عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

للشاعرة آمال صالح.. مقاربة بنيوية أسلوبية

تنتمي قصيدة (غربال الضوء) إلى قصيدة النثر الحديثة التي تبني شعريتها على كثافة الصورة الرمزية وتنامي الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية المتفاعلة. ولا تستمد القصيدة قيمتها الجمالية من مرجعياتها الخارجية بقدر ما تستمدها من بنائها النصي القائم على جدلية العتمة والنور، والانكسار والخلاص، والجرح والعشق. ومن هذا المنطلق، اعتمدت هذه الدراسة المنهج البنيوي الأسلوبي مع انفتاح تأويلي رمزي للكشف عن آليات إنتاج المعنى داخل النص ورصد الثنائيات الدلالية التي تنتظم حركته الشعرية وصولاً إلى صورته المركزية الكبرى: " الكون أعار النهار غربالاً " بوصفها البؤرة الرمزية التي تتجمع عندها رؤيته الجمالية والفكرية.

ولعل أول ما يكشف عنه هذا البناء النصي هو المسار الدلالي الذي تنتظم وفقه حركة القصيدة، حيث تتدرج من فضاء العتمة والانكسار إلى أفق النور والتطهير...

البنية الدلالية: من العتمة إلى التصفية

تقوم القصيدة على حركة تصاعدية تبدأ من تجربة الفقد والانكسار وتنتهي إلى لحظة تطهير روحي. يفتتح النص فضاءه الشعري بقوله:

" حين خرجتُ من سجنك

 ظننتُ النهارَ سراباً "

فالسجن هنا ليس مكاناً واقعياً، بل بنية رمزية تحيل إلى حالة من الأسر الوجداني. ومنذ البداية يقدم النهار بوصفه قيمة مفقودة أو مشكوكاً في حقيقتها بما يشي باضطراب الرؤية بعد تجربة الخروج.

وتتعزز هذه الرؤية حين يصبح الليل نفسه:

" سجينٌ آخر " إذ تتلاشى الحدود التقليدية بين السجان والمسجون وبين الحرية والقيد لتغدو الذات محاطة بدائرة من الانغلاق الوجودي.

وإذا كانت البنية الدلالية للنص تقوم على جدلية العتمة والنور، فإن تجسد هذه الجدلية فنياً يتحقق عبر شبكة من الصور الشعرية المنزاحة التي تمنح التجربة كثافتها الجمالية وطاقتها الإيحائية....

شعرية الصورة والانزياح

تعتمد القصيدة على الانزياح بوصفه الآلية الأساسية لإنتاج الشعرية. فالأشياء لا تؤدي وظائفها المعتادة، بل تتحول إلى كيانات رمزية جديدة. الليل " يرتّل فراغاً " والكون " يسمع" والشمس " تلتقي بالعطر".

هذا الخرق المتعمد للمنطق المرجعي يخلق ما يسميه جان كوهن "اللغة الشعرية المنحرفة عن الاستعمال المعياري" حيث يتولد المعنى من المفاجأة لا من التقرير.

ومن أجمل صور النص:

" تتمازج خيوطه البنفسجية

مع لهفةِ بحّارٍ تائه "

إذ تتداخل الرؤية البصرية (الخيوط البنفسجية) مع الانفعال النفسي (اللهفة) فتتشكل صورة مركبة تجمع الحسي والوجداني في بنية واحدة.

وتنسجم البنية التصويرية في (غربال الضوء) مع ما يذهب إليه غاستون باشلار من أن " الصورة الشعرية ليست صدى للماضي، بل هي ظهورٌ مفاجئ للوجود في اللغة" إذ لا تستعيد الشاعرة صوراً جاهزة، بل تبتكر رؤية جديدة للعالم من خلال الصورة المركزية: " الكون أعار النهار غربالاً "وهي صورة تفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد وجودية وفلسفية أرحب. وإذا كان الانزياح قد أسهم في تشكيل البنية التصويرية للقصيدة، فإن القيمة الجمالية الأعمق لهذه الصور تتجلى في انخراطها ضمن نسق رمزي متماسك يمنح النص أبعاده التأويلية والوجودية...

البنية الرمزية

تتأسس القصيدة على بنية رمزية تتجاوز الدلالة المباشرة إلى فضاء تأويلي مفتوح، حيث يغدو الضوء والليل والجرح والعشق عناصر ضمن شبكة من الرموز المتفاعلة. وتبلغ هذه البنية ذروتها في الصورة الختامية:

" الكونُ أعار النهارَ غربالاً، ليصفو الضوءُ من ظلاله"

فالغربال هنا لا يؤدي وظيفة مادية، بل يتحول إلى رمز للتطهير والتمييز وإعادة تشكيل التجربة الوجدانية. ومن هذا المنظور يصدق على النص ما ذهب إليه بول ريكور بقوله: " الرمز يعطي الفكر ما يدعو إلى التفكير " إذ لا يقدم الرمز في القصيدة معنى جاهزاً أو مغلقاً، بل يفتح أفقاً من التأويلات الممكنة ويحفز القارئ على المشاركة في إنتاج الدلالة واكتشاف مستوياتها العميقة. وتستدعي مركزية الضوء في هذه القصيدة بعض التجارب الشعرية الحديثة التي جعلت من النور رمزاً للتحول الداخلي والخلاص الوجودي غير أن (غربال الضوء) تنفرد بمعالجة هذا الرمز معالجة مغايرة، إذ لا تقدم الضوء بوصفه نقيضاً جاهزاً للظلام، بل تجعله ذاته موضوعاً للتنقية والمراجعة. وبهذا تنتقل الدلالة من ثنائية التعارض إلى أفق أكثر تركيبا، حيث يغدو الخلاص فعلاً داخلياً مستمراً لا حالة نهائية مكتملة. ولا تنفصل هذه البنية الرمزية عن المستوى المعجمي للنص، إذ تتجسد دلالاتها عبر شبكة من المفردات المتقابلة التي تسهم في ترسيخ جدلية العتمة والنور وتمنح القصيدة وحدتها الدلالية الداخلية....

الحقل المعجمي ووحدة النص

يتأسس المعجم الشعري في القصيدة على حقلين دلاليين رئيسين:

حقل العتمة: سجن، سراب، ليل، فراغ، بؤرة، ظلال، جرح.

حقل النور:نهار، نجمة، بريق، شمس، نور، دفء، عشق.

وتنتظم القصيدة كلها داخل التوتر بين هذين الحقلين. غير أن الحركة النهائية لا تنتهي بانتصار أحدهما على الآخر، بل بعملية مصالحة وتجاوز تؤسس لرؤية تركيبية تتجاوز الثنائية التقليدية،حين:

" يمسّ الليلَ القاسي،

فيلينُ حدُّه "

فالليل لا يهزم وإنما يعاد إنتاج دلالته في سياق أكثر تركيباً...

وعليه يمكن القول أن، قصيدة (غربال الضوء) تكشف عن بناء شعري متماسك يقوم على تفاعل الحقول الدلالية والصور الرمزية ضمن حركة نصية تتدرج من الانكسار إلى الخلاص. وقد أظهرت القراءة البنيوية والأسلوبية أن فاعلية النص لا تنبع من موضوعه الوجداني فحسب، بل من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية شعرية ذات أفق إنساني وتأملي أوسع. ومن هنا تتجلى قيمة القصيدة في إحكام بنيتها الداخلية وفي نجاحها في إنتاج معنى يتجاوز المباشرة نحو فضاء رمزي مفتوح على التأويل.

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبد الله...

.......................

غربال الضوء

حين خرجتُ من سجنك

ظننتُ النهارَ سرابًا

لا يعبر نافذتي،

وأن الليلَ

سجينٌ آخر

*

يرتّل فراغًا

يفضي إلى بؤرةٍ

خارج الصوت

والمدى

*

أين وجدانٌ

يكتبُ

حمرةَ العشق؟

تتمازج خيوطه البنفسجية

مع لهفةِ بحّارٍ تائه

*

أين ذلك البريق

لنجمةٍ موعدُها

قريب؟

تتشابك الأصابع حولها

وتعيدُ الوقتَ

إلى دورانٍ حميم

*

وحين يسمعنا الكون،

تلتقي الشمسُ بالعطر،

ويصيرُ النور

أقوى من كلّ المعارك الخاسرة

*

يمسّ الليلَ القاسي،

فيلينُ حدُّه،

ويتعلمُ الإصغاء

*

الكونُ أعار النهارَ غربالًا،

ليصفو الضوءُ

من ظلاله،

ويُغلقُ الجرحُ

على دفءِ العشق.

***

الشاعرة آمال صالح

الجذور المشتركة وملامح التفاعل الحضاري

يمثّل الأدب العربي والأدب الأمهري رافدين مهمين من روافد التعبير الإنساني في فضاءين متجاورين تاريخيًا وجغرافيًا، هما شبه الجزيرة العربية وإثيوبيا في القرن الإفريقي. وقد نشأت بين هذين الفضاءين علاقات قديمة عبر التجارة والهجرة والتجاور الجغرافي المطل على البحر الأحمر، مما أتاح فرصاً لتبادل ثقافي ولغوي وروحي ظلّ ممتداً عبر القرون. ورغم اختلاف الخصوصيات الحضارية لكل منهما، فإن بينهما وشائج قربى واضحة تتجلى في اللغة والبنية الجمالية والموضوعات الفكرية والإنسانية.

أولاً: الجذور اللغوية المشتركة

تنتمي العربية والأمهرية إلى العائلة اللغوية السامية، وإن تفرعت كل منهما في مسار مستقل؛ فالعربية من السامية الوسطى، بينما تنتمي الأمهرية إلى السامية الإثيوبية الجنوبية. هذا الانتماء المشترك أفرز تقاطعات لغوية في البنية الصرفية وبعض الجذور والمعاني، كما تسربت إلى الأمهرية مفردات عربية عبر الدين والتجارة والتواصل التاريخي.

ثانياً: التأثير الحضاري والثقافي

أسهمت حركة التبادل عبر البحر الأحمر في نقل كثير من المفاهيم الثقافية بين العرب والحبشة. وقد دخلت إلى اللغة الأمهرية مفردات عربية في مجالات متعددة مثل الدين والتجارة والحياة الاجتماعية، كما تأثر الأدب الأمهري ببعض الأغراض الأدبية المعروفة في الأدب العربي مثل الحكمة والمديح والرثاء، إلى جانب تشابه في الرؤية الأخلاقية والإنسانية.

ثالثًا: أوجه الشبه الأدبية

١. النزعة الحكمية:

يحتل البعد الحكمي مكانة بارزة في كلا الأدبين، حيث نجد في الشعر العربي لدى شعراء مثل المتنبي وأبو العلاء المعري نزعة تأملية فلسفية، وهي نزعة تقابلها في الأدب الأمهري نصوص شعرية وأمثال تحمل رؤى أخلاقية عميقة.

٢. الشفاهية والإيقاع:

نشأ الأدبان في بيئات شفاهية تعتمد على الإنشاد والرواية، مما جعل الإيقاع والتكرار والصور السهلة الحفظ عناصر أساسية في بنية النص الشعري.

٣. الرمز والتلميح:

يعتمد الأدب العربي على الكناية والتورية والرمز، بينما يشتهر الأدب الأمهري بأسلوب “الشمع والذهب”، الذي يقوم على ازدواجية المعنى بين الظاهر والباطن، وهو قريب في روحه من التراكيب البلاغية العربية.

٤. الشعر الغنائي

في كلا التقليدين يمتزج الشعر بالغناء، حيث لا ينفصل النص عن الأداء الصوتي، مما يمنحه طابعًا احتفاليًا ووجدانيًا حيًا.

٥. موضوعات الهوية والبطولة

يحضر الفخر والدفاع عن الأرض والهوية في الشعر العربي القديم، كما يظهر في الأدب الأمهري في سياق تاريخ الممالك الإثيوبية وصراعاتها وتجاربها الوطنية.

رابعاً: أوجه الاختلاف

على الرغم من هذه التقاطعات، يحتفظ كل أدب بخصوصيته:

الشعر العربي يقوم على نظام العروض الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي، بينما لا يخضع الشعر الأمهري لنظام وزني مماثل.

تتأثر الصور الشعرية في الأدب العربي غالبًا بالبيئة الصحراوية، بينما يغلب على الأدب الأمهري حضور الطبيعة الجبلية والأنهار والأمطار.

يرتبط التراث الأدبي الأمهري بالكنيسة الإثيوبية ولغة الجعزية، بينما ارتبط الأدب العربي بالقرآن الكريم والثقافة الإسلامية.

خاتمة:

يمكن القول إن العلاقة بين الأدب العربي والأدب الأمهري ليست علاقة تأثير أحادي، بل هي علاقة تفاعل تاريخي وثقافي نشأت في فضاء البحر الأحمر المشترك. وقد أفرز هذا التفاعل تقاطعات في اللغة والرمز والموضوعات، مع احتفاظ كل أدب بخصوصيته الجمالية ورؤيته للعالم. ومن هنا تتجلى أهمية دراسة هذا التواشج بوصفه نموذجاً للتعدد داخل وحدة التجربة الإنسانية، ولحوار الثقافات في أعمق تجلياته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

إذا أردنا التزوّد من الشعر الكهلاني، فإننا لا نقصد مدرسة شعرية قائمة بذاتها بقدر ما نقصد ذلك التراث الشعري الذي نشأ في أوساط القبائل الكهلانية الكبرى، مثل عمرو بن عامر وقبائل الأزد وهمدان ومذحج وطيء وكندة، وهي قبائل أسهمت إسهاماً عظيماً في بناء الشعر العربي قبل الإسلام وبعده.

وكانت قبائل كهلان من أغزر القبائل العربية شعراً، حتى إن كثيراً من كبار شعراء الجاهلية والإسلام ينتسبون إليها، ومن أشهرهم امرؤ القيس والأعشى وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ومالك بن الريب.

خصائص الشعر الكهلاني

أولاً: النزعة القبلية والاعتزاز بالأصل

فالشاعر الكهلاني يرى القبيلة امتداداً لذاته، ويجعل من أمجادها مرآةً لمجده الشخصي، ولذلك يكثر الفخر بالآباء والأنساب والبطولات.

ثانياً: الصلة الوثيقة بالمكان

تظهر الجبال والأودية والنجود والسهول اليمنية في كثير من أشعارهم، إذ كانت الأرض جزءاً من الهوية لا مجرد مسرح للأحداث.

ثالثاً: الحكمة والتجربة

برزت في شعرهم نزعة تأملية عميقة، فامتزج الفخر بالحكمة، والحماسة بالتفكير في تقلّب الأيام.

رابعاً: الجزالة اللغوية

تتسم قصائدهم بقوة السبك وفخامة الألفاظ وبعدها عن التكلف، مع ميل إلى التصوير الحسي المستمد من البيئة العربية.

نماذج من الروح الكهلانية

يقول الفارس الشاعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي:

إذا لم تستطع شيئاً فدعهُ

وجاوزه إلى ما تستطيعُ

وهو بيت تحوّل إلى حكمة عربية خالدة تجمع بين الواقعية والعزم.

ومن شعر الفخر الكهلاني ما ينسب إلى قبائل همدان ومذحج وطيء من الاعتزاز بالمجد الموروث:

نحنُ بنو المجدِ الذي لا ينثني

والموتُ عندَ الوغى لنا ميدانُ

وإن كانت مثل هذه الأشعار قد وصلتنا في روايات متفرقة، فإنها تكشف عن روح الشجاعة والكرامة التي وسمت الأدب الكهلاني.

الشعر الكهلاني في نظر نشوان الحميري

ومن أعمق من تناول تراث كهلان شعراً ونثراً العلامة اليمني نشوان بن سعيد الحميري، فقد رأى أن القبائل الكهلانية كانت من أهم روافد العربية الفصحى، ودافع عن مكانة اليمن في بناء الحضارة العربية واللغة والشعر، واحتج بأشعار القبائل اليمنية على فصاحة العربية وأصالتها.

خلاصة

الشعر الكهلاني ليس مجرد شعر قبائل، بل هو سجلٌّ تاريخي وثقافي وحضاري يحمل ذاكرة اليمن القديمة وامتدادها العربي. وفيه تلتقي البطولة بالحكمة، واللغة بالتاريخ، والإنسان بالمكان. ومن أراد فهم الروح العربية الجنوبية في أصفى تجلياتها، فليقرأ شعر كهلان كما يقرأ نقشاً قديماً على صخرةٍ من جبال اليمن؛ إذ تتكلم الحروف هناك بلسان التاريخ، ويتكلم التاريخ بلسان الشعر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

عند محمود درويش

تمثل تجربة محمود درويش إحدى أكثر التجارب الشعرية العربية المعاصرة ثراءً من حيث إنتاج المعنى وتشكيل الصورة الشعرية. فقد استطاع أن يحوّل القصيدة من خطاب مباشر إلى فضاء دلالي مفتوح تتفاعل فيه الرموز والأساطير والتناصات الثقافية، لتصبح الصورة الشعرية أداةً معرفية وجمالية في آن واحد. وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن آليات بناء المعنى في شعر درويش، وتحليل العلاقة الجدلية بين الصورة الشعرية والبعد الدلالي، من خلال مقاربة أسلوبية تأويلية تستند إلى تحليل عدد من النماذج النصية المختارة من أعماله الشعرية.

مقدمة

يشكل محمود درويش ظاهرة شعرية استثنائية في الأدب العربي الحديث؛ إذ تجاوزت تجربته حدود التعبير الوطني والقومي لتصبح مشروعًا جماليًا وإنسانيًا متكاملًا. وقد انشغل النقاد بدراسة شعره من زوايا متعددة، غير أن العلاقة بين جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية تظل من أكثر القضايا النقدية عمقًا؛ لأن المعنى عند درويش لا يُمنح جاهزًا، بل يتولد من شبكة معقدة من الصور والاستعارات والرموز والإيحاءات.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من كون الصورة الشعرية لدى درويش ليست عنصرًا زخرفيًا، بل هي بنية دلالية تؤسس رؤية الشاعر للعالم والوجود والذات والآخر. ومن هنا تتجلى ضرورة دراسة الكيفية التي تتشكل بها الصورة، وكيف تنتج طبقات المعنى داخل النص الشعري.

إشكالية البحث

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس الآتي:

كيف تسهم الصورة الشعرية في إنتاج جماليات المعنى في شعر محمود درويش؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة الفرعية:

ما الخصائص الأسلوبية للصورة الشعرية عند محمود درويش؟

كيف تتحول الصورة إلى أداة لإنتاج الدلالة؟

ما دور الرمز والتناص في تعميق المعنى الشعري؟

كيف تسهم البنية اللغوية في تشكيل الأفق التأويلي للنص؟

فرضيات البحث

تقوم الصورة الشعرية عند درويش بوظيفة معرفية تتجاوز البعد الجمالي.

يتشكل المعنى عبر تفاعل الرمز والاستعارة والتناص داخل النص.

تعتمد شعرية درويش على الانفتاح الدلالي وتعدد مستويات التأويل.

تسهم البنية الإيقاعية واللغوية في إثراء الصورة وتعميق أثرها الجمالي.

منهج البحث

تعتمد الدراسة المنهج الأسلوبي التحليلي، مع الإفادة من المنهج التأويلي في استكشاف مستويات المعنى الكامنة خلف البنية اللغوية والصورة الشعرية، بالإضافة إلى الاستفادة من بعض مفاهيم النقد الحديث ونظرية التلقي.

الإطار النظري: جماليات المعنى والصورة الشعرية

يرى النقاد المحدثون أن الشعر لا يقوم على المعنى المباشر، بل على المعنى المتولد من العلاقات الداخلية بين عناصر النص. وقد أشار الناقد الفرنسي رولان بارت إلى أن النص الأدبي فضاء تتعدد فيه الدلالات ولا يستقر على معنى واحد.

أما الصورة الشعرية فتُعدُّ، وفق رؤية غاستون باشلار، جوهر التجربة الشعرية ومصدر طاقتها التخييلية. وهي ليست انعكاسًا للواقع، بل إعادة تشكيل له وفق رؤية جمالية جديدة.

وفي الشعر الحديث، أصبحت الصورة بنية معرفية قادرة على إنتاج الرؤى الفكرية والوجودية، وهو ما يتجلى بوضوح في تجربة محمود درويش.

أولًا: الصورة الشعرية بوصفها مولدًا للمعنى

تتجاوز الصورة الشعرية عند درويش الوظيفة البلاغية التقليدية لتصبح وسيلة للكشف عن الوجود الإنساني.

