عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءة نقدية في السيرة الوجودية عند سيمون دي بوفوار

تُعد رواية قوة الأشياء، الصادرة عام 1963، واحدة من أهم الأعمال السيرية والفكرية التي أنجزتها سيمون دي بوفوار، إذ تمثل الحلقة الثالثة من مشروعها في كتابة السيرة الذاتية بعد مذكرات فتاة مطيعة وقوة العمر. غير أن هذا العمل يتجاوز حدود السيرة الشخصية ليغدو وثيقة فلسفية وتأريخية ترصد التحولات الكبرى التي عصفت بفرنسا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية، وتعيد مساءلة العلاقة بين الذات والتاريخ، وبين الحرية والالتزام، وبين الفعل الإنساني وقوة الوقائع التي قد تبدو عصية على التغيير.

إن ما يمنح هذا النص قيمته الاستثنائية أنه لا يكتب الحياة بوصفها تعاقباً للأحداث، بل بوصفها تجربة وجودية تتشابك فيها الذاكرة مع التاريخ، ويصبح فيها الخاص مرآةً للعام، وتتداخل فيها سيرة الفرد مع مصير جيل كامل عاش انهيار اليقين، وصعود الإيديولوجيات، وخيبات المشاريع الكبرى.

البنية السردية... السيرة بوصفها تأويلًا للوجود

لا تنتمي «قوة الأشياء» إلى الرواية التقليدية ذات الحبكة المتماسكة، بل تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالسيرة الفكرية أو الرواية التأملية، حيث يغدو السرد فعلًا من أفعال إعادة بناء الوعي أكثر منه إعادة ترتيب الوقائع.

وتعتمد دي بوفوار ضمير المتكلم، لا لتؤكد حضور الأنا، وإنما لتكشف هشاشتها أمام الزمن. فالذات هنا ليست مركزًا مغلقًا، بل كيانًا يتشكل باستمرار من خلال احتكاكه بالعالم، وهو ما يجعل النص قريبًا من التصور الفينومينولوجي الذي يرى أن الوعي لا يوجد منعزلًا، بل يتحدد بعلاقته الدائمة بالموجودات.

ومن ثم فإن الزمن في الرواية ليس زمنًا كرونولوجيًا، وإنما زمن للوعي، تتجاور فيه الذكريات مع الوقائع، وتصبح الذاكرة وسيلة لفهم التاريخ لا مجرد استرجاع له. إن الماضي لا يعود كما كان، بل كما تعيد الذات تأويله، ولذلك تتحول السيرة إلى فعل هيرمنيوطيقي يعيد إنتاج المعنى كلما أعيدت قراءته.

اللغة... اقتصاد التعبير وعمق الرؤية

تمتاز لغة دي بوفوار بقدر كبير من الصفاء الفكري، فهي لغة تخلو من الزخرفة البلاغية، لكنها تمتلك كثافة فلسفية تجعل كل عبارة تحمل أكثر من مستوى دلالي.

إنها لغة المفكرة التي تؤمن بأن جمال الأسلوب لا يقوم على الإبهار اللفظي، بل على دقة المفهوم ووضوح الرؤية. ولهذا تبدو الجمل متماسكة، هادئة، لكنها مشحونة بطاقة تحليلية تجعل السرد أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى الحكاية.

وتنعكس في هذه اللغة الروح الوجودية التي ترى أن الكتابة ليست ترفًا جماليًا، بل مسؤولية أخلاقية تجاه العالم.

التاريخ والسياسة... المثقف في مواجهة السلطة

يتحول النص إلى شهادة نقدية على مرحلة من أكثر مراحل القرن العشرين اضطرابًا. فلا تكتفي دي بوفوار بسرد الأحداث، وإنما تمارس تفكيكًا للمشهد السياسي الفرنسي، منتقدة تناقضات اليسار، وصمته في بعض اللحظات التاريخية، كما تكشف الآثار الأخلاقية والسياسية للاستعمار الفرنسي في الجزائر، وترى أن الاستعمار ليس هيمنة عسكرية فحسب، بل انهيار لمنظومة القيم التي تدّعي الدفاع عن الحرية.

وهنا يتجلى مفهوم الالتزام الذي شكّل أحد أعمدة الفلسفة الوجودية. فالمثقف، في تصورها، لا يقف خارج التاريخ، ولا يكتفي بتفسير العالم، بل يصبح مسؤولًا عن اتخاذ موقف أخلاقي من قضاياه، لأن الحياد، في لحظات الظلم، يتحول إلى شكل من أشكال المشاركة فيه.

الوجودية... الحرية بين الإمكان والضرورة

يصعب قراءة هذا العمل بعيدًا عن المشروع الفلسفي الذي جمع دي بوفوار بشريكها الفكري جان بول سارتر. غير أن الرواية لا تكرر أفكار سارتر، بل تمنحها بعدًا أكثر التصاقًا بالتجربة الإنسانية.

فالحرية، في هذا النص، ليست شعارًا مجردًا، وإنما امتحان يومي يواجه الإنسان في اختياراته وعلاقاته ومواقفه. إنها حرية مثقلة بالمسؤولية، ومهددة دومًا بسطوة الوقائع التي يسميها العنوان «قوة الأشياء».

ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: هل يصنع الإنسان التاريخ، أم أن التاريخ هو الذي يعيد تشكيل الإنسان؟

لا تقدم دي بوفوار جوابًا حاسمًا، بل تكشف أن العلاقة بين الذات والعالم علاقة جدلية؛ فالإنسان حر، لكنه يمارس حريته داخل شروط لا يختارها، الأمر الذي يجعل الحرية مشروعًا مفتوحًا لا حالة مكتملة.

المرأة... كتابة الذات خارج الهيمنة الذكورية

ورغم أن الرواية ليست بيانًا نسويًا على غرار الجنس الآخر، فإنها تحمل في أعماقها رؤية نسوية ناضجة.

فالكاتبة لا تطالب بالمساواة عبر الخطاب النظري، وإنما تحققها بالفعل الإبداعي. إنها تكتب ذاتها بوصفها ذاتًا مفكرة، لا تابعًا للرجل، وتؤكد أن المرأة قادرة على إنتاج المعرفة وصنع التاريخ والمشاركة في تشكيل الوعي الجمعي.

وتكشف تجربتها عن الصعوبات التي واجهتها المرأة المثقفة داخل فضاء ثقافي كان يمنح السلطة الرمزية للرجل، لكنها ترفض تحويل هذه الصعوبات إلى خطاب شكوى، وتحوّلها بدلًا من ذلك إلى طاقة للإبداع.

التشيؤ... حين تنتصر الوقائع على الأحلام

يحمل عنوان الرواية دلالة فلسفية عميقة تستدعي مفهوم التشيؤ الذي شغل الفكر الماركسي والوجودي معًا.

فالأشياء ليست هنا مجرد موضوعات مادية، بل استعارة للوقائع التي تكتسب مع الزمن سلطة تكاد تطغى على الإنسان نفسه. فالأحلام الثورية تتحول إلى مؤسسات، والمثل العليا إلى أنظمة بيروقراطية، والحماس إلى روتين، والحرية إلى ممارسة يومية مهددة بالاعتياد.

إن دي بوفوار ترصد لحظة انكسار المثال أمام صلابة الواقع، لكنها لا تستسلم لليأس، بل تجعل من الكتابة فعل مقاومة ضد هذا التشيؤ، ومحاولة لاستعادة الإنسان من اغترابه.

البعد الإنساني... هشاشة الكائن أمام الزمن

بعيدًا عن السياسة والفلسفة، تكشف الرواية عن وجه إنساني بالغ الرهافة.

تكتب دي بوفوار عن المرض والشيخوخة، وعن رحيل الأم، وانكسار الصداقات، وتحولات الحب، وخوف الإنسان من الزمن الذي يمضي دون أن يمنحه فرصة لاستعادة ما فقده.

وهنا تلتقي السيرة بالفلسفة؛ إذ يصبح الموت سؤالًا وجوديًا، لا حادثة بيولوجية، ويغدو الزمن قوةً تكشف هشاشة الإنسان بقدر ما تكشف قدرته على منح حياته معنى.

إن صدق الاعتراف في هذا العمل لا يقوم على كشف الأسرار، بل على الجرأة في مواجهة الذات، وتحويل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني مشترك.

القيمة الجمالية والفكرية

تكمن فرادة «قوة الأشياء» في قدرتها على الجمع بين الأدب والفلسفة والتاريخ دون أن يطغى أحدها على الآخر. فهي ليست رواية بالمعنى التقليدي، ولا كتابًا فلسفيًا خالصًا، ولا وثيقة سياسية فحسب، بل عمل هجين يوسع حدود الكتابة ويمنح السيرة الذاتية أفقًا معرفيًا جديدًا.

لقد نجحت دي بوفوار في تحويل حياتها إلى مختبر للتفكير، وجعلت من الذاكرة أداة لفهم التاريخ، ومن التجربة الفردية مرآة لتحولات عصر بأكمله. ولذلك ظل هذا العمل أحد أبرز نصوص القرن العشرين، لأنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يوقظ الأسئلة التي لا يفقدها الزمن راهنيتها.

خاتمة

إن «قوة الأشياء» ليست مجرد سيرة لامرأة استثنائية، بل هي تأمل عميق في مأزق الإنسان الحديث، الذي يجد نفسه ممزقًا بين إرادة الحرية وقوة الوقائع، وبين الحلم والتاريخ، وبين الذات والعالم. وفي هذا التوتر الخلاق تكمن القيمة الحقيقية للنص؛ إذ يبرهن أن الأدب العظيم لا يكتفي بسرد الحياة، بل يعيد اكتشاف معناها.

لقد استطاعت سيمون دي بوفوار أن تجعل من الكتابة فعلًا وجوديًا بامتياز؛ فعلًا يقاوم النسيان، ويفكك الأوهام، ويعيد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه الكائن الوحيد القادر على مساءلة مصيره. ومن هنا تبقى «قوة الأشياء» نصًا حيًا، يتجاوز سياقه التاريخي ليخاطب كل قارئ يبحث، وسط صخب الوقائع، عن معنى الحرية، وعن إمكانية أن يظل الإنسان إنسانًا، حتى في مواجهة أكثر الأشياء صلابة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات، بل لأنه يسكنه السؤال، ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن واحد، حيث تتصارع اللغة معَ المعنى، والذات معَ العالَم، والحُلْم معَ الواقع.

في هذا السياق، تتجلى تجربة الشاعر البحريني قاسم حداد (وُلد 1948) والشاعر الفرنسي لويس أراغون (1897 - 1982) بوصفهما نموذجَيْن بارزَيْن لقلق الكتابة الشعرية، وإن اختلفت منابعهما الثقافية والفكرية والجَمالية.

آمنَ قاسم حداد بأنَّ القصيدة ليست شكلًا لغويًّا مغلقًا، وإنما كائن حَي يتجدد معَ كُلِّ قراءة، ويعيد اكتشافَ نفسه معَ كُلِّ تجربة إنسانية، لذلك جاءت قصيدته متمردةً على القوالب الجاهزة، ورافضةً الاستسلام للمألوف، ومنفتحةً على الأسطورة والفلسفة والفنون البصرية والموسيقى. فالقصيدةُ عنده ليست وصفًا للعالَم، وإنما محاولة لإعادة صياغته، لذلك تبدو لغته مشحونة بالتوتر والرمزية والانزياح، وكأن الكلمات تبحث عن معناها وهي تُكتَب. وهذا القلقُ هو أساس تجربته الشعرية، والشاعرُ يدرك أن الحقيقة أكبر مِن أن تُقَال دفعة واحدة، وأن اللغة الشعرية مهما اتَّسعت ستظلُّ عاجزة عن احتواء الوجود كُلِّه.

ولا ينفصل هذا القلق عند قاسم حداد عن هاجس الحرية، فالحريةُ لديه ليست شعارًا سياسيًّا فَحَسْب، وإنما ممارسة جَمالية أيضًا. فهو يُحرِّر القصيدةَ مِن سلطان الوزن التقليدي حين يقتضي الأمر، ويُحرِّر الصورةَ من العلاقات المألوفة، ويمنح الكلمة حقها في أن تتجاوز معناها القاموسي إلى آفاق أكثر رحابة، لذلك تبدو قصائده وكأنها رحلة دائمة نحو المجهول، حيث لا نهاية للبحث، ولا اكتمال للمعنى.

أمَّا لويس أراغون، فقدْ عاش قَلَقًا من نوع آخر، وإن كان يلتقي معَ قاسم حداد في الجَوهر الإبداعي. فقدْ شهد أراغون تحولات القرن العشرين الكبرى، مِن الحروب العالمية إلى الثورات الفكرية والسياسية، وكان شاهدًا على انهيار كثير من اليقينيات التي بنت عليها أوروبا الحديثة تصوُّرها للإنسان والعالَم، لذلك جاءت قصيدته مُحمَّلة بأسئلة الهُوية والحرية والحُب والوطن، وجعل من الشعر وسيلة لمقاومة القُبح والعُنف والنسيان.

بدأ أراغون متأثرًا بالحركة السريالية التي دعت إلى تحرير المُخيِّلة من قيود العقل، لكنَّه سُرعان ما اكتشف أن الشعر لا يكتفي بالهروب إلى الأحلام، بل ينبغي أن يواجه الواقعَ أيضًا. وهُنا نشأ قلقه الفني، إذْ وجد نفسه مُوزَّعًا بين الوفاء للجَمال والالتزام بقضايا الإنسان. ولَم يكن هذا التوتر عائقًا أمام تجربته، بلْ أصبح مصدر ثرائها، فاستطاع أن يصنع لغةً تَجمع بين الرهافة العاطفية والعُمق الفكري، وبين الموسيقى الشعرية والرسالة الإنسانية.

ويَبْلغ قلقُ القصيدة عند أراغون ذِروته في تجربته معَ الحُب، لا سِيَّما في قصائده التي كتبها لزوجته إلسا، حيث يتحول الحُب إلى وطن، والوطن إلى قصيدة، والقصيدة إلى فِعل مقاومة. الحُب عنده ليس انفعالًا فرديًّا معزولًا، وإنما طاقة روحية تواجه الخرابَ، وتمنح الإنسانَ القُدرةَ على الاستمرار. ومِن هُنا تتجاوز قصيدته حدودَ الذات لتصبح خِطابًا إنسانيًّا عامًّا.

عِند المقارنة بين قاسم حداد ولويس أراغون، نجد أنهما يَرَيَان القصيدةَ مشروعًا مفتوحًا لا ينتهي. فالقصيدةُ ليست نصًّا مكتفيًا بنفسه، وإنما مغامرة مستمرة في اكتشاف الإنسانِ والعالَم. غَير أن اختلاف المرجعيات الثقافية أضفى على تجربة كُلٍّ منهما خصوصيتها. قاسم حداد يستمد كثيرًا من صوره من التراث العربي، والأسطورةِ الشرقية، والبيئةِ الخليجية، بينما يستند أراغون إلى الإرث الأوروبي، والفكرِ الفلسفي الحديث، وتجاربِ المقاومة الفرنسية. ومعَ ذلك، فإنهما يلتقيان في الإيمان بأن الشعر فِعل حرية، وأن اللغة لا تكتسب قيمتها إلا بقدرتها على تجاوز المألوف.

كما يتجلى الفرقُ بينهما في طبيعة العلاقة معَ الواقع. لويس أراغون يميل إلى جعل القصيدة شاهدة على الأحداثِ التاريخية، والتحولاتِ الاجتماعية، بينما ينزع قاسم حداد إلى تعميق التجربة الداخلية، والبحثِ عن الأبعاد الوجودية للإنسان، غَير أن هذا الاختلاف لا يلغي وَحدةَ الرؤية، فَكِلاهما يَجعل من الشعر وسيلة لاكتشاف الحقيقة، وليس تقديمها في صورة جاهزة.

إنَّ قلق القصيدة عند الشاعرَيْن لَيس قلقًا نفسيًّا عابرًا، بلْ هو وعي عميق بأن الشعر الحقيقي يُولَد من الصراع بين الممكن والمستحيل، وبين ما تستطيع اللغةُ أن تقوله وما تعجز عنه، ولهذا تبدو القصيدةُ عندهما مساحةً للأسئلة أكثر منها مُستودعًا للأجوبة، ومِنبرًا للبحث أكثر مِنها إعلانًا لليقين. وكُلُّ قصيدة جديدة تعني بداية رحلة جديدة، وكُلُّ كلمة تفتح بابًا إلى كلمات أُخرى، وكأن الشعر وجود لا يختفي، وحياة لا تزول.

وإذا كانَ كُلُّ شاعر قد سلك طريقًا مختلفًا في التعبير، فإنهما التقيا عند حقيقة واحدة، وهي أن القصيدة لا تَبْلغ عظمتها إلا حِين تظلُّ قلقة، وباحثة، ومفتوحة على احتمالات لا تنتهي، لأن اكتمال القصيدة هو بداية موتها، أمَّا قلقها فهو سِر خلودها.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

بين اللسانيات البنيوية والتراث اللغوي العربي.. قراءة في ضوء اللسانيات الحديثة وفقه اللغة العربية

لم تعد اللغة في الدرس اللساني الحديث مجرد وعاءٍ للأفكار أو أداةٍ للتواصل، بل أصبحت نظاماً رمزياً بالغ التعقيد، تحكمه قوانين داخلية دقيقة تتشابك فيها الأصوات والصيغ والتراكيب والدلالات. ومن هنا انصرفت اللسانيات البنيوية إلى تفكيك هذا النظام إلى وحداته الأولية، بحثاً عن اللبنات التي يقوم عليها البناء اللغوي. وإذا كان الفونيم يمثل أصغر وحدة صوتية وظيفية، فإن المونيم يمثل أصغر وحدة لغوية ذات قيمة دلالية أو وظيفة نحوية، وهو المفهوم الذي بلوره اللساني الفرنسي أندريه مارتينيه في إطار نظريته في التمفصل المزدوج.

غير أن المتأمل في التراث العربي يدرك أن علماء العربية، وإن لم يستعملوا مصطلح "المونيم"، قد أدركوا مضمونه منذ قرون، حين درسوا الأبنية الصرفية، والزوائد، واللواحق، والضمائر، والحروف، وأثرها في توليد المعاني. فالمونيم في جوهره ليس غريباً عن العقل اللغوي العربي، بل إن جذوره المعرفية مبثوثة في مؤلفات سيبويه، وابن جني، وعبد القاهر الجرجاني، وابن فارس، والراغب الأصفهاني وغيرهم.

المونيم وتمفصل اللغة:

يرى مارتينيه أن اللغة تتميز بخاصية فريدة هي التمفصل المزدوج؛ فالتمفصل الأول يتكون من المونيمات التي تحمل المعنى، أما الثاني فيتكون من الفونيمات التي لا تحمل معنى، وإنما تميز بين الكلمات.

ففي كلمة "كاتب" مثلاً نجد:

كتب: مونيم معجمي يدل على فعل الكتابة.

ـ (صيغة اسم الفاعل): مونيم صرفي يمنح الجذر معنى الفاعلية.

وفي كلمة "المعلمون" نجد ثلاثة مونيمات:

الـ: التعريف.

معلم: الدلالة المعجمية.

ون: جمع المذكر السالم.

ولو حذف أحد هذه المونيمات لتغير المعنى أو الوظيفة النحوية.

أما الفونيم فلا يحمل معنى، وإنما يميز بين الدلالات، فاستبدال - ك-  بـ - ق- في:

كتب -  قطب

ينتج كلمة مختلفة دون أن يكون لأي من الصوتين معنى مستقل.

المونيم في ضوء التراث العربي

سبق علماء العربية إلى إدراك أن الكلمة ليست كتلة جامدة، وإنما هي بنية تتألف من عناصر لكل منها وظيفة.

يقول سيبويه إن الحروف "تدخل لمعانٍ"، وهي عبارة تختصر مفهوم المونيم النحوي بأدق صورة.

ففي قوله تعالى:

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾

نجد أن الباء ليست صوتاً زائداً، وإنما مونيم يدل على الإلصاق أو الاستعانة بحسب السياق.

وكذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

فـ"إنَّ" مونيم نحوي يؤدي وظيفة التوكيد.

وفي قوله تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾

تمثل اللاحقة "ون" مونيم الجمع المذكر، وتمثل "ات" مونيم جمع المؤنث.

وهذه الوحدات كلها ذات وظيفة مستقلة، وهو عين ما تقصده اللسانيات الحديثة بالمونيم.

ابن جني والمونيم:

يعد ابن جني من أكثر اللغويين العرب اقتراباً من التصور البنيوي.

ففي كتابه الخصائص يقرر أن تغير الصيغة يؤدي إلى تغير المعنى.

ويفرق بين:

كتب

كاتب

مكتوب

كتاب

مكتبة

ويرى أن اختلاف الأبنية ليس شكلياً، وإنما يولد دلالات جديدة.

وهذا يعني أن الأوزان الصرفية نفسها تؤدي وظيفة المونيمات.

بل إن ابن جني يذهب إلى أبعد من ذلك حين يربط بين البنية الصوتية والدلالة، وهو ما سيعرف حديثاً بالرمزية الصوتية.

ابن فارس والجذر الدلالي:

يرى ابن فارس في كتاب مقاييس اللغة أن لكل جذر أصلاً دلالياً تتفرع عنه الاستعمالات المختلفة.

فالجذر:

(ك ت ب)

يدل على الجمع والضم.

ومن هذا الأصل تولدت:

كتب

كتاب

كاتب

مكتبة

مكتوب

اكتتاب

مكاتبة

فالجذر يمثل المونيم المعجمي المركزي، بينما تضيف الأبنية واللواحق معاني جديدة.

عبد القاهر الجرجاني ووظيفة العلاقات:

لم يكن اهتمام عبد القاهر منصباً على الكلمة المفردة، بل على العلاقات التي تربط الوحدات داخل الجملة.

وفي نظريته في النظم يؤكد أن المعنى لا ينشأ من الكلمات منفردة، بل من انتظامها.

وهذا ينسجم مع تصور المونيم النحوي الذي يحدد العلاقات بين عناصر الخطاب.

ففي الجملة:

"كتب الطالبُ الدرسَ"

يؤدي ترتيب المونيمات وعلامات الإعراب وظيفة إنتاج المعنى.

ولو قلنا:

"كتب الدرسُ الطالبَ"

لتغيرت العلاقات، ومن ثم تغير المعنى.

الراغب الأصفهاني والدلالة

في المفردات في غريب القرآن يقرر الراغب أن اللفظ لا يكتسب معناه إلا داخل شبكة من العلاقات.

وهذا يقترب من التصور التداولي الحديث الذي يجعل المونيم وحدة وظيفية داخل السياق.

أنواع المونيم:

يمكن تقسيم المونيمات إلى قسمين:

أولاً: المونيمات المعجمية

وهي التي تحمل المعنى الأساسي.

مثل:

علم

شجر

بحر

إنسان

كتب

ثانياً: المونيمات النحوية

وهي التي تؤدي وظائف صرفية أو تركيبية.

مثل:

الـ

من

إلى

سوف

قد

لن

تاء التأنيث

واو الجماعة

نون النسوة

ألف الاثنين

نماذج عربية

المثال الأول

المسلمون

تنقسم إلى:

الـ

مسلم

ون

المثال الثاني

ستكتبون

سـ

كتب

ون

المثال الثالث

مكتبات

مكتب

ات

المثال الرابع

قوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

الواو مونيم للعطف.

أل للتعريف.

غفور مونيم معجمي.

رحيم مونيم معجمي.

المونيم واللسانيات الحاسوبية

أصبح مفهوم المونيم من أهم أدوات معالجة اللغة العربية بالحاسوب.

فالبرامج الحديثة تقوم أولاً بتجزئة الكلمات إلى وحداتها الصرفية.

فعند تحليل كلمة:

"وسيكتبونها"

يمكن للحاسوب استخراج:

و (العطف)

س (الاستقبال)

كتب (الجذر المعجمي)

ون (الجمع)

ها (ضمير المفعول)

ومن هنا أصبحت دراسة المونيم أساساً في:

الترجمة الآلية.

الذكاء الاصطناعي.

محركات البحث.

تحليل المشاعر.

بناء المعاجم الإلكترونية.

تعليم العربية للناطقين بغيرها.

المونيم والمدرسة التوليدية

رأى نعوم تشومسكي أن وصف الوحدات اللغوية وحده لا يكفي، وأن الأهم هو تفسير القدرة الذهنية التي تمكن الإنسان من إنتاج عدد لا نهائي من الجمل.

ومع ذلك، بقي المونيم وحدة أساسية في التحليل الصرفي والمعجمي، حتى داخل الدراسات التوليدية واللسانيات الحاسوبية، لأن بناء الجملة يبدأ من الوحدات الدلالية الصغرى قبل انتقالها إلى البنية التركيبية.

خاتمة

يكشف مفهوم المونيم عن عبقرية البناء اللغوي؛ فهو الحلقة التي تصل الصوت بالمعنى، والصرف بالنحو، والمعجم بالسياق. وإذا كان أندريه مارتينيه قد صاغ هذا المفهوم في إطار اللسانيات البنيوية، فإن التراث العربي كان قد مهّد له عملياً من خلال تحليل الجذور، والأوزان، والحروف، والضمائر، والعلاقات النحوية، حتى غدت العربية واحدة من أغنى اللغات التي تتجلى فيها وظيفة المونيم بوضوح ودقة.

ومن ثم فإن الإفادة من هذا المفهوم لا تعني استيراد مصطلح غربي فحسب، بل إعادة قراءة التراث العربي في ضوء المناهج اللسانية الحديثة، بما يكشف عن حيوية الفكر اللغوي العربي وقدرته على الحوار مع النظريات المعاصرة، ويؤكد أن العربية ليست لغةً للماضي، بل لغةٌ قادرة على استيعاب أحدث مناهج البحث اللساني والذكاء الاصطناعي وتحليل الخطاب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

أهم المراجع

١- مبادئ في اللسانيات العامة.

٢- محاضرات في اللسانيات العامة.

٣- قضايا في اللسانيات المعاصرة.

الخصائص.

الكتاب.

مقاييس اللغة.

دلائل الإعجاز.

المفردات في غريب القرآن.

قراءة ثقافية في حكاية "الحب يصنع المعجزات"

مقدمة الدراسة: تعد الحكاية الشعبية من أهم أشكال التعبير الثقافي التي راكمتها الذاكرة الجماعية عبر التاريخ، إذ لم تكن مجرد وسيلة للتسلية أو الترفيه، وإنما شكلت نسقا رمزيا وثقافيا يعكس رؤية المجتمع للعالم، ويختزن منظومة من القيم والتصورات والتمثلات التي تؤطر علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالكون. فالحكاية الشعبية، بما تنطوي عليه من رموز وصور واستعارات، تمثل وثيقة ثقافية قادرة على الكشف عن البنيات الذهنية والاجتماعية التي تحكم المخيال الجمعي، وهو ما جعلها تحظى باهتمام متزايد في الدراسات السردية والأنثروبولوجية والنقد الثقافي، باعتبارها نصا مفتوحا على قراءات متعددة تتجاوز بعدها الحكائي إلى مساءلة الأنساق الثقافية الكامنة في بنيتها العميقة.

ومن بين الموضوعات التي أولتها الحكاية الشعبية عناية خاصة تبرز تيمة الحب بوصفها واحدة من أكثر القيم الإنسانية حضورا في مختلف الثقافات. فالحب لم يكن في التراث الشعبي مجرد علاقة وجدانية تجمع بين رجل وامرأة، بل غدا قيمة وجودية وأخلاقية تتقاطع فيها معاني الوفاء والتضحية والصبر والأمل والانتصار على المحن، حتى أصبح قوة رمزية قادرة على تجاوز المستحيل وصنع المعجزات. ومن هذا المنطلق، لم تنظر الحكاية الشعبية إلى الحب باعتباره تجربة فردية معزولة، وإنما بوصفه فعلا إنسانيا يسهم في إعادة بناء العلاقات الاجتماعية وترسيخ منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع.

ولئن تناول الفلاسفة والمفكرون مفهوم الحب من زوايا متعددة، بدءًا من تعريفاته اللغوية والفلسفية وصولا إلى أبعاده النفسية والاجتماعية، فإن الحكاية الشعبية استطاعت أن تمنحه بعدًا تخييليا وجماليا يجعل منه طاقة خلاقة قادرة على تحويل مسار الأحداث وإعادة تشكيل مصائر الشخصيات. فالحب داخل المتخيل الشعبي لا يكتفي بوصف المشاعر، بل يتحول إلى قوة فاعلة تتحدى الزمن والغياب والحروب والموت، وتؤكد أن الإرادة الإنسانية قادرة على الانتصار متى تأسست على الإخلاص والوفاء.

وتندرج الحكاية الشعبية المغربية "الحب يصنع المعجزات"  ضمن هذا الأفق الرمزي، إذ تقدم نموذجا دالا للحب بوصفه فعلًا للخلاص والتجدد. فالبطلة لا تستسلم لغياب زوجها ولا لانقلاب أحواله بعد عودته من الحرب، بل تظل وفية لعهدها، مؤمنة بقدرة الحب على استعادة الإنسان إلى ذاته. وبهذا تتحول الشخصية النسوية إلى فاعل ثقافي يحمل قيم الصبر والإخلاص، ويجسد صورة المرأة التي تؤمن بأن المحبة الحقيقية قادرة على تجاوز أقسى المحن.

ولا تقتصر أهمية هذه الحكاية على بعدها السردي، وإنما تمتد إلى ما تختزنه من دلالات ثقافية واجتماعية، إذ تعكس تصور المجتمع المغربي لمكانة الحب داخل مؤسسة الأسرة، وللأدوار الرمزية التي تضطلع بها المرأة في الحفاظ على تماسكها. كما تكشف عن الكيفية التي يتحول بها الخطاب الشعبي إلى وسيط ثقافي يعيد إنتاج القيم الجماعية ويمنحها بعدًا جماليا ورمزيا يجعلها أكثر رسوخًا في الوعي الجمعي.

ومن جهة أخرى، فإن قراءة تيمة الحب في الحكاية الشعبية تتيح إمكان إقامة حوار نقدي مع أشكال سردية أخرى، ولا سيما الرواية العربية والمغاربية، التي أعادت بدورها مساءلة الحب في ضوء التحولات الاجتماعية والثقافية الحديثة، وكشفت عن تعقيد العلاقة بين الرجل والمرأة، وعن التوتر القائم بين قيم الوفاء والحرية والسلطة والجسد. ومن ثم فإن المقارنة بين الخطابين الشعبي والروائي تبرز اختلاف المرجعيات الثقافية التي تؤطر تمثلات الحب، وتكشف عن التحولات التي عرفها هذا المفهوم بين المخيال الشعبي والخطاب الأدبي المعاصر.

وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة تيمة الحب في الحكاية الشعبية المغربية مقاربة ثقافية وسردية، تنظر إلى الحكاية بوصفها نصًا ثقافيًا غنيا بالرموز والدلالات، وليس مجرد خطاب حكائي. كما تروم الكشف عن الوظائف الجمالية والثقافية التي يؤديها الحب داخل البناء السردي، وبيان الكيفية التي يتحول بها إلى قيمة إنسانية تؤسس لمعاني الوفاء والتضحية والانبعاث، بما يجعل الحكاية الشعبية فضاءً لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وإبراز استمرار حضور هذه التيمة في المتخيل الأدبي العربي الحديث رغم اختلاف السياقات والمرجعيات.

إشكالية الدراسة:

تعتبر تيمة الحب من أكثر الثيمات حضورا في الآداب العالمية والشفوية، غير أن تجلياتها داخل الحكاية الشعبية المغربية لم تحظ بالقدر الكافي من الدراسة، مقارنة بما حظيت به في الرواية والشعر والخطابات الأدبية الحديثة. ويزداد هذا النقص وضوحا إذا ما نظرنا إلى الحكاية الشعبية بوصفها خطابا ثقافيًا لا يكتفي بسرد الأحداث، وإنما يعيد إنتاج منظومة المجتمع القيمية والرمزية، ويعكس تصوره للعلاقات الإنسانية وللأدوار الاجتماعية التي يضطلع بها كل من الرجل والمرأة.

ولا تنبع أهمية الحب في الحكاية الشعبية من كونه علاقة عاطفية فحسب، بل من كونه قيمة ثقافية تؤدي وظائف رمزية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتلامس قضايا الوفاء والصبر والتضحية والانتماء والانبعاث. ومن ثم، فإن تحليل هذه التيمة يقتضي تجاوز القراءة الموضوعاتية التي تنحصر في تتبع حضور الحب داخل الأحداث، إلى قراءة ثقافية وسردية تستكشف الدلالات العميقة التي يكتسبها داخل البنية الحكائية، والكيفية التي يسهم بها في بناء الشخصيات وتحريك الأحداث وترسيخ الأنساق الثقافية السائدة.

وتتخذ هذه الإشكالية أهمية خاصة عند دراسة الحكاية الشعبية المغربية "الحب يصنع المعجزات"، لما تتضمنه من تمثلات إيجابية للحب باعتباره قوة قادرة على مقاومة الفقد والغياب وتحقيق الخلاص، الأمر الذي يدفع إلى مساءلة الخلفيات الثقافية التي أنتجت هذه الصورة، والكشف عن علاقتها بالمخيال الشعبي المغربي وبالمنظومة القيمية التي تؤطر تصور المجتمع للعلاقات الإنسانية.

وانطلاقًا من ذلك، تتحدد إشكالية الدراسة في السؤال المركزي الآتي:

كيف تتجلى تيمة الحب في الحكاية الشعبية المغربية "الحب يصنع المعجزات"، وما الأبعاد السردية والثقافية والجمالية التي تضطلع بها في بناء الخطاب الحكائي وإنتاج دلالاته؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس عدد من الأسئلة الفرعية:

كيف أسهمت المرجعيات اللغوية والفلسفية في بناء مفهوم الحب داخل الدراسة؟

ما الوظائف السردية التي يؤديها الحب في بناء أحداث الحكاية وتشكيل شخصياتها؟

كيف تمثل الحكاية الشعبية صورة المرأة والرجل من خلال تيمة الحب؟

ما القيم الثقافية والاجتماعية التي يرسخها خطاب الحكاية الشعبية عبر هذه التيمة؟

إلى أي حد تتقاطع تمثلات الحب في الحكاية الشعبية مع تمثلاته في الرواية العربية والمغاربية المعاصرة؟

كيف يتحول الحب داخل الحكاية إلى رمز ثقافي يعبر عن الوفاء والتضحية والانبعاث؟

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، من أهمها:

الكشف عن تجليات تيمة الحب في الحكاية الشعبية المغربية.

إبراز الأبعاد الثقافية والجمالية التي يكتسبها الحب داخل المتخيل الشعبي.

تحليل الوظائف السردية التي تؤديها هذه التيمة في بناء الشخصيات والأحداث.

استجلاء صورة المرأة كما تقدمها الحكاية الشعبية من خلال قيم الوفاء والإخلاص والصبر.

بيان أوجه التقاطع والاختلاف بين تمثلات الحب في الحكاية الشعبية والرواية العربية والمغاربية.

الإسهام في توسيع الدراسات النقدية التي تتناول الحكاية الشعبية من منظور ثقافي وسردي.

أهمية الدراسة:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من مجموعة من الاعتبارات العلمية والمعرفية، من أبرزها:

أنها تتناول الحكاية الشعبية المغربية بوصفها نصا ثقافيا يحمل أنساقا رمزية تتجاوز بعدها الحكائي.

أنها تسلط الضوء على تيمة الحب، باعتبارها إحدى القيم المؤسسة للمخيال الشعبي المغربي.

أنها تسهم في ربط الدراسات السردية بالنقد الثقافي، بما يسمح باستكشاف الأبعاد الفكرية والاجتماعية للنص الشعبي.

أنها تقدم قراءة مقارنة تربط بين الحكاية الشعبية والرواية العربية والمغاربية، مما يبرز تطور تمثلات الحب عبر الأجناس الأدبية المختلفة.

أنها تثري مجال الدراسات المهتمة بالتراث الشفهي المغربي، وتؤكد قيمته بوصفه مصدرا لفهم الثقافة والهوية والذاكرة الجماعية.

الحب في الحكاية الشعبية بين التأسيس المفاهيمي والامتداد الثقافي:

على سبيل الافتتاح:

لا يمكن مقاربة تيمة الحب في الحكاية الشعبية المغربية بمعزل عن طبيعة الحكاية ذاتها باعتبارها خطابا ثقافيا تتداخل فيه الذاكرة الجماعية مع المخيال الشعبي. فالحكاية ليست مجرد بناء تخييلي يهدف إلى الإمتاع، وإنما هي وعاء رمزي تختزن داخله الجماعة رؤيتها للإنسان والعالم، وتعيد من خلاله إنتاج منظومتها القيمية والأخلاقية. ومن ثم فإن حضور الحب داخل الحكاية الشعبية لا يُفهم بوصفه عنصرا حكائيا عابرا، بل باعتباره قيمة ثقافية تؤدي وظائف اجتماعية وجمالية ورمزية، وتسهم في توجيه المتلقي نحو نماذج معينة من السلوك الإنساني.

ويكشف التراث الشعبي المغربي عن حضور لافت للحب بوصفه قوة قادرة على مواجهة المحن، وتجاوز العوائق، وإعادة التوازن إلى العلاقات الإنسانية. ولذلك غالبا ما يرتبط الحب في الحكاية الشعبية بقيم الوفاء والإخلاص والصبر والتضحية، وهي قيم تتجاوز التجربة الفردية لتصبح جزءا من الوعي الجمعي الذي تسعى الحكاية إلى ترسيخه عبر الأجيال.

وانطلاقا من هذا التصور، يصبح من الضروري الوقوف عند مفهوم الحب في أبعاده اللغوية والفلسفية قبل الانتقال إلى دراسة تمثلاته داخل الحكاية الشعبية المغربية.

مفهوم الحب بين الدلالة اللغوية والتأويل الفلسفي:

إن مفهوم الحب يعد من أكثر المفاهيم ثراء وتعقيدا في الفكر الإنساني، نظرا لتعدد دلالاته واختلاف المقاربات التي تناولته. فقد اهتمت به المعاجم اللغوية والفلسفات القديمة والحديثة، كما احتل مكانة مركزية في الأدب والتصوف وعلم النفس والاجتماع، الأمر الذي جعله مفهوما متعدد الأبعاد لا يمكن اختزاله في تعريف واحد.

فعلى المستوى اللغوي، يرتبط الحب بمعاني الود والقرب والميل والمودة والمحبة، وهي معانٍ تؤكد الطابع الإيجابي للعلاقة الإنسانية، غير أن هذا التحديد يظل عاما، لأن الحب يتلون بحسب موضوعه وسياقه ووظيفته داخل الخطاب الثقافي.

أما في التصور الفلسفي، فإن الحب يتجاوز مجرد الميل العاطفي ليصبح علاقة وجودية تجمع الإنسان بما يراه مصدرا للكمال أو الخير أو الجمال. ولذلك اختلفت الفلسفات في تفسيره، فمنها من ربطه بتحقيق اللذة، ومنها من جعله وسيلة للارتقاء الروحي، بينما نظر إليه آخرون باعتباره قوة أخلاقية تؤسس للعلاقات الإنسانية وللتضامن الاجتماعي.

ويكشف هذا التعدد في التصورات أن الحب ليس شعورا ثابتا، وإنما بناء ثقافي يتشكل داخل كل مجتمع وفق منظومة قيمه ورؤيته للعالم، وهو ما يفسر اختلاف صوره بين النصوص الأدبية والخطابات الثقافية.

الحب في التصور العربي الإسلامي:

يحظى الحب بمكانة خاصة في التراث العربي الإسلامي، حيث لم ينظر إليه بوصفه نزوة عابرة، بل باعتباره تجربة إنسانية وروحية عميقة. ويعد ابن حزم الأندلسي من أبرز المفكرين الذين تناولوا الحب في كتابه طوق الحمامة، إذ ربطه بتآلف الأرواح وانجذاب النفوس، وعدّه رابطة تتجاوز حدود الجسد إلى الاتصال الروحي بين المحبين.

ويكتسب هذا التصور أهمية خاصة لأنه ينقل الحب من مستواه الحسي إلى مستواه القيمي، حيث تصبح المشاعر الحقيقية قائمة على الوفاء والإخلاص والتوافق النفسي، لا على المصلحة أو المنفعة العابرة. وهذا ما يجعل تصور ابن حزم قريبا من الصورة التي تقدمها الحكاية الشعبية المغربية، والتي تجعل الحب أساسا للصبر والتضحية والاستمرار رغم قسوة الظروف.

كما أن هذا الفهم يتقاطع مع الرؤية الصوفية التي تجعل الحب وسيلة للسمو بالإنسان، وتحريره من نزعات الأنانية، وربطه بالقيم العليا التي تمنح الحياة معناها.

الحب باعتباره نسقا ثقافيًا:

لم يعد النقد الثقافي الحديث ينظر إلى الحب بوصفه تجربة فردية خالصة، بل باعتباره نسقا ثقافيا يتشكل داخل المجتمع، ويعكس تصوراته عن المرأة والرجل والأسرة والسلطة والقيم الأخلاقية. ومن ثم فإن تمثلات الحب تختلف باختلاف المرجعيات الثقافية، لأن كل مجتمع يعيد إنتاج هذا المفهوم وفق بنيته الاجتماعية ورؤيته للعلاقات الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، تصبح الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية تكشف عن الكيفية التي فهم بها المجتمع المغربي الحب، وعن الأدوار التي أسندها لكل من الرجل والمرأة، وعن القيم التي أراد ترسيخها من خلال السرد الشعبي. فالحب داخل هذه الحكايات ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لترسيخ معاني الوفاء والإخلاص والصبر والانتصار على المحن، وهي القيم التي تمنح الحكاية بعدها التربوي والثقافي.

وهكذا يتبين أن الحديث عن الحب في الحكاية الشعبية المغربية لا ينفصل عن الحديث عن الثقافة التي أنتجتها، لأن الحكاية لا تعكس الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله رمزيًا، وتقدم نموذجًا مثاليًا للعلاقات الإنسانية كما يتصورها الوعي الجمعي.

تجليات تيمة الحب في الحكاية الشعبية المغربية "الحب يصنع المعجزات"

على سبيل التقديم:

إذا كان الحب قد ارتبط في التصورات الفلسفية واللغوية بمفاهيم المودة والألفة والانسجام الروحي، فإن الحكاية الشعبية المغربية تمنحه بعدا أكثر عمقا، إذ تحول هذا الشعور إلى قوة رمزية قادرة على إعادة تشكيل الواقع ومقاومة عوامل الفقد والانكسار. فالحب داخل الحكاية لا يؤدي وظيفة انفعالية فحسب، وإنما يصبح محركا للأحداث ومبدأً منظما للعلاقات الإنسانية، ومصدرا للقيم التي يسعى الخطاب الشعبي إلى ترسيخها داخل الوعي الجمعي.

وتُعتبر حكاية "الحب يصنع المعجزات" نموذجا دالا على هذا التصور، إذ تجعل من الحب القوة الوحيدة القادرة على الانتصار على الحرب والغياب والزمن، وتعيد الاعتبار للإنسان من خلال قيم الوفاء والإخلاص والتضحية.

دلالة العنوان وبناء أفق التلقي:

يشكل العنوان أول عتبة نصية يواجهها المتلقي، وهو ليس مجرد تسمية للحكاية، بل عنصر دلالي يوجه عملية القراءة منذ بدايتها. ويحمل عنوان "الحب يصنع المعجزات" شحنة رمزية قوية، لأنه ينقل الحب من دائرة الشعور إلى دائرة الفعل والتأثير.

فالفعل "يصنع" يوحي بالحركة والإبداع والتغيير، بينما تحيل كلمة "المعجزات" إلى تجاوز المألوف وكسر قوانين الواقع. وبهذا يصبح الحب في المتخيل الشعبي قوة استثنائية تمتلك القدرة على تغيير المصائر، وإعادة الأمل بعد اليأس، والانتصار على أقسى الظروف.

ولا يقدم العنوان وعدا حكائيا فحسب، بل يؤسس منذ البداية لنسق ثقافي يجعل الحب قيمة عليا تتجاوز المصالح الآنية، وتصبح أساسًا لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع.

الحب بوصفه قوة للخلاص والانبعاث:

تكشف أحداث الحكاية أن الحب ليس مجرد علاقة عاطفية تجمع البطلة بابن عمها، وإنما يمثل قوة وجودية تحافظ على استمرار العلاقة رغم الغياب الطويل والتحولات التي فرضتها الحرب.

فعودة الزوج في هيئة إنسان غريب فاقد لتوازنه النفسي لا تؤدي إلى انهيار العلاقة، بل تتحول إلى اختبار حقيقي لصدق الحب. وهنا تبرز البطلة باعتبارها الشخصية المحورية التي تؤمن بأن المحبة الصادقة لا تتغير بتغير الظروف، وإنما تزداد رسوخا كلما اشتدت المحن.

وتكشف هذه الصورة عن تصور ثقافي يجعل الحب فعلا للمقاومة، لا مجرد استجابة وجدانية، فهو يقاوم الحرب، ويقاوم الزمن، ويقاوم اليأس، حتى يصبح وسيلة لاستعادة الإنسان إلى ذاته، وهو ما يفسر اختيار الحكاية لفكرة "المعجزة" باعتبارها النتيجة الطبيعية للحب الصادق.

المرأة بوصفها الحاملة للقيم الإنسانية:

تمنح الحكاية المرأة مكانة مركزية داخل البناء السردي، فهي ليست شخصية هامشية تنتظر خلاصها على يد الرجل، وإنما تتحول إلى مصدر للخلاص نفسه. ومن خلال صبرها الطويل، وإيمانها بعدم التخلي عن زوجها، تصبح تجسيدا لقيم الوفاء والإخلاص والتضحية.

ولا يبدو هذا الاختيار اعتباطيا، بل يعكس رؤية ثقافية تجعل المرأة الحارس الحقيقي لاستمرار الأسرة وتماسكها. ولذلك فإن قوة البطلة لا تكمن في امتلاكها سلطة مادية، وإنما في امتلاكها قوة أخلاقية وروحية تجعلها قادرة على إعادة التوازن إلى الحياة.

غير أن هذه الصورة لا ينبغي أن تقرأ بوصفها تمجيدا للمرأة فقط، بل بوصفها تعبيرا عن تصور المجتمع التقليدي للأدوار الاجتماعية، حيث تحمّل المرأة مسؤولية الحفاظ على استقرار الأسرة مهما كانت الظروف. ومن هنا تكتسب الحكاية بعدها الثقافي، لأنها لا تروي قصة حب فحسب، وإنما تعكس منظومة قيم كاملة.

الحب بوصفه انتصارًا للقيم الأخلاقية:

تنتهي الحكاية بانتصار الحب، غير أن هذا الانتصار لا يتحقق بفعل المصادفة، وإنما نتيجة تمسك الشخصيات بجملة من القيم الأخلاقية، مثل الصبر والوفاء والإيمان والأمل.

ومن ثم فإن الحب لا يمثل غاية مستقلة، بل يصبح الإطار الذي تنتظم داخله بقية القيم الإنسانية. ولذلك فإن الرسالة التي تقدمها الحكاية لا تتمثل في الدعوة إلى الحب بوصفه شعورا، وإنما في الدعوة إلى منظومة أخلاقية تجعل من الحب أساسا لبناء العلاقات الإنسانية السليمة.

وتكشف هذه الرؤية عن الوظيفة التربوية للحكاية الشعبية، إذ إنها لا تكتفي بالإمتاع، وإنما تسعى إلى غرس نماذج سلوكية إيجابية داخل الوعي الجمعي، وتوجيه المتلقي نحو قيم التضامن والوفاء والإخلاص.

الحب بين الواقعي والمتخيل:

تجمع الحكاية بين الواقعي والعجائبي في بناء تيمة الحب، فهي تنطلق من تجربة إنسانية مألوفة تتمثل في الفراق والانتظار والعودة، لكنها تمنح هذه التجربة بعدا تخييليا يجعل الحب قادرا على تحقيق ما يبدو مستحيلا.

وهذا التداخل بين الواقع والخيال ليس مجرد تقنية سردية، بل يعكس طبيعة المخيال الشعبي الذي لا يفصل بين الممكن والمأمول، بل يجعل من الخيال وسيلة لتأكيد انتصار القيم الإنسانية على قسوة الواقع.

ومن ثم فإن المعجزة التي تتحدث عنها الحكاية لا ينبغي فهمها بمعناها الخارق فقط، وإنما باعتبارها رمزا لقدرة الإنسان على تجاوز الأزمات عندما يستند إلى منظومة أخلاقية قوامها الحب والوفاء والأمل.

وكخلاصة لما سبق يتبين من خلال تحليل الحكاية أن الحب يشكل البنية الدلالية المركزية التي تنتظم حولها جميع الأحداث والشخصيات. فهو ليس موضوعا من موضوعات السرد، وإنما نسق ثقافي يوجه بناء الحكاية ويمنحها معناها العميق. ومن خلاله تعاد صياغة صورة المرأة، وترسّخ قيم الوفاء والصبر، ويقدّم الإنسان بوصفه قادرا على تجاوز المحن متى تأسست علاقاته على المحبة والإخلاص. وهكذا تتحول الحكاية الشعبية إلى خطاب ثقافي يربط بين الجمالي والأخلاقي، ويجعل من الحب قيمة إنسانية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتغدو أساسًا لاستمرار الحياة وتماسك المجتمع.

تيمة الحب بين الحكاية الشعبية والرواية العربية والمغاربية: مقاربة ثقافية مقارنة

تقديم:

لا تتشكل تيمة الحب داخل الأجناس الأدبية وفق تصور واحد، وإنما تتغير بتغير المرجعيات الثقافية والاجتماعية التي تنتجها. فإذا كانت الحكاية الشعبية تنتمي إلى الثقافة الشفوية التي تسعى إلى ترسيخ القيم الجماعية، فإن الرواية الحديثة تنتمي إلى خطاب نقدي يعيد مساءلة تلك القيم ويكشف ما يعتريها من تناقضات. ومن ثم، فإن المقارنة بين الحكاية الشعبية والرواية العربية والمغاربية لا تهدف إلى إبراز أوجه التشابه والاختلاف فحسب، بل إلى الكشف عن التحولات التي عرفها مفهوم الحب بين الثقافة التقليدية والخطاب الروائي الحديث.

الحب في الحكاية الشعبية بوصفه قيمة جماعية:

يظهر الحب في الحكاية الشعبية المغربية باعتباره قيمة أخلاقية واجتماعية تتجاوز حدود الذات الفردية. فالعلاقة بين العاشقين لا تبنى على الرغبة العابرة، وإنما على الوفاء والصبر والإخلاص، وهي قيم تجعل الحب وسيلة لحفظ التماسك الأسري والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، يصبح الحب عنصرا من عناصر استقرار الجماعة، ولذلك تنتهي الحكايات الشعبية غالبا بانتصار الخير وعودة التوازن، بما ينسجم مع الوظيفة التربوية التي اضطلع بها الأدب الشعبي عبر الأجيال. فالسرد الشعبي لا يحتفي بالمأساة بقدر ما يحتفي بإمكان تجاوزها، ويجعل من الحب القوة القادرة على إعادة بناء النظام الأخلاقي الذي تعرض للاختلال.

الحب في الرواية العربية والمغاربية وتحولات الوعي:

على خلاف الحكاية الشعبية، تقدم الرواية العربية والمغاربية تصورا أكثر تعقيدا للحب، إذ لم يعد هذا الأخير تجربة منسجمة، بل أصبح مجالا للصراع بين الرغبة والسلطة، وبين الحرية والقيود الاجتماعية، وبين الذات والآخر.

وقد أسهمت التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع العربي في إعادة تشكيل صورة الحب داخل الرواية، فأضحى هذا الموضوع مرتبطا بقضايا الهوية والجسد والسلطة واختلاف النوع، بدل الاقتصار على تصوير العلاقات العاطفية في بعدها الأخلاقي.

ولهذا السبب، كثيرا ما تقدم الرواية الحب بوصفه تجربة مأزومة، تنتهي بالفشل أو الاغتراب أو الانكسار، نتيجة اصطدام الفرد بالبنيات الاجتماعية والثقافية التي تحد من حريته.

صورة المرأة بين الخطابين الشعبي والروائي:

تكشف المقارنة بين الحكاية الشعبية والرواية العربية عن اختلاف واضح في تمثيل المرأة. ففي الحكاية الشعبية تظهر المرأة رمزا للإخلاص والصبر والوفاء، وتتمحور وظيفتها حول الحفاظ على الأسرة واستمرار العلاقة الزوجية مهما بلغت التضحيات.

أما في الرواية العربية والمغاربية، فقد أصبحت المرأة ذاتا فاعلة تسائل أوضاعها الاجتماعية، وتعيد النظر في الأدوار التقليدية المفروضة عليها. ولم تعد الشخصية النسوية مجرد رمز للتضحية، بل غدت صوتا يكشف أشكال الهيمنة التي مارستها الثقافة الذكورية على المرأة عبر التاريخ.

ومن هنا اتجهت كثير من الروايات النسائية إلى مساءلة علاقة المرأة بجسدها، وبالسلطة، وبمؤسسة الزواج، وبالخطابات الاجتماعية التي اختزلت وجودها في أدوار نمطية، وهو ما منح تيمة الحب أبعادا جديدة تتجاوز بعدها الرومانسي إلى بعدها الثقافي والسياسي.

الحب بين الخطاب الأخلاقي والخطاب النقدي:

يؤدي الحب في الحكاية الشعبية وظيفة أخلاقية واضحة، إذ يسعى إلى ترسيخ قيم الوفاء والصبر والتسامح، ويقدم نماذج مثالية يراد للمتلقي أن يحتذي بها.

أما الرواية الحديثة، فإنها تتعامل مع الحب بوصفه أداة لكشف التناقضات الاجتماعية، فتبرز ما يعتري العلاقات الإنسانية من صراعات واختلالات، وتنتقد أشكال السلطة التي تحول دون تحقق الحب بوصفه علاقة قائمة على الحرية والمساواة.

ومن ثم، فإن الاختلاف بين الخطابين لا يكمن في حضور الحب أو غيابه، وإنما في طبيعة الوظيفة التي يؤديها داخل كل جنس أدبي؛ فالحكاية تنتج خطابا قيميا، في حين تنتج الرواية خطابا نقديا يعيد مساءلة تلك القيم.

الحكاية الشعبية باعتبارها نصا ثقافيا:

تكشف المقاربة المقارنة أن الحكاية الشعبية ليست نصًا بسيطا كما قد يبدو، بل هي نص ثقافي كثيف يحمل في داخله تصورات المجتمع عن الحب والأسرة والمرأة والرجل والسلطة والقيم.

ومن هذا المنظور، يصبح تحليل الحكاية الشعبية مدخلا لفهم الثقافة التي أنتجتها، لأن الشخصيات والأحداث والرموز ليست سوى تجليات لأنساق ثقافية مضمرة تستمر في التأثير في الوعي الجمعي حتى بعد تغير الظروف التاريخية.

ومن هنا تتجاوز حكاية "الحب يصنع المعجزات" حدود السرد التقليدي، لتغدو خطابا ثقافيا يدافع عن قيم الوفاء والإخلاص والتضحية، ويجعل الحب أساسًا لإعادة بناء الإنسان والعلاقات الاجتماعية.

