغيير المادي. وذلك لأنه يصطدم بعقليات قديمة راسخة منذ مئات السنين رسوخ الجبال. من يستطيع أن يقاوم الشيوخ التقليديين المهيمنين على عقول عامة الشعب؟ من يستطيع أن ينتزع الشعب من براثنهم؟ ولكن التغيير الفكري هو الذي يمهد للتغيير المادي المبتغى. دونه لا تغيير سياسياً حقيقياً ولا من يحزنون. ولذلك قال فلاسفة الأنوار في أوروبا ما فحواه: «شعارنا المقبل هو تغيير الفكر والعقليات أولاً». ينبغي تهذيب الجنس البشري وتنويره وتثقيفه وتخليصه من براثن الطائفية والطائفيين. وبعدئذ يصبح كل شيء ممكناً. بعدئذ يجيء التغيير السياسي تحصيل حاصل. يقول لنا ريمون تروسون ما يلي: «كان هناك ملك جبار في القرن السابع عشر هو لويس الرابع عشر. إنه الملقب بـ(الملك الشمس) باني قصر فرساي العظيم. وكان هناك شخص آخر يتربع على عرش الفكر والآداب الفرنسية في القرن الثامن عشر هو: الملك فولتير. وملك الفكر لم يكن يقل أهمية عن ملك السياسة إن لم يزد». ثم يضيف أستاذ جامعة بروكسل الحرة قائلاً: لا تعتقدوا أن زعيم الأنوار الفرنسية كان ملحداً كارهاً للدين في المطلق. انزعوا من أذهانكم هذه الصورة الخاطئة التي شاعت عنه. لقد كان مؤمناً كل الإيمان بالله والقيم المثالية والأخلاقية العليا للدين. وكان يقول حرفياً لا مخلوق من دون خالق، ولا مصنوع من دون صانع. ولكنه لم يكن مؤمناً على طريقة المتعصبين الطائفيين. كان فولتير يفرق بين شيئين لا يستطيع الشعب الفقير الأمي الجاهل أن يفرق بينهما: الدين/ والطائفية. ولكن معظم الناس بمن فيهم عديد المثقفين لا يستطيعون التفريق بينهما. إنهم يعتقدون أنهما شيء واحد. وعن هذا الاعتقاد الخاطئ تنتج المشاكل والمجازر. فالدين في سموه وعلوه وتعاليه غير الطائفية الضيقة المنغلقة على ذاتها داخل جدران التعصب الفئوي الأعمى. وللتعصب حلاوة في القلب لا تعادلها حلاوة. وبما أن المسيحية في عصره كانت لا تزال أصولية متطرفة، فإن الأكثرية الكاثوليكية كانت تضطهد الأقلية البروتستانتية وتكفرها وتبيح إبادتها شرعاً. كان يبرر ذلك شخص لاهوتي كهنوتي خطير يدعى جاك بوسويه (1627 - 1704). وهو أكبر أصولي فرنسي في ذلك العصر وربما في كل العصور. وكان خطيباً مصقعاً لا يشق له غبار. حتى لويس الرابع عشر كان يخشاه أشد الخشية ويحسب له ألف حساب. وقد هيج الملك على البروتستانتيين في خطبة نارية قائلاً له ما فحواه: «هؤلاء البروتستانتيون الزنادقة لا مكان لهم على أرض المملكة الكاثوليكية الطاهرة. فإما أن يتخلوا عن مذهبهم وعقائدهم الخاطئة ويعتنقوا المذهب الكاثوليكي فوراً، وإما أن يبادوا عن بكرة أبيهم. فالمذهب الكاثوليكي البابوي الروماني هو وحده الفرقة الناجية في المسيحية. وهو وحده المذهب الصحيح المرضي عنه عند الله. وكل ما عداه كفر وهرطقة وخروج على شرع الله. المسيحي الحقيقي الشرعي لا يمكن أن يكون إلا أكثرياً كاثوليكياً» (بين قوسين: نقول ذلك على الرغم من أن الأقلية البروتستانتية كانت هي الأقرب إلى المفهوم العقلاني والحداثي المتسامح للدين وأن الأغلبية الكاثوليكية كانت هي الأقرب إلى المفهوم التكفيري الرجعي الشديد التعصب والعدوانية. ولكن الحق دائماً مع الأقوى. كان ذلك عصر الظلمات الفرنسية...). ينبغي العلم أن الشعب الفرنسي كان كاثوليكياً بنسبة 80 في المائة والباقي أقليات بروتستانتية. وقد نفذ الملك الجبار كلامه حرفياً واجتاح المناطق البروتستانتية وحصلت أكبر حرب أهلية في تاريخ فرنسا. ولا يزال الفرنسيون يخجلون بها ويتأسفون عليها ويعتذرون عنها حتى اللحظة. في ذلك الوقت لم يكن هناك رأي عام دولي يحمي سكان الأقليات ويمنع المتطرفين من الاختلاء بهم وإعمال المجازر فيهم... نحن في القرن السابع عشر لا في القرن الحادي والعشرين.