في قوله:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

تتحول الأرض من مفهوم جغرافي إلى رمز كوني يحتضن قيم الجمال والحرية والحب.

إن الصورة هنا لا تصف الأرض، بل تعيد إنتاجها بوصفها مركزًا للمعنى الإنساني. ويتولد الجمال من المفارقة بين واقع القهر الذي يعيشه الفلسطيني وبين احتفاء الشاعر بالحياة.

وهكذا تتأسس الدلالة على التوتر بين الواقع والحلم، وبين الفقد والأمل.

ثانيًا: جدلية الرمز وتكثيف الدلالة

يعتمد درويش بصورة لافتة على الرمز بوصفه أداة لتوسيع المجال التأويلي للنص.

فالزيتون، والخبز، والأم، والبحر، والعصافير ليست مجرد مفردات طبيعية، بل تتحول إلى علامات ثقافية وحضارية.

يقول:

"وأحن إلى خبز أمي"

فالخبز هنا لا يدل على الطعام فقط، وإنما يحيل إلى منظومة من القيم المرتبطة بالهوية والذاكرة والانتماء.

وتتضاعف الدلالة عبر الاقتصاد اللغوي الذي يجعل الرمز قادرًا على حمل معانٍ متعددة في آن واحد.

ثالثًا: التناص وبناء الصورة المركبة

يُعد التناص من أبرز السمات الأسلوبية في شعر محمود درويش، إذ تتداخل النصوص الدينية والأسطورية والتاريخية داخل بنيته الشعرية.

فنجد استحضار شخصيات مثل يوسف، وأيوب، وعنترة، وجلجامش، وأوديسيوس.

ولا يأتي هذا التناص على سبيل الزينة الثقافية، بل بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى.

فعندما يستدعي شخصية يوسف عليه السلام، فإنه يعيد بناء مأساة المنفى والاغتراب في سياق فلسطيني معاصر، مما يفتح النص على مستويات دلالية جديدة.

وبذلك تتحول الصورة الشعرية إلى فضاء تتقاطع فيه الأزمنة والثقافات.

رابعًا: جماليات الانزياح اللغوي

يقوم شعر درويش على انزياحات لغوية كثيفة تجعل اللغة نفسها موضوعًا للشعر.

يقول:

"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا"

فالتركيب اللغوي البسيط يخفي وراءه شبكة من الإيحاءات المرتبطة بالصراع الوجودي.

إن الانزياح هنا لا يكمن في المفردات فحسب، بل في طريقة تركيبها داخل السياق الشعري.

ومن خلال هذه الانزياحات تتولد دلالات جديدة تجعل النص مفتوحًا على احتمالات تأويلية متعددة.

خامسًا: الصورة الوجودية ورحلة البحث عن الذات

يتجاوز درويش البعد الوطني إلى أسئلة الوجود الكبرى: الموت، الزمن، الهوية، المصير.

وفي مجموعته "الجدارية" تتكثف هذه الرؤية بصورة واضحة، حيث تتحول القصيدة إلى حوار فلسفي مع الموت.

فالصورة الشعرية لم تعد تمثل الواقع الخارجي، بل أصبحت تمثل قلق الإنسان أمام الزمن والفناء.

وهنا تتجلى شعرية المعنى في قدرتها على الجمع بين الخاص والعام، وبين التجربة الفردية والتجربة الإنسانية الكونية.

نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

تمثل الصورة الشعرية الركيزة الأساسية في بناء المعنى عند محمود درويش.

تتسم صور درويش بالتكثيف والانفتاح الدلالي والتعدد التأويلي.

يسهم الرمز والتناص في إثراء المعنى وتوسيع آفاق القراءة.

تتجاوز الصورة الوظيفة الجمالية لتؤدي دورًا معرفيًا وفلسفيًا.

تعتمد شعرية درويش على جدلية الحضور والغياب، والواقع والحلم، والذات والآخر.

تشكل اللغة الشعرية فضاءً ديناميكيًا لإنتاج المعنى لا مجرد وسيلة لنقله.

خاتمة

تكشف رحلة البحث في فضاءات جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية عند محمود درويش عن مشروع شعري استثنائي استطاع أن يزاوج بين الحس الجمالي والرؤية الفكرية. فالصورة عنده ليست انعكاسًا للعالم، بل إعادة خلق له، والمعنى ليس معطى جاهزًا، بل تجربة تأويلية متجددة تتشكل مع كل قراءة جديدة.

ومن هنا تكمن فرادة درويش في قدرته على تحويل القصيدة إلى فضاء إنساني مفتوح، تتجاور فيه الذاكرة والأسطورة والتاريخ والحلم، فتغدو الصورة الشعرية طريقًا لاكتشاف الذات والعالم معًا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

المراجع العربية

أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة.

الغذامي، عبد الله. الخطيئة والتكفير. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

درويش، محمود. الأعمال الشعرية الكاملة. بيروت: رياض الريس.

مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعري. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مرتاض، عبد الملك. في نظرية النص الأدبي. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

المسدي، عبد السلام. الأسلوبية والأسلوب. تونس: الدار العربية للكتاب.

صلاح فضل. أساليب الشعرية المعاصرة. القاهرة: دار الشروق.

عز الدين إسماعيل. الشعر العربي المعاصر وقضاياه. القاهرة: دار الفكر العربي.

المراجع الأجنبية

Bachelard, Gaston. The Poetics of Space. Boston: Beacon Press.

Barthes, Roland. The Pleasure of the Text. New York: Hill and Wang.

Ricoeur, Paul. The Rule of Metaphor. Toronto: University of Toronto Press.

Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. Oxford: Blackwell.

Culler, Jonathan. Literary Theory: A Very Short Introduction. Oxford University Press.

Genette, Gérard. Palimpsests: Literature in the Second Degree. University of Nebraska Press.

حين تصير الحساسية مِلاكَ الحُكم الجمالي

ليس النقد الأدبي علماً يُدار بمسطرة المنهج، ولا هو صنعة محايدة تُفرز الجمال كما تفرز الفيزياء الكتلة أو تزن الرياضيات المعادلات. بل هو، في جوهره، فنٌّ يقيس بالفؤاد، ويحكم بالذوق، ويتكئ على الحساسية بوصفها مرآة النفس وقدرتها على استقبال الإشعاعات الخفية التي لا يلتقطها العقل وحده. من هنا، يغدو الادّعاء بأن النقد الأدبي موضوعيّاً كالهندسة أو الكيمياء، خيانة لطبيعته الوجدانية، وتجريداً له من جوهره الحيّ.

لذا نبحث هنا عن الحساسية لا المنهج. وهو مفتاح الدخول إلى عوالم الأدب.

إنّ كلّ أثر أدبي، إذا ما جرّدناه من أثره فينا، من رعشته في أوتار وجداننا، غدا نصّاً ميتاً، حبراً على ورق. فليس النص الأدبي ما يُكتب، بل ما يُوقظ، ما يُلامس، ما يهزّ القارئ في منطقة لا يصلها سوى الفن. في هذا المستوى، يغدو النقد الأدبي استجابةً قبل أن يكون تحليلاً، ارتجافةً شعورية قبل أن يكون مقاربة تقنية.

لأنّ الحساسية تلك القدرة الغامضة على التنبّه لما يتوارى خلف الحروف، لما لا يُقال، لما يُوشك أن يُلمَح ، هي جوهر ما به يحكم الناقد الجمالي على العمل، وهي وحدها القادرة على إدراك "النفَس" في النص، ذلك النسغ الخفي الذي يُضفي عليه الحياة. ولهذا، فإن الناقد، وإن تمرّس بالمناهج، يبقى طفلاً أمام الجمال إذا فقد الحساسية، وإذا جفّت فيه عروق الذائقة.

كون الذائقة كقوة استبطان وانحياز نبيل. فالذائقة ليست مزاجاً عابراً ولا محض تفضيل شخصي، بل هي حصيلة تراكم، وخلاصة ترقٍّ في القدرة على التلقي. إنها ذلك "الميزان الداخلي" الذي به تُوزن الأشياء لا بحسب ما تظهر عليه، بل بحسب ما تختزنه من عمق، من صدق، من توهّج. والذائقة الرفيعة هي الحساسية حين تنضج، حين تصبح قادرة على اقتناص المدهش في الخفي، وعلى تمييز النفيس من بين ركام المتشابه.

من هنا، لا يُعرض الأدب على الذائقة لأنّها تحكم تعسّفاً، بل لأنها تختزن خبرة الروح، وتمثّل ذروة التطوّر في التلقّي. وما قيمة أي عمل أدبي، إن لم يكن له أن يتسلل إلى الذائقة، أن يهزّها، أن يترك فيها أُثراً كأثر الحلم حين يوقظ ما كان نائماً في أعماق النفس؟

 النقد بين نزعة التفسير ورهبة التذوّق. لقد سعى بعض النقّاد إلى صبّ الأدب في قوالب صارمة من التحليل المنهجي، فأخضعوا النصوص لأبجديات بنيوية، أو قرأوها بعدسة تاريخية، أو سلطوا عليها مناهج تفكيكية، ظانين أن الفهم وحده يكفي، وأن التحليل قادر على الكشف. بيد أن النص الأدبي، في جوهره، لا يُفهم فحسب، بل يُحَسّ، ويُعاش، ويُكابد. وكم من تفسير أطفأ وهج القصيدة، وكم من تحليل حوّل الرواية إلى معادلة باردة!

إنّ النقد حين يغدو تفسيراً محضاً، يتحوّل إلى خطاب ثانٍ يبتعد عن روح النص، وربما يخونه. أما حين يكون تذوّقاً، استبطاناً، إنصاتاً للذبذبات الدقيقة في نسيج اللغة، فإنه يُنصف الأدب، ويعيد له مقامه بوصفه كياناً حيّاُ لا مجرد موضوع للتحليل.

من هنا كانت الذات كمرآة للمعنى، لا نقد بلا انفعال. فكلّ نقد، في نهاية المطاف، هو شهادة ذاتية. لا بمعنى العشوائية أو المزاجية، بل بمعنى أن الناقد، وهو يتفاعل مع النص، يكشف عن نفسه بقدر ما يكشف عن النص. ولئن كان كلّ علم يسعى إلى الموضوعية عبر نزع أثر الذات، فإن النقد الأدبي يبلغ ذروته حين تحضر الذات، لا بوصفها حاجزاً، بل بوصفها وسيطاً.

إنّ الذات القارئة هي التي تمنح للنص حياته الثانية. وهي  في لحظة نقد تصير صدىً لما فيه من نبض. ومن هنا، فإن الاختلاف بين النقّاد ليس دليلًا على ضعف النقد، بل على قوته: إذ تتعدّد القراءات بتعدّد الحساسيات، وتتلوّن الأحكام بتنوّع الذوائق.

لذا فالشهرة لا تبرّر القيمة، والحكم للذوق لا للصيت. فكم من عمل أدبيّ شاعت شهرته، لكنه فارغ كقنينة لامعة؟ وكم من نصّ مهمل ظلّ صامتاً حتى تبنّته ذائقة أصيلة فبعثته إلى الحياة؟ إنّ المعيار في الأدب ليس الصدى، بل الصدق. وما من شيء أصدق من ذوق ناضج، حرّ، لا تشتريه الجوائز، ولا تُغويه الموضة.

ولذا، يظلّ العرض على الذوق هو المعيار الأصيل. ما قبله فهو خليق بالبقاء، ولو كُتب في ظلمة العزلة، وما رفضه فمصيره الذبول، حتى وإن تُوِّج بتصفيق المجامع وشُهر في المعارض. فإنّ الذائقة الحقّة لا تُخدع، لأنها لا تتعامل مع المظهر، بل مع الجوهر.

وهنا تبدو الحساسية بوصفها فنّاً للحكم وسرّاً في الرؤية.

النقد الأدبي، في مآله الأصفى، ليس علماً يُصنّف النصوص وفق معايير ثابتة، بل فنّاً ينصت إلى نغمة خفيّة في عمق الكلمة، ويكشف عن المعنى حيث لا يراه سواه. هو فنّ الإصغاء للحياة وهي تنبض في اللغة، وفنّ الحكم لا بالمنطق الصارم، بل بالذوق المُصفّى، والوجدان المفتوح، والروح المُدرّبة على الانفعال الصادق.

إن الحساسية الجمالية، بما هي اشتعال داخليّ واستجابة متوهّجة، تظلّ مناط القيمة في النقد. ومن لا يمتلكها، فليتأدب بالصمت أمام النصوص التي لا تُكاشف إلا من استوفى شرط الذائقة، ومن أعدّ ذاته لأن تكون وعاءً لرعشة الجمال، لا مختبراً لإطفائها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من أوائل مبادرات الانسجام في المنظور السريالي إعطاءُ الذات حقيقتها الانطلاقيّة؛ أي إطلاقها وعدم الوقوف أمام تحوّلاتها من اليومي إلى الأحلام المتباعدة. ومن هنا تتجلّى حقيقة العمل الباطني والمكبوتات عبر تصوّراتٍ عديدة لا حصر لها. وقد يكون تكتّل هذه التصوّرات نتيجة تراكماتٍ حياتيّة بعيدة المدى، بدأت مع التحوّلات الأولى في الشعريّة. ومع نتائج متعدّدة أخذت بالظهور، بدأ الوعي الذاتي يتشكّل من خلال اللاوعي، لتنشأ حالاتٌ مفتوحة يتّجه همّها نحو السرياليّة وكيفيّة الاشتغال تحت مظلّة هذا المنظور.

غير أنّ الإعاقات التي تعترض مثل هذه الأعمال تتمثّل في سيطرة اليوميّ التقليدي على العقل الشعري؛ فتموت الذات في لحظة نشوتها، ثم تعود إلى حالةٍ من النشاط المتجدّد لأسبابٍ عدّة، من بينها حريّتها وعدم تكبيلها، وانفتاحها على العالم، وعدم حصرها في اليوميّ والمحليّ والتقليديّ المكرّر.

ولعلّ من أبرز الأسباب التي تجعل السرياليّة على تماسّ دائم مع الشاعر عفويّة الكتابة، والسخرية من المنظور المباشر الذي يقوم على عاداتٍ يوميّة تقليديّة غير قابلة للتجدّد. وقد تنشأ دعوات الشكّ من هذه الصيرورة المفروضة على كثيرين؛ لذلك تنحاز السرياليّة إلى عالمٍ غير مطروق، عالمٍ يعتمد العمل الخفيّ لإظهاره عبر الشعريّة. وهي، في هذا السياق، تؤمن بما وراء الواقع، وترى أنّ أمراض العصر تنبع من واقعٍ مهيمنٍ يفرض حضوره اليومي على الجميع.

وسنتطرّق إلى مفهوم التحرّر بأنواعه، لإقامة بعض العلاقات المهمّة بين المنظور الفلسفي وامتداداته اليوميّة، وبين تقنيّاته في ما يُعرف بالكتابة الآليّة:

التحرّر الذاتي:

تتمثّل العلّة الكامنة في الذات في تخلّيها عن السائد المتطابق مع الحياة اليوميّة؛ لذلك يُعدّ تحرّر الذات من أوائل المهامّ المتواصلة، عبر الابتعاد عن الرقيب الذي يقيّد الفعل الإبداعي، سواء أكان رقيباً ذاتيّاً مهيمناً أم رقيبَ سلطةٍ يفرض قناعاته على التحوّلات الجارية. وتُعدّ هذه من أخطر المواجهات التي تواجه السرياليّة، إذ تعمل على تحرير البيئة الذاتيّة.

تحطيم الذات:

لا يستطيع الشاعر السريالي بلوغ أفق السرياليّة قبل تحطيم ذاته وتحريرها من السيطرة والرقابة؛ فالذات تمتلك تأمّلاً كونيّاً، وتصوغ لنفسها عالماً خارج المنظور الواقعي، هو عالم التحرّر الذاتي من كلّ إعاقة قد تواجهها.

تحرّر الرقيب:

تغدو كتابة الشاعر السريالي قوّةً لنفي الرقيب السلطوي، ومبادرةً لتغيير الذات الاعتياديّة التي تشكّل حاجزاً أمام التحرّر؛ أي إخراج الجمرة من بين الرماد. وهنا يتجلّى العمل التلقائي، والآليّة الكتابيّة المطلقة، بوصفهما فعلين حرّين غير خاضعين لأيّ أيديولوجيا. ومن ثمّ يصبح التحرّر شاملاً لا جزئيّاً، ويغدو العمل السريالي الأبَ الروحيّ للشاعر. (مَثل الصور السريالية كمثل صور الأفيون التي لايعود الإنسان يستحضرها « يقول بودلير: بل تأتيه من ذاته، تلقائية طاغية. إنّه لايستطيع صرفها، إذ تغدو الإرادة لا قوة فيها ولا سيطرة لها على القوى. – أندريه بريتون - بيانات السريالية – ترجمة: صلاح برمدا – ص 55).

تحرّر الرؤية:

قد تكون الرؤية الخياليّة مقيَّدةً نتيجة عوامل بيئيّة مُحاكة من قِبَل الآخر، وقد تكون شبه غائبة بسبب تراكمات الضيق الخارجي، إذ تؤثّر هذه العوامل في رؤية الشاعر وتقيّد حركتها، ولا سيّما في الأمكنة التي يرصدها أو البيئة التي ينتمي إليها. لذلك، فإنّ التحرّر الذي ندعو إليه يشبه تحرّر السجين من سجّانه؛ فعندما يطالب الشاعر بطموحاته، ويرفض الالتزام بأيديولوجيا معيّنة تقيّد رؤيته، تصبح الحرّيّة والهدوء النفسي من متطلّبات الكتابة اليوميّة، ومن ضرورات توجيهاته التقنيّة والنوعيّة.

وعندئذٍ تغيب الأحكام المفروضة على العقليّة الشعريّة التي تسعى إلى السباحة في فضاء التحرّر والتنفس الطبيعي؛ لذلك يستمدّ كلّ تصوّرٍ ذاتي رؤاه من فعل المتخيّل. وبما أنّنا نعيش في واقعٍ يتداخل فيه اللاعقلاني، فإنّ الشاعر يتجاوز المألوف ليحوّله إلى اللامألوف، وهذه هي حكمة العمل السريالي في المنظور القصائدي.

التحرّر النفسي:

تتمثّل مسألة التحرّر النفسي في إطلاق الذات المتحرّرة ومنح الأحلام التي تنتاب النفس قيمةً تصويريّة، ولا سيّما تلك الأحلام العالقة التي لا تتشابه فيما بينها؛ لذلك يُعدّ الخروج عن الأعراف والابتعاد عن المألوف خيرَ سبيلٍ لتحقيق التحرّر النفسي. (السريالي يمارس إرادته لتحرير نفسه من الأشياء المألوفة التي تحيط به، ولتحرير الإنسان من الأعراف الاجتماعيّة، ومن النزعة العقلانيّة، ومن جميع أشكال الروابط التي يفرضها عالمٌ نفعي. وهو يدعو إلى التمرّد ضدّ الواقع، وضدّ قيود العادة والامتثال، وإلى الإطاحة بكلّ القيود المسلَّم بها. – السرياليّة في عيون المرايا، ص 77، ترجمة وإعداد: أمين صالح).

ومن خلال هذه الدعوة إلى الحرّيّة، نلاحظ أنّ هيمنة العشيرة في بعض المجتمعات ما تزال سارية المفعول، إلى جانب التسلّط العائلي وهيمنة واقعٍ متخلّف يواجه الشاعر بشكلٍ يومي. ومن هنا تنشأ لدى السريالي دوافع عميقة لاستدعاء الحبّ والأمل والتأمّل، والعمل على إزالة كلّ ما يعيق حريّته النفسيّة، لكي يتمكّن – ولو جزئيّاً – من الكتابة برغبةٍ فاعلة، ومن ترجمة أحلامه إلى نصٍّ شعري.

النسق السائد:

إنّ النسق السائد في اللوائح السرياليّة يتمثّل في فعل المتخيَّل والتخييل والخيال، وكذلك اللاشعور؛ وتحتلّ التلقائيّة المساحة الأوفر في قرار الاقتراب من التقنيّة السرياليّة، وهو القرار الصائب للتغلغل في عماد النصّ والاندماج بين عناصره. فطالما أنّ التصوّرات التي تزرعها الذات الحقيقيّة تمتلك فضاءها الخاصّ ضمن المفهوم النصّي، فإنّ ما يتبدّى أمامنا هو الثقافة السرياليّة بمستلزماتها المنظورة؛ وأوّل هذه المستلزمات عنصر الرغبة، كما وصفها فرويد بأنّها العنصر الخارق الذي يحتفظ بتأثيره وقوّة جاذبيّته.