خلاصة:

أبرزت المقارنة بين الحكاية الشعبية والرواية العربية والمغاربية أن تيمة الحب تخضع لتحولات عميقة بتغير المرجعيات الثقافية والأجناس الأدبية. فبينما تقدم الحكاية الحب باعتباره قيمة أخلاقية تؤسس لاستمرار الجماعة، تنظر إليه الرواية بوصفه فضاء للصراع وكشف التناقضات الاجتماعية. غير أن القاسم المشترك بين الخطابين يظل تمثلهما للحب باعتباره أحد أكثر المفاهيم قدرة على التعبير عن طبيعة الإنسان وتحولاته، وهو ما يؤكد أن هذه التيمة لا تزال تحتفظ بحيويتها داخل المتخيل الأدبي العربي، وإن اختلفت طرائق تمثيلها ووظائفها السردية والثقافية.

على سبيل الختام:

خلصت هذه الدراسة إلى أن الحكاية الشعبية المغربية لا تختزل في كونها خطابا سرديا موجها للتسلية أو حفظ الذاكرة الجماعية، بل تمثل نصًا ثقافيا كثيفا تتداخل داخله الأبعاد السردية والرمزية والاجتماعية، بما يجعلها مرآة تعكس رؤية المجتمع إلى الإنسان وإلى منظومة القيم التي تحكم علاقاته. وفي هذا الإطار، كشفت دراسة حكاية "الحب يصنع المعجزات" أن تيمة الحب تشكل البنية الدلالية المركزية التي تنتظم حولها مختلف عناصر البناء الحكائي، إذ لا يظهر الحب بوصفه انفعالا وجدانيا عابرا، وإنما باعتباره قيمة إنسانية وثقافية تؤسس لمعاني الوفاء والإخلاص والصبر والتضحية، وتمنح الشخصيات القدرة على تجاوز المحن واستعادة التوازن المفقود.

وقد بينت الدراسة أن الخطاب الحكائي الشعبي يعيد تشكيل مفهوم الحب وفق رؤية ثقافية تجعل منه قوة رمزية قادرة على مقاومة الزمن والحرب والغياب، وتحويل المستحيل إلى ممكن، وهو ما يفسر ارتباط الحب في المتخيل الشعبي بفكرة "المعجزة". فالمعجزة، في هذا السياق، ليست حدثا خارقا للطبيعة بقدر ما هي انتصار للقيم الإنسانية حين تتجسد في سلوك الشخصيات ومواقفها.

كما أظهرت الدراسة أن المرأة تحتل موقعًا محوريا في البناء السردي للحكاية، حيث تقدمها بوصفها الحاملة الرئيسة لقيم الوفاء والصبر والإخلاص، الأمر الذي يعكس جانبًا من التصورات الثقافية التي يحملها المجتمع التقليدي بشأن الأدوار الاجتماعية للمرأة داخل الأسرة. غير أن هذه الصورة لا ينبغي أن تقرأ بوصفها تمثيلا واقعيا ثابتا، وإنما باعتبارها بناء رمزيا يعبر عن النسق القيمي الذي سعت الحكاية الشعبية إلى ترسيخه داخل الوعي الجمعي.

ومن جهة أخرى، أبرزت المقاربة المقارنة أن تمثلات الحب تعرف تحولا واضحا بين الحكاية الشعبية والرواية العربية والمغاربية؛ فبينما ينزع الخطاب الشعبي إلى تقديم الحب باعتباره قيمة أخلاقية ضامنة لاستقرار الجماعة، تميل الرواية الحديثة إلى مساءلة هذه القيمة وربطها بإشكالات الحرية والسلطة والجسد والهوية، وهو ما يؤكد أن الحب ليس مفهوما ثابتا، وإنما بناء ثقافي يتغير بتغير المرجعيات الفكرية والاجتماعية.

وعليه، فإن الحكاية الشعبية المغربية تظل مجالا خصبا للدراسة النقدية، ليس فقط لما تتضمنه من عناصر جمالية وسردية، وإنما لما تختزنه من أنساق ثقافية ورمزية تسهم في فهم تمثلات المجتمع المغربي لقضايا الإنسان والعلاقات الاجتماعية. كما تؤكد هذه الدراسة أن المقاربة الثقافية تمثل مدخلا معرفيا فاعلا لإعادة قراءة التراث الشعبي والكشف عن دلالاته العميقة، بعيدا عن الاقتصار على الوصف أو التوثيق، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام البحث العلمي في الأدب الشعبي المغربي.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن جملة من النتائج، يمكن إجمالها كالآتي:

أكدت الدراسة أن الحكاية الشعبية المغربية تمثل خطابا ثقافيا يحمل منظومة متكاملة من القيم والتمثلات، ولا يقتصر دورها على الوظيفة الترفيهية.

أن الحب في حكاية "الحب يصنع المعجزات" يمثل البنية الدلالية المحورية التي تنتظم حولها الشخصيات والأحداث، بما يجعله القوة المحركة للبناء السردي.

أن الحب في المتخيل الشعبي المغربي يرتبط بقيم الوفاء والإخلاص والصبر والتضحية أكثر من ارتباطه بالرغبة أو البعد العاطفي المجرد.

أن الشخصية النسوية تؤدي دورا مركزيا في تحقيق الخلاص واستعادة التوازن داخل الحكاية، وهو ما يعكس المكانة الرمزية التي تمنحها الثقافة الشعبية للمرأة.

كما أبرزت الدراسة أن العنوان يؤدي وظيفة تأويلية مهمة، إذ يوجه المتلقي إلى إدراك الحب باعتباره قوة قادرة على تجاوز المستحيل وتحقيق التحول.

بينت المقاربة المقارنة أن تمثلات الحب تختلف بين الحكاية الشعبية والرواية العربية والمغاربية، تبعًا لاختلاف المرجعيات الثقافية والاجتماعية والفكرية.

أكدت الدراسة أن توظيف أدوات النقد الثقافي والسرديات يتيح قراءة أكثر عمقًا للحكاية الشعبية، ويسهم في الكشف عن الأنساق المضمرة التي تشكل بنيتها الدلالية.

كما خلصت إلى أن الحكاية الشعبية المغربية تمثل مصدرا مهمًا لفهم الذاكرة الثقافية والهوية الجماعية، بما تختزنه من رؤى حول الإنسان والعالم والقيم.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يمكن تقديمها على النحو التالي:

توسيع دائرة الدراسات الأكاديمية التي تتناول الحكاية الشعبية المغربية من منظور النقد الثقافي، وعدم الاكتفاء بالمقاربات الفولكلورية التقليدية.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الحكاية الشعبية المغربية ونظيراتها في الثقافات العربية والإفريقية والمتوسطية، للكشف عن أوجه التفاعل والتأثير المتبادل.

توظيف المناهج السردية الحديثة، ونظريات التلقي، والدراسات الثقافية في تحليل الخطاب الشعبي، بما يسمح بالكشف عن أبعاده الجمالية والرمزية.

العناية بجمع الحكايات الشعبية المغربية وتحقيقها وتوثيقها وفق أسس علمية، حفاظًا عليها باعتبارها جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية.

إدماج نماذج مختارة من الحكاية الشعبية في البرامج الجامعية، لما توفره من إمكانات معرفية في دراسة السرد والثقافة والهوية.

إنجاز دراسات متخصصة حول تمثلات المرأة والرجل، وقيم الأسرة، والسلطة، والهوية، والحب في التراث الحكائي المغربي، بما يسهم في بناء معرفة أكثر عمقًا بالثقافة الشعبية.

الإفادة من التراث الحكائي في ترسيخ قيم الحوار والتسامح والوفاء والتضامن، وتعزيز الوعي بأهمية الموروث الثقافي في بناء الهوية الوطنية وصون الذاكرة.

***

د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

البنية الدلالية والجمالية في قصيدة " يقين الطين".. مقاربة نقدية تأويلية...

ينتمي نص "يقين الطين" إلى قصيدة النثر العربية الحديثة التي تجاوزت البنية الغنائية المباشرة لتؤسس فضاءً تأويلياً قائماً على الرمز والاستعارة والرؤية الفلسفية. ولا ينشغل النص بسرد حكاية علاقة بين رجل وامرأة بقدر ما يعيد مساءلة أنساق السلطة الذكورية وحدود المعرفة والصراع بين المادي والروحي، وبين الامتلاك والحرية. الشاعرة تجعل من العلاقة الإنسانية مدخلاً للكشف عن اختلاف جوهري في الرؤية إلى العالم، حيث يقف "يقين الطين" بوصفه يقيناً مادياً مغلقاً في مواجهة الذات الشاعرة التي تنتمي إلى فضاء التأويل واللامحدود. وانطلاقاً من هذه الطبيعة الفنية والدلالية للنص تقتضي مقاربته اعتماد منهج وصفي تحليلي تأويلي يرتكز على القراءة النصية الداخلية ويستفيد من أدوات التحليل البنيوي والأسلوبي والرمزي للكشف عن آليات إنتاج المعنى وصولاً إلى قراءة نقدية تقويمية تستأنس بمفاهيم النقد الأدبي الحديث...

وبناءً على ذلك، يبدأ التحليل باستقراء البنية الدلالية للنص، ولا سيما صراع الرؤيتين الذي ينتظم حوله البناء الدلالي.

يقوم النص على ثنائية مركزية تحكم جميع مشاهده، هي ثنائية الرجل الواقعي/المرأة الرؤيوية.

فالرجل يقدم بوصفه ابن الأرض والحساب والمنفعة عالمه محدد بقياس الأشياء وإنتاجها وامتلاكها، بينما تنتمي الذات الشاعرة إلى عالم الرموز والإشارات والذاكرة والغياب.

يتجلى ذلك منذ البداية في وصفه:

"كان فلاحاً ماهراً في جني الثمار"

فالصفة لا تحمل معنى العمل الزراعي وحده، وإنما تؤسس لوعي براغماتي يقيس العالم بالعائد المادي.

في المقابل، تعلن الذات منذ اللحظة الأولى أن جوعها ليس جوعاً مادياً:

"إنّ بي مجاعةً لكلامٍ لم يقله أحد."

وهنا يتحول الجوع من حاجة بيولوجية إلى فراغ وجودي فيصبح الكلام غذاءً للروح، بينما يعجز الرجل عن فهم هذا المستوى من الاحتياج فيشير إلى مخازنه الممتلئة بالقمح.

إن هذه المفارقة تؤسس للصراع الحقيقي في النص: اختلاف اللغة التي يتحدث بها كل من الطرفين...

وإذا كانت البنية الدلالية قد كشفت عن صراع الرؤيتين، فإن البنية الرمزية تمثل الأداة الفنية التي يتجسد من خلالها هذا الصراع.

يكاد النص بأكمله يقوم على شبكة من الرموز التي تتجاوز معناها المباشر.

فالقمح والرغيف والبيدر والسياج والطين ليست مجرد مفردات ريفية، بل علامات ثقافية.

القمح يرمز إلى الوفرة المادية والرغيف يمثل محاولة شراء الصمت.

أما الطين فيغدو رمزاً لليقين المغلق الذي لا يرى سوى الواقع المحسوس.

بينما تتحول الغيمة إلى رمز معاكس تماماً. حين يرى الرجل فيها ماءً وخصباً، ترى الشاعرة فيها:

"وجه أمي الراحلة."

وبذلك يتجسد اختلاف الرؤية: الرجل يرى وظيفة الشيء.

المرأة ترى ذاكرته. فالمشهد لا يتحدث عن غيمة، بل عن طبيعة الإدراك نفسه....

وإذا كانت الرمزية وبناء المجاز الكلي يشكلان الإطار الدلالي للنص، فإن الصورة الشعرية تمثل تجسيده الفني متجاوزةً وظيفتها الزخرفية إلى إنتاج المعنى وتعميق الرؤية. الصورة في هذا النص ليست أداة تجميل بل أداة تفكير.

ومن أجمل صور القصيدة قولها:

"جلستُ في ركن الغرفة كمخطوطة عتيقة هجرتها الحروف."

هذه الصورة لا تصف الحزن فقط، وإنما تكشف عن أزمة الهوية.

فالمخطوطة بلا حروف لا تفقد جمالها فقط، وإنما تفقد إمكانية قراءتها. وكذلك الذات، فهي موجودة جسداً، لكنها معطلة دلالياً.

وتبلغ الصورة ذروة كثافتها في الخاتمة:

"التي ترقد جواره... جسد يمكن حيازته."

إذ تتحول المرأة من كيان إنساني إلى شيء قابل للامتلاك.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها، لأن القيد مصنوع من الذهب، أي من أكثر المعادن قيمة، لكنه يظل قيداً...

وإذا كانت الصورة الشعرية تنهض بتكثيف الرؤية وتجسيدها، فإن الزمن النفسي وبنية السرد الشعري يسهمان في تنظيم حركة النص وتنامي دلالاته.

تقوم القصيدة على تتابع سردي، لكنها لا تعتمد الحبكة التقليدية. فالقصيدة تتحرك عبر سلسلة من المشاهد:

الرغيف. الغيمة. الأفق. المخطوطة. القيد. كل مشهد يكشف مستوى جديداً من العلاقة.فالزمن هنا ليس زمن الأحداث، بل زمن الوعي.ولهذا تتكرر صيغة:

"حين..."و "عندما..." لا لتحديد وقت وقوع الحدث، وإنما للإشارة إلى تطور الإدراك الداخلي ....

وإذا كان الزمن النفسي قد أسهم في بناء حركة التجربة الشعرية، فإن اللغة وانزياحاتها تمثل الوسيط الفني الذي تتجسد من خلاله تلك التجربة. لغة النص بسيطة ظاهرياً لكنها شديدة الانزياح. فالجمل قصيرة والألفاظ مألوفة، غير أن العلاقات بينها غير مألوفة. ومن ذلك:

"جاءت لتتفقد منفضة رمادي."

فالغيوم لا تتفقد المنافض والأمهات الراحلات لا يعدن بهذا الشكل.لكن الاستعارة هنا تكسر منطق الواقع لتصنع منطق الذاكرة. كما أن عبارة:

"قرأ في عيني تاريخ الصلاحية."

تستعير قاموس السلع الاستهلاكية لتصف نظرة الرجل إلى المرأة، فيتحول الإنسان إلى منتج له مدة استعمال. وهو انزياح يكشف البعد النقدي للنص...

وإذا كانت اللغة بانزياحاتها قد أسهمت في تشييد الرؤية الشعرية، فإن هذه الرؤية تفضي إلى الكشف عن البعد النسوي الذي يشكل أحد المرتكزات الفكرية للنص. لا يطرح النص خطاباً نسوياً مباشراً، بل يقدم نقداً عميقاً للبنية الذكورية.

فالرجل لا يبدو شريراً. إنه حنون أحياناً. يعطي الرغيف. يمسح الغبار. يأتي بالمصباح. لكنه يفشل في إدراك المرأة باعتبارها ذاتاً مستقلة. ولهذا يريد:

"امرأة يحدها الجدار."

بينما تصف الذات نفسها بأنها:

"تيهاً كاملاً يسير على قدمين."

فالتيه هنا ليس ضياعاً، بل اتساع وجودي لا يمكن احتواؤه داخل جدار ...

وفي ضوء ما تكشف عنه البنية الدلالية والفكرية يغدو العنوان مفتاحاً تأويلياً يختزل الرؤية المركزية للنص ويؤطر مسارات قراءته. يحمل عنوان القصيدة: "يقين الطين" قيمة تأويلية كبرى. فالطين في الثقافة الإنسانية هو مادة الخلق الأولى، لكنه هنا يتحول إلى رمز للثبات والانغلاق.

واليقين الذي يمتلكه الرجل ليس يقين المعرفة، بل يقين الامتلاك. ولهذا يصبح العنوان مفارقة، لأن اليقين عادة يرتبط بالحقيقة، بينما يقين الرجل يقوده إلى الوهم الأكبر في نهاية القصيدة:

"يظن أن التي ترقد جواره... جسد يمكن حيازته."

إذن يقين الطين ليس يقيناً، بل شكل من أشكال الوهم...

وانطلاقاً من مركزية العنوان في توجيه أفق التأويل يمتد البناء الدلالي للنص عبر شبكة من التناصات الثقافية التي تثري رؤيته وتعمّق أبعاده المعرفية والجمالية. يستثمر النص عدداً من المرجعيات دون إعلان مباشر.

فالطين يستدعي الأسطورة الدينية للخلق. والقمح يستدعي رمزية الخصب والحياة. والسياج يعيد إنتاج صورة الحدود بين الذات والآخر.

أما المخطوطة فتفتح باب التناص مع الثقافة والذاكرة والنصوص المنسية.

وهذا التناص يظل ضمنياً، مما يمنح القصيدة كثافة دلالية عالية...

و استكمالاً للعناصر البنائية السابقة يتجلى الإيقاع الداخلي بوصفه مكوِّناً جمالياً ينسق حركة الدلالات ويعزز وحدة النسيج الشعري . على الرغم من غياب الوزن الخليلي، فإن النص يحقق إيقاعه عبر: التكرار التركيبي. التوازي. التدرج السردي.الإيقاع الدلالي. ويتجلى ذلك في تكرار:

"كان..."

الذي يحول الرجل إلى نموذج ثابت، في مقابل حركة الذات التي تتغير باستمرار...

وبعد استجلاء البنية الفنية والجمالية للنص تقتضي المقاربة الانتقال إلى القراءة الفلسفية للكشف عن الأنساق الفكرية والرؤى الوجودية التي تؤطر تجربته الشعرية.

يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها مواجهة بين تصورين للوجود:

الأول يؤمن بأن الحقيقة هي ما يقاس ويمتلك يزرع ويحصد.

والثاني يرى أن الحقيقة تكمن في الذاكرة واللغة والحلم والغياب.

ولهذا فإن الصراع ليس بين رجل وامرأة، بل بين نمطين من الوعي.

إن الرجل يعيش داخل يقين الأشياء. أما الشاعرة فتعيش داخل أسئلة المعنى. ولهذا تنتهي القصيدة دون مصالحة، لأن المشكلة ليست أخلاقية، بل إبستمولوجية، أي متعلقة بطريقة معرفة العالم...

وإثر استجلاء الأفق الفلسفي للنص، تقتضي المقاربة إضاءة نتائجه في ضوء النقد الأدبي الحديث، بما يتيح اختبار فاعلية هذه الرؤية ومساءلتها ضمن أفق نقدي أوسع. تتلاقى هذه القصيدة مع ما يذهب إليه الناقد الفرنسي رولان بارت حين يقول:

"اللغة ليست أداة للتعبير، بل هي الفضاء الذي ينتج المعنى."

ويبدو هذا التصور واضحاً في النص، فالمعنى لا يعطى جاهزاً، بل يتولد من شبكة العلاقات بين الصور والرموز. إن الغيمة، والطين، والرغيف، والقيد، لا تؤدي وظيفة وصفية، وإنما تنشئ نظاماً رمزياً يجعل القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة وهو ما ينسجم مع التصور البنيوي وما بعد البنيوي للنص الأدبي بوصفه فضاءً مفتوحاً للتأويل....

وانتهاءً إلى ما أفضت إليه هذه المقاربة الوصفية التحليلية التأويلية. يمكن استخلاص جملة من النتائج التي تجمل الرؤية النقدية للنص وتقوم منجزه الجمالي والدلالي . وفي هذا الإطار، تقدم الشاعرة مرشدة جاويش في "يقين الطين" نصاً شعرياً بالغ النضج تتداخل فيه الرؤية الفلسفية مع الحس الإنساني، وتتآزر فيه الرمزية والانزياح والسرد الشعري، والتكثيف الدلالي لتشييد قصيدة تتجاوز تجربة العلاقة الثنائية إلى مساءلة أنماط الوعي والسلطة والامتلاك. وتنبع قوة النص من قدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز كونية، بحيث يغدو "الطين" موقفاً معرفياً و"الرغيف" خطاباً للهيمنة، و"القيد الذهبي" استعارة مكثفة لكل أشكال التملك المقنع بالعطاء. ومن ثم تفرض القصيدة نفسها نصاً مفتوحاً على قراءات متعددة وتؤكد أن الشعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد تشكيله عبر اللغة والرؤية…

***

من إنجاز فاطمة عبدالله 

...................

يَقينُ الطِّين

الرجلُ الذي مَشطَ أطرافَ جَديلتي

كانَ فلاحاً ماهراً في جَنيِ الثمار

يَعرفُ مَواقيتَ الزرعِ

وكم بَيدراً يَكفي لِسدِّ جُوعِ الشتاء

أهداني رَغيفاً دافئاً لِيشتريَ صَمتي

وحينَ قُلتُ له: إنّ بي مَجاعةً لكلامٍ لمْ يقُلهُ أحد

أشارَ إلى مَخازنهِ المَملوءةِ بالقَمح

إذا رَأى غَيمةً تَعبُرُ فوقَ سَقفِنا

حَسبَ حِصّتهُ من الماءِ ونَصيبَ حَديقتهِ من الخِصب

دون أن يَدريَ أنّ الغيمةَ وجهُ أُمي الراحلة

جاءتْ لِتتفقدَ مَنفضةَ رمادي

عِندما نَظَرتُ إلى الأُفقِ وقُلتُ: الخَديعةُ تَبدأُ من الخَطِّ الفاصلِ بَينَ السَّماءِ والأرض

أَحضَرَ سِياجاً بَاسِقاً

وتَدثَّرَ بِيَقينِ الطينِ الذي يَملكُه

كانَ يَحسبُ أَنَّ الأَرضَ هي هَذهِ التي يَطأُها بحِذائهِ الثَّقيل

وأنَّ السَّماءَ سَقفٌ مَرفوعٌ لِحمايةِ بَيتِه

حينَ جَلستُ في رُكنِ الغُرفةِ كَمخطوطةٍ عتيقة هَجرتها الحُروف

جاءَ بِمِصباحِ زيتٍ

مَسح الغُبارَ عن وجهي

وقَرأَ في عَينيَّ تاريخَ الصَّلاحيةِ وعُمرَ الشَّباب

كان يُريدُ امرأةً يَحدُّها الجِدار

وتَكفيها الحكايةُ التي يقُصُّها عند المساء

بينما كُنتُ تيهاً كاملاً يَسيرُ على قَدمين

طَوَّقَ مِعصمي بقيدٍ من الذَّهبِ الخالص

أَقْفلَ الأبوابَ جيّداً

اطمأَنَّ إلى تمامِ الرِّبح

ونامَ ملءَ جُفونهِ

يظُنُّ أنَّ الَّتي تَرقدُ جِوارهُ.. جَسدٌ يُمكنُ حِيازتُه!!

***

مرشدة جاويش

 

عند القاصة التونسية نجوى العريبي

تتأسس المعمارية الهيكلية لمجموعة الكاتبة التونسية نجوى العريبي "استووا... يرحمكم الله" على استراتيجية التناوب السردي؛ فالكاتبة لا تلتزم بنمط حجم موحد، اذ تخضع المتلقي لمراوحة بنائية مستمرة بين القصص القصيرة والقصص القصيرة جدا. هذا التناوب يوجّه حركة الوعي ويحدد طبيعته داخل النصوص.

تضم المجموعة ثلاثين نصا، تتوزع منها عشرة نصوص قصيرة جدا، وعشرون نصا متوسط الطول أو طويلا، مما يخلق إيقاعا يقوم على التعاقب بين النفس الممتد والومضة الخاطفة. ويمكن قراءة هذا الترتيب بوصفه هندسة سردية توحي بقصدية تنظيمية، حيث ينتقل القارئ بين استغراق الحكاية وصدمة الومضة.

1. القصص القصيرة: فضاء الامتداد وتشكل الوعي

في هذا المسار من التناوب السردي (ويتمثل في نصوص مثل: "للذاكرة رائحة"، "مثنى وثلاث و... ، "الغلالة الحمراء"، "مراودة"، "صفقة"، "الزمن المسروق"، "مطر"، وغيرها)، تمنح الكاتبة السرد مساحة جغرافية وزمنية كافية تتيح للشخصيات والأحداث النمو العضوي.

آليات تشكل الوعي

ينبسط الوعي هنا بشكل أفقي وعمودي، مستفيداً من المساحة الزمنية لتفعيل التداعيات الحرة والارتداد إلى الماضي. ففي قصة "للذاكرة رائحة، يتسع النص لست صفحات يتشكل عبرها وعي الجدة من خلال حاسة الشم (رائحة الكسكسي ومكوناته) وحاسة السمع (أغاني المهد وتكبيرات المؤذن) ليعوض انطفاء الحاضر وضياع الذاكرة الفعلي. فالمرض لا يُهزم بالدواء، بل باستدعاء الطقوس اليومية التي تختزنها الذاكرة الحسية، حيث يصبح الطبخ طقساً ذاكرياً يعوض غياب الابن واستلاب الزمن.

وفي "الغلالة الحمراء"، يمتد الوعي عبر مونولوج داخلي يفكك انهيار البطل وتأرجحه بين ذعر الكابوس وطمأنينة اليقظة، ليكشف عن تفكك الذات تحت وطأة الفعل الأخلاقي المشين. وفي "الزمن المسروق"، تنتقل الذاكرة بين زقاق "عين دوارة" في نابل ومدينة "ليون" في فرنسا، لتكشف الفجوة بين الذاكرة الحية والذاكرة المستعادة في المنفى، وتقارن بين رائحة الطبخ في الزقاق التونسي ورائحة المطر في ليون الباردة، مسلطة الضوء على اغتراب الذات في فضاءات الحداثة.

وفي "مطر"، يمتد النص عبر استحضار المطر بوصفه ذاكرة وهوية واغتراب، حيث يبلل المطر كل شيء حتى الهذيان نفسه   وفي "مراودة، يتشكل وعي البطل في مونولوج متشظٍ، ينتقل بين كونه مواطنا بصفة "لا شيء" وبين كونه مشهورا بين عشية وضحاها، ليظهر كيف تحوّل الفعل العابر إلى مادة إعلامية تستهلك الذات وتفككها.

الوظيفة البنائية

يسمح الامتداد النسبي ببناء العمق السيكولوجي والتطور الاجتماعي. نرى تحول الشخصية وتراكم أزماتها عبر الزمن. وهذا الامتداد يسهم في بناء البعد الأنتروبولوجي للمجموعة، حيث ينبثق النقد الاجتماعي من تفاصيل الحياة اليومية، لا عبر خطاب مباشر. فالامتداد الزمني يتيح للكاتبة كشف سلطة المال والجسد والدين والإعلام من خلال تراكم المشاهد والتفاصيل، ويمنح القارئ مساحة للتعاطف مع الشخصيات وفهم تعقيداتها.

2. القصص القصيرة جداً: اقتصاد اللغة وتكثيف الوعي الصادم

في الشق المقابل من التناوب السردي، تنتقل العريبي نحو نصوص مجهرية شديدة القصر (مثل: "استووا... يرحمكم الله"، "فنان الغلبة"، "دم"، "مشهد"، "مغالطة"، "خيبة"، "عقاب"، "صدمة"، عرض"، و"إخلال")، حيث يتلاشى الامتداد المشهدي ليحل محله الاختزال الحاد.

آليات الوعي المكثف

لا توجد هنا مساحة لتمفصل الوعي وتفرعه الحواسي. نحن أمام بؤرة وعي خاطفة وموجهة تختزل المأساة في لقطة واحدة. الوعي هنا اندفاعي ومباشر، يتجه بسرعة نحو المفارقة الختامية الصادمة. ففي "استووا"، يُختزل التناقض بين القداسة والرغبة في مشهد واحد: الإمام المنبهر بجمال الصبية والذي يتلو بعدها "استووا يرحمكم الله". وفي "خيبة"، يُختزل العبث في هبة ريح تخطف ورقة يانصيب رابحة، ليكشف عن هشاشة الأمل أمام تدخل القدر الأعمى.

في "صدمة"، يُختزل الجشع في مشهد اكتشاف المال المفتت في مرتبة العجوز الميتة، حيث يتحول الإنسان في مرضه إلى فأر يخبئ ثروته في جحر. وفي "عقاب"، يطلب الرجل رغيفاً فيُنتزع قلبه ولسانه وتُداس الرغيف، لتتجسد الطمع الذي يدمّر جوهر الإنسانية. وفي "فنان الغلبة"، يحضر الرجل تأبينه ويضحك، ثم يختم النص بـ"عاش يشتهي تمرة"، محوّلاً الموت إلى مهزلة وجودية.

الوظيفة البنائية

تعمل هذه الومضات بوصفها مشرط تشريح يفضح عيوب المجتمع أو عبثية القدر بضربة لغوية واحدة. .لقطات فوتوغرافية تثبت اللحظة وتعرّيها، دون حاجة إلى سياق أو تمهيد، تاركة القارئ أمام صدمة المفارقة التي لا تترك له مجالاً للتهرب. وهذه الوظيفة تمنح المجموعة حدتها النقدية والشعرية، حيث تختفي الشخصيات المركبة ليحل محلها النموذج أو المثل، ويتحول السرد إلى حامل لفكرة أو موقف فلسفي أو أخلاقي.

 3. التناوب السردي: جمالية المفارقة وخلخلة التلقي

تكمن القيمة الأسلوبية العليا في المجموعة في آلية الانتقال والتبادل بين هذين القالبين، وهو تناوب ينتج أثرا جماليا ونقديا مزدوجا.

أ. خلخلة أفق توقع القارئ

ينتقل المتلقي من قصة ممتدة تستلزم منه الاستغراق العاطفي ومتابعة التفاصيل الحسية واليومية المعقدة، ليصطدم فورا بنص برقي مكثف يطالبه باليقظة الذهنية وتفكيك الرمز التراثي والأسطوري السريع. هذا التناوب يحد من الرتابة السردية، ويسهم في تجديد الإيقاع القرائي، ويجعل المتلقي في حالة ترقب دائمة، حيث لا يعرف إن كان النص التالي سيمنحه مساحة للغوص في التفاصيل أم سيفاجئه بصدمة موجزة.

ويمكن قراءة ترتيب النصوص بوصفه إيقاعاً محسوبا: افتتاح المجموعة بومضة ("استووا") يضع القارئ في حالة يقظة، ثم تتراكم القصص الطويلة في الوسط لتمنح المتن ثقله الحكائي، ثم تتكاثف الومضات في أقسام متفرقة لتسرع الإيقاع وتكسر رتابة الامتداد، وتنتهي المجموعة بومضات متتالية تضرب القارئ كصاعق أخير. هذا التوزيع يوحي باستراتيجية تناوب سردي تهدف إلى إدارة توقع القارئ وإيقاع قراءته.

ب. انعكاس لتشظي الواقع البشري

يعكس هذا التناوب الهيكلي طبيعة الوعي الإنساني المعاصر؛ فنحن نعيش حياتنا بين امتداد الذاكرة وثقلها التاريخي والاجتماعي من جهة (تمثله القصص الطويلة: الحنين، التفاصيل اليومية، تراكم المعاناة، الزقاق، الحجر، التراث الأندلسي، رائحة الطبخ والكسكسي، المطر كذاكرة)، وبين سرعة وخاطفة المآسي اليومية والصدمات العبثية المفاجئة من جهة أخرى (تمثلها الومضات: الموت، الفضائح، خيبات الأمل، العبث، ازدواجية القداسة، الريح التي تخطف الحلم، المال المخبأ في الجحر).

ج. التكامل الموضوعي بين القطبين

رغم اختلافها الشكلي، تلتقي النصوص الطويلة والقصيرة في رؤية نقدية مشتركة للعالم. فالجسد والمال يتداولان في "مثنى وثلاث و..." و"صفقة" و"صدمة". والعبث والقدر يسيطران على "مراودة" و"خيبة". والذاكرة والنسيان يتصارعان في "للذاكرة رائحة" و"فنان الغلبة". والتراث والهوية يتجليان في نصوص الزقاق والحجر والمطر، بينما يختفيان في الومضات ليحل محلهما العبث المعاصر. والسلطة الدينية او المجتمعية تنكشف في "استووا" و"مشهد" و"مغالطة". والمنفى والاغتراب يطلان من "الزمن المسروق" و**"هنا وهناك" و"مطر"

وهذا التكامل الموضوعي يجعل من التناوب السردي أداة لتقديم درجات مختلفة من التعبير عن النظرة السوداوية أو الساخرة للوجود: فالقصص الطويلة تمنحنا مساحة للتعاطف مع الشخصيات وفهم تعقيداتها، بينما الومضات تمنحنا صدمة الاختراق المباشر للتناقضات دون مقدمات.

د. الاختلاف في الحجم السردي اختلاف في إدراك العالم

ليس اختلاف الحجم السردي في هذه المجموعة  مجرد اختلاف في البناء. هو اختلاف في طريقة إدراك العالم. فالقصص الطويلة تنظر إلى الواقع باعتباره عملية زمنية تتشكل بالتراكم والامتداد، حيث المعنى يبنى عبر الزمن وتراكم التفاصيل. أما الومضات فتنظر إلى العالم باعتباره سلسلة من الانقطاعات والمفارقات، حيث المعنى ينكشف في لحظة صدمة واحدة. هذا التباين في الإدراك يجعل التناوب السردي نفسه رؤية للوجود، لا مجرد تقنية تنظيمية: فالحياة كما تقدمها المجموعة هي حركة بين التراكم والانقطاع، بين البطء والخطف، بين استمرارية المعاناة وفجائية الصدمة.

خاتمة تركيبية

يتكامل امتداد النص واختزاله في متن نجوى العريبي لتشكيل بنية سردية دائرية ومصقولة؛ فالقصص الطويلة تسهم في بناء البعد الأنثروبولوجي والاجتماعي والسيكولوجي للمجموعة من خلال الحركة الحرة للحواس والذاكرة، وبناء الشخصيات المركبة التي تتغير وتتطور عبر الزمن، واستعراض تفاصيل الحياة اليومية بوصفها طقوساً مقاومة للنسيان والاغتراب. بينما تمنحها القصص القصيرة جداً حدتها النقدية والشعرية، من خلال التكثيف الرمزي والمفارقة الخاطفة التي تفضح تناقضات المجتمع والوجود دون مهلة للتهرب. وبذلك، يغدو التناوب السردي في المجموعة تجسيداً لرؤيتها إلى العالم: واقع يتأرجح بين بطء المعاناة وفجاءة الفجيعة، بين ثقل الماضي وخفة اللحظة، بين عمق الحكاية وبرق الومضة. والكاتبة، بهذه الهندسة المدروسة، تمنح القارئ تجربة جمالية ونقدية مزدوجة: متعة الغوص في التفاصيل، وصدمة المواجهة مع العبث.

***

بقلم: سعيف علي الظريف

ليس الاستشراق ظاهرةً معرفيةً بريئة نشأت بدافع الفضول العلمي الخالص، كما أنه ليس مؤامرةً واحدةً متماسكة يمكن اختزالها في قصدٍ سياسي واحد؛ بل هو حقلٌ معرفيٌّ مركب، تشابكت فيه إرادةُ الفهم مع إرادة النفوذ، والتوثيق مع التمثيل، والبحث الأكاديمي مع المصالح الإمبراطورية. ومن هنا جاءت الحاجة إلى ما يُعرف بـ النقد الاستشراقي، أي مراجعة الخطاب الذي أنتجه المستشرقون عن الشرق، وتحليل منطلقاته المعرفية، وكشف أنساقه الثقافية، وتمحيص نتائجه العلمية.

لقد أسهم كثير من المستشرقين في تحقيق المخطوطات، وإحياء النصوص، ودراسة اللغات الشرقية، والبحث في التاريخ الإسلامي والفلسفة العربية، وهي جهود لا يجوز إنكار قيمتها العلمية. غير أن هذه المنجزات لم تكن، في كثير من الأحيان، بمنأى عن تصوراتٍ مسبقة جعلت الشرق موضوعاً للدراسة أكثر منه شريكاً في إنتاج المعرفة، وكياناً جامداً خارج التاريخ أكثر منه حضارةً حيةً قادرةً على التجدد.

ومن هنا انطلق النقد الاستشراقي، لا ليُدين كلَّ ما كتبه المستشرقون، وإنما ليكشف أن المعرفة ليست منفصلة عن السلطة، وأن الصورة التي يرسمها الباحث عن الآخر قد تُعبِّر عن ثقافته بقدر ما تُعبِّر عن موضوع بحثه. وقد كان المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أبرز من بلور هذا المنظور في كتابه الاستشراق، حين رأى أن الاستشراق لم يكن مجرد تخصّص أكاديمي، بل خطاباً ثقافياً ساهم في بناء صورةٍ متخيَّلة عن الشرق بوصفه فضاءً للغرابة والجمود والعاطفة، في مقابل غربٍ يُقدَّم بوصفه مركز العقل والحداثة والتقدم.

غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين الاستشراق بوصفه مؤسسةً تاريخية ارتبطت في مراحل عديدة بالمشروع الاستعماري، وبين المستشرقين أفراداً؛ فقد قدَّم بعضهم إسهامات علمية رفيعة اتسمت بالنزاهة والدقة والاحترام العميق للثقافة العربية والإسلامية، بينما وقع آخرون في أسر الأحكام المسبقة، أو سخّروا المعرفة لخدمة السياسات الاستعمارية.

إن النقد الاستشراقي الحقيقي لا يقوم على رفض الآخر لأنه "آخر"، ولا على تمجيد الذات لأنها "ذات"، وإنما يقوم على نقد المناهج، وتمحيص الأدلة، وتحرير المعرفة من الأحكام الأيديولوجية، سواء صدرت عن المستشرق أم عن الباحث العربي. فالموضوعية ليست امتيازاً جغرافياً، وإنما فضيلةٌ علمية.

واليوم، لم يعد السؤال: ماذا قال المستشرقون عن الشرق؟ بل أصبح: كيف ننتج نحن معرفةً رصينةً عن أنفسنا وعن العالم؟ إذ لا يكفي أن ننقد الصور التي رسمها الآخر، ما لم نُنتج صوراً أكثر دقةً وعمقاً وإنسانية. فالحضارات لا تُدافع عن نفسها بالشعارات، بل بالبحث العلمي، والنقد الحر، والوعي التاريخي، والانفتاح على الحوار دون تفريطٍ بالهوية أو استسلامٍ للأحكام المسبقة.

وهكذا يغدو النقد الاستشراقي، في أرقى صوره، دعوةً إلى تأسيس علاقةٍ جديدة بين الثقافات، تقوم على التكافؤ المعرفي، والاحترام المتبادل، وإدراك أن الحقيقة لا يحتكرها شرقٌ ولا غرب، وإنما تتجلى حيث يلتقي العقل بالنزاهة، والعلم بالحرية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مقدمات في سياق خلخلة آليات اشتغال قصيدة النثر الحداثية

ليست قصيدةُ النثر الحداثية تمريناً على كسر الوزن، ولا مغامرةً شكليةً تستبدل البحر بالفراغ، وإنما هي محاولةٌ جذريةٌ لإعادة تعريف الشعر بوصفه حدثاً معرفياً وجمالياً، تتواطأ فيه اللغة مع الرؤيا لإنتاج عالمٍ جديد، لا لنقل العالم القائم. فالشعر، كما رأى مارتن هايدغر، ليس وصفاً للأشياء، بل هو المسكن الذي تقيم فيه الحقيقة حين تتجلى في اللغة، ولذلك لا تقاس قيمة القصيدة بما تهدمه من أنظمة عروضية، وإنما بما تؤسسه من أنظمة دلالية وجمالية قادرة على إحداث الرجفة في الوعي.

ومن هنا تأتي أهمية القراءة الإمبريقية لقصيدة النثر؛ إذ لا تنطلق من الأحكام المسبقة، ولا من التعريفات المدرسية الجامدة، وإنما من معاينة النصوص ذاتها، ورصد كيفية اشتغالها الداخلي، وكيف تتآزر مكوناتها اللغوية والرمزية والإيقاعية والأسطورية في بناء أثرها الجمالي. فالقصيدة ليست هيكلًا نظرياً، بل كائنٌ حيٌّ تنبض خلاياه بالدلالة، ويعيد مع كل قراءة إنتاج نفسه في ضوء خبرة المتلقي وثقافته وأفق انتظاره.

لقد أدرك فرديناند دي سوسير أن اللغة نظامٌ من العلاقات لا من المفردات، بينما ذهب تشارلز ساندرز بيرس إلى أن العلامة لا تحيل إلى الشيء مباشرة، وإنما إلى سلسلةٍ لا تنتهي من التأويلات. وفي هذا الأفق السيميائي، تغدو قصيدة النثر شبكةً من العلامات المتداخلة، لا يُقرأ فيها الرمز منفرداً، ولا الصورة مستقلة، ولا الأسطورة بوصفها زينةً ثقافية، بل باعتبارها وحداتٍ عضويةً تشترك جميعها في إنتاج المعنى، وتوسيع أفق التأويل.

ولعل أبرز ما يميز قصيدة النثر الحداثية أنها لا تقول المعنى، بل تستدرجه؛ ولا تمنحه جاهزاً، بل تخلقه عبر التوتر بين الحضور والغياب، والإفصاح والكتمان، والقول والصمت. إنها لغةٌ تنمو في مناطق الظل أكثر مما تنمو في وضوح النهار؛ ولذلك كانت، كما يرى بول ريكور، تفتح إمكاناتٍ لا نهائية للتأويل، لأن الرمز يمنح الفكر أكثر مما يمنحه التقرير المباشر.

ومن هنا لا تكون الصورة الشعرية انعكاساً للواقع، وإنما إعادةُ خلقٍ له. إنها لا تنقل الأشياء كما هي، بل كما تصبح داخل المخيلة. وقد أصاب غاستون باشلار حين رأى أن الصورة الشعرية تولد ولادةً جديدةً في لحظة القراءة، لأنها ليست استذكاراً للماضي، بل انبثاقاً للوجود في لحظة اللغة. ولهذا تتحول الاستعارة في قصيدة النثر إلى أداةٍ معرفية، لا إلى محسنٍ بلاغي، ويغدو الرمز باباً إلى طبقاتٍ خفية من الوعي، لا مجرد إشارةٍ زخرفية.

أما الأسطورة، فقد استعادت حضورها في القصيدة الحديثة لأنها تمثل الذاكرة العميقة للإنسان. فالشاعر لا يستدعي جلجامش أو بروميثيوس أو عشتار أو تموز ليزين نصه بأسماءٍ ثقافية، وإنما ليستثمر الطاقة الرمزية الكامنة فيها، فيعيد تشكيلها داخل سياقٍ جديد، فتغدو الأسطورة لغةً ثانيةً للواقع، تكشف ما تعجز اللغة اليومية عن الإفصاح عنه. وهكذا تصبح القصيدة ملتقى الأزمنة، حيث يتحاور الماضي مع الحاضر، والأسطورة مع التاريخ، والفرد مع المصير الإنساني.

غير أن الركيزة الأشد التباساً في قصيدة النثر تبقى الموسيقى؛ إذ ما يزال كثيرون يظنون أن الشعر يبدأ بالوزن وينتهي عنده، مع أن الوزن ليس إلا أحد أشكال الإيقاع، وليس الإيقاع كله. لقد ميز النقد الحديث بين الموسيقى الخارجية التي تنتجها البحور، والموسيقى الداخلية التي تنبثق من العلاقات الدقيقة بين الأصوات والكلمات والجمل والصور والدلالات.

فالموسيقى في جوهرها ليست عدداً من التفعيلات، وإنما حركةٌ خفيةٌ في نسيج اللغة. إنها تنشأ من التكرار، والتوازي، والتدوير، والتقديم والتأخير، والتوتر بين الجملة الطويلة والقصيرة، وبين الصمت والكلام، وبين الامتلاء والفراغ. ولعل هذا ما قصده ابن خلدون حين جعل الشعر الحقيقي هو ما يحدث في النفس "هزّاً"، لأن جوهر الشعر ليس انتظام الأصوات وحدها، بل قدرتها على إيقاظ الوجدان.

إن الوزن يمنح القصيدة جسداً، أما الإيقاع فيمنحها روحاً. وقد يجتمعان، وقد يفترقان، غير أن الروح تبقى أسبق من الجسد في الفن العظيم. ولذلك استطاعت قصيدة النثر أن تبتكر موسيقاها الخاصة، تلك الموسيقى التي لا تُسمع بالأذن وحدها، وإنما تُدرك بحساسية القراءة، إذ تتولد من حركة الدلالة، ومن تعاقب الصور، ومن انسياب الجمل، ومن التنفس الداخلي للنص.

وليس من المصادفة أن يربط الفيلسوف إرنست كاسيرر الإنسان بقدرته على إنتاج الرموز؛ فالإنسان لا يعيش في عالم الأشياء وحدها، بل في عالم الأشكال الرمزية. وقصيدة النثر هي إحدى الذرى التي تبلغها هذه القدرة؛ إذ تتحول اللغة فيها إلى كونٍ رمزي، يتجاوز التسمية إلى الكشف، والإخبار إلى الإيحاء، والوصف إلى الخلق.

إن خلخلة آليات اشتغال قصيدة النثر لا تعني تفكيكها بغرض هدمها، وإنما الكشف عن قوانينها الداخلية، التي تختلف عن قوانين القصيدة العمودية، لكنها ليست أقل صرامةً منها. فالفوضى ليست حرية، والغموض ليس عمقاً، والتشظي ليس حداثة. إن النص الحداثي الحقيقي يمتلك نظامه الخاص، غير أن هذا النظام لا يفرض نفسه من الخارج، بل ينبثق من داخل التجربة الشعرية ذاتها.

ولهذا فإن قصيدة النثر ليست نصاً مفتوحاً على العبث، بل نصٌ مفتوح على الاحتمال؛ فهي تمنح القارئ دوراً خلاقاً، فيصبح شريكاً في إنتاج الدلالة، لا مستهلكاً لها. وهنا يتحقق ما أشار إليه هانس روبرت ياوس من أن المعنى لا يقيم في النص وحده، ولا في القارئ وحده، وإنما يولد من اللقاء الخلاق بينهما.

إن الشعرية الحديثة لا تقيس نجاح القصيدة بسلامة الوزن، وإنما بقدرتها على تأسيس دهشةٍ وجودية، تخلخل يقين القارئ، وتدفعه إلى إعادة اكتشاف العالم. فالدهشة ليست انفعالاً عابراً، بل لحظةُ ولادةٍ ثانيةٍ للمعنى، تنقلب فيها اللغة من أداة تواصل إلى أداة كشف، ومن وسيطٍ ناقل إلى قوةٍ خالقة.

وهكذا تبدو قصيدة النثر فضاءً تتعانق فيه اللغة والصورة والرمز والأسطورة والإيقاع، لتؤلف فسيفساءً جماليةً لا تستمد وحدتها من التشابه، بل من التناغم العميق بين عناصرها. إنها شعريةُ التعبير الهارب من قيد الوزن إلى أفق الإيقاع، ومن سلطة القالب إلى حرية الرؤيا، ومن حدود العبارة إلى اتساع العلامة.

ولذلك يبقى الشعر، في صورته الأصفى، ذلك الارتعاش الخفي الذي يسري في اللغة قبل أن يسري في السمع، وتلك الرعشة التي تجعل الكلمات تتجاوز معانيها المعجمية لتصبح طاقةً روحيةً تهزُّ الكيان. فإذا لم يترك النص في النفس رجفةً توقظ الوعي، ولم يفتح في القلب نافذةً على المجهول، ولم يحول اللغة إلى كائنٍ يضيء أكثر مما يقول، فإنه يظل، مهما بلغ من الصنعة، صناعةً لفظيةً جميلة، لا شعراً بالمعنى الذي يجعل الإنسان يعيد اكتشاف نفسه والعالم في آنٍ واحد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

نظرة عامة واشارات

تبدو الكتابة المعاصرة اليوم أمام تداخل واسع بين الأجناس الأدبية حتى غدت الحدود الفاصلة بين السرد والشعر والتعبير أقلّ صلابة مما كانت عليه في التصنيفات الكلاسيكية وفي هذا السياق يظهر مصطلح  /السرد التعبيري/ باعتماده تعريفاً شائعاً في بعض القراءات النقدية والمنشورات الأدبية رغم أنّه لا يحظى بإجماع نظري صارم داخل الحقول الأكاديمية. وهذا يدفع إلى إعادة مساءلة المفاهيم الأساسية:

ما السرد؟ ما التعبير؟

وما طبيعة هذا التركيب

الاصطلاحي الهجين؟

إننا نجد مفهوم حتى النثر العلمي تعبيري

والسيميائية والبنيوية حصراً بالإشارات والعلامات وتكادان تلازمان الشعر أو ماهو قريب منه.

والسرد هو فن حكائي أي قصصي والتعبير قد يكون لغة بلا أدوات فنية

ومن سؤال عن؟:

السرد التعبيري:

هو مفهوم متفق عليه/ بل غير متفق عليه؟!

من هنا أنوه بقصدية:

نحن أحياناً نقرأ في متون المنشورات المثبتة تحت عنوان

(سرد تعبيري) ...

لذلك وبكل جدية هنا سأدير فكرتي المنسلخة

عن مصطلح علماء المنطق وعن خيمة الفلسفة الغربية

وأبيّن وفق تجربتي

مامعنى "سرد"؟

ومعنى "تعبيري"؟

وبالتالي مامعنى "سرد تعبيري"؟

وذلك حتى نضع النصوص في مواضعها ونمنحها هوية الجنس المناسب من اﻷدب نحتاج الكثير والدخول إلى السيميائية والبنيوية والأهم المدارس الغربية وما تراه. والأدب العربي وتطور مراحله. إنما من خلال خميرة الفكر سنحرث معنى السرد: فهو يتبع للسردية التي تناولها الغرب ولن نحاول الدخول للحيثيات لأننا نحتاج الكثير

إنما السرد: في مفهوم السرد

والسرد في أبسط تعريفاته هو بنية خطابية تقوم على نقل حدث أو سلسلة أحداث ضمن زمنٍ محدد وفق تنظيم لغوي يسمح ببناء المعنى عبر التتابع بلا علامات الترقيم أو علامات الوقف وهذا مايميزه وهو بهذا المعنى ينتمي إلى الحقل النثري أساساً ويعتمد على الحديث بمقتضاه كإجراء لترتيب التجربة الإنسانية وتحويلها إلى خطاب ذي انسجام دلالي

وقد تطوّر مفهوم السرد في الدراسات الحديثة (البنيوية والسيميائية على وجه الخصوص) ليغدو نظاماً من العلامات والدلالات بعيداً عن كونه حكاية إذ يُنظر إليه كبنية إنتاج للمعنى ولايقتصر على النقل ولكن يتخطاه فهو إذاً أداة أوأسلوب متّبع للتعبير الإنساني من خلاله نترجم أفعالنا وسلوكياتنا وحتى أمكنتنا إلى بنية من المعاني بأسلوب السرد أي نحاول إحالة المعلومة إلى كلام مع ترتيب الأحداث بكلام له انسجامه ومعانيه وجمله وفيه لا توجد الحاجة للشرح والتكثيف أو الحشو وله أنواعه

هو إذاً مفهوم أدبي متصل بالنثر وثمرة نتاج معني بعناية الأسلوب وسياقية الجملة والفكرة والرسالة وهو الأكثر استماعاً لدى القراء باسترساله بلا تقطيع

وله أساليبه إنما الأهم هو المبدع الحقيقي الذي يُحيط ويلّم بتتابع الحلق مع بعضها وتداخلها

فالأدب أدواته الأولى اللغة مبدأ نقاء النوع

لن ندخل لفكر الغرب وتداخلاته عن ماهية السرد

أنا أكتب ماهو الأنجع والمتفق عليه وفق مانراه بالساحة الثقافية بعيداً عن التشبث بمدرسة فطرحه يحتاج نظريات ودلالات تدخلنا إلى مدارس الغرب وتأثرنا بها

أما عن التعبير:

في مفهوم التعبير، هو أوسع من السرد وأكثر مرونة منه إذ يشير إلى الطريقة التي تُصاغ بها التجربة داخل اللغة سواء كانت حكائية أم شعرية أم تأملية

فالتعبير لم يكن جنساً أدبي بقدر ما هو وظيفة لغوية تتجلى في القدرة على تحويل الإحساس والفكرة إلى خطاب قابل للتلقي

وبذلك يمكن أن يوجد التعبير داخل الشعر وداخل السرد أو حتى داخل النصوص العلمية في مستوياتها البلاغية ما دام هناك حضور للذات واللغة بمنزلتها كوسيط شعوري. فهو عرض مقنع بتقنية مستخدمة للكلام

والأهم الماهيّة والكيفية التي ارتضاها السارد المعبر شرط الغاية أي وجود علاقة بين المتكلم ولغته بجملة من العلاقات الدالة التي تستوجب علماً قائماً بذاته وهو مايقود للحديث عن السيميائية...

فللتعبير أسلوبية هي دلالة الكاتب لنجاح عمله بوحدة فنية متكاملة وكي يصل يجب أن يقدم عرض مقنع لشيء ما حدثاً وتصويراً من منظور البرهان لذلك التعبير عاري إنما وظيفي ومحض وله أنواعه وأشكاله من وصف للملهاة أو المأساة أو الرسائل أو الحوار أو..أو..

فهو وظيفة منظمة للخطاب واللعب بالألفاظ للتمكن من صناعة الكلام وتحبيره في درجات عليا ومستوى من الرفعة

إنما عن السرد التعبيري فهو تطور حقيقي بعد أن تقسّم الأدب وتردّي الأعمال الأدبية ومن خلال هذا التطور لحق النوع الأدبي الذي يرصد على مبدأ نقاء النوع فلقد غدا محور تدور عليه الأعمال الأدبية

أي فرادة هذا النوع لا يمكن البحث عنها بقدر عن سماتها المشتركة وانتماءها إلى أي نوع من الأدب..

إشكالية /السرد التعبيري/

من هنا تبرز الإشكالية:

هل /السرد التعبيري/ مفهوم نظري متفق عليه؟

الواقع أنه ليس مصطلحاً مستقراً داخل المنظومة النقدية الكلاسيكية أو حتى البنيوية الصارمة إنما هو تحديد مرن ظهر في سياقات دلالية أكثر منه تنظيرية

أي أنه لا يملك تعريفاً واحداً جامعاً لكنه يتشكل وفق استعمالات الكتّاب والنقاد خصوصاً في النصوص التي تمزج بين القول الكثيف واللغة المشحونة بالانفعال والرمز وبالتالي

يمكن اعتباره: نمطاً أسلوبياً أكثر من كونه جنساً أدبياً مستقلاً أو حالة امتزاج بين السرد بوظيفته الحكائية والتعبير بوظيفته الشعورية في تداخل الأجناس الأدبية

فتاريخ الأدب الحديث يشير بوضوح إلى أنّ الأنواع الأدبية لم تعد مغلقة فالشعر يتسرّب إلى السرد والسرد يدخل في القصيدة والتعبير يتجاوز حدوده التقليدية

وقد أشار عدد من منظّري الأدب الغربي مثل (رينيه ويلك) إلى أنّ الحدود بين الأجناس الأدبية لم تعد ذات صرامة معيارية إنما أصبحت قابلة للاختراق والتحول المستمر مما يجعل التصنيف نفسه موضع مساءلة

وهذا التداخل لا يعني انهيار الأجناس إنما إعادة تشكيلها داخل تجربة الكتابة الحديثة

رؤية نقدية

يمكن القول إنّ /السرد التعبيري/ ليس جنساً أدبياً قائماً بذاته بقدر ما هو منطقة تماس بين بنيتين:

بنية السرد بوصفه تنظيماً خبرياً

وبنية التعبير بوصفه كثافة شعورية لغوية

ومن هنا فإن قيمة هذا النمط لن تكمن في تصنيفه الصارم إنما في قدرته على إنتاج نصوص هجينة تعكس

تحولات الوعي الأدبي المعاصر لكن في المقابل يظل من الضروري نقد الإفراط في استخدام المصطلح دون ضبط منهجي لأن ذلك قد يؤدي إلى تمييع الحدود المفاهيمية وإضعاف أدوات التحليل النقدي

فالقص والشعر جنسان أدبيان لكل منهما خصائصه وتقنياته التعبيرية

والسرد خصوصية نثرية ولكن نجد أيضاً أنّ السرد تسرّب لداخل بناء القصيدة فمفهوم الجنس والنوع الأدبي في معناه الأصل يدل على الجذر أو الفصيلة التي ينتمي إليها العمل الأدبي الفني وإن كان المصطلح قد بات قلقاً في ذاته ودائم التغيير نظراً لاتساع محتواه من هنا تأتي الصعوبة حتى بالنسبة للأعمال المعينة التي يتم إدراجها تحت نوع واحد فإنها لاتسلم من التقسيم المستمر إلى أجناس فرعية وأخرى متعددة...