هذا التعصب الأصولي التكفيري الأعمى هو الذي نهض فولتير ضده بكل قوة وحاربه طيلة حياته كلها. كانت تلك هي قضيته المركزية الأولى التي لا قضية بعدها أو قبلها. قضية التنوير كانت أعز عليه من روحه. نقول ذلك على الرغم من أنه كان أكثرياً كاثوليكياً مثل جاك بوسويه ولا يعاني عقدة الاضطهاد على عكس مثقفي الأقليات. وهنا تكمن عظمته. فلا شيء كان يجبره على محاربة أساطين مذهبه وطائفته القوية الجبارة المعتدة بعددها وعديدها. لا شيء كان يجبره على التصدي لهم وبخاصة أنهم كانوا قادرين على اغتياله بكل سهولة. يكفي أن يرسلوا إليه أحد الجهلة المهووسين بالتعصب لكي يرديه قتيلاً. ولهذا السبب كان يتخفى عن الأنظار لبعض الوقت عندما تحمّر عليه الأعين أكثر مما يجب. كان «ينزل تحت الأرض» كما يقال ثم سرعان ما يعود إلى السطح بعد شهرين أو ثلاثة لكي يناوشهم مجدداً ويواصل المعركة ضدهم. ولا شيء كان يجبره على الدفاع عن الأقليات اللهم إلا ضميره الأخلاقي بصفته مثقفاً عالمياً يكره الطائفية والطائفيين. لهذا السبب ظل اسمه لامعاً على صفحة التاريخ. وذلك لأنهم حتى في الصين، حتى في الهند واليابان، يعرفون من هو فولتير هذا، ناهيك عن العالم العربي. إنه لشيء ممتع أن يغطس المرء في كتاب البروفسور ريمون تروسون الضخم هذا. نقول ذلك وبخاصة أنه مكتوب بأسلوب ناصع وتبحر علمي مكين. فهو من أعظم الأكاديميين المتبحرين في العلم. أنا شخصياً أغطس فيه بكل استمتاع في نهايات هذا العام المنصرم. كما وأغطس في كتبه الأخرى لأنه مختص كلياً بفلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. لماذا أركز كل هذا التركيز على تلك الفترة من تاريخ أوروبا؟ لأني أعتقد أن العالم العربي يعيش في ذلك الحز الفاصل بين العصور الوسطى والعصور الحديثة. إنه يعيش في عصر فولتير لا في عصر سارتر، وفوكو وبورديو وبقية مثقفي فرنسا الحاليين، حيث اختفت المشكلة الطائفية نهائياً. فلم يعد هناك كاثوليكي واحد يحقد على بروتستانتي أو العكس. هذه هي بعض جوانب المعركة الكبرى التي يشرحها لنا البروفسور ريمون تروسون بكل تمكن واقتدار. نسيت أن أقول إن كتابه الآخر عن جان جاك روسو يشمل ثلاثة مجلدات كبرى. مئات الصفحات، آلاف الصفحات، كنز الكنوز.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 15 ديسمبر 2025 م ـ 24 جمادى الآخرة 1447 هـ

لا يمكن طي صفحة الجدلِ القديم المتجدّد حولَ علاقة الدين بالدنيا، وتأثير المعتقد على جيبِ الإنسان، واقتصاده؛ فهي مسألة حيَّة لم تُحسم بعد. وهنا يظلُّ ماكس فيبر حاضراً بقوة، بصفتِه علامةً فارقةً لا يمكن تجاوزُها في هذا المضمار.