لقد بات من الضروري إزالة الأنساق التقليديّة التي تُعدّ من المسلّمات المتداولة، والتي يتجلّى فيها التكرار غير المنتج؛ علماً بأنّ الشعريّة تستوعب مختلف الخصائص المنسوبة إليها، غير أنّ هذه الخصائص لا تبلغ كلّها ذروتها في سلطة النصّ الجديد. ومن هنا يمكن مقاربة بعض الأنساق ضمن المنظور الفلسفي، مثل المجاورات والروابط الفاعلة التي تمتلك أثراً ديناميكيّاً في فعل الإثارة، بوصفه أحد الأنساق المثيرة للجدل، والقادر على إحداث تبادلات مع العناصر المنشِّطة للنصّ الحديث.

وينفصل النسق، في هذا السياق، عن العالم الخارجي؛ إذ تتحوّل المعيشة إلى تجربة داخليّة – بيتية – إلّا في حدود بعض العلاقات التي تُطلّ على الشاعر عبر نافذةٍ تنفّسية. وهكذا تغدو تجربة الدواخل تجربةً نفيسة، تحمل في طيّاتها مبدأ الـ«أنا» أيضاً؛ وقد تكون هذه الـ«أنا» داخليّة، وقد تكون خارجيّة، غير أنّ حضورها الخارجي يظلّ محدوداً. ومن هنا يمكن القول إنّ القوّة الداخليّة للعمل النصّي، ضمن المنظور السريالي، هي القوّة الأكثر فاعليّة، إذ تتفاعل مع العناصر الذاتيّة والعقليّة، وتنعكس آثارها في قوّة النصّ الشعري. وما العلاقات المُعلنة إلا علاقات تفرضها الذات الحقيقيّة الساعية إلى التحوّل.

إعادة التشكيل:

من الظواهر التي تواجهنا التقنيّة السائدة والتقنيّة التقليديّة، وهما أداتان في حالة صراعٍ دائم. غير أنّنا، ما دمنا نؤمن بالهدم والبناء، فإنّ السعي إلى ابتكار تقنيّات وتشكيلاتٍ جديدة للنصّ الحديث يُعدّ من القدرات الفاعلة التي يمارسها الشاعر. ويُعدّ تجاوز العقل المنظَّم وتحويله إلى عقليّةٍ شعريّة من المهام التي تستوعب كلّ ما تراه العين وما تسمعه الأذن. ومن خلال هذا المنطق، نلاحظ أنّ هناك خزائن متعدّدة تتجمّع فيها الخبرات والتجارب لتُنتج نصّاً من طرازٍ مختلف.

ويبقى مبدأ الاختلاف، وإن بدا بسيطاً، حاضراً ضمن السياق المتواصل للغة؛ إذ تغدو اللغة، في حالتها المتشكّلة والمؤهّلة، قادرةً على اكتساب طبيعتها الشعريّة. (تذهب اللسانيّات الإدراكيّة إلى أنّ اللغة ليست نتاج بنى خاصّة في الدماغ، وإنّما هي نتاج كفاية إدراكيّة عامّة يستعملها البشر في تفكيرهم، من أجل صياغة تصوّراتٍ لمختلف جوانب الواقع وتجاربهم فيه. وقد أسفر ذلك عن لفت الانتباه إلى ضرورة فحص العلاقة بين اللغة في الاستعمال الأدبي واللغة في الاستعمال التواصلي المعتاد، وكذلك إلى دراسة ظواهر لغويّة معيّنة، مثل اللغة التخيّليّة، التي لم تعد تُفهم بوصفها نتاج آليّات خاصّة أو موهبة إدراكيّة حِكراً على مبدعي الأدب. – مجلة فصول، ملفّ الإدراكيّات، العدد 100، ص 142، لارزيا بيليخوفا، ترجمة وتقديم: محي الدين محسب).

ومن خلال ذلك، يمكن القول إنّ للنصّ ثقله الشعري، وهو يقودنا إلى اتجاهاتٍ متعدّدة، من بينها الاتجاه السريالي، الذي لا يُقدَّم بوصفه رسالةً مباشرة، بل بوصفه تجلّياً لقلقٍ متجدّد يسعى الشاعر من خلاله إلى الذوبان خارج المألوف. ومن رغبات الباث الحقيقية ترسيم الأحلام، بوصفها الوسيلة القادرة على تخفيف هذا القلق، وفتح أفقٍ فلسفي داخلي ما إن يتجلّى حتى يعلن استقلاله.

فالاستقلال النصّي يُعدّ مطلباً أساسياً في العمل الأدبي، لكي يحقق أسلوبيّة غير مكرّرة؛ ومن هنا تبرز اللغة التخيّليّة بوصفها عنصراً فاعلاً في البنية النصّية. وفي الوقت نفسه، نلاحظ أنّ الانحدار التصويري الذي يواجهنا يصدر عن لغةٍ عليا، بحيث تتشكّل الوحدات اللغويّة المطلقة في صيغٍ جديدة تمتلك خصوصيّتها وعلاقاتها داخل النصّ الشعري.

وفي بعض الأحيان، يُعاد النظر في مفهوم القصديّة في المنظور النصّي الجديد؛ فالعلاقات التي نعنيها هي تلك التي تتشكّل خارج الوعي المباشر، حيث ينهض العقل الباطني ليتفاعل مع العقليّة الشعريّة، مُنشئاً مساحةً مشتركة بينهما. ومن هنا، تغدو السرياليّة دافعاً للشاعر نحو الاندماج في هذه المساحة، بوصفها أحد متطلّبات اللامحدود في العمل السريالي.

***

كتابة: علاء حمد

يأتي نص "مومس تائبة" للشاعرة مجيدة محمدي بوصفه اعترافًا شعريًا كثيفًا، لا يقف عند حدود الحكاية المباشرة لامرأة أنهكتها الخطيئة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة إنسانية عميقة حول الجوع الروحي، والعزلة، وإمكان الخلاص. فالعنوان نفسه يفتح منذ البدء أفقًا تأويليًا واسعًا؛ إذ يجمع بين مفردتين متقابلتين: "المومس" بوصفها رمزًا للسقوط الاجتماعي والأخلاقي في المخيال الجمعي، و"التائبة" بوصفها وعدًا بالتطهر واستعادة المعنى. ومن هذا التوتر بين القاع والأفق يتولد النص كله.

تبدأ الشاعرة بصورة جارحة:

"هذا الليل يأكل من خاصرتي، كما تأكل النار آخر أوراق الخريف."

فالليل هنا ليس ظرفًا زمانيًا، بل كائن مفترس يلتهم ما تبقى من الجسد والروح. أما "أوراق الخريف" فهي استعارة لما تبقى من العمر والبراءة والأمل؛ وكأن الذات تقف في فصلها الأخير، تراقب احتراق ما تبقى منها. إنها صورة تجمع بين هشاشة الورق ووحشية النار، لتؤسس منذ السطر الأول مناخ الخراب الداخلي.

ثم تبلغ المأساة ذروتها في قولها:

"لا رغيف لي، سوى الجوع المعلّق على مسمار الروح."

وهنا يتجلى أحد أجمل الانزياحات في النص؛ فالجوع لم يعد جوعًا بيولوجيًا، بل صار قدرًا وجوديًا معلقًا في أعماق الكيان. إنه جوع إلى الطمأنينة، وإلى الغفران، وإلى الاعتراف بالإنسان المختبئ خلف الوصمة.

وتتوالى الصور في نسق حلمي كابوسي:

"الظلال تتناسل من ظل إلى ظل، كقبيلة من الأسئلة ضلت طريق اليقين."

وهي صورة بالغة الذكاء؛ إذ تحوّل الشكوك والهواجس إلى قبيلة كاملة، تتكاثر وتتيه بعيدًا عن يقين مفقود. فالذات لا تعاني فقط من خطيئة الماضي، بل من عجزها عن العثور على معنى يفسر وجودها ويمنحها السلام.

أما الذئاب الشبقة التي:

"تدور كالكواكب حول خطيئة قديمة"

فهي ليست مجرد شخوص خارجية، بل يمكن قراءتها بوصفها استعارة للمجتمع الذي لا يغفر، أو للشهوات التي تعاود افتراس الإنسان حتى بعد إرادته التوبة، أو لذاكرة الذنب نفسها حين تتحول إلى مطاردة أبدية. واللافت أن الشاعرة تمنح هذه الذئاب بعدًا كونيًا؛ فهي تدور "كالكواكب"، في إشارة إلى أن الخطيئة تدخل أحيانًا في نظام مغلق من التكرار والقهر يصعب الفكاك منه.

وفي المقطع الذي تقول فيه:

"لا أحد يرتب الفوضى في عيوني، ولا أحد يجمع شظايا النجوم..."

تبلغ الوحدة أقصى تجلياتها؛ فالذات لا تطلب خلاصًا كبيرًا، بل يدًا حانية تعيد ترتيب الفوضى الداخلية. غير أن النجوم نفسها أصبحت شظايا متناثرة على أرصفة الانتظار، في صورة تجمع بين سمو الحلم وابتذال الواقع، بين السماء والرصيف، بين الأمل المكسور وطول الترقب.

غير أن أجمل ما في النص يكمن في نهايته؛ إذ لا تستسلم الذات تمامًا للخطيئة التي:

"تقدم لي كأسها المعتمة..."

فالخطيئة هنا تتكلم، وتغوي، وتبشر باليأس، لكنها تُواجَه بابتسامة معرِضة:

"فأبتسم لها، معرضة، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي..."

إنها نهاية مفتوحة على مفارقة مدهشة؛ فالغريق يعلم هشاشته، لكنه لا يفقد حريته الأخيرة في الاختيار. يحيي موجته، لا استسلامًا لها، بل اعترافًا بأنه أدرك حقيقتها ومضى متجاوزًا إياها. ولذلك فإن فعل "أمضي" هو الكلمة الأكثر إشراقًا في النص كله؛ إذ ينقل الشخصية من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، ومن أسر الخطيئة إلى أفق التوبة الممكنة.

لقد نجحت مجيدة محمدي في بناء نص يعتمد على كثافة الصورة، وتشخيص المجردات، والانزياح الدلالي، والإيقاع الداخلي المتولد من تكرار النفي والأسئلة المؤجلة. وهو نص لا يدين امرأة بعينها، بقدر ما يكشف هشاشة الإنسان حين يضيع في متاهة الجوع والخوف والنبذ، ثم يجرؤ – رغم كل شيء – على أن يمضي نحو احتمال الخلاص.

إن "مومس تائبة" ليست قصيدة عن الخطيئة بقدر ما هي قصيدة عن كرامة الروح وهي تحاول النهوض من بين أنقاضها؛ فالتوبة هنا ليست حدثًا دينيًا عابرًا، بل فعل مقاومة وجودية، وانتصار خافت للإنسان على أكثر ظلاله عتمة. وفي هذا يكمن جمال النص وفرادته: أنه يجعلنا نشفق على الساقط، لا لأنه بلا خطيئة، بل لأنه لم يكف عن البحث، وسط هذا الليل الآكل، عن نافذة صغيرة تؤدي إلى الضوء.

***

أ. د. محمد عيسى مهنى - أديب وناقد ليبي

..........................

"مومس تائبة "

قالَتْ،

هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،

كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.

لَا رَغِيفَ لِي،

 سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.

أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،

فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ.

حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،

تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،

تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،

وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.

ولَا رَفِيقَ لِي.

لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،

وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.

وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .

تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،

فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.

فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،

 كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي...

***

|مجيدة محمدي

حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم. فالألمُ الإنساني يمتلك لغةً واحدة، والوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والثلوجِ الروسية.

ومِن هذا المنطلق يمكن أن نتأمل المأساة الجماعية التي تَجْمع بين الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر والشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا (1892 - 1941 انتحار)، مأساة تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح صورةً مُكثَّفة لمعاناة الإنسان في مُواجهة القَدَرِ والتاريخِ والوَحدة.

جاءتْ تجربة ماجدة داغر الشعرية من قلب لبنان الذي عرف الحروبَ والانقسامات والانهيارات والانتظارات الطويلة. في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً جَماعية مثقلة بالخسارات. لَيست القصيدةُ عِندها ترفًا جَماليًّا أو تمرينًا لغويًّا، بلْ مُحاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى مِن الإنسانِ وسط الخراب.

تنبع قصائدُها من منطقة تتجاور في الحساسية الأنثوية معَ الألمِ الوطني، فتتحوَّل التجربة الخاصَّة إلى مِرآة لجماعة كاملة فقدت الأمانَ، وفقدت القُدرةَ على تفسير ما يحدث حَولها. في عالَم ماجدة داغر لا يظهر الحُزنُ بوصفه حالة عابرة، بلْ كَقَدَرٍ يُرافق الإنسانَ في رحلته الوجودية. لذلك تبدو مفرداتها مُحاطة بظلال الغياب والانتظار والقلق والأسئلة المفتوحة. إنَّها تكتب من منطقة الجُرح، لكنَّها لا تستسلم له، بلْ تُحاول أن تمنحه مَعنى. ومِن هُنا تأتي قوةُ تجربتها، إذْ تجعل القارئَ يشعر بأنَّ آلامه الشخصية تجد صدى لها في النَّص، وكأنَّ الشاعرة تتحدَّث باسم جماعة واسعة من المقهورين والمُهمَّشين والمنكسرين.

عندما ننتقل إلى مارينا تسفيتايفا نجد أنفسَنا أمام مأساة أُخرى لا تقلُّ قسوة. عاشت الشاعرةُ الروسية في زمن عاصف شهد الثورات والحروب والمجاعات والاضطرابات السياسية الكُبرى. كانتْ رُوحًا شديدة الحساسية في عالَم لا يَرحم. عرفت المنفى والفقرَ والعُزلةَ وفِقدان الأحبة، وتحوَّلتْ حياتها إلى سلسلة متواصلة مِن الصدامات معَ الواقع. لكنَّها - رغم ذلك كُلِّه_ ظَلَّتْ مؤمنةً بأنَّ الشعر هو المَلاذ الأخير للرُّوح.

كانتْ تكتب كما لو أنَّها تنقذ نَفْسَها من الغرق. كُلُّ قصيدةٍ لَديها تبدو صرخةً ضِد النسيان، واحتجاجًا على قَسوةِ العالَم. لَم تكن تبحث عن المجد الأدبي بِقَدْرِ ما كانت تبحث عن معنى للحياة وسط الانهيار الشامل. لهذا اكتسبَ شِعْرُها تلك الطاقة العاطفية الهائلة التي جعلته قادرًا على عُبور الزمن واللغات.

إنَّ المأساة التي تَجمع ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا لَيست مأساةً شخصية فَحَسْب، بلْ مأساة جَماعية أيضًا. كُلُّ شاعرة حَمَلَتْ فوق كَتفيها أعباءَ شعبها وزمانها. الأُولَى عاشتْ في فضاء عربي مثقل بالأزمات والحروب والخَيبات، والثانية عاشتْ في قلبِ التحوُّلات الروسية العنيفة التي مَزَّقَتْ حياةَ الملايين. وهكذا أصبحت القصيدةُ بالنِّسبةِ إلَيهما وثيقةً إنسانية تُسجِّل آلامَ الجَمَاعة مِن خِلال تجربة الفرد.

ثَمَّة تشابه عميق بين الشاعرتَيْن في إحساسهما بالغُربة. الغُربةُ لَيست دائمًا ابتعادًا جُغرافيًّا عن الوطن، بلْ قد تكون شعورًا داخليًّا بالانفصالِ عَن العالَم. ماجدة داغر عاشتْ غُربةَ الرُّوح وسط واقع مِن الشظايا والانكسارات، ومارينا تسفيتايفا عاشتْ غُربةَ المنفى والاقتلاع والنَّبْذ. وفي الحالتَيْن، كانَ الشعرُ هو الوطنَ البديل الذي احتمتْ به الرُّوحُ مِن الانهيار.

كما أنَّ الحُب عندهما لَم يكن تجربة رومانسية بسيطة، بلْ كانَ مُحاولة لمقاومة العَدَمِ والخرابِ. في قصائدهما يتحوَّل الحُبُّ إلى قيمة وجودية كُبرى، وإلى بحث دائم عن الخَلاص. لكنَّ هذا الحُب غالبًا ما يَصطدم بواقع قاسٍ، فيزداد الألمُ عُمقًا، وتزداد القصيدةُ تَشَظِّيًا. وهكذا يُصبح الجَمَالُ مَولودًا من قلبِ المأساة، وتُصبح الكتابةُ شكلًا مِن أشكال المقاومة.

أدركت الشاعرتان هشاشةَ الإنسان أمام القوى الكُبرى التي تتحكم بمصيره. الحروبُ والثورات والانهيارات السياسية والاقتصادية لا تكتفي بتدمير المدن، بلْ تمتدُّ إلى الأرواح أيضًا. ولهذا نجد أنَّ قصائدهما مُشبَعة بإحساس مرير بالفِقدان، وبسؤال دائم حَول جَدوى الحياة وسط عالَم يمتلئ بالعُنفِ والخِذلان.

ومعَ ذلك، فإنَّ شِعرهما لا يغرق في اليأس الكامل. ففي أعماق الحُزن يظلُّ هُنالك بصيص مِن الأمل. ومُجرَّد كتابة القصيدة هو فِعل مُقاوَمة، وإعلان بأنَّ الإنسان قادر على تحويل ألمه إلى جَمال، وخسارته إلى معنى. وهذا يَجعل تجربتيهما تتجاوزان حُدودَ الزمانِ والمكان لِتُصبحا جُزءًا مِن التراثِ الإنساني العام.

إنَّ المأساة الجَماعية بين ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا تكشف حقيقةً جَوهرية مُفادها أنَّ الشعراء_ مَهما اختلفتْ لُغاتهم وأوطانهم_ يشتركون في حمل العِبء الإنساني ذاته. إنَّهُم شُهود على الألم، وحُرَّاسٌ للذاكرة، وأصوات لأولئك الذين لا يجدون الكلمات للتعبير عن مُعاناتهم. ومِن خِلال القصائد الشعرية، يتحوَّل الجُرح إلى أُغنية، وتصير الدموعُ اكتشافًا لأحلام الإنسان الضائعة. وهكذا تبقى ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا صورتَيْن متقابلتَيْن لرُوح واحدة، رُوح شاعرة تَحمل أوجاعَ الناس، وأحزانَ الوطن، وتَصُوغ مِن عذابات الذاتِ والآخرين نشيدًا مِن البكاء الصامت.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

بين الفخر الحضاري والاحتجاج اللغوي

تُعَدُّ القصيدة الحميرية (النشوانية) للشاعر والعالم اليمني نشوان بن سعيد الحميري واحدةً من النصوص الشعرية الفريدة في التراث العربي؛ إذ تجاوزت حدود الفخر القبلي المألوف لتغدو وثيقةً لغويةً وتاريخيةً وحضاريةً، تلتقي فيها الذاكرة الجمعية بالوعي الثقافي، ويجتمع فيها الشعر بالتاريخ، واللغة بالهوية، والحجة العقلية بالعاطفة الوطنية. فهي ليست قصيدة تُنشَد فحسب، بل خطابٌ ثقافيٌّ متكامل أراد صاحبه من خلاله إعادة الاعتبار للتراث اليمني الحميري، وإثبات مكانته في البناء الحضاري العربي والإسلامي.

لقد كان نشوان الحميري فقيهاً لغوياً واسع الاطلاع، يدرك أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل وعاءٌ للهوية ومستودعٌ للذاكرة التاريخية. ومن هنا جاءت قصيدته النشوانية محاولةً لإحياء الموروث اليمني وإبرازه في مواجهة النزعات التي حصرت المجد العربي في جغرافيا معينة أو قبائل بعينها.

اللغة في النشوانية: بين الجزالة والحجاج

تمتاز لغة القصيدة بجزالة اللفظ وقوة التركيب وثراء المعجم. وقد استثمر الشاعر ألفاظاً ذات جذور عربية أصيلة، مستحضراً أسماء الملوك التبابعة، وأعلام اليمن القديم، ومواطن الحضارة الحميرية، في نسيج شعري متماسك.

ومن خصائصها اللغوية:

كثافة الأعلام التاريخية.