ونظرية الأنواع الأدبية لم تعد تحتل الصدارة الآن حتى في الدراسات الأدبية فالتمييز بين الأنواع لم يعد ذا أهمية في كتابات العصر والحدود بين النوع والنوع الآخر...

تعبر باستمرار الأنواع تختلظ أو تمتزج والقديم منها يترك أو يحول ويحلّق بأنواع جديدة إلى حد ما صار المفهوم نفسه موضع شك بتعبير أغلب مفكري الغرب مثل (رينيه ويلك)

انا برأيي التشابه بالوظائف ليس عائد فقط إلى تأثير ثقافة على أخرى إنما عائد لطبيعة العقل الإنساني في مجموعه والمهم في ذلك هو رؤيته لإمكان انتقال عناصر من جنس إلى جنس

فالسرد التعبيري هو مفهوم متفق عليه كما نوهت لكن أتصور الاختلاطات مقابل النظريات تتبع المبدع نفسه ومايرتأيه هو للمواكبة ويبقى لكل جنس مسماه مهما تطورنا والذائقة موجودة لكل الأجناس ولايمكن طمر أي جنس أو شكل أدبي إطلاقاً لكل نكهته ولكل مساره ومريديه

الطرح يحتاج الكثير من الدلالة والبرهان

لم أحاول الإقتراب لأي نظرية إطلاقاً أو دلالة إشاراتية لنظرية تأخذنا للإنضمام تحت ألويتها ولسنا بهذا الباب

إنّ /السرد التعبيري/ يمكن النظر إليه كإيضاح مرن لحالة أدبية حديثة تتقاطع فيها الأجناس وتتمازج الوظائف فهو ليس نظاماً نظرياً مكتملاً لكنه مساحة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقة اللغة بالتجربة وفي كيفية انتقال الأدب من التصنيف إلى الانفتاح

وفي النهاية تبقى قيمة هذا الطرح مرهونة بقدرته على تحفيز التفكير النقدي أبعد ما يكون عن فرض حدود جديدة إنما على تفكيك الحدود ذاتها وإعادة مساءلتها وكي أترك أيضاً مدى للرأي الآخر المؤول أمام الطرح فهو شرح لمعنى السرد التعبيري بوجهة نظر حرة ذاتية، لإثارة وحراك الفكر

***

مرشدة جاويش

 

"طارق.. الرقص مع الأفاعي!"

الدكتور عمر ظاهر خاضَ تجربةً سياسيةً خاصةً وخبرَ من خلالها المجتمع العراقي من خلال بيئته ومدينته الصغيرة التي ولد وترعرعَ فيها، ثم اختمرت هذه الخبرة الحياتية وتعمقت في بغداد، حيث أتمَّ دراسته الجامعية قبل ان يأتي إلى بلده الثاني الدنمرك لينال الدكتوراه ويشتغل في التعليم الجامعي!

وأصدر روايته البكر والوحيدة حتى الساعة، والتي أنا بصدد الكتابة عنها!

تجربة حب خائبة تدفع الطالب الجامعي ذا الانحدار الريفي، طارق، إلى البحث عن الهدوء والطمأنينة في الاستيقاظ لصلاة الفجر في المسجد كل يوم، دون أن يدري أنه بذلك يلقي بنفسه في عين إعصارٍ سياسيٍّ كان يعصف بالعراق عشية الحرب العراقية- الإيرانية.

طارق، الشاب العصامي الذي يوصل نفسه بشق الأنفس إلى الجامعة، ليشكل نقلة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ عائلته، كان يتجنب، لأسباب وجيهة، السياسة والسياسيين، يُعتقل بشبهة انتمائه لجماعة دينية سياسية معارضة، وتُوجه إليه تهمة نقل شفرات سرية لها (الجماعة).

لكنه بعد أيام من التعذيب الوحشي، وبعد إجباره على إطلاق ألفاظ بذيئة على أمه، يطلق سراحه بتدخل مباشر من مسؤول أمني. هكذا يتم إذلال الإنسان في بلد يدّعي الوطنية والإنسانية!

ويكون أول همومه بعد إطلاق سراحه أن يزور قبر أمه، فتأتي الزيارة لتقدم دليل إثبات على التهمة التي كانت قد وجهت إليه.

وحين يدرك طارق أن الموت يلاحقه، يصبح همه الأول أن يوصل دفتر مذكراته إلى من يأتمنه عليه، أحد أصدقائه الفكريين، ثم يختفي دون أثر.

ويقوم هذا الصديق، بعد أن يطلع على مذكرات طارق، وحين تتاح له أول فرصة، بتحري مصيره، يسمع بإعدامه، فيقرر أن يصل إلى حقيقة ما جرى لطارق، وذلك من خلال المفتاح الوحيد إلى قصته، تلك الفتاة التي أحبطته ودفعته إلى التدين هرباً من المشاعر الساحقة.

يعرض الصديق مذكرات طارق على شكل رواية تتناول النفاق السياسي والاجتماعي والديني في العراق منذ خمسينيات القرن الماضي، موجهاً النقد القاسي، ليس إلى السلطة وحدها أو رجال الأمن وحدهم، بل إلى الجميع، فلا ينجو من سياطه لا الشيوعيون ولا رجال الدين ولا أساتذة الجامعة، ولا حتى المواطن العادي، ولا غيرهم.

فـرواية طارق ليست عن علاقة الشعب بالسلطة في العراق، بل عن علاقة الإنسان العراقي بغيره من العراقيين، وعن موقفه من السياسة والدين والجار واليتيم والضعيف والقوي. وهذه العلاقة هي في الغالب الأعم غير إيجابية، بل يشوبها الكثير من العدوانية. ولعل عبارة "أريد أن أكسر عينه"، التي ترد على لسان أكثر من واحد من الشخصيات، خير تعبير عن هذه العدوانية.

"كسر العين" تعبير آخر عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال، وحتى الكبار انتقاماً لانتماءاتهم المختلفة، بما فيها المذهبية لتكشف الأحقاد الدفينة التي تهدد دواخل الشخصية العراقية!

والرواية أيضاً محاولة لتصوير مأساة الإنسان العراقي على ضوء ما يدور في دواخله.

وهذا ما يظهر بوضوح كبير في شخصية الفتاة التي دفعت بسلوكها الغريب طارق إلى الاستيقاظ إلى صلوات الفجر في المسجد، إذ تبرز في آخر الرواية لتلقي الكثير من الضوء على الصراع الذي يعصف بالإنسان العراقي في دواخله، الصراع بين الملائكية والشيطانية.

إن الرواية تقول الكثير عن مأساة الإنسان العراقي، لكنها تترك الحكم على أسباب هذه المأساة للقارئ.

أتركُ الباقي للقارئ للاطلاع على هذه الرواية لكي يتعرف بنفسه على جانب من المجتمع العراقي قد يكون فاتَ معظم العراقيين التفكير مليّاً به، لانشغالهم بموضوعات سياسية كبيرة ولم يدركوا متناقضاتهم!

***

د. زهير ياسين شليبه

 

وعي الاختلاف في رواية "توقيت آخر للحياة" لبشرى الهلالي

لكم وصفت الكتابة النسوية بأنها كتابة ذاتية مشبّعة بالصوت الأحادي والوعي الشعري المجازي للغة الشخصية. وقيل عن الروائيات بأنهن لا يتقن إلا كتابة سيرهن وتجاربهن، وإن الساردة العربية وإن كانت حفيدة شهرزاد فهي تجيد سرد الحكايا لكنها لا تجيد توعية النص اختلافا وتعددا، بحسب رأي "عبد الله الغذامي". بينما تفنّد التجارب الإبداعية للمرأة تلك الدعاوى وتظهر الكتابة الذاتية بأنها تتجاوز الذات إلى الاخر لتحتضن بين حروفها رومانسية الذاتي وجدلية الموضوعي الفكرية. وهذا ما يلمسه القارئ في رواية "توقيت آخر للحياة" للكاتبة والشاعرة بشرى الهلالي في تجربتها الروائية الثانية. ولكون الكاتبة قادمة من مجال قصيدة النثر  حيث حومة الجدل بين الذاتي والموضوعي، المجازي والتقريري في هذا الجنس الإبداعي، فإن البوح الذاتي الانفعالي في روايتها  قد عبّد المسافة بين الواحد والغيرية في مقاربة خطابها للتاريخ والجسد والهوية.

تسرد الشخصية الرئيسة حكايتها بضمير الأنا على قارئها. "ملك"، أديبة وصحفية تحمل همّاً وطنيا وثقافيا لكنها وفي ظل نظام سياسي وثقافي تشوبه الفوضى وغياب الأمن وصراع المصالح تضطر للرضوخ لروتين الوظيفة ومتطلبات إدارة المؤسسة التي تعمل فيها في عدم الخروج عن سياق الإذعان في عملها. وبعد أن يزهد مديرها في دورة تدريبية للصحفيين في البلد الأفريقي "اوغندا"، يقرر منحها الإيفاد. ومن لحظة ركوبها الطائرة، تبدأ في سرد رحلتها الأفريقية بالتناوب مع سيرتها الشخصية عن ماضيها في بلدها: آلامها وطموحاتها وإخفاقاتها وتجاربها العاطفية. تستثمر الساردة  البطلة أسلوب أدب الرحلة في وصفها مناظر أوغندا وأماكنها وتراثها وشخصياتها وتسجيل انطباعاتها عن افريقيا عام 2019: "لم تكن المدينة صغيرة كما خيل لي من الجو، شوارعها واسعة، تتخللها مبان القليل منها شاهق، ومعظمها مغمور بأشجار كثيفة تتخللها مبان كأنها مشيدة في حضن غابة "/ 18. والرحلة إلى أفريقيا ليست للترويح والتصوير الفني فحسب وإنما هي رحلة البحث عن معنى ومحاولة للفهم. تمثّل أفريقيا في المخيال التاريخي السياسي هيمنة الاستعمار، والفقر، والعبودية. وأفريقيا في المخيال الإبداعي هي موطن الغموض والقسوة والسحر والاسرار، فهذه القارة تختزن من الشعرية ما يفوق القارات الأخرى، وفي السفر إليها إلتحام أول بين الشعر والفكر. إن اكتشاف أوغندا بعد حقبتي الاستعمار الانكليزي والديكتاتورية هو تحليل لأوضاع العراق وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية بعد 2003 بعد حقب الديكتاتورية والاحتلال، فالنظام الدكتاتوري السابق في العراق هو مرآة لنظام "عيدي أمين"، ديكتاتور أوغندا، وأوضاع التحول الديمقراطي متشابهة في كلا البلدين في هيمنة قوى المال والسلاح والفساد. وتظل الساردة تقيم التوازنات بين العراق وإوغندا، الشرق العربي والغرب الأفريقي في حقبة ما بعد الاستعمار والديكتاتورية.

أما عن أوضاع النساء في كلا البلدين، فالأمر يأتلف تارة ويختلف من وجه آخر، يماثل العراق أوغندا في تقديس الأمومة، فتظهر المرأة السوداء وهي تصطحب طفلا في التماثيل والمنحوتات إلا ان المرأة الأفريقية المعاصرة قد اكتسبت حقوقها كاملة ولها الحق في الأمومة حتى خارج الزواج، بينما تظل العراقية المعاصرة وإن تعلمت وعملت واطلعت مقيدة بقيود القبيلة والعائلة والتي تضع شروطا صارمة لتعامل المرأة مع حقها في الحب والزواج والإنجاب. فليس من حق العراقية امتلاك جسدها ومن ثم تاريخها وذاكرتها. ورغم حاجة ملك للأمومة عند اشرافها على سن الأربعين، لكنها لم تتمكن من تحقيق حلمها في الإنجاب لأنها تزوجت سرا من رجل متزوج يرفض حملها مما يضطرها لإجهاض جنينها تجنبّا للعار الذي سيلحق بها وبعائلتها إن انجبت طفلا دون أب، وقد تمثلت مأساتها الشخصية أن حبيبها خذلها وإنها أكرهت أن تكون عاقرا!

تعبر الساردة عن إعجابها بالمرأة الأفريقية المعاصرة: "ظللت أراقبها تبتعد وفي داخلي شيء من حسد تجاه هذه الشخصية المتوازنة الحرة، النساء هنا لا يشبهننا، أو ربما نحن لا نشبههن /172".

تشعر ملك بإنها منجذبة لسيدة عجوز تسكن قبو الفندق خفية عن الأنظار، وبعد سرد تشويقي استغرق صفحات الرواية، يتضح بأن هذه المرأة كانت في شبابها محظية من محظيات ديكتاتور أوغندا "عيدي أمين" الذي اغتصبها وانجبت منه، وأخذ منها طفلها حين ولادتها. وبعد سقوط أمين، سجنت فترة وبعد خروجها أخفت وجودها عن الأنظار خشية تصفيتها من قبل الجماعات الموالية لنظام ما بعد الديكتاتورية. تشعر ملك بعد سماعها لحكاية العجوز بأنها الترياق لعلاجها من أمراض روحها بعد غدر الحبيب وإجهاض الطفل، وكأن المرأتين على اختلاف الزمان والمكان عشن القصة ذاتها وعانين المصير ذاته في ظل ظروف سياسية واجتماعية ظالمة، فزوج ملك هو الاخر ينتمي لدائرة السلطة التي تتلذذ بانتهاك كرامة المهمشين.

وثّقت الرواية حدثا سياسيا مهما في تاريخ العراق المعاصر إلا وهو انتفاضة الشباب ضد فساد السلطة والأحزاب في تشرين 2019 وقد مثلت أزمتها العاطفية انعكاسا لأزمات بلدها المتلاحقة فالتاريخ الشخصي للإفراد يوازي في تقلباته وآثاره تاريخ بلاده.

إذا وُصفَت رواية " توقيت آخر للحياة" بأنها رواية رحلة تأملية عبر ثقافة نخبوية، فهل يعني ذلك أنها لا تتسم باللون المحلي،  ولا تلقي الضوء على الثقافة الشفاهية للعراق؟ الجواب أن في الرواية متسع للمزيد من الأفكار والخطابات، ففي سرد الشخصية لسيرتها في بلدها وأوضاع النساء فيه تقدم نماذج متباينة ناضجة وطريفة، على سبيل المثال، والدتها- الأم الصارمة التقليدية والتي تفضّل في رعايتها البنين على البنات لأن الولد هو رجل البيت! تطرد الأم ملك خارج البيت حين تعلم بعلاقتها السرية مع رجل، وبالرغم من إشارة ملك إلى التعقيد في علاقتها مع والدتها وميلها نحو والدها المعاق، إلا أنها تقدم صورة حميمة طريفة للأم العراقية في تصرفاتها، والطريقة الشفاهية لكلام البنت مع أمها. والشفاهي هنا يعني الأداء وليس اللسان حيث يميز الأداء الشفاهي لغة الرواية في الحوار بين الشخصيات وفي وصف تفاصيل حياة الشخصية. وتشكل اخت ملك مثالا آخر للنساء، فهي المرأة السطحية المهتمة فقط بموارد انوثتها، بينما تقفز نجوى كنموذج مدهش للمرأة العراقية. "نجوى" رفيقة ملك اثناء الرحلة، انموذج حيوي للمرأة المحجبة المتزوجة والأم، متواضعة الطموح، مرحة الروح، مولعة بالطعام والتسوق مثل نساء كثيرات. وقد مارست أمومتها طوال الرحلة على البطلة / الساردة التي تبدو بأنها موجوعة وشاردة البال وبحاجة للعون مثل طفل ضال. وفي لحظة مكاشفة بين المرأتين تكتشف ملك عمق شخصية رفيقتها المتمثلة في دقة فهمها للحياة، ثقافتها وحكمتها بالرغم من بساطتها الظاهرة. قدمت الرواية صورا جمالية متعددة للمرأة العراقية بوصفها فضاءا إنسانيا رحبا للمعاينة والاستكشاف.

إن سرد الرحلة بما يوحي بأنه سيرة ذاتية ومتخيلة في الوقت ذاته ل" بشرى الهلالي" نص رشيق مرهف أيقاعيا تضمن متوازيات نصية شعرية ونثرية، اجتماعية وفكرية، وإذا شبهنا وعي المرأة العربية الكاتبة بحقيبتها التي ترافقها حلا وترحالا وتحمل فيها تفاصيل أنوثتها فإن هذه الحقائب الشيئية والفكرية مثقلة بالهموم والرؤى والأفكار والنصوص.

***

د. عالية ابراهيم 

 

قراءة في وعي الذات المزدوج

مدخل: الشاعر الذي يهجو نفسه وهو يمارس فعلته

ثمة ظاهرة نادرة في الشعر العربي القديم تستحق وقفة متأنية: شاعر يكتب المجون بكل جرأته، ثم يلتفت في القصيدة ذاتها ليسخر من نفسه وهو يفعل ذلك. هذا ليس تناقضاً عابراً في شخصية أبي نواس، بل هو بنية واعية متكررة في شعره، تستحق أن تُقرأ بوصفها ظاهرة أسلوبية قائمة بذاتها، لا مجرد "تذبذب نفسي" كما يفسرها بعض القراء التبسيطيين.

1. المجون عند أبي نواس ليس غاية، بل موقف

قبل الوقوف عند الهجاء الذاتي، لا بد من تحرير مفهوم "المجون" من الفهم السطحي الذي يختزله في وصف الخمرة والغلمان. المجون عند أبي نواس موقف من العالم بقدر ما هو موضوع شعري: رفض صريح لمنظومة القيم التي بُني عليها الشعر العربي قبله: الفروسية، البداوة، الطلل، المديح المتكلَّف. حين يعلن رفضه البكاء على الأطلال ويستبدلها بوصف الكأس والساقي، فهو لا يصف متعة عابرة، بل يقيم نظاماً قيمياً بديلاً، له مركزه الخاص (الحانة) ولغته الخاصة (مفردات الخمرة والمجالس) وحتى "أخلاقه" المقلوبة الخاصة به.

2. حين ينقلب الشاعر على مجونه ذاته

هنا يكمن المفصل الأهم في تجربته: أبو نواس لا يكتفي بمخالفة القيم السائدة، بل يمارس نوعاً من الهجاء الذاتي المزدوج؛ يهجو المجتمع الذي يرفضه، ثم يهجو نفسه وهو غارق في المجون، وأحياناً يهجو الشعر ذاته وهو يكتبه. هذا يعني أن القصيدة النواسية تحمل بداخلها وعياً بذاتها: الشاعر يعرف أنه يرتكب "خطيئة" بمقاييس عصره، ولا يخفي هذا الوعي، بل يجعله جزءاً من بنية القصيدة، فيصف مجونه ثم يسخر من نفسه لفعله، من دون أن يتراجع فعلياً عن المجون. هذا نمط نادر جداً في الشعر القديم: أن يكون الشاعر ناقداً لذاته من داخل فعلته لا من خارجها.

3. لماذا هذا الهجاء الذاتي ليس ندماً؟

هنا يجب الحذر من قراءة شائعة وسريعة: كثير من الدارسين يفسرون هذا التناقض الظاهري بوصفه "ندماً" أو "صراعاً نفسياً" بين تديّن أبي نواس ومجونه. هذه القراءة مغرية لكنها ساذجة منهجياً، لأنها تسقط مفهوم "الشعور بالذنب" الحديث على نص لا يقدم نفسه بهذه الصورة على الإطلاق. فالشاعر لا يتوقف عن المجون بعد هجائه لنفسه، بل يعاود الكتابة بنفس الحماس في القصيدة التالية. هذا يرجّح أن الهجاء الذاتي عنده أداة أسلوبية؛ نوع من المناعة الذاتية التي تحصّن الشاعر من نقد الآخرين بأن يسبقهم إليه، لا اعترافاً حقيقياً بالخطأ.

4. الهجاء الذاتي كسلاح لا كضعف

يمكن قراءة هذه الظاهرة من زاوية أخرى أكثر دقة: حين يهجو أبو نواس نفسه، فهو يسحب من خصومه سلاحهم الوحيد. من يهاجم مجونه إنما يكرر ما قاله الشاعر عن نفسه أصلاً. هذا يجعل الهجاء الذاتي عنده استراتيجية دفاعية بارعة أكثر منها كشفاً نفسياً صادقاً: هو يسبق الرقيب الاجتماعي بالنقد الذاتي، فيُفرغ النقد الخارجي من قوته قبل أن يُوجَّه إليه.

5. إشكال لا بد من مواجهته

هذه القراءة نفسها ليست بلا ثغرات. فإذا كان الهجاء الذاتي استراتيجية دفاعية محضة، فلماذا نجد في بعض نواسياته نبرة تبدو أعمق من مجرد اللعب اللفظي، نبرة أقرب للتأمل الجاد في المصير والزوال؟ هنا يصعب حسم الأمر: قد يكون أبو نواس يتنقل فعلاً بين موقفين حقيقيين (اللذة والقلق من العاقبة) من دون أن يكون أحدهما "قناعاً" للآخر، وقد تكون محاولتنا لإيجاد نسق واحد يفسر كل شعره سعياً لتبسيط شاعر أراد تحديداً أن يكون غير قابل للاختزال في تفسير واحد. ربما كانت هذه المراوحة نفسها، لا أحد طرفيها، هي جوهر تجربته.

خاتمة: ماذا يبقى؟

ما يميز أبا نواس ليس أنه مجن أو هجا، فكلاهما موجود عند غيره من الشعراء، بل أنه فعل الاثنين معاً في آن واحد، وجعل من هذا التزامن بنية شعرية متعمدة لا عارضاً. هذا يجعله حالة فريدة في تاريخ الشعر العربي: شاعر يكتب وهو يراقب نفسه وهي تكتب، ويسخر من هذه المراقبة أيضاً.

***

آمال بن الطاهر - باحثة وناقدة من المغرب

لَيست الذاكرةُ في الشعر مُجرَّد استرجاع للماضي، ولا هي أرشيف للأحداث المنقضية، وإنما هي القوة التي تعيد تشكيلَ الزمن وفق رؤية الذات، فتمنح الغيابَ حضورًا، وتُحوِّل الفقدَ إلى لغة، وتصنع من التجربة الفردية أفقًا إنسانيًّا يتجاوز حدودَ الزمان والمكان. ومِن هُنا كانت الذاكرة في الشعر الحديث فضاءً جَماليًّا تتقاطع فيه التجربة الشخصية مع التاريخ الجمعي، ويتحول فيه الألمُ إلى طاقة إبداعية قادرة على مقاومة النسيان.

في هذا السياق تتلاقى التجربتان للشاعرة الإماراتية ميسون صقر القاسمي (وُلدت 1958) والشاعرة الروسية آنا أخماتوفا (1889- 1966) على الرغم من اختلاف البيئتَيْن والثقافتَيْن واللغتَيْن.

الشاعرتان تنطلقان من ذاكرة مثقلة بالغياب، غَير أن كُل واحدة منهما تعيد كتابة هذا الغياب وفق رؤيتها الخاصة، فتصبح الذاكرة عند القاسمي مساحة لاستعادة المكان والهُوِيَّة، بينما تغدو عند أخماتوفا شهادة وجودية على مأساة الإنسان في مواجهة القهر والتاريخ.

تمتلك ميسون القاسمي حساسية شعرية تجعل من التفاصيل اليومية مداخل لاستعادة الأزمنة الغائبة، فهي لا تستدعي الماضي بوصفه زمنًا مكتملًا، وإنما بوصفه حضورًا مستمرًّا في الوجدان، حيث تتحول البيوت القديمة، والأبواب، والأشجار، والبحر، والروائح، إلى علامات شعرية تستنهض الذاكرةَ، وتكشف عن عُمق الانتماء للمكان.

إنَّ المكان في شِعرها لا يُرى بالعَين وحدها، وإنما يُقْرَأ بالقلب، فهو كائن حَي يَحمل ذاكرةَ الإنسان كما يَحمل الإنسانُ ذاكرته. ولهذا لا يكون استدعاء المكان وصفًا خارجيًّا، بلْ رحلة داخل الذات، إذْ يصبح البيتُ ذاكرة، والمدينة رُوحًا، والطفولة وطنًا لا يغادر الشاعرةَ مهما ابتعدتْ عنه.

أمَّا آنا أخماتوفا، فإنَّ الذاكرة لديها تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح ذاكرة شعب بأكمله. لقدْ عاشتْ أزمنةَ الاعتقالات والقمع والفقد، فرأتْ كيف يتحول التاريخُ إلى جُرح مفتوح في حياة الإنسان. ومِن هُنا لَم تعد الذاكرة مُجرَّد استرجاع للماضي، بلْ أصبحتْ فِعل مقاومة يحفظ أسماء الضحايا من الذوبان في صمت السُّلطة. إنها تكتب كي لا يُنسَى الألم، وكي يبقى الإنسان حاضرًا في وجه آلة النسيان، لذلك فإنَّ قصائدها لا تستعيد الماضي بدافع الحنين وحده، بلْ بدافع المسؤولية الأخلاقية تجاه الحقيقة.

تعتمد ميسون القاسمي على صورة شِعرية تتَّسم بالرهافة والشفافية، حيث تتولد الصور من عناصر الطبيعة، والتفاصيلِ الصغيرة التي تتحول إلى إشارات دلالية عميقة. النافذةُ لَيست نافذة، وإنما عَين مفتوحة على الزمن، والبحرُ لَيس ماءً، بلْ هو سِجل للأصوات القديمة، والضوء لَيس عُنصرًا بصريًّا فَحَسْب، وإنما استعارة للأمل الذي يقاوم العتمة. تتميز هذه الصور بانسيابها الهادئ، فلا تصدم القارئَ بِقَدْرِ ما تستدرجه إلى المشاركة في بناء المعنى، وكأن الذاكرة تنمو تدريجيًّا داخل النَّص حتى تصبح جُزءًا من تجربة المتلقي.

في المقابل، تأتي الصورةُ عند آنا أخماتوفا أكثر كثافة واختزالًا، إذْ تعتمد على الإيحاء بدل الإسهاب، والرمزِ بدل الشرح. كلمةٌ واحدة قد تختزن تاريخًا كاملًا من الألم، وصورة قصيرة قَدْ تَحمل مأساة وطن بأسْره. لهذا تتَّسم لغتها بالقوة والاقتصاد، فتبدو القصيدة كأنها منحوتة من الصمت بِقَدْرِ ما هي مكتوبة بالكلمات.

لا يخضع الزمن في شِعر ميسون القاسمي للتسلسل التقليدي، بلْ يتحرك في دوائر متداخلة، حيث يتجاور الماضي معَ الحاضر، ويتحوَّل الاسترجاعُ إلى تجربة حياتية من جديد. الطفولةُ لا تنتهي، والوجوهُ القديمة تستمر في الحياة داخل الذاكرة، والمكانُ يحتفظ بأصداء ساكنيه حتى بعد رحيلهم. والماضي عندها لَيس زمنًا مُغلقًا، وإنما طاقة روحية تستمر في تشكيل الحاضر، لذلك تبدو القصيدة أشبه بجسر يصل الأزمنةَ بعضها ببعض.

أمَّا الزمن عند آنا أخماتوفا، فهو زمن مكسور بفعل المأساة. اللحظةُ الحاضرة محكومة دائمًا بظلال الماضي، والمستقبلُ يبدو امتدادًا للانتظار الطويل. لهذا تتحول القصيدةُ إلى محاولة لإنقاذ الزمن من التشظي، عَبر تثبيت اللحظة الإنسانية في مواجهة الخراب.

تكشف تجربة ميسون القاسمي عن وعي أنثوي يجعل الذاكرةَ امتدادًا للهُوية. المرأةُ في شِعرها لَيست موضوعًا للكتابة، وإنما هي الذات الكاتبة التي تعيد اكتشافَ العالَم مِن خِلال خِبرتها الخاصة، لذلك تمتزج الذاكرةُ بالعاطفة، ويتداخل الخاص معَ العام دون افتعال.

أمَّا آنا أخماتوفا، فإنها تُقَدِّم المرأةَ بوصفها ضميرًا إنسانيًّا يَحمل أوجاعَ الآخرين. فهي الأُم، والحبيبة، والشاهدة، والصابرة، لكنها قبل كُلِّ شيء الإنسانُ الذي يرفض أن يفقد كرامته أمام قَسوة التاريخ.

ومِن هُنا تصبح الذاكرةُ عند الشاعرتَيْن فِعلًا نسويًّا مقاومًا، لا يقوم على الصراخ، بلْ على حفظ التجربة الإنسانية من الضياع.

تميل لغة ميسون القاسمي إلى الموسيقى الداخلية، حيث تتدفق الكلماتُ في إيقاع هادئ يُشبه تأملات الروح. وهي لغة تعتمد على الإيحاء والشفافية، فتفتح المجالَ أمام القارئ ليشارك في إنتاج الدَّلالة.

أمَّا لغة آنا أخماتوفا، فتجمع بين البساطة الظاهرة والعُمق الباطن. فهي تخلو مِن الزخرفة البلاغية، لكنها تمتلك قدرة استثنائية على تكثيف المعنى، حتى تبدو القصيدة وكأنها شهادة تاريخية مكتوبة بلغة الشعر.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

الحب كما عرفه الفيلسوف ابن حزم الأندلسي في كتابه الشهير (طوق الحمامة) (الحب أوله هزل وآخره جد، دُقتْ معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة) وقد قسم العرب الحب إلى درجات وتسميات عديدة ومنها العشق الذي هو الحب المتطرف.. العشق يحدث مرتين هو عنوان المجموعة الشعرية للشاعر غسان الدليمي.. تضم هذه المجموعة قصائد وجدانية يتجه بها الشاعر نحو الرومانسية بين الأنا والآخر.. ضمن انطباعات وخلجات عاطفية نفسية مر بها الشاعر مع الآخر (الحبيبة) أو مع (ذاته).. وبما أن العنوان بوصفه عتبة فقد فسره الشاعر بأول ورقة بقوله (العشق يحدث مرتين مرة للأم في مهد الوجود ومرة للأب من بعد الرحيل) وتظهر معظم القصائد بتلقائية المشاعر الشفافة (الرأس فوق الكتف بلل بدلتي / وأنا أقدس ما يزيد وسامتي) فقد جعل الرأس كله يبكي بدلا من العينين وبهذا نلمس المبالغة في الحزن ثم يتجه إلى تأكيد الذات بالضمير (أنا) الذي استعمله كوسيط لتقديس أي شيء يزيد وسامته.. وفي مسارات التذكر والتأمل والخصام ينقل لنا صورة الشبيهة للحبيبة المخاصمة (من بعد أعوام الخصام / مرت شبيهتها أمامي / مرت وعيني بالذهول تجمدت / زلزال يضرب هيبتي ومقامي) فالعملية الذهنية هنا تفسر الشعور عند رؤية شبيهة الحبيبة فقد وصف شعوره بزلزال خلخل شخصيته الداخلية والخارجية.

يستعمل الشاعر أسلوب التحذير من البكاء عند الفراق؛ لعدم وجود الاهتمام عند البقاء (إياكَ أن تبكي إذا فارقتني / فأنت لم تهتم عند بقائي) مستعملاً ضمير الحاضر (أنت) والنفي المنقطع بالأداة (لم) التي نفت الاهتمام تماماً عند البقاء.

ومن الأساليب التي استعملها أسلوب النداء غير المباشر بـــ(أيها) لنداء المنادى المعرف بأل  (الغريد) تعميقاً وتأصيلاً لصفته ؛ فالغريد صيغة مبالغة على من يغرد أو يغني بصوت جميل كالبلبل (يا أيها الغريد مالك صامتاً / أين الذي نبراته ألحانُ) ويفعل الاستفهام المجازي فعله ولاسيما عند خروجه للتعجب السماعي (مالك صامتاً) من صمته وهو الصادح الحاكي و الغريد.. يصل بنا الشاعر إلى الاغتراب الذاتي (إني وحيد في ظلام جزيرتي / والليل أطولُ بالظلام) يؤكد الشاعر وحدته بحرف التوكيد (إنَّ) ثم يزيد وحشة هذه الوحدة بكونه وحيداً على جزيرته التي يحيطها الظلام.. ثم يطلق الشاعر مفهوماً نفسياً للزمن بقوله (والليل أطولُ بالظلام).

***

د. مثنى كاظم صادق

.....................

* العشق يحدث مرتين، غسان الدليمي / مجموعة شعرية / ط1 2025م / رؤى للطباعة والنشر / كركوك.

هندسة القفلة وأفق الاستجابة بمجموعة "حدث مألوف" للدكتور مصطفى عطية جمعة.. دراسة بينية تطبيقية

المقدمة: يشهد الخطاب النقدي المعاصر تحولاً جذرياً نحو "البينية" (Interdisciplinarity)، حيث لم يعد النص الأدبي مجرد بنية لغوية مغلقة، بل فضاءً تتقاطع فيه أبعاد نفسية، واجتماعية، وفلسفية، وبصرية. وتعد "القصة القصيرة جداً" (ق.ق.ج) المختبر الأبرز لتطبيق آليات النقد الحديث؛ نظراً لطبيعتها القائمة على التكثيف الشديد، والاتكاء على المرجعية البصرية، والضربة المفاجئة التي تستدعي دوراً نشطاً من القارئ لإعادة بناء الدلالة.

إن القَفلة في البناء السردي القصصي المتنوع، لا سيما في القصة القصيرة جداً، ما هي إلا الخاتمة في البناء النصي الشعري، أو قفلة "الخرجة" في النص الشعري التوشيحي الأندلسي؛ حيث يسعى القاص من خلالها إلى إنهاء بنائه السردي بنمط مميز ومبتكر يصدم المتلقي ويمور بالمعاني والدلالات. ويعد كتاب «القصة القصيرة جداً» للناقد أحمد جاسم الحسين المرجع التأسيسي الأول في تقعيد هذا الفن وتأصيل أركانه؛ حيث يبرز كيف يستطيع هذا النمط المكثف "تمثيل كل محتوى أو مضامين عدة في بنية قصصية واحدة".

تهدف هذه الدراسة التطبيقية المعمقة إلى مقاربة مجموعة «حدث مألوف» (2023) للدكتور مصطفى عطية جمعة الصادرة عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام، متبنيةً إطاراً نقدياً يدمج بين أركان الحسين الأربعة لتمثيل المحتوى، ومنظومة القفلات الخمس، وآليات سيميائية العتبات ونقد استجابة القارئ، لفك شفرات هذا المنجز الإبداعي.

أولاً: أفق التلقي والوعي التجنيسي للمجموعة (سيميائية العتبات)

ينطلق التنظير النقدي من مسألة "التلقي"؛ لأن لوازم هذا الفن (التكثيف، القصر، الانتقال السريع) تتطلب متلقياً فعالاً يشارك في بناء النص وإنتاجه بدلاً من مجرد استهلاكه. ويتجلى هذا العقد النصي أو الاتفاق الخطابي بين المبدع والقارئ في مجموعة «حدث مألوف» عبر ثلاثة مستويات رئيسية:

1. عتبة المصطلح والتجنيس: أفصح المؤلف صراحة على الغلاف الخارجي والداخلي عن مصطلح «قصص قصيرة جداً». هذا المسمى يؤكد على سمتين رئيسيتين هما: القصصية والقصر الشديد، وهو يمثل وعياً قبلياً يُهييء أفق انتظار القارئ ويحدد آليات تعامله مع النص.

2. سيميائية الغلاف والزمن (ملف "حدث مألوف-غلاف.jpg.jpg"): يقوم الغلاف على بنية بصرية دالة؛ خلفية داكنة، ساعة جيب معلّقة بخيط رفيع، وعنوان أصفر بارز يمنحه حضورًا صادمًا وسط العتمة.

-الساعة والزمن: القصة القصيرة جدًا ومضة خاطفة، والساعة رمز للزمن الإنساني الذي يكشف الأشخاص عندما تضغط عليهم اللحظة.

-الخيط والهشاشة: الساعة معلّقة بخيط رفيع، ينسجم مع العلاقات الإنسانية في المجموعة المعلقة بخيط رفيع مهدد (زوجية، ستر، أو حلم).

- الغلاف الخلفي كبيان جمالي: يصرّح النص المكتوب خلف الغلاف بأن للحياة وجوهاً عدة؛ منها وجه مخبوء وثالث مفضوح، وهو ما ينسجم مع نصوص المجموعة التي تكثّف موقفًا صغيرًا لتستخرج منه دلالة اجتماعية أو أخلاقية عميقة.

3. طبقات الوعي بالقراءة والفراغات النصية: عند الدخول إلى المتن، يصطدم وعي القارئ المحايث بنصوص مليئة بمساحات الصمت أو الفراغات وفق نظرية "فولفغانغ إيسر" ويتمثل ذلك في قصة " جملة غير تامة "ص66، ينفتح النص على سيرورة تأويل لامتناهية عبر نهايته المتمثلة في نقاط الحذف: «أنتما جُملة، بدأت بكلمة، وانتهت بنقاط». النقاط هنا ليست مجرد علامة ترقيم، بل هي فراغ نصي يستدعي قارئاً مؤولاً يشارك في صياغة الفقد العاطفي الممتد لسنوات.

ثانياً: تطبيق الأركان الأربعة المؤسسة للجنس الأدبي (1)

1. ركن القصصية واختزال الحكاية: تعني القصصية حمولة الأحداث المنتخبة بدقة والمصوغة في نسج لغوي مشوق لا يميل للاستطراد الحكائي. النص هنا لا يعنى بتقديم الصراع مع خلفياته ومسبباته، بل يلتقطه لحظة ذروة تصعيده.

في قصة (صفعتان)ص35، يبنى المتن السردي على  فعل حركي مكرر: صفعة عند إغلاق محل الذهب ليلاً وصفعة أخرى عند فتحه صباحاً. يبدأ الكاتب مباشرة من ذروة الحدث: «وهو يغلق محله ليلاً، رنّت صفعة على قفاه...». تضغط القصة الزمن والخلفيات البوليسية لتوفر تشويقاً مكثفاً يضع القارئ في قلب الصراع مباشرة.

ركن التكثيف والاقتصاد اللغوي: لا يعني التكثيف القصر الشديد للغة فحسب، بل يفرض عجن جملة من العناصر الفكرية والموضوعاتية في بنية مكثفة بالدلالات والقبض على نبض الحدث وهو في حالة توهج وانبثاق.

يتجلى قمة التكثيف الإيحائي في قصة "ابتلاء"ص16، حيث تصور فاجعة إنسانية كبرى (موت الابنة الوحيدة) في سطرين مقتصدين لغوياً تنتهي بعبارة تمثل ذروة التسليم بقضاء الله: «ماتت ابنته الوحيدة، فقال لأصحابه: تعلق قلبي بها، فأراد الله قلبي له». اقتصر الكاتب هنا على لحظة التوهج الروحية والعمق الفكري دون إخلال.

ركن وحدة الفكر والموضوع: يعني هذا الركن أن تتواشج مجموعة من الأفكار والحوادث التي قد تبدو متشظية سطحياً، لتلتقي في مستوى دلالي عميق يشترك في فكرة أساسية واحدة تؤدي إلى المعنى المراد.

التطبيق: في قصة "التذكرة"ص96، تتوحد عناصر النص (نسيان المحفظة، شهامة الغريب) حول فكرة "توارث المعروف" عبر القفلة الحوارية: «يومًا ما، فعل أحدهم معي مثلما فعلت، ثم رحل». كل تفصيل يخدم فكرة واحدة: الخير سلسلة متصلة لا تنقطع.

2. ركن الجرأة وكشف المسكوت عنه: تمثل الجرأة دعوة مبطنة لإعادة النظر بكثير مما اعتدنا عليه، وإعادة مساءلة البديهيات الاجتماعية والحياتية المسكوت عنها من خلال الخروج عن مألوف العادات والمعطيات الأخلاقية.

يمارس الكاتب هذه الجرأة التعرية في قصة "عقوق"ص47، حين يصور تناقضاً سلوكياً حاداً؛ حيث يتصارع البطل مع أخيه، ويحلف بالطلاق ثلاثاً ألا يعتذر له طاعة لوالديه، ثم يطلب من زوجته البحث عن "محلل" بحجة أن عصيان الوالد عقوق! تكمن الجرأة هنا في فضح الازدواجية بين المظهر القيمي والسلوك الفاسد. وتتوازى معها قصة (شهوة) ص75 التي تفضح استغلال السمت الديني غطاءً لتعدد الزيجات السرية وتبرير النزوات الشخصية.

ثالثاً: التقانات الفنية المتواترة وأدبية تمثيل المحتوى (التناص والمفارقة)

وهي عناصر متحركة تظهر وتختفي حسب حاجة المضمون الذي يخلق شكله الخاص. وتتجلى في المجموعة كالآتي:

أولا: التناص وأنواعه وأبعاده الإيحائية

لم يكن التناص في مجموعة «حدث مألوف» مجرد استدعاء آلي أو زخرفة نصية، بل تحول إلى أداة اختزال بانية تشحن النص القصير جداً بظلال دلالية ممتدة تحيل إلى الذاكرة الثقافية والدينية المشتركة. وتتوزع أنماط التناص بالمجموعة إلى نوعين رئيسيين:

التناص الديني (القرآني البنيوي): يتجلى هذا النمط بأعلى مستويات التوظيف الجمالي في قصة" رزق الفجرية" ص69؛ إذ يتناص المتن السردي بنيوياً ولفظياً مع قصة مريم -عليها السلام- في القرآن الكريم سورة مريم الآية 23: «فَأَجَاءَهَا المخاض إلى جذع نخلة.ابتهلت إلى الله، فلا مخلوق حولها». هذا التناص يرفع الفعل اليومي البسيط (امرأة ريفية كادحة تحلب جاموستها في الفجر) من عاديتّه ليضفي عليه غلالة من القداسة والصبر الأخلاقي والفرج الإلهي المباشر الذي ينتهي بالرزق والولادة. كما يتقاطع التناص الديني القائم على تمثل المفهوم الروحي في قصة "بتلاء" ص16 عبر عبارة التسليم المطلق: «تعلق قلبي بها، فأراد الله قلبي له»، التي تعيد إنتاج قيم الابتلاء والرضا التراثية بأقل مساحة لغوية ممكنة.

التناص التاريخي والتراثي: يبرز هذا التناص عبر استدعاء الحقب الرمزية والأسماء لإحداث تباين دلالي بين حركية الحاضر وثبات الماضي، كما في قصة "ضدية " ص31؛ حيث يُشير النص إلى اسم البطل الذي "يعود إلى العصر المملوكي". هذا الاستدعاء التراثي يمنح الشخصية ثقلاً مرجعياً يُسهم في تعميق مأزقها النفسي والموقفي أثناء مقابلة العمل.

ثانيًا: الترميز والتمثيل البصري

في قصة "المظلة" ص90–91، يتم توظيف المظلة والظل المشترك بين مسنين في حواري غزة المدمرة. المظلة هنا تخرج من ماديتها الصامتة لتتحول عبر صياغتها السردية إلى رمز لتداول الرحمة والعون الإنساني المتوارث. وتتآخى معها قصة "الضحكة الحلوة" ص88-89؛ حيث تتحول الصورة الفوتوغرافية وعلامة النصر فوق ركام ملجأ الأونروا إلى علامات رمزية صامدة تصنع الأمل من قلب الانكسار.

ثالثًا: المفارقة وأنواعها الكاشفة للواقع

تُمثل المفارقة (Irony) العصب المحرك للـ (ق.ق.ج) في المجموعة؛ فهي أداة تعرية اجتماعية وأخلاقية تصدم أفق انتظار القارئ عبر مستويات ثلاثة:

المفارقة الموقفية (الحدثية الدائرية): وتقوم على التضاد الحاد بين غاية الفعل والنتيجة الفعلية غير المتوقعة التي ينتهي إليها. تظهر هذه المفارقة بقمة توهجها في قصة "صفعتان"ص35؛ حيث يتلقى البطل صفعة ليلاً وصفعة صباحاً فيطارد الجاني حمايةً لذهبه، ليكتشف أن فعل "المطاردة" ذاته كان الثغرة الملعونة التي خطط لها اللصوص لإفراغ المحل تماماً.

المفارقة السلوكية (الاجتماعية والازدواجية القيمية): وتعمل على فضح التناقض الصارخ بين ادعاءات الذات وممارساتها الفجة في الواقع. تتبدى في قصة "عقوق"ص47 من خلال المفارقة الساخرة للبطل الذي يتصارع مع أخيه ويحلف بالطلاق ثلاثاً ألا يعتذر له طاعةً لوالديه، ثم يطلب من زوجته البحث عن "محلل" بحجة أن عصيان الوالد عقوق! وتتوازى معها قصة "شهوة" ص75 التي تفضح المفارقة بين السمت الديني الخارجي (الجلباب القصير واللحية الكثة وانضمامه لجماعة التبليغ) وبين الممارسة المضمرة المتمثلة في استغلال هذا السمت كغطاء لتعدد الزيجات السرية وتبرير النزوات الشخصية.

المفارقة الساخرة الكاشفة (مفارقة) ص46: حيث يشهد الزوج من العين السحرية زوجته وهي تتسلل عائدة من شقة الجار بعباءتها السوداء، لكنه يصدق ادعاءها المباشر بأنها كانت تشتري من البقالة. السخرية والتحامل على الواقع هنا يبلغان ذروتهما في نقد قابلية الفرد لتزييف الحقائق الفجة هرباً من مواجهتها.

رابعًا: هندسة القفلات السردية

يقف نقاد القصة القصيرة جداً أمام تنوع القفلات بوصفها البؤرة التي تنفجر فيها دلالات النص وتمنحه تياراً كهربائياً مباغتاً يُنير أجزاءه السابقة ويمنحه مشروعية فنية. وبتطبيق منظومة الأنواع الخمسة للقَفلات السردية على المجموعة، نجد تجلياتها كالآتي:

1. القَفلة الفضائية (المكان والزمان): وهي القفلة التي تذهب لاستنطاق المكان والزمن وتجلياتهما بوصفهما فضاءً شعورياً يولد المفارقة.

يتجلى ذلك بامتياز في قصة "المدينة أسلفه" ص18، حيث يتنقل البطل برابطة عنقه الزاهية في طرقات المدينة ومولاتها دون أن تلحظه عيون النساء، لتأتي القفلة الفضائية المكانية والزمانية لتعيده إلى جلبابه البلدي ومندرة الدار بالقرية مستحضراً نظرة العروس المتيمة بحياء التي: «جعلت المدينة أسفله». الفضاء هنا (المدينة مقابل القرية) هو الذي صنع المفارقة وفجّر الدلالة.

2. القَفلة الحوارية: تعتمد القفلة هنا على حوار مكثّف يبوح بمشاعر الشخصيات ويسرد الأوجاع المجتمعية صراحة دون حشو.

نجدها في قصة "بإيجاز"ص27، حيث يتدرج النص سردياً عبر بث أشواق العشق ليختم بقفلة حوارية رشيقة وصادمة تلخص أزمة نفسية واجتماعية: «...سألها صراحةً: وماذا عن زوجك؟ أجابته اختصارًا: لا أستطيع العيش دون رجلين"

3. القَفلة التشكيلية (الرسم بالكلمات واللون): وهي القفلة التي تتمازج فيها لغة السرد مع الفن التشكيلي، لترسم الألفاظ لوحة بصرية ملونة تفيض بالإيحاء.

تتجلى القفلة التشكيلية اللونية بوضوح في قصة (نرجسية) ص61؛ حيث يبدأ النص برسم لوحة تشكيلية عبر الكلمات: «يتطلع لعمارته العالية، بدهانها الجديد الفاقع بالأحمر...»، وتكتمل اللوحة التشكيلية البصرية في قفلة النص وحركتها التصاعدية حين تبلغه القابلة بولادة ابنه فيسارع بالصعود صائحاً باسم المولود الجديد كلوحة مكررة تعيد إنتاج ذاته: «- حمودة ابن حمودة». اللون الأحمر الفاقع وحركة الصعود شكّلا ركيزة بصرية أساسية لفهم أبعاد الأنانية والنرجسية.

4. القَفلة التناصية: وهي التي تعتمد على "التعالق النصي" الديني أو التراثي لقول المعنى بكلمات قليلة تحيل إلى خارج النص.

تتبدى القفلة التناصية الدينية بوضوح فائق في قصة "رزق الفجرية" ص69؛ حيث يتناص النص بنيوياً مع قصة مريم العذراء عليها السلام (فأجاءها المخاض إلى جذع نخلة)، مما يضفي غلالة من القداسة والصبر الأخلاقي على كفاح المرأة البسيطة ليعقبها فرج الولادة والرزق العاجل.

5. القَفلة الضدية (مفارقة الضدّ المقلوب): تستنطق هذه القفلة مفارقة ضدية مقلوبة لتصوير أزمات المجتمع وحقوقه الضائعة، أو التعبير عن صدمات الذات المنهكة بين معلن ومغيب.

تبرز في قصة "بلا قهر"ص72، حيث يُبنى النص على مفارقة ضدية جارفة؛ إذ تطلب الزوجة الحبيبة الطلاق بهدوء ودون أسباب (فعل يبدو ظاهرياً جحوداً)، لتأتي القفلة الضدية المقلوبة بعد وفاتها بالسرطان معلنة أنها فعلت ذلك تضحيةً: «...كي لا يقهره العجز لتكلفة علاجها الباهظة». فـ "التحلل من الرباط" انقلب ليصبح "قمة الارتباط والوفاء".

خامسًا: تصنيف القفلات بنيويًا ودلالة تكرار أنماطها

1. القفلة المفتوحة والمغلقة والمزدوجة والدائرية:

القفلة المغلقة: تقدم كشفاً حاسماً يفسر لغز النص تماماً، كما في قصة "صفعتان"ص35 التي أزالت الغموض الخدعي عن سرقة الذهب.

القفلة المفتوحة: تترك المصير معلقاً ويسكنها السؤال، كقصة "رجاء" ص79؛ حيث تطلب الأربعينية الزواج سراً لتحقيق حلم الأمومة، وينتهي النص بإشاحة الرجل بوجهه دون معرفة قراره النهائي.

القفلة المزدوجة: تؤدي وظيفتين معاً؛ تنغلق سردياً وتتفتح وجدانيًا وإنسانيًا، كما في قصة "بلا قهر"ص72، وقصة "الضحكة الحلوة" ص88-89.

القفلة الدائرية: لا تنهي الفعل بل تؤكد تكراره كنمط سلوكي معتاد، كقصة "إغراء"ص41، حيث تعود الفتاة بعد البكاء وحلف الأيمان والتوبة إلى إشارة المرور من جديد، وقصة "حدث مألوف"ص87؛ حيث يتكرر الشجار والتلاسن نهاراً ويعقبه الانسجام الجسدي ليلاً في الفراش نفسه تحت نظر الحارة الصامتة.

2. دور العنونة في دعم القَفلة السردية: يعمل العنوان في المجموعة بوصفه قفلة مؤجلة؛ فالقارئ لا يستوعب حقيقة العتبة إلا بعد مباغتة النهاية. في قصة "بلا قهر"ص72، ينقلب مفهوم القهر؛ فالطلاق لم يكن قسوة بل حماية للزوج من قهر العجز المالي. وفي قصة "حدث مألوف" ص87، يشرح العنوان بنية التكرار الدائري المعتاد؛ مما يجعل "المألوف" علامة على الاعتياد وفقدان القدرة على الدهشة أو الاعتراض.

سادساً: اللغة والأسلوب وتراسل الحواس في المجموعة

تمثل اللغة في مجموعة «حدث مألوف» رافعة بنيوية أساسية تنقل النص من مجرد رصد عابر للحدث اليومي إلى فضاء إنتاج الدلالة العميقة. ولا تقف اللغة عند حدود السرد الإخباري، بل تتحول وفق شروط القصة القصيرة جداً المعاصرة إلى لغة بانية وموحية تعبر عن العوالم الفكرية والنفسية المسكوت عنها. ويمكن رصد أبرز الخصائص الأسلوبية واللغوية على النحو الآتي:

أولا: لغة المشهدية والانزياح البصري

تتميز لغة المجموعة بابتعادها عن الزخرفة البلاغية الثقيلة والمحسنات البديعية المجانية، مائلة عوضاً عن ذلك إلى "اللغة المشهدية" التي تجعل القارئ يرى الموقف السردي سريعاً، ثم تصدمه أو تضيئه في الخاتمة. يتجلى هذا الانزياح الفكري والموضوعاتي من خلال تضافر الكلمات لرسم لوحات حركية ونفسية مكثفة تؤدي وظيفة تعبيرية مباشرة:

أ_رسم ملامح الشخصيات: تلجأ اللغة إلى تصوير التناقض الجسدي والنفسي للشخصيات لتعكس التشوه الداخلي، كما في قصة"متأخراً كان"  ص71: «استغرب من مكياجها على وجهها المتغضن، ومن ملابسها القصيرة على جسمها المتهدل، ومن غنجها المتصنع».

ب- تجسيد الأزمات الاجتماعية: تعتمد اللغة على تصوير فج ومباشر ومكثف للمظاهر القاسية، كما في قصة " وشم"«رأيتُ شريط حذاء على الجبين... قالت: هذا وشم الخيانة». الكاتب هنا يوظف لفظاً يصدم الذات المشرذمة ليعبر عن آفات المجتمع بجرأة فنية تامة.

ثانيا: الإيقاع القصصي السريع وقصر الجمل

يسهم الطابع الإيقاعي السريع للمجموعة في ضبط مسار التلقي؛ حيث يعمد الكاتب إلى تقطيع الجمل وحذف الزوائد اللفظية للتحكم في لحظة توهج الفكرة ودعم ركن التكثيف والاقتصاد اللغوي.

أ-تلاحم الأفعال السردية: تتابع الأفعال بحركية رشيقة تسابق الأحداث، مثل قصة" صفعتان "ص35: «رنّت صفعة على قفاه، فطارد ابن الخسيس... رنّت صفعة أخرى على قفاه، فطارد ابن الخسيس». هذا التتابع الإيقاعي السريع يقمع الترهل الحكائي ويحصر المتلقي في ذروة الصراع.

ب-التكثيف بالقطع والوصل: نجد الجمل تقصر لتتحول إلى ضربات شعورية متلاحقة، كما في قصة "ابتلاء" ص16: «ماتت ابنته الوحيدة، فقال لأصحابه: تعلق قلبي بها، فأراد الله قلبي له». الكلمات هنا محسوبة ومصوغة بأسلوب محكم يجلب الأثر النفسي المباغت في أقل مساحة لغوية ممكنة.