في قراءته العميقة للنفس البشرية، وعلاقتِها بالمقدّس، يأخذنا فيبر إلى منطقةٍ أبعد بكثير من اختزال الدين في مقولة كارل ماركس «أفيون الشعوب» الشهيرة، والمنزوعة من سياقها؛ فهو لا يراه مجردَ عزاء للمتعبين، بل يعده محركاً يقدم تفسيراً عقلانياً لواحدٍ من أعقد ألغاز الحياة المتمثل في التناقض بين القدر والجدارة، أو لماذا ينجح بعضٌ ويفشل آخرون؟

حين قلّب فيبر المسار الديني، من الكونفوشيوسية، والبوذية، وصولاً للمسيحية، والإسلام، لم يكن يبحث عن نصوص عقائدية، بل كان يفتش عن الدوافع الخفية التي تدفع الناس للعمل، تلك التي سمَّاها الأخلاق الاقتصادية. وهذه الأخلاق ليست مجرد تعاليم، بل هي حالة نفسية عملية يشكلها الدين، وتتأثر بلا شك بمصالح الناس السياسية، والاقتصادية.

واللافت في تحليل فيبر هو ربطه لهذه الأخلاق بطبيعة البشر الذين يحملونها. فالدين يتشكّل برؤية معتنقيه، سواء كانوا فلاحين، أو محاربين، أو مثقفين؛ فرؤية هؤلاء للعالم هي التي تصبغ الدينَ بصبغته العملية. كما أنَّ للدين قدرةً عجيبة على تقديم إجابات مريحة؛ فهو يمنح الأثرياء شعوراً بأنَّ ثروتهم مستحقة، وليست ضربة حظ، وفي المقابل يفتح لغير المحظوظين باباً للأمل، والخلاص، غالباً عبر الزهد، أو الصبر، مبرراً معاناتهم بأفكار كالكارما، أو القضاء والقدر.

وهنا تحديداً يطرح فيبر استعارته العبقرية المعروفة بـ«عامل التحويلة».

فالمصالح المادية -اقتصادية كانت، أو سياسية- هي القاطرة الحقيقية التي تدفع سلوك البشر بقوة هائلة، لكن الأفكار الدينية هي التي تعمل كعامل تحويلة على سكة الحديد؛ هي لا تدفع القطار، لكنَّها تحدد المسار الذي سينطلق فيه قطار المصالح بسرعة قصوى.

هذا المسار يعتمد على نوع التوجيه الديني؛ فبعض الرموز، مثل بوذا، قدموا نموذجاً للخلاص عبر التأمل، والهروب من العالم، وهو مسار لا ينتج عادة نشاطاً اقتصادياً كبيراً. أمَّا المسار الآخر، كما نرى في البروتستانتية، فيقدم المصلحُ فيه نفسَه بوصفه أداةً لمطالب إلهية تفرض العمل في الدنيا لا الهروب منها. هنا يتحوَّل العمل عبادةً، والكدحُ دليلاً على الخلاص.

ورغم أنَّ بعض العقائد ترى أنَّ مصير الإنسان محددٌ سلفاً، فإنَّ المؤمن يجد نفسه مدفوعاً للعمل الشاق، وتجنّب ملذات الحياة. والسبب أنَّ الدين هنا تحوَّل ببراعة خطّاً إرشاديّاً، ونظامَ حياة صارماً. لقد نجح «عامل التحويلة» الديني في توجيه طاقة المصالح نحو العمل الدنيوي المنظم، ليؤسس بذلك، ومن حيث لا يحتسب، لروح الرأسمالية الحديثة التي نعيشها اليوم.