توظيف الأنساب بوصفها حججاً ثقافية.

شيوع الأساليب الخبرية التقريرية.

كثرة الاستشهاد بالتاريخ لإسناد الرأي.

اعتماد المقابلات والموازنات البلاغية.

فالشاعر لا يكتفي بالمدح، بل يسوق الأدلة والوقائع، وكأنه يخوض مناظرة فكرية أكثر من كونه ينظم قصيدة وجدانية.

موقف النحاة البصريين والكوفيين من اللغة التي تمثلها النشوانية

لو نظرنا إلى هذه القصيدة بعين المدرسة البصرية لوجدنا أنها تمثل نموذجاً للاحتجاج باللغة الفصيحة الموروثة. فقد كان البصريون، وعلى رأسهم سيبويه، يحتكمون إلى القياس ويرون أن سلامة العربية تقوم على القواعد المطردة المستنبطة من كلام العرب الفصحاء.

فعندما يقول الشاعر:

نحن بنو قحطان أصلُ العُلا

وبنا استقام المجدُ بعد اضطرابِ

فإن البصريين يرون في هذا التركيب مثالاً لاستقامة الإسناد ووضوح العلاقات النحوية بين المبتدأ والخبر.

أما الكوفيون، وفي مقدمتهم الكسائي والفراء، فكانوا أكثر تسامحاً في قبول الشواهد وتوسيع دائرة الاحتجاج، ولذلك كانوا سيجدون في النشوانية مادةً غنيةً بالشواهد التاريخية واللغوية التي تؤكد تنوع الاستعمال العربي واتساعه.

وقد اختلف الفريقان في مسائل كثيرة، منها:

المثال الأول: العطف على الضمير المرفوع

يقول البصريون:

جاء زيدٌ وأنا.

ولا يجيزون:

جاء زيدٌ وأنا وعمرو.

إلا مع تأكيد الضمير أو الفصل.

أما الكوفيون فيتوسعون في ذلك اعتماداً على السماع.

وهذا الاختلاف يكشف أن اللغة التي يستثمرها نشوان تنتمي إلى فضاء عربي واسع تتجاور فيه الظواهر المختلفة التي قبلتها العرب في كلامها.

المثال الثاني: التنازع

في قولنا:

أكرمني وأحسن إليَّ خالدٌ.

يرى البصريون أن أحد العاملين أولى بالعمل وفق قواعد دقيقة.

بينما يميل الكوفيون إلى التوسع في الأخذ بالسماع.

وهذا ما يفسر اهتمام نشوان بالنصوص المروية والأخبار المتوارثة بوصفها شاهداً لغوياً وتاريخياً معاً.

فقهاء اللغة والنشوانية

إن قراءة القصيدة في ضوء جهود فقهاء اللغة تكشف عن عمقها المعجمي.

فلو عرضت ألفاظها على ابن فارس لبحث عن أصولها الدلالية المشتركة، إذ يرى أن لكل جذر معنى كلياً تتفرع عنه الاستعمالات المختلفة.

ولو تأملها الجوهري لوقف عند سلامة المادة اللغوية وصحة الاستعمال.

أما ابن جني فكان سيجد فيها دليلاً على العلاقة العضوية بين الصوت والمعنى، إذ إن كثيراً من ألفاظ الفخر والقوة تأتي بأصوات مجلجلة تحمل في ذاتها إيحاء العظمة والهيبة.

ومن منظور فقه اللغة، تمثل النشوانية نموذجاً لما يُعرف بـ"الهوية اللغوية"، حيث تتحول الألفاظ إلى علامات ثقافية تشير إلى تاريخ أمة كاملة لا إلى أفراد متفرقين.

البنية البلاغية في القصيدة

تعتمد النشوانية على عدد من الأدوات البلاغية المؤثرة:

التكرار لترسيخ الفكرة.

الاستدعاء التاريخي لإضفاء المصداقية.

المقابلة بين المجد والانحطاط.

الاستفهام الإنكاري لتأكيد الحجة.

الالتفات لإثارة انتباه المتلقي.

ومن أمثلة ذلك أن الشاعر ينتقل من الحديث عن الملوك التبابعة إلى مخاطبة معاصريه مباشرة، فيخلق جسراً زمنياً بين الماضي والحاضر، وكأن التاريخ لا يزال حياً في الوجدان.

النشوانية بوصفها خطاباً حضارياً

ليست قيمة القصيدة في جمالها الفني فحسب، بل في كونها مشروعاً ثقافياً متكاملاً. فقد أراد نشوان الحميري أن يثبت أن العربية ليست حكراً على إقليم أو قبيلة، وأن الحضارة العربية الإسلامية قامت على إسهامات شعوب وأقاليم متعددة، كان لليمن فيها نصيب وافر.

ومن هنا تتحول القصيدة إلى دفاع عن التعدد داخل الوحدة، وعن الانتماء الحضاري الذي لا يلغي الخصوصيات المحلية، بل يجعلها روافد تصب في نهر الثقافة العربية الكبير.

إن القصيدة الحميرية ليست مجرد أثر شعري من آثار القرن السادس الهجري، بل نصٌّ تتقاطع فيه علوم اللغة والتاريخ والبلاغة وفقه الثقافة. وهي شاهدٌ على أن الشعر العربي كان، في أرقى تجلياته، أداةً للمعرفة والاحتجاج وبناء الوعي. ولعل سر خلودها يكمن في أنها لم تتحدث عن أمجاد الماضي بوصفها أطلالاً منسية، بل جعلت من التاريخ قوةً حيةً تُسهم في تشكيل الهوية، ومن اللغة جسراً يصل الإنسان بجذوره الحضارية وذاكرته الثقافية العميقة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من جرح الذات إلى وجع الجماعة

تقدّم قصيدة «مرثية إلى ابن المقفّع» للشاعر جواد غلوم نموذجًا متميّزًا للقصيدة العمودية الحديثة التي تستثمر التراث الشعري العربي في التعبير عن قضايا الإنسان المعاصر. فالنصّ ينهض على بنية خليليّة راسخة ويستعيد صورة الرثاء الكلاسيكي، لكنه لا يقف عند حدود رثاء شخصية تاريخية انتهت حياتها بالمأساة، بل يجعل من ابن المقفّع رمزًا للمثقف الحر الذي يدفع ثمن الكلمة والفكر، لتتحوّل المرثية إلى خطاب إنساني يتجاوز حدود الزمان والمكان.

وإذا كانت القصيدة –بالمعنى الجوهري– تظل قصيدة بغضّ النظر عن بنيتها الشكلية، فإنّ التمييز بين العمودي والتفعيلة لا يمثّل انقسامًا حادًّا بين تقليد وحداثة بقدر ما يعكس حوارًا تاريخيًا وإبداعيًا متجدّدًا. فقد عرفت التجربة العربية محاولات مبكرة لتحديث القول الشعري منذ العصر العباسي، ثم أعادت نهضتا القرن التاسع عشر والعشرين تأهيل القصيدة العمودية لغويًا ودلاليًا، قبل أن تنتج حركة التجديد قصيدة التفعيلة والقصيدة الحرّة. ومع ذلك ظلّ كثير من المجدّدين على صلة وثيقة بالعمود، أو عادوا إليه بصيغ جديدة، بما يؤكّد أنّ التجديد يتعلّق بالرؤية واللغة والموقف من العالم بقدر ما يتعلّق بالشكل. في ضوء هذا السياق يمكن النظر إلى «مرثية إلى ابن المقفّع» بوصفها دليلًا على أنّ القصيدة العمودية ما تزال فضاءً صالحًا لتمثيل قضايا نفسية وسياسية معاصرة.

تزداد أهمية القصيدة إذا ما وُضعت ضمن سياق تجربة جواد غلوم بوصفه من الأصوات التي حافظت على القصيدة العمودية شكلًا، مع شحنها برؤية حديثة تعنى بوجع الإنسان والمثقف في مواجهة القمع والتهميش. وتأتي هذه القراءة في إطار مقاربة نصّية–دلالية تستند إلى مفاهيم نقدية معاصرة مثل القناع الشعري، والانزياح/الإزاحة الدلالية، والصورة الرمزية، مع الاستئناس بما قدّمه بعض النقاد العرب والغربيين حول هذه المفاهيم؛ كما في حديث أدونيس عن تحوّلات القصيدة العربية في «زمن الشعر»، وقراءة عبدالله الغذامي لوظيفة القناع في «الخطيئة والتكفير»، إلى جانب ما طرحه كمال أبو ديب في دراساته عن البنية الإيقاعية والرمزية، وما بلوره رومان ياكوبسون حول «الوظيفة الشعرية للغة» وفكرة الانزياح.

من هذا المنطلق، تحاول هذه الدراسة الكشف عن كيفية تحوّل التجربة الفردية في القصيدة إلى تجربة جماعية، وعن توظيف التقنيات الشعرية الحديثة داخل شكل عمودي محافظ، بما يفضي إلى نصّ تتداخل فيه الأبعاد النفسية والأخلاقية والسياسية، فيغدو الجرح الفردي مرآةً لوجع إنساني أوسع.

أولًا: الشكل العمودي بين ثبات الإيقاع وتوتر التجربة

تنتمي القصيدة قيد الدرس، من حيث بنائها الهندسي، إلى ما يُصطلح عليه بالقصيدة العمودية الحديثة؛ أي ذلك النمط من الشعر الذي يحافظ على البناء الخليلي التقليدي والوزن التناظري من حيث الوزن والقافية، لكنه يعيد توظيف هذا القالب بذكاء للتعبير عن رؤى معاصرة وهموم جمالية وحديثة. فالشاعر الحديث –كما يلاحظ عدد من النقاد– لا يتعامل مع الوزن والقافية بوصفهما قيدًا شكليًا، بل إطارًا إيقاعيًا مرنًا قادرًا على احتواء التجربة الراهنة.

في «مرثية إلى ابن المقفّع» يخلق جواد غلوم مفارقة دلالية واضحة بين انتظام الإيقاع الخارجي واضطراب العالم الداخلي. فالقافية الموحّدة والوزن المستقر يوحيان بالتماسك والثبات، بينما تكشف الصور الشعرية عن واقع متصدّع وذات تعيش الانكسار والخذلان. وهكذا يصبح الشكل جزءًا من المعنى؛ إذ يقابل ثبات البنية الخارجية هشاشة التجربة النفسية التي يعبّر عنها النص. فالقوس التي «تكسّرت كالزجاج» تتجاور مع إيقاع متماسك، وكأن القصيدة تقول إن تحت هذا السطح الإيقاعي المنظَّم عالمًا من التوتر والشرخ الداخلي.

بهذا المعنى، تؤكّد القصيدة ما ذهب إليه بعض الدارسين من أنّ البنية الإيقاعية في الشعر الحديث لم تعد مجرّد ترديدٍ للموروث العروضي، بل صارت حقل توتّرٍ بين نظام الوزن وفوضى التجربة، وهو ما نجده في قراءات كمال أبو ديب للبنية الإيقاعية في الشعر العربي الحديث.

ثانيًا: القناع الشعري واستدعاء ابن المقفّع

يُعَدّ القناع الشعري من أبرز تقنيات القصيدة العربية الحديثة، وقد توقّف عنده عدد من النقّاد في قراءاتهم لتجارب الروّاد وما تلاهم، بوصفه آلية فنيّة يتجاوز الشاعر من خلالها حدود صوته الفردي إلى تمثيل همٍّ إنساني وجمعي أوسع. فالقناع يقوم على استحضار شخصية تاريخية أو أسطورية أو رمزية، تتكثّف في داخلها ذات الشاعر وأسئلته وهواجس عصره؛ فلا يغيب صوته خلفها، بل يتعمّق ويتّسع عبرها.

في «مرثية إلى ابن المقفّع» يتجسّد هذا المفهوم بوضوح؛ إذ يتّخذ الشاعر من ابن المقفّع قناعًا تعبيريًا، فلا يرثيه بصفته شخصيةً من الماضي فحسب، بل يحوّله إلى مرآة لجرحه الشخصي ولجرح المثقف الحر عبر الأزمنة. ومن هنا يستهل القصيدة باستحضار قبره:

«أعرفتَ قبرَ ابنِ المقفّعْ

صار الثرى عينًا ومدمع»

لكن سرعان ما ينتقل الخطاب إلى «الأنا» الشاعرة:

«قوسي تكسّر كالزجاجِ»

فتتلاشى الحدود بين الرمز التاريخي والتجربة الذاتية، ويغدو ابن المقفّع صورة نموذجية لكل من تعرّض للقهر بسبب فكره أو موقفه الإنساني، كما يتحوّل القبر إلى علامة على مصير الكلمة الحرّة في مواجهة عنف السلطة. وهنا يتجلّى ما يشير إليه عبدالله الغذامي –في سياقات نقدية أخرى– من أنّ القناع يتيح للشاعر أن يعبّر عن ذاته من خلال «آخر» تاريخي أو أسطوري، فيرتقي النص من حكاية فردية إلى وجعٍ جمعي.

وإذا كان النقد المعاصر قد تجاوز النظر إلى الصورة بوصفها مجرّد «تحسين بلاغي» إلى اعتبارها بنية معرفية تعيد قراءة الواقع، كما بيّن  لذلك مصطفى ناصف في دراسته للصورة الأدبية وخروجها من ضيق المحسّنات إلى أفق التأويل، فإنّ تقنية القناع في هذه القصيدة تتضافر مع الصورة الرمزية لتؤسّس رؤيةً فكرية وأخلاقية للمثقف المقموع، لا مجرّد رثاء لشخصية تاريخية بعينها.

ثالثًا: اللغة الشعرية والانزياح الدلالي

تتميّز لغة القصيدة بمزجها بين المعجم التراثي والرؤية الحديثة. فالشاعر يوظّف ألفاظًا ذات جذور عربية راسخة مثل: «الثرى»، «اللظى»، "السنديان"، "اللؤلؤ المكنون"، لكنه يحمّلها دلالات تتجاوز معناها المعجمي المباشر.

وتعتمد القصيدة على ما يُعرف في النقد الأسلوبي واللساني بالانزياح أو الإزاحة الدلالية، أي نقل الألفاظ والتراكيب من معناها المباشر إلى أفق دلالي جديد، كما طرح ذلك رومان ياكوبسون في حديثه عن «الوظيفة الشعرية للغة»، وتلقّاه النقد العربي الحديث في إطار توسيع مفهوم البلاغة التقليدية. فالانزياح هنا لا يقتصر على الاستعارة في معناها البلاغي القديم، بل يشمل إعادة توزيع المعنى على مستوى البنية النصّية كلها.

القبر لا يعود قبر ابن المقفّع وحده، بل يصبح رمزًا لمصير الحقيقة والكلمة الحرة في مواجهة الاستبداد. والطفل المحروم من الرضاعة لا يمثل حالة واقعية فردية، بل يغدو صورة لجماعة محرومة من الرعاية والحماية والعدالة. أما المخاطَب النقي فيتحوّل إلى رمز لقيمة أخلاقية وجمالية تواجه عالمًا يهيمن عليه القبح والانكسار.

يمكن ردّ هذا الوعي الحديث بالانزياح إلى جذور بلاغية قديمة كما نجدها عند عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة"، حيث ربط بين النظم والمعنى، وإن اختلف الاصطلاح وتطوّر الإطار النظري في النقد الحديث. ومن خلال هذه الإزاحات تتجاوز القصيدة حدود الحكاية الفردية لتصبح نصًا مفتوحًا على قراءات دلالية وإنسانية متعدّدة.

رابعًا: الصورة الشعرية بين الانكسار والخلاص

لم تعد الصورة الشعرية في القصيدة الحديثة مجرّد وسيلة للتشبيه أو الزخرفة، بل أصبحت –كما يشير عدد من النقاد المعاصرين– بنية معرفية ورمزية تسهم في بناء رؤية الشاعر للعالم. ومن هذا المنظور تكتسب صور القصيدة أهميتها بوصفها أدوات للكشف عن عمق التجربة الإنسانية.

فصورة القبر الذي:

"صار الثرى عينًا ومدمع"

تحوّل المكان الجامد إلى كائن حيّ يبكي، فتختزل تاريخًا طويلًا من الألم الإنساني، وتحوّل الأرض ذاتها إلى شاهدةٍ على جريمة القمع.

وصورة:

"قوسي تكسّر كالزجاج"

تجسّد حالة العجز والانكسار النفسي، إذ يفقد القوس، بوصفه رمزًا للقوة والدفاع، وظيفته بعد تحطّمه، فتتجسّد هشاشة الذات في صورة حسية ملموسة.

أما صورة:

"تركوه حملًا نازفًا

هذا يعضّ وذاك يقطع"

فتمثّل البراءة المستباحة والإنسان الأعزل الذي يتعرّض للعنف من جهات متعدّدة، فيتحوّل المجتمع المحيط من حاضنة إلى فريسة تلتهم أضعف عناصرها.

وفي المقابل، تظهر صور الجمال والخلاص من خلال «بلسم العشّاق» و«سنديان الورد» و«اللؤلؤ المكنون». وتمتزج في هذه الصور عناصر الرقة والقوة، والجمال والصلابة، بما يجعلها رموزًا لمقاومة القبح والتشظّي. فـ«سنديان الورد» تركيب يجمع بين صلابة السنديان ورهافة الورد، فيجسّد المخاطَب كقيمة جمالية وأخلاقية قادرة على الحماية والاحتضان في آن واحد.

بهذا المعنى، تتجاوز الصورة وظيفتها التزيينية لتصبح أداة معرفة وبناء رؤية، كما يذهب إلى ذلك بعض المنظّرين للصورة في الشعر الحديث، ومنهم من درس تحوّل الصورة من بلاغة الزخرفة إلى بلاغة الكشف، كصلاح فضل في "بلاغة الخطاب وعلم النص" وبعض دراسات حاتم الصكر حول الصورة والرمز في القصيدة العربية المعاصرة.

خامسًا: البعد النفسي – سيرة الحرمان والخذلان

يكشف النص عن حضور قوي للبعد النفسي من خلال صور الحرمان والوحدة والافتقار إلى الحماية. وتتجلّى هذه الرؤية بوضوح في صورة الطفل الذي:

"قد عاش طفلاً في المهادِ

وما رأى ثديًا ليرضع"

وهي صورة تتجاوز معناها الواقعي لتصبح رمزًا لحرمان عاطفي وروحي عميق، ولفقدان الحنان الأوليّ الذي تتأسّس عليه شخصية الإنسان. هذا الحرمان المبكر يتطوّر لاحقًا في صورة «الحمل النازف» الذي تتناهشه الأيدي:

"تركوه حملًا نازفًا

هذا يعضّ وذاك يقطع"

فتبدو الذات وكأنها محاطة بعالم مفترس، لا يقدّم لها الحماية بل يمارس عليها أشكالًا متعددة من الأذى. هنا تتشكّل سيرة رمزية للجرح النفسي الذي يبدأ منذ التكوين الأول للذات ويستمر في مواجهة واقع يفتقر إلى الرحمة والعدالة.

ويتعمّق هذا المعنى في شكوى الشاعر من غياب الحامي والسند:

"ما من حميٍّ بينكم

ما من مهيبِ القول يردع"

فانعدام "الحميّ" و"مهيب القول" يشير إلى سقوط المرجع الأخلاقي والاجتماعي، وترك الفرد وحيدًا في مواجهة عنف جماعي صامت أو متواطئ. في هذا السياق يظهر المخاطَب بوصفه الآخر المنقذ الذي تحتاجه الذات لتستعيد شيئًا من توازنها الداخلي: فهو "بلسم العشّاق" و"سنديان الورد" و"البستان الأبهى" الذي ينمو فيه البنفسج ويزهو الغناء حتى "يصغي الصوان ويسمع".

سادسًا: البعد التاريخي والسياسي – المثقف في مواجهة القمع

لا يقوم الشعر السياسي الحديث –كما تؤكّد تجارب كثيرة– على المباشرة والشعار، بل يعتمد الرمز والاستعارة والقناع بوصفها أدوات أكثر قدرة على تعميق المعنى. ومن هذا المنطلق يستدعي الشاعر شخصيتي ابن المقفّع وزرادشت بوصفهما رمزين ثقافيين يتجاوزان حضورهما التاريخي المباشر.