ثالثا: البنية الأسلوبية  (النفي والاستفهام والشرط)

تحرك البنية الأسلوبية في المجموعة عبر توظيف أدوات أسلوبية محددة تعمل كأدوات صدمة وخلخلة لأفق انتظار القارئ، وتسهم بأسلوبها الخاص في تمرير الموضوعات الجريئة:

أ- أسلوب الاستفهام والإنكار: يشتغل الاستفهام في المجموعة لتعميق الحيرة والنقد الساخر للواقع، كما في قصة"من قال لها؟")ص70: «من قال لها؟ أنني أتقبل ثوبها الملطّخ بفرشاة ماسح الأحذية؟!!». وفي قصة "يد القاضي": "فلماذا اليسرى سيدي القاضي؟! ولماذا الظلم سيدي القاضي؟!». يتحول الاستفهام هنا من طلب الفهم إلى صرخة إدانة أخلاقية ووجودية صارمة تفتح الفراغ النصي للتأويل.

ب-أسلوب النفي وعلامات الصد الحكائي: يُشغل الكاتب النفي للتعبير عن الأبواب الموصدة أو التحولات الدائرية التي لا فكاك منها، مثل قصة "الجب"): لكنني لم أجد نفسي في نفسي»، وقصة "حدث مألوف" ص87: «كالمعتاد، لم يتحرك أحد من سكان الحارة». النفي هنا يرسخ "بلادة التكرار" والاعتياد الروتيني الذي يعريه الكاتب.

ج‌- بنية الشرط والتعليق: نجد التلازم الشرطي يوظف لبناء مفارقات قاسية تكشف زيف المظاهر، كما في قصة “المرة

الحادية عشرة " ص40: «- زواج شرعي ... هذا شرطها الذي تقوله بتعال وثقة»؛ حيث تحرك البنية الأسلوبية النص نحو مأزق نفسي تنهار أمامه شروط الشخصية وتوقيعاتها المتعالية.

رابعًا: تراسل الحواس (Synesthesia) كرافعة أسلوبية

يعمد الكاتب إلى تذويب الحدود الفاصلة بين المدركات الحسية (السمع، البصر، اللمس، الشم) لشحن المشهد اليومي بطاقة شعورية ونفسية مكثفة تؤثر في المتلقي مباشرة. ويتجلى ذلك في نصوص المجموعة وفق الآتي:

أ- مزيج السائل بالحركي والسمعي: يظهر هذا التراسل الحسي الباذخ في قصة "بإيجاز"ص27 في العبارة الاستهلالية: «اعتاد أن يسكب في أذنيها العشق تغريدا، والحميمية ترنيما». هنا استعار الكاتب فعل اللمس والتذوق المادي الخاص بالسوائل (يسكب) وجعله واقعاً على قيم معنوية وصوتية سمعية (العشق تغريداً، والحميمية ترنيماً) صُبّت في جارحة السمع (أذنيها)، مما جسّد تجربة الغزل وجعلها ملموسة ومذوقة ذات إيقاع حركي رشيّق.

ب-الصوت المرئي (تحويل السمعي إلى حركة بصرية): يتجلى في قصة (جدران) ص19 عند وصف لحظة إفاقة الزوجة من غيبوبتها وعودة الحياة إلى البيت: «فتراقصت الجدران - في عينيه - مع أنغام صوتها». في هذا المشهد، يتداخل السمع بالبصر؛ إذ لم تكتفِ الأذن بسماع "أنغام الصوت"، بل إن العين رأت ذبذبات هذا الصوت السمعي متجسدة في حركة بصرية مادية راقصة تجاوبت معها "الجدران الصماء"، مما يعكس الفرحة النفسية الداخلية التي أخرجت المكان من جموده.

ج-تجسيد المعنوي وتطايره البصري: يبرز تراسل الحواس عبر نقل الإثم المعنوي إلى مادة مرئية تتطاير في الفضاء الحركي، كما في قصة "مكاشفة") ص86 على لسان إمام المسجد: «الزنا يتطاير من عينيك». فالزنا فعل معنوي/سلوكي غيبي، لكن لغة النص جعلت منه مادة بصرية مرئية ذات كثافة حركية (يتطاير) تخرج من بؤرة العين البصرية، محققةً صدمة شعورية بالغة التأثير تخدم ركن الجرأة ودهشة القفلة الختامية للموقف.

د-المزيج الحسي الشهواني (اللمسي والبصري والشمي): نلحظه في قصة "ندم" ص38 عبر عبارة: «يعود ليلاً، مُفعمًا برائحة النساء»، وقصة"جدران"ص19: «ليونة جسدها تدغدغ أحاسيسه»، وقصة "فتنة" ص62: «تمسح وجهه بفوطة باردة معطرة، تمص وهج قيظ الصيف... وابتسامات أنثوية متتابعة»؛ حيث تتضافر حواس اللمس والشم والبصر لإنتاج مشهد شعوري ونفسي متكامل يقبض على نبض اللحظة الإنسانية وهي في حالة توهج وانبثاق كاملين.

خامسًا: الخصائص المعجمية والدلالية

تتسم مفردات المعجم السردي عند الدكتور مصطفى عطية جمعة بالسهولة الممتنعة والتركيز البالغ؛ فالألفاظ منتقاة من القاموس اليومي المعيش (حافلة، محطة وقود، شركة، بقالة، هاتف محمول، ماسنجر، واتساب) لتعكس فكرة "المألوف" السطحي. إلا أن هذا المعجم البسيط في ظاهره يتشظى سطحياً ليتعاضد في العمق الدلالي نحو إنتاج دلالات رمزية وإنسانية باذخة تخرج بالشيء المادي إلى أفق الأنسنة والترميز (كأنسنة الجدران، وترميز المظلة والظل المشترك، والدهان الأحمر الفاقع كعلامة نرجسية).

سابعاً: أثر المقاربة البينية (Interdisciplinarity) في تفتييت الشفرات النصية لم تكن "البينية" في هذه الدراسة مجرد شعار نظري مضاف، بل كانت هي "العين الراعفة" والآلية الإجرائية التي سمحت بالعبور فوق الحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية لاستنطاق النص. وتجلى أثر البينية في تفكيك بنية المجموعة عبر ثلاثة مسارات:

1. التواشج بين البصري (السيميائي) واللغوي (السردي): حيث تم التعامل مع لوحة الغلاف (الخيط، الساعة، الظلمة) ليس بوصفها زينة خارجية، بل باعتبارها "بنية دالة" وشفرة بصرية سيميائية سابقة تضيء عتمة النصوص وتوجه حركة القارئ داخل المتن.

2. التقاطع بين علم النفس والجماليات (تراسل الحواس وسيكولوجية النرجسية): من خلال استثمار علم النفس في تحليل قصة (نرجسية)، حيث لم يُدرس اللون الأحمر الفاقع وحركة الصعود بوصفهما زخرفة بلاغية، بل كعقيدة سيكولوجية متكاملة تفسر تضخم الذات والأنانية الإنسانية، فضلاً عن إذابة الحدود الفاصلة بين الحواس (تراسل الحواس) الذي نقل النص من خانة الوصف التقريري إلى خانة التجسيد النفسي الحي.

3. التكامل بين السوسيولوجيا (علم الاجتماع) والتشكيل البنيوي: عبر تفكيك أسلوب النفي، وعلامات الصد الحكائي، ومفارقات الازدواجية القيمية (في قصص مثل "عقوق" و"شهوة")؛ إذ تحولت الأدوات اللغوية المحايدة إلى مجاهر سوسيولوجية تعري التشوهات الأخلاقية والبلادة الروتينية في المجتمع العربي المعاصر.

خاتمة

تثبت مجموعة «حدث مألوف» للدكتور مصطفى عطية جمعة المقاصد الجوهريّة والنتائج التي انتهى إليها النقد المعاصر للقصة القصيرة جداً؛ فالعمل يؤكد أن "المضمون المتميز يخلق شكلاً خاصاً به"، وأن هذا الفن قائم بذاته، له أركانه وتقنياته التي يجب تلقيها من ذاتها دون خلط أجناسي.

وعبر تلاحم الاقتصاد اللغوي، وجرأة التناول، وعمق القفلات، وتنوع التناصات، وتوهج المفارقات، وتراسل الحواس؛ استطاع الكاتب صهر هموم الإنسان العربي المعاصر وتجسيد أعمق لحظاته الإنسانية، محولاً الحدث المألوف السطحي إلى نص معرفي وثقافي يحث على إعادة المساءلة وتفكيك بلادة التكرار.

وتتأكد القيمة المضافة لهذه الدراسة في اعتمادها على المنهج البيني؛ إذ نجحت القراءة في هدم الجدران العازلة بين النقد النصي الضيق، وسيميائية البصريات، وعلم النفس السلوكي، والسوسيولوجيا الثقافية. هذا التمازج المعرفي هو الذي سمح بتحويل "الفراغات النصية" ونقاط الحذف عند (إيسر/إيريز) من مجرد علامات ترقيم صامتة إلى مساحات مشحونة بالدلالات الوجودية والنفسية، وأتاح فهم "هندسة القفلة" ليس بوصفها نهاية فنية مباغتة فحسب، بل باعتبارها نقطة انفجار دلالي ومعرفي تتشابك فيها أبعاد الوعي الإنساني، وتتحرك من خلالها استجابة المتلقي لإعادة إنتاج النص وتأويله.

إن مصطفى عطية جمعة يبني مجموعته على معادلة فنية دقيقة: حدث يومي صغير، سرد مقتصد ومكثف، وقفلة مباغتة ومدهشة، تفضي في النهاية إلى دلالة إنسانية واسعة؛ ليؤكد أن هذا الجنس الأدبي ليس فناً لرصد العادي، بل هو التقاط بليغ للعميق والمدهش المستتر في قلب العادي والمألوف.

***

د. نجلاء نصير

..................

المصادر والمراجع

1. الملفات المستند إليها في التوثيق النصي والسيميائي:

1- ملف متن المجموعة القصصية: "حدث مألوف-متن.pdf".

2- ملف غلاف المجموعة: "حدث مألوف-غلاف.jpg.jpg".

2. المراجع النقدية والأكاديمية المعاصرة:

المراجع النقدية والأكاديمية المعاصرة (بعد التنسيق وإضافة المراجع البينية بصيغة "يُنظر"):

1- الحسين، أحمد جاسم. (2000). القصة القصيرة جدًا. دمشق: دار الأوائل للنشر والتوزيع.

2- خلف، جاسم إلياس. (2010). شعرية القصة القصيرة جدًا. دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.

3- حطيني، يوسف. (2004). القصة القصيرة جدًا بين النظرية والتطبيق: الجذور، الواقع، الآفاق. دمشق: الأوائل للنشر والتوزيع.

4- النية، بوبكر، وبن خليفة، مشري. (2018). القصة القصيرة جدًا وأدبية تمثيل المحتوى: قراءة في كتاب القصة القصيرة جدًا لأحمد جاسم الحسين نموذجًا. مجلة الباحث، المجلد 10، العدد 03، ص 77–91.

5- يقطين، سعيد. (1997). تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير. الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي، ط3.

6- يُنظر: زيتون، علي. (2010). الدراسات البينية والتحليل الثقافي للأدب. بيروت: دار النهضة العربية.

7- يُنظر: عز الدين، يوسف. (2005). تداخل المناهج النقديّة والعلوم الإنسانية في تحليل النص الأدبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 

لحنان الشيخ.. دراسة في البنية السردية والأنساق الثقافية

مقدمة الدراسة: تعد الرواية العربية الحديثة فضاء رحبا لإعادة مساءلة الواقع الاجتماعي والثقافي، والكشف عن البنيات العميقة التي تتحكم في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، فلم تعد مجرد جنس أدبي يروي الحكايات أو ينقل الأحداث، وإنما غدت خطابا معرفيًا وثقافيًا يعيد إنتاج العالم عبر رؤية فنية تتجاوز المباشر والسطحي إلى تفكيك أنساق السلطة والهوية والذاكرة والذات. ومن هذا المنطلق أصبحت الرواية العربية، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، مرآة للتحولات الكبرى التي عرفتها المجتمعات العربية على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية، كما أصبحت مختبرا لتجريب أشكال جديدة من الكتابة السردية، تستثمر تقنيات الذاكرة والاسترجاع وتعدد الأصوات والمونولوج الداخلي وتيار الوعي، بما يمنح النص الروائي أبعادًا جمالية وفكرية متشابكة.

وفي خضم هذه التحولات برزت الكتابة النسوية العربية بوصفها مشروعا إبداعيا يسعى إلى إعادة صياغة صورة المرأة داخل المتن السردي، بعيدا عن التصورات التقليدية التي حصرتها طويلا في أدوار هامشية أو جعلتها موضوعا للنظر الذكوري. فقد استطاعت مجموعة من الروائيات العربيات أن تؤسس خطابا سرديا مغايرا، ينطلق من التجربة النسوية بوصفها تجربة إنسانية وثقافية، ويكشف عن أشكال التهميش والإقصاء والعنف الرمزي الذي تعرضت له المرأة داخل المجتمع الأبوي، مع إعادة بناء علاقتها بذاتها وبالآخر وبالفضاء الاجتماعي. ولم يعد هذا الخطاب النسوي مجرد احتجاج اجتماعي، بل أصبح مشروعا جماليا يقوم على مساءلة اللغة، وإعادة تشكيل الذاكرة، وتفكيك المركزيات الثقافية التي حكمت صورة المرأة عبر التاريخ.

وفي هذا السياق تبرز الروائية اللبنانية حنان الشيخ باعتبارها واحدة من أهم الأصوات الروائية العربية المعاصرة، إذ استطاعت عبر مشروعها السردي أن تؤسس كتابة تقوم على كشف المسكوت عنه داخل المجتمع العربي، وأن تجعل من الرواية فضاء لمساءلة السلطة الأبوية، والعلاقات الأسرية، والهوية النسوية، والذاكرة الشخصية والجماعية. وتمتاز أعمالها بقدرتها على المزج بين البعد السيري والتخييل الروائي، بحيث تتحول التجربة الذاتية إلى تجربة إنسانية تتجاوز حدود الفرد لتلامس أسئلة المجتمع والثقافة والتاريخ.

وتأتي رواية "حكايتي شرح يطول" في مقدمة أعمالها السردية الأكثر نضجا، لما تحمله من كثافة دلالية وبناء فني متماسك، إذ تستند إلى تجربة ذاتية تستعيد من خلالها الكاتبة طفولتها وعلاقتها بأسرتها، ولا سيما الأب والأم، وما ارتبط بذلك من شعور بالحرمان، والفقر، والتفكك الأسري، والهجرة، والصراع مع السلطة الذكورية. غير أن الرواية لا تقدم هذه التجربة بوصفها سيرة ذاتية خالصة، وإنما تعيد تشكيلها فنيًا داخل خطاب روائي تتداخل فيه الذاكرة بالتخييل، والواقع بالرمز، والتاريخ بالوجدان، وهو ما يجعلها نصا مفتوحا على قراءات متعددة تستثمر مناهج السرديات والنقد الثقافي والدراسات النسوية.

وتكتسب هذه الرواية أهميتها كذلك من اعتمادها على الذاكرة بوصفها محركا أساسا للفعل السردي، حيث يتأسس البناء الحكائي على تقنية الاسترجاع، فتتداعى الأحداث وفق منطق الذاكرة لا وفق التسلسل الزمني التقليدي، الأمر الذي يجعل الزمن النفسي يتقدم على الزمن التاريخي، ويمنح الشخصية فرصة لإعادة تأويل ماضيها وإعادة بناء هويتها. كما تسهم هذه التقنية في الكشف عن العلاقة الجدلية بين التجربة الفردية والتحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع اللبناني، بما يجعل الخاص معبرا إلى العام، والذاتي نافذة لفهم الجماعي.

وتتجلى القيمة الفنية للرواية أيضا في بنائها المكاني، حيث لا يقتصر المكان على كونه إطارا للأحداث، بل يتحول إلى عنصر دلالي فاعل يعكس الحالة النفسية للشخصيات. فثنائية المدينة والقرية، والانغلاق والانفتاح، والبيت والطبيعة، لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تعبر عن التحولات الداخلية للشخصيات، وتكشف عن طبيعة العلاقة بين الإنسان ومحيطه الثقافي والاجتماعي.

أما على مستوى الشخصيات، فتقدم الرواية نماذج إنسانية ذات أبعاد نفسية واجتماعية عميقة، تتصدرها شخصية البطلة التي تتشكل هويتها عبر معاناة طويلة مع الحرمان والسلطة الأبوية، في مقابل حضور الأم بوصفها رمزا للصبر والمقاومة، والأب بوصفه تجسيدا لسلطة اجتماعية تكرس الهيمنة الذكورية. ومن خلال هذا التفاعل بين الشخصيات تنكشف شبكة معقدة من العلاقات التي تحكمها قيم المجتمع التقليدي، وتتقاطع فيها السلطة بالدين، والعرف بالثقافة، والهوية بالذاكرة.

وعلى المستوى اللغوي، توظف "حنان الشيخ" لغة تجمع بين الفصحى واللهجة اللبنانية، بما يمنح الخطاب السردي بعدا واقعيًا، ويقرب الشخصيات من بيئتها الاجتماعية والثقافية، دون أن يفقد النص قيمته الأدبية. كما تستثمر الكاتبة الحوار الداخلي، والمونولوج، والوصف، والمشهدية، وتقنيات الاسترجاع، لتشييد خطاب روائي تتداخل فيه الأبعاد الجمالية مع الرؤية الفكرية، فيتحول السرد إلى وسيلة للكشف عن البنية العميقة للواقع الاجتماعي والثقافي.

وانطلاقا من هذه الاعتبارات، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة رواية "حكايتي شرح يطول" بوصفها نصا سرديا مركبًا تتفاعل داخله البنية الفنية مع الأنساق الثقافية والاجتماعية، وذلك من خلال تحليل بنيتها السردية، ورصد تمثلات الذات النسوية، والكشف عن وظائف الزمن والمكان والشخصيات واللغة في بناء الدلالة، مع الإفادة من معطيات السرديات الحديثة والنقد الثقافي والدراسات النسوية، بما يسمح بتقديم قراءة نقدية تتجاوز الوصف إلى التأويل، وتكشف عن الأبعاد الجمالية والفكرية التي تجعل من هذه الرواية واحدة من أبرز المنجزات السردية في الرواية العربية المعاصرة.

إشكالية الدراسة:

تمثل رواية "حكايتي شرح يطول" محطة بارزة في مسار الرواية العربية المعاصرة؛ إذ تتجاوز حدود السرد الذاتي لتؤسس خطابا روائيا تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجماعية، وتتداخل فيه السيرة الذاتية مع التخييل الروائي، بما يجعل النص فضاء لإعادة بناء الذات واستنطاق الواقع الاجتماعي والثقافي. ومن هذا المنطلق، لا تكتفي الرواية بسرد وقائع الطفولة أو استحضار ماضٍ شخصي، وإنما تحول الذاكرة إلى أداة نقدية تكشف آليات اشتغال السلطة الأبوية، وتمثلات المرأة داخل المجتمع، والعلاقة الجدلية بين الفرد والبيئة التي أنتجته.

وتنبع أهمية الرواية من كونها تعيد تشكيل التجربة الإنسانية عبر رؤية سردية تستثمر تقنيات الاسترجاع، والمونولوج الداخلي، والتداعي الحر، وتكثيف البعد النفسي للشخصيات، الأمر الذي يجعلها نصا غنيا بالعلامات السردية والثقافية، وقابلا لقراءات متعددة تتجاوز المقاربة الموضوعاتية إلى تحليل البنية الفنية والأنساق الثقافية الكامنة وراء الخطاب الروائي.

كما تثير الرواية إشكالا نقديا يرتبط بطبيعة العلاقة بين السيرة الذاتية والرواية؛ إذ تبدو الأحداث والشخصيات ذات جذور واقعية واضحة، غير أنها تخضع في الوقت نفسه لإعادة بناء فني يجعلها جزءا من عالم التخييل الروائي، وهو ما يفرض إعادة النظر في الحدود الفاصلة بين المرجع الواقعي والبناء الفني، وبين الحقيقة التاريخية والحقيقة السردية.

ومن جهة أخرى، تكشف الرواية عن حضور مكثف للأنساق الثقافية والاجتماعية التي تحكم العلاقات الإنسانية داخل المجتمع اللبناني، ولا سيما النسق الأبوي، والسلطة الذكورية، والتمثلات التقليدية للمرأة، وهي أنساق لا تقدمها الكاتبة بوصفها معطيات جاهزة، وإنما تعمل على مساءلتها وتفكيكها من داخل التجربة السردية، بما يجعل الرواية خطابا نقديا يسعى إلى زعزعة البنى الثقافية المهيمنة وإعادة التفكير فيها.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:

كيف استطاعت "حنان الشيخ" أن توظف البناء السردي في رواية "حكايتي شرح يطول" للكشف عن تحولات الذات النسوية، وتفكيك الأنساق الاجتماعية والثقافية، وتحويل التجربة الشخصية إلى خطاب روائي ذي أبعاد إنسانية وجمالية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية، من أهمها:

كيف أسهمت تقنيات السرد الحديثة في بناء العالم الروائي؟

إلى أي حد استطاعت الرواية أن تزاوج بين المرجعية السيرذاتية والتخييل الروائي؟

كيف تشكلت صورة المرأة داخل الرواية في ضوء السلطة الأبوية؟

ما الوظائف الجمالية والدلالية التي اضطلع بها الزمن والمكان في تشكيل المعنى؟

كيف أسهمت اللغة، بما تحمله من تنوع بين الفصحى والعامية، في بناء واقعية النص وتعميق أبعاده الفنية؟

ما الأنساق الثقافية والاجتماعية التي يكشفها الخطاب الروائي، وكيف أعادت الكاتبة مساءلتها؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من مجموعة من الفرضيات العلمية، يمكن إجمالها فيما يأتي:

أن رواية "حكايتي شرح يطول" لا تقدم سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، وإنما تنجز بناء روائيا تتداخل فيه الذاكرة مع التخييل.

أن البنية السردية للرواية تشكل عنصرًا فاعلا في إنتاج الدلالة، ولا يمكن فصلها عن القضايا الفكرية والثقافية التي يعالجها النص.

أن الشخصية النسوية تمثل المركز الدلالي للرواية، وتتخذ من السرد وسيلة لاستعادة الذات ومقاومة أشكال الإقصاء والتهميش.

أن المكان والزمن يؤديان وظيفة رمزية تتجاوز الإطار المرجعي، ليصبحا عنصرين في تشكيل البنية النفسية للشخصيات.

أن الرواية تمثل نقدًا ثقافيًا للسلطة الأبوية أكثر من كونها مجرد تسجيل لوقائع شخصية.

منهج الدراسة:

تقتضي طبيعة هذه الدراسة اعتماد مقاربة نقدية تكاملية تستفيد من عدد من المناهج الحديثة، وذلك بالنظر إلى تعدد مستويات الخطاب الروائي وتشابك مكوناته.

وسيكون المنهج السردي المرتكز الأساس في تحليل الرواية، انطلاقا من دراسة الراوي، والشخصيات، والزمن، والفضاء، والحبكة، وأنماط الخطاب، بالاستفادة من التصورات التي بلورها جيرار جنيت، وتزفيتان تودوروف، وميخائيل باختين.

كما سيتم توظيف النقد الثقافي للكشف عن الأنساق المضمرة التي تنتظم الخطاب الروائي، ولا سيما ما يتصل بالسلطة الأبوية، وتمثلات المرأة، والعلاقة بين الثقافة والمجتمع.

وإلى جانب ذلك، ستستثمر الدراسة بعض آليات النقد النسوي بوصفه أداة إجرائية لفهم صورة المرأة داخل الرواية، وتحليل أشكال المقاومة التي تمارسها الذات النسوية في مواجهة الهيمنة الذكورية.

أما على المستوى الإجرائي، فستعتمد الدراسة على الوصف والتحليل والتأويل، من خلال ربط العناصر الفنية للنص بسياقاتها الثقافية والاجتماعية، بما يسمح بإنتاج قراءة نقدية تتجاوز الوصف الخارجي إلى استكشاف البنيات العميقة التي تؤسس عالم الرواية.

تشكل الذات الساردة وبناء العالم الروائي:

عتبة الفصل الأول ووظيفتها في بناء أفق التلقي:

يفتتح الفصل الأول من الرواية فضاء سرديا مشحونا بالذاكرة والاسترجاع، حيث لا يدخل القارئ مباشرة إلى عالم الأحداث، بل يجد نفسه أمام ذات تستعيد ماضيها من خلال وعي مشبع بالتجربة والألم. ومنذ الصفحات الأولى يتبين أن الكاتبة لا تجعل من الاسترجاع مجرد تقنية زمنية، وإنما تؤسسه باعتباره الرؤية التي تنتظم الخطاب الروائي كله، إذ تتولد الحكاية من الذاكرة، وتنبثق الشخصيات من رحم التذكر، ويتحول الماضي إلى قوة فاعلة في تشكيل الحاضر.

وتكشف هذه البداية عن وعي سردي متقدم، لأن الكاتبة تؤجل تقديم الأحداث وفق التسلسل الزمني المعتاد، وتختار أن تجعل الشخصية الساردة هي التي تعيد ترتيب العالم وفق منطقها النفسي، لا وفق منطق الزمن التاريخي. وبهذا يتحول الاسترجاع إلى بنية معرفية تسمح للقارئ بإعادة اكتشاف الشخصيات والعلاقات الإنسانية تدريجيا، فيتداخل الماضي بالحاضر، والواقع بالذاكرة، والسيرة بالتخييل.

ومن ثم فإن الفصل الأول لا يمثل مجرد مدخل حكائي للرواية، وإنما يؤدي وظيفة تأسيسية؛ إذ يرسم الملامح الكبرى للعالم الروائي، ويهيئ المتلقي لاستقبال خطاب سردي يقوم على تفكيك الذاكرة، واستعادة الطفولة، والكشف التدريجي عن مأساة الذات النسوية داخل مجتمع تحكمه سلطة الأب وهيمنة الأعراف.

تشكل الذات الساردة وتمثلات الطفولة في رواية "حكايتي شرح يطول":

 الاستهلال السردي وبناء أفق التلقي:

يُعد الاستهلال الروائي من أهم العتبات النصية التي تحدد أفق القراءة، إذ يمثل المدخل الذي يقود المتلقي إلى العالم التخييلي، ويمنحه المفاتيح الأولى لفهم طبيعة الخطاب السردي وآليات اشتغاله. ومن هذا المنطلق، ينهض الفصل الأول من رواية "حكايتي شرح" يطول بوظيفة تأسيسية لا تقتصر على تقديم الشخصيات أو الإشارة إلى بدايات الأحداث، بل تؤسس منذ اللحظة الأولى لنسق حكائي قائم على الذاكرة والاسترجاع، بحيث تصبح الذات الساردة محورا تتقاطع عنده الأزمنة، وتتداخل داخله التجارب الفردية مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ولا تنطلق "حنان الشيخ" من حدث درامي كبير يشد القارئ إلى متابعة الوقائع، وإنما تختار أن تبدأ من الذاكرة، لأن الذاكرة في هذه الرواية ليست وعاء لحفظ الماضي، وإنما آلية لإعادة إنتاجه وتأويله. فالماضي لا يعود كما وقع، بل كما استقر في وجدان الشخصية، وهو ما يجعل السرد قائما على استحضار التجربة الإنسانية أكثر من اعتماده على التسلسل الكرونولوجي للأحداث.

ومن ثم، فإن الفصل الأول لا يقدم معلومات أولية عن الشخصيات بقدر ما يكشف تدريجيا عن طبيعة العلاقات التي تربطها، ويجعل المتلقي يكتشف مأساة الأسرة من خلال التداعي الحر للذكريات، الأمر الذي يمنح النص طابعًا نفسيًا عميقا، ويجعل الذاكرة القوة المحركة للفعل السردي بأكمله.

الذات الساردة بين السيرة الذاتية والتخييل الروائي:

من أبرز الخصائص التي تمنح الرواية فرادتها انفتاحها على السيرة الذاتية دون أن تتحول إلى اعتراف مباشر أو تسجيل تاريخي للأحداث، فالكاتبة تستثمر تجربتها الشخصية، لكنها تعيد تشكيلها وفق قوانين الفن الروائي، بحيث تغدو الذات الواقعية مادة أولية يعاد بناؤها داخل عالم تخييلي مستقل.

ولهذا لا يمكن التعامل مع الشخصية الساردة باعتبارها نسخة مطابقة للمؤلفة، بل بوصفها شخصية روائية تمتلك استقلالها الفني، حتى وإن كانت تستمد جزءا كبيرا من مرجعيتها من التجربة الحياتية للكاتبة. ويؤكد ذلك طبيعة البناء السردي الذي يخضع لانتقاء الأحداث، وإعادة ترتيبها، وتكثيفها، وإضفاء أبعاد رمزية عليها، وهو ما يجعل الرواية تتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية لتدخل في مجال التخييل السيرذاتي الذي يزاوج بين الحقيقة والخيال.

وتبعا لذلك، تتحول الذات الساردة إلى وسيط فني يعيد بناء الماضي لا بهدف توثيقه، وإنما بغية فهمه وتأويله والكشف عن أثره في تشكيل الهوية الفردية. ومن هنا، يغدو السرد فعلا معرفيا يسعى إلى مساءلة التجربة الإنسانية أكثر من كونه مجرد حكي لأحداث ماضية.

صورة الأب وتجليات السلطة الأبوية:

تحتل شخصية الأب موقعا محوريا في الفصل الأول، ليس لأنها الشخصية الأكثر حضورا من الناحية الكمية، وإنما لأنها تمثل المركز الذي تتولد عنه معظم الأزمات النفسية والاجتماعية التي عاشتها البطلة. فالأب لا يُقدَّم باعتباره فردا معزولا، بل بوصفه تجسيدا لبنية ثقافية تقوم على الامتياز الذكوري، حيث تتحول السلطة الأسرية إلى وسيلة للهيمنة والإقصاء وإعادة إنتاج العلاقات غير المتكافئة بين الرجل والمرأة.

ومن اللافت أن الكاتبة لا تلجأ إلى تقديم الأب بصورة مباشرة، وإنما ترسم ملامحه من خلال ذاكرة الابنة، ولذلك تأتي صورته محملة بانفعالات الطفولة، ومشبعة بالإحساس بالخذلان والحرمان. وتغدو السخرية التي تبديها الساردة تجاه بعض صفاته الجسدية والنفسية شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية، إذ تعجز الطفلة عن مواجهة سلطة الأب مواجهة مباشرة، فتستعيض عن ذلك بخطاب داخلي يفرغ شحنة القهر المتراكمة في أعماقها.

ويتجاوز حضور الأب بعده الفردي ليحيل إلى منظومة اجتماعية كاملة، تقوم على تعدد الزوجات، والتنصل من المسؤولية الأسرية، واستغلال التأويلات الدينية لتبرير هيمنة الرجل، وهو ما يجعل الشخصية تمثل نسقا ثقافيا أكثر مما تمثل فردًا بعينه.

 الأم بوصفها رمزا للمقاومة والصمود:

إذا كان الأب يمثل سلطة القهر، فإن الأم تمثل في المقابل فضاء الاحتواء والأمان. غير أن الرواية لا تقدمها في صورة مثالية منفصلة عن الواقع، بل ترسمها امرأة بسيطة أنهكتها ظروف الحياة، لكنها ظلت متمسكة بحقها في الكرامة، ومؤمنة بقدرتها على حماية أبنائها رغم الفقر والعوز.

وتكشف شخصية الأم عن أحد أهم التحولات في الرواية، إذ تنتقل المرأة من موقع الضحية السلبية إلى موقع الفاعل الذي يقاوم بصمت، ويواجه القهر بالصبر والعمل والتضحية. ومن ثم، تتحول الأم إلى رمز للثبات الأخلاقي، في مقابل التصدع القيمي الذي تجسده شخصية الأب.

كما أن ارتباط البطلة بأمها يتجاوز رابطة القرابة، ليصبح ارتباطا بالوطن الأول، والذاكرة الأولى، والملاذ النفسي الذي تستعيد فيه الشخصية توازنها كلما اشتد عليها ضغط الواقع.

البنية السردية وتمثلات الواقع الاجتماعي في رواية "حكايتي شرح يطول" :

 الشخصية الروائية بين البناء النفسي والامتداد الرمزي:

لا تبنى الشخصيات في رواية "حكايتي شرح يطول" وفق المنظور التقليدي الذي يجعلها مجرد عناصر تؤدي وظائف داخل الحبكة، بل تتجاوز ذلك لتصبح حوامل للمعنى، وعلامات ثقافية تكشف عن طبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه. فكل شخصية داخل المتن السردي لا تؤدي دورا حكائيا فحسب، وإنما تمثل رؤية مخصوصة للعالم، وتجسد نسقا ثقافيا أو اجتماعيًا يساهم في إنتاج الدلالة العامة للرواية.

وتتصدر شخصية "كاملة" المشهد السردي بوصفها الشخصية المحورية التي تنتظم حولها مختلف الأحداث، فهي ليست بطلة بالمعنى التقليدي، وإنما ذات تتشكل باستمرار من خلال علاقتها بالذاكرة، وبالمكان، وبالآخرين. وتنبني هويتها عبر سلسلة من التجارب القاسية التي تبدأ منذ الطفولة، حيث تتقاطع الحرمانات المادية مع الحرمان العاطفي، لتنتج شخصية شديدة الحساسية تجاه العالم، تمتلك قدرة استثنائية على تحويل الألم إلى خطاب سردي.

إن "حنان الشيخ" لا تقدم "كاملة" باعتبارها ضحية فحسب، بل تجعل منها ذاتا واعية بواقعها، تمتلك القدرة على مساءلة هذا الواقع وكشف تناقضاته. ولذلك فإن السرد لا يتحرك من الخارج إلى الداخل، وإنما ينطلق من أعماق الشخصية ليعيد تفسير العالم من حولها، وهو ما يمنح الرواية بعدا نفسيا واضحا، ويجعل البناء الداخلي للشخصية أكثر أهمية من أفعالها الخارجية.

ولعل أبرز ما يميز هذه الشخصية هو أن تطورها لا يتم عبر الأحداث وحدها، وإنما عبر الوعي؛ فكل تجربة تعيشها تتحول إلى لحظة تأمل تعيد تشكيل رؤيتها لنفسها وللآخرين، وبذلك يصبح النمو النفسي هو المحرك الحقيقي للرواية.

 الأب بوصفه نسقا ثقافيا لا شخصية فردية:

لا يمكن اختزال صورة الأب في الرواية في كونه رجلًا قاسيًا أو أبًا مهملًا، لأن القراءة السردية العميقة تكشف أنه يؤدي وظيفة رمزية تتجاوز حدود الفرد إلى تمثيل بنية ثقافية راسخة داخل المجتمع العربي التقليدي.

فالأب في الرواية ليس مصدر السلطة الأسرية فقط، وإنما يمثل السلطة الاجتماعية والدينية معا، إذ يستند في كثير من ممارساته إلى منظومة من القيم التي تمنحه شرعية الهيمنة، وتجعل المرأة والطفل في مرتبة أدنى داخل البناء الأسري.

ومن هنا، فإن قسوة الأب لا تُقرأ بوصفها انحرافًا أخلاقيًا لشخص بعينه، وإنما باعتبارها نتيجة مباشرة لنسق ثقافي يرسخ الامتياز الذكوري، ويمنح الرجل سلطة شبه مطلقة على أفراد الأسرة. ولهذا تتعمد الرواية ألا تدين الأب من خلال التعليق المباشر، بل تترك أفعاله تكشف بنفسها طبيعة هذا النسق، وهو ما يمنح الخطاب الروائي بعدا نقديا عميقا.

وتكشف شخصية الأب كذلك عن المفارقة بين السلطة والأبوة؛ فكلما ازدادت سلطته، تضاءلت إنسانيته، حتى يصبح حضوره مصدرًا للخوف أكثر من كونه مصدرا للحماية، الأمر الذي يؤدي إلى تفكك الأسرة نفسيًا قبل أن تتفكك اجتماعيا.

 الأم وإعادة بناء مفهوم البطولة:

إذا كانت الرواية العربية التقليدية قد ارتبطت غالبا بصورة البطل الذكر الذي يصنع الأحداث، فإن "حنان الشيخ" تعيد تعريف البطولة من خلال شخصية الأم، التي لا تنتصر بالقوة، بل بالصبر، ولا تواجه الواقع بالعنف، وإنما بالمقاومة اليومية الهادئة.

إن الأم في الرواية تمثل الضمير الأخلاقي للعالم السردي، فهي الشخصية الوحيدة التي تحافظ على تماسك الأسرة رغم كل الانكسارات، وتتحمل مسؤولية تربية الأبناء في ظل الغياب المستمر للأب.

وتبرز الكاتبة تفاصيل الحياة اليومية للأم لتؤكد أن البطولة الحقيقية قد تكمن في الأعمال البسيطة التي لا يلتفت إليها أحد؛ في إعداد الطعام، والسهر على الأبناء، والصبر على الفقر، ومواجهة الإقصاء الاجتماعي. وهكذا تتحول الأم إلى رمز للمرأة العربية التي صنعت الحياة وسط ظروف بالغة القسوة، دون أن تفقد إنسانيتها أو إيمانها بالمستقبل.

 المنظور الاجتماعي وتحولات البنية الأسرية:

تكشف الرواية، منذ فصلها الأول، عن وعي اجتماعي عميق، إذ تجعل الأسرة نقطة الانطلاق لفهم اختلالات المجتمع كله. فالأسرة هنا ليست فضاء معزولا، وإنما صورة مصغرة للعلاقات الاجتماعية السائدة، حيث تتجسد السلطة، والتمييز، والفقر، والهشاشة الاقتصادية.

وتبرز الكاتبة جملة من القضايا الاجتماعية، من أبرزها:

تفكك الأسرة نتيجة غياب المسؤولية الأبوية.

تعدد الزوجات وما يترتب عليه من تشظي العلاقات الأسرية.

معاناة المرأة المطلقة في تحصيل حقوقها.

هشاشة الطفولة في ظل الفقر والتهميش.

التفاوت الطبقي بين المدينة والريف.

غير أن الرواية لا تقدم هذه القضايا في شكل خطابات مباشرة، وإنما تجعلها تنبثق تلقائيا من داخل التجربة الإنسانية للشخصيات، وهو ما يضفي عليها صدقا فنيا، ويجنبها السقوط في الوعظ أو التقرير.

 النسق الديني بين القيم الروحية والتوظيف الاجتماعي:

من أهم مستويات القراءة التي تتيحها الرواية ذلك التمييز الدقيق بين الدين بوصفه منظومة قيم إنسانية، وبين توظيف الخطاب الديني لخدمة السلطة الاجتماعية.

فالكاتبة لا تنتقد الدين في ذاته، وإنما تكشف الكيفية التي تتحول بها بعض التأويلات الدينية إلى أدوات لإضفاء المشروعية على التمييز ضد المرأة، أو لتبرير هيمنة الرجل داخل الأسرة.

ومن هنا فإن الخطاب الديني داخل الرواية يؤدي وظيفة ثقافية أكثر من كونه وظيفة عقدية، إذ يصبح جزءا من شبكة الأنساق التي تسهم في إعادة إنتاج العلاقات السلطوية داخل المجتمع.

وهذه الرؤية تمنح النص عمقا فكريا، لأنه ينتقل من نقد الأفراد إلى نقد البنية الثقافية التي تصنع هؤلاء الأفراد. البعد النفسي وتمثلات الطفولة المجروحة:

لعل أكثر ما يميز رواية "حكايتي شرح يطول" هو قدرتها على النفاذ إلى العالم الداخلي للشخصيات، حيث لا تقتصر الأحداث على بعدها الخارجي، وإنما تتحول إلى خبرات نفسية تترك آثارا عميقة في الوعي.

فالطفولة في الرواية ليست مرحلة زمنية تنتهي، وإنما جرح يستمر في تشكيل الشخصية طوال حياتها. ولذلك تعود كاملة باستمرار إلى ذكرياتها، لا بدافع الحنين، وإنما لفهم أسباب الألم الذي رافق تكوينها النفسي.

وتغدو الذاكرة هنا فضاءً علاجيًا، إذ تسمح للساردة بإعادة ترتيب الأحداث وتأويلها، وهو ما يجعل فعل السرد نفسه وسيلة لمصالحة الذات مع ماضيها.

ومن خلال هذا البناء النفسي، تؤكد الرواية أن العنف الأسري لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يظل حاضرا داخل الشخصية في صورة خوف، أو قلق، أو إحساس دائم بعدم الأمان، وهو ما يفسر العمق الانفعالي الذي يميز خطاب الساردة منذ الصفحات الأولى.

خاتمة الدراسة:

تخلص هذه الدراسة إلى أن رواية "حكايتي شرح يطول"  "لحنان الشيخ" تمثل نصا ا سرديا مركبا يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية، ليؤسس خطابا روائيا يتداخل فيه الذاتي بالجمعي، والتخييلي بالمرجعي، والواقعي بالرمزي، في إطار بناء فني يستثمر الذاكرة بوصفها آلية مركزية لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل التجربة الإنسانية. فقد تبين من خلال التحليل أن الرواية لا تستعيد الماضي بوصفه معطى زمنيا ثابتا، وإنما تعيد إنتاجه عبر وعي سردي متحول يجعل من التذكر فعلا تأويليا يعيد بناء الذات والعالم في آن واحد.

كما أظهرت الدراسة أن البنية السردية في الرواية تقوم على تفكيك الخطية الزمنية لصالح منطق الذاكرة والاسترجاع، حيث يتقدم الزمن النفسي على الزمن التاريخي، مما أتاح للشخصية الساردة إعادة صياغة تجربتها وفق رؤية داخلية تتأسس على التداعي الحر والمونولوج الداخلي وتيار الوعي. وقد أسهم هذا الاختيار الفني في تعميق الطابع النفسي للنص، وفي الكشف عن التوترات العميقة التي تحكم علاقة الذات بماضيها وببنيتها الاجتماعية.

وتؤكد النتائج كذلك أن تمثلات الذات النسوية في الرواية لا تنبني على خطاب احتجاجي مباشر، بل تتشكل عبر استراتيجية سردية دقيقة تقوم على تفكيك أنساق السلطة الأبوية من داخل التجربة اليومية للشخصيات. فالأب في النص لم يعد مجرد شخصية فردية، بل تحول إلى تمثيل نسقي لسلطة ثقافية واجتماعية تعيد إنتاج الهيمنة الذكورية، في حين برزت الأم بوصفها نموذجا للمقاومة الصامتة التي تعيد تعريف مفهوم البطولة خارج منطق القوة التقليدي، لصالح الصبر والرعاية والحفاظ على الكيان الأسري.

ومن جهة أخرى، كشفت الدراسة أن الفضاء المكاني والزماني في الرواية لا يؤدي وظيفة خلفية أو تزيينية، بل يشارك في إنتاج الدلالة من خلال ارتباطه الوثيق بالحالة النفسية للشخصيات، حيث يتحول المكان إلى امتداد للذات، ويغدو الزمن بنية شعورية أكثر منه تعاقبا تاريخيا. وهو ما يعزز الطابع الرمزي للنص ويجعله قابلا لقراءات متعددة تتجاوز السرد المباشر إلى التأويل الثقافي والنفسي.

كما تبين أن اللغة الروائية عند: حنان الشيخ " تقوم على تداخل الفصحى بالعامية، بما يسمح بتجذير الخطاب في واقعه الاجتماعي، مع الحفاظ على طاقته الجمالية والتعبيرية. وقد أسهم هذا التداخل اللغوي في خلق أثر واقعي مضاعف، يجعل الشخصيات أكثر قربا من بيئتها الثقافية، ويمنح السرد قدرة أكبر على تمثيل التعدد الاجتماعي والطبقي داخل المجتمع اللبناني.

وتخلص الدراسة أيضا إلى أن الرواية تمثل خطابا نقديا للأنساق الثقافية المهيمنة، خصوصا النسق الأبوي وتوظيفاته الاجتماعية والدينية، حيث لا تقدم هذه الأنساق بوصفها حقائق نهائية، بل تعمل على تفكيكها وإظهار تناقضاتها الداخلية، مما يجعل النص الروائي فضاء للمساءلة الثقافية وإعادة التفكير في البنى الاجتماعية التقليدية.

وانطلاقا من مجمل هذه النتائج، يمكن القول إن رواية "حكايتي شرح يطول" لا تكتفي بسرد تجربة ذاتية، بل تؤسس مشروعا سرديا نقديا يعيد مساءلة مفهوم الذات، والهوية، والسلطة، والذاكرة، ضمن أفق جمالي وفكري متكامل يجعلها من أبرز النماذج في الرواية العربية النسوية المعاصرة.

التوصيات:

بناء على ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات العلمية والمنهجية، على النحو الآتي:

تعميق الدراسات السردية النسوية العربية من خلال التركيز على العلاقة بين البنية الفنية وتمثلات السلطة، وعدم الاكتفاء بالمقاربات الموضوعاتية أو الوصفية.

إعادة قراءة السيرة الذاتية النسوية بوصفها شكلا هجينًا بين التخييل والمرجعية، بما يسمح بتجاوز الفصل التقليدي بين الرواية والسيرة.

توسيع توظيف النقد الثقافي في تحليل الرواية العربية الحديثة، للكشف عن الأنساق المضمرة التي تتحكم في إنتاج الخطاب الأدبي، خصوصا أنساق السلطة والهوية والنوع الاجتماعي.

الاهتمام بالبنية اللغوية في الدراسات الروائية، خاصة ظواهر التداخل بين الفصحى والعامية، باعتبارها مؤشرا دالا على التحولات الاجتماعية والثقافية.

تشجيع الدراسات المقارنة بين تجارب روائيات عربيات في اشتغالهن على الذاكرة والذات النسوية، من أجل بناء تصور أوسع للرواية النسوية العربية في تعددها واختلافها.

التركيز على البعد النفسي في تحليل النصوص السردية، لما له من دور أساسي في فهم تشكل الشخصيات وتحولات الوعي داخل الرواية.

***

ذ. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

 

قراءة حداثية في "في انتظار غودو" لصمويل بيكيت

مدخل إشكالي: يحتل النقد المسرحي السائد منذ مارتن إسلين (Esslin, 1961) موقفاً تأسيسياً في تصنيف "في انتظار غودو" (1953) ضمن مسرح العبث، باعتباره تعبيراً عن "عبثية الوجود الإنساني" في عالم ما بعد الحرب. غير أن هذا التصنيف، بالرغم من قيمته التأسيسية، تحوّل إلى قالب تأويلي جاهز يُسقَط على النص من دون مساءلة بنيته الداخلية. يقترح هذا المقال قراءة حداثية تتجاوز المعالجة الموضوعاتية المباشرة (الانتظار كحَدَث، غودو كرمز) نحو مساءلة بنيوية ولغوية وفلسفية أعمق، تكشف أن النص يستبق إشكالات لم تُصَغ نقدياً إلا لاحقاً مع التفكيكية وفلسفة اللغة.

1. الزمن الدائري بوصفه بنية لا حدثاً:

تُجمِع الدراسات النقدية على أن المسرحية تقوم على بنية دائرية لا خطية، إذ يكرر الفصل الثاني أحداث الفصل الأول مع تحويرات طفيفة (الشجرة التي تورق، عمى بوزو) من دون أن يمنحها معنىً تراكمياً. وقد لاحظ النقاد أن هذه البنية تخلو من العرض والعقدة والحل بالمعنى الأرسطي التقليدي، وأن الفعل المسرحي لا يتطور بل يتكرر؛ إذ تقوم مسرحيات مسرح العبث غالباً على بنية دائرية، وتدعم معظم عناصر هذا العمل المسرحي تلك البنية بطريقة أو بأخرى، فالمكان واحد والزمن واحد في كلا الفصلين. وقد عبّر الناقد فيفيان مرسييه عن هذه السمة بصياغته الشهيرة بأن المسرحية "عمل لا يحدث فيه شيء، مرتين"، وهي عبارة تكررت كثيراً في الدراسات اللاحقة إذ تصف الطريقة التي تجد بها الشخصيتان نفسيهما عالقتين في حلقة لا نهائية من الانتظار طوال المسرحية، عاجزتين عن إحراز أي تقدم نحو هدفهما بنهاية أي من الفصلين.

الاستشكال الحداثي هنا يتجاوز رصد التكرار كتقنية أسلوبية إلى قراءته بوصفه إلغاءً جذرياً لمنطق السببية السردية ذاته. فحين يقول فلاديمير: "ماذا نفعل الآن؟" ويجيب إستراغون: "ننتظر"، ثم يتكرر التبادل ذاته بصيغ متقاربة في الفصل الثاني، فإن الحوار لا يخدم تطوراً في الحَدَث بل يثبّت حالة الجمود ذاتها كبنية وجودية دائمة لا عابرة فبعد خلاف حول أمر تافه، يتصالح فلاديمير وإستراغون وتعقب ذلك فترات صمت قصيرة، يسأل فلاديمير بعدها: "ماذا نفعل الآن؟" فيجيب إستراغون بكلمة واحدة: "ننتظر". هذا "الزمن الفارغ من الحدث" - كما تصفه إحدى الدراسات - لا يعكس مجرد رتابة يومية، بل يطرح أطروحة فلسفية مفادها أن الزمن البشري، حين يُجرَّد من غاية، يفقد قدرته على أن يكون "سرداً" بالمعنى الأرسطي، ويتحول إلى تكرار خالٍ من المعنى. فالبنية محورية في فكرة المسرحية، إذ صُمِّمت لتعكس عبثية الحياة وانعدام معناها، وتسهم جميع عناصر المسرحية من شخصيات وموضوعات ومكان وحوار في عكس البنية الدائرية وتأكيدها.

2. اللغة كموضوع للمساءلة لا كوسيط للمعنى:

تصف القراءات التقليدية حوار بيكيت بـ"العبثي" بمعنى انعكاسي: لغة مفككة تعكس عالماً مفككاً. لكن المقاربة الحداثية تقلب هذه العلاقة: اللغة ليست وسيلة تمثيل بل هي موضوع المساءلة بذاتها. فالعبارات المتبادلة بين الشخصيتين ("لنذهب" / "لا يمكننا") لا تحمل معلومة بل تؤدي وظيفة بديلة هي ملء الفراغ وتثبيت وجود الذات عبر فعل الكلام لا عبر مضمونه - وهذا يقترب مما طرحته لاحقاً فلسفة اللغة عند فيتجنشتاين المتأخر (Wittgenstein, 1953) من أن المعنى يكمن في الاستعمال لا في الإحالة، غير أن بيكيت يذهب أبعد إذ يُظهر إمكان انفصال اللغة كلياً عن أي استعمال ذي غاية.

تبلغ هذه المساءلة ذروتها في مونولوج "لاكي" المتدفق من دون ترقيم، الذي يبدأ بافتراض وجود إله شخصي وينتهي بصورة جمجمة متحجرة فارغة، حيث تختلط فلسفات متعددة (التوماوية، الديكارتية، الهيغلية) في خطاب يفقد منطقه واتساقه تدريجياً.

ومن منظور الاتساق والمنطق، فإن الخطاب ينتهي عند تلك النقطة من دون أن تُستخلص نتيجته المنطقية أو يُعطى استنتاج، إذ يضيع المعنى النهائي في متاهة من اللامعقولية والتفكك. فهذا المونولوج ليس انهياراً عرضياً بل نقد بنيوي لخطاب المعرفة الغربي ذاته، إذ يستبق - بنيوياً لا منهجياً - ما ستطرحه التفكيكية لاحقاً مع جاك دريدا (Derrida, 1967) حول استحالة اكتمال المعنى وتأجله الدائم؛ فلاكي يجسّد حرفياً عملية "الإرجاء" بوصفها انهياراً عضوياً لا قدرة فلسفية على الوقوف.

3. غودو كآلية بنيوية لا شخصية مؤجلة:

استنفد النقاد إجابات عدة حول هوية غودو: الله (ثورية محتملة على Godot/God)، الموت، المعنى، الأمل. والاستشكال الحداثي يقترح أن غودو ليس شخصية مؤجلة الحضور بل "دالّ فارغ" يحرّك السرد بقوة غيابه لا بوعد حضوره؛ فموضوع المسرحية الحقيقي هو حالة عدم اليقين ذاتها، وحاجة الشخصيتين الدائمة إلى طمأنة وجودهما الذي تظل أدلته الحسية موضع شك. إذ يمثل الموضوع الأساس في انتظار غودو حالة عدم اليقين، فكل من فلاديمير وإستراغون يريدان طمأنة وجودهما الذي لا يشعران بثقة تامة بشأنه أصلاً، لأن أدلة حواسهما مريبة للغاية، فهما في حاجة دائمة إلى طمأنة. ولعل المفارقة الكاشفة في هذا السياق أن بوزو، حين يعود في الفصل الثاني أعمى، لا يتذكر لقاءه الأول بهما، وهو ما يعمّق إحساس الشخصيتين بعدم استقرار الذاكرة والهوية في عالم فقد إحداثياته. فهما لا يحصلان أبداً على تلك الطمأنينة حين يظهر بوزو من جديد في الفصل الثاني عاجزاً عن تذكر لقائه بهما من قبل. من هذا المنطلق يمكن قراءة النص بوصفه نقداً مبكراً لمنطق "السرديات الكبرى" - الدين، الإيديولوجيا، الخلاص الفلسفي - التي ستهاجمها لاحقاً ما بعد الحداثة، بوصفها وعوداً مؤجلة تنظّم الزمن البشري دون أن تتحقق، بل ربما لا تحتاج إلى التحقق لتؤدي وظيفتها التنظيمية.

4. الجسد المعطوب والفكاهة السوداء كمقاومة وجودية:

من زاوية أخيرة، يستحق الجسد في النص وقفة: الأحذية الضيقة، الحاجة الملحّة للتبول، الجوع، الإعياء، وعجز بوزو الجسدي المتصاعد. هذه التفصيلات الجسدية، حين تُقرأ في ضوء النظرية الجسدية المعاصرة، تكشف أن بيكيت لا يطرح فلسفة عبثية مجردة بل يجذّرها في المعاناة الجسدية اليومية، وكأن الجسد هو آخر معقل للواقع حين تنهار اللغة والزمن والمعنى. إذ تُبرز الأحذية والقبعات والحبل والأمتعة وغيرها من الأغراض المعاناة الجسدية التي تلازم الشخصيتين طوال المسرحية. والفكاهة السوداء (مشاهد القبعات، السقوط، الحوارات الهزلية القصيرة) ليست استراحة كوميدية بل شكل من أشكال المقاومة الوجودية: الضحك في وجه العبث ليس إنكاراً له بل اعترافاً واعياً به مقروناً بإصرار على الاستمرار، وهو ما يقترب من مفهوم "التمرد" عند كامو (Camus, 1942) أكثر من اقترابه من العدمية الخالصة.

خاتمة:

إن قراءة "في انتظار غودو" بوصفها مرآة بسيطة للقلق الوجودي ما بعد الحربي تُسطّح عمق النص وتُحنّطه في لحظته التاريخية. القراءة المقترحة هنا تكشف نصاً يفكك الزمن السردي عبر بنيته الدائرية، ويعري اللغة من وظيفتها الإحالية عبر مونولوج لاكي، ويحوّل الشخصية الغائبة (غودو) إلى آلية بنيوية لا إلى لغز يُحل، ويجذّر العبث في الجسد لا في التجريد الفلسفي فحسب. بهذا تصبح المسرحية نصاً يستبق الأسئلة التفكيكية وما بعد الحداثية حول اللغة والمعنى والسرديات الكبرى، ويستحق أن يُقرأ اليوم بوصفه تجربة نصية تُسائل أسس المسرح والسرد والمعنى ذاتها، لا بوصفه وثيقة مغلقة عن "عبثية الوجود".