***

د. عبد الله فيصل آل ربح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأربعاء - 19 جمادى الآخرة 1447 هـ - 10 ديسمبر 2025 م

في المسافة الفاصلة بين أرسطو وابن رشد، يتبدّى العقل الإنساني، وهو يعيد اكتشاف نفسه، كمن ينظر في مرآةٍ تتجاوز الزمان لتقيس عمق الفكر لا صورته. المنطق عند أرسطو لم يكن علماً من العلوم، بل كان الشرط الذي يجعل كل علمٍ ممكناً. هو لغة العقل حين يترجم ذاته، والنظام الذي به يتمايز القول الحق من الوهم المتلبّس بالبرهان.

غير أنّ ابن رشد، حين التقط خيط هذا البناء اليوناني، لم يتعامل معه بوصفه معبداً يُزار، بل مختبراً يُعاد فيه تركيب العلاقة بين الفكر والوجود. كان أرسطو يُعلّم الإنسان كيف يُفكّر، أما ابن رشد فكان يُعلّمه لماذا يُفكّر، وبأي معنى يكون الفكر طريقاً إلى الحقيقة لا إلى ذاته.

 في عالم أرسطو، المقولات هي المفاتيح التي تفتح أبواب الوجود، إذ يصنّف الكائنات بحسب مقاديرها وأوصافها، لتنتظم الأشياء في عقلٍ يطلب النظام أكثر مما يطلب الغاية. أما ابن رشد فقد تجاوز هذا التصنيف إلى قراءة المقولات بوصفها وجوهاً للمعرفة لا أقساماً للوجود. الجوهر والكمّ والكيف ليست ألفاظاً جامدة، بل هي لحظات للعقل وهو يعقل، وصورٌ للحقيقة وهي تتجلّى في الذهن. لم يعد المنطق عنده علماً بل حالا من الوعي، وفعلاً من أفعال العقل الذي لا يكتفي بأن يصف الأشياء، بل يتساءل عن سرّ انتظامها. من هنا صار المنطق عنده يقظةً للمعنى، لا آلةً لتدبير القول.

 وحين يصل ابن رشد إلى العبارة، يرى فيها أكثر من تركيب لغوي، يراها تجربة للمعنى في حدوده القصوى. الجملة ليست بناءً نحوياً، بل حدثاً وجودياً، لأن القول حين يُنطَق يخلق مسافةً بين الإنسان والعالم، بين اللفظ والشيء، وهي المسافة التي يولد منها الفكر. في هذا التصور، تتحوّل اللغة إلى فضاءٍ للفهم، والكلمة إلى مرآةٍ للعقل، فلا ينفصل المنطق عن البيان، ولا الفكر عن النطق، لأن الحقيقة تُقال كما تُدرك، وتُدرك لأنها تُقال.

أما القياس، الذي هو قلب المنطق الأرسطي، فيعيد ابن رشد صياغته من جديد. عند أرسطو هو الآلة التي تقود من المقدمات إلى النتائج، من المعروف إلى المجهول، وفق ترتيبٍ صارمٍ للذهن، غير أنّ ابن رشد ينزع عنه صرامتَه الهندسية ليكشف طابعَه الغائي. فالقياس عنده ليس فقط بناءً صورياً، بل هو مسار نحو المعنى. لا يقين بغير علة، ولا علة بغير قصد، ومن هنا تتحوّل صورة القياس إلى حركة داخل الفكر، لا مجرّد رسمٍ خارجي له. إنّه اختبارٌ لحدود العقل، وإقرارٌ بأنّ اليقين ليس نهاية الرحلة بل بدايتها، وأنّ المنطق لا يكتمل إلا حين يُدرك ضعف الإنسان في طلب الحقيقة، لا قوته فيها.