فابن المقفّع يحضر هنا رمزًا للمثقف المضطهد الذي دفع حياته ثمنًا لفكره، بينما يُستدعى زرادشت بوصفه رمزًا للحكمة والنور في مواجهة الظلام والنار:

"مهلًا زرادشت اللظى

هيّئ جليسك خير مرتع

هذا سليلُك راكعًا

ويريد أن يبكي ويخشع"

يتحوّل الشاعر إلى "سليل" لزرادشت، أي إلى امتداد لسلالة رمزية من الحكماء الذين واجهوا القمع والعنف. ويؤدي الجمع بين الشخصيتين إلى توسيع أفق القصيدة، بحيث تتحوّل من تجربة شخصية إلى تأمّل في الصراع الإنساني الدائم بين الحرية والقمع، وبين المعرفة والعنف.

سابعًا: البعد الأخلاقي وانهيار منظومة القيم

لا يقتصر احتجاج القصيدة على الجانب السياسي المباشر، بل يمتدّ إلى المجال الأخلاقي. فالشكوى من غياب "الحميّ" و"مهيب القول" تكشف عن أزمة قيم بقدر ما تكشف عن أزمة سلطة:

"ما من حميٍّ بينكم

ما من مهيبِ القول يردع"

فالشاعر لا يرثي فردًا قُتل ظلمًا فحسب، بل يرثي تراجع المروءة، وانكسار هيبة الكلمة، وغياب الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه الضعفاء والمقهورين. ومن هنا يكتسب النص بعدًا أخلاقيًا عميقًا يجعل من الرثاء فعل مساءلة للواقع وقيمه المتآكلة.

الخاتمة

تنجح «مرثية إلى ابن المقفّع» في الجمع بين أصالة الشكل وحداثة الرؤية، إذ يوظّف جواد غلوم القناع الشعري والإزاحة الدلالية والصورة الرمزية داخل بنية عمودية متماسكة، فيحوّل الشخصية التاريخية إلى رمز إنساني، والجرح الفردي إلى وجع جماعي، والرثاء إلى احتجاج أخلاقي وسياسي. وتكشف القصيدة عن قدرة الشعر على تجاوز حدود التجربة الذاتية ليعبّر عن قضايا الإنسان والمثقف الحر في مواجهة القمع والتهميش، حيث يغدو الجمال نفسه فعل مقاومة في وجه القبح والعنف وانهيار القيم.

وبذلك تؤكد هذه القصيدة أن تجديد الشعر العربي لا يتحقق بالضرورة عبر مغادرة الأشكال التراثية، بل يمكن أن ينبع من داخلها عندما تُشحَن برؤية معاصرة وطاقة رمزية قادرة على إعادة إنتاج المعنى. ومن هنا تبدو القصيدة العمودية، في تجربة جواد غلوم، شكلًا حيًّا ومفتوحًا على أسئلة الحاضر، وقادرًا على احتضان رؤى إنسانية وجمالية تتجاوز حدود الزمن والمناسبة.

***

سهيل الزهاوي

......................

مرثية الى ابن المقفّع

أعــرفـتَ قــبـــرَ ابـن المــقـفّعْ

صــار الثــرى عـيـناً ومدمــع

قــوســـي تــكسّــر كالـزجــاجِ

فــمـا بــدا للــقــوسِ مـــنــزعْ

قــد كَـــثَّ رأســـي بــيــنــكـم

لــكــنّ عــطــفــكمــو تصــلّع

وبـقيــت انـت كمـا الضــحـى

أنــقـى مـن الرؤيـا وأنصــع

تــأتي الجــمــال بـساعـديــكَ

وتــقبــرُ القــبـــحَ المــقــنّــع

يا بـلسـمُ العــشّــاقِ ، تشــفي

كــلَّ ذي شــــوقٍ تــــوجّـــع

يــا ســنــديـــان الــوردِ فــي

بستـــانـِك الابــهى تــضوّع

وبــفــيءِ روضِـك قــد نــما

زهــرُ البــنـفســج ثــم أيْنــع

وزهــا الــغــنــاءُ بـــشــدْوهِ

فصغى الصوانُ وراح يسمع

اللــؤلـؤ المــكنــون لايَــبـلى

وإن يُـنــسـى ويظــلّ اروع

مـهــلاً زرادشــت اللــظــى

هيئ جليـسَك خــيـرَ مرتــع

هــــذا سـلــيــلُـك راكــعـــاً

ويــريدُ ان يــبـكي ويـخشع

قــد عـاش طفـلاً في المهادِ

ومــا رأى ثــدْيـاً ليــرضع

تــركـوه حــمْــلاً نــازفـــا

هــذا يعـضُّ وذاك يقـطـع

مـامِــنْ حَـمِيٍّ بــيــنــكـــم

مامِـن مَهيبِ القول يـردع

***

جواد غلوم

أحلام مستغانمي نموذجًا

يشهد المشهد الثقافي العر في العقود الأخيرة تحولات متسارعة في أنماط القراءة والتلقي، خاصة لدى فئة الشباب التي أصبحت تتعامل مع النصوص الأدبية ضم فضاءات رقمية وثقافية جديدة. وفي هذا السياق برزت كتابات أحلام مستغانمي بوصفها ظاهرة أدبية وجماهيرية تجاوزت حدود النخبة الأكاديمية إلى جمهور شبابي واسع. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين القراءة الشبابية وتحولات الخطاب النسوي في أعمال أحلام مستغانمي، من خلال الكشف عن الآليات السردية والجمالية التي أسهمت في إعادة تشكيل صورة المرأة العربية داخل النص الروائي، ومدى قدرة هذا الخطاب على استقطاب القارئ الشاب وإعادة إنتاج المعنى في ضوء المتغيرات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

الكلمات المفتاحية: القراءة الشبابية، الخطاب النسوي، أحلام مستغانمي، التلقي، السرد النسوي، الهوية الثقافية.

المقدمة

شهد الأدب العربي المعاصر تحولات جوهرية في تمثيل قضايا المرأة، تزامنت مع تغيرات اجتماعية وثقافية عميقة مست بنية المجتمعات العربية وأنماط تلقي النصوص الأدبية. وقد أسهمت الكتابة النسوية في إعادة صياغة العلاقة بين الذات الأنثوية والعالم، عبر تجاوز الصور التقليدية للمرأة بوصفها موضوعًا للسرد، لتصبح ذاتًا فاعلة ومنتجة للخطاب.

وتُعد أحلام مستغانمي من أبرز الأصوات السردية العربية التي استطاعت أن تؤسس خطابًا أدبيًا يجمع بين الحس الجمالي والوعي النقدي، الأمر الذي جعل أعمالها تحظى بانتشار واسع بين القراء الشباب. فقد تحولت رواياتها إلى فضاء تعبيري يلتقي فيه الهم الشخصي بالهم الجمعي، والبعد العاطفي بالبعد الفكري، مما جعلها مادة خصبة لدراسة العلاقة بين القراءة الشبابية وتحولات الخطاب النسوي.

إشكالية الدراسة

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس الآتي:

كيف أسهمت القراءة الشبابية في إعادة تشكيل وتداول الخطاب النسوي في روايات أحلام مستغانمي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات الفرعية:

ما الخصائص الجمالية والفكرية للخطاب النسوي عند أحلام مستغانمي؟

كيف يتفاعل القارئ الشاب مع هذا الخطاب؟

ما التحولات التي طرأت على مفهوم النسوية في المتخيل السردي المستغانمي؟

كيف ساهمت وسائل التواصل الحديثة في انتشار هذا الخطاب وتداوله؟

أهمية الدراسة

تنبع أهمية الدراسة من:

تناولها العلاقة بين الأدب والقراءة الشبابية في السياق العربي المعاصر.

الكشف عن تحولات الخطاب النسوي في الرواية العربية.

دراسة تجربة أحلام مستغانمي بوصفها نموذجًا للتفاعل بين الأدب والجمهور الشبابي.

الإسهام في فهم آليات التلقي الثقافي في العصر الرقمي.

أولًا: القراءة الشبابية وتحولات التلقي الأدبي

لم تعد القراءة في العصر الرقمي عملية فردية معزولة، بل أصبحت ممارسة اجتماعية تتداخل فيها التكنولوجيا مع الثقافة. فالشباب لا يكتفون بقراءة النص، بل يعيدون إنتاجه عبر الاقتباسات والمنشورات الرقمية والتعليقات التفاعلية.

وفي هذا السياق اكتسبت روايات أحلام مستغانمي حضورًا استثنائيًا، إذ تحولت مقاطعها السردية إلى نصوص متداولة على المنصات الرقمية، مما منحها حياة جديدة خارج الكتاب الورقي.

ومن منظور جمالية التلقي، فإن القارئ الشاب لا يتعامل مع النص بوصفه بنية مغلقة، بل يشارك في إنتاج دلالاته، وهو ما يفسر تعدد القراءات لروايات مستغانمي واختلاف تأويلاتها.

ثانيًا: الخطاب النسوي في مشروع أحلام مستغانمي السردي

لا يقوم الخطاب النسوي عند أحلام مستغانمي على المواجهة الأيديولوجية المباشرة، بل يتجلى عبر بناء ذات أنثوية تمتلك الوعي والقدرة على التعبير.

وتظهر المرأة في أعمالها بوصفها:

ذاتًا مفكرة لا موضوعًا للرغبة.

فاعلًا ثقافيًا يمتلك سلطة السرد.

كائنًا يبحث عن هويته في مجتمع متغير.

ويلاحظ أن الكاتبة تعيد صياغة العلاقة بين الرجل والمرأة بعيدًا عن الثنائية التقليدية القائمة على الهيمنة والخضوع، لتطرح نموذجًا أكثر تعقيدًا يقوم على الحوار والصراع والتفاوض الرمزي.

ثالثًا: اللغة الشعرية بوصفها أداة لتجديد الخطاب النسوي

تمثل اللغة أحد أهم عناصر نجاح التجربة المستغانمية لدى الشباب.

فالنص المستغانمي يعتمد على:

التكثيف الشعري.

الصورة البلاغية.

الجمل القصيرة القابلة للاقتباس.

المزج بين العاطفة والتأمل الفكري.

وقد ساهمت هذه الخصائص في جعل النص قريبًا من الذائقة الشبابية المعاصرة التي تميل إلى التعبير المكثف والسريع.

إن اللغة هنا لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تمارس دورًا ثقافيًا في إعادة تشكيل صورة المرأة وإنتاج خطاب جديد حول الهوية والحرية والحب.

رابعًا: المرأة بين الذاتية والهوية في المتخيل السردي

تكشف روايات أحلام مستغانمي عن انتقال المرأة من موقع التمثيل الرمزي إلى موقع الفاعلية السردية.

فالأنثى في نصوصها:

تروي تجربتها الخاصة.

تعيد كتابة ذاكرتها.

تواجه السلطة الاجتماعية والثقافية.

تسعى إلى بناء ذاتها المستقلة.

ومن هنا يصبح السرد فعل مقاومة رمزية ضد التهميش، كما تتحول الكتابة إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهوية النسوية داخل المجتمع العربي.

خامسًا: التفاعل الرقمي وإعادة إنتاج الخطاب النسوي

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولًا مهمًا في تداول نصوص أحلام مستغانمي.

فبدل أن تبقى الرواية داخل المجال الأدبي التقليدي، أصبحت:

مادة للنقاش الثقافي.

مصدرًا للاقتباسات اليومية.

أداة للتعبير عن المشاعر والمواقف.

وسيلة لبناء هويات شبابية جديدة.

وقد أسهم هذا التداول في توسيع دائرة تأثير الخطاب النسوي، وتحويله من خطاب أدبي إلى ممارسة ثقافية تتجاوز حدود النص الأصلي.

النتائج

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

أسهمت القراءة الشبابية في توسيع انتشار الخطاب النسوي لدى أحلام مستغانمي.

اعتمدت الكاتبة خطابًا نسويًا جماليًا يتجاوز الطرح الأيديولوجي المباشر.

لعبت اللغة الشعرية دورًا محوريًا في جذب القارئ الشاب.

أعادت الروايات تشكيل صورة المرأة بوصفها ذاتًا فاعلة ومنتجة للمعنى.

ساهم الفضاء الرقمي في إعادة إنتاج الخطاب النسوي وتداوله على نطاق واسع.

أوجدت كتابات مستغانمي نموذجًا جديدًا للعلاقة بين الأدب والقراءة الشبابية في العالم العربي.

الخاتمة

تكشف تجربة أحلام مستغانمي عن قدرة الأدب النسوي العربي على التفاعل مع التحولات الثقافية والاجتماعية المعاصرة. فقد استطاعت الكاتبة أن تبني خطابًا يجمع بين الجمالية الأدبية والوعي النسوي، الأمر الذي جعل أعمالها تحظى بقبول واسع لدى الشباب. كما أظهرت الدراسة أن القراءة الشبابية لم تعد مجرد فعل استهلاك للنص، بل أصبحت عملية إنتاج مستمرة للمعنى، تسهم في إعادة تشكيل الخطابات الثقافية وتداولها في الفضاء العام.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

...................

الهوامش

عبد الله الغذامي، المرأة واللغة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي، المركز الثقافي العربي.

محمد برادة، أسئلة الرواية وأسئلة النقد.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص.

Hans Robert Jauss, Toward an Aesthetic of Reception.

Wolfgang Iser, The Act of Reading.

المراجع العربية

أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، دار الآداب، بيروت.

أحلام مستغانمي، فوضى الحواس، دار الآداب، بيروت.

أحلام مستغانمي، عابر سرير، دار الآداب، بيروت.

عبد الله الغذامي، المرأة واللغة.

سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص.

محمد برادة، أسئلة الرواية وأسئلة النقد.

نبيل سليمان، النقد النسوي وإشكاليات السرد العربي.

عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية.

المراجع الأجنبية

Simone de Beauvoir, The Second Sex.

Elaine Showalter, A Literature of Their Own.

Judith Butler, Gender Trouble.

Toril Moi, Sexual/Textual Politics.

Hélène Cixous, The Laugh of the Medusa.

Hans Robert Jauss, Toward an Aesthetic of Reception.

Wolfgang Iser, The Act of Reading.

Roland Barthes, The Pleasure of the Text.

Pierre Bourdieu, The Field of Cultural Production.

Stuart Hall, Cultural Identity and Representation.

نتوخى من هذه الملامسة النقدية، الإصغاء لجمالية الانزياح الذي تشخصه وتستضمره النصوص الشعرية في ديوان " فكرة صائبة " للشاعر المغربي إدريس علوش، الصادر في طبعة أنيقة عن خطوط وظلال للنشر والتوزيع بعمان، في 91 صفحة، ويشتمل القصائد التالية: فكرة صائبة عني، لا تلمسه، "آل" هؤلاء، الطفل البحري ثانية، أمانوفا، " القريقية"، الليل مهنة الشعراء وكفى، دالية الذهول، سر الكتاب، شرفة الأطلسي، على نفس اليابسة.

ولعل أول ما تقع عليه عين القارئ المقبل على هذه الباقة الشعرية، عنوانها الرئيس " فكرة عني " الذي يمنحه" هوية الرسمية.. وهو الذي يثير في المتلقي حفيظة الذائقة المرجوة من قراءته وتلقيه، ويثير فضوله 1"، من هنا غدا الوقوف عند هذا العنوان الذي اختاره لما يتوفر عليه من إغراء وإثارة، وقبول التأويل.

وعليه، جاء العنوان جملة اسمية تتكون من لفظتين:

- " فكرة، الفكرة تدل صورة ذهنية واقتراحا من خلال عملية التفكير العميق والتأمل،

- أما عني أنا الشاعر، مما يحيلنا إلى تجانس.

- سيرة الأنا وسيرة الكتابة لدى الشاعر.

سيرة

وباستكناهنا لمفهوم الانزياح بداءة، يتبدى لنا أنه من الظواهر الأدبية الهامة في الدرس النقدي الذي يقارب النص الشعري على أنه لغة مخالفة للكلام العادي والمألوف، لأن النص الأدبي على الدوام يروم تحقيق هويته من خلال الشذوذ والاختلاف عن الخطاب المتداول.

وفي ضوء هذا الفهم ؟:3

منزويا

في المكان كعندليب المساءات

تشدو قصيدة الغياب

بمفردك فاكهة الموت

على مرأى من نوارس الضفاف

وتضرب موعدا للرحيل المبكر

ا

ل

م

ك

ر

يختار الشاعر نوعا من الانزياح يستند فيه إلى تقنية تشظية الكلمات، وفق حروف موصولة بلواحقها، على شاكلة ملفوظ " م ب ك ر ا "، كما في النموذج التالي

الشيء الذي لم يألفه المتلقي أضفى على التعبير لونا من ألوان الشذوذ والنشاز والتمرد على التقاليد الشعرية، بيد أن هذه التشظية، تنسجم والسياق الشعري الذي يتوخاه الشاعر من " الانزواء، الغياب، الموت، الرحيل "، مرايا تعكس تمزقات الذات وتشظيها، ومن ثم تحويل حروف الكلمة إلى فواعل شعرية تدعم الواقع النصي.

 إن المقبل على نصوص الديوان يثير انتباهه كثافة خرق قانون الربط بين وحدات النص بالتخلي عن أدواته، وهذا لا يعني خلو النص من أي رابط يصل بين جمله بل لجأ الشاعر إلى الاستعاضة عنه بربط من طبيعة نفسية، ومن نماذج هذا الإلغاء تبنى تقنية ترك البياضات:

" وكأسك..؟

هل شربته عن آخره أولا..؟

*

معك أنا في خراب النص،

واللحظة،

والقصيدة..

يتبنى النموذج أعلاه، تقنية ترك بياضات فارغة بين المقاطع، تعويصا للرابط التقليدي: وبالرغم من ما يجمع المقطع من تنافر " الكأس، والقصيدة "، كما يبدو للقراءة الأولى، لكن بالإنصات يقيم وحدة عضوية باطنية للنص تتجلى في تجانس لحظة النبيذ ولحظة الكتابة، و الشعر "الشعر نبيذ في زجاجة" على رأي الشاعر الفرنسي " غيوم أبولينير"

نصادف إلغاء ثانيا للرابط اختار تقنية الترقيم و*ارتقاء بهذا الإلغاء يختار الشاعر لمقاطعه الشعرية عنوان قصيدته "ا ل ق ر ي ق ي ة "

الترقيم

ولا يخفى استثمار الشاعر الذي يعد خرقا لنقاوة اللغة وصفائها، وبعودتنا لنصوص الديوان نلفي عنوان منشدا إلى توظيف اللسان الفر

ومهما تكن حوافز هذا الانزياح التركيبي، فإن للشاعر دوافعه الخاصة، أسباب نزول نصه الشعري، ولعل من أبرزها، تطلعه إلى تحقيق خصوصية نصية يختلف بها عن المألوف والأعراف الشعرية المتداولة.

***

عبد الله المتقي

اشتهر تولستوي على نحو خاص بثلاث روايات هي: «الحرب والسلام»، و«آنا كارينينا»، و«البعث». وقد تجلّت في هذه الأعمال بأكمل صورة أفكاره ورؤاه، سواء ما تعلق منها بالمجتمع بوصفه كياناً عاماً، أم بالإنسان الفرد وما يعتمل في نفسه من قضايا وأسئلة. غير أن رواية «البعث» تحتل مكانة خاصة بين هذه الأعمال؛ فهي ثمرة المرحلة الأخيرة من حياة الكاتب، وفيها بلغ انشغاله بالمسائل الأخلاقية والاجتماعية والدينية ذروته. ولم يكتفِ تولستوي فيها بتصوير الواقع أو نقد بعض جوانبه، بل سعى إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها المجتمع كله: العدالة والقانون والعقاب والملكية والدين والعلاقة بين الإنسان وضميره.

ومن خلال قصة الأمير نِخليودوف ومحاولته التكفير عن خطأ ارتكبه في شبابه، تتحول الرواية إلى رحلة طويلة في أعماق النفس البشرية، وإلى لوحة واسعة للمجتمع الروسي في أواخر القرن التاسع عشر، بكل ما فيه من تناقضات وظلم وآمال. ولهذا تبدو «البعث» أكثر من مجرد رواية؛ إنها شهادة أخلاقية وفكرية كتبها تولستوي وهو يقف عند منعطف حاسم من حياته، محاولاً أن يجيب عن السؤال الذي شغله طوال سنواته الأخيرة: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟

القصة التي ألهمت تولستوي

في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، روى رجل القانون الروسي الشهير أناتولي كوني لصديقه ليف تولستوي حادثة واقعية. وقد تأثر تولستوي بها تأثراً بالغاً، واتخذها فيما بعد أساساً لروايته «البعث». كانت بطلة القصة فتاة تُدعى روزاليا، ابنة مستأجر فنلندي أرمل. وبعد وفاة والدها انتقلت إلى منزل أسرة ثرية لتتلقى تربيتها هناك، حيث أغواها شاب نبيل من أسرة عريقة كان ضيفاً على أصحاب الدار، ثم تخلى عنها بعدما حملت منه. طُردت الفتاة من المنزل، وتدهورت حياتها تدريجياً حتى انتهى بها المطاف في عالم الدعارة، قبل أن تُقدَّم إلى المحكمة متهمة في قضية جنائية.