***

آمال بن الطاهر

..............................

المراجع المعتمدة:

- Beckett, S. (1954). Waiting for Godot. Grove Press.

- Camus, A. (1942). Le Mythe de Sisyphe. Gallimard.

- Derrida, J. (1967). De la grammatologie. Les Éditions de Minuit.

- Esslin, M. (1961). The Theatre of the Absurd. Doubleday.

- Wittgenstein, L. (1953). Philosophical Investigations. Blackwell.

- Frag, A. N. "The Circular Structure of Samuel Beckett's Waiting for Godot."

مجلة كلية التربية الأساسية.

- Mercier, V. (1956). "The Uneventful Event." The Irish Times.

قراءة نقدية في قصة بولص آدم

في قصة “عشاء عراقي “للكاتب العراقي بولص آدم والتي نشرتها جريدة القدس العربي الصادرة في لندن مؤخرا، لا يقدّم النص حكاية عن أسرة فقيرة فقط، بل يفتح فضاءً سيميائياً واسعاً تتحول فيه الأشياء اليومية إلى علامات دالة على الفقر، والذاكرة، والكرامة، والخيال. فالقصة لا تُبنى على ما هو موجود مادياً، بل على ما يتم استحضاره غيابياً: الطعام بوصفه علامة، والمائدة بوصفها مسرحاً للفراغ، والذاكرة بوصفها مخزناً بديلاً للواقع.

منذ البداية، تتكثف الدلالة السيميائية للفقر عبر تفاصيل دقيقة: الطحين الذي لم يبق منه سوى “طبقة رقيقة من الغبار الأبيض”، وكيس الرز الذي يحتوي “حبات قليلة تتدحرج داخله”. هذه ليست مجرد أوصاف واقعية، بل علامات على انكماش الحياة المادية إلى حدها الأدنى. فالفراغ هنا لا يدل على نقص غذائي فقط، بل على بنية اجتماعية مأزومة تُنتج الحرمان كحالة مستمرة.

أبو سعد: مركز إنتاج المعنى في الفراغ

تتمحور القصة حول شخصية أبو سعد بوصفه فاعلاً سيميائياً يحاول إعادة إنتاج المعنى داخل عالم منهك. فهو لا يواجه الجوع مباشرة، بل يعيد ترميزه عبر الخيال. حين يقول لحفيدته: “الليلة عندنا عشاء خاص“، فإنه ينقل العائلة من مستوى الواقع إلى مستوى العلامة البديلة، حيث يصبح الكلام بديلاً عن الطعام، واللغة بديلاً عن المادة.

وهنا تتحول المائدة الفارغة إلى علامة مركزية. فهي في ظاهرها دليل على الفقر، لكنها في سياق اللعب الجماعي تصبح فضاءً تخييلياً تُمارس عليه طقوس الوليمة غير المرئية. إن الفراغ ذاته يتحول إلى “محتوى”، وكأن الغياب قد صار حضوراً رمزياً.

الطعام كذاكرة وهوية

الأطباق التي يستحضرها أبو سعد—التشريب، الدولمة، المسكوف، البامية—ليست مجرد أطعمة، بل علامات ثقافية تحيل إلى هوية عراقية جمعية. إنها ذاكرة مجتمع كامل، تُستدعى في لحظة انكسار لتؤدي وظيفة تعويضية. وهكذا يتحول الطعام من حاجة بيولوجية إلى رمز للأنتماء والدفء العائلي.

كما أن أستدعاء السينما، من تشارلي شابلن إلى الأفلام الإيطالية، يضيف طبقة سيميائية أخرى، حيث يصبح الخيال البصري جزءاً من أدوات مقاومة الواقع. فالذاكرة هنا ليست شخصية فقط، بل ثقافية وإنسانية ممتدة.

التواطؤ الجمعي مع الوهم

غير أن أحد أهم الأبعاد السيميائية في القصة يكمن في استجابة الأسرة كلها لهذا الوهم دون اعتراض وتمرد. فالجميع ينخرط في اللعبة الرمزية التي أبتكرها أبو سعد: الابن يطلب المزيد من ورق العنب، الزوجة تمدح الرز، الجدة تشتكي من الفلفل، والحفيدة تتفاعل مع حرارة المرق المتخيل.

هذا التفاعل لا يمكن قراءته بوصفه خداعاً بسيطاً، بل هو تواطؤ جمعي إيجابي مع الوهم، هدفه حماية المعنى لا إنكاره. فالأسرة تدرك غياب الطعام، لكنها تختار تعليق هذا الإدراك مؤقتاً لصالح تجربة وجدانية مشتركة تعيد إنتاج الدفء الأسري.

سيميائياً، يتحول الوهم هنا إلى علامة مزدوجة: فهو من جهة يرمز إلى التضامن، ومن جهة أخرى يكشف هشاشة الواقع الذي يحتاج إلى الخيال كي يُحتمل.

بين المقاومة والرضوخ: مفارقة النهاية

غير أن هذا التواطؤ لا يخلو من إشكالية نقدية أعمق. فذهاب الأسرة إلى النوم على بطون خاوية بعد انتهاء “الوليمة” يوحي بأن الخيال، رغم كثافته العاطفية، لم يغيّر شيئاً في البنية المادية للجوع. بل يمكن القول إنه ساهم في تأجيل الألم بدل مواجهته.

هنا تتحول العلامة السيميائية إلى مفارقة: فالوليمة التي امتلأت بالخيال تنتهي بفراغ حقيقي أكثر قسوة، وكأن الخيال أعاد ترتيب الألم دون أن يلغيه. إن الضحك الذي ملأ الغرفة لا يبدد الجوع، بل يغلفه مؤقتاً بطبقة من الدفء الإنساني.

ويأتي فعل أبو سعد الأخير ليعزز هذا التوتر. فعندما يقول: “غداً سيكون عندنا عشاء حقيقي“، لا يبدو القول إعلاناً عن تغيير بقدر ما هو صيغة دعاء أو تمنٍّ هشّ. إنه انتقال من الخيال الجماعي إلى الأمل الفردي، ومن الفعل الرمزي إلى الانتظار.

خيال يداوي ولا يغيّر

يمكن القول إن قصة “عشاء عراقي “تقوم على توتر دائم بين قطبين سيميائيين:

قطب المقاومة الرمزية عبر الخيال والضحك والذاكرة.

وقطب الرضوخ الضمني الذي يعيد إنتاج الواقع دون اختراقه.

فالخيال في النص يمنح العزاء، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود هذا العزاء. إنه يخلق عالماً مؤقتاً من الامتلاء داخل فراغ حقيقي مستمر. وهكذا لا تبدو القصة مجرد حكاية عن الجوع، بل عن الطريقة التي يتعلم بها الإنسان العيش داخل الجوع عبر اللغة، والذاكرة، والرمز.

وفي النهاية، تبقى جملة أبو سعد الأخيرة معلقة بين الدعاء والانتظار، بين الأمل والعجز، لتلخص جوهر التجربة كلها: أن الإنسان قد لا يملك تغيير واقعه فوراً، لكنه قادر دائماً على إعادة تخييله ولو إلى حين.

***

عامر هشام الصفار

ضمنَ سياقَات المعرفة المعاصرة

يُعدُّ الاغتراب من أكثر المفاهيم الإنسانيَّة تعقيدًا وتشعّبًا، فهو لا ينحصر في البُعد الجغرافيّ أو الانفصال المكانيّ عن الوطن، بل يتجاوز ذلك ليصبح تجربةً وجوديَّةً ووعيًا داخليًّا يعكسُ انكسارات الذَّات في علاقتها بالعالم. نشأَ هذا المفهوم في أحضان الفلسفة، خاصَّة في الفكر الهيغليّ والماركسيّ، ليأخذ لاحقًا موقعًا مركزيًّا في الأدب والفنون، حيث تحوَّلَ إلى عدسةٍ نقديَّةٍ لكشفِ الاضطراباتِ النَّفسيَّةِ، والاجتماعيَّةِ، والسّياسيَّةِ التي تكتنفُ الإنسان المعاصر. ولعلَّ هذا ما يقودُنا إلى فهمِ موضوع الاغتراب وتحليله بوصفه حالةً إنسانيَّةً ومفهومًا ثقافيًّا.

و يُقارب الاغتراب في السّياق المعرفيّ، بوصفه نتاجًا لتبدّلات الحداثة وما بعد الحداثة، وتجليَّات العولمة، وسيطرة التّقنيّة، وفقدان المعاني الرَّاسخة، وهو ما يدفعُ الفنان والكاتب إلى مساءلة العالم، واستنطاق هشاشة الذَّات، والتَّفاعل مع الغياب أكثر من الحضور، فيكتسي الاغتراب طابعًا جماليًّا وأخلاقيًّا في آن.

وللاغتراب في الأدب والفنون تجليَّات متعدِّدة تتمثُّلُ في الآتي:

1- الأدب: من الاغتراب الوجوديّ إلى الاغتراب الثَّقافيّ: في الرّواية والشّعر، لا يُقدَّم الاغتراب فقط كفعل روائيّ، بل كموقف من العالم. في رواية "الغريب" لألبير كامو، مثلًا، نجدُ اغتراب (ميرسو) ليس فقط تجاه المجتمع، بل تجاه المنطق الأخلاقيّ السَّائد. وفي شعر السيّاب، يتجلَّى الشّعور باللاانتماء عبر استعارة الغربة عن الذَّات واللُّغة والمكان، حيث يتحوَّلُ الوطنُ إلى طيفٍ هاربٍ والهويَّة إلى سؤالٍ مفتوحٍ.

كما احتضنَ الأدب العربيّ الحديث بدوره الاغتراب كهمّ مركزيّ، وبرزَ ذلك في أدب المهجر، مثل كتابات (جبران خليل جبران، وأمين الرّيحانيّ) الذين عبّروا عن اغتراب مزدوج: جسديّ وفكريّ. هذا التَّعبير امتدَّ إلى الأدب الفلسطينيّ في المنفى، حيث الاغتراب مرتبطٌ بالفقدِ والانتماءِ المؤجَّلِ، كمَا يتَّضحُ في أعمالِ (محمود درويش)، الذي قال: "الحنينُ هو الاغترابُ حين لا يصبحُ الوطن قابلاً للعودة".

2-  الفنون البصريَّة والمسرح: يتحقَّقُ الاغترابُ في اللّوحةِ الفنيَّةِ، عبر التَّشكيلات الغامضة والفراغات، كما في أعمال (إدوارد هوبر)، حيث تُبنى المشاهد على عزلة الشَّخصيَّات وانفصالها عن محيطها. في المسرح، يُعيد (بريخت) تعريف الاغتراب عبر نظريَّته في "تغريب المشاهد"، لجعل المتفرّج يتأمَّلُ الحدثَ دونَ أن ينغمسَ فيه، ممَّا يمنحه قدرةً نقديَّةً وتحليليَّةً للواقعِ.

حتَّى السّينما، تلك الفنّ المترابط بالأحاسيس الجمعيَّةِ، لم تُعفَ من تمثيل الاغتراب. أفلام مثل "Her" و"Lost in Translation" تقدّم شخصيَّات تائهة، تبحثُ عن تواصل غير ممكن، في عالم مفرط في الاتّصال ويفتقرُ إلى الدفء الحقيقيّ.

 أهمّيّة دراسة الاغتراب بين التَّفكيك والتَّصالح: لا تُعدُّ دراسة الاغتراب ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورةً لفهمِ الإنسانِ في لحظاته الحرجة. فالتَّأمُّل في حالات الانفصال الذّاتيّ والجماعيّ يمنح الأدب والفنّ طاقة تتجاوز حدود التَّعبير إلى إعادة تشكيل الوعي. الاغتراب ليس مجرَّد شكوى، بل سؤال فلسفيّ عن معنى الوجود، عن الهويَّة في زمن التَّعدُّد، عن الحضور في عالم يغلب عليه الغياب.

من خلال هذه المفاهيم، يمكنُ لهذا الكتاب الجماعيّ ببحوثه المتنوّعة أنْ يكونَ رحلةً لاكتشافِ الذَّات والآخر، والمساءلة عن وظيفة الفنّ والأدب كوسيطين في مقاومة التَّهميش والاغتراب، أو في التَّعايش معه وتحويله إلى مساحة إبداع.

 الاغترابُ في الموسيقى والثَّقافة الرَّقميَّة: عزلةٌ داخل الاتّصال

الموسيقى أنينُ الذَّاتِ في العالمِ الحديثِ: في الموسيقى، يُجسّد الاغتراب لحظةَ انكشافٍ داخليٍّ، حيثُ يتحوَّلُ اللَّحنُ والكلمةُ إلى وسيلةِ استبطانٍ ومعانَاةٍ، لا مجرَّد أداء فنّيّ. أغاني الجاز والبلوز مثلًا نشأت من سياقات اغترابيّة، عبّرت عن ألم الأقليَّات والهويَّة المهمّشة، كما جسَّدت الموسيقى البديلة (Alternative music) نوعًا من التَّمرّد على نمط الحياة الاستهلاكيّ، وما يرافقه من فقدان المعنى.

وفي العالم العربيّ، ظهرت موجات موسيقيّة تعكسُ الاغتراب الوجوديّ والمجتمعيّ، كمَا في أعمال (زياد الرَّحبانيّ) التي تنتقدُ الواقع السّياسيّ والاجتماعيّ بسخريّةٍ ممزوجةٍ بالحزن، وأغانٍ لشباب الرَّاب تُعبّر عن انعدام الفرص، وفقدان الانتماء، وضبابيّة المستقبل.

الثَّقافةُ الرَّقميَّة الاغتراب في زمن التَّفاعل المُفرط: المفارقة الكبرى أنَّ التّقنيَّات الحديثة ووسائل التَّواصل الاجتماعيّ، التي وُجدت لتقريب النَّاس، أصبحت سببًا رئيسيًّا في تفاقم الشّعور بالاغتراب. فالفردُ في العصر الرَّقميّ يعيشُ حالةً من "الحضور الغائب"، متَّصلٌ دائمًا لكنَّه منقطعٌ وجدانيًّا. الصّور المُنمّقة، والهويَّة الافتراضيَّة المصنوعة، والبحث اللا متناهي عن الإعجاب، كلّها عناصر تعمّق الانفصال عن الذَّات الحقيقيّة، وتحوّل العلاقة مع العالم إلى واجهة متكلّفة.

حتّى في الإنتاج الثّقافيّ الرّقميّ، مثل الفيديوهات القصيرة والبودكاست، يُلاحَظ حضور خطاب الاغتراب، حيث يُصارح الشَّباب جمهورهم بمشاعر القلق، والتَّشتُّت، والوحدة، وكأنَّ الثَّقافة الرَّقميَّة أصبحت مرآةً تعكسُ هشاشةَ النَّفسِ المعاصرةِ.  

ختامًا نقولُ: إنّ ظاهرة الاغتراب ليست مجرَّد سمة شعوريَّة أو ظرف اجتماعيّ، بل تُشكّل آليَّة خطابيَّة معرفيَّة تتخلَّل بنية النّص الأدبيّ، وتُسهمُ في توليدِ المعنى وتفكيكه في آنٍ واحدٍ. إذْ يتجلَّى الاغترابُ عبرَ تعدّديّة الصّور الفنيَّة والنّصوص الشّعريّة والسّرديّة والمسرحيّة والسّينمائيّة وغيرها، سواءً في الانفصال عن الذَّاتِ، أم عزلة الكائن عن العالم، أم التَّمزّق بين الانتماء والمنفى.

وقد أظهرَ التَّحليلُ أنَّ السّياقات المعرفيَّة— بما في ذلك السّياق الفلسفيّ، الاجتماعيّ، والجماليّ— تلعبُ دورًا مركزيًّا في إعادةِ صياغةِ مفهوم الاغتراب داخل النَّص، وتمنحهُ أبعادًا تتجاوزُ التَّمثيل إلى التَّأويل، حيث يصبحُ الاغتراب مسلكًا hermeneuticًا للكشفِ عنِ التَّوتُّراتِ الدَّاخليَّةِ بينَ الكاتبِ والعالَمِ، وبين الذَّاتِ والمعرفةِ، وبين اللُّغةِ وما ترمزُ إليهِ.

وهكذا، يمكن القول إن الاغتراب في الخطاب الأدبي لا يُختزل في تجلياته الشعورية، بل يرقى ليكون أفقًا معرفيًا يُعيد مساءلة الواقع والمعنى والهوية. ومن خلال التأويل، تتداخل الذات النصية مع الذات القارئة، ليصبح الفهم ذاته فعلًا مغتربًا ينتج المعنى عبر مسارات التباين والاختلاف لا من خلال اليقين أو التطابق.

***

بقلم: الأكاديميّة الجزائريّة: أ.د سعاد بسناسي

 جامعة وهران1 عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة

(مقاربة بلاغية تداولية)

يعد (التعريف والتنكير) وسيلتين من الوسائل الدلالية التي يستعين بها المبدع في تشكيل بنية النص الشعري، والشاعر بوصفه فناناً يتعامل مع الكلمة تعاملاً مخصوصاً يجد في التعريف والتنكير" ثراء يهيم به في ساحة النص الشعري التى لا تحدها حدود، ولا يوقف دلالتها عائق ما، فإذا كان التعريف في بعض حالاته تحديداً وتجسيماً للدلالة وبياناً لدقة ما تشير إليه اللفظة، فإن التنكير بعموميته وتوظيفه في بنية التركيب يضيف عمقاً ومقدرة على إثراء الدلالة ثراءً يكشف عن مساهمة التنكير في البنية العامة للنص ". (1)

إن تعامل الشاعر مع هذه الظاهرة الأسلوبية واستغلاله لإمكانياتها الدلالية يكشف عن مدى شاعريته، وعمق فهمه لأدوات فنه، وقد أطال البلاغيون في هذا المبحث إطالة تدعو إلى الرثاء ـ كما يقول رجاء عيد ـ "حيث أجهدوا أنفسهم في متاهات جزئية، لا يمكن أن تكون حكماً على الصورة العامة في أى عمل فني، وإن جاز تطبيقها على موقف فمن الصعب أن ُتطبق في موقف آخر ". (2)

فللسياق دور ملحوظ في كشف أسباب ميل الشاعر إلى التعريف والتنكير حيث يتصل ذلك بالجانب النفسي في إبراز الدلالة، والمعنى المكتسب من طبيعة الصياغة وخواص التركيب .

وهذه الظاهرة اتضحت بشكل لافت في قصيدة (إرادة الحياة) لأبي القاسم الشَّابِّي، ونسعى في هذا المقام لكشف مدى استغلال الشاعر لها، وكيفية توظيفها لإثراء جماليات النص الشعري.

تكشف البنية الإحصائية للقصيدة عن هيمنة واضحة للألفاظ المعرفة على حساب الألفاظ النكرة، إذ بلغت نسبة الكلمات المعرفة بـ (ال) (31.7%) من مجموع كلمات النص، في حين لم تتجاوز النكرات نسبة (6.3%).

ولا يُنظر إلى هذه النسبة بوصفها معطىً عددياً فحسب، بل باعتبارها مؤشراً أسلوبياً يكشف جانباً من رؤية الشاعر للعالم وطبيعة تجربته الشعرية. فغلبة التعريف تدل على نزوع الخطاب الشعري إلى التعيين والتخصيص، وتؤكد أن الشاعر يتعامل مع موضوعه بوصفه حقيقة متجسدة لا تصوراً مجرداً أو احتمالاً ذهنياً. ومن ثمّ يسهم التعريف في تثبيت المرجعيات الدلالية للقصيدة وإضفاء قدر من الوضوح واليقين على رؤيتها الفكرية والوجدانية.

كما أن هذا الحضور الكثيف للألفاظ المعرفة يفضي إلى تعزيز التماسك النصي؛ إذ تتكرر الوحدات الدلالية المحورية في صورة معرفية تجعلها بؤراً مركزية تنتظم حولها بقية عناصر الخطاب، وبهذا يغدو التعريف أداةً لبناء الوحدة العضوية للنص، لا مجرد ظاهرة نحوية أو صرفية.

أما محدودية حضور النكرة فتشي بأن الشاعر لا يميل إلى إنتاج الدلالة عبر الإبهام أو الانفتاح التأويلي الواسع، وإنما يوظف التنكير في مواضع مخصوصة تؤدي وظائف بلاغية دقيقة، كتوسيع الأفق الدلالي، أو الإيحاء بالعموم، أو تضخيم الإحساس النفسي، أو التعبير عن روح التمرد والثورة، ومن ثمّ فإن التنكير في القصيدة يؤدي وظيفة نوعية لا كمية، إذ تتجاوز قيمته النقدية حضوره العددي المحدود.

وتؤكد هذه النتائج أن الشاعر اعتمد استراتيجية أسلوبية تقوم على ترجيح دائرة المعلوم والمحدد على دائرة المجهول والمحتمل، وهو ما ينسجم مع خطاب شعري يسعى إلى تثبيت رؤيته وإقناع المتلقي بها، أكثر من سعيه إلى نتاج غامض، أو فتح مسارات تأويلية لا نهائية.

- التعريف بالألف واللام:

" إن دخول " أل " على الاسم والتى تسمى بـ (أل الجنسية) يفيد الاسم تعريفاً، ولكنه تعريف ذو درجة من حيث إفادة التعريف ". (3)

ومن الأسماء ما يعرف بـ (أل) الاستغراقية فيفيد الإحاطة والشمول لا لجميع الأفراد، ولكن لصفة من الصفات المشتركة بين هؤلاء الأفراد، وبذلك ـ أى بهذا الشمول ـ يعوض إبهام الذات تعيين هذه الصفات " وفي هذه الحالة تضعف دلالة الاسم على الذات، وتقوى دلالته على صفاته وصفات أمثاله التي يجمعها السياق بفضل التعريف الاستغراقي". (4)

وقد لاحظ الباحث أن "الشَّابِّي" يلجأ إلى مثل هذه الوسيلة من التعريف الاستغرافي عندما يعظم أمر الموقف الذي يستغرقه، أو عندما يريد إبراز الصفة دون الاسم وذلك على سبيل المبالغة وقوة الحدث، ومن ذلك قوله:

كذلك قالتْ ليَ الكائناتُ

وحدَّثَني روحُها المُستَتِرْ

ودَمْدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجاجِ

وفوقَ الجبالِ وتحتَ الشَّجرْ

إِذا مَا طَمحْتُ إلى غايةٍ

رَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ

ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِ

ولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ

ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ

يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ

فَعَجَّتْ بقلبي دماءُ الشَّبابِ

وضجَّت بصدري رياحٌ أُخَرْ

وأطرقتُ أُصغي لقصفِ الرُّعودِ

وعزفِ الرّياحِ وَوَقْعِ المَطَرْ

وقالتْ ليَ الأَرضُ لما سألتُ

أيا أمُّ هل تكرهينَ البَشَرْ؟

أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموحِ

ومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ

وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ

ويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ

هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحَيَاةَ

ويحتقرُ الميْتَ مهما كَبُرْ

فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِ

ولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ

ولولا أُمومَةُ قلبي الرَّؤومُ لمَا

ضمَّتِ الميْتَ تِلْكَ الحُفَرْ

فويلٌ لمنْ لم تَشُقْهُ الحَيَاةُ

منْ لعنةِ العَدَمِ المنتصرْ (5)

** بداية نقف عند قول الشاعر: " إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ" أياً كان المسوّغ فهو ينافي عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر التي هي ركن من أركان الإيمان، فإرادة البشر تابعة لإرادة الله تعالى وليس العكس، قال الله تعالى} وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ{ التكوير:29

"الكائناتُ، المُستَتِرْ، الرِّيحُ، الفِجاجِ، الجبالِ، الشَّجرْ، المنى، الحَذرْ، الشِّعابِ، اللَّهَبِ، المُستَعِرْ، الجبالِ، الدَّهرِ، الحُفَرْ، الشَّبابِ، الرُّعودِ، الرّياحِ، المَطَرْ، الأَرضُ، البَشَرْ، النَّاسِ، الطُّموحِ ، الخطرْ، الزَّمانَ، العيشِ، الحجرْ، الكونُ، الحَيَاةَ، الميْتَ، الأُفقُ، الطُّيورِ ، النَّحْلُ، الزَّهَرْ، الرَّؤومُ، الميْتَ، الحُفَرْ، الحَيَاةُ، العَدَمِ، المنتصرْ..." هذه الأسماء معرفة بـ " أل "، لكنه تعريف مغلف بالشمول وعدم التحديد، حيث تفيد " أل " معنى " كل " لينتقل من معنى معين إلى ما يدل عليه الجنس، ونزوع الشاعر لمثل هذا التعريف ـ عندما يطرح المعنى وقد أراد إثباته والتركيز عليه ـ يجعل الدلالة أكثر تمثلاً في ذهن المتلقى ؛ حيث جاء ذلك في إطار الحث على السعي ؛ لثبوت الدلالة حقيقة على من يدعوهم ويحفزهم ويستنهض همتهم، مما أدى إلى تجسيم المعانى المطروحة، الأمر الذى جعلها أشد وقعاً على النفس، ذلك أن " التعريف بالألف واللام مرتبط بالصياغة في أصل وضع الكلمة حيث تمثل إضافة أداة التعريف تعميقاً لحقيقة اللفظة " (6) ؛ حيث يسهم في إثارة الحافزية لدى المتلقين واستنهاض طاقاتهم النفسية والمعنوية، ويؤدي إلى شحذ الهمم وبعث روح الفاعلية والإقدام في النفوس، ويعمل على تعبئة الوجدان الجمعي، ويوقظ فيه روح المبادرة والتحدي.

ـ التنكــير:

بالنسبة للتنكير فقد وجد ـ هو الآخرـ وعياً من الشاعر بمفهومه، وطبيعة أدائه، فقام باستغلال إمكانياته وتوظيفه في بنية النص الشعري بنفس كفاءته في توظيف التعريف، ودراسة سياق التنكير عامة تؤكد " أن الحدث الكلامي له معنى، ومن ثم فإن دراسة هذا المعنى تبرز لنا طبيعة السياق واضحة جلية، وذلك مرتبط بالشكل السطحي للأداء واتصاله بالمعنى الذي أنتجه الشاعر ". (7)

والنكرة إن كانت لا تدل على شىء محدد أو معين، فهذا بالنسبة لمقتضيات النحو، إلا أن النص الإبداعي اختراع للكلمة التى لا تعرف الثبات ولا الجمود، ومعجميتها تتحول إلى معان ٍ أخرى بعيدة عن المعنى الحرفي لها، ومن نماذج توظيف النكرة في قصيدة "الشَّابِّي" قوله:

ويفنى الجميعُ كحلْمٍ بديعٍ

تأَلَّقَ في مهجةٍ واندَثَرْ

وتبقَى البُذورُ التي حُمِّلَتْ

ذخيرَةَ عُمْرٍ جميلٍ غَبَرْ

وذكرى فصولٍ ورؤيا حَياةٍ

وأَشباحَ دنيا تلاشتْ زُمَرْ

معانِقَةً وهي تحتَ الضَّبابِ

وتحتَ الثُّلوجِ وتحتَ المَدَرْ

لِطَيْفِ الحَيَاة الَّذي لا يُملُّ

وقلبُ الرَّبيعِ الشذيِّ الخضِرْ

وحالِمةً بأغاني الطُّيورِ

وعِطْرِ الزُّهورِ وطَعْمِ الثَّمَرْ

ويمشي الزَّمانُ فتنمو صروفٌ

وتذوي صروفٌ وتحيا أُخَرْ

وتَصبِحُ أَحلامَها يقْظةً

موَشَّحةً بغموضِ السَّحَرْ

تُسائِلُ أَيْنَ ضَبابُ الصَّباحِ

وسِحْرُ المساءِ وضوءُ القَمَرْ

وأَسرابُ ذاكَ الفَراشِ الأَنيقِ

ونَحْلٌ يُغنِّي وغيمٌ يَمُرْ (8)

يلجأ الشاعر هنا إلى استخدام النكرة لتقديم مشهد تصويري، فيقوم بوصف عناصر / مكونات المشهد / اللوحة، حيث يقصد الشاعر إلى مواجهة المتلقى مباشرة بمفردات اللوحة، ومن ثم يجذبه إلى ولوج بنية النص، واستكشاف مساراته المجهولة، فالكلمات " " حلْمٍ، بديعٍ، مهجةٍ، عُمْرٍ، جميلٍ، فصولٍ، دنيا ، زُمَرْ، معانِقَةً، حالِمةً، صروفٌ، أُخَرْ، يقْظةً، موَشَّحةً، نَحْلٌ , غيمٌ ... " منكرة، وكل كلمة في حالتها هذه تؤدى دلالة في بنية النص، إذ تعد عنصراً حيوياً في هذا المشهد الذي صوره الشاعر، وهذا المشهد ـ لا يرتبط بالواقع الخارجي بقدر ارتباطه باللحظة النفسية للشاعر، ولا شك أن وضع هذه الكلمات / النكرات على هذا النحو قد أحدث تأثيره المطلوب، حيث " تقدم كل كلمة بعداً من أبعاد هذا الجو النفسي الذي يعكس روح التفاؤل والأمل في غدٍ مشرق، وهكذا لا ينتهى المتلقى من استيعاب دلالة هذه الكلمات حتى يكون قد ارتسم في نفسه انطباع متكامل عن هذا الجو بشتى أبعاده " . (9)

لقد استطاع الشاعر بهذه البداية (إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ  فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ) أن يتيح للمتلقي إنتاج دلالات جديدة تتعدى وظيفة الشرط في الجملة، إذ ينبض الموقف بأنفاس متأججة، وفي محاولة لإيقاظ العزائم واستنهاض الهمم كان الشرط لا لاستدعاء الفعل على مستوى القول، وإنما ليعلن موقفه تجاه الواقع.

أما اللوحة الفنية في هذه القصيدة فتتكون من مجموعة لقطات حية تعكس أبعاد الحالة الشعورية في نسق بلاغي يعتمد على الطباق؛ حيث استطاع الشاعر أن يوزعه على مستوى النص ليجعل منه نواة تشد المعنى إليه؛ فتبعث سكونه بما يمثله من إسقاط دلالي يكشف عن الحالة النفسية في ثنائية تجمع بين أنماط سلوكية متقابلة.

ومن ثمّ ينهض الطباق في قصيدة (إرادة الحياة) بوظيفة دلالية تتجاوز حدود الزخرفة البلاغية إلى بناء الرؤية الفكرية للنص؛ إذ تتشكل التجربة الشعرية عبر شبكة من الثنائيات المتقابلة التي تجسد حركة الصراع بين قوى الحياة وقوى الفناء. فمن خلال التضاد بين (الحياة والعدم، والحي والميت، والنمو والذبول، والفناء والبقاء)، «فويلٌ لمن لم تشقه الحياةُ من صفعة العدم المنتصر» يعد هذا الطباق محور القصيدة؛ إذ يقيم الشاعر صراعًا بين الوجود والفناء، والحركة والجمود، وها «هو الكون حيّ يحب الحياة ويحتقر الميت مهما كبر»، ومن ثمّ جاء الطباق لتأكيد أن قيمة الوجود مرتبطة بالحيوية والفاعلية، «فتنمو صروفٌ وتذوي صروفٌ وتحيا أخر» يصور سنة التغير في الكون وتعاقب القوة والضعف.

وهكذا يرسخ الشاعر مفهوم الحياة بوصفها فعلاً متجدداً قائماً على الإرادة والحركة والتطور، في مقابل العدم الذي يمثل السكون والانطفاء والعجز عن مواكبة سنن الوجود. ويؤدي هذا التضاد إلى تكثيف المعنى وإبرازه في صورة أكثر حيوية وتأثيراً، حيث تتحدد قيمة كل طرف من خلال نقيضه. كما يسهم الطباق في إضفاء طابع جدلي على الخطاب الشعري، فيجعل القصيدة فضاءً لصراع مستمر بين الهدم والبناء، واليأس والأمل، والجمود والتجدد، وهو ما ينسجم مع الفلسفة العامة للقصيدة القائمة على تمجيد الإرادة الإنسانية وقدرتها على الانتصار لقيم الحياة والنهضة. ومن ثمّ يغدو الطباق عنصراً بنائياً أساسياً يسهم في تشكيل البعد الفكري والجمالي للنص، ويمنحه قوة إقناعية وتأثيراً وجدانياً عميقاً.

إن التقابل ـ هنا - قائم على شعور نفسي عميق بالتناقض بين الأشياء والموجودات من خلال ثنائية " الأمل واليأس" التي تضرب بجذورها في صميم الوعي الإنساني، فالشاعر يعرض لدواعي الأمرين، ليستشرف أملاً بين ثنايا اليأس، ويلتمس قبساً من نور خلف المحاق والدجى الذي لا بد أن يتبعه انبلاج الفجر.

ولا يكاد القارئ ينتهى من قراءة مفردات اللوحة حتى تنطبع في ذهنه صورة مكتملة العناصر عن المعاناة التي يعيشها الشاعر في شتى أبعادها .

ولسنا في حاجة إلى الوقوف طويلاً عند ما يحفل به المقطع من صور بلاغية متنوعة، ما بين المجاز والتشبيه والاستعارة، وحسبنا أن نتذوقها من خلال استبطان وظيفتها في السياق،

(صفعة العدم)، (دمدمة الريح)، (عزف الرياح)، (شفاه الظلام)، (قلب الربيع)، (لحن المطر)، (سبات الوجود)، (روح الظفر).

ونلاحظ أن إثبات الأمل يعني نفي اليأس ؛ وذلك أن النفي يجسد أسلوب الشاعر، ويحدد ما يقصده، على أساس انعدام التشابه بين ما يحياه وما يتمناه، وهو عندما يتلاعب بالنفي يعني الإثبات من خلال المخالفة، وهكذا نلاحظ أن الإثبات والنفي قيمتان خلافيتان تظهران المفارقة بين حالتين متناقضتين.(ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الحياةِ، فويلٌ لمَنْ لم تَشُقْهُ الحياةُ، ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِ، ولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ، ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ، وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ، فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِ، ولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ...)

لقد جاء هذا المقطع حاملاً نوعاً من التوازي بين البنية اللغوية والحالة النفسية، إذ يتم إنتاج الدلالة في وسط ينتمي إلى المستقبل من خلال الفعل المضارع الذي تكرر (50) مرة في القصيدة، ومجموعة المضارعات (يستجيب، ينجلي، يعانقه....) كلها تمثل بعداً زمنياً خاصاً، حيث تشد الماضي إلى فلك الحاضر لاستعادة علاقة جديدة بعيدة عن هموم الواقع، علاقة تشكل عالماً جديداً من الأمل والسلام، من خلال استخدام اللغة كأداة فاعلة في رسم ملامح هذه الحياة، وصياغة معنى الوجود، ذلك المعنى الذي يتجاوز الإحساس بالمعاناة والقيود إلى الإحساس بالتحرر والانعتاق. ومن هنا تتبدى وظيفتها الجمالية والفكرية في قدرتها على خلق عالم متخيَّل يوازن بين حاجات الذات النفسية وتطلعاتها الإنسانية، ويجسد رؤية قائمة على التفاؤل والثقة وإمكان تحقيق حياة أكثر سلاماً وحرية وجمالاً .

***

د. جمال فودة - (أستاذ النقد والبلاغة)

.....................

المصادر والمراجع

1ـ محمد السيد الدسوقي: علم المعانى في ضوء علم الأسلوب الحديث " دراسة تطبيقية " الطبعة الأولى - مطبعة الشوربجى – طنطا – 1996م0ص 162

2ـ رجاء عيد: فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور ـ الطبعة الثانية ـ منشأة المعارف ـ الإسكندرية ـ 1988 م 0 68ص

3ـ عباس حسن: النحو الوافي – الطبعة الثامنة – الجزء الأول – دار المعارف – القاهرة – (د . ت) 0ص 426

4ـ محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيات – منشورات الجامعة التونسية – تونس – 1981 م 0ص 378

5ـ أبو القاسم الشَّابِّي: الديوان، تحقيق وتقديم (نور الدين صموّد) تونس ـ دار المغرب العربي، وزارة الثقافة، 1994 ـ ص 231

6ـ محمد عبد المطلب: البلاغة والأسلوبية – الطبعة – الشركة المصرية العالمية للنشر – القاهرة – 1994 م 0ص 347

7 ـ السابق: 312

8ـ أبو القاسم الشَّابِّي: الديوان، تحقيق وتقديم (نور الدين صموّد) تونس ـ دار المغرب العربي ـ وزارة الثقافة 1994 ـ ص233

9ـ علي عشري زايد: بناء القصيدة العربية الحديثة – الطبعة الرابعة – مكتبة الشباب – القاهرة – 1995 م 0ص 244

للقاصة اليمنيّة وسيلة أمين سامي

وسيلة أمين سامي – قاصة من اليمن.. نشر لها العديد من القصص القصيرة في جرائد ومجلات عربيّة.. مثل: الدستور العراقيّة، منبر التحرير المصريّة، الثورة اليمنية، الموقف الأدبي لاتحاد الكتاب العرب في سوريا، جريدة وإذاعة المواسم الأردنيّة، وغيرها الكثير. كما نشر لها في العديد من المواقع الالكترونيّة العربيّة داخل العالم العربي وخارجه، مثل: موقع ساحة التحرير في العراق، وموقع السياسي في الأردن، والحوار نيوز في لبنان، ونشرة المحرر في المغرب، وصحيفة المثقف في المهجر، وموقع تللسقف في العراق.

ترجم لها بعض القصص القصيرة للغة الانكليزيّة.. طبعت لها مجموعة قصصيّة، والثانية تحت الطبع. لها بعض النصوص الشعريّة والنثريّة.

من بين أعمالها قمنا بدراسة هذه القصة وهي بعنوان: ("كيف للكلمات أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.".

البنية السرديّة للقصة:

"أحمد" في الأربعين من عمره..لم يزل شاباً أنيقاً.. فنان تشكيلي مشبع بأحاسيس الفن وشغفه.. في طريق عودته لمنزله يقع نظره على مظروف ملقى على قارعة الطريق.. يلتقطه وهو يلتفت يمنة ويسرى لعله يجد صاحبه.. يدفعه فضوله لفتح المظروف فيجد فيه مجموعة من الأوراق مسطر عليها كلام ساحر بلغة الشعر، يغلق المظروف ويتجه لمقهى قديمة قرب منزله ليشرب الشاي.. ثم يغادر إلى منزله البسيط في بنائه والغني الأنيق النظيف في أثاثه... يدفعه فضوله لقراءة بقيّة الأوراق.. يسحره كلام (ريم) صاحبة المظروف.. حيث وجد فيه ما يحرك أحاسيسه كفنان تشكيلي: (الألوان لا ترى نفسها.. لا تتهجى قوس قزح.. لا تتحسس دندنات الحب في احمرارها.. لا تتوه في رحاب زرقتها.. هي وجه الحياة.. مرآة تعكس الانفعالات الكامنة في النفس.. بصمتها تبوح لك بالكثير من الأسرار.. وهي لا تدرك ما تفعله بقلوبنا وكيف تفتتن بها أعيننا، تظل فوق السحاب سنابل نور وفي ارتعاشات الزهر أغنيات رواء ووشوشات أريج، وجودها يمحو كثيراً من قتامة الحياة...فدع فرشاتك ترتقي لتصدح أصوات ألوانك.. تقطف باقة من نجوم.. تتقلد هالة القمر.. تتفيأ أهازيج الأحلام.. تشرب ضحوات النهارات.. تخاصر ألحان المساء.).

حرك هذا النص بجمال صياغته وصوره وعمق عبارته روح الفنان التشكيلي الذي أهمل الرسم منذ فترة.. كما حرك عنده الإحساس بالماضي أيضاً ذاك الفردوس المفقود عند الإنسان العربي بقولها: (في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان. ). ذكره هذا الكلام المشبع بأحاسيس الماضي بالعم (صالح)، الذي وصل إلى الثمانين حولاً ولم يزل متصالحاً مع نفسه، وبروحه المرحة.. وسماته الهادئة.

(عصف عاطفي اجتاح مشاعره.. ماذا فعلت بي يا (ريم).. ومن أنت؟.. وكيف للكلمة أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.).. كل هذه الحنين للماضي، وفيض مشاعر الحب التي فجرتها (ريم) دفعه لاقتحام غرفة الرسم التي أهملها منذ فترة طويلة حتى اعتلى الغبار كل مفرداتها.

قرر أخيراً أن يقيم معرضاً فنيّاً.. حضر له بجد ونشاط لعدّة أشهر. وبعد اكتمال لوحاته ونشر الإعلانات عن قيامه.. تم افتتاحه فعلاً.. جعل صورة متخيلة لـ (ريم) بعينين خضراوين، وصورة للعم (صالح) وسط صور معرضه.

كان عقله وحواسه وخلجات روحه - التي أقنعه حدسه بأن (ريم) ستأتي - كلها معلقة بباب المعرض... لم تهمه دعوة الإعلامي لإجراء مقابلة له فأجلها حتى لا تلهيه عن شغف انتظار من شغلت روحه وعقله.. فجأة اشتدت قبضته على المظروف، وعيناه متسمرتان على مدخل المعرض. وبعد حين دخلت فتاة.. قادتها خطاها لتلك اللوحة.. تسمرت وهي تنظر إليها.. خفق قلب (أحمد) بقوة.. اقترب منها وعقله يكاد يزيغ.. يا لهذا الشبه!!!. إنها هي بعينيها الخضراوين.. سألها برتباك:

- أنت ريم؟.

-أجابت: نعم وما أدراك.. هل تعرفني؟.

أشار للمظروف في يده: عرفتك من نصوصك ورسمتك من وحي خيالي.. وآن الأوان لتعرفيني أيضاً.

ابتسمت مبهورة وتاهت في تفاصيل اللوحة.

البنية الفكريّة للقصة:

تظل العاطفة عندنا نحن أبناء الشرق عموماً، والعرب على وجه الخصوص، هي من يحرك حياتنا في حاضرنا الذي لم يزل محكوما بالماضي من جهة، وتوقف زمن الحاضر والمستقبل على عتباته دائماً من جهة ثانية. فالمقهى القديم بكل أثاثه الخشبي القديم يذكرنا بهذا الماضي: (مقهى شعبي بمقاعد وطاولات خشبية متهالكة، لو قدر لها أن تنطق لأسمعتك الشيء العجاب من ذكريات سنين وأجيال طال عليها العهد.. يقف شاهداً على زمن مضى وارتحل بصروفه وتقلباته. كما تظل ظلال الراحلين كضوء لم يخبو نوره يلفنا، في ذاكرتنا.. وفي ومرافئ حياتنا كلها:

(في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان.).

أما ما تريد القصة قوله أيضاً هو الحديث عن عواطفنا المحمومة دائماً تجاه المرأة.. ففي الوقت الذي نتعامل معها بقسوة المجتمع الذكوري، تجدنا نحن ذاتنا نغني، ونرسم أجمل اللوحات، ونكتب أجمل القصائد، ونصنع أجمل الألبسة لها.. هي (عشتار وفينوس وديانا).. وهي الملهمة.. وهي الحب والعشق والوجد كله.. وهي عند بطل قصتنا من نفضت عنه غبار الكسل وخمول الابداع، ومن حركت حدّسه لخلق صورة لها، فتأتي مطابقة لتصوره.. هذه هي المرأة التي أذهلت وأربكت بعض حروفها التي دونتها (ريم) على ورق قد أحيت (أحمد) من جديد.. لتجعله دون إرادته بعد أن أصابه عصف عاطفي اجتاح مشاعره ليقول بحالة من الهذيان:(ماذا فعلت بي يا (ريم).. ومن أنت؟.. وكيف للكلمة أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.)..

البنية الفنيّة للقصيدة:

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة للعنوان:

تأتي البنية السرديّة والفكريّة للقصة متفقة تماماً مع البنية الدلاليّة لعنوان القصة وهو: (كيف للكلمات أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.). فجماليّة الكلمات التي صاغت بها (ريم) جملها وعباراتها وصورها، وعمق دلالاتها، ورهافة أحاسيسها التي تجلت فيها وعبرها، قد حركت كل ما هو ساكن في عالم (أحمد)، حيث شكلت له صدمة أعادت له وعيه الضائع في تفاصيل حياة مجانيّة أنسته دوره ومكانته كفنان تشكيلي يحمل رسالة في هذه الحياة.

الصورة في القصة:

تظل الصورة في سياقها العام، تركيباً لغوياً تُمكّن الأديب من تصوير معنى واقعي/طبيعي أو عقلي/فكري أو عاطفي/وجداني. فهي في المحصلة انعكاس للواقع العياني من جهة، ومتخيل أو مجاز لواقع آخر من جهة ثانية، فمن خلال الصورة يكون المعنى متجلياً أمام المتلقي، حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التشخيص والتجريد والمشابهة. ويعود الاهتمام بالصورة في الأدب بوصفها أيضاً أداة الأديب التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير، مثلما تعد مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة، ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه و الاستعارة و الكناية والتمثيل وحسن التعليل.

إن هذه المعطيات للصورة كلها تجلت حقيقة في تلك المواقف الذهنيّة التي جسدتها القاصة (وسيلة آمين) عبر أوراق (ريم). فجماليّة الصورة في عيانيتها وتخيلها معا، لم تدهش (أحمد) فحسب، بل ساهمت في تحريك عواطفه وعقله معاً، وأعادت توجيه حياته من جديد، فراح يزيل الغبار ليس عن مرسمه الذي أهمله لفترة طويلة فحسب، بل عن جوهر حياته أيضاً كفنان تشكيلي له رسالة في هذه الحياة من جهة، وله قلب لم يزل يعشق الحياة ويعرف كيف يجدد حبه من جهة ثاني.

جميلة هي الصور التي رسمتها القاصة (وسيلة) كما جاء في متن القصة: (الألوان لا ترى نفسها.. لا تتهجى قوس قزح.. لا تتحسس دندنات الحب في احمرارها.. لا تتوه في رحاب زرقتها.. هي وجه الحياة.. مرآة تعكس الانفعالات الكامنة في النفس.. بصمتها تبوح لك بالكثير من الأسرار.. وهي لا تدرك ما تفعله بقلوبنا وكيف تفتتن بها أعيننا، تظل فوق السحاب سنابل نور وفي ارتعاشات الزهر أغنيات رواء ووشوشات أريج، وجودها يمحو كثيراً من قتامة الحياة. فدع فرشاتك ترتقي لتصدح أصوات ألوانك.. تقطف باقة من نجوم.. تتقلد هالة القمر.. تتفيأ أهازيج الأحلام.. تشرب ضحوات النهارات.. تخاصر ألحان المساء).

إن الصورة في القصة لم تأت للتزيين والزخرفة اللفظيّة، وإنما جاءت تعبيراً أصيلاً تمليه الحالة النفسيّة والوجدانيّة والفكريّة للقاصة (وسيلة).

الرمز في القصة:

الرمز في سياقه العام، أسلوب فني يستخدمه الأديب، بحسب تجربته الشّعوريّة أو نظرته الفنيّة، ويساهم في تشكيل المعنى الذي يودّ الأديب إيصاله إلى المتلقي. وبالتالي قد يكون الرمز كلمةً أو عبارةً أو إشارة أو شخصيّةً، أو اسم مكان، وهو يتضمن دلالتين، إحداهما مباشرةٌ وظاهرةٌ تاريخيّة أو معاصرة لها حضورها في حياة الأمّة أو الشعب أو الفرد.. الخ، والأخرى باطنةٌ مرتبطةٌ بالمعنى المُراد تبليغه، مثل استخدام الحمامة رمزًا للسلام، والدماء رمزًا للحرب والقتل، والمطر رمزًا للخير، والميزان رمزًا للعدالة.

على العموم نستطيع القول: إن الرمز هو اقتصاد لغوي يكثف مجموعة من الدلالات والعلاقات في بيئة ديناميّة تسمح لها بالتعدد والتناقض... وهو لذلك علاج لنقض المنطق، وضيق البنى التي ترفض التناقض والاختلاف، كما أنه علاج لجمود المعطيات والمفاهيم الثابتة. فمن خلال الرمز يمكن للأدب تجاوز الثبات للتعبير عن أوجه التناقض والحركة، أو الكشف عن الثنائيات المتقابلة التي تشمل الوجود الانساني.

ومن خلال قراءتنا للقصة يتبين لنا دور الرمز في بنائها السردي/ الحكائي والفكري معاً. فـ (وسيلة)، قاصة لم يزل الماضي.. (الفردوس المفقود) بكل معطياته الماديّة والمعنويّة/ القيميّة، منطلقا لحاضرها ومستقبلها معاً، فهو (الفانوس) الذي تشعر بأن نوره على وشك الانطفاء والتلاشي: (في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان.. هل تأملت وجوههم.. هل قرأت خارطة السنين مهرولة في ملامحهم.. تاركة خريفاً منحنٍ يلتقط بيع ذكريات لا تشيخ؟...أدنُ منهم.. سامر وحدتهم.. ليكونوا لك أنسا فكن أنيساً لهم.. منصتاً لحكاياتهم باهظات الحكمة والضياء.).

أحس أحمد أن في القلب دوحة استطالت بها غصون الشوق وتدلى منها شجن دامع، ووجوه من رحلوا تلوح.. تترى في أضلعه.. وهنا يتذكر (أحمد) العم(صالح) الرجل الذي بلغ الثمانين من عمره كرجل يمثل قيم الماضي.. متصالح مع نفسه، يمتاز بروح مرحة.. تزين ملامحه لحية بيضاء مرتبة.. هادئ السمات.. معتمراً كوفية أنيقة... شرب كثيراً من الحكمة ومن حكايا لا تخلو من الظرافة التي تنساب من حديثه.. وهو يحدق مدهوشاً في وجهه الذي شعر بأنه اختزل وجوه من رحل من العارفين.

اللغة في القصة:

لقد اعتنت القاصة (وسيلة) عناية بالغة باللغة التي صيغت بطريقة أقرب إلى الشاعريّة. حيث تجد فيها الكثير من المحسنات البديعيّة، ، كالتورية، وكثرة الانزياحات اللغويّة، والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة، كما ظهر لنا كل ذاك التعدد في نوعيّة الجمل التي كانت تنوس بين الخبر والانشاء، هذا إضافة إلى ورود الجمل ذات المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، الأمر الذي يجعل المتلقي يشعر بأن مسألة التعامل مع البلاغة عند "وسيلة أمين" تأتي بشكل مدروس كحرفة تمتهنها بشكل متعمد، وهذا ما حول الصفة الأدبيّة في القصة من السهل الممتنع، ومن حالة جماليّة وفنيّة، إلى تصنيع متكلف أرهق دلالات المعنى إلى حد ما.. وهذا لا يعيب أسلوب القاصة على أية حال.

لقد جاءت اللغة في عمومها عند القاصة سليمة وفصيحة وسهلة وشفافة، استخدمت من قبل القاصة بقدرات تعبيريّة باهرة، وهذا يدل في الحقيقة على الثراء اللغوي والغنى الفكري من حيث قدرة التعبير وقوة التصوير في آن واحد عند (وسيلة)، كما يدل ذلك على أن القاصة حازت على لغة فنيّة خاصة بها. وهذه القدرة لا تأتي إلا من خلال تجربة طويلة للقاصة، ووعيها أيضاً بقضايا المجتمع بأفراحها وأحزانها.

ملاك القول:

إن الكاتب أو الأديب الحقيقي هو الذي يلتزم بالواقع المحيط به، وينحاز لجذوره الاجتماعيّة والطبقيّة وتناقضاتها والعمل على تصويرها وطرح الحلول لها إن أمكن.

أو بتعبير آخر: إن الأديب الحق هو الذي يلتزم بواقعه بالقدر الذي يلتزم فيه بقيمه ومبادئه التي يبشر بها في كتاباته. (فالعناية بالطابع المحلي هي الطريق إلى العالميّة.) فلا سبيل لعالميّة الفن إلا إذا اهتم الأديب وعبر أولاً عن البيئة المحليّة التي عاش فيها. إن هموم الإنسان ومعاناته اليوم قد تختلف في الشكل، إلا أنها تتلاقى من حيث الجوهر. والتجارب الأدبية بشكل عام تهدف إلى تحرير الإنسان من غربته وقهره واستلابه وجوعه ومقاومة من يعمل على امتصاص قوته وجهده وسلبه حريته وعقله.

القاصة (وسيلة أمين) أحد رموز الأدب في اليمن الشقيق.. قاصة تعشق حرفتها بلا حدود، وهذا ما جعلها تعطيها الكثير من عقلها وقلبها وروحها ووقتها.. فراح هذا العطاء يثمر الجديد في كل مرة تقدم فيه عملاً قصصيّاً.. إن كان في لغتها أو صورها أو عمق الفكرة التي تبني عليها سردها. (وسيلة أمين) نخلة تسمو كل يوم في عالم مشبع بالتناقضات، لتقول لمن يتابعها.. لقد خلقت لأكون (عشتار)... وسأكون بكل ما أحمل من عقل وعاطفة وإحساًس وخصب روحي.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

(كيف للكلمات أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.)

لوحة:

كل ما حوله يبدو كما اعتاد عليه وهو يسير في طريق عودته إلى منزله.

إنارة الشارع تنعكس على ملامحه التي لا تخلو من وسامة وكثير من الوجوم..

هبات من نسمات الصيف تعبث بخصلات شعره الذي علا جانبيه بعض الشيب.. أربعيني محافظ على هندامه وأناقته. واصل سيره بخطى متئدة.. مطرقاً برأسه إذ رأى مظروفاً ملقى على الأرض كاد يدوسه.. يبدو أنه وقع من أحدهم للتو.. التقطه وأخذ يقلبه بين يديه.. نظر يمنة ويسرة عله يرى صاحب المظروف.. انتظر قليلاً ثم فتحه.. أخرج ما بداخله.. بضع من أوراق مرتبة بعناية فائقة.. أعادها إلى المظروف واكمل سيره بخطى أسرع لما انتابه من فضول بشأن تلك الأوراق.

مر بالمقهى الرابض ركن الزقاق المؤدي لمنزله. مقهى شعبي بمقاعد وطاولات خشبية متهالكة، لو قدر لها أن تنطق لأسمعتك الشيء العجاب من ذكريات سنين وأجيال طال عليها العهد.. يقف شاهداً على زمن مضى وارتحل بصروفه وتقلباته.

دخل منزله بأثاثه البسيط لكنه غاية في النظافة والترتيب.. إحدى غرفه مرسم صغير علا محتوياته الغبار لطول هجره.

ارتمى على الأريكة ورغم الاجهاد الذي اعتراه إلا انه كان في توق لقراءة ما حوته تلك الأوراق.. خواطر أدبية مكتوبة بخط أنيق.. مذيلة باسم: (ريم فؤاد). شرع في قراءة النص الأول:

- الألوان لا ترى نفسها.. لا تتهجى قوس قزح.. لا تتحسس دندنات الحب في احمرارها.. لا تتوه في رحاب زرقتها.. هي وجه الحياة.. مرآة تعكس الانفعالات الكامنة في النفس.. بصمتها تبوح لك بالكثير من الأسرار.. وهي لا تدرك ما تفعله بقلوبنا وكيف تفتتن بها أعيننا، تظل فوق السحاب سنابل نور وفي ارتعاشات الزهر أغنيات رواء ووشوشات أريج، وجودها يمحو كثيراً من قتامة الحياة.