وحين يتحدّث ابن رشد عن البرهان، يرفعه إلى مقام النور العقلي الذي به تُرى الأشياء على ما هي عليه. البرهان ليس برودةَ الاستدلال، بل حرارة الكشف، إذ تتجلّى فيه العلّة كجوهرٍ للعلم، ويصير العلم ذاته نوعاً من التوحيد العقلي للعالم. وهنا يلتقي المنطق بالفلسفة والكلام بالوجود، فلا تعود المعرفة انتقالاً من مقدمة إلى نتيجة، بل عروجاً من الظاهر إلى الباطن، ومن الصورة إلى الجوهر. البرهان عنده فعلُ وعيٍ يضيء ما وراء الظاهر، والعقل الذي يبرهن لا يعلّل فقط، بل يتطهّر من الغفلة، كأنه عبادة للفكر في محراب الوجود. أما الجدل، فقد أبقاه ابن رشد مجالاً مفتوحاً لتعدد المعاني دون أن يفقد الانضباط، فالمحاورة ليست ضعفاً في اليقين بل هي إقرار بتعدده. الجدل في فكره ليس نزاعاً بين المتكلمين، بل تلاقٍ بين العقول، حيث يُختبَر البرهان في ضوء الاحتمال، ويُصاغ اليقين في حضرة الآخر.. وهو الوجه الإنساني للمنطق، كما أن البرهان وجهه الإلهي، كلاهما يكشف عن طاقة العقل في الجمع بين التناقضات دون أن يضيع في فوضاها.

وهكذا يتحول المنطق في يد ابن رشد من علمٍ للقياس إلى فلسفةٍ للوعي. فقد كان أرسطو يسعى إلى تأسيس العقل، بينما كان ابن رشد يسعى إلى تحريره. في منطق الأول تسكن الصورة، وفي منطق الثاني يتنفس المعنى. بينهما تمتدّ رحلة الفكر الإنساني، وهو يتعلّم أن البرهان ليس غاية، وأن اليقين لا يُنال إلا بقدر ما يُسائل نفسه، وأنّ المنطق حين يدخل القلب يصبح نوراً لا آلة، وفهماً لا قانوناً.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 10 ديسمبر 2025 01:03

هذا السؤال يعود بقوة في ظل حالة الغرام والنشوة التي يعيشها العالم تجاه الذكاء الاصطناعي، كما عاشها سابقاً مع ظهور الإنترنت، ومن قبل ذلك السكك الحديدية ومحركات البخار. ومع كل إعلان عن استراتيجية تكنولوجية جديدة، مثل الاستراتيجية الأميركية الأخيرة، يتجدد الإحساس بأن البشرية مقبلة على زمن تحكمه الآلات وتهب عليه رياح المستقبل من وادي السيليكون. لكن خلف هذا الضجيج، يظل السؤال الحقيقي: هل ما زال البشر بثقافاتهم وتحركاتهم وقصصهم الكبرى هم المحرك الأهم للسلوك الإنساني؟ أم أننا استبدلنا دراسة الإنسان بواسطة دراسة ما يصنعه الإنسان؟

رغم هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى، ورغم ضجيج إيلون ماسك و«إنفيديا» وغير ذلك، فإن القلق الكامن في السياسة الأميركية اليوم ليس خوفاً من الروبوتات ولا من الذكاء الخارق، بل من تغيّر ملامح الثقافة الأوروبية والأميركية تحت ضغط الهجرة وتدفق ثقافات جديدة. الغرب يرى أن أخطر ما يهدده ليس الخوارزميات، بل من البشر المقبلين إليه بأقدامهم وبخيالهم وبأحلامهم. فالرئيس الأميركي نفسه يتحدث عن «سيطرة أهل الصومال على مينيسوتا»، وفي أوروبا يتكرر الحديث عن الخوف من «أسلمة المجتمع». إن الخطر، في نظرهم، ليس تكنولوجياً ولكنه ثقافي واجتماعي، نابع من موجات البشر التي تتحرك من دون توقف.

هذا النوع من القلق شبه غائب في عالمنا العربي، لأن نخبنا - على مدى مائة عام - انشغلت بما أسميه «دراسات التأثير». نحن نسأل دائماً: ما تأثير العولمة علينا؟ ما تأثير الإنترنت؟ ما تأثير الذكاء الاصطناعي على ثقافتنا وهويتنا؟ وكأن قدرنا أن نتلقى التأثيرات لا أن نصنعها. بينما الحقيقة أن الغرب نفسه قلق من تأثير حركة البشر المقبلين من مناطقنا ومن الجنوب العالمي عموماً. قدومنا نحن، لا خوارزمياتهم، هو ما يربكهم ويغيّر مجتمعاتهم.