لكن المفارقة المأساوية تمثلت في أن أحد أعضاء هيئة المحلفين الذين نظروا في قضيتها كان ذلك الشاب نفسه. وعندما تعرّف إليها بعد سنوات طويلة، استيقظ ضميره وقرر التكفير عن خطيئته بالزواج منها وهي في السجن. وكان كوني، الذي شغل آنذاك منصب المدعي العام في محكمة بطرسبورغ، شاهداً على هذه الأحداث.

هزّت القصة تولستوي إلى حد أنه كتب في مذكراته في اليوم التالي: «فكرت كثيراً في هذه القصة طوال الليل». بل إنه طلب من كوني أن يحولها إلى عمل أدبي من دون أي إضافات أو اختلاقات. غير أن انشغالات كوني حالت دون تنفيذ الفكرة، وعندما عاد تولستوي بعد أشهر وسأله إن كان مستعداً للتنازل له عن الموضوع، وافق على الفور. وهكذا بدأ الكاتب العمل على ما كان يسميه في رسائله ومذكراته «قصة كوني».

استغرق إنجاز رواية «البعث» ما يقرب من عشر سنوات، غير أن ذلك لا يعني أن تولستوي انصرف إليها طوال هذه المدة دون انقطاع، بل كان يعود إلى مخطوطتها بين حين وآخر، تاركاً إياها أحياناً لأشهر أو سنوات قبل أن يستأنف العمل عليها من جديد. ففي عامي 1889 و1890 وضع المسودات الأولى متخيلاً إياها قصة قصيرة تنتهي بزواج البطلين ونيلهما السعادة. غير أنه لم يقتنع بهذه الخاتمة ولا بالإطار الضيق للقصة، فترك المشروع جانباً.

وعندما عاد إليه بين عامي 1895 و1896، كانت رؤيته قد اتسعت وتعَمّقت. فلم تعد المسألة بالنسبة إليه مجرد حكاية عن خطيئة وتوبة فردية، بل أصبحت وسيلة لكشف أوجه الظلم الاجتماعي والقضائي في روسيا القيصرية. عندئذ تحولت روزاليا إلى كاتيوشا ماسلوفا، وأصبح الشاب النبيل الأمير نيخليودوف، واتسعت القصة تدريجياً لتغدو رواية اجتماعية وفلسفية كبرى.

أما المرحلة الحاسمة فجاءت في عامي 1898 و1899. ففي تلك الفترة انكب تولستوي بحماسة كبيرة على إعادة صياغة العمل وتوسيعه. وخلال هذه المراجعات المتلاحقة تحولت القصة إلى رواية واسعة الأفق، ذات موضوعات سياسية واجتماعية ملحة. فقد رسمت صورة للفلاحين الذين أنهكهم الفقر، وقوافل السجناء في طريقها إلى المنافي، وعالم المجرمين، والطوائف الدينية المنشقة، والمنفى السيبيري وضحاياه من الثوريين. كما تضمنت إدانة صارخة للمحاكم والكنيسة والإدارة الحكومية والطبقة الأرستقراطية العليا، بل وللنظام السياسي والاجتماعي بأسره في روسيا القيصرية.

وفي تلك السنوات نفسها كان تولستوي بحاجة إلى المال للمساهمة في تمويل هجرة جماعة الدوخوبور(1) المضطهدة من روسيا إلى كندا، فباع حقوق نشر الرواية، وهي ما تزال غير مكتملة، إلى مجلة «نيفا». وقد فرض النشر المتسلسل على الكاتب عملاً مرهقاً ومتواصلاً؛ فكان يكتب الفصول الجديدة ويعيد تنقيح الفصول السابقة في الوقت ذاته الذي كانت المجلة تنشرها تباعاً.

ولكي يضفي على روايته أكبر قدر من الصدق والواقعية، زار تولستوي سجن بوتيركا في موسكو، وأجرى أحاديث مطولة مع موظفي السجون، واستمع إلى شهادات السجناء والحراس، ودرس بدقة أوضاع المحكومين بالأشغال الشاقة وطرق نقلهم إلى سيبيريا. وقد انعكست هذه الخبرة المباشرة بوضوح في الصفحات التي تصف عالم السجون والمنفيين، والتي تعد من أكثر أجزاء الرواية قوة وتأثيراً.

وكان من عادته ألا يرضى عن النص مهما بدا مكتملاً. فحتى بعد إرسال الصفحات إلى المطبعة، كان يستعيد البروفات ليواصل تعديلها، مضيفاً فقرات جديدة، ومغيراً الحوارات، ومعمقاً الأبعاد النفسية للشخصيات. ولذلك ظلت الرواية تتطور وتتغير حتى أثناء نشرها المتسلسل.

ومن أبرز ما طرأ على العمل خلال هذه المراجعات المتأخرة تغيير خاتمته نفسها. فالنهاية الأولى، التي كانت تنتهي بزواج نيخليودوف من كاتيوشا، بدت لتولستوي غير مقنعة من الناحية النفسية والفنية. ولهذا استبدلها بخاتمة أكثر واقعية وعمقاً، أظهر فيها البعث الأخلاقي الحقيقي لكاتيوشا، التي اختارت أن توحد مصيرها بمصير أحد الثوريين المنفيين إلى سيبيريا، بينما وجد نيخليودوف خلاصه في تحوله الروحي وإدراكه لمسؤوليته الأخلاقية.

وفي التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1899 وضع تولستوي النقطة الأخيرة في «البعث». وقد بدا هذا الحدث لمعاصريه رمزياً على نحو خاص، إذ جاء عند العتبة الفاصلة بين قرنين. فكتب الناقد فلاديمير ستاسوف: «بهذه الأعمال يختتم القرن التاسع عشر مسيرته ويستقبل القرن العشرون عهده الجديد». أما الشاعر ألكسندر بلوك فقد وصف الرواية لاحقاً بأنها «وصية القرن الراحل إلى القرن الجديد»، وهو وصف يلخص المكانة التي احتلتها «البعث» بوصفها آخر روايات تولستوي الكبرى، وأحد أهم الأعمال التي ودّع بها الأدب الروسي القرن التاسع عشر.

ولم تكن «البعث» مجرد رواية جديدة في مسيرة تولستوي، بل خلاصة تأملاته الأخلاقية والفكرية في الإنسان والمجتمع والدولة والدين. لذلك أثارت منذ صدورها جدلاً واسعاً، فتعرضت بعض فصولها للحذف والمنع في الصحافة الروسية، كما كانت من الأسباب التي دفعت المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى إصدار قراره الشهير عام 1901 بحرمان تولستوي من الانتماء إلى الكنيسة بسبب انتقاداته الحادة للمؤسسة الدينية الرسمية.

ومن المفارقات أن القصة الواقعية التي استلهم منها الرواية انتهت نهاية أكثر مأساوية من العمل الأدبي نفسه؛ إذ توفيت المرأة في السجن بمرض التيفوس قبل أن يتحقق مشروع الزواج والتكفير الذي كان الرجل يحلم به.

لهذا لم تكن «البعث» مجرد حكاية عن سقوط امرأة وندم رجل، بل صرخة أخلاقية مدوية ضد الظلم الاجتماعي والقضائي، وضد النفاق الديني واللامبالاة الإنسانية. وفي صفحاتها خاض تولستوي حواراً عميقاً مع عصره ومع الأجيال المقبلة، مجسداً فكرته الأساسية التي لخصها في إحدى أشهر عبارات الرواية: «ليس الناس مذنبين لأنهم أشرار بطبيعتهم، بل لأنهم لا يعرفون الحقيقة أو يرفضون أن يعيشوا وفقاً لها».

***

د. جودت هوشيار

............

(1) الدُّوخوبوريون (أو الدوخوبور) جماعة دينية روسية منشقة نشأت في القرن الثامن عشر. كانوا يرفضون التسلسل الهرمي الكنسي، والأيقونات، والطقوس الدينية الرسمية، ويدعون إلى نبذ العنف والإيمان بوجود الشرارة الإلهية في كل إنسان. وبسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له من الحكومة القيصرية، انتقل قسم منهم إلى القوقاز، ثم هاجر لاحقاً إلى كندا بدعم من ليف تولستوي

قِراءةُ فِي دِيوانِ حُسينِ الهّاشمٍيّ (اِحتيَالٌ عَلَى الفُصُولِ)

مِهادُ التَّقديمِ: لا شكَّ أنَّ اللُّغة الشعريَّة الَّتي هي لُغة الإبداع الشِّعري تختلف بطبيعة الحال عن اللُّغة التقليديَّة العادية التي هي لُغة الحياة اليومية؛ كونها تقومُ فنيَّاً على خاصيَّة الانحراف اللُّغوي والميل الانزياح التعبيري عن ما هو مألوف في السياق الُلغوي. فيا تُرى ما المقصود بمفهوم الانزياح؟ وما معنى مُصطلح الشِّعرِيَّةِ؟ وهذا ما نسعى إلى فهمه وتقريبه وتوضيحه في دراستنا النقدية لديوان الشاعر حُسين الهّاشميّ (احتيالٌ على الفصولِ).

إنَّ مفهوم الشِّعريَّة في أقرب تعريفٍ لها أو توضيحٍ دلاليٍ، تعني الاهتمام بالقوانين العامة الداخلية للشعريَّة، أو الالتزام بقواعد الفنِّ وآلياته التي تجعل من النصَّ الشعري أدبيَّاً مَحضاً. ولا تعني دراسة قصيدةٍ ماأو نصِّ شعريٍّ بعينه كما هو مفهوم عند بعض الأدباء إشكالاً أو فهماً خاطئاً.

لذلك أنَّ مفهوم الشِّعريَّة كما يُعرِّفُها تزفيتان تودوروف، هي" العلمُ الذي يَدرسُ الخصائص المجرَّدة للأدب، أي القوانين والبنيات التي تشترك فيها النصوص الأدبية". إذن الشِّعرية تعني علماً وليست الشِّعر نفسه كما يظنُّ بعضُّ الآخرين من الأباء والشعراء. وعلى وفق تعريف تودوروف فإنَّ مصطلح الشعريَّة يهتمُّ بالعموم وليس بالخصوص، وبما هو كليٌّ وليس بما كان جزئيَّاً.

والشِّعريَّةُ الحقيقيَّةُ تُركِّزُ بالدرجة الأولى على أهمية البناء النصِّي للخطاب الشعري، وعلى صلةِ العَلاقات الترابطية بين عناصره الأوليَّة بالدرجة الثانية، وبالتالي النظر إلى الاشتراطات والقواعد والآليات التي تمنحه الصفة الأدبية التي هي أساس الشِّعريَّة وأُسها البنائي المكين عند تودوروف. ومن باب فكِّ الاشتباكِ، فإنَّ الشِّعريَّة لا تنحصر على خاصيَّة الشعر فحسب، وإنَّما تهتمُّ بخطاب السَّرديات الحكائيَّة عامةً والأنواع الأدبية الأخرى، والعلاقات الداخليَّة العامَّة التي تحكمها ترابطيَّاً.

أمَّا المقصود بمفهوم الانزياح، فإنَّ الانزياحَ يعني كسر توقُّع المألوف اللُّغوي التعبيري العام وتحطيم أساس جُدُر سياقاته المعجمية الإطارية الآنيَّة؛ وذلك من خلال خروج النصُّ الشعريُّ وانحرافه عن خطِّ سكَّة نسق سياقاته التعبيريَّة المألوفة، أو ميله عن قواعده المعروفة في لغة الحياة العاديَّة التي هي بالطبع لُغة الاستعمال اليومي؛ بهدف إحداث تعبيرٍ إيحائيٍّ وجماليٍّ جديدٍ ماتعٍ لَذيذٍ.

لكون لغة الشعر تهدف إلى إحداث إدهاشٍ ذهني وإمتاعٍ نفسي وتأثير فنَّي كبير على لُغته المباشرة. وبما أنَّ الانزياح يقوم لُغوياً على انتهاك قواعد اللُّغة العادية، والانحراف عن سكتها النسقيَّة الراكزة؛ فإنَّ شعرية الانزياح اللُّغوي تقوم بنيتها التعبيريَّة والفنيَّة الأُسلوبيَّة على خرق مستويات عدِّةٍ من اللُّغة العامَّة؛ لتكون لُغة أدبٍ، وهذا الخروق الشعري السافر عن اللُّغة التعبيريَّة دفع الناقد والمفكِّر اللِّساني الفرنسي جون كوهين في كتابه (بنيةُ اللُّغة الشِّعريَّة) على إيجاد ثلاثة أنواع من الانزياحات اللُغويَّة في الشعر، وبالشكل التعريفي الأتي الذي يمكن أنْ ندرسه إجرائيَّاً:

النوع الأول-الانزياح الدلالي: الخاصّ بالدال والمدلول، أي إعطاء الكلمات والمفردات اللُّغويَّة معانيَ غيرَ معانيها الأصلية المألوفة للقارئ، وإلباسها ثوباً جديداً من بلاغة التعبير الصوري الشعري.

النوع الثاني- الانزياح التركيبي: وهو الذي يظهر جليَّاً في البناء التركيبي للجُملة ومخالفة نظامها القواعدي النحوي المعتاد في توخِّي النظم. وتبدو تمثُّلاته واضحةً في أُسلوبيَّة التقديم والتأخير وفي تقنية الحذف أو الفراغات أو البياضات المتروكة في بناء الجمل التي تكسر نظام المألوف السياقي المعتاد في الجملة؛ وذلك بخلق جملٍ شعريةٍ أكثر نضوجاً وبلاغةً وتعبيراً بنائياً وجمالياً جديداً.

النوع الثالث- الانزياح الصوتي (الإيقاعي): وهو ما يتعلَّق بنظام البنية الإيقاعية، أو ما يسمَّى بموسيقى الإيقاع الشعري الداخلي، مثل تقنية التَّكرار الصَّوتي أو الجناس البلاغي الذي يمنح اللُّغة الشِّعريَّة شَكلاً جماليَّاً وفنيَّاً ماتعاً ومحبَّباً لنفس القارئ الذي ينجذب إليه في آليات التلقِّي القرائي.

وعلى وفق تقسيمات جون كوهين الثلاثة لأنواعه، فإنَّ الانزياح التعبيري يهبُ النصَّ الأدبيَّ روحَ الشِّعريَّةِ، ويخلِّصُ اللُّغة العادية من الإملال والتقريريَّة والمباشرة الممقوتة والخروج بها إلى لُغة الإمتاع والإدهاش، ويفتح نافذةً تأمليَّةً للتأويل الفكري والتحليل الهرمنيوطيقي الذهني، ويُحرِّضُ المتلقِّي أو القارئ على المشاركة في إنتاج المعنى. بمعنى أنَّ الشعر في تكوُّناته الجديدة لا يُعيد إنتاج الواقعة الشعريَّة والموضوعيَّة، بل يُعيدُ تَشكُّلاتها الشكليةَ الجمالية إمتاعيَّاً وفنيَّاً.

إنَّ الشعريَّة الانزياحية لا يمكن أنْ تحدث أو تتحقَّق نصيَّاً إلَّا عندما تنحرف اللُّغة عن وظيفتها الأصلية العادية والإخباريَّة،، فتتحوَّل إلى لُغةٍ شعريةٍ لها مُوحياتها الفنيَّة والجماليَّة الابتداعيَّة المدهشة. وخلاصةُ القولِ، إنَّ الانزياح اللُّغوي والتركيبي والصوتي يُمكِّنُ الشاعرَ من تشكيل اللُّغة عبر المجازات اللُّغوية والاستعارة والتقديم والتأخير والحذف والتَّكرار الفنِّي، وهذا ما يمنح النصَّ الشعري الجديد طاقةً تعبيريَّةً إيحائيةً جديدةً في الحداثة الشعريَّة عبر آليَّات لُغة التعبير الرمزي.

والانزياح الشعري على الرغم من كون جذوره الأولى تعدُّ قديمةً وضاربةً بعيداً في أقبيةِ التراث العربي بشكلٍ من الأشكال ولم يكن مفهوماً بهذه الشاكلة الحداثوية كمصطلحٍ نقديٍ، بيدَ أنَّ أصولَهُ تنحدر من النقد الغربي وأدبه بمفهوم الانحراف أو التغريب كما هو عند أدب الشَّكلانيين الروس.

عَتبةُ العُنوانِ الشِّعريَّةُ (المَوضوعُ) = عَتبةُ الدِّراسةِ الّنقديَّةِ (المَنهجُ):

 (اِحتيالُ عَلى الفُصُولِ)، هي عتبةُ عنوان المُدوَّنة الشعرية الرئيسة، والتي هي بالطبع تعدُّ من أهُمِّ وأبرزِ عتبات النصِّ الشعري الموازي (الخِطابُ الشِّعريُّ)، وأكثرها حضوراً إبلاغيَّاً ووظيفياً. وهي بوابة الدخول الرئيسة إلى مدينة الشعر الفاضلة والنفاذ إلى عوالمها الداخليَّة ورؤاها السحريَّة.

أمَّا القسم الثاني من الدراسة النقدية الموسوم بـ (اِحتيالٌ في شعريَّةِ الانزياحِ)، فهوعنوان الدراسة النقديَّة الموازي لعتبة المدوَّنة الشعرية التي نشتغل عليها منهجيَّاً. وأنَّ تكرار لفظة (اِحتيالٌ) مرتين في عتبة الدراسة النقدية، ما هي إلّاَ رابط لتأكيد المعنى بين عنواني العمل الأدبي (احتيالٌ على الفصول)، والمشتغل النقدي للدراسة (احتيالٌ في شِعريَّة الانزياح)، أي قراءة في شعر حسين الهاشمي. والمعادل الموضوعي للمقاربة العنوانية الموضوعية بين عتبة عنوان العمل الأدبي، وعتبة الدراسة هو كلمة (احتيالٌ) بين الشعر والنقد، والموضوع والمنج النقدي الاشتغالي. ولعلَّ هذه المقاربة الإنتاجية التي هي إبداع شعري على إبداع نقديٍّ تحتاج لتفصيلٍ وتوضيحٍ وتقريبٍ للمعنى.

الشاعر في منتجة الإبداعي (احتيالٌ على الفُصولِ) يُخبِرُ القارئ في (ثُريَّا عنوانه) الإبداعي الكُلِّي الرئيس بأنَّه يحتالُ شعرياً وفكرياً وبلاغياً على الفصول. أي أنَّه يستعمل الانزياح اللُّغوي الدلالي كأداة (اِحتيالٍ) مُهمَّةٍ على المألوف التقليدي الرتيب، والذي هو احتيالٌ ماتعٌ ولذيذٌ على دورة الزمن الفلكية، أو ما يمكن أن نسميه بعملية تمرِّدٍ ذاتي على إيقاع الفصول الأـربعة وتقلُّباتها الزمكانية.

وبالنتيجة هي انحرافٌ أو ميلٌ في شِعريَّة الانزياح التي تعدُّ تغريباً في أُسلوبية التعبير البلاغي الفني الجديد. وعلى وفق ذلك التفكيك والتحليل اللُّغوي والدلالي للعنوان، فإنَّ هناك تَراسُلاً لفظيَّاً قويَّاً يكمن في تأكيد وتثبيت معنى دلالة (الاحتيالُ) كموازنةٍ اشتغاليَّةٍ بين العنوان الشعري والعنوان النقدي للدراسة. وهذا التراسل اللَّفظي الدلالي بين كلا الاثنين يُفسِّر العَلاقة الحميمية الوثيقة بينهما ويطرح السؤال الفكري التالي طالباً الإجابة عنه: كيف يكون الانزياحُ اللُّغوي احتيالاً شعرياً ونقدياً؟

-يكون الانزياح احتيالاً نقدياً تفكيكيَّاً عندما يكون الشعر احتيالاً إبداعيَّاً مُدهشاً وغَرائبياً؛ لأنَّ الكلام سيكون على تقنية مفهوم الانزياح نفسه، وليس على البنية الشِّعريَّة أو السرديَّة أو البنية الموسيقيَّة (الإيقاعية)؛ لذلك فإنَّ فكَّ الاشتباك بين الاشتغالين الإبداعيينِ (الشعر والنقد) يُلقي بالسؤال الإشكالي الآتي: هل الانزياح يُعدُّ خدعةً جمالية وفنيةً أم كشفاً حقيقياً وجوديَّاً؟

-بالتأكيد أنَّ الانزياح يعدُّ خُدعةٌ حداثيةٌ بلاغية لذيذةٌ ماتعةٌ للكشف عن الذات الشاعريَّة المُحتالة بالشعر على الواقع والمتمرِّدة فكريَّاً على الزمكانية والذاكرة والماضي، وعلى كلّ ما هو مَعطوبٍ تالفٍ لا يَنسجم مع روح العصر وتطلُّعاته المستقبليَّة التي تستمدُّ نسغَها الرُّوحي من أُسِ الاحتيال.