فدع فرشاتك ترتقي لتصدح أصوات ألوانك.. تقطف باقة من نجوم.. تتقلد هالة القمر.. تتفيأ أهازيج الأحلام.. تشرب ضحوات النهارات.. تخاصر ألحان المساء.

**

حدق بباب مرسمه الموصد. اجتاحه شوق طاغ، ورغبة جامحة لألوانه وفرشاته.

**

- إذا داعبت خديها بفرشاتك ستشرق فيها روح أخرى.. ستسمع صوت عطرها..ستحس بقرب أنفاسها..(تلك هي الزهرة) فازرعها على أديم أوراقك ستحيا بلا ذبول.

**

نهض عن أريكته.. قادته خطاه إلى مرسمه.. نفض الغبار عنه وهو يشعر بشيء من الندم لطول هجره.. تسارعت الأفكار لمخيلته.. عزم للعودة إلى الرسم.. وبدأ يرتب لوحاته.

**

لم يقو على ترك تلك النصوص:

- في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان.

**

أحس أحمد أن في القلب دوحة استطالت بها غصون الشوق وتدلى منها شجن دامع، ووجوه من رحلوا تلوح تترى في أضلعه.

عصف عاطفي اجتاح مشاعره.. ماذا فعلت بي يا (ريم).. ومن أنت؟.. وكيف للكلمة أن تعرج با القلب لسموات الحنين!!!

ما زال منهمكاً في القراءة.

**

هل تأملت وجوههم.. هل قرأت خارطة السنين مهرولة في ملامحهم.. تاركة خريفاً منحنٍ يلتقط بيع ذكريات لا تشيخ؟.

أدنُ منهم.. سامر وحدتهم.. ليكونوا لك أنسا فكن أنيساً لهم.. منصتاً لحكاياتهم باهظات الحكمة والضياء.

**

في الأثناء تذكر أحمد جاره المسن الطيب وأنه في مثل هذا الوقت من كل ليلة من هذا الصيف يخرج أمام بيته باحثاً عن شيء من الهواء البارد.

العم صالح ثمانيني متصالح مع نفسه، يمتاز بروح مرحة.. تزين ملا محه لحية بيضاء مرتبة.. هادئ السمات.. معتمراً كوفية أنيقة.

ألقى عليه التحية فرد عليه ببشاشة ودعاه للجلوس معه..

شرب كثيراً من الحكمة ومن حكايا لا تخلو من الظرافة التي انسابت من حديثه.. وهو يحدق مدهوشاً في وجهه الذي شعر بأنه اختزل وجوه من رحل من العارفين.

لم يشبع أحمد من حديث العم صالح.. لكنه اضطر لتوديعه.

عاد للقراءة:

بقلبك أنظر لهذا النسيم الذي اهتزت له أفئدة الغصون.. وطربت له أنداء الزهور.. وانحنى له الاخضرار.. فالعين محال أن تراه؟

**

مر الوقت سريعاً.. فتح النافذة.. كان الفجر قد لاح في الأفق.

افتح نافذتك أنصت لهذا النور يمتطي أسرجة الصباح.. كأني به ينسكب في حارتنا العتيقة.. يَدعوُني إليها فتضمني أزقتها الأثيرة.. تسمعني صوت طفولتي الوردي.. تأخذ بقلبي المثقل شوقاً.. برائحة الود الصافي وطعم الفرح الندي تطوف بي في ضلوع ذاكرتها الدفينة المنحوتة في وجداني.

**

آه أيتها الريم..من تكونين؟؟.. كأنك معي تربتين لأشجان روحي.

نصوص أخرى عاش بين سطورها تركت أثراً كبيراً في نفسه.. وفي بضع شهور رسم لوحات رائعة إحداها وقف حائراً وهو يرسمها.. أحس أنها من أصعب اللوحات لكنها الأحب إلى قلبه.. سكب ألوانها من حنايا مخيلته.. صورة لفتاة.. تساءل ترى كيف تكون ملامحها ومن أي مروج اكتحلت عيناها؟؟.. اختار لعينيها لوناً أخضر..

بعد أن اكتملت تلك اللوحة ظل يتأملها بعينين فاحصتين حتى شعر بالرضا وأسماها (ريم).

عزم أن يقيم معرضاً يضم لوحاته.. استغرق الأمر بضع شهور.. بدأ بنشر الإعلانات.. صاحبة المظروف ستحضر معرضه.. (ريم فؤاد) سوف تحضر.. هكذا حدثه قلبه.

أتم كل ما يخص تجهيز المعرض.. قرر أن تتوسطه لوحة (ريم).. وبجانبها لوحة تحمل وجه العم صالح.. وجاء اليوم الموعود.. بدأ الناس من محبي الرسم يتوافدون للمعرض.. كان أحمد شارداً.. متسمرة نظراته عند باب المعرض ينتظر شخصاً لم يره من قبل لكنه قرأه ورآه بقلبه.. وإحساسه يخبره بقوة أنه سيأتي.. الوقت يمر ببطء.. اقترب منه (صحفي) لإجراء لقاء معه. لكنه اعتذر بلطف وستأذنه بتأجيل ذلك.. فلم يكن يشغله آنذاك سوى رؤية صاحبة الخواطر التي تركت في نفسه كل ذاك الأثر.

اشتدت قبضته على المظروف، وما زالت عيناه متسمرتين على مدخل المعرض. وبعد حين دخلت فتاة.. قادتها خطاها لتلك اللوحة.. تسمرت وهي تنظر إليها.. خفق قلب أحمد بقوة.. اقترب منها وعقله يكاد يزيغ.. يا لهذا الشبه!!!. إنها هي بعينيها الخضراوين.. سألها برتباك:

- أنت ريم؟.

-أجابت: نعم وما أدراك.. هل تعرفني؟.

أشار للمظروف في يده: عرفتك من نصوصك ورسمتك من وحي خيالي.. وآن الأوان لتعرفيني أيضاً.

ابتسمت مبهورة وتاهت في تفاصيل اللوحة.

***

قصة: وسيلة أمين سامي.

لقد تأخرتُ في معرفتهِ، رغمَ أنّي أقرأ لهُ مُنذ نشرت صحيفة المثقف الغرّاء خبر صدور كتابي "المبدعون غرباء عن العالم" عام 2011، إذ بمحض المصادفة وجدتهُ أحد الكُتّاب فيها، فاستهوتني كتاباته!. إنَّه شاعرٌ مِن نوعٍ آخر، حفرَ لأسمه البقاء المجيد؛ فنصوصهُ الأدبيّة خلّاقة متفرّدة عن سواه، أما السمة البارزة في شعرهِ، فهي الفخامة، فضلاً عن التّعددية الفنيّة، والذاتيّة في الوقت نفسهِ، بحيث لا تعرف إلى أيّةِ مدرسة ينتمي، لأنّهُ - والحقُّ يقال - نهج شعري لا يشبه سواه، إضافةً إلى الصورة الأدبيّة البلاغية الّتي يتحلى بها شعره!.

بعيدًا عن المغالاة، أو المجاملة، أو أي استيحاء: إنَّ القناعةَ التي تولدت لديّ هي: ليسَ أعمىً من لم يرَ النور، بل من لمْ يقرأ لعبد الستار نورعلي؛ فشعرُ ابن باب الشيخ، ليس الزخَّة مِنَ المطرِ، بل الزخّة الباذخة بالومضة، القصيدة، النصوص النثرية، المونولوج، المقالة....

كُتِبَ عنهُ الكثير، وقدمت فيه دراسات أكاديمية وأطروحات ماجستير عن شعره. كنتُ مُحتارًا ماذا أكتبُ، وما الذي أضيف؟!. لأنّني أنشأت ذاتي ألّا أكون نسخة مُعادة عن غيري، لا كهنوتيًّا، ولا أدبيًّا، ولا ثقافيًّا... فكتبتُ قراءة في شعرِ هذا الشّاعر الّذي شرّفني واكرمني بكلمةٍ لغلاف روايتي (ليلة واحدة في الغرق).

* قراءةٌ صادقةٌ في وجدانيات شاعر باب الشيخ

 مَن يطالع المنجز الشعري لشاعرنا العراقي عبد الستار، الذي لا يقول عن نفسه شاعرًا (وهذا تواضع الكبار)، يجد أنهار شعره تحظى بموجة إعجابٍ، فيشعر بثقله الإنساني، وقيمته الأدبية الكبيرة؛ فمنجزه الأدبي علّق اسمه في لوائح المبدعينَ.

 وقد لفت نظري - الّذي اضعفته القراءة - وأنا اقرأ لهُ في "المثقف"، إوغيرها من الصحف والنشريات، اتساع رؤيته، وسعة أفقه، وحرصه الشديد على ذائقة القارئ؛ حيث ينشر المحبّة، وقيم التسامح، والإخاء، والإنسانيّة، محافظًا على خيوط الودّ مع الجميع، متمسكًا بحبال الحُبّ مع مسقط رأسه.

هو شاعرٌ وجداني، لا تنساب منه الأشعارُ والقوافي وحسب، بل المشاعرُ والصدق، فيقول عن نفسه (هذا أنا كما أنا). هو البحارُ والسفائنُ، الذي أغرقَ سُفن القرّاء في بحار شعره، فباتوا يطوفون حياةً وقراءة، عملاً بالمثل الفنلندي المأثور: إقرأ حَتّى وإن كنت تغرق !.

هو العراقُ الّذي نزف الهوى في هواه! (هو العراقُ الذي نزف الهوى ... فتفتّحت مِن بوحهِ الأزهارُ). أما "سيّدتي بغداد"، التي كتبها قبل أن أبصرَ نور الحياة، فكانتِ الكلمات تستعصي عليه وهو ينظمها "العذرَ إن كانت بكفي سنبلة... سيدتي، العشقُ يرتاحُ على أحضانكِ". ولكَ أن تتخيلَ عزيزي القارئ، جمالية الصورة الأدبية ودقّة الوصف، الذي يجعلكَ متفاعلاً معه، كمن يرسم بالكلمات، مُلمًا بأطراف اللغة العربيّة، يعرف كيف يطوّعها لخدمة نصوصه وأشعاره.

بحقِّ السّماء، أهذا شعرٌ لشِّاعرٍ كُتبَ ليزول؟ أم ليبقى ويخلد؟!.

 ورغمَ إنَّ كُلّ شيءٍ صار بالمقلوبِ في زماننا المعاصر، ومعظم الأمور غدت بالذكاء الاصطناعي، بما فيها الكتابة والألحان وهكذا دواليكَ! إلاَّ أنّهُ لا يزال يؤمنُ بأنَّ للشِّعرِ والشّعراء مِن حَمَلة القلم دورًا إنسانيًّا وثقافيًّا وثقلاً تعليميًّا يتخطى العرق، واللون، والطبقة، والجغرافية، والتعصب والحدود...في بناء الإنسان والكون.

 (عبدالستار نورعلي)، الذي نشرَ جناحيه كالبلبلِ الغريدِ في المدى شعرًا بليغًا، حكيمًا، لبقًا، لكي يكون للأدب صداه البنّاء الدائم. أظنُه، كقارئ لهُ منذ سنواتٍ - وليس كُلِّ الظنِ إثمًا - إنَّه يمتاز بالمونولوج البلاغي، والمناجاة بإحساسٍ، وبالتناص الأدبي، وتوصيف الوصف بكثافة، ومتعة الاختزال والكثافة في التعبير، وبلاغة البداية في قصائده. فهو يشدُّ القرّاء مِنذ البدايات، أما عن جمالية القفلة (الخاتمة)، فهناكَ الدهشة والمتعة، وأحيانًا التساؤل والغموض: "صمتتْ فاطمةُ: وهل للأملِ..أملِ" و"الباحثين عن نهاية النّفقِ في رواياتِ الأحلامِ..المتهالكةِ...؟".

 لكنَّ هذا لا ينفي أنَّ شاعرنا المرموق يتحلى بالنفس الملحمي في الكثير قصائده مثل قصيدته (الرواية الأولى) التي اُستُقبلت بحفاوة بالغة من القرّاء والأدباء والنقّاد؛ فشعره أيقونات أدبيّة، تجذبك مِن أوّلِ قراءة: "تسري في أنهار القلب ووديان العين!"، وهذا أمرٌ ربما لم ينتبه إليه الكثيرون!.

* السويد البلد الذي احتفى بشاعرٍ عراقي

لم تُغرق ثلوج مدينة أسكلستونا في السويد، حيث يقيم، وأمطارها غزارة إنتاجه، بل على العكس مِن ذلك، فقد هاموا في رائحة موائده الأدبية التي أولمها لهم بالعربيّة والسويدية، فهو يكتبَ ويترجم ما يكتب. أجل، هكذا غرقت السويد في طلِّ أمطار أشعاره الغزيرة، حَتّى فتنت به، فانتجت عنه فلمًا وثائقيًا يُعرّف بابداعه، ويخلدهُ شاعرًا وإنسانًا مُهاجرًا. لم تقوَ الغربة أو الهجير على كسرِ قلم ابداعه، كما أنَّ ذلكَ البلد البارد المُثلج المُظلم لم يطفئ شعلة إبداعه، أو يخمد حرارة موهبته!.

عندما تقرأ لهُ، يُخالُ لكَ أنّهُ يُلقي الشِّعر مِنَ منصةٍ في أمسيّةٍ أدبيّة...، وليس بوسع الحاضرين سوى التصفيق له، والهتاف: الله! أعدْ، أعد، الله عليك!. وفي حالِ لم يُذيِّل اسمه على كتاباته، ستعرف أنَّ الكاتبَ هو: عبدالستارنورعلي.

 وأعترفُ هُنا صادقًا: شعرهُ عبارة عن لوحاتٍ فنيّة، كأنّكَ تتجول في رحاب معرضٍ فنيٍّ Museum؛ لجمالية صوره الأدبيّة وبلاغتها، وعمق إنسانيتها، رغم أن أشعاره لا تخفي حزنًا، أوتبرأ مِن وجعٍ، أو تخلو مِن حبٍّ واغترابٍ، مع أنّه ينشر الأمل والغبطة:

"افتحْ مواجعَكَ القديمةَ واستمعْ

ماذا يسيلُ من المواجعِ قِيلا

واقرأْ سطورَ العمرِ كيفَ تفيَّأَتْ

مُدُنَ المنافي قِبلةً ودليلا "

يقول في (عزف منفرد) من ديوان (على أثير الجليد):

" يا أيُّها القلبُ الذي ما نامْ

من كثرةِ التّرحال

والتجوالِ والتهجيرْ

ما تبتغي..

من بعد هذا البردِ والهجير؟!"

 هو ليسَ شاعرًا مقرؤءًا، شعرهُ يُطرب وحسب. لقد دبّجَ عديد المقالات، فيها زاد ثقافي عن واقع حياتي، هي اشبه بعمليات تشريح للواقع المُعاصر. فلا أجد حرجًا بوصفه: موهبة بل قصيدة تسير على قدمين، لم تجد الاهتمام والتكريم مِن بلدٍ كرّمه بكتاباته، وغازله شعرًا وحُبًّا ووفاءًا.

 * أصالة شاعر لا ينافس إلاّ نفسه ويشجع سواه

 يمتاز الشاعر عبد الستار نورعلي بالتشجيع لكلِّ ومضة إبداع لسواه، وانتصاره لقيمة المبدع، وحرية الكلمة، وأهمية الإبداع، ودفاعه الدائم عن الإنسان والوطن، ويسقي مواهب البراعم الأدبية وهي تتفتح؛ يأخذ بأيدي تلاميذه إلى طريق النجاح، لا يتركَ جذوة الأمل تخبو في درب كلّ مِن صادفه في طرقات الحياة.

 وأن نسيتُ هُنا فلا أنسى خُلُقه الرفيع وأصالته، فذلكَ العراقي راحَ يذكر لي بشوقٍ وافتخار عبرَ الهاتف، أصدقاءَه العراقيّين المسيحيين والمسلمين، ويحدثني عن الملح والزاد بينهم، ويذكر محاسنهم وخصالهم وسجياهم..وهذه أعدها أصالة إنسان، وخلق شاعر عراقي، لا يزال مربوطًا بجبلةِ بلدٍ، خبزهُ لم يسأل عن آكليه يومًا: مِن أين أنتَ؟!. فهو الأديبُ والشّاعر والمترجم والناقد... الذي لم ينفطم عن حُبّ العراق.

 عنِدما كان يتحدث الأستاذ عبد الستار، ادركتُ في قرارة نفسي لماذا كتبَ (عندما يحبُّ الشّاعر)؟.

 هذه شهادة مجروحة عن مبدعٍ من بلدي في اغترابه، في زمن فقدت فيه المقايسس مسطرتها، وبتنا نقول يا أيّها الأديب كن أديبًا.

* مُدلِلّ القرّاء وبلده والاغتراب

 لقد عرفَ أستاذنا كيفَ يُدللّ القارئ والعراق وغربته والإنسانيّة باشعارٍ وكتابات ستبقى، يقول:

" أيا مطرَ الربيعْ،

إغسلْ وجهَ العراقْ

ونقِّرْ على جبهتي

قطرةً بعدَ قطرةْ

تباركَ اسمُ العراقْ....

تباركَ كُلّ من صاحَ:

يا عراقْ"،

 وأقول لهُ هُنا: تباركَ مَن قرأ لكَ، فما مِن مرّةٍ قرأتُ لكَ إلّا وأكررُ قولاً فيكَ: كيفَ يخونُ النخلُ نهرًا!، إذ لم تقوَ السويد عن اقتلاع العراق عن كتاباته.

 ويشهد ربي على ما أقول، لقد كتبْتُ في كتابي (عروس الشرق بغداد) ما يشابهُ ما خطه استاذنا الجليل دونَ أن أطلع على ما كتبهُ، رغمَ أنّهُ سبقني بما كتب:

"أَنَا المصلوبُ حُبًّا على جذعِ نخلتكِ... فوقَ قمة البستان.. أصرخُ: تباركَ مَن صاحَ بِاسمكِ يا بغداد".

وكذلكَ عندما قرأتُ له (الرحيل):

"تمضي الفصول...

تتساقطُ الأوراقُ واحدةً... فواحدةً...

وتغفو في محاجرِها العيون..."

تذكرتُ أنّي كتبتُ (بلدي كشجرةٍ مائلة ترمي قطوفها في باحةِ جيرانها وتحرم صاحبها القطوف الدانيّة)!. فادركتُ حجم تأثريّ غير المباشر بمدرسة أستاذنا الشّعريّة!. كما تعّلمتُ مِنهُ كيفية توظيف العنوان الشعري والاختصار، فهو يمتاز بأناقة الكلمة، ورومانسية المعاني:

"لعِبَتْ بهِ شوقاً صَبابةُ عاشقٍ

حتى رأى الأطيافَ حلوَ لِقاكِ

فالريحُ عطرُكِ سارياً في صدرِهِ

والنجمُ في لمعانِهِ عيناكِ

يا واحةَ العشقِ التي قد ألهمَتْ

صوغَ الفرائدِ مِنْ هوى ذكراكِ..."

(من قصيدة: ماذا فعلتِ).

 هو كلكامش، تغرّب عن مملكته، فحمل شعره نبتة نضارة الحياة للقرّاء: "ان تغوص في البحار لا يعني أنّكَ اكتشفت كنوزه، ستبهرك جواهره وأسرار جمال أعماقه".

كتبَ عنهُ الكثير وأغدقت عليه الألقاب، لأنّه الملتزم، السديد الرأي، المنسجم مع نفسه، يدعو الى الحفاظ على هيبة الكلمة، وعمق الفكرة وموضوعية النظرة، وحياديّة الرأي. شاعرٌ متجدّدٌ حداثوي، رغم إنّهُ مِن زمن الشوامخ وطينة الكبار. كالبحر هو، كُلّما أكثرت الغوص فيه والتبحر في منجزه الثقافي ستحظى باللؤلؤ والمرجان، وبقدر ما حلّقت في فضاء أدبه الرصين، بقدر ذلكَ تبلغ بعض أجوائه، وتستنشق مِنَ الهواء أنسامهِ!.

* قبلَ أن أطويَّ الحديث عن قدِّيس الشِّعر:

 كنتُ في كتابي (نخيل في بستان الذاكرة) قد كتبتُ عن (مبدعين عرفتهم عن قرب) خلال رسالتي الكهنوتية والأدبية والثقافيّة، وفي كتاب آخر عنوانه (مبدعون قرأتُ لهم) لم ينشر بعد (قيد التأليف)، قيّض لي الله الأستاذ عبد الستار ليكونَ أحدهم، فذلكَ الذي تسخّى أدبيًا على الأدباء والشّعراء والقرّاء يستحق ذلكَ الغيض من ذلكَ الفيض.

 هذا قليلٌ من كثير عن (قديس الشِّعر) الشّاعر والناقد والمترجم والأديب عبد الستار نورعلي، الذي أحترمُ وأجلُّ، فعندما تقرأ لهُ، ستلمسه سعيدًا، قنوعًا، شاكرًا، مؤمنًا... يقدم أجمل السجايا. شاعرٌ أوزانهُ بمقياسِ القلب والفكّر الراجح، فشعرهُ تراتيل وخشوع في هيكل الشِّعر، إذ قدمَ حياته شموعًا وقرابينَ وقلبًا طاهرًا وفكرًا خلاّقًا في هياكل الأدب ومعابد الإنسانيّة للقرّاء، فالقمر الذي خسف جزئيًا في بلادنا، باتَ شمس إبداع ساطعة في دُنيا الاغتراب والمشهد الثقافي.

لله درّكَ! يا أبا علي، لأنّكَ قيمة أدبية وقامة إنسانية رفيعة الشأن، عنوانها الإبداع، ففي شِعركَ، نصوصكَ، كتاباتكَ نبالة أخلاقيّة، وقدرة هائلة على استخراج تراكيب لغوية خاصّة بكَ، مثل منارةٍ تكتسح ظلمة الوجود.

 كانَ هذا جانبًا مِن ملامح قراءَتي في شعر شاعرٍ مِن بلادي، دفعت به إليكم؛ لأنّنا بأمس الحاجةٍ إلى أشخاصٍ يمتلكون رؤى جديدة وأفكار غير تقليديّة، وشعرًا غير مألوف؛ للتحرر مِن رتابة التفكير النمطي في شظف الحياة المُعاصرة وأتعابها.

 * خاتمة مطافي:

تحية عراقيّة لذلكَ (الصائغ الأدبي) وتقديرًا لمنجزه الأدبي بمرافئ المنفى السويدي، فشعرهُ أحجارٌ نفيسةٌ، أما نصوصه فهي فصوصٌ نادرة وثمينة. حقًّا هنيئًا لنا نحنُ حَمَلة القلم ومِلّة الأدباء، لأنّنا عاصرنا شاعرًا كبيرًا بقيمة الأستاذ عبد الستار نورعلي.

 بقي لي أن أُضيف: هو شاعر من بلد المربد الشعري، حمل العراق شعرًا على منكبيه في المهجر ما يربو على نصف قرن، فهو طاقة نور ساطع، لهُ من اسمه نصيب، لأنّهُ بديع التصوير وبليغ التعبير.

 دامَ شاعرُنا نخلةً في بستانِ الإبداع، وشاعرًا يفلح أرض الحياةِ، ونفوس القرّاء بالحُبِّ. أمد الله في عمره وعطائهِ.

***

الأب يوسف جزراوي/ أمريكا

 

تمثيلات بنية الموت والحياة

توطئة: منذ المفتتح للبناء القصصي وتمظهرات الوصف ووظائفه تتموقع منذ مسافة دراماتيكية بين علاقة اللوحة الحياتية وسياق تجليات الموت المنتظر. لعل قصة (قادمان من موت مستحيل) للقاص عبد الإله عبد الرزاق من النصوص التي تستشرف اللحظة الفاصلة ما بين الموت والحياة إنكشافا للمرء الشخوصي تلك الخيوط الهلامية التي تتعلق بالحياة تارة والموت تارة. وسنعمل نحن بدورنا على كشف الكيفية التي من خلالها تتم مراسم ذلك الصحو ما بين سياق الموت أو اللاحياة.

ــ آليات علاقة الوصف بالزمن الفضائي

تحلينا آليات وعلاقات الوصف في زمن اشتغال النص ضمن ثنائية وحداتية تتجسد من خلال دلالة (قادمان) ولو دققنا في اللوحة الأولى من النص لواجهتنا تجربة شخصية تتحدث بلسان ضمير المتكلم تواجه عملية اقصائية من فعل الموت النادر من نوعه، أي هو الموت أو اللاموت، ذلك عندما يكون الأنسان على هاوية ما من زمن انتظار الموت وهو تعلقا يتوسل جل الاحاسيس بكيفية معرفة هذا الموت: (كنا نتساقط مثل جذوع نخل اجتثت في التو. كان طعم الرصاص الملوث بالدم في فمي لاذعا ساخنا، وكانت كتفاي المتهدلتان المسندتان إلى أكتاف الآخرين، تحاولان البحث عن فسحة هواء في خلاء مجهول خانق. / ص 55) إن الوصف هنا باعتباره منسجما مع زمن غواية الموت، ذلك الموت الذي يولد من حسية خاصة في تزامن حضور الموت فعلا متحققا بمحاقبة زمنية الرؤية، لذا فالوصف يقدم زمنا مركبا (موت ــ حياة ــ ترقب ــ خوف) بلوغا نحو إصدار تجليات مسرودة من أفعال الواصف ذاته كحالات اشعارنا بأن الشخصية هو ذلك الميت الذي يعبر عن علاقة زمن الموت بالسرد القصصي، وتارة يكشف لنا معبرا عن كيفية هو الموت ومدى ما عليه من احاسيس غدا يشعر بها ولا يفقهها جيدا: (قلت: لابد أنني ميت الآن. وإن كان الموت يبدو لي غير قريب، لكنه سيقع لا محالة وهي حالة ستشبه حالة أي منا.. غير أني لا أظنهم جميعا مثلي. / ص55) أن حاضر السرد والسارد يغوصان في وقائع (خارجية ــ داخلية) لذا فالوسيلة الإطارية للمكان تحدد ذاتها كونها ساحة أعدامات أو أنها ميدانا زمنيا من ذاكرة محاصرة بالإحاطة ونقاط الغموض، هذا يعني أن زمن الفعل القصصي جاءنا وكأنه عبارة عن انطباعات لعرض استرجاعي ما. وبهذه البنية الفضائية ــ المكانية، يتحرر شكل الزمن من سكونية الذات المترقبة إلى كيفية احتواء السرد إلى حالة استرجاعية غالبا ما تكون متداخلة وهوية زمن مواقف الأشياء المتماهية.

1ــ الأداة الموتية بين لحظة وسطى وتلاعب حسي:

قلنا سلفا بأن الأحساس الشخوصي يواجه علاقة غريبة من الموت نفسه والبقاء على الحياة كونه لم يعلم في أي مرحلة هو من الموت المحقق، لذا يتبين تارة إنه في مرحلة مغايرة من الحياة المتصدعة بماهية التحقيق الانفصالي، وتارة يمنحنا القاص إحساسا بأن شخصيته تحيا لصورة مؤكدة من الموت المبثوث بأقصى علامات حوارية الميت مع موته: (إذا كانت لحظة الموت ستعقب لحظة وسطى بين الحياة والموت، لحظة ضئيلة شاحبة قادرة على أن تمنح صاحبها إحساسا ما بالألم أو الإحاطة لما حوله، وهذا ما أجده الآن في، فقوة الألم تعتصرني إلى حد التلاعب كما لو أني ألقي من حانق مرة واحدة. / ص55) تأسيسا على هذا فإن مجرى الإحساس يبقى عبر مسافة وسطى من التقليب الذاتي، بلوغا نحو اكتساب ذلك اليقين بأن انتظار الموت هو المعطى الموضوعي في ارتباط الموت أو اللاموت.

2ــ البؤرة الحسية في أدلجة السارد والمبئر:

في إطار صيغة هذا الخطاب المنقول والموصوف تتلاحم عملية التفاعل النصي مع خلفيات (الموت ــ الحياة ــ / الناظم: الخارجي ــ الداخلي) بلوغا نحو وظيفة السارد وهو يروي الأحداث ضمن اختلافية ما في زاوية التبئير. فالمتكلم تارة تشعر به يسرد عين حاله كأنه ضاله في خضم الفراغ المشحون بموجة قذف الرصاص الممتد بلا حدود، ومرة أخرى تشعر بأنه السارد الشخصية الذي يعيد تموقع طرح رؤيته ضمن تفاصيل المكان والزمن وزاوية الرؤية: (إن الإحساس الأخير بالحياة يفجر بؤرا مختلفة للحيرة. ها أنا أشم رائحة الدم أول مرة مثل زنخة موجة مرتطمة بالساحل، أو رائحة ماء محتبس هب عليه عاصف مفاجيء. / ص56)على هذا النحو يبدأ (المتكلم / المبئر) بوصف معالم ذلك الاحساس الأخير وصفا دقيقا، ويتضح من خلال هذا الوصف أن الفاعل الذاتي سيكون ذاتا للتبئير فمن خلاله سيتجسد الفضاء في ذهن التلقي ليرسم لنا ابعادا واضحة المعالم عن النقطة الارتكازية التي تشكل رؤية الفرد نحو المجالات المكانية وما يحيط بها من فواعل تشكيلية خاصة. عموما لو قارنا بين المد الأول من قسم المستهل المتني (القادم الأول..) وأجرينا مقارنة مع ذلك القادم الآخر من الموت، لأدركنا حجم معالم القلق الشخوصي الذي كان يراود القادمان دون حدوث فعل الموت تحققا. لقد أراد عبد الإله عبد الرزاق لقصته (القادمان من الموت المستحيل) تشكيل عدة مستويات راحت تدرك بالمشاهدة والأحداث والأفضية المكانية والزمنية، ونقل الأحداث وفق رؤية تحمل ذات التبئير والممارسة السردية ذات الخطاب الصوتي المهيمن مظهرا وتفاعلا.

ــ تعليق القراءة:

لعل القارىء إلى مواقف الصورة الأولى والثانية من قصة (القادمان من الموت المستحيل) تتم لديه القناعة الكاملة بأن ثيمة الموت في مشاهد الصورتين جاءت ضمن سمات صراعية محفوفة بأبرز سمات اقتراب الموت من كلا الشخصيتين وكيفية بعد ذلك أن تنتظم على هيئة معادلات من الدلالات القارة بأن الحياة هي القابلة على الامتداد في زمن الوظائف وتمثيلات رؤية الموت من خلال شيفرة تتقاطب حولها كل أسباب ومسببات الموت الأكيد. ومن هذا المنطلق راحت تمتاز قصة (عبد الإله عبد الرزاق) في كونها تستدعي حالات الموت والحياة من خلال أوجه مرآة إشكالية تمد العوامل والعناصر القصصية بأجلى أواصر وأنساق شروط الزمن الموضوعي والذاتي في بنيات الالتباس واللاشعور في علاقات اقتربت من السرد المميت لتنطلق وليدا بكرا في مهاد الواقع الحياتي.

***

حيدر عبد الرضا

دراسة تحليلية لغوية وسردية

المقدمة: يعد كتاب كليلة ودمنة من أبرز الأعمال الأدبية في التراث العربي، وأكثرها تأثيرًا في مجال الحكمة والسرد. أعدّه ابن المقفع في القرن الثامن الميلادي بناءً على الترجمات الهندية الأصلية للـ Panchatantra، مستفيدًا من أساليب السرد الهندية القديمة، لكنه أضاف إليها الأسلوب العربي الفصيح والدقة البلاغية.

يهدف هذا البحث إلى دراسة عناصر التشكيل وآليات البناء السردي في النص، مع التركيز على البنية الرمزية للشخصيات، الإطار الحكائي، الحوار، الرمزية والاستعارة، والتحليل السياقي للأدب العباسي، مع تقديم أمثلة نصية وتحليل لغوي دقيق.

الفصل الأول: عناصر التشكيل السردي

أ. الشخصيات

تتميز الشخصيات في كليلة ودمنة بالرمزية، حيث تتحول الحيوانات إلى رموز للأخلاق والسلطة والمكر:

الشخصية

الحيوان

الرمز/الدلالة

كليلة

ثعلب

الحيلة والمكر

دمنة

ضبّ

الحكمة والاستراتيجية

الأسد

أسد

السلطة والقوة

القط

قط

الغفلة أو الخداع

التحليل اللغوي:

استخدم ابن المقفع أسلوب الإسناد المباشر للصفات (مثل: "قال الأسد: إن الحيلة خير من القوة") لتقديم الشخصيات كأيقونات أخلاقية، ما يعزز البعد الرمزي ويضمن توجيه الرسائل بدون تعقيد.

ب. الزمان والمكان

على الرغم من عدم تحديد زمن محدد، إلا أن الأحداث تقع غالبًا في بيئة غابية رمزية تمثل المجتمع البشري.

التحليل السردي: هذا التجريد يتيح للقصص أن تكون خاصة بالزمان والمكان، وعامة بالمعنى والقيم، ما يجعل النص قابلاً للتطبيق على سياقات متعددة.

ج. الحبكة

تتألف الحبكة من:

الحبكة الرئيسية: إطار حكائي يبدأ عادة بمشكلة أو أزمة.

الحبكات الفرعية: قصص داخل القصة تُروى لتوضيح الدروس الأخلاقية.

مثال نصي:

"قال الأسد للثعلب: إن أهل الغابة يعانون الجوع، فما رأيك أن نعلمهم حكمة الدوام؟ فأجابه الثعلب بحكاية عن غراب وثعلب آخر..."

التحليل السردي: هذا الأسلوب يعرف بـ السرد المؤطر (Frame Narrative) ويخلق طبقات متعددة للمعنى، حيث تتقاطع الحكايات الفرعية مع الحبكة الرئيسية لتوضيح الدروس الأخلاقية والاجتماعية.

الفصل الثاني: آليات البناء السردي

أ. الإطار الحكائي

الإطار الحكائي يمثل هيكلًا سرديًا يُدمج بين السرد الرئيسي والحكايات الفرعية.

يسمح بالتنويع في السرد دون فقدان وحدة المعنى.

يمكّن النص من التشويق والتحليل الأخلاقي في الوقت نفسه.

ب. الحوار

الحوار في النص أداة رئيسية لتقديم الشخصيات والأفكار.

يعكس القوة اللغوية لابن المقفع في التقطيع البلاغي للجملة والحوار.

مثال نصي:

"قال الأسد: من الحكمة أن نحذر المكائد. فأجاب الثعلب: إن المكيدة تحتاج إلى دهاء وذكاء."

تحليل لغوي: استخدام الجمل القصيرة والواضحة يعزز التلقائية ويترك أثرًا نفسيًا لدى القارئ، بينما تظهر الطبقات المعرفية في الحوار.

ج. الرمزية والاستعارة

الحيوانات كرموز: الأسد (القوة)، الثعلب (الحيلة)، القط (الغباء).

الأسلوب يتيح للكاتب تقديم النقد الاجتماعي والسياسي بطريقة غير مباشرة، وهو ضروري في العصر العباسي حيث الرقابة على النصوص كانت صارمة.

الفصل الثالث: التحليل السياقي والنقدي

أ. السياق التاريخي

ابن المقفع عاش في العصر العباسي، وهي فترة اتسمت بالرقي الثقافي وازدهار الأدب والحكمة السياسية.

الأسلوب الرمزي يسمح بتوجيه النقد الاجتماعي والسياسي دون مواجهة مباشرة مع السلطة.

يظهر هذا جليًا في قصص الأسد والثعلب، حيث يعكس النقد الحاكم والطاعة والحيلة.

ب. التأثير على النص

دمج السرد الهندي مع البلاغة العربية خلق نصًا متعدد الأبعاد: تعليمي، أخلاقي، وذو بعد سياسي خفي.

الرمزية والاستعارة تسمح للنص بأن يظل صالحًا للقراءة المعاصرة، كما أنها توفر غنى تحليلًا أدبيًا مستمرًا.

الخاتمة

يظهر تحليل عناصر التشكيل وآليات البناء السردي في كليلة ودمنة براعة ابن المقفع في مزج الحكمة مع السرد الأدبي.

الشخصيات الرمزية والحوارات المحكمة والإطار الحكائي يخلق نصًا متماسكًا متعدد الطبقات.

استخدام الاستعارة والرمزية يعكس وعي الكاتب بالسياق الاجتماعي والسياسي لعصره.

النص ليس مجرد حكاية للأطفال أو أداة تعليمية، بل عمل أدبي متكامل يحاكي الواقع الاجتماعي والسياسي بأسلوب ذكي وجذاب.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

........................

الهوامش والمراجع

ابن المقفع، كليلة ودمنة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار المعارف، القاهرة، 1970.

بسام، محمد، الأدب العربي الكلاسيكي: دراسة في السرد والحكمة، دار الفكر العربي، بيروت، 2005.

Dimmitt, Cornelia, The Panchatantra in Arabic: A Study in Cultural Transmission, Routledge, 1998.

سحاب، عبد الحميد، الفكر الأخلاقي في الأدب العربي القديم، دار الطليعة، بيروت، 1983.

Hodge, Frederick, Narrative Structures in Early Arabic Prose, Cambridge University Press, 2001.

الحفني، أحمد، الرمزية في الأدب العربي الكلاسيكي، جامعة القاهرة، 2002.

سرديات الخسارة وإعادة بناء المعنى

ثمة كتّاب يكتبون عن التاريخ، وآخرون يجعلون التاريخ يتسلل من تحت الأبواب ليكتب شخصياتهم نيابة عنهم. يوسف فاضل، الروائي والمسرحي والسيناريست المغربي المولود في الدار البيضاء سنة 1949، هو أحد أبرز من ينتمون إلى هذا الصنف الثاني من الكتّاب. فهو لا يكتب "عن" سنوات الرصاص بقدر ما يجعل من تلك السنوات نسيجاً خفياً يسري في عروق نصوصه، حتى حين تبدو الحكاية في ظاهرها بعيدة عن السياسة كل البعد.

1. سيرة لا تُقرأ كملحق، بل كمفتاح

من المهم أن نتوقف مطولاً عند تجربة فاضل الشخصية قبل أن نقرأ نصوصه، لأن سيرته ليست حاشية بل أصل النص. فقد اعتُقل خلال سنوات الرصاص في معتقل مولاي الشريف بين عامي 1974 و1975، وكان قبل ذلك يتردد على النادي السينمائي "العزائم" بالدار البيضاء، الذي كانت تراقبه أجهزة الاستخبارات المغربية باعتباره بؤرة تجمع شباباً متمرداً ثقافياً وسياسياً. بعد خروجه من المعتقل، اشتغل بتدريس اللغة الفرنسية بالدار البيضاء، وانضم إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1982، في لحظة كانت فيها الكتابة الأدبية بالمغرب لا تزال تتلمس مسافتها من الرقابة والخوف.

هذا التفصيل البيوغرافي ليس هامشياً في فهم مشروعه الروائي؛ فالكاتب الذي عاش القمع من الداخل، لا من خلال الأرشيف أو الشهادات المنقولة، يكتب القمع بطريقة مختلفة جذرياً: لا كحدث صادم يُروى بصوت عالٍ ومباشر، بل كرائحة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى المطبخ والشارع والحانة وغرفة النوم. ولعل هذا ما يفسر أن فاضل، بالرغم من أن الاعتقال السياسي تجربة مفصلية في حياته، لم يكتب رواية "شهادة" بالمعنى المباشر، بل اختار أن يُذيب تلك التجربة في نسيج سردي أوسع، يجعل من القهر مناخاً عاماً لا حادثة معزولة.

هذه السمة بالذات هي ما يميز فاضل عن كثير من كتّاب جيله الذين اهتموا بتجربة الاعتقال السياسي بشكل مباشر وشهاداتي، أمثال عبد القادر الشاوي في رواياته التوثيقية، أو صلاح الوديع في كتاباته عن السجن. فاضل اختار، منذ رواياته الأولى مثل "الخنازير" (1983) ثم "أغمات" (1990) و"سلستينا" (1992) و"ملك اليهود" (1996)، أن يجعل السياسة كائناً خفياً يتربص بالشخصيات لا بطلاً للحكاية. وهذا الاختيار الجمالي يستحق وقفة نقدية: هل هو هروب من المباشرة، أم هو فهمٌ أعمق لطبيعة الاستبداد ذاته - أنه لا يُعاش كحدث، بل كحالة جوية دائمة تتنفسها الشخصيات من دون أن تسميها دوماً باسمها؟

2. "الخاسرون": معجم فاضل الإنساني الثابت

إذا أردنا أن نضع يدنا على الخيط الناظم بين أعمال يوسف فاضل المتعددة - من رواياته الأولى، مروراً بـ"حشيش" (2000) الحائزة على جائزة الأطلس الكبير، و"ميترو محال" (2006)، و"قصة حديقة الحيوان" (2008)، و"قط أبيض جميل يسير معي" (2011)، وصولاً إلى "طائر أزرق نادر يحلق معي" (2013) التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية ونالت جائزة المغرب للكتاب - فسنجد أن أبطاله جميعاً ينتمون إلى عائلة واحدة: عائلة الخاسرين. ليسوا أبطالاً تراجيديين بالمعنى الكلاسيكي، الذين يسقطون من علٍ بسبب عيب جوهري في طبيعتهم، بل أشخاص عاديون، هامشيون غالباً، تطحنهم آلة التاريخ وهم غير منتبهين إلى حجم ما يحدث لهم، أو منتبهون لكن عاجزون عن تغيير مسارهم.

هذا الانحياز الدائم لشخصيات الهامش - المغني المغمور، والكاتب الفاشل، والمرأة المطلقة، والسجين السابق، والممثل الذي لم يحقق حلمه - يجعل من مشروع فاضل الروائي أقرب إلى أرشيف موازٍ للتاريخ الرسمي. فبينما يكتب المؤرخون عن القرارات الكبرى والانقلابات والمحاكمات، يكتب فاضل عمن وقفوا في الظل أثناء وقوع تلك الأحداث، عمن لم يكونوا فاعلين بل ضحايا عرضيين لحركة التاريخ. وفي هذا المعنى يمكن القول إن فاضل يمارس نوعاً من "العدالة السردية" التي تمنح صوتاً لمن حرمهم التاريخ الرسمي من الكلام.

في "طائر أزرق نادر يحلق معي"، وهي الرواية التي أهداها فاضل صراحة إلى ضحايا معتقلات الإبادة في تازمامارت وأكدز وقلعة مكونة ومولاي الشريف، الأحياء منهم والأموات، يتضح هذا الانحياز الجمالي والأخلاقي إلى جانب المهمَّشين والمنسيين بأوضح صوره. الرواية تمارس حفريات عميقة في بنى المجتمع المغربي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وترسم خطوطاً بيانية للتحولات التي مرت بها تلك البنى من السبعينيات وحتى الألفية الجديدة، لتكشف كيف أن التمهيد لدخول "العصر الجديد" في المغرب جرى أحياناً بالأدوات القديمة نفسها، عبر تطوير آليات العنف والقهر لا إلغائها.

وهنا يكمن سؤال جوهري يستحق أن يُطرح: هل الرواية عند فاضل هي تعويض أدبي عن غياب العدالة التاريخية؟ بمعنى أن الكتابة تصبح فعل ترميمٍ لذاكرة مثقوبة، حين يعجز القضاء أو السياسة عن رد الاعتبار؟ إن كان الأمر كذلك، فإن فاضل لا يكتب الرواية بوصفها فناً محضاً، بل بوصفها وظيفة أخلاقية موازية لهيئات الإنصاف والمصالحة، لكن بأدوات الخيال لا أدوات التحقيق.

3. "حياة الفراشات": البنية كموقف فلسفي

تستحق رواية "حياة الفراشات" (2020)، الصادرة عن منشورات المتوسط بإيطاليا في 384 صفحة، وقفة خاصة، لا فقط لأنها من أنضج تجارب فاضل، بل لأن بنيتها الشكلية تحمل في ذاتها أطروحة فلسفية متكاملة. الرواية مقسّمة إلى خمسة أيام، كل يوم يحمل اسمين متناقضين: السبت يوم الانقلاب، الأحد يوم عيد الميلاد، الاثنين يوم الحب، الثلاثاء يوم النكسة، والأربعاء يوم السفر. هذا التجاور بين المفردات المتنافرة - انقلاب وميلاد، حب ونكسة - ليس مجرد لعبة شكلية أو حيلة تقسيمية، بل هو تكثيف لرؤية فاضل للوجود ذاته: حيث لا يمكن فصل الفرح عن الخسارة، ولا الحب عن الهزيمة، لأنهما يحدثان في اللحظة نفسها وفي المدينة نفسها، بل وفي القلب الواحد أحياناً.

تدور الرواية حول سالم، المغني الذي يُجبر على قراءة بيان انقلاب عسكري حاول الإطاحة بالملك في مطلع السبعينات بعدما أتى ليسجل أغنية في الإذاعة الوطنية، فتتحول مصادفة عابرة إلى قدر يلاحقه طوال حياته، وتمتد آثاره لتطول أخته وأباهما ومن حولهم. وهنا تكمن واحدة من أهم سمات فاضل الروائية: اشتغاله على "الصدفة" لا كحيلة سردية رخيصة، بل كاستعارة كبرى للقهر السياسي - فالإنسان في عالم فاضل لا يُسحق بفعل خطيئة ارتكبها، بل لمجرد أنه كان في المكان الخطأ في الزمن الخطأ، وهذا بالضبط جوهر تجربة الاستبداد: أنها لا تحتاج إلى ذنب لتعاقب، بل يكفيها الحضور العابر في المشهد الخطأ.

تتخذ الرواية فضاءات الدار البيضاء مسرحاً كاملاً للأحداث، وتمضي شخصياتها في مصائر متشابكة ومتقاطعة تُقسّم وفق أيام الأسبوع، في بنية أقرب إلى الإيقاع الموسيقي منها إلى السرد الخطي التقليدي. وقد لاحظ نقاد مغاربة أن الموسيقى ليست عنصراً زخرفياً في هذا العمل، بل إيقاع سردي ضابط لمجمل تجربة فاضل الروائية على امتداد عقود من الكتابة، حيث تتحول كل فقرة إلى ما يشبه المقطوعة، وكل فصل إلى ما يشبه الحركة الموسيقية المستقلة والمتصلة في آن.

4. السينما والمسرح يتسللان إلى الجملة الروائية:

لا يمكن فهم أسلوب فاضل السردي بمعزل عن خلفيته المزدوجة ككاتب مسرحي وكاتب سيناريو شارك في كتابة عدة أفلام مغربية، من بينها فيلم "جوهرة بنت الحبس" مع المخرج سعد الشرايبي، أحد الأفلام التي تناولت موضوع سنوات الرصاص والمؤسسات السجنية بجرأة كسرت كثيراً من الكليشيهات السائدة في الدراما المغربية حول هذا الموضوع. فجمله الروائية غالباً ما تُبنى كمشاهد بصرية مكتملة: زاوية كاميرا، إضاءة، حركة بطيئة، ثم قطع مفاجئ. هذه التقنية تمنح نصوصه إيقاعاً مزدوجاً نادراً: فهي تُقرأ كأدب، لكنها تُشاهد كأنها أفلام.

وحين يضاف إلى ذلك حسّه المسرحي العميق - فمسرحيته الأولى "حلاق درب الفقراء" تحولت إلى فيلم سينمائي أخرجه الراحل محمد الركاب سنة 1982 - نفهم لماذا تمتلئ رواياته بمشاهد "فرجوية" صاخبة، أقرب إلى الجو الكرنفالي الاحتفالي الذي تنسب جذوره الفنية إلى رابليه، مؤسس هذا التقليد في فن الرواية. فشخصياته كثيراً ما تتقمص أدواراً، وتؤدي مشاهد تشبه العروض، وكأن ثمة كاميرا خفية تصورها، وركحاً يؤدي عليه ممثلون لا يعرفون أنهم ممثلون. وإلى جانب هذا البعد الفرجوي، يلجأ فاضل إلى تعبير مجازي شعري يتخلل السرد، حيث تتوالى مقاطع أقرب إلى الشعر منها إلى النثر الروائي المعتاد، تتجاوز أحياناً حجم الشخصية التي تصفها لتصبح زينة قرائية مستقلة بذاتها.

كما أن رواياته، وفق هذا التصور، تنقض واقعية المحاكاة التقليدية بإبدالات سردية متعددة: تعويض السرد الخطي بالاستدعاء والمونولوج الداخلي، وتعدد مواقع الراوي، بل وإلغاء السرد أحياناً لصالح رسم المشاهد بالخيال والاحتمالات، في تراوح منتظم بين الواقع والتخييل، بين الصورة والتقرير، مع خطابات تتجاوز النص لتعلو فيها نبرة الاحتجاج والإدانة ضد سلطة غاشمة، أو دجل ديني، أو تقاليد بالية تكبّل الأفراد من دون أن يختاروها.

5. "كوميديا": حين يصبح العنوان سؤالاً لا إجابة

في عمله الأحدث "كوميديا"، الصادر هذا العام (2026) عن منشورات المتوسط بإيطاليا، يعود فاضل إلى مغرب أوائل السبعينات، لكنه هذه المرة يجعل العنوان نفسه فخاً تأويلياً. فالرواية، بالرغم من عنوانها، ليست عملاً هزلياً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل استكشاف لتلك المنطقة الرمادية التي يتعانق فيها الألم والسخرية، والفرح والانكسار. شخصياتها - السيمو، الممزق بين التمثيل كحلم والواقع كقيد؛ ورشيد، الكاتب المسرحي الذي يحاول أن يفصّل الحياة داخل نص يكتبه؛ ونورا، المرأة المحطمة بزواج كارثي تبحث عن خلاصها الفردي - كلهم يطرحون السؤال ذاته الذي يطارد مشروع فاضل بأكمله: هل نعيش حياتنا فعلاً، أم أننا مجرد ممثلين على خشبة لم نختر نصها؟

وبين حانة تختبئ من انقلاب، وغرفة ضيقة تتسع لأحلام أكبر من جدرانها، وشوارع تمتلئ بالهاربين من أنفسهم، تتقاطع مصائر شخصيات الرواية التي لا تبحث عن البطولة بقدر ما تبحث عن معنى بسيط للبقاء. وهذا الانتقال من "البطولة" إلى "البقاء" كمطلب أقصى للشخصيات هو نفسه الذي يفسر لماذا اختار فاضل، طوال مسيرته، أن يجعل السياسة خلفية لا مقدمة: لأن السياسة بالنسبة له ليست الموضوع، بل الظرف القاسي الذي يُختبر فيه الإنسان العادي.

في الخلاصة: لماذا لا تشيخ أسئلة فاضل؟

هذا السؤال، في جوهره، هو ما يجعل من يوسف فاضل أكثر من مجرد مؤرخ أدبي لحقبة سياسية بعينها. إنه كاتب يستخدم لحظة تاريخية محددة - المغرب في عقدي السبعينيات والثمانينيات، بانقلاباته وسنوات رصاصه ومعتقلاته - كمختبر لفحص سؤال إنساني أبدي: كيف يحتفظ الإنسان بإنسانيته حين تتحول الحياة نفسها إلى نص مفروض عليه أن يؤديه دون أن يملك حق التعديل عليه؟

وإذا كان النقاد قد لاحظوا أن عنوان "حياة الفراشات" كان يمكن أن يُستبدل بجدارة بعنوان "الخاسرون"، فإن هذا الوصف ينسحب فعلياً على كامل تجربة فاضل الروائية الممتدة لأربعة عقود: من "الخنازير" إلى "كوميديا"، يجمع فاضل خلاصة كتابة روائية بصمت متن الرواية المغربية شكلاً ومضموناً، وانتزعت رقعتها في خريطة الرواية العربية الواسعة، خصوصاً تلك المنفتحة على عوالم منزوية وبأدوات سردية مبتدعة لا تكرر النموذج الواقعي السائد.

وربما هذا هو السبب الحقيقي وراء استمرار حضور فاضل وتجدده على مدى أربعة عقود من الكتابة: لأن أسئلته لا تشيخ مع الزمن، حتى وإن شاخت الأحداث التي ألهمتها. فما دام هناك إنسان عادي يُسحق من دون ذنب، وما دامت هناك سلطة تحوّل المصادفة إلى قدر، فإن رواية يوسف فاضل ستظل قادرة على أن تقول شيئاً جديداً عن قسوة هذا العالم، وعن تلك "القد" - كما وصفها أحد قارئيه - التي تجعل عالمه مليئاً بالمفاجآت بالرغم من قتامته، وتسمح بفهم معنى الخيبة والإخفاق في الحب والسياسة معاً، من دون أن تسقط عن شخصياته حقها في الحلم.

***

آمال بن الطاهر - كاتبة وناقدة وباحثة مغربية

دراسة نقدية في قصيدة الشاعر السوري فرحان الخطيب

يُعَدُّ الشعر الفلسطيني، بما يحمله من أبعادٍ وطنية وإنسانية وجمالية، أحد أكثر المنجزات الأدبية العربية قدرةً على تحويل التجربة التاريخية إلى خطابٍ فني يتجاوز حدود المناسبة والحدث. فمنذ النكبة، لم يعد الشعر مجرد تعبيرٍ عن الألم، بل غدا وعياً جمالياً يقاوم النسيان، ويعيد بناء الهوية عبر اللغة والصورة والإيقاع. وفي هذا السياق، اكتسب شعر الرثاء دلالةً جديدة؛ إذ لم يعد بكاءً على الغائب، وإنما أصبح احتفاءً بالقيم التي يمثلها، واستدعاءً لطاقته الرمزية كي تستمر فاعلةً في الوعي الجمعي.

وتندرج قصيدة «من موتِكَ المُخضَرّ» للشاعر السوري فرحان الخطيب ضمن هذا الأفق؛ فهي لا ترثي الشاعر الراحل محمود درويش بوصفه فرداً، بل تستحضره بوصفه رمزاً ثقافياً ووطنياً، وصوتاً جمع بين الشعر والمقاومة، وبين الجمال والحرية. ولذلك يتجاوز النص مفهوم الرثاء التقليدي إلى ما يمكن تسميته «الرثاء التحويلي»؛ أي الرثاء الذي يحوّل الموت إلى طاقةٍ للحياة، والغياب إلى حضور، والذكرى إلى مشروعٍ أخلاقي وجمالي متجدد.

ويكشف عنوان القصيدة، «من موتكَ المُخضَرّ»، منذ الوهلة الأولى، عن مفارقة دلالية تؤسس للرؤية الشعرية بأكملها؛ إذ يجمع بين لفظتين تنتميان إلى حقلين متقابلين: الموت بما يحمله من انقطاع وفناء، والخُضرة بما ترمز إليه من نمو وخصب وتجدد. ومن هذا التوتر الدلالي يولد المعنى المركزي للنص؛ فالموت ليس خاتمةً للوجود، بل بداية لتحولٍ جديد، كما أن الشهادة لا تُنتج الفناء، وإنما تُنبت حياةً أخرى في الذاكرة والوجدان والتاريخ.

وتتأسس القصيدة على بنية خطابية تتداخل فيها ضمائر الجماعة والفرد، فتبدأ بضمير «نحن» الذي يتكرر بإلحاح في مقاطع مثل:

«أننا الأحياء... نزرع أرضنا بالموت كي نبقى على قيد الحياة.»

ثم تنتقل إلى خطاب المخاطب:

«جئناك يا محمود...»

وبذلك يتحول الراثي إلى ممثلٍ لجماعة كاملة، ويتحول المرثي إلى رمزٍ تتكثف فيه ذاكرة الوطن، فلا يعود الحوار بين شخصين، بل بين الأمة وأحد أبرز أصواتها الشعرية.