ولكي نفهم هذا العالم المتشابك، علينا أن نخرج من التفكير القائم على حدود الدول إلى تصور آخر يرى العالم كأنه سلسلة من فضاءات متداخلة. أول هذه الفضاءات حركة البشر، فبحسب تقرير 2024 تحرك عبر الحدود نحو 350 مليون إنسان، من دون احتساب السياحة أو التجارة. هذه الحركة الهائلة تعيد خلط الأعراق والإثنيات، وتشكل ملامح مجتمعات جديدة. الفضاء الثاني هو الإعلام العابر للحدود الذي يعيد تشكيل وعي الإنسان بالعالم وبنفسه، ويخلق طموحات قد لا تتوافق مع واقع الدول التي يعيش فيها. نحن العرب، على سبيل المثال، هاجر كثير منا بخياله قبل جسده، وشاهد في الإعلام حياة لا توفرها له أوطانه.

هناك أيضاً فضاء المال الذي انجذبت إليه نخب عربية غنية، من البورصات إلى العملات الرقمية. هذا الفضاء يوحي بأننا جزء من الاقتصاد العالمي، لكنه في كثير من الأحيان مقامرة قاسية، لأن البنى القادرة على استيعاب الصدمات غير مكتملة. أما فضاء التكنولوجيا، من الذكاء الاصطناعي إلى الإنترنت إلى الطائرات المسيّرة، فهو الذي اختصر الزمن إلى الحد الذي جعل العالم يبدو كأنه قرية صغيرة، رغم أنه لم يصبح كذلك فعلياً؛ كل ما حدث أن الزمن انضغط والمسافات تلاشت على الشاشة.

ثم يأتي فضاء الأفكار، هذه السوق التي تتنافس فيها السرديات الكبرى والصغرى من ديمقراطية وحقوق إنسان وأديان وآيديولوجيات متنوعة. والمفارقة أن الأفكار لم تنتشر في منطقتنا بسبب قوتها، بل بسبب هشاشة الدول التي دخلتها. فقد ظهرت حركات مثل «داعش» وغير ذلك، وسقطت في الدول القوية، لكنها انتشرت مثل الوباء في الدول الضعيفة، مما يثبت أن المشكلة ليست في الفكرة بل في بنية الدولة وقدرتها على امتصاص الصدمات. وهنا تعود الثقافة إلى الواجهة، لا بوصفها مجرد رصيد رمزي، بل بوصفها حائط صد، وكأنها خيمة قادرة على الاستيعاب، وكأنها إسفنجة تمتص ما يتدفق من الخارج.

هذه الفضاءات الخمسة ليست جزراً منفصلة، بل تتفاعل باستمرار، ويعيد كل منها تشكيل الآخر. وأزمة منطقتنا أننا أسرى «عقلية التأثير» التي ترى العالم يفعل بنا، ولا ترانا نفعل فيه. وفوق ذلك، أصبح إنتاج المعرفة متقطعاً؛ لم يعد هناك ذلك الامتداد الطبيعي بين معلم وتلميذ، ولا انتقال للخبرة من الأسطى إلى الصبي أو من الشيخ إلى المُريد. انقطعت الجسور التي كانت تمنح الإنسان معرفة هادئة بهويته، بينما تجرفه الخوارزميات من مقطع فيديو إلى آخر، من دون سياق ولا عمق. هنا تحديداً يصبح السؤال عن الثقافة سؤالاً عن البقاء، لأن الثقافة هي آخر ما يربط الإنسان بذاكرته في عالم ينزلق بسرعة نحو فوضى الخوارزميات رغم نظامها.

الثقافة التي أعنيها ليست ثقافة الجماهير، ورغم أهميتها فإنني أعني الثقافة العالية التي أصبحت مهملة تماماً وسط بريق «فالصو» ثقافة الجماهير.