تَأثيثُ المُدوَّنةِ الشِّعريَّةِ (اِحتيالٌ عَلى الفُصُولِ):

إنَّ مُدوَّنة (احتيالٌ على الفُصُولِ)، للشاعر العراقي المَيسَّاني المثابر حسين الهاشميّ، والذي ينتمي إلى جيل التسعينيَّات أو أسبق من ذك التاريخ بكثير، والصادرة بطبعتها الأولى عام (2025م) عن دار الجسد للطباعة والنشر والتوزيع هي المجموعة الشعريَّة السابعة في ترتيب نتاجات الهاشمي وأعماله الأدبية الإبداعية المتعدِّدة. وتعدُّ هذه المجموعة آخر ما كتب الشاعر الهاشميّ في السنوات الثلاث الأخيرة من الأعوام (2018- 2020م). لكنْ الحقيقة أنَّ عُمرَ المدوَّنة ثلاثون عاماً.

وهذا يشي بأنَّ جذور هذه المُدوَّنة التأصيليَّة تَمتدُّ إلى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن؛ كونها قصائد مختارة من الأعوام (1990- 2020م)، أي من أصل ستة مجاميع شعرية أخرى سبقتها مع قصائد جديد لم تكن منشورةً. والتي تمثِّل باكورة نتاجات الشاعر وبواكير أعماله الشعريَّة السابقة من قصائد النثر التي هي آخر ما أنتجته قصائد الحداثة الشعرية العربيَّة، و(احتيالٌ على الفُصُول)، هي بالطبع تمثلُ بانوراما شعرية مختارة من أعمال الشاعر حسين الهاشميّ ونتاجاته الشعرية الإبداعية الكاملة.

حرص الشاعر الهاشميُّ كُلَّ الحرصِ أنْ يكون اختياره الدقيق لمُدوَّنته الشعرية (احتيالٌ على الفُصُول) اختياراً فنيَّاً لعتبته العنوانيَّة فيه من جماليَّات اللُّغة البلاغية الجديدة التي تجعل منه عنواناً انزياحيَّاً مُبهراً شَكلاً ومَضموناً يتضمَّن الكثير من السِّمات الفنيَّة الشعريَّة غير التقليدية العاديَّة.

أما العنوانات الأخرى لمجاميعه الشعرية السابقة التي اختار منها قصائد مدونته الشعرية (احتيالٌ على الفُصُولِ)، فهي الأخرى لا تخلو من خياراتٍ مدروسةٍ في توسيمها العنواني الرئيس الذي يجمع بين لُغة الانزياحيَّة الفنيَّة وشِعريَّة الموضوعيَّة التقريريَّة. وقد ارتأى أنْ تكون خياراتُ هذه القصائد من الأحدث كتابةً إلى الأسبق إنتاجاً شعريَّاً، وهي بالشكل الآتي كما وردت في الديوان:

الأولى: مجموعة (صَديقُنا خَطُّ الأُفقِ، 2018م). والثانية: مجموعة (الحَالمُ بِثيابِ المِهنةِ، 2012م). والثالثة: مجموعة (وَثيقةٌ في الهَواءِ، 2009م). والرابعة: مجموعة (مِنْ دُون احتراسٍ، 2005م). والخامسة: مجموعة (غَيمةٌ فِي عُكَّازٍ، 202م). والسادسة: مجموعة (حَارسُ المَناديلِ، 1990م).

وتمثِّل المجاميع الستة المُختارة للمدوَّنة الشِّعريَّة (احتيالٌ على الفُصُولِ) قمةَ الهرم اللُّغوي في أسلوبية الشاعر حُسين الهاشميّ الانزياحيَّة الشعريَّة، وعلامةً جماليَّةً فارقةً على دقةِ خياراته الفنيَّة وحرصه الشعوري. أمَّا العنوانات الداخليَّة الفرعيَّة للقصائد الشعرية، فهي الأُخرى تحمل نفس الروح الانزياحيَّة الوثَّابة، ولا تخلو من شطآن الروعة الفنيَّة والجماليَّة والفكريَّة التأمُّليَّة الجَمَّة.

شِعريَّةُ الاِنزياحِ فِي مَجموعَة (اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ):

إنَّ أولى بواكير شعرية الانزياح تَمثَّلَ ظهورها العَلني في عتبة التصدير التي سبقتْ عتبةَ الإهداء في هذه المُدوَّنة؛ لذلك فإنَّ عتبة التصدير الشعرية التي عمدَ فيها الهاشمي إلى أنْ تكون مقطوعةً شعريةً قصيرةً من قصيدةً نثريةٍ مُكثَّفةٍ تُمثِّل مفاتيحَ رمزيةً ودلاليةً إيحائيةً مشحونة بطاقة لخطابه الشِّعري في نصوصه الموازية الموجَّهة إلى أنظار القارئ اللَّبيب والمتلقِّي الواعي؛ ليفكِّكَ شفراتها اللُّغوية والدلاليَّة، ويَعمل بعين ثاقبةٍ على استقرائَها فنيَّاً وجَماليَّاً.

فهيَ مقطوعةٌ شعرية إشراقيةٌ تختزل عتباتِ الزمان والمكان لثلاثة عقودٍ مُتواليةٍ من السنين والفصول والذاكرة ودورة الحياة. إنَّها احتيال هجس الذات الشاعريَّة على هيبة الشعر واختراقه، إنَّها خدعة الشعر وبلاغته الثقافية الجديدة على دورات الزمن والفصول ومكانية الذاكرة الجمعية:

أَحيانَاً يَخلعُ السَّنوَاتِ

مَرضَاةً لِفصولِ مَا يَرتَدِي

وَفِي حَصَى أيامِهَا يَخلعُ الذَّاكرَةَ

مَرضَاةً لِفُصُولِ مَا يَنكسِرُ!...

(اِحتيالٌ عَلى الفُصُولِ، ص 6)

ومما يدلُّ على وقع سمادير الكدر وغشاوة ألم التَّوجّع والضيق والحَيرة والمعاناة استخدام الشاعر حُسين الهاشمي الدقيق النابه للفظة (السنواتُ) الدالة على دلالة الضيق، ولم يقل لفظةَ (الأعوامُ) الدالة على رخاء العيش الرغيد وبحبوحة السِّعةِ. فالهاشمي حُسين يخلع سترة السنين وينتزعها انتزاعاً من حياته الشخصية إرضاءً لحركة دورات الفصول الأربعة المتعاقبة، وامتثالاً لواعية الزمن. تلك التي يرتدي فيها الشاعر لباساً شعرياً مناسباً لثوب كل فصل من فصول الألم والمعاناة والوجع والتِّيهِ والتَّشظي الذي يعتصر النفوس ويدمِي القلوب المستهامة الحَرَّى.

ومثلما كان الانزياح الأسلوبيُّ قائماً في خلع سترة (السنوات)، فإنَّه جاري الفعل ذاته في خلع سترة (الذاكرة) وانتزاعها من حياته ارتضاءً ومرضاةً لتلك الفصول التي أصابها العَطب والتَّلف والاستهلاك، ولم يعد لأنساقها الثقافية المحطَّمًة وجودٌ كوني في مشاهد الحياتية. فهذا المقطع الشعري التصديري يمثِّل بوابة الدخول المهمَّة لعالمه الشعري، ومثابةً أُسلوبيةً زمكانيةً مهمَّةً لقراءة معجمه الشعري الانزياحي وفهمه في مثابات مدينته الشعرية الفاضلة، مدينة الاحتيال على الزمن وخداعه بالشعر المبالغ فيه جماليَّاً وفنيَّاً.

إنَّها أشبه بمقاربة تصديرية بين يوتوبيا حُريَّة الرخاء والسعة، وديستوبيا القَيد وفُوضَى الضيق والألم وشدَّة المعاناة التي مرَّت بها ذاكرته الجمعيَّة حيالَ قَساوة يَدِ الزمن المتطاولة على الإنسان. وقد دفعه هذا الشعور الجمعي الإنساني المشترك إلى المزاوجة بين الذاتية الضيَّقة والذاتية الجمعية الواسعة، ومن ثمَّ الانفتاح نحو هُوِيَّة الآخر.فكانت عتبةُ الإهداءِ مَوسومةً بفعل الزمن وتوجُّعاته له؛ لذلك تصدَّرت كلمات الفَقدِ والرِّثاء الصَّادق صفحة الإهداء إلى روح أبيه ووأُمِّه وأخيه بهذا الحجم.

فلنقرأ كيف وظف الهاشميُّ حُسين الظروف الزمانية المبنية والمُعْرَبَةَ (حينَ، منذُ، لحظةٍ) في تأثيث لوحته الانزياحية التصورية في المقاطع الثلاثة الآتية التي جعلها عتبات إهداء لأبيه ووأُمّه وأخيه، فقد جاء في المقطع الأول الرثاء التذكُّري الصادق لأبيه فقال هاجساً بحرارة الفَقدِ الأليم:

إِلَى رُوحَ أبَي:

حِينَ دَفعتنِي الرِيحُ إلَى الخَلفِ

تَذكرتُكَ وَتذكَرتُ بِأنِّي وَحيدٌ

وَحيدٌ.. دَفعتهُ الرِّيحُ إلَى الخَلفِ...

(احتيالٌ علَى الفُصُولِ، ص 7)

فريح الزمن العاتية كالنت سبباً مُباشراً في دفعه إلى الوراء، وكانت ناقوس خطر يَدقُّ لتُذكِّرَهُ به وتعمل على عزله ووحدته جانباً. وتجسَّدت حركة هذا الدفع انزياحاً دلاليَّاً لذاته الشعرية، وقد تأكَّدت حركة الريح في رجوعه إلى الخلف بتكرار هذه الجملة التي يدلُّ تكرارها على إيقاع نسقي صوتي داخلي انزاحَ فيه الشاعر. وضمَّنه بتقنية الحذف والإضمار الذي ترك فيه الهاشمي فراغاً تركيبياً يدلُّ على انزياحٍ جُملي تركيبي نحوي مُنظَّم اخترق فيه الشاعر قواعد الجملة الشعرية لغايات جماليَّة وبلاغيَّة بعيدة. ويأتي المقطع الثاني من عتبة الإهداء فيقول مهدياً:

إلَى أُمِّي:

مُنذُ بُزوغِ الكَونِ

كُلَّمَا تُبَعثِرُ الأشيَاءُ مَباهِجِي

لَا أَرغبُ فِي تَسلُّقِ شَيءٍ، لَا

سِوَى مُرتفعاتِ دُعاءٍ كَالهدِيلِ

فِي كَونِي المُبَعثَرِ.

(احتيالٌ علَى الفُصُول، ص7)

مرَّةً أخرى يوظّف الهاشمي افتعالات الزمن معه من خلال الأداة الظرفية الزمانية (مُنذُ) التي افتتح بها المقطع الثاني، وأكَّد فيها بانزياحه الدلالي والإيقاعي الصوتي رغبته بعدم تسلُّق المرتفعات والأشياء التي لا تحقِّق رغبته الوجودية في هذا الكون المُبعثر، وكان يسعى إلى أنْ يكون تسلُّقه نغمةَ هديلٍ أو صوتَ حمَامٍ يغرِّد بشجنه في عالمه الغريب المُشتت. هكذا يخترق الهاشمي زمانه ويحتال عليه بهذه اللغة الشعرية الشفيفة الواعدة بشحنات الحزن والألم الممزوج بخيوطٍ من الأمل. المقطع الثالث من الإهداء فكان أهداؤه لروح أخيه الأحبِّ الأوفى سميرٍ:

إلَى رُوحِ شَقيقِي سَميرٍ..

عَلَى طَرَفِ لَحظةٍ تَلهُو بِنَا

كَالأطفَالِ يُدَحرجُونَ غَيمتَهُم وَلَا يُبَالونَ..

كَيف َغَافلتَ المَسَاءَ وَالسَّمَاءَ

وَقَفَزتَ مِنْ حِكَايَا بَيتِنَا الصَغيرِ

إلَى حِضنِ قَمَرٍ جَائِرٍ وَحَزينٍ..

لَا يُغادِرُ سًقفً العُمرٍ أبدَاً...؟

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 8)

يستهل الشاعر مقطعه الثالث الذي خصَّ به شقيقه الفقيد سمير بالوقوف على شَفَا (لحظةٍ) من الزمن هي أقرب إلى هاوية السقوط. وقد سعى الهاشميُّ إلى أنْ تكون ذاته الشاعريَّةُ جمعيَّةً حتَّى انزاح شعرياً بكونه كالأطفال الذين يُدحرجون غيمتهم المُلَبَّدة ويَلقَون بها دونَ مُبالاةٍ أو كلعبةٍ تُدار بأيديهم. وهنا يفعل الانزياح الدلالي فعلته من خلال (طرفِ لحظةٍ)، و(يُدحرجُونَ) في حينَ الجناس الصوتي المختلف بن دالتي (المَساءِ والسَّمَاءِ) يؤكِّد بكلِّ وضوحٍ جماليات شِعريَّة الإيقاع الداخلي الصوتي لهذا المقطع الرثائي الصادق حينا أنسن القمرَ فجعل صورته الجميلة إنساناً حزيناً وجائراً.

والمقاطع الثلاثة تُدلِّل كُلَّ التدليل على شعرية الانزياح الانتهاكي للزمن والذاكرة المكانية والوجود الذي لم يعد وجوداً آمناً، بل صار مهدَّداً بالتطاول عليه والسقوط في شآبيب غيمته الماطرة. وهذه المقاطع على الرغم من صدق تكثيفها اللُّغوي وإشراقها المعنوي احتشدت بلغة الانزياحات الشِّعريَّة الثلاثة: ( الدلاليةُ والتركيبيةُ والصوتيةُ الداخليةُ)، فكانت مشحونةً بكمية الأسى والألم والضياع.

ومثل ما كتب الهاشميُّ رثاءً ذاتياً لأرحامه المقرَّبين، كتبَ قصائدَ وفاءٍ ومحبَّةٍ وتقديرٍ وتَبجيلٍ لكثير من الأصدقاء والشخصيَّات والرموز العالمية والمحلية القريبة منه والبعيدة عنه فكتب بصدقِ لـ (غارسيا ماركيز، ولسيزيفَ، ولغودوَ، ولحمزاتوفَ، ولرعد عبد القادر، ولدكتور لؤي حمزة عبَّاس، ولعيسى حسن الياسري، ولمُظفّر النَّواب، ولعلاء بشير، ولخالد الجيزاني، ولعلي عيدان عبد الله، ولجلال حسن)، و(للمكَاريد) من المُهمَّشين كما يحلو أن يُسميهم صديقه خالد الجيزاني.

وعلى الرُّغم من أنَّ (احتيالٌ على الفُصُولِ)، هي جملةٌ شعريَّةٌ إشكاليَّةُ تناقضيةٌ فيها الكثير من بلاغة المكر وجمال الخداع للحصول على شيءٍ من تلك الفصول بغير وجه حقٍّ، بيدَّ أنَّها في الوقت ذاته- تعدُّ تعبيراً لُغويَّاً مجازيَّاً محبَّباً لعنوانٍ شعريٍ رصينٍ يشدُّ وعي المتلقِّي، ويلفتُ نظر القارئ بموحياته النسقية المؤثَّرة؛ لِما فيه من تناقض لفظي صارخ واستعارةٍ بلاغيَّةٍ قويَّةٍ مؤثَّرةٍ الفعل.

وأنَّ هذه الموحيات اللُّغويَّة والجماليَّة تجعل من العنوان محاولةً لغويةً أُسلوبية إجرائيةً انزياحيةً لخداع الزمن نفسه واختراق قوانينه من أوسع أبوابه، أو للهروب من دورته الفلكية المعتادة في الطبيعة الحياتية الرتيبة. فالشاعر حُسين الهاشميُّ في جملته الاستعارية التشخيصية المكنيَّة (احتيالٌ على الفصولِ) يؤنسنُ الفصول المعنويَّة ويُحيلُها لإنسان هادئ يحتال عليه من خلال هذا الانتهاك.

إنَّ الهاشميَّ يحاول بجماليَّات لُغته جاهداً إيقاف دورة الزمن وعرقلته، أو تغيير عجلة مَجراه، وكأنَّ لسانَ حالهِ الآني ينطق قائلاً: (أنا الشاعر الأوحد أعيشُ خارجَ قوانين الطبيعة الكونيِّةِ) ونواميسها الفلكيَّة؛ من أجل إثبات وجوده الذاتي بآليَّات هذا الانزياح اللُّغوي التعبيري الأخَّاذ.

والانزياح الشعري على الرغم من أنَّ أصوله أتتْ إلينا من الأدب الغربي الحديث ونقده، فإنَّ فكرته في التراث العربي تعدُّ قديمةً، وإنْ لم تكن بهذا المسمَّى المتعارف عليه حالياً وحداثياً؛ لذلك فإنَّ الشاعر الهاشميَّ احتياله العذب الجميل على خصوصية الفصول الكونية واختراقه الجريء لدورة الزمن واستحضاره للمكان والذاكرة الجمعية تُحيلنا تداعياته الحدثية نقديَّاً إلى فكرة (سرقةِ الزمنِ) نفسها، وإلى محاولة فكرة (خُداعِ المُوتِ) اللَّتينِ وردتا في أشعار ومدوَّنات كثير من شعراء العرب القدامى، وخاصَّة الجاهليين من شعراء المعلَّقات السبع كاِمرِئ القيس بن حجر الكندي وغيره من شعراء الجاهلية وشعراءالإسلام الذين تطرقوا لهذه الفكرة الكونية في شعرهم القريض.

ولعلَّ هذا الغموض الفنِّي الذي يُغلِّف عتبة العنوان فيه من المُوحيات الدلاليَّة التي تُلمِّح بتمرُّد الشاعر وثورانه على الواقع الحياتي المعيش وتكسيره لعقابيل رهاناته التداولية، وبالتالي الخروج منه، ومن مُجاوراته الحقلية الدلاليَّة المُتمثِّلة بالهروب من حُمولات دورات ثنائية (الحزن والفرح) المتضادة التي تمثِّلُها عجلة الفصول الكونية الأربعة، والتي هي قمة الصراع الدائر بين الإنسان ابن العصر ودورات زمانه التي لا تعرف الوقوف؛ لذلك كان الهاشميُّ يَحتال على فصول زمانه بالتمرُّد الزمكاني تارةً، وبالاحتيال على الذاكرة تارةً أخرى، وعلى ربيعه وخريفه وصيفه وشتائه.

تَمثُّلاتُ الانزياحِ الشِّعريِّ:

للانزياح الشِّعري في ديوان حُسين الهاشمي (احتيالٌ على الفصولِ) ثلاثة أنواع من التمثُّلات الانزياحية: الأول الانزياح الدلالي، والثاني الانزياح التركيبي النحوي، والثالث الانزياح الصوتي.

1-الاِنزياحُ الدَّلاليُ:

تتجلَّى مظاهر الانزياح الشِّعري في شِعريَّة حُسين الهاشميّ وأكثرها حضورا وتأثيرا واسعاً بديوانه (احتيالٌ على الفُصُول) في انزياحاته الدلاليَّة التي تُعطي الكلمة معنىً دلاليَّاً غير مألوفٍ أو متوقَّعٍ في النفس للجمع بين الدال اللّفظي والمَدلول المعنوي بشكلٍ عجيبٍ وغير متوقَّعٍ، يَخلقُ فيها الشاعر صوراً جديدةً مبتكرةً في أُسلوبية التعبير المعجمية بلغةٍ شعريَةٍ ماتعةٍ ومُدهشةٍ على خلاف رِتْمِ اللُّغة العادية اليومية التي تستهلك الألفاظ والكلمات ولا تعطيها الجاني النسقي المُضمر فيها.