ومن الناحية الأسلوبية، يعتمد فرحان الخطيب لغةً تجمع بين الفصاحة الكلاسيكية وحيوية التعبير الحديث؛ فتتجاور المفردة التراثية مثل: «العرار»، «المواويل»، «سنم البعير»، «البيدر» مع مفردات المقاومة والهوية مثل: «يافا»، «الجليل»، «القدس»، «البرتقال»، «الغاصبين»، فتغدو اللغة نفسها فضاءً تتصالح فيه الذاكرة مع الحاضر، ويصبح التراث رافداً للحاضر لا بديلاً عنه.

وتقوم القصيدة على شبكة كثيفة من الصور والاستعارات التي تجعل الأشياء كائناتٍ حية تتحرك وتتكلم وتتوالد دلالياً. فالأرض تُزرع بالموت، والروح تتحول إلى غيمة، والقدس تنتظر العودة، والموت نفسه يزهر، وهي جميعاً صور تؤكد أن الخيال هنا ليس زينةً بلاغية، وإنما أداة لإعادة تشكيل الواقع وإعادة تعريف مفاهيم الحياة والفناء والانتصار.

كما ينهض النص على إيقاع داخلي متين يتولد من التكرار، ولا سيما تكرار «ولأننا» و«جئناك» و«لا تبتعد»، وهي لازمات تؤدي وظيفةً موسيقية ودلالية في آنٍ واحد؛ إذ تمنح القصيدة تماسكاً بنائياً، وتحوّلها إلى ما يشبه النشيد الجماعي الذي يمتزج فيه صوت الشاعر بصوت الجماعة.

ومن منظور النقد الأسلوبي والسيميائي، لا تُقرأ القصيدة بوصفها نصاً رثائياً فحسب، بل باعتبارها منظومةً من العلامات الثقافية التي تستحضر فلسطين بكل مكوناتها: المكان، والإنسان، والشجرة، والبرتقال، والجليل، والقدس، والعودة، لتعيد إنتاجها داخل بنية شعرية حديثة. أما من المنظور الذرائعي، فإن النص يحقق وظيفةً تواصلية وجمالية ووطنية في آن واحد؛ فهو يخاطب الوجدان، ويؤسس للوعي، ويعيد ترميم الذاكرة الجمعية من خلال الفن.

وانطلاقاً من ذلك، تعتمد هذه الدراسة منهجاً تكاملياً يجمع بين البلاغة العربية، والأسلوبية الحديثة، والتحليل السيميائي، والقراءة الذرائعية، والنقد النفسي، والمقاربة السوسيولوجية، بهدف الكشف عن البنية العميقة للقصيدة، واستجلاء آلياتها الجمالية والدلالية، وبيان موقعها ضمن شعر الرثاء المقاوم، بوصفها نصاً يحوّل الغياب إلى حضور، والموت إلى خضرة، والذكرى إلى فعلٍ مستمر من أفعال المقاومة الثقافية.

الفصل الأول: الأسس اللغوية والبلاغية:

أولاً: سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تكشف قصيدة «من موتكَ المُخضَرّ» عن شاعر يمتلك ناصية العربية، ويُحسن توظيفها في سياق شعري حديث دون أن يفقدها أصالتها ووهجها. فاللغة في هذا النص ليست وعاءً للمعنى، بل هي المعنى ذاته، إذ تتحول المفردة إلى طاقة إيحائية تتجاوز مدلولها المعجمي لتؤسس فضاءً رمزياً رحباً. ويبدو واضحاً أن الشاعر فرحان الخطيب ينتمي إلى الشعراء الذين يؤمنون بأن الشعر يُصنع باللغة أولاً، وأن جمال القصيدة يبدأ من دقة اختيار اللفظة قبل أن يمتد إلى الصورة والإيقاع.

يفتتح الشاعر قصيدته بقوله:

«لا لستُ أنكرُ... أننا الأحياءَ... نزرعُ أرضَنا بالموتِ... كي نبقى على قيدِ الحياة.»

وهذه البداية تمثل نموذجاً لما يسميه النقاد المفارقة التأسيسية؛ إذ يجمع بين فعلين متناقضين: الزرع والموت، لينتج معنى جديداً قوامه أن الشهادة ليست نقيض الحياة، وإنما شرط استمرارها. فالتركيب «نزرع أرضنا بالموت» انزياح دلالي بالغ الكثافة؛ لأن الأرض تُزرع عادة بالبذور، لا بالموت، غير أن الشاعر يستبدل البذرة بالشهيد، ليصبح الموت بذرةً للحرية.

ويؤكد هذا المعنى بقوله:

«كي نبقى على قيد الحياة.»

فتنشأ علاقة جدلية بين الموت والحياة، حيث يغدو الأول سبباً للثانية، وهو قلبٌ مقصود للمنطق الواقعي ينهض عليه البناء الفكري للقصيدة.

ثانياً: فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

تتسم ألفاظ القصيدة بالرصانة والانسجام مع موضوعها، فلا نجد لفظة دخيلة على السياق أو عبارة متكلفة. بل إن الشاعر يختار مفرداته من معينين متكاملين: معجم البيئة العربية القديمة، ومعجم القضية الفلسطينية.

ففي قوله:

«إلى دثارٍ من مواويل الرعاة»

لا يستدعي كلمة «المواويل» لمجرد قيمتها التراثية، بل لأنها تختزن ذاكرة الريف الفلسطيني، بينما تضفي كلمة «الدثار» إحساساً بالحماية والدفء، فتغدو المواويل نفسها غطاءً روحياً للهوية.

وفي قوله:

«كقوافلٍ تشمُّ رائحةَ العرار»

يستدعي نبات العرار الصحراوي ليمنح المشهد أصالةً مكانية، ويجعل الرائحة علامةً على الذاكرة، فالإنسان يهتدي أحياناً بالرائحة كما يهتدي بالبصر.

ويبلغ التعبير ذروة شفافيته في قوله:

«جئناك يا محمود... يا شعر المواجع.»

فلا يخاطب محمود درويش باسمه فقط، بل يخاطبه بوظيفته الحضارية؛ فهو «شعر المواجع»، أي إن الإنسان والشعر اندمجا في كيان واحد، وهو من أجمل صور المجاز العقلي في القصيدة.

ثالثاً: الانزياح اللغوي والتركيبي:

الانزياح هو العمود الفقري للقصيدة، وهو الوسيلة التي تخرج بها اللغة من الاستعمال العادي إلى الاستعمال الشعري.

من أبرز أمثلته قوله:

«من موتكَ المُخضَرّ.»

فصفة «المخضر» لا تُنسب إلى الموت في الاستعمال المألوف، وإنما إلى النبات والربيع. وهنا يبتكر الشاعر استعارة مركبة تجعل الموت حقلاً للخصب، وهو انزياح يختزل رؤية النص بأكمله.

وفي قوله:

«تحملُ الأرضُ بالرّجال الخالدين.»

ينقل فعل الحمل من المجال البيولوجي إلى المجال الوطني، فتصبح الأرض أماً تنجب الأبطال، وهو تصوير يمنح الوطن بعداً إنسانياً حياً.

وكذلك قوله:

«وردُكَ المشكولُ في خيطِ الرجوع.»

فالورد لا يُشكَل بالخيوط، والرجوع ليس خيطاً، لكن الشاعر يدمج المستويين الحسي والمعنوي ليولد صورة جديدة، يصبح فيها الأمل خيطاً، والورد رمزاً للذاكرة.

ومن أبدع الانزياحات أيضاً:

«تقطرُ جُبنَنا ونحولَنا وضمورَنا.»

فالذي يقطر عادةً الماء أو المطر، أما هنا فإن الغيمة تقطر صفاتٍ معنوية، فيتحول الجُبْنُ إلى مادة مرئية، ويغدو الضمور سائلاً ينهمر من غيمة الجرح العربي.

رابعاً: الرمزية المركبة:

لا يعتمد النص على الرمز المفرد، وإنما يبني منظومة رمزية متشابكة تتوالد فيها الدلالات.

فـالبرتقال ليس ثمرةً فحسب، بل هو يافا، والطفولة، والمنفى، والهوية، ولذلك يقول:

«كيف البرتقال إذا تجذر في تضاريس التجلد والمقاومة العنيدة.»

فالبرتقال هنا يتحوّل إلى كائن مقاوم، تتجذر جذوره في الصمود لا في التراب وحده.

أما الحصان في قوله:

«أطلق حصانك.»

فهو امتداد لرمزية الفارس العربي، ولصورة الحصان في شعر محمود درويش نفسه، حيث يقترن بالحرية والعودة والانطلاق.

وكذلك الورد في قوله:

«ولأن شعرك وردة.»

فالوردة لم تعد نباتاً، بل أصبحت القصيدة ذاتها، وغدت رائحتها هي الخلود.

أما الغلال في قوله:

«وإذا الغلال تراكمت في بيدر العرب الكرام فإنها هي غلتك.»

فهي ليست محصولاً زراعياً، بل حصاد التجربة الشعرية والوطنية، وكأن القصيدة تؤكد أن كل وعي عربي حر هو ثمرة من ثمار درويش.

خامساً: التوازي البلاغي:

يبني الشاعر قصيدته على توازيات تركيبية تمنحها تماسكاً عضوياً.

من ذلك تكرار:

«ولأننا...»

الذي يتكرر مرات عديدة، فيتحول إلى لازمة حجاجية تبرر مجيء الجماعة إلى محمود درويش.

وكذلك:

«جئناك...»

التي تتحول من فعل زيارة إلى فعل بيعة وتجديد عهد.

ثم:

«لا تبتعد عنا كثيراً.»

وهو تكرار لا يراد به الطلب الحقيقي، لأن الشاعر يعلم أن الراحل قد مات، وإنما يراد به تأكيد استمرار حضوره الرمزي.

ويكشف هذا التوازي عن بناء إنشادي قريب من التراتيل الجماعية، وهو ما يمنح القصيدة طاقة خطابية عالية.

سادساً: بلاغة التضاد والمفارقة:

من أبرز خصائص القصيدة اعتمادها على التضاد بوصفه مولداً للمعنى، وليس مجرد محسّن بديعي.

ففي المطلع يجتمع:

الموت - الحياة.

الفجر - الابتعاد عنه.

التصحر - النهر.

الرحيل - النجاة.

ثم تتسع الثنائية لتشمل:

الغياب - الحضور.

الموت - الخلود.

البكاء - المقاومة.

اليتم - البطولة.

الجرح - الازدهار.

وتبلغ المفارقة ذروتها في الخاتمة

«فازهر... ربما من موتكَ المخضر ينطلق السبق.»

فهنا تتحول النهاية إلى بداية، ويصبح الموت نفسه منبعاً للسبق والازدهار، في انسجام كامل مع رؤية القصيدة التي ترى في الشهادة بذرةً للخلود.

يتبين من خلال القراءة اللغوية والبلاغية أن الشاعر فرحان الخطيب قد شيد نصه على لغة عربية رصينة تمتزج فيها جزالة التراث بحيوية الحداثة، وأنه اعتمد الانزياح بوصفه آليةً لإنتاج الدلالة، وجعل من الرمز نسيجاً بنيوياً لا زينةً بلاغية، كما أحسن توظيف التكرار، والتوازي، والمفارقة، والاستعارة المركبة، حتى غدت القصيدة فضاءً تتآلف فيه البلاغة الكلاسيكية مع الشعرية الحديثة. ومن ثم فإن القيمة الجمالية للنص لا تنبع من زخرف القول، بل من قدرة اللغة على إعادة تشكيل الواقع، وتحويل الرثاء إلى خطاب حياة، والموت إلى وعدٍ دائم بالانبعاث.

الفصل الثاني: الإيقاع والمعمار الصوتي:

الإيقاع بوصفه بنيةً دلالية

لا يقوم الإيقاع في قصيدة «من موتكَ المُخضَرّ» على الوزن وحده، بل ينهض على منظومة صوتية متكاملة تتضافر فيها التفعيلة، والتكرار، والتنغيم، والتوازي، والوقفات، حتى يغدو الإيقاع جزءاً من الرؤية الفكرية للنص، لا مجرد إطار موسيقي له. فالقصيدة تُبنى على إيقاع داخلي يتنامى مع تصاعد التجربة الشعورية، ويتحوّل من نبرة التأمل في المطلع إلى نبرة المناجاة، ثم إلى نبرة التحريض والبعث في الخاتمة، وهو ما يجعل الموسيقى مكوّناً دلالياً يوازي الصورة والرمز.

أولاً: الوزن الشعري وإيقاع التفعيلة:

تنتمي القصيدة بوصفها رمزاً من الرموز الهامة في الأدب الحديث ، فقد حافظ الشاعر على إيقاع متقارب يقوم في معظم المقاطع على تفعيلات متجانسة، مع حرية في توزيعها داخل السطر الشعري. وهذه الحرية لا تُفضي إلى الفوضى، بل تُنتج إيقاعاً متدفقاً ينسجم مع طبيعة الخطاب التأملي والوجداني.

فالأسطر الافتتاحية:

«لا لستُ أنكرُ... أننا الأحياءَ... نزرعُ أرضَنا بالموتِ... كي نبقى على قيدِ الحياة.»

تتدرج إيقاعياً من القِصر إلى الامتداد، وكأن الشاعر يصعد بالمتلقي درجةً بعد أخرى حتى يبلغ الذروة الدلالية في عبارة «كي نبقى على قيد الحياة»، حيث يكتمل المعنى ويستقر الإيقاع معاً.

ويميل الشاعر إلى كسر الانتظام التقليدي للتفعيلات حين تقتضي الحالة النفسية ذلك، فيطول السطر أو يقصر تبعاً لتوتر الانفعال، لا تبعاً لقيدٍ شكلي، وهو من أبرز سمات شعر التفعيلة الحديث.

ثانياً: الموسيقى الداخلية:

إذا كان الوزن يمنح القصيدة موسيقاها الخارجية، فإن الموسيقى الداخلية تنبع من العلاقات الصوتية بين الكلمات، ومن حسن توزيع الحروف، وتجاور الأصوات، والتوازي التركيبي.

ويتجلى ذلك في قوله:

«ننأى عن الفجرِ المولدِ للصباحِ... وللضياءِ...»

فالانتقال من الفجر إلى الصباح ثم إلى الضياء ليس انتقالاً دلالياً فحسب، بل تصاعد صوتي أيضاً؛ إذ تتسع دائرة النور تدريجياً، ويترافق ذلك مع تكرار الأصوات المجهورة، ولا سيما الضاد والألف، بما يمنح العبارة إشراقاً يتناغم مع معناها.

وفي قوله:

«كم نهرقُ الدمعَ الهتونَ على التصحر.»

يؤدي تتابع الحروف الرخوة، ولا سيما الهاء والنون، إلى محاكاة انسياب الدموع، فتتحول الأصوات نفسها إلى صورة سمعية للفعل الشعري.

ثالثاً: التكرار بوصفه مولداً للإيقاع:

اعتمد الشاعر التكرار أداةً بنائية، ولم يستخدمه على سبيل الحشو أو التأكيد اللفظي، بل جعله محوراً في تشكيل المعمار الصوتي.

يتكرر التركيب:

«ولأننا...»

في مطالع عدد كبير من المقاطع، فيؤدي ثلاث وظائف متداخلة:

أولاً: يربط أجزاء القصيدة بعضها ببعض.

ثانياً: يمنحها إيقاعاً إنشادياً قريباً من التراتيل الجماعية.

ثالثاً: يرسخ الإحساس بأن الجماعة هي المتكلمة، لا الفرد.

ويتكرر أيضاً الفعل:

«جئناك...»

ليتحول من فعل حركة إلى فعل انتماء، ومن زيارة إلى إعلان ولاء رمزي لمحمود درويش وللقيم التي يمثلها.

كما يتكرر النداء:

«لا تبتعد عنا كثيراً...»

في أكثر من موضع، ليكوّن لازمة وجدانية تُجسد رفض الوعي الجمعي لفكرة الغياب النهائي، فيتحول التكرار إلى مقاومة رمزية للموت.

رابعاً: التوازي الصوتي والتركيبي:

يُعد التوازي من أهم الظواهر الأسلوبية في القصيدة، إذ تتكرر البنى النحوية في صيغ متقاربة، مثل:

«جئناك... جئناك... جئنا...»

وكذلك:

«ولعلنا... ولعلنا...»

وهذا التوازي لا يمنح النص تماسكاً فحسب، بل يخلق إيقاعاً دائرياً يجعل القصيدة أقرب إلى المدّ والجزر، حيث تتقدم الفكرة ثم تعود لتتوسع من جديد.

ومن أبرز أشكال التوازي أيضاً مقابلة الجمل الخبرية بالجمل الإنشائية، فالخبر يصف الواقع، بينما النداء والأمر يعبران عن الرغبة في تغييره، كما في قوله:

«أطلق حصانك... لا تقل ما من أحد.»

فتنشأ حركة إيقاعية بين التقرير والتحريض، وبين الوصف والفعل.

خامساً: الجرس الصوتي والحروف المهيمنة:

يكشف التحليل الصوتي عن هيمنة مجموعة من الحروف التي تؤدي وظيفة تعبيرية واضحة.

فحرف الراء يتكرر بكثافة في ألفاظ مثل:

الرحيل، العرار، البرتقال، الرجوع، الجرح، الربيع الضمني في "المخضر".

وهو حرف تكراري مجهور يمنح الإيقاع قوة وامتداداً، ويتلاءم مع طبيعة القصيدة التي تقوم على الاستمرار وعدم الانقطاع.

كما يهيمن حرف القاف في كلمات مثل:

قيد، قوافل، المقاومة، القدس، القيامة.

وهو حرف شديد مفخم يضفي صلابة على النبرة، ويعكس روح التحدي والمقاومة.

أما حرف النون، المتكرر في:

لأننا، نحتاج، ننثر، نبكي، نهرق، نبقى...

فهو يضفي على النص نغمة حزينة ذات امتداد أنفي، تنسجم مع طبيعة الرثاء، لكنها لا تستسلم للانكسار.

سادساً: الوقفات والإيقاع النفسي:

تُعد علامات الحذف (...) إحدى الأدوات الإيقاعية الأساسية في القصيدة، إذ لا تؤدي وظيفة ترقيمية فقط، بل تمثل لحظات صمتٍ شعري تتيح للمتلقي أن يشارك في إنتاج المعنى.

يتجلى ذلك في قوله:

«جئناك... لكي نبكي عليك...»

فالوقفة بين الفعل وغايته تمنح العبارة شحنة وجدانية مضاعفة، وكأن البكاء نفسه يحتاج إلى استعداد نفسي.

وكذلك في قوله:

«فازهر... ربما من موتكَ المخضر... ينطلق السبق.»

حيث تتحول الوقفات إلى مساحات تأمل، تؤخر اكتمال الجملة لتمنح المفارقة الدلالية أثراً أعمق في وجدان القارئ.

وهذه الوقفات تتناغم مع حركة القصيدة النفسية؛ فهي تتباطأ عند الحزن، وتتسارع عند الدعوة إلى المقاومة، ثم تستقر في خاتمة تنفتح على الأمل.

سابعاً: الإيقاع بوصفه تجسيداً للرؤية

إن الموسيقى في هذه القصيدة ليست عنصراً زخرفياً، بل تجسيدٌ للرؤية الفكرية التي يحملها النص. فالإيقاع يبدأ هادئاً متأملاً، ثم يتصاعد مع تكرار النداءات، ويبلغ ذروته في المقاطع التي تستحضر محمود درويش بوصفه رمزاً، قبل أن ينتهي بإيقاع صاعد في قوله:

«فازهر... ربما من موتكَ المخضر... ينطلق السبق.»

وهكذا تتحول الحركة الصوتية من الانكسار إلى النهوض، ومن الرثاء إلى البعث، لتنسجم الموسيقى مع الفكرة المركزية للقصيدة: أن الموت ليس نهاية، بل بداية لولادة جديدة.

يتبين أن الشاعر فرحان الخطيب نجح في بناء معمار صوتي متماسك، تتكامل فيه التفعيلة مع الموسيقى الداخلية، والتكرار مع التوازي، والجرس مع الوقفات النفسية، ليولد إيقاعاً يعكس التحول الدرامي للنص من الحزن إلى الرجاء، ومن الفقد إلى المقاومة. ومن ثم فإن القيمة الإيقاعية للقصيدة لا تكمن في انتظامها الوزني فحسب، بل في قدرتها على تحويل الصوت إلى حامل للمعنى، بحيث يغدو الإيقاع شريكاً كاملاً في إنتاج الدلالة والجمال.

الفصل الثالث: البنية الفنية والجمالية:

معمار القصيدة والشعرية الدرويشية في «من موتكَ المُخضَرّ».

تنهض قصيدة «من موتكَ المُخضَرّ» على معمار شعري متماسك تتداخل فيه مستويات الرثاء والاحتفاء والمقاومة، فلا تسير في خطّ الحزن التقليدي، بل تعيد تشكيل تجربة الفقد عبر رؤية جمالية تجعل من الموت بدايةً لحضور جديد. فمحمود درويش في النص ليس غائباً يُبكى، بل رمزاً شعرياً ووجدانياً يستمر فاعلاً في الذاكرة الجمعية.

يقوم البناء الفني للقصيدة على حركة درامية واضحة تبدأ من الاعتراف بالألم، ثم الانتقال إلى استحضار الغائب، ثم تنتهي بإعلان الخلود والانبعاث. فالمطلع:

«لا لستُ أنكرُ... أننا الأحياءَ... نزرعُ أرضَنا بالموتِ... كي نبقى على قيدِ الحياة»

يضع القارئ أمام المفارقة الكبرى التي تحكم النص: كيف يصبح الموت شرطاً للحياة؟ ومن هنا تتشكل الرؤية المركزية للقصيدة، حيث تتحول الشهادة إلى بذرة، والغياب إلى حضور.

ثم ينتقل الخطاب إلى المناجاة:

«جئناكَ يا محمودُ يا شعرَ المواجعِ»

فتتحول القصيدة من حديث عن الجماعة إلى حوار روحي مع الشاعر الراحل، وكأن الموت لم يقطع الصلة، بل أعاد صياغتها في مستوى أكثر عمقاً؛ مستوى الذاكرة والرمز.

الصورة الشعرية والتحول الجمالي

تمتلك القصيدة ثراءً تصويرياً يقوم على تحويل المجرد إلى محسوس، وتحويل الأشياء إلى كائنات نابضة. فالشاعر لا يقول إن درويش خالد في الذاكرة فقط، بل يجسد هذا الخلود عبر صور حسية:

«وردُكَ المشكولُ في خيطِ الرجوعِ»

فالورد هنا ليس زهرة، بل رمز للشعر والحياة والأمل، أما «خيط الرجوع» فهو استعارة للصلة المستمرة بين الفلسطيني وأرضه.

وتتجلى الصورة التحولية في العنوان نفسه:

«من موتكَ المخضرّ»

إذ يتحول الموت إلى حالة خصب، ويكتسب الفناء معنى الولادة. وهذه من أبرز سمات الشعر الحديث الذي لا يرى الأشياء في ثباتها، بل في قدرتها على التحول وإنتاج الدلالة.

كما تظهر الصورة الحركية في قوله:

«أطلق حصانك»

حيث يستدعي الحصان بوصفه رمزاً للحرية والانطلاق، فيتحول المرثي من شاعر راحل إلى فارس رمزي يقود فعل العودة والتحرر.

الشعرية الدرويشية في النص

تتجلى شعرية محمود درويش داخل القصيدة لا عبر الاقتباس المباشر، بل عبر حضور منظومته الجمالية والرمزية. فالعناصر التي ارتبطت بشعر درويش حاضرة بقوة: الأرض، والبرتقال، والمنفى، والعودة، والذاكرة، والقدس.

يقول الخطيب:

«نحتاجُ كيف البرتقالُ إذا تجذّرَ في تضاريسِ التجلّدِ والمقاومةِ العنيدة»

فالبرتقال هنا يحيل إلى يافا وإلى عالم درويش الشعري، حيث تتحول الطبيعة إلى ذاكرة وطنية، ويصبح النبات رمزاً للصمود.

كما يستعيد النص نبرة درويش في الجمع بين الخاص والعام، بين التجربة الذاتية والقضية الكبرى؛ فالشاعر الراحل لا يظهر بوصفه فرداً، وإنما بوصفه ضميراً شعرياً لفلسطين.

العلاقة بين الشكل والمضمون

ينسجم الشكل الفني مع مضمون القصيدة؛ فالتكرار، والنداءات، وتعدد الأصوات، وطول المقاطع، كلها تعكس حالة الفقد الجماعي. إن القصيدة ليست رثاء فردياً، بل نشيد جماعة فقدت صوتاً من أصواتها الكبرى.

ولهذا تتكرر عبارة:

«لا تبتعد عنا كثيراً»

بوصفها محاولة شعرية لمقاومة الغياب، وإبقاء الشاعر حاضراً في الوعي الثقافي.

تنجح قصيدة «من موتكَ المُخضّر» في بناء عالم شعري يتجاوز الرثاء إلى الاحتفاء بالخلود الرمزي. فالموت فيها ليس نهاية، بل انتقال إلى فضاء آخر من الحضور. وقد استطاع فرحان الخطيب أن يجعل من محمود درويش علامةً ثقافية تتجاوز الشخص إلى الفكرة، ومن القصيدة جسراً بين الحزن والأمل، وبين الذاكرة والمستقبل.

الفصل الرابع.

أولاً: القراءة الذرائعية:

البؤرة الفكرية ووظيفة النص

تتأسس قصيدة «من موتكَ المُخضّر» على بؤرة فكرية مركزية تتمثل في تحويل الموت من نهاية وجودية إلى طاقة رمزية للحياة والاستمرار. فالنص لا ينطلق من سؤال الغياب، بل من سؤال البقاء: كيف يمكن للشاعر، بعد رحيله، أن يظل فاعلاً في الوعي الجمعي؟

وتتجسد هذه الرؤية في المفتاح الدلالي للقصيدة:

«نزرعُ أرضَنا بالموتِ... كي نبقى على قيدِ الحياة»

فالشاعر يعيد تعريف العلاقة بين الفناء والخلود؛ إذ يصبح الموت في سياق المقاومة فعلاً منتجاً للمعنى، لا مجرد خسارة. ومن هنا تتحدد الوظيفة الذرائعية للنص: مقاومة النسيان، وترميم الذاكرة، وتحويل الشعر إلى قوة ثقافية تحفظ الهوية.

كما تؤدي القصيدة وظيفة تواصلية واضحة؛ فخطابها موجّه إلى محمود درويش، لكنه في العمق موجّه إلى الأمة والقارئ، لاستدعاء قيم الحرية والانتماء. يقول:

«جئناكَ يا محمودُ... يا شعرَ المواجع»

فالنداء هنا ليس مجرد مخاطبة للراحل، بل استدعاء لرمز ثقافي قادر على إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ووطنه.

وتكشف القصيدة أيضاً عن وظيفة جمالية؛ فالفكرة الوطنية لا تقدم مباشرة، بل عبر شبكة من الصور والرموز: البرتقال، الجليل، القدس، الحصان، الورد، الغلال، وهي علامات تمنح القضية بعدها الإنساني والجمالي.

ثانياً: التحليل النفسي:

لاوعي النص والحنين والفقد

تتحرك البنية النفسية للقصيدة بين ألم الفقد ورغبة التعلق بالحضور. فالذات الشاعرة تعيش صدمة الغياب، لكنها ترفض الاستسلام لمنطق النهاية، ولذلك تكرر:

«لا تبتعدْ عنا كثيراً»

وهذا التكرار يكشف عن حاجة نفسية إلى استمرار العلاقة مع الراحل، وكأن اللغة تصبح وسيلة لتعويض الفقد واستعادة الحضور.

إن محمود درويش في النص يمثل صورة الأب الرمزي؛ فهو ليس شخصاً فقط، بل مرجعية شعرية وأخلاقية. لذلك يقول الشاعر:

«نحتاجُ حلمكَ كي نُعمّرَ من حجارتهِ مداميكَ اشتياق»

فالحلم هنا يتحول إلى مادة بناء، وكأن الأجيال الجديدة تحتاج إلى إرث الشاعر لتشييد مستقبلها.

وتكشف القصيدة عن مكبوت جماعي يتجاوز الحزن الفردي؛ إنه حزن شعب فقد المكان والطمأنينة واليقين. لذلك تظهر صور اليتم والجفاف:

«لنبكي... كاليتامى كلما جفت ضروع الإبل»

فاليتيم هنا ليس الفرد فقط، بل أمة فقدت بعض رموزها، لكنها تبحث عن استمرارها في الشعر والذاكرة.

أما صورة البطولة فتتجسد في محمود درويش بوصفه الشاعر المقاوم الذي لا ينتهي بالموت:

«لا يميتُ الموتُ من تركَ الوصيةَ»

فالوصية رمز لاستمرار الرسالة، والشهادة رمز لتحول الفرد إلى قيمة جماعية.

ثالثاً: الدراسة السوسيولوجية:

الهوية والذاكرة الفلسطينية في النص.

تنتمي القصيدة إلى خطاب شعري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالهوية الفلسطينية، حيث تتحول العناصر اليومية والتراثية إلى علامات على الوجود الجماعي.

فيافا تحضر من خلال البرتقال:

«نحتاجُ كيف البرتقال»

والجليل يحضر بوصفه فضاءً للثبات:

«في الجليل من الثبات»

والقدس تحضر بوصفها أفق التحرر:

«لمّا إليكَ القدسُ ترجعُ حرة»

وهذه الأمكنة ليست خلفيات شعرية، بل مكونات أساسية في بناء الهوية؛ فالمكان في الشعر الفلسطيني يحمل ذاكرة الإنسان وتاريخه وحقه في الوجود.

كما تكشف القصيدة عن علاقة الإنسان الفلسطيني بالمنفى والرحيل:

«كقوافلٍ تشتمُّ رائحةَ العرارِ تشيلُ أحمالَ الرحيل»

فالقافلة هنا رمز تاريخي واجتماعي للتهجير المستمر، لكنها تحمل في الوقت نفسه معنى الاستمرار وعدم الانقطاع.

ومن منظور سوسيولوجي، يقدم النص الشاعر بوصفه فاعلاً اجتماعياً؛ فالشعر ليس عزاءً جمالياً فقط، بل وسيلة لحماية الذاكرة ومقاومة محاولات المحو. فمحمود درويش يصبح نموذجاً للمثقف الذي حمل قضية شعبه عبر الكلمة، وحول الأدب إلى مساحة للدفاع عن الإنسان والحرية.

تكشف القراءة الذرائعية والنفسية والسوسيولوجية أن القصيدة تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح خطاباً ثقافياً حول الذاكرة والهوية والمقاومة. فهي ترثي شاعراً، لكنها في الوقت نفسه تستعيد مشروعاً شعرياً ووطنياً كاملاً. وقد استطاع فرحان الخطيب أن يجعل من محمود درويش رمزاً للحضور المستمر، ومن الفقد طاقةً لإنتاج المعنى، ومن الشعر فعلاً اجتماعياً يحفظ الإنسان والأرض من الغياب.

- الدراسة السيميائية والتناص

في قصيدة «من موتكَ المُخضّر» لفرحان الخطيب

أولاً: الدراسة السيميائية:

العلامات والرموز وشبكة الدلالات.

تقوم قصيدة «من موتكَ المُخضّر» على نظام رمزي كثيف يجعل من الأشياء والعناصر الطبيعية علاماتٍ تتجاوز وجودها الحسي إلى دلالات ثقافية وتاريخية. فالعالم الشعري في النص ليس عالماً محايداً، بل فضاءً مشحوناً بالإشارات التي تعيد بناء الذاكرة الفلسطينية.

يأتي الموت بوصفه العلامة المركزية التي يعيد الشاعر تأويلها؛ فهو لا يظهر كعلامة فناء، بل يتحول إلى علامة خصب وانبعاث:

««ربّما من موتكَ المخضّر...

ينطلقُ السبق»»

إن اقتران الموت بالخضرة يمثل قلب النظام الرمزي في القصيدة؛ فالموت هنا يحمل بذور الحياة، والشهادة تتحول إلى طاقة استمرار.

وفي مقابل الموت تحضر علامة الحياة في صور متعددة: الخضرة، الورد، الثمار، الغلال، الصباح، وهي جميعاً تنتمي إلى حقل النمو والتجدد. ومن خلال هذا التقابل يبني النص ثنائية كبرى:

الموت - الحياة

الغياب - الحضور

الرحيل - العودة

الجفاف - الخصب

وهذه الثنائيات لا تقوم على التضاد فقط، بل على التحول؛ إذ يتحول الموت إلى حياة، والغياب إلى حضور.

- رمزية المكان:

يحمل المكان في القصيدة وظيفة تتجاوز الوصف الجغرافي. فـيافا ليست مدينة فقط، بل ذاكرة وهوية:

««من يافا ليقظةِ ناظريك»»

إنها المكان الأول، والجرح الأول، والحنين المتجذر في الوعي الفلسطيني.

أما الجليل:

««في الجليل من الثبات»»

فهو علامة على الصمود والانتماء، بينما تمثل القدس أفق الخلاص والحرية:

««لمّا إليكَ القدسُ ترجعُ حرة»»

فالقدس ليست مكاناً فقط، بل حلم تاريخي ورمز للعدالة والعودة.

- رمزية الطبيعة:

تتكرر عناصر الطبيعة في القصيدة بوصفها علامات ثقافية:

- البرتقال: رمز يافا، والطفولة، والهوية.

- الورد: رمز الشعر والخلود.

- الغلال: رمز الحصاد الحضاري.

- الحصان: رمز القوة والانطلاق.

- البلبل: رمز الغناء والأمل.

- الغيمة: رمز الألم المتحول إلى عطاء.

وهكذا تتحول الطبيعة من خلفية شعرية إلى لغة ثانية داخل النص.

ثانياً: التناص في القصيدة:

١- التناص مع القرآن الكريم:

يحضر النفس القرآني في القصيدة من خلال مجموعة من المفاهيم والصور، ولا سيما فكرة البعث بعد الموت، وتحول العسر إلى فرج، كما في قوله:

««من موتكَ المخضّر»»

فالمعنى يقترب من الرؤية القرآنية التي تجعل الموت طريقاً إلى حياة أخرى، وتربط الفناء بالبعث والتجدد.

كما تحضر مفردات ذات صدى قرآني مثل: الأرض، الغلال، الثبات، الشهادة، القيامة، وهي ألفاظ تحمل شحنة روحية تتجاوز معناها المباشر.

٢- التناص مع شعر محمود درويش:

أبرز مستويات التناص في النص هو الحوار مع عالم محمود درويش الشعري. ففرحان الخطيب لا يقلد درويش، بل يستعيد مفرداته الكبرى ويعيد صياغتها:

- الأرض.

- البرتقال.

- العودة.

- المنفى.

- الذاكرة.

- المقاومة.

فحين يقول:

««نحتاجُ كيف البرتقال»»

فإنه يستدعي حضور البرتقال في المخيال الدرويشي بوصفه علامة على الوطن المفقود والحياة المتجذرة.

كما أن فكرة تحويل الموت إلى حضور تستعيد جوهر تجربة درويش الشعرية التي جعلت من الغياب مساحة للخلق.

٣- التناص مع التراث العربي:

تستحضر القصيدة معجم الشعر العربي القديم من خلال:

١- «البيدر»

٢- «القافلة»

٣- «الحصان»

٤- «الرعاة»»

وهي رموز ترتبط بالبادية والترحال والفروسية والكرامة.

لكن الشاعر لا يستعيد التراث بوصفه ماضياً مغلقاً، بل يجعله جزءاً من خطاب المقاومة الحديثة، فيلتقي القديم بالجديد.

٤ - التناص مع الموروث الفلسطيني:

يحضر الموروث الفلسطيني في تفاصيله العميقة: البرتقال، الأرض، الجليل، القدس، الأغنية الشعبية، المواويل، الرحيل. وهذه العناصر تمنح القصيدة هويتها المحلية، وتجعلها متصلة بالذاكرة الشعبية لا بالنخبة الثقافية فقط.

الخاتمة:

تثبت القراءة المتعددة لقصيدة «من موتكَ المُخضّر» أن الشاعر السوري فرحان الخطيب لم يكتب مرثية تقليدية لمحمود درويش، بل أنجز نصاً شعرياً يعيد تعريف الرثاء في الشعر العربي الحديث. فالموت في القصيدة ليس نهاية، وإنما انتقال إلى حضور رمزي متجدد، والشاعر الراحل ليس غائباً، بل يتحول إلى قيمة ثقافية وأخلاقية تسكن الوعي الجمعي.

القيمة الفنية:

تكمن القيمة الفنية للنص في قدرته على الجمع بين جزالة اللغة العربية ومرونة الشعر الحديث، وبين الرمز الوطني والتجربة الإنسانية. فقد نجح الشاعر في بناء صور مركبة، وإيقاع داخلي متماسك، وشبكة رموز تجعل القصيدة مفتوحة على قراءات متعددة.

القيمة الفكرية:

تقدم القصيدة رؤية عميقة حول العلاقة بين الإنسان والموت والذاكرة؛ فهي تؤكد أن الأفكار الكبرى لا تموت بموت أصحابها، وأن الشعر قادر على تحويل الفقد إلى طاقة للحياة.

القيمة التاريخية:

تمثل القصيدة وثيقة شعرية تنتمي إلى مرحلة فقدان أحد أبرز الأصوات الفلسطينية والعربية، لكنها تتجاوز المناسبة لتسجل مكانة محمود درويش في الوجدان الثقافي العربي.

مكانة القصيدة في الشعر الفلسطيني الحديث:

تندرج «من موتكَ المُخضّر» ضمن شعر الذاكرة والمقاومة، لأنها لا تكتفي بالبكاء على الماضي، بل تستنهض المستقبل. إنها قصيدة وفاء لشاعر كبير، لكنها أيضاً قصيدة عن استمرار فلسطين في اللغة، وعن قدرة الشعر على أن يكون وطناً حين تضيق الأمكنة.

وبذلك ينجح فرحان الخطيب في صياغة معادلة شعرية نادرة:

أن يصبح الموت اخضراراً، والغياب حضوراً، والقصيدة جسراً يصل الإنسان بما لا يموت.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.............................

منْ موتِكَ المُخْضَرّ

لا لستُ أنكرُ..

- أننا الأحياءَ –

نزرعُ أرضَنا بالموتِ..

كي نبقى على قَيدِ الحياةْ..

*

ننأى عن الفجرِ المولّدِ للصباحِ..

وللضياءِ..

ونستريحُ على بساطٍ من جميلِ الأمنياتْ..

ونعيشُ سِفْرَ الرّاحلينَ لعلّنا..

نخطو إذا صحَّ التّمني..

صوبَ طوقٍ من نجاةْ..

*

ولأننا..

لا خيمة ً تمشي بلا حِمْلٍ على سنمِ البعيرِ..

وأننا لاشكَّ نَبعدُ عن مجاراة الذهابِ..

إلى الأمامِ..

ولم نزلْ نشتاقُ جلَّ الإشتياقِ..

إلى دثارٍ من مواوايل الرعاةْ..

*

ولأننا كقوافلٍ تشتمُّ رائحةَ العرارِ..

تشيلُ أحمالَ الرّحيلِ..

ونشتهي طُرُقَ التّسكعِ فوق لاهبة الهجيرِ..

وتحتها نهرٌ..

إذا بسموا تفجّرَ عن ثمارٍ دانياتْ..

*

ولأننا..

كم نهرقُ الدّمعَ الهتونَ على التّصحّرِ..

في بوادي الرّوح..

كي نُبقي على الرّمل المُشمّسِ..

والمُملّحِ بالحصاةْ..

*

ولأننا..ولأننّا..

جئناكَ " يامحمودُ " ياشعرَ المواجعِ..

والعناقيدِ التي عتّقتها نبلاً وعشقاً..

في الجليل من الثباتْ..

جئناكَ ننثرُ عطركَ الوطنيَّ..

نحملُ طيفكَ النبويَّ..

من كلِّ اتجاهاتِ الأماكنِ واللغاتْ..

**

ولأننا لا نملكُ العزفَ الجميلَ..

ولا المُلوّنَ بالحكاياتِ القديمة ِ انتصاراً هاهنا..

جئنا..

لكي نبكي عليكْ..

*

ولعلنا نحتاجُ حلمكَ كي نُعمّرَ من حجارتهِ..

مداميكَ اشتياقٍ صُغْتَها..

من نبضكَ الممتدِّ من يافا ليقظةِ ناظريكْ..

*

ولعلّنا..

نحتاجُ كيف البرتقالُ

إذا تجذّرَ في تضاريسِ التّجلُّدِ..

والمقاومةِ العنيدةِ..

كيف يغدو..

مثل ألعابِ الطّفولة لاتفارقُ مقلتيكْ..

*

نحتاجُ عطرا من شذا الأشعارِ..

يُكتبُ في يديكْ..

جئنا كما عوّدتَنا..

أو قلْ كما نعتادُ بعد اليومِ..

أن نأتي إليكْ..

*

أو عوّدونا أنْ ندبّجَ أجملَ الأشعار والهذيانِ..

والصّحو المباغتِ عندما..

تقتادُ أجنحةُ المنايا كوكباً ذاتَ مساءْ..

*

جئنا لأنكَ..

 وردُكَ المشكولُ في خيط الرجوعِ..

يشدُّنا للبوحِ عن سببِ البقاءْ..

*

جئنا لنبكيَ..

او لنفصحَ عن مشاعرنا النبيلةِ كاليتامى..

كلّما جفّتْ ضروعُ الإبلِ..

أو قلَّ الجَنا بالنّخلِ..

 آلو للبكاءْ..

*

جئنا نخاطبُ فيكَ أدمعَنا التَّعالتْ..

غيمةً من جرحنا العربيِّ..

تقطرُ جُبنَنا ونحولَنا وضمورَنا..

ولعلّ أهونَ ما يُصيبُ المرءَ منّا هذهِ اللحظاتِ..

جَلْدٌ في العَراءْ..

**

لم تبتعدْ عنا كثيراً..

أيُّها الرّجلُ الذي مازال يرفعُ إصبعيهِ..

تحديّا للغاصبينْ..

لازلتَ – نُدركُ – ماغفلتَ..

عن المجازرِ في رقابِ الطّيبين..

*

لا زلتَ - نُدركُ – لا يميتُ الموتُ من تركَ الوصيةَ..

والشهادةَ..

وهي لم تكنِ الاخيرةَ..

كي تظلَّ الأرضُ تحبلُ بالرّجالِ الخالدينْ..

لا تبتعدْ عنّا كثيراً..

إنها روحٌ وترجعُ في إهاب العائدين...

لا يا أخي..

يا أيها الشّعرُ التّرصّعَ من يراعكَ..

سوف يحيا للأبدْ..

*

او قل إذنْ..

لمّا إليكَ القدسُ ترجع حرةً...

اطلقْ حصانكَ..

لا تقلْ ما من أحدْ..

لا تبتعدْ عنا كثيراْ..

أيها الشعرُ المحبّر بالذهبْ..

أشكو إليك سيوفنَا.

ام أنّ للشكوى أصولاً..

أنت لم يبرد دمُكْ....

*

جدرانُ روحك لم تزلْ تسخو عليها دمعتُكْ..

ولأن شعرَكَ وردةٌ..

تزهو بها حتّى القيامةِ امّتُكْ.

وإذا الغلالْ تراكمتْ في بيدرِ العُرْب الكرامِ..

فإنّها..

هيَ غلَّتُكْ..

**

جئناكَ..

بُلْبلُنا يغرّدُ فوق سطح الدّارِ..

في رَأدِ الغسقْ..

والنّارُ تَغلي في ضميرِ الغائبِ النّائي..

ويحترقُ الحَبقْ..

وحظيرةٌ مَلأى بأنواعِ الضّجيجِ...

ودهشتي..

لا دِيكَ يُطلقُ للصّباحِ صياحَهُ..

وصِياحُنا..

من شدّةِ الصّوتِ اختنقْ..

جئناك َ..

فَازْهِرْ..

ربّما من موتكَ المخضَرِّ..

ينطلقُ السَّبقْ..

***

شعر: فرحان الخطيب

....................

* "إلى الشاعر محمود درويش" في ذكرى رحيله الأولى

الطقوس، الرموز، والهوية الجمعية.. دراسة في أنثروبولوجيا النص وسيميائية الأداء

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء مفهوم "الإشهار الثقافي" في الأدب العربي القديم بوصفه منظومةً من الأنساق الرمزية والطقسية المتشابكة، التي وظَّفتها الثقافة العربية قبل الإسلام وفي فجر صدره لإنتاج المعنى الجمعي وتوزيعه وتثبيته. وتنطلق الدراسة من افتراض نقدي مركزي مفاده أن إيقاد النار احتفاءً بالمواليد الذكور، وتعليق المعلقات على أستار الكعبة، والمنافسة الشعرية في سوق عكاظ، وما اقترن بها من ولائم وفخر وهجاء، ليست ممارسات منعزلة بل تشكِّل نسقًا إشهاريًّا متكاملًا يمكن مقاربته من زوايا: السيميائية الثقافية، وأنثروبولوجيا الأداء، ونظرية الفضاء العام. وتخلص الدراسة إلى أن هذا النسق أنتج أشكالًا مبكِّرة من "الهوية المُعلَنة" في بيئة شفهية، تنافس في فاعليتها آليات التواصل في الثقافات الكتابية المعاصرة.

الكلمات المفتاحية: الإشهار الثقافي، الأدب العربي القديم، سيميائية الأداء، الهوية القبلية، المعلقات، سوق عكاظ، الطقوس الإشهارية.

1. المدخل النظري: حين تُعلن الثقافة عن ذاتها

ثمة مفارقة لافتة تستدعي التأمل في مستهل هذه الدراسة: إن الباحث في تاريخ الإعلام، وتاريخ الاتصال البشري يكاد يُجمع على أن "الإشهار" ظاهرة حديثة، تعود في جذورها إلى الثورة الصناعية وما أنتجته من تحوُّل في أنماط الإنتاج والاستهلاك والتواصل. بيد أن النظر الثاقب في الموروث الأدبي العربي القديم يكشف أن الإنسان لم يحتج إلى اختراع المطبعة، ولا إلى ظهور الإنترنت، كي يُدرك أن الحضور في الوجدان الجمعي يستلزم فعل إعلانٍ مدروسٍ ومُصمَّم. وهذا الإدراك هو ما نُسمِّيه في هذه الدراسة بـ"الإشهار الثقافي" — وهو مصطلح نستعيره من حقل الدراسات الثقافية ونُعيد توظيفه في سياق ما قبل الحداثة، بعد أن نُجرِّده من تحيُّزاته التجارية ونُعيد تعريفه على النحو الآتي:

الإشهار الثقافي: كلُّ فعل رمزي أو طقسي أو خطابي تُمارسه جماعةٌ ما بقصد إعلان هويتها، وترسيخ مكانتها، وتوزيع قيمها في الفضاء العام المتاح لها.

وهذا التعريف يستعير من رولان بارت فكرة النسق الثانوي للدلالة — أي إن الطقسَ أو القصيدةَ لا تعمل على مستوى الدلالة المباشرة (الاحتفال بمولود، أو مدح ممدوح) بل على مستوى ثانٍ أعمق هو إنتاج الأسطورة الاجتماعية وتغذيتها. ويستعير من يورغن هابرماس مفهوم "الفضاء العام" بوصفه الفضاء الذي تُمارَس فيه هذه الأفعال الإشهارية وتتداول. ويستعير من فيكتور تيرنر نظريته في الطقوس بوصفها "عروضًا اجتماعية" تُفصح عن البنى الخفية للمجتمع وتُعيد إنتاجها.

غير أن هذه الدراسة لا تكتفي بتطبيق هذه المفهومات الغربية على تراثٍ شرقي كما لو كانت قوالب جاهزة؛ بل تسعى إلى استجلاء الخصوصية المعرفية لهذا التراث، واستخلاص مفهوماته من داخله قبل أن تستعين بما هو خارجه. فالتراث العربي القديم لم يكن ينتظر بارت ليُخبره أن للشعر وظيفةً اجتماعية، ولا هابرماس ليُخبره أن عكاظ فضاءٌ عام؛ بل كان يعلم ذلك وهو يُمارسه.

2. النار في الأفق: سيميائية الإعلان الأوّل

2-1. الطقس في مواجهة الصمت

لنتوقف أمام المشهد في كثافته الأنثروبولوجية: في خيمةٍ يحفُّها الليل وتمتد من ورائها الصحراء بصمتها الهائل، تضع المرأة حملَها. إذا كان الوليد ذكرًا، لم يمكث الخبرُ حبيسَ الخيمة؛ إذ كان الرجال يتسابقون إلى الربوات والتلال المُشرفة، فيُضرمون النيران، فيرتفع الضوء في الظلام والدخان في أديم السماء؛ رسالةً إلى كل عين تقع على ذلك الأفق في مدى يمتد ميلًا أو ميلين أو أكثر.

هذا الفعل البسيط في مظهره لا يكون بسيطًا حين يُنظر إليه من منظور السيميائية الثقافية. فالنار هنا لا تعمل كنارٍ — أي مصدر دفءٍ وضوء — بل تعمل كـعلامة، والعلامة في حاجة إلى ثلاثة أركان كما أرسى سوسير: الدالُّ (لهيب النار المرئي)، والمدلول (الخبر: وُلد غلام)، والنظام الذي يُتيح هذه العلاقة (الاتفاق الثقافي المشترك بين أبناء القبيلة على دلالة هذا الفعل). وما يجعل هذا الطقس بالغ الدلالة هو اشتراط هذا النظام: فالنار لا تُعلن شيئًا لمن لا يعرف الشفرة، وإنما تُعلن لمن يشاركون الإطار الثقافي ذاته.

2-2. الذكورة رأسمال رمزي:

ثمة إشكالية نقدية جوهرية لا يمكن تجاوزها بسهولة: لماذا كان هذا الإشهار حكرًا على المولود الذكر من دون الأنثى؟ إن الإجابة السريعة ستحيل إلى الموروث الذكوري وثقافة الفحولة، غير أن الإجابة الأكثر عمقًا تُلزمنا بفهم المنطق الداخلي للمجتمع القبلي. فالقبيلة في بيئة صحراوية عدائية كانت تُقاس قوتها بعدد مقاتليها لا بعدد سكانها، وكان المولود الذكر يُمثِّل وعدًا بالحماية، وامتدادًا للنسب، وتعزيزًا لموازين القوى مع القبائل المجاورة. ومن ثَمَّ فإن الإشهار به إشهارٌ برأسمالٍ رمزي ومادي في آنٍ واحد.

وقد رصد القرآن الكريم هذه المعادلة القيَمية ونقدها في موضعٍ شديد الدقة، إذ يقول في سورة النحل (آية 58-59): ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾. وما يلفت في هذا النص القرآني أن الله تعالى يستخدم لفظة "بُشِّر" لكلٍّ من الذكر والأنثى، مُعيدًا بذلك تأسيس أخلاقيات التبشير على أساس يتخطى منطق الإشهار القبلي. وفي هذا ما يُشير إلى أن الوحي الإسلامي كان واعيًا بنظام الإشهار القائم وسعى إلى إعادة هيكلته.

2-3. الوليمة بوصفها خطابًا موازيًا:

لا تنفصل النار عن الوليمة في هذا الطقس الإشهاري؛ إذ كانت نيران الإعلان تتبعها موائد الضيافة، وهنا يتضاعف الإشهار في بُعدَين: الأول بصري — النار المرئية من بعيد — والثاني حسّي مُباشر — الطعام الذي يجمع الشهود ويُلزمهم بالحضور المادي في مجلس الاحتفال. والوليمة هنا ليست كرمًا خالصًا، بل هي استثمار في العلاقات الاجتماعية؛ من حضر وأكل صار شاهدًا ومدينًا بالاعتراف، وصار مُلزَمًا بالمعاملة بالمثل في مناسبةٍ مقبلة. وهذا ما يُسمِّيه الأنثروبولوجي مارسيل موس في كتابه الهبة بـ"اقتصاد الهبة المضادة"، حيث العطاء فعلٌ اجتماعي يُرتِّب التزامات متبادلة.

وقد وثَّق ابن رشيق القيرواني)ت 463هـ(في العمدة في محاسن الشعر وآدابه ما يُشبه هذا: "كانت القبيلة إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنَّأتها، وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس." فالوليمة هنا تحتفي بالشاعر كما تحتفي بالمولود، مما يُثبت أن منظومة الإشهار الثقافي كانت متسقة في منطقها: كلُّ ما يُعزِّز مكانة القبيلة يستحق طقس الإعلان الجمعي.

3. المعلقات والكعبة: حين يُقيم النصُّ في المقدَّس

3-1. إشكالية التعليق: بين التاريخ والأسطورة

لا بدَّ لباحثٍ أمين أن يقف أمام رواية تعليق المعلقات على أستار الكعبة وقفةَ الناقد الذي لا يُسلِّم من دون أن يُمحِّص. فقد أثار المستشرق ريجيس بلاشير في تاريخ الأدب العربي شكوكًا جدية في صحة هذه الرواية تاريخيًّا، مستندًا إلى غياب الإشارة إليها في المصادر الأولى. وذهب الباحث اليمني عبد العزيز المقالح إلى أن الرواية ربما نشأت في سياق الرغبة في تمجيد هذه القصائد وتعظيم شأنها. بل إن مصطلح "المعلقات" نفسه محلُّ جدل: هل هو من "التعليق" بمعنى التعليق المادي على أستار الكعبة؟ أم من "العلوق" بمعنى ما علق بالذاكرة ورسخ فيها؟ أم أنه من "المُعلَّق" بمعنى المُكمَّل المُتقَن؟

غير أن هذا التشكيك في الحرفية التاريخية لا ينبغي أن يُلقي بظلاله على ما هو أهم من ذلك: فحتى لو لم تكن القصائد مُعلَّقة فعلًا، فإن انتشار هذه الرواية وتجذُّرها في الوعي الجمعي هو في حدِّ ذاته دليلٌ أنثروبولوجي على طبيعة العلاقة التي رسمها العرب بين الأدب الرفيع والمكان المقدَّس. فالأسطورة — بالمعنى الأنثروبولوجي، لا المعنى التكذيبي — هي الحقيقةُ التي يرويها مجتمعٌ ما عن نفسه، وما يرويه هذا المجتمع هو أن أرفع شعره يستحق أن يُعلَّق حيث تُعلَّق كسوةُ الكعبة.

3-2. ثنائية المقدَّس والأدبي:

إن ما يجعل هذا الطقس الإشهاري مثيرًا للتأمل النقدي هو أنه يُقيم علاقةً غير مألوفة بين ساحتَين لا يُفترض تلاقيهما بسهولة: المقدَّس والجمالي. فالكعبة مكانٌ ديني في المقام الأول، وتعليق القصائد عليها — أو التصوُّر بتعليقها — يعني إضفاء القداسة على الفعل الشعري، ومنح الشاعر منزلةً تتجاوز كونه منتجًا جماليًّا إلى كونه صاحب رسالة شبه كهنوتية.