***

د.  مأمون فندي

عن جريدة الشرق  الأوسط اللندنية، يوم: الاثنين - 17 جمادى الآخرة 1447 هـ - 8 ديسمبر 2025 م

 

لطالما كان الفيلسوف النمساوي الإنجليزي كارل بوبر- المولود عام 1902 في بيئة منهمكة بالقانون والموسيقى- إلا متسائلاً وباحثاً عن معاني «الديمقراطية الليبرالية»، بل ومدافعاً عنها، لكنه في الوقت نفسه ينتقد الشّيوع الُمبتذَل لمفهوم الديمقراطية. يسأل بوبر: «ماذا لو أن الديمقراطية جاءت عبر التصويت والأغلبية بحزب مثل الحزب النازي أو الشيوعي»؟! يضيف: «إذا كانت هناك محاولة للإطاحة بالنظم الحرة بالقوة المسلحة، فإن بوسعه دون أي تناقض ذاتي أن يدافع عنها بالقوة المسلحة، فالحق أن هناك مبرراً أخلاقياً لاستخدام القوة، ما دام هناك نظامٌ قائمٌ يفرض بقاءه بالقوة، ما دام الهدف تأسيس النُّظم الحرة وحين تكون الغاية استبدال حكم العقل والتسامح بالحُكم المسلح». ثم يشير إلى ضرورة حماية الديمقراطية من غير الديمقراطيين، وهذا ينطبق على النماذج الأصوليّة، وأحزاب التطرف التي تحاول الحُكم باسم الديمقراطية بالعالم.

لم يغادر بوبر الليبرالية في تحليله، رغم توجُّهه إلى الماركسية لبضعة أشهر، غير أنه ساهم في وضع بصمته الخاصة على هذا المفهوم. وظيفة على السياسات الليبرالية أن تعمل على «أن تصبح الحياة أقل خطراً وجوراً». من أهم إسهامات بوبر، تأسيسه لاستقلال عالم أشياء الفكر عن الذات الإنسانية التي أبدعتْها، إذ يخلق الإنسان نظريات وأفكاراً لا يمكنها أن تظهر من دونه، لكن ما إن يخلقها حتى يفقد السيطرة عليها، يلاقيها في كثافتها ويصطدم معها، مما يعني قبل كل شيء أنه لا يفهمها، في الواقع يتسامى محتوى فكر جذرياً بالفهم الذي لدينا عنه، ما دام له نتائج كثيرة بشكل لا نهائي.

وهذا ينطبق على الثورة التكنولوجية التي نشهدها الآن. وبينما يطرح بوبر «مبدأ التكذيب»، يطرح الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار «فلسفة النفي»، وهما عبر هاتين الآليتين أحدثا ضجةً في ميادين العلم، وأسهمت أطروحاتهما في تغيير مجالات الانطلاق العلمي وتحدَّت البداهات المألوفة. نعم، لقد اشتركا في الحاسّة الارتيابية والشكيّة والتعبير عن آفاق الاحتمال التي وصل إليها العِلم. لقد وجَّه ضربات وامتحانات للنظريات التي تحمل «قوة تفسيرية»، وخصَّ بالدحض سيغموند فرويد وكارل ماركس وإدلر.

إنّ دحضه في «مبدأ التكذيب» ناطح به حتى آينشتاين في «النسبية»، وخلاصة «مبدأ التكذيب» أننا: «لا يمكن أن نحصل على تأييدات لأي نظرية، فالتأييدات لا تعتمد إلا إذا كانت نتاج تنبؤات مخاطرة. كل نظرية علمية هي نوع من المنع، فهي تمنع أشياء معينة أن تحدث، وكلما زاد ما تمنعه النظرية، زاد نصيبها من الأصالة. النظرية التي لا تقبل الدَّحض بأي حدث يمكن تصوره هي نظرية غير علمية، عدم القابلية للدحض ليست مزيّة لأي نظرية، ببساطة إن محكَّ المنزلة العلمية لأي نظرية من النظريات هو قابليتها للتكذيب».

الخلاصة، أن فلسفة بوبر ونظرياته مشوّشة وغير مطّردة، ولكنها مثيرة للبحث والسِّجال، نظرية التكذيب لم تُثبت فعاليتها المعرفية ولم يُكتب لها الخلود، إن تجربة بوبر الدنيوية والعلمية أهم من نظريته الفلسفية.

***

فهد سليمان الشقيران - اتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 24 نوفمبر 2025 23:05

في المثقف اليوم