وقد ذهب عبد الله الغذامي في كتابه "القصيدة والنص المضاد" إلى أن الشاعر في الثقافة العربية القديمة كان يحتل موقعًا مزدوجًا: فهو متكلِّمٌ باسم القبيلة (وظيفة سياسية) و"كاهنٌ" يُفصح عمَّا تعجز عنه الكلمة العادية (وظيفة ميتافيزيقية). وهذا الازدواج هو الذي يُفسِّر ما قد يبدو تناقضًا: كيف يجتمع الشعرُ الغزلي الصريح — كمعلقة امرئ القيس — مع المكان الديني المقدَّس؟ الإجابة هي أن الثقافة العربية القبلية لم تكن ترى في الشعر مجرد ترف جمالي، بل كانت تراه تعبيرًا عن الكيان الإنساني في كليَّته، بما فيه الغريزة والجمال والرعب والفرح.

3-3. قراءة في مطلع المعلقة: نصٌّ يُعلن عن نفسه

قال امرؤ القيس في مطلع معلقته، التي تُعدُّ في رأي كثير من النقاد أعلى هذه القصائد درجةً وأكثرها تمثيلًا للظاهرة الإشهارية:

قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

بسِقطِ اللِّوى بين الدَّخول فحَوملِ

ما يلفت الانتباه في هذا المطلع من منظور إشهاري أنه يبدأ بأمرٍ موجَّه إلى مُخاطَبَين اثنين: "قِفا" (قف يا صاحبَيَّ). فالشاعر لا يبكي وحده في الظلام، بل يستدعي شهودًا على بكائه؛ وهذا الاستدعاء هو أول فعلٍ إشهاري في القصيدة. ثم يُتبع ذلك بتحديد المكان بدقة شديدة — سقط اللوى، الدخول، حوملِ — كأنه يُثبِّت إحداثيات التجربة في الذاكرة الجمعية، ليقول للسامعين: "إن مررتم بهذا المكان فاعلموا أني كنتُ هنا، وأن ألمي شهد عليه ذلك الأفق."

وهذا البُعد الإشهاري الكامن في القصيدة العربية القديمة لم يُلتفَت إليه كثيرًا في التقليد النقدي الكلاسيكي الذي انصبَّ اهتمامه على الجمالي والبلاغي. والحال أن النصَّ الأدبي لا ينفصل عن سياقه الأدائي: فهذه القصيدة ما كانت لتُعلَّق — أو يُتصوَّر تعليقُها — لو لم تكن مُؤدَّاةً أمام جمهور، ولا كانت مُؤدَّاة لو لم يكن ثمة فضاءٌ عام يحتضن هذا الأداء.

4. سوق عكاظ: أنثروبولوجيا الفضاء العام الأدبي

4-1. عكاظ بوصفه مؤسسة ثقافية:

حين يُطلق الباحثون المعاصرون وصف "السوق" على عكاظ، فإنهم يُحيلون الذهن تلقائيًّا إلى التجارة والبضائع والمبادلة الاقتصادية. وهذا صحيح جزئيًّا، لكنه مُضلِّل في جوهره. فسوق عكاظ كان — ولنستعر مصطلح بيير بورديو — حقلًا بالمعنى الاصطلاحي: أي فضاءً اجتماعيًّا تتقاطع فيه أشكال متعددة من الرأسمال (الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والرمزي)، وتتنازع القوى داخله على السلطة والاعتراف.

فالتاجر القادم إلى عكاظ لا يُريد بضاعتها المادية فحسب، بل الوجود في الشبكة الاجتماعية التي تنسجها. والشاعر القادم إليها لا يُريد الجائزة المادية فحسب، بل الاعتراف الرمزي الذي يُحوِّله من فردٍ موهوب إلى صوتٍ يُمثِّل قبيلةً وأمةً. والزعيم القادم إليها لا يُريد التفاوض السياسي فحسب، بل الإعلان عن حضوره في الوجدان الجمعي لمن يحضرون من كل حدبٍ وصوب.

4-2. النابغة الذبياني حَكَمًا: سلطة النقد وشرعيتها

لعل أكثر ما يكشف عن النضج المؤسسي لعكاظ بوصفها فضاءً للإشهار الثقافي أن ثمة من اضطلع بدور "الحَكَم" فيها — وهو المنصب المنسوب إلى النابغة الذبياني. يروي أصحاب الأخبار أن النابغة كان يجلس في خيمةٍ حمراء، يأتيه الشعراء فيُلقون عليه قصائدهم، فيُقيِّمها ويُرتِّبها ويُصدر حكمه فيها. وقد وثَّق هذا الأثرَ الأصفهانيُّ (ت 356 هـ) في الأغاني بروايات متعددة تُشير إلى حوارات نقدية بالغة الدقة جرت في هذه الجلسات.

ما يستوقفنا في هذا المشهد هو سؤال الشرعية: بأي سلطة يجلس النابغة حَكَمًا؟ ليست سلطته دينية ولا سياسية ولا اقتصادية، بل هي سلطةٌ نقدية — أي إن المجتمع اعترف بقدرته على تمييز الرفيع من الدنيء في فنٍّ يعدُّه أساسيًّا لهويته. وهذا الاعتراف يعني أن المجتمع القبلي طوَّر نوعًا من "الذوق الجمعي" المُقنَّن، وأنشأ آليةً مؤسسية للحكم على مخرجاته الأدبية.

ولا يبعد هذا كثيرًا — في بنيته الوظيفية إن لم يكن في بيئته — عمَّا تفعله لجان التحكيم في جوائز الأدب العالمية الكبرى؛ غير أن الفارق الجوهري هو أن سوق عكاظ كان مشهودا، أي إن التقييم كان عامًّا ومباشرًا، "لا سريًّا كما هي الحال في معظم جوائز اليوم"، مما يمنحه بُعدًا تشاركيًّا في الإشهار يتجاوز ما توفِّره الجوائز المعاصرة.

4-3. الأداء بوصفه نصًّا: ما وراء الكلمات

أسهم الباحث الأنثروبولوجي ريتشارد باومان في كتابه الأداء الشفهي في تقديم مفهوم "الأداء بوصفه حدثًا تواصليًّا"، وهو مفهوم يُضيء جانبًا مهمًّا في ظاهرة عكاظ: فالقصيدة المُلقاة في عكاظ لم تكن النصَّ وحده، بل كانت النصَّ مُضافًا إليه صوتُ الشاعر وإيقاعه ووقفاته وتلوينات نبرته ومشاعر الحشد المُتلقِّي. هذا كله يُشكِّل ما يُمكن تسميته بـ"النص الكامل"، وهو أوسع بكثير مما تُثبته المخطوطات والدواوين.

ولعل هذا ما يُفسِّر ظاهرةً نقدية لافتة: وهي أن كثيرًا من القصائد التي وصفها النقاد القدامى بأنها الأفضل أو "المختارة" كانت مُفضَّلةً في أدائها، لا في نصِّها المجرَّد. وقد أشار الجاحظ في "البيان والتبين" إلى هذا البُعد حين ذهب قائلا: "ليس الشأن في إجادة المعنى فحسب، بل في إبلاغه سامعه على أتمِّ ما ينبغي." وهذا إدراكٌ باكر لما يُسمِّيه نقد القرن العشرين بـ"جماليات التلقي".

5. الفخر والهجاء: إشهارٌ بوجهَين

5-1. الفخر بوصفه بناءً للعلامة

يُمثِّل الفخر في القصيدة العربية القديمة أكثرَ من مجرد غرضٍ شعري؛ إنه فعلٌ إشهاري بالمعنى الدقيق: بناءٌ ممنهجٌ لعلامةٍ ثقافية مُرتبطة باسم الشاعر وقبيلته. فحين يذهب المتنبي قائلا:

أنا الَّذي نَظَرَ الأعمَى إلى أدَبي

وأسمَعَت كلماتي من بهِ صَمَمُ

فإنه لا يمدح نفسه بقدر ما يُنشئ صورةً ذهنية راسخة عنها — صورة من تتجاوز قدرتُه حدود الممكن المادي. وهذا بالضبط ما تسعى إليه العلامة التجارية المعاصرة: لا وصف المنتج بل خلق صورة تتجاوزه. والفارق بين الاثنين هو أن علامة المتنبي لا تبيع بضاعةً بل تُرسِّخ حضورًا في الوجدان.

وقد بلغت ظاهرة الفخر القبلي ذروتها في ما يُعرف بـ"التفاخر بين القبائل"، وهو جنسٌ خطابي أدبي شبه رسمي كانت القبائل تتبارى فيه بإنجازاتها وأنسابها. وقد أفرد له ابن عبد ربه في "العقد الفريد" بابًا مستقلًا، يُشير إلى أن المجتمع كان يُضفي عليه طابعًا مؤسسيًّا يوازي في مكانته التحالفاتِ السياسية. فالقبيلة التي يفوز شاعرها في مبارزة الفخر كانت تخرج منها بمكاسب رمزية تُعادل — أحيانًا — مكاسب الغلبة العسكرية.

5-2. الهجاء: تقويض العلامة

إذا كان الفخر إشهارًا إيجابيًّا يبني المكانة، فإن الهجاء إشهارٌ سلبي يُقوِّضها. وهنا تتجلى أشد أدوات الإشهار الثقافي العربي القديم خطورةً وتأثيرًا في آنٍ واحد. ولعل أكثر ما يُبيِّن هذا خطورةً أن الهجاء كان يتوارثه الأبناء عن الآباء: فهجاء جرير للفرزدق لم يكن مجرد خصومة شخصية بل استمرارية إشهارية يتصاعد فيها السجال جيلًا بعد جيل، ويُنتج في كل جولة رأسمالًا رمزيًّا لصاحب القصيدة الأفضل.

وقد استوعبت الدولة الإسلامية الناشئة هذه القوة الإشهارية للهجاء وسعت إلى توظيفها؛ يروي ابن هشام في السيرة النبوية أن النبي ﷺ حضَّ حسان بن ثابت على هجاء المشركين، قائلًا له: "اهجُهم وجبريل معك." وهذا الحضُّ النبوي يعني أن الهجاء كان يُنظر إليه بوصفه سلاحًا تواصليًّا حقيقيًّا لا مجرد لعبة لسانية. وحين يُقال إن شعر حسان "أشدُّ على المشركين من وقع السيوف"، فإن هذه المقولة لا تنطوي على مبالغة شعرية بل على وصفٍ دقيق لكيفية عمل الإشهار في الفضاء العام: فالسيف يهزم صاحبه، أما الكلمة المُحكمة فتبقى في الذاكرة الجمعية بعد انقشاع غبار المعركة.

5-3. المفارقة النقدية: الهجاء الذي يُعلي المهجوَّ

ثمة إشكالية نقدية شديدة الطرافة في ظاهرة الهجاء العربي القديم، يكاد يُغفلها الدارسون: وهي أن الهجاء الجيِّد كثيرًا ما كان يُعلي شأن المهجوِّ ويُخلِّد ذكره بصورة لم يكن ليُحقِّقها لو لم يُهجَ. فلو لم يُوجد جرير قصائده الهجائية في الفرزدق، لكان الفرزدق شاعرًا كبيرًا يعرفه المختصون. لكنه بسبب تلك الحرب الإشهارية غدا اسمًا لا ينفصل عن اسم جرير في الوجدان الأدبي العربي. فكأن الهجاء، حين يبلغ ذروته الفنية، يتحوَّل إلى نقيضه: إشهارٌ يُعلن حجم المهجوِّ بقدر ما يُشير إلى حجم الهاجي.

6. الشاعر بوصفه مؤسسة: نحو سوسيولوجيا الدور الإشهاري

6-1. الشاعر: لسان القبيلة وحارس هويتها

يروي أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني أن القبيلة حين كانت يُولد فيها شاعر كانت تُقيم الاحتفالات وتُرسل المُهنِّئين من القبائل المجاورة. وهذا النص — الذي سبقت الإشارة إليه في رواية ابن رشيق — يكشف عن حقيقة جوهرية: الشاعر لم يكن فنانًا فرديًّا تُكرِّمه قبيلتُه، بل كان وظيفةً اجتماعية يحتاجها الكيان القبلي لاستمراريته الرمزية، كما تحتاج المدينة الحديثة إلى صحفيٍّ ومُعلِنٍ ومُؤرِّخ في آنٍ واحد.

فحين يوظف عمرو بن كلثوم ضمير المتكلم الجمعي "نحن" في معلقته مفاخرًا. فهو لا يتكلم بالفرد، بل يتكلم بالجمع ("نحن") متوحِّدًا مع قبيلته توحُّدَ المتحدث الرسمي مع المؤسسة التي يُمثِّلها. وهذا الجمع الشعري ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل هو موقفٌ وجودي يُعبِّر عن طبيعة الدور الإشهاري للشاعر.

6-2. الأعشى أنموذجًا: الشاعر الذي يسبقه صيتُه

يمثِّل الأعشى — ميمون بن قيس — حالةً استثنائية في تاريخ الإشهار الثقافي العربي القديم، يستحق التأمل المستقل. فقد كان معروفًا بأنه يُرسل قصائده المدحية قبل أن يصل جسده إلى الممدوح، فتصل سمعتُه ويسبقه صوتُه — وهو ما يُذكِّر بأشد استراتيجيات الإشهار الحديثة ذكاءً: حين تسبق الحملةُ التسويقية المنتجَ وتُهيِّئ له السوق قبل وصوله.

وقد وصفه الأصمعي بأنه "أعشى القبائل"، أي إن عمى بصره — الذي كان ماثلًا في لقبه — لم يُقلِّل من قوة تأثيره، بل ربما زاد في رمزيته: شاعرٌ لا يرى لكنه يُرى، يُعلن عن الآخرين وهم يُعلنون عنه. وهذه المفارقة بين العمى الجسدي، والبصيرة الشعرية كانت هي نفسها جزءًا من الإشهار الشخصي للأعشى.

7. خاتمة: نحو نظرية عربية أصيلة في الإشهار الثقافي

يقف الباحث في نهاية هذا الاستقراء أمام حقيقة لا تقبل المراوغة: إن ما أنتجته الثقافة العربية القديمة من منظومات إشهارية لم يكن ظاهرةً عفوية ولا نتاج تطور اعتباطي، بل كان نسقًا متكاملًا وواعيًا لذاته يقوم على ثلاثة عناصر متلازمة:

العنصر الأول: المنصة؛ أي الفضاء العام الذي يُتيح الإشهار ويمنحه شرعيته: الكعبة، عكاظ، الربوة المُشرفة. ولا بد لهذه المنصة أن تكون مُعترَفًا بها جمعيًّا لكي يكتسب الإشهار الجاري فيها سلطتَه.

العنصر الثاني: الوسيط الرمزي؛ النار، الشعر، الوليمة، الهجاء. ولكل وسيط شفرته الثقافية الخاصة، وهو لا يعمل إلا داخل المجتمع الذي يشترك في معرفة هذه الشفرة.

العنصر الثالث: الجمهور النشط؛ لأن الإشهار الثقافي في هذا السياق لا يعمل على أنموذج البثِّ الخطي (مُرسِل ← مستقبِل) بل على أنموذج التشارك؛ إذ يُعيد الجمهور إنتاج الرسالة وتوزيعها شفهيًّا، مما يُحوِّل كل متلقٍّ إلى وسيطٍ جديد. وهذا ما يجعل هذا النموذج الإشهاري أقرب في بنيته — على المفارقة — إلى الإشهار الإلكتروني التشاركي في عصرنا، منه إلى الإعلان الإذاعي الخطي أحادي الاتجاه.

وقد كشفت هذه الدراسة — فيما نرجو — أن الثقافة العربية القديمة لم تنتج أداءً جماليًّا خالصًا، بل أنتجت نسقًا ثقافيًّا متكاملًا للتواصل الاجتماعي، والإعلان عن الهوية في بيئة شفهية لا تملك الكتابةَ الواسعة وسيلةً لتوزيع المعنى. وقد عوَّضت عن ذلك بأنظمة أدائية احتفالية بلغت من الدقة والفاعلية ما جعلها تؤدي ما تؤديه الصحيفة والتلفزيون والمنصة الرقمية؛ من دون أن يُكتب لها أن تُدرك أنها تفعل شيئًا من ذلك.

وتلك — إن شئنا الدقة — هي أعظم شهادةٍ على عمق هذا التراث: أن يُؤسِّس لأنساقٍ ثقافية عامرة بالمعنى دون أن يُسمِّيها، ويُمارس الإشهارَ دون أن يعرف الكلمة.

***

الباحثة والناقدة آمال بن الطاهر

المملكة المغربية

...................................

المصادر والمراجع المعتمدة:

1) العربية:

- ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الجيل، 1981 (الطبعة الخامسة، 1401هـ).

- الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1949 (ط. 1، مع تعدد الطبعات اللاحقة).

- أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1994 (طبعة شائعة؛ تختلف حسب الدار والطبعة).

- ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1983 (طبعة متداولة أكاديميًا).

- ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1955 (طبعة معروفة، مع إعادة طبع لاحقة).

- حسين، طه، في الشعر الجاهلي، القاهرة، دار المعارف، 1926.

- الغذامي، عبد الله، القصيدة والنص المضاد، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1994.

2) الأجنبية:

- Barthes, Roland, Mythologies, Paris, Éditions du Seuil, 1957.

- Mauss, Marcel, Essai sur le don, Paris, Presses Universitaires de France, 1925.

- Bourdieu, Pierre, Les règles de l'art, Paris, Éditions du Seuil, 1992.

- Bauman, Richard, Verbal Art as Performance, Illinois, Waveland Press, 1984.

- Turner, Victor, The Ritual Process: Structure and Anti-Structure, Chicago, Aldine, 1969.

- Habermas, Jürgen, The Structural Transformation of the Public Sphere, Cambridge, MIT Press, 1989.

- Blachère, Régis, Histoire de la littérature arabe, Paris, Librairie d'Amérique et d'Orient, Adrien Maisonneuve, 1952–1966

في قصيدة الشاعرة الفلسطينية تماضر سعيد عودة بعنوان: "التي نجت من اللجام"

تأتي قصيدة «التي نجت من اللجام» للشاعرة الفلسطينية تماضر سعيد عودة بوصفها نصاً شعرياً ينتمي إلى فضاء قصيدة النثر العربية الحديثة، حيث تتحرر اللغة من القيود الخارجية لتؤسس نظامها الجمالي الخاص، القائم على الإيقاع الداخلي، وكثافة الصورة، والانزياح الدلالي، وتحويل الأشياء الجامدة إلى كائنات حية تمتلك القدرة على الحوار والمقاومة والتحول.

إن العنوان نفسه يمثل مفتاحاً تأويلياً أولياً؛ فـ«اللجام» ليس مجرد أداة مرتبطة بالفرس، بل علامة رمزية على القيد، والإخضاع، ومحاولة السيطرة على الطاقة الحرة. أما «النجاة» منه فتشير إلى فعل وجودي يتجاوز الهروب الفيزيائي إلى استعادة الذات لجوهرها العميق.

فالذات الشعرية في النص لا تقدم نفسها بوصفها فرداً منعزلاً، بل بوصفها كياناً كونياً متحركاً، يتماهى مع الريح والغيم والأرض والنار والبحر والفرس. إنها ذات تبحث عن حريتها عبر إعادة تشكيل العالم، لا عبر الانفصال عنه.

ومن هنا فإن القصيدة تنتمي إلى شعرية التحول؛ إذ لا تبقى الأشياء في حدودها الواقعية، فالريح تصبح نسبًا:

 "أنا ابنة ريح تسللت من شقوق الغيم"

والأرض تصبح كائنًا حيًا:

 "فتنهض الأرض من سباتها"

والصدر يتحول إلى فضاء:

 "صدري نافذة من جمر بارد"

والذات تتحول في النهاية إلى أسطورة:

"أنا تلك الفرس السوداء"

وهذه التحولات تجعل النص مفتوحًا على قراءات متعددة، وهو ما ينسجم مع مفهوم النقد الاحتمالي الذي لا يبحث عن معنى وحيد نهائي، بل يرى النص شبكة من الإمكانات التأويلية.

أولًا: المنهج النقدي المعتمد

تعتمد هذه الدراسة على مقاربة متعددة المناهج، لأن طبيعة النص لا تسمح بحصره في اتجاه نقدي واحد.

١- المنهج الأسلوبي:

ينظر إلى اللغة بوصفها اختياراً جمالياً، ويبحث في:

تركيب الجملة.

طبيعة المفردات.

الانحراف عن المألوف.

تكرار الأصوات.

بناء الإيقاع الداخلي.

فالقصيدة لا تعتمد على الوزن الخليلي، لكنها تبني موسيقاها من خلال تتابع الأفعال والحركات:

 "أركض

فتنهض الأرض

تخلع

تفتح

أترك"

إن هذا التتابع الفعلي يصنع إيقاعًا حركيًا يجعل القارئ يشعر بأن النص لا يصف الحركة بل يمارسها.

٢- المنهج السيميائي:

ينظر إلى الرموز بوصفها علامات تحمل طبقات متعددة من المعنى.

ومن أهم العلامات المركزية:

الريح:

ليست مجرد عنصر طبيعي، بل رمز للحرية والانفلات.

اللجام:

علامة القيد والسيطرة.

الفرس:

رمز القوة والطاقة والغريزة النبيلة.

النار:

رمز التحول والتطهير.

المرآة:

رمز مواجهة الذات والحقيقة.

٣- المنهج الهيرمينوطيقي:

يعتمد على التأويل وكشف المعاني المضمرة.

فالقصيدة لا تقول مباشرة: "أنا أرفض القيد"

بل تبني هذا المعنى عبر شبكة من الصور:

 "القيود حبات ملح

تذوب عند أول موجة من يقيني"

فالتحرر هنا ليس شعاراً سياسياً، بل فعل داخلي يبدأ من اليقين.

٤- المنهج الذرائعي:

ينظر إلى النص من خلال علاقته بالإنسان والمجتمع والواقع.

فالقصيدة، رغم اعتمادها على الرمزية، تحمل خطابًا إنسانيًا حول:

المنفى.

الذاكرة.

مقاومة القهر.

استعادة الهوية.

ويظهر ذلك بوضوح في:

 "تقيم فيها طيور المنفى"

فالمنفى هنا ليس مكانًا فقط، بل حالة وجودية تسكن الداخل.

البنية اللغوية والأسلوبية:

أولًا: سلامة اللغة وبناء الأسلوب:

تتميز لغة القصيدة بسلامة تركيبية واضحة، وبقدرة على المزج بين الفصاحة التراثية والحساسية الحداثية.

تبدأ القصيدة بالفعل الاسمي:

 "أنا ابنة ريح"

وهذا التركيب يحمل دلالة الهوية.

لم تقل الشاعرة: "أنا كالريح"

لأن التشبيه يحافظ على المسافة بين الطرفين، أما الإضافة:

"ابنة ريح"

فتجعل العلاقة علاقة انتماء وتكوين.

فالريح ليست صفة للذات، بل أصل وجودي لها.

ثانياً: كثافة الفعل والحركة

من أبرز خصائص النص سيطرة الأفعال:

تسللت.، أجر، أعبر، أركض، تنهض، تخلع، تفتح، أترك، أصعد، أعدو.

وهذا يكشف أن الذات الشعرية ليست ساكنة، بل ذات في حالة صيرورة مستمرة.

فالقصيدة لا تقدم امرأة تبحث عن النجاة فقط، بل كائناً يعيد إنتاج العالم من خلال حركته.

ثالثاً: الانزياح اللغوي:

الانزياح هو خروج اللغة عن الاستخدام المعتاد لإنتاج معنى جديد.

ومن أبرز الأمثلة:

١- "أجر خلفي سهولًا من الأسئلة"

السؤال معنى ذهني مجرد، لكنه يتحول إلى أرض واسعة.

هنا يحدث:

تحويل المعنوي إلى محسوس.

فالأسئلة ليست أفكاراً فقط، بل تضاريس ترافق الذات.

٢- "في شعري ليل طويل"

الشعر هنا ليس مجرد شعر الرأس، بل فضاء زمني.

إنها تستبدل الجسد بالكون.

٣- "في عيني بئر لا يبلغ القاع"

العين تتحول إلى عمق وجودي.

فهي ليست أداة رؤية، بل مخزن أسرار.

رابعاً: الرمزية المركبة:

لا يعتمد النص على رمز منفرد، بل على شبكة رمزية متداخلة.

فالريح ترتبط بالغيم.

والغيم يرتبط بالمطر.

والمطر يرتبط بالحياة.

والحياة تواجه القيد.

والقيد يتحول إلى لجام.

والنجاة منه تتحول إلى فرس.

وهكذا يصبح النص رحلة انتقال:

من القيد

إلى الحركة

إلى الحرية

إلى التحقق الوجودي.

خامساً: التوازن بين اللفظ والمعنى:

اختارت الشاعرة ألفاظاً تنتمي إلى الطبيعة:

الغيم، الحقول، الأرض، العشب، النار، البحر، السفينة، الشراع.

لكنها لم تستخدمها بوصفها عناصر وصفية، بل بوصفها أدوات لبناء فلسفة شعرية.

فالأرض ليست أرضًا فقط:

 "فتنهض الأرض من سباتها"

والبحر ليس بحرًا:

 "كل نسمة بحر يحاول النجاة من حدوده"

إن الطبيعة في النص ليست خلفية، بل شريك في التجربة.

الفصل الثاني:

البلاغة والصورة الشعرية والرمزية المركبة في قصيدة «التي نجت من اللجام»

أولًا: الصورة الشعرية بوصفها جوهر الرؤية

لا تقوم الصورة الشعرية في قصيدة «التي نجت من اللجام» على الزخرفة البلاغية أو المحسنات الخارجية، بل تؤدي وظيفة بنائية عميقة؛ فهي الأداة التي تتشكل من خلالها هوية الذات الشعرية، وتتحول عبرها التجربة الفردية إلى تجربة إنسانية كونية.

فالشاعرة لا تصف العالم كما هو، بل تعيد خلقه وفق حساسية شعرية تجعل الموجودات قابلة للتحول والتفاعل. فالريح ليست ريحًا، والأرض ليست أرضًا، والجسد ليس جسدًا، بل كل عنصر يدخل في شبكة رمزية جديدة.

إن الصورة في النص تتحرك بين ثلاثة مستويات:

١. المستوى الحسي: حيث تنطلق من عناصر الطبيعة والجسد.

٢. المستوى النفسي: حيث تصبح الأشياء انعكاسًا للداخل الإنساني.

٣. المستوى الوجودي: حيث تتحول التجربة الخاصة إلى سؤال عن الحرية والمعنى.

١- الصورة الحركية: شعرية الفعل والتحول

من أبرز سمات القصيدة اعتمادها على الحركة بوصفها جوهرًا دلاليًا.

تبدأ الذات من فعل الانبثاق:

 "أنا ابنة ريح تسللت من شقوق الغيم"

فالريح هنا ليست حالة ثابتة، بل حركة اختراق وانفلات.

ثم تتوالى الأفعال:

 "أجر خلفي سهولا من الأسئلة

أعبر الحقول

أركض"

هذا التتابع الحركي يخلق إيقاعاً داخلياً متصاعداً، ويجعل الذات في حالة بحث دائم.

إن فعل "أركض" ليس مجرد حركة جسدية، بل إعلان عن رفض السكون.

فالركض هنا يمثل:

تجاوز الحدود.

مقاومة التوقف.

البحث عن الذات المفقودة.

ولهذا تقول:

 "لهذا أركض

ليس هربا

بل مطاردة لوجهي المخبأ خلف الأعوام"

وهذه من أكثر صور القصيدة عمقًا؛ لأن الركض يتحول من هروب خارجي إلى رحلة داخلية نحو استعادة الهوية.

٢- الصور التحولية: حين تصبح الأشياء كائنات أخرى

تتميز القصيدة بقدرة عالية على تحويل الموجودات من طبيعتها الأصلية إلى وجود شعري جديد.

أ- تحول الأرض إلى كائن حي

تقول:

 "فتنهض الأرض من سباتها"

هذه استعارة تشخيصية تمنح الأرض صفات الإنسان.

لكن الدلالة أعمق من التشخيص؛ فالأرض هنا تمثل الذاكرة والتاريخ والهوية.

فالذات لا تتحرر وحدها، بل توقظ المكان معها.

إن النهوض هنا فعل مشترك بين الإنسان والأرض.

ب- تحول الخطوات إلى طرق

تقول:

 "أترك فوق التراب خطاي

فتتصير دروبا تبحث عن اسمها"

هذه صورة شديدة الكثافة.

فالخطى عادة أثر لحركة الإنسان، لكنها هنا تتحول إلى طرق لها وجود مستقل.

إن الشاعرة تقلب العلاقة:

ليست الطرق هي التي تقود الإنسان، بل الإنسان هو الذي يصنع الطرق.

وهذا يحمل معنى فلسفياً:

الإنسان لا يجد مصيره جاهزاً، بل يصنعه عبر التجربة.

ج- تحول الشعر إلى فضاء كوني

تقول:

 "في شعري ليل طويل

يعلق أقمارا مطفأة على أبواب الجهات"

الشعر هنا ليس جزءًا من الجسد، بل سماء كاملة.

والأقمار المطفأة تحمل دلالة الخيبات القديمة، والذكريات التي فقدت ضوءها.

لكن وجودها في الشعر يعني أنها لم تمت، بل تحولت إلى ذاكرة.

٣- الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

من أجمل تقنيات النص ما يسمى في النقد الحديث بـ التراسل الحسي أو الاندماج الحسي، حيث تنتقل صفات الحواس من مجال إلى آخر.

نجد ذلك في قولها:

 "صدري نافذة من جمر بارد"

هنا يلتقي:

الصدر (المكان الداخلي)

النافذة (الانفتاح والرؤية)

الجمر (النار)

البرودة (المفارقة)

فكيف يكون الجمر بارداً؟

هذا التناقض الظاهري ينتج معنى عميقاً:

إن الذات تحمل ناراً داخلية، لكنها نار صامتة، مخفية، لم تتحول إلى احتراق خارجي.

إنها طاقة كامنة.

ومن ذلك أيضاً:

 "تنقر زجاج الروح"

فالروح شيء معنوي، لكنها تتحول إلى نافذة لها زجاج.

هذا التبادل بين المادي والمعنوي يجعل الداخل الإنساني فضاءً مرئيًا.

٤- استعارة الامتزاج:

تقوم القصيدة على ما يمكن تسميته استعارة الامتزاج، حيث لا يبقى طرفا الصورة منفصلين.

ففي قولها:

 "أنا تلك الفرس السوداء"

لا تقول: أنا مثل الفرس.

بل تجعل الذات هي الفرس.

وهنا ينتقل النص من التشبيه إلى الاتحاد الرمزي.

الفرس في الثقافة العربية تحمل دلالات:

القوة.

النبل.

الحرية.

الحركة.

أما اللون الأسود فلا يأتي بوصفه دلالة سلبية، بل يتحول إلى طاقة كونية:

 "غير أن السواد في دمي مجرة كاملة

تدور فيها شموس مهجورة"

وهذه من أعمق صور النص.

فالسواد الذي ارتبط تاريخيًا بالحزن يتحول إلى كون ممتلئ بالحياة.

إنها تعيد تأهيل اللون، وتمنحه معنى جديداً.

٥ - الانزياح التركيبي: تفكيك الجملة المألوفة

تعتمد الشاعرة على تراكيب تخرج عن النمط المعتاد.

مثل:

 "أجر خلفي سهولا من الأسئلة"

الجملة الواقعية تقول: أحمل أسئلة كثيرة.

لكن الشاعرة تستبدل الحمل بالجر، والأسئلة بالسهول.

وهذا الانزياح يضاعف الإحساس بثقل التجربة واتساعها.

ومثل:

 "تسقط من جيوب النهار مفاتيح بعيدة"

فالنهار لا يملك جيوباً، والمفاتيح ليست من خصائصه.

لكن الصورة تجعل الزمن كائناً له ملابس وأسرار.

وهذا يكشف أن الزمن في القصيدة ليس زمنًا خارجيًا، بل زمن نفسي.

٦- الانزياح الزمني:

تتحرك القصيدة خارج الزمن الخطي.

فنجد الماضي:

 "فتات الأعوام"

والحاضر:

 "أركض"

والمستقبل:

"نحو معنى لم تلمسه الأصابع"

لكن هذه الأزمنة لا تأتي منفصلة، بل تتداخل داخل لحظة شعرية واحدة.

فالذات تحمل الماضي في جسدها:

 "طيور المنفى"

وتتجه نحو مستقبل مجهول:

 "معنى لم تلمسه الأصابع"

إنها تعيش بين الذاكرة والتطلع.

٧ - الرمزية المركبة: اللجام والفرس والنجاة

يُعد عنوان القصيدة مفتاحها الأكبر.

اللجام

ليس مجرد قيد خارجي، بل رمز لكل ما يحاول إخضاع الذات:

السلطة.

الخوف.

التقاليد القامعة.

الذاكرة المؤلمة.

القيود النفسية.

الفرس

تمثل الذات الحرة.

فالفرس في التراث العربي رمز أصيل للحركة والكرامة.

النجاة

لا تعني الهروب، بل استعادة الجوهر.

ولهذا فإن العنوان يمكن تأويله:

"التي نجت من اللجام" = المرأة التي استعادت صوتها وحقها في أن تكون ذاتاً كاملة

يمكن أن تكون خاتمة الدراسة أكثر عمقًا ورصانة أكاديمية، وتجمع بين نتائج التحليل وفتح آفاق للتأويل، على النحو الآتي:

الكتابة

خاتمة

تكشف هذه الدراسة أن قصيدة «التي نجت من اللجام» للشاعرة الفلسطينية تماضر سعيد عودة ليست مجرد نص شعري يحتفي بحرية المرأة أو يناهض القيد بوصفه واقعًا اجتماعيًا، وإنما هي مشروع جمالي وفلسفي متكامل يعيد مساءلة مفهوم الذات، ويمنح الحرية بعدًا وجوديًا يتجاوز حدود الخطاب المباشر إلى رحابة الرمز والأسطورة والرؤية الكونية. فالقصيدة تنقل القارئ من مستوى الحكاية إلى مستوى الكشف، ومن الواقعة إلى الرؤيا، حيث تصبح اللغة نفسها فعلًا من أفعال الانعتاق، وتتحول الصورة الشعرية إلى أداة لإعادة تشكيل العالم وإعادة تعريف الإنسان.

وقد بيّن التحليل الأسلوبي أن النص يمتلك نسيجًا لغويًا متماسكًا، يقوم على كثافة الأفعال، والانزياحات التركيبية والدلالية، والإيقاع الداخلي المتولد من حركة الجملة وتنامي الصورة، بما يمنح قصيدة النثر طاقتها الموسيقية الخاصة بعيدًا عن الأوزان التقليدية. كما أظهر التحليل السيميائي أن الرموز المركزية، مثل الريح، والفرس، واللجام، والأرض، والنار، والبحر، لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل تشكل منظومة دلالية متكاملة تتفاعل فيما بينها لتشييد رؤية شعرية تنفتح على معاني الحرية، والهوية، والمقاومة، والتحول.

أما القراءة التأويلية فقد كشفت أن رحلة الذات في النص ليست انتقالًا من قيد خارجي إلى حرية خارجية فحسب، وإنما هي انتقال من الوعي المنكسر إلى الوعي المتحقق، ومن الذات المقهورة إلى الذات الخلّاقة التي تعيد كتابة وجودها بوساطة اللغة. ومن هنا يغدو «اللجام» رمزًا لكل أشكال الإخضاع، بينما تصبح النجاة فعلًا معرفيًا وروحيًا يعيد للإنسان صوته وحضوره وقدرته على ابتكار مصيره.

وتبرز القصيدة كذلك قدرتها على تجاوز حدود التجربة الفردية؛ إذ تتحول الذات الأنثوية إلى استعارة للإنسان الباحث عن كرامته في عالم تتنازعه السلطة والمنفى والذاكرة والخوف. وبهذا المعنى، فإن صوت المرأة في القصيدة لا يعبّر عن خصوصية أنثوية ضيقة، بل ينهض بوصفه صوتًا إنسانيًا كونيًا يرفض التشييء والترويض، ويؤمن بأن الحرية تبدأ من الداخل قبل أن تتجلى في الواقع.

وتؤكد هذه القراءة أن تماضر سعيد عودة تمتلك وعيًا شعريًا حداثيًا راسخًا، وقدرة واضحة على بناء نص متعدد الطبقات، تتجاور فيه الشعرية مع الفلسفة، والرمز مع التجربة، والذات مع الكون، دون أن يفقد النص وحدته الفنية أو توتره الجمالي. ومن ثمّ، فإن قصيدتها تمثل إضافة نوعية إلى منجز قصيدة النثر الفلسطينية والعربية، بما تحمله من ثراء دلالي، ونضج أسلوبي، ورؤية إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وأخيرًا، فإن هذا النص يظل مفتوحًا على احتمالات تأويلية متجددة، وهي سمة النصوص الشعرية الكبرى التي لا تستنفدها قراءة واحدة، بل تستدعي قراءات متعاقبة تكشف في كل مرة عن أفق جديد من المعنى. ولعل هذه القابلية الدائمة للتأويل هي ما يمنح قصيدة «التي نجت من اللجام» قيمتها الجمالية والفكرية، ويجعلها نصًا حيًا يواصل إنتاج دلالاته كلما تغيرت زاوية النظر إليه، وكلما ازداد القارئ وعيًا بأسئلة الحرية والهوية والوجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

التي نجت من اللجام

أنا ابنة ريح تسللت من شقوق الغيم

أجر خلفي سهولا من الأسئلة

أعبر الحقول مثل نبوءة هاربة من فم الزمن

في شعري ليل طويل

يعلق أقمارا مطفأة على أبواب الجهات

في عيني بئر لا يبلغ القاع

*

أركض

فتنهض الأرض من سباتها

تخلع عن كتفيها طين المواسم

تفتح حقائب الضوء المخبوءة تحت العشب

أترك فوق التراب خطاي

فتصير دروبا تبحث عن اسمها

*

صدري نافذة من جمر بارد

تقيم فيها طيور المنفى

تنقر زجاج الروح

تجمع فتات الأعوام

تبني أعشاشها فوق ضلوعي

ثم تغادر تاركة صدى الأجنحة

*

أرفع رأسي

فيتراجع الأفق خطوة

تتبعثر خرائط الانتظار

تسقط من جيوب النهار مفاتيح بعيدة

أمضي نحوها

مثل سر يرفض الاعتراف بصاحبه

*

في عرفي المتطاير أنهار معتمة

تحمل مدنا غرقت قبل ميلاد الحكاية

كل خصلة سفينة

كل ارتجافة شراع

كل نسمة بحر يحاول النجاة من حدوده

لا أهاب العتمة

لأنني حفيدة نار دفنت رمادها في القلب

حين يضيق المدى

أشعل من صمتي سلما

أصعد عليه نحو جرح أعلى

نحو معنى لم تلمسه الأصابع

*

الأسوار حولي أعواد يابسة

تلتهمها رغبة العبور

القيود حبات ملح

تذوب عند أول موجة من يقيني

لهذا أركض

ليس هربا

بل مطاردة لوجهي المخبأ خلف الأعوام

*

أنا تلك الفرس السوداء

غير أن السواد في دمي مجرة كاملة

تدور فيها شموس مهجورة

حين أعدو

تسمع المرايا ارتطام حقيقتها

فتنكسر قبل أن أصل إليها

***

تماضر سعيد عودة

 

في الأدبِ العالمي أصواتٌ كثيرة كَتبتْ عن المكانِ، والغربةِ، والإنسانِ، وهو يَعبر خرائطَ العالَم باحثًا عن ذاته. غَير أنَّ بعض الشعراء لا يكتفون بوصف الرحلة، بلْ يَجعلون منها جَوهر وجودهم ورؤيتهم للكَون. ومِن بَين هؤلاء يبرز الشاعر العُماني سيف الرحبي (وُلد 1956) والشاعر الكولومبي ألفارو موتيس (1923- 2013) بوصفهما شاعرَيْن جمعتهما جُغرافيا الترحال، وإنْ فرَّقتهما القارات واللغات والثقافات. كِلاهما ينتمي إلى أدب الرحلة الوجودية، حيث يصبح السفرُ أكثر من انتقال في المكان، ويتحوَّل إلى قَدَرٍ إنساني دائم، وبحثٍ لا ينتهي عن المعنى.

إنَّ قراءة تجربة سيف الرحبي إلى جانب تجربة ألفارو موتيس تكشف عن تقاطع عميق بين رُوحَيْن شعريتَيْن عاشتا العالَمَ بوصفه فضاءً مفتوحًا للتِّيهِ والتأمُّل. الرحبي الذي خرج من جبال عُمان وصحاريها إلى عواصم العرب والعالَم، حَمَلَ معه ذاكرةَ المكان الأول، وظلَّ يكتب عن المنفى بوصفه حالة داخلية أكثر مِن كَونه موقعًا جُغرافيًّا.

أمَّا موتيس فقدْ جعل من شخصيته الأدبية الشهيرة " ماكرول " البَحَّار التائه رمزًا للإنسان الذي لا يجد ميناءً نهائيًّا، والذي يواصل الإبحارَ، لأن التوقف يعني موت الحُلْم.

في شِعر الرحبي لا تبدو المدن محطات مستقرة، بلْ تظهر كأنها ظلال عابرة على طريق طويل. المدينة عنده لَيست مكانًا للإقامة بِقَدْرِ ما هي مساحة للتأمل واستعادةِ الذاكرة. لذلك تتجاور في قصائده العواصمُ الكبرى مع القرى البعيدة، وتلتقي الصحراءُ معَ البحر، ويصبح الزمنُ رحلةً مفتوحة بين الماضي والحاضر. والشاعرُ لا يبحث عن وطن مفقود فَحَسْب، بلْ يسعى إلى اكتشاف المعنى الكامن خلف تحولات الإنسانِ والعالَم.

أمَّا موتيس فينطلق من رؤية مختلفة ظاهريًّا، لكنها تلتقي في العُمق معَ رؤية الرحبي. العالَمُ عنده مرافئ وسُفن وأنهار ومغامرات لا تنتهي. شخصياته تعيش دائمًا على الحافة، بَين الوصول والرحيل، بَين الحُلْمِ والانكسار، غَير أنَّ هذا الترحال لَيس احتفاءً بالرومانسية أو المغامرةِ الخالصة، بلْ هو إدراك مأساوي لهشاشة الإنسان أمام الزمن. لذلك يبدو أبطال موتيس وكأنهم يعرفون مسبقًا أن الرحلة لن تنتهي إلى خلاص، ومعَ ذلك يواصلون السير.

يلتقي الشاعران في شعورهما العميق بالزمن. الزمنُ عندهما لَيس مُجرَّد تعاقُب للأيام، بلْ قوة خفية تلتهم الأمكنةَ والوجوه والذكريات. لهذا تتردد في نصوصهما نبرة تأملية حزينة، لا تستسلم لليأس، ولكنها تُدرك فَناءَ الأشياء. إنهما يكتبان من موقع الشاهد الذي رأى العالَمَ يتغير باستمرار، ورأى الإنسانَ يلاحق أوهامَه وأحلامه عبر مسافات لا تنتهي.

ومِن أجمل ما يَجمع بين التجربتَيْن أنَّ البحر يحتلُّ مكانة مركزية فيهما. البحرُ عند الرحبي هو أفق الحرية والانفتاح، وهو أيضًا مِرآة للغموض والقلق.

أمَّا عند موتيس فهو قَدَرُ الوجود الإنساني، حيث تتقاطع الطرق، وتضيع الاتجاهات. وفي الحالتَيْن يتحوَّل البحرُ إلى استعارة كُبرى للحياة، حياة لا تمنح يقينًا كاملًا، ولا تَسمح بالاستقرار النهائي.

كما أنَّ الذاكرة تُشكِّل مِحورًا أساسيًّا في عالَم الشاعرَيْن. الرحبي يعود دائمًا إلى طفولة بعيدة، وأمكنةٍ شكَّلت وَعْيَه الأول، لكنَّه لا يستعيدها بوصفها فِردوسًا مفقودًا، بلْ بوصفها جُزءًا من رحلة مستمرة نحو فهم الذات.

وموتيس بِدَوره يستدعي عوالم اندثرتْ، وسُفنًا غارقة، ومُدنًا منسية، ليؤكد أنَّ الإنسان يَحمل ماضيه معه أينما ذهب. وهكذا تصبح الذاكرةُ شكلًا آخَر من أشكال الترحال، لأنها تنقل الإنسانَ بين الأزمنة، كما تنقله الرحلةُ بين الأمكنة.

ورغم اختلاف البيئة الثقافية بين عُمان وأمريكا اللاتينية، فإنَّ التجربتَيْن تتقاطعان في الإحساس الكَوني بالوجود. الشاعران يتجاوزان الحدودَ الوطنية الضيقة كي يُخاطبا الإنسانَ في كُلِّ مكان.

الغُربةُ التي يكتب عنها الرحبي لَيست غُربة العربي وحده، كما أنَّ متاهة موتيس لَيست حِكرًا على البَحَّار الكولومبي. إنها غربة الإنسان الحديث الذي يعيش في عالَم سريع التحوُّل، ويبحث باستمرار عن نقطة ارتكاز وسط دوَّامة التغيُّر.

إنَّ الترحال الأبدي عند الرحبي وموتيس لَيس مَوضوعًا شِعريًّا فَحَسْب، بلْ هو أيضًا فلسفة حياة ورؤية للعالَم. الرحلةُ في أعمالهما لا تنتهي عند محطة أخيرة، لأنَّ الوصول الكامل وَهْمٌ مُستحيل. الإنسانُ يُولَد في سَفَر، ويعيش في سَفَر، ويمضي نحو مصيره في سَفَر آخَر. وبَين البداية والنهاية تتشكل الحكاياتُ والقصائد والأحلام.

استطاعَ الشاعران أن يَمنحا الترحالَ بُعدًا إنسانيًّا عميقًا، وأنْ يُحوِّلا الغُربةَ من تجربة فردية إلى سؤال كَوني عن معنى الوجود. وفي عالَم تتزايد فيه الهجراتُ والتنقلات، وتتشابك فيه الثقافات، تبدو قصائدهما أكثر راهنية من أيِّ وقت مضى، لأنَّها تُذكِّر بأنَّ الإنسان - مهما استقرَّ في مكان_ يظلُّ مسافرًا في داخله، يَحمل خرائطه الخفية وأسئلته الكُبرى، ويواصل رحلته الأبدية بين الذاكرةِ والحُلْم، بين الواقع والاحتمال، بَين الأرضِ التي يعرفها والأفقِ الذي لا يكفُّ عن النداء.

يلتقي الرحبي وموتيس في فضاء شِعري واحد، فضاء تتجاور فيه الصحراءُ معَ البحر، والمنفى معَ الميناء، والذاكرة معَ المُغامرة. إنَّهما شاعران جعلا من الترحال لغةً للروح، ومِن السَّفَر استعارةً للوجودِ الإنساني كُلِّه، فبقيتْ أعمالهما شاهدةً على أنَّ أجمل الرحلات هي تلك التي لا تنتهي.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

الرّباعيّة: هي لوحة شعريّة مكثّفة، تقوم فلسفتها على احتواء المعنى الرّحب في مدىً ضيّق لا يتجاوز الأبيات الأربعة، وهي وإن قصرت مسافتها، فإنّها تمتاز بوحدةٍ موضوعيّة تجعل منها بناء مكتملا ينأى عن التّفكّك.

يشترط فيها نقّاد الأدب أن تكون عالما قائما بذاته، يستقلّ بفكرته وشعوره دون حاجة لما قبله أو بعده، حيث تتصاعد خيوط الدّهشة بشكل دراميّ يبدأ في البيت الأوّل ويرسّخه الثّاني؛ ليأتي الثّالث كواثب يمهّد للخاتمة، حتّى إذا ما حلّ البيت الرّابع استقرّت الحكمة أو الومضة في نفس القارئ؛ كصدمة فنّيّة بارعة لا تقبل الزّيادة أو النّقصان.

أمّا من حيث الصّنعة والنّظم، فالرّباعيّة في موروثنا الأدبيّ تلتزم بنظام إيقاعيّ مخصّص، تصبح من خلاله جنسا أدبيّا رفيعا، يتطلّب من الشّاعر مهارة في التّكثيف، وقدرة على صهر الفلسفة والعاطفة في قالبٍ موزون يجمع بين جمال اللّفظ وعمق المقصد.

قراءة في جماليّات المعنى والصّورة:

تنبض رباعيّة " أثر الخزامى" للشّاعر رفعت زيتون بنفَسٍ وجدانيٍّ يقطر عذوبةً وأسى، حيث يصوغ تجربة الفقد في قالبٍ شعريٍّ يجمع بين رقّة اللّفظ وعمق الشّعور، مستنطقا عناصر الطّبيعة لترجمة خلجات النّفس وانكساراتها أمام سطوة الغياب.

تكتنز في طيّاتها فلسفة التّحوّل من الضّياء إلى الظلمة، ومن الأثر العبق إلى الفراغ الموحش، مصاغة بألفاظٍ تفيض عذوبة.

تأخذنا هذه الرّباعيّة في رحلة شعوريّة ماتعة، ترسم ملامح الفقد بفرشاة الذّاكرة المثقلة بالحنين، حيث يفتتح الشّاعر نصّه بتمنٍّ مستحيل، متسائلا عن مآلات البقاء لو استمرّ حضور الطّيف كغيمة هطول، تمنح الظّلّ والارتواء لزهر الأقحوان. في هذا المطلع تصوير بارع للحبيبة؛ كعنصر كونيّ يمنح الحياة والنّماء لمن حوله.

في البيت الثّاني، يصدمنا الواقع بانقشاع ذلك الطّيف، إذ يشبّه الحضور بحلمٍ عابر انتهى بيقظة موحشة، غاب معها شذى الخزامى الّذي كان يزيّن وجه الأيّام، وهنا يبرز جمال التّعبير عن الضّياع برحيل الأثر العطريّ اّلذي يمثّل جوهر الذّكرى.

ثمّ يمضي في البيت الثّالث مستحضرا رقّة الماضي، متسائلا في لوعة عن ملمس الحرير وعن تلك الوجنات الّتي كانت رمزا للأمان والوصل، ليعكس عمق الفجوة بين زمن اللّين وزمن القسوة الّذي حلّ مكانه.

يختتم الشّاعر مقطوعته بمقابلة بصريّة حزينة، فبعدما كانت الحبيبة سراجا ينير عتمة ليله، أصبح الحاضر صراعا مريرا بين سوادين؛ عتمة غيابها ودجى الزّمن الّذي أطبق على الأنفاس.

بلاغة التّشكيل وجمال الصّورة:

تزخر هذه الرّباعية بصور بيانيّة ومحسّنات بديعيّة تمنح النّص أبعادا جماليّة تفوق عدد أبياته، ويمكن استجلاء ملامح هذا التميّز في الجوانب الآتية:

- يبرز في النّص تقابلٌ وجدانيّ وعقليّ حادّ بين ثنائيّات الماضي والحاضر، الضّياء والعتمة، واليقظة والمنام، ففي البيت الأخير تظهر المقابلة بين الضّوء السّاحر الّذي ميّز الأمس، وبين العتم والدّجى اللّذين يسيطران على اليوم، وهذا الطّباق لا يهدف إلى التّضاد اللّفظيّ فقط، وإنما يمثّل حالة الانكسار النّفسيّ والتّحوّل الجذريّ في حياة الشّاعر.

- أضفى زيتون صفات البشر على الجماد والزّمن فيما يعرف بالتّشخيص؛ ففي قوله "خدّي الزّمان" استعارة مكنيَّة رائعة، حيث جعل للزّمان وجها وخدودا، وهو ما يمنح الشّعور بالوقت صبغة إنسانيّة ملموسة، فالزّمان شخصٌ يشاركه الأسى ويفقد معه عطر الخزامى.

كما أنّ قوله "الدّجى يتعاقبان"، تشخيصٌ للّيل والغياب كقوّتين تتناوبان الحضور في ساحة روحه المتعبة.

- في مطلع النّص، نجد استعارة تصريحيّة في كلمة "سحابة"، حيث حُذِف المشبّه (المحبوبة) وصرّح بالمشبّه به (السّحابة)، بكلّ ما تحمله من دلالات السّمو والعطاء، وفي البيت الثّاني، ينتقل إلى التّشبيه البليغ في قوله "كالحلم كنت"، وهو تشبيه يجمع في طيّاته دلالتي القصر والزّوال؛ فالحلم رائع في لحظة وقوعه، لكنّه يترك في النّفس غصّة لسرعة انقضائه. وهنا لم يشبّه المحبوبة بالحلم لجمالها فحسب، وإنما ليؤكّد أنّ وجودها في حياته كان خاطفا كالحلم الّذي انتهي بعد الاستيقاظ، ممّا جعل الفقد أكثر إيلاما.

وُظِّفت أيضا عناصر الطّبيعة (الخزامى، الأقحوان، الحرير) كرموز للحسّ والجمال؛ فالأقحوان يرمز للنّقاء الّذي يحتاج سقاية الوصل، والحرير يرمز لنعومة العهد الماضي، والخزامى هي العطر الباقي في الذّاكرة.

هذا التّوظيف يجعل القصيدة أشبه بلوحة تشكيليّة تُقرَأ بالحواس، يمتزج فيها ملمس الحرير بشذى الخزامى وبرؤية الضّياء، ممّا يخلق تجربة حسّيّة متكاملة.

على صعيد البناء الموسيقيّ، اعتمد زيتون نظام القافية الموحّدة الّتي تنتهي بالألف والنّون السّاكنة (الأقحوان، الزّمان، وكان، يتعاقبان)، ممّا أضفى على النّص جرسا ممتدّا يبعث في نفس القارئ صدى من الأنين والتّحسّر، واختيار حرف "النّون" المسبوق بالألف الممدودة كروي للنّص، يمنح النّص مدى صوتيّا فسيحا يحاكي زفرات الحنين، ويرسّخ حالة التّرقّب والضّياع الّتي تكتنف الوجدان، ليكون الإيقاع هنا رفيقا وفيا للمعنى، وخادما للدّفقة الشّعوريّة الّتي ترفض الانتهاء.

صفوة القول، "أثر الخزامى" تمثّل نموذجا لاجتماع المهارة النّظميّة بالدّفق الشّعوريّ الصّادق، حيث استطاع الشّاعر أن يكثّف مأساة الغياب في أربعة أبيات، محوّلا عناصر الطّبيعة إلى لغة تنبض بالوجع والحنين.

بفضل هذا التّناغم بين بلاغة التّشخيص وعمق الاستعارة، خرج النّص من إطار الوصف إلى فضاء التّجربّة الإنسانيّة الشّاملة، ليبرهن أنّ هذه المقطوعة، رغم قصر مداها، تظلّ عالما رحبا قادرا على تخليد أدقّ خلجات الرّوح.

أضع بين أيديكم هذه الأبيات؛ لتكون مسك الختام وجوهر القراءة؛ وأدعوكم لاستشفاف مكامن الجمال في ثناياها، فهي تصوّر منظومةً ناطقةً تستحقّ التّأمّل، نتبيّن من خلالها كيف يغدو الحرف وطنا للذّاكرة وعطرا لا يغيب.

***

صباح بشير

....................

أثر الخزامى

ماذا لوْ انّكِ قدْ بقيتِ سحابةً،

ظلّا وماءً ساقيًا للأقحوانْ؟

كالحلمِ كنتِ وقدْ صحوتُ فلمْ أجدْ

أثرَ الخزامى فوقَ خدّيِّ الزّمانْ

قدْ كانَ عهدًا ناعمًا أينَ الحريرُ

ووجنتاكِ وأينَ إذْ كنّا وكانْ

قدْ كنتِ ضَوْءًا ساحرًا في ليلتي

واليومَ عتمُكِ والدّجى يتعاقبانْ

***

رفعت زيتون

في المثقف اليوم