باعتبار أنَّ الشعر يأخذ الألفاظ نفسها وينزاح بها عن مكانها الحقيقي الأصلي، فيحتالُ الشاعر بالانزياح على قَيد لُغة الحياة المألوفة؛ لِيكسرَ الأُلفة بهذا التَّوقُّع الجريء المُفاجئ، ويُولِّدَ معاني أخرى جديدةً من خلال هذا الجمع الغريب بين ثنائيَّة الدال والمدلول؛ لِيَخلُقَ دلالةً جديدةً تختلف عما كانت عليه في الأصل، ويُحقِّقَ في الوقت ذاته المتعةَ الجمالية عند القارئ الذي يُذهلُ بها عقليَّاً وذهنيَّاً وفكريَّاً من خلال جُمل الشاعر التشخيصية الانزياحيَّة التي يبوح فيها متدفقاً شعوريَّاً.

ومثل هذا التوجُه العملي هو ما كان مركز اشتغالات الشَّاعر الهاشميّ في مجموعته (احتيالٌ على الفُصُولِ)؛ لذلك نقرِّبُ المسافة البنية في إشكالية الدراسة، فنسمِّي (الانزياحَ الشعريَّ) احتيالاً الذي حاول من خلاله حُسين الهاشميُّ خُداعَ إيقاع الزمنِ وتطويعه لفكرته شعريَّاً. واستمرأَ المألوف منه والذاكرة المكانيَّة بلغته الشعريَّة البلاغيَّة الجديدة التي انتهكت خطَّ المحيط الخارجي واحتالت عليه بالمفارقة الزمنية والنفسيَّة التي ترتبط بالانزياح في الشعر العربي الحديث، وخاصَّةً قصيدةَ النثرِ.

ولعلَّ قصيدة (خياناتُ قاربٍ لا يصدقُها البَحرُ) الدالة عتبتها العنوانية الرئيسة على وقعِ معانيها الانزياحية مليئةٌ بالانزياحات الدلالية اللَّفظية التي حرَّك فيها الهاشميُّ الساكنَ الجامدَ، وسكَّن فيها المُتحركَ المَائلَ بلغته الشعرية الواثبة التي ثُير فينا كوامن الشجن وتبعث همَّ النفوسِ على التأمُّل:

مِثلَ أُغنيةٍ تَئِنُّ فِيهَا الرِّيحُ عَلَى اِنفرَادٍ

وَنَحتشِدُ كَالمَدَى شَجرَةً عَارِيَةً..

(احتيالٌ على الفُصُولِ، ص 11)

لفظة (تئنُ) هي موضع الشاهد الدلالي على شعرية الانزياح اللُّغوي الذي صيَّرَ فيه الهاشميُّ الريح كإنسان موجع يئِن ويبكي من شدَّة الألم. وقد زاد على هذا الانزياح جمالاً حين جعل بُكاءَهُ وأنينهُ انفرادياً مَعزولاً عن أعين الآخرين ونظراتهم الاستعطافية القاتلة التي يمكن تفسيرها بِتجلٍّ.

ويأتي المقطع الأخير من قصيدة (سردٌ) مشحوناً بعلامات الرفض والاحتجاج والنفي وعدم اللِّقاء والتَّوحدُن بفصيلة واحدة مع (الطمأنينة) التي هي إحدى مُوحيات السلام والأمان. وأنَّ تكرار الفعل الماضي الناقص (ليس) الدال معناه على النفي والرفض مرتين أدَّى دوراً مهمَّاً في انزياح الشاعر الذي صيَّر فيه الدماء السائلة كشخصٍ ما يكتب بها سرداً عريضاً لأسمائه الأثيرة والمغيَّبة:

أيَتُهَا الطَّمأنينَةُ لَسنَا مَعَاً

لَسنَا مِنْ فَصيلَةٍ وَاحدةٍ

لَكِنَّ دِمَاءَكِ المُبَاحَةَ

تَكتُبُ بِالسَّردِ العَريضِ

أسماءَنَا المُغَيَّبَةَ... مَعَاً

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 22، 23)

إن الدماء المستباحة حينَ تكتبُ سرداً عريضاً واسعاً غير محدَّدٍ بزمن تعدُّ فعلاً حركياً دلاليَّاً غير مألوفِ التوقُّعِ؛ لذلك أن الشاعر الهاشميَّ قد كسرَ إيقاعَ الحدث وحطَّم صيانة الزمنِ حينَ منحَ الدماءَ صفةً فعليةً وهي الكتابة ولأسماء خصّها بصفة الغياب، وهذا أسلوب ماتع وجميل الإدهاش.

والعجيب في شعرية حسين الهاشميّ الانزياحيَّة أنَّه لا يكتفي فيها الشَّاعر بتمرُّده على الواقع الرتائبي وكسر أسوار رهاناته وعقابيله اليومية المألوفة فحسب، وإنَّما راح يتمرَّد بقوةٍ على حياته الشخصيَّة ويجلد ذاته الشعرية الإنسانية الراكسة ويجرِّدُها من واقع صفاتها الانطباعية المعروفة. وقد أشار الهاشميُّ إلى مُتواليات ذلك الجلد الذاتي في خواتيم قصيدته التساؤليَّة (أَثرٌ) مُصرِّحاً القول:

تِلكَ حَياتِي السَّائحَةُ تَتَسَكَّعُ مِنْ دُونِي

نَسيَتْ أقدامَهَا كَمَا يَبدُو

وَاحتَفَظتْ بِالأثَرِ...

(احتيالٌ على الفُصُولِ، ص 33)

فعل الذاكرة (تتسكَّعُ)، والفعل الماضي (نسيتْ). وقد أخذ الأثر النفسي بعيداً منه حين وهب حياته حُريَّة الحركة والسير، فجعلها إنساناً سائحاً يتسكَّع ويقضي وقت فراغه الممل بالنزهة. وفي الوقت ذاته منحها أقداماً حركيَّةً وعقلاً تنسى وتتذكَّر به ما يحدث في الأثر. ومثل هذا التصوير الشعري المُنزاح الذي باحَ به الهاشميُّ لم يكن مألوفاً صورياً في واقع الحياة التداوليَّة وفضائها الجمعي.

فأنسنة الأشياء وتشيؤها لم يكن أمراً ذهنياً متوقَّعاً، وقد أضاف الهاشميُّ لذلك الجمال الانزياحي جمالاً سِحريَّاً آخر حينَ جعل هذه الحياة المعنويَّة -التي تحيا من دونه- ذاكرةً إنسانية تحفظ الأثر. إنَّها فعل الذاكرة الفردية والجمعيَّة حينَ يُسافر بها الشاعر بعيداً عن سرب المألوف اليومي المعتاد. وأضاف إلى الانزياح الدلالي انزياحاً تركيبياً آخرَ تجسَّدَ بنقاط الحذف أو الإضمار الاستتارية التي اجتمعت بمقاطع القصيدة الأخرى، وشكَّلت معماريةَ وحدةِ القصيدة الموضوعيَّة والعضويَّة الكليَّة.

ونذهب في سياق انزياحاته الشعرية الدلالية إلى مرابط قصيدته (القَريةُ) الدالة على مثابتها المكانية المعروفة، والتي أهداها إلى شاعر الجنوب المغترب في منفاه الكندي عيسى حسن الياسري، والّتي نقف فيها على المقطع الأول منها الذي أسبغ عليه الهاشميُّ شيئاً من روح الياسري ومن شعريته الجنوبية العذبة حين جعله إنساناً بِأُمَّةٍ قبل أن يكون شاعراً مُبدعاً في مشهد الشعريَّة العراقية:

لِأنَّه؛ يَعودُ بِأكتافِ المَدينةِ

تَرمِي الطُّرقاتُ أنفاسَهَا مَعاطفَ لِلحنِينِ

وَلكِنْ يَخلعُ فَأسَ مَتَاعبِهِ

يَتزلَجُ الأبُ عَلَى غَيمةِ الذَاكرةِ

وَيَجلبُ القَريَةَ لِلبَيتِ...

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 100)

تحليلياً أنَّ مفتتح هذا النصّ الشعري الذاتي كان تعليلياً أو سببياً مفسَّراً بما قبله وبعده من حمولاتٍ فكريَّةٍ تحتفي بجلال شاعره الياسري المنشود بالوصف، وعلى وفق ذلك أو تلك السببية المفسَّرة فإنَّ جملاً شعريَّةً فاعلةً مثل (يَعودُ بأكتافِ المَدينةِ)، و(تَرمِي الطُّرقاتُ أنفاسَهَا مَعاطفَ للحنينِ)، و(يَخلعُ فَأسَ مَتاعبهِ)، و(يَتزلَّجُ الأبُ علًى غًيمةٍ الذَّاكرةِ) لم تكن أصداؤها الصوتية مسموعةُ لغوياً في الأُذن أو متداولة تقليدياً في قاموس الحياة العادي، ولم تكنْ متوقِّعةً في أذهان مشاهد التداولية؛ كونها مَشحونةً عاطفياً وإنسانياً بالصور الانزياحية الدلالية غير المعقولة سمعيَّاً.

بدليل أنَّ المدينة الكائن الوجودي والمعنوي الثابت الجمود لم تكن شكلَ أو هيأة شخصٍ له أكتاف بشرٍ أو حيوانٍ تتخيَّله حركيَّاً، وأن الطرقاتِ المُمتدَّة ليس لها أنفاس تعيش بها كإنسان على الهواء وتمضي باستمرارية الحياة، ولا يمكن أن ترمي معاطفها الأنثوية للحنين كما يرمي الشخص معطفه الذاتي ويخلعه عن نفسه، وليس للإنسان فأس متاعبٍ قاطعة حتَّى ينزعها من نفسه انتزاعاً، ولا يمكن أنْ يتزلَّج الإنسان العادي على فضاء غيمةٍ عاليةٍ ليس له وجودٌ مكانيٌّ فيها. والأروع أنَّ هذه الغيمة أو الغَمامة هي التي خُصَّت تعريفياً بغيمة (الذاكرةِ) الزمكانية للوجود المكاني الماضي.

فضلاً عن هذه الإشراقات الانزياحية الأُسلوبية التي باحَ بها الهاشميُّ أنَّه تمكَّن من جِلب الشاعر لقريته التي تمثِّل مثابته المكانية الأولى إلى بيته الأخير أو منفاه الاغترابي الخارجي البعيد عن وطنه الداخلي الأول. هكذا يخلق الشاعر الهاشميَّ معنىً شعرياً جديداً يحثُّ مجسَّات إحساسنا بالفعل والزمن ويستدعي عراقة الماضي بانزياحاته الصورية واسترجاعاته اللُّغويَّة الاحتيالية الماتعة كَحُلْمٍ بلغ المنال.

فالأفعال الخمسة المستقبلية الآتية: (يَعُودُ، وتَرمِي، ويَخلعُ، ويَتزلَّجُ، ويَجلبُ) أسهمت جميعها إسهاماً لغوياً وجمالياً كبيراً في تنوُّع انزياحات الهاشميِّ الشعريَّة، وأضفت عليها بعدًا جمالياً جديداً مُدهشاً لم يكن وقعه الحدثي مألوفاً في ذاكرة اللغة العادية المُكرَّرة الإسماع والترداد الصوتي.

لم تكن فُتوحاتُ الهاشميّ الشِّعريَّة وإشراقاته الانزياحيَّة الدلاليَّة مَقصورةً صورها البلاغية الجديدة على قصائد الديوان (احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ) الداخلية فحسب، وإنَّما قد تتجاوز خطوطها الطولية والعرضية العامة والخاصة ذلك الفضاء الشعري الضيق إلى عنوانات المجاميع الشعرية الأخرى التي اختار منها قصائد الديوان الاحتيالية بعناية وفعل إدراكي خاصٍّ.

فعنوانات مجاميعه الأخرى مثل، (صديقُنا خطُّ الأفق)، و(الحَالمُ بثيابِ المِهنةِ، و(وثيقةٌ في الهَواء)، و(غَيمةٌ فِي عُكَّاٍز)، عتباتٌ عنوانيةٌ مَلأى بصورها المجازيَّة الانزياحيَّة دلاليَّاً، وقد كسرَ بها الشاعر الهاشميُّ خُططَّ توقُّع المألوف الأفقي النسقي الرتيب. ودلَّلتْ على رؤياً حُلُميةٍ وتجربةٍ فلسفيةٍ شعريةً نافذةٍ في ظلال الحداثة الشعريَّة من خلال قصيدة النثر التي كانت إحدى أجناس الشعرية التي كُتبت بها هذه المجاميع الشعرية المعبِّرة عن فعل معجميَّة الهَاشميّ وقاموسه الكتابي.

وليس كلُّ هذا ما تجود به شعريَّة الهاشميُّ التعبيريَّة وبلاغته اللُّغوية الاحتيالية من انزياحاتٍ دلاليَّة، بل تعدَّت إلى مواطن أُخرى من قصائد الديوان الداخلية التي وشمها بهذا البوح الجمالي الذي انزاح فيه ليعبِّرَ عن صدق تجربته الشعرية وآيدلوجيته الفكريَّة بمجموعةٍ كبيرةٍ من قصائد الداخلية الفرعية التي جاء مقارباتها الدلاليَّة بحمولاتٍ فكريةٍ جديدةٍ غير مألوفةٍ مثل، (خياناتُ قاربٌ لا يصدقها البحرً، ونَشيجٌ عتيقٌ، وصَفيرٌ في الوَجهِ، وصديقُنا خَطُّ الأفقِ، وسوءُ فَهمٍ بِطعمِ البِلادِ، والمَكَاريدُ، وحقائبُ لِعبورِ الطَّائرِ، وَتَحتَ خَريفِ المَظلَّات، وَغَيمةٌ فِي عُكَّازٍ، وتَأجيلُ الجَحيمِ، والهُبوطُ عَلى مَدرجِ السُّؤالِ قَليلاً)، وغيرها من القصائد الموضوعيَّة الأخرى التي زَيَّنت الدِّيوان.

وقد حاول الشاعر حُسينُ الهاشميُّ أنْ يجمع في انزياحاته الشعرية بهذه العتبات العنوانية المُذهلة بين ثنائيَّات ضِديَّةٍ عَديدةٍ مثل (الماَدي والمَعنوي)، و(الثقيلُ والخَفيفٌ)، و(المَعقولٌ واللَّامعقولُ)، و(والمُمكنُ وغيرُ المُمكنِ)، وبين (المُتحركِ والساكنِ)، و(الذَّاتي والجَمعِي) للخروج من أثر الذاتية الفردية الضيِّقة والانفتاح نحو هُوِيَّة الآخر الجَمعي بلغةٍ شِعريةٍ مُعجميَّةٍ جَديدةٍ، وبأُسلوبيَّة تَعبيريَّةٍ تُشخِّصُ دورة الزمن وحركته الدائرية الفاعلة، وتجعله قابلاً للمكر والخديعة والتحوُّل؛ كون الانزياحُ يُعدُّ وسيلته اللُّغويةُ الناجعةُ في الاحتيال على تجلِّيات الذاكرة الزمكانية للماضي وأداته التَّعبيرية للوصول إلى الأهداف والغايات الإنسانية المنشودة عبر تجليَّات هذه الشعرية النثريَّة.

2-الاِنزيَاحُ التَّركيبيُّ (النَّحويُّ):

هو النسق الانزياحي الجديد والثاني في هذه المدوَّنة الشعرية الذي كسرَ فيه الشاعرُ حُسين الهاشميُّ آلياتَ التلقي المَعرفي وآفاقَ القراءة العادية شعرياً واحتال في التوقُّع الجُملي الشعري غير المألوف لخلقِ جوٍّ عاطفيٍّ مشحونٍ وتوترٍ فِعليٍ ودلاليِ مُؤثِّرٍ يَمنحُ الجملة الشعرية التركبية تقديماً وتأخيراً؛ وفقاً لضرورات البلاغة الشعرية الجديدة وانسجاماً مع مقتضيات تيار الحداثة الشِّعريَّة.

ويحاول الشاعر في الوقت ذاته المناورة في تأثيث نصوصه الشعرية بتقنية (القطع والوصل) النحوي اللجُمل من خلال استخدامه لخاصية (الحذف الإضمار) أوالاستتار، وترك الفراغات النُقطيَّة والبياضات السطورية كجزء مفتعل من عملية الاحتيال الانزياحي التركيبي الذي يُنْشِئُ به بناء هندسة عمارته الشعرية ويُحكمُ به أساساته الجُمليَّة المَتينةَّ وفق نظام شعري إبداعي تراتبيٍ جميلٍ.

وبهذه الاشتغالات الشِّعريَّة الواعية التي أحكم الهاشميُّ بها مركزية تأثيثها وصيانتها وتوخي نظمها القواعدي التركيبي الشعري تتحقَّق شعرية الاحتيال بثنائية (النجاح والانكشاف). والسؤال الذي يفرض نفسه علينا كقرَّاءٍ ومُتلقِّين ويَستدعي الإجابة عنه في هذا المَقام الكشفي من الدراسة، كيفَ نستشعر إمارات النجاحِ الشِّعري ونتلمَّس خيبات الانكشاف الشاعري في الخطاب الشعري؟

متى ما يَستشعرُ القارئ الواعي أنَّ الصورة الشعرية الانزياحيَّة قد خدعته تعبيرياً وامتعته جماليَّاً بنفس الوقت، يكون قد تَذوَّق لحظات نجاح الاحتيال الانزياحي في الشعرية. ومتى ما أباح الشاعر بفشل المحاولة وتعثُّرها إجرائيَّاً، تكون قد بانت لحظات انكشاف الاحتيال الشعري وظهر رمادها الناري المُنطفئ للقارئ والشاعر معاً، فنكون قد جنينا ثمار حصاده من النجاح وصدق الانكشاف.

والقارئ النابه الذي يتتبع بتؤدة قصائد ديوان (احتيالٌ على الفُصُول) التي بلغت نحو (64) قصيدةً، سيلحظ بنفسه أنَّ ثلاثة نصوص شعرية منها قد وردت دون أنْ تُذْكَر عتباتاها العنوانية، ولم يسمِّها الشاعر بأيِّ اسمٍ عنواني، بل تركها عمداً لتقدير القارئ الواعي ونباهته، وكانت التفاتةً إلماعية ذكيةً من الشاعر حُسين الهاشميّ أنْ يجعل من متلقيه النابه يُشاركه فعل الكتابة معاً وليس فعل القراءة والامتاع بها فقط، وهذا هو النسق المضمر الذي يرمي إليه في انزياحاته واحتياله الشِّعري.

هذه الممارسة الإجرائيَّة الفعليَّة التي قلَّما نجد شعراءَ الحداثة المبدعين قد وظَّفوها في مدوَّناتهم الشعرية الجريئة تُعدُّ أُولى مَحطَّات الشاعر الهاشميّ التطبيقية في اشتغالاته التركيبية الانزياحية. وقد فضَّلَ الشاعر أنْ تكون هذه النصوص خاليةً من ذكر العنونة ليس نسياناً أو إهمالاً، بل كانت ممارسةً اشتغاليةً قصديةً يستفزُّ بها وعي القارئ العادي والناقد، ويُحرِّض بها حركة تفكيره الراكد.

وبدلاً من أنْ يضع أسماء لهذه القصائد الثلاث وضع قوسين هلالينِ فقط هكذا ( )، وسطهما بياض فارغ وخالٌ من أيِّ تسميةٍ عنوانية. وكانت القصيدة الأولى منها وردت في الصفحة (14) من الديوان على التوالي، والثانية وردت في الصفحة (21)، والثالثة وردت في الصفحة (47).

وبوصفي قارئاً ناقداً أُشاركُ الهاشميَّ فعله التعبيري المِقدام وأسلوبه المنزاح في تركيب الجملة العنوانية الأولى للقصيدة، فَاختارُ لها العنوان الآتي: (لُعبةُ الزَّمنِ القَمِيءِ)، واختار للقصيدة الثانية العنوان (رائحةُ المَكانِ المُحتَضَرِ)، أمَّا القصيدة الثالثة فأختارُ لها هذا العنوان، (احتفاءٌ بغيابِ الذاتِ).

وأنَّ اللَّافت للنظر أنَّ القصائد الثلاث على الرُّغم من كونِ فواتحها أو مقدماتها الاستهلالية قد جاءت جميعُها خَبريَّةً تًعبيريَّةً عن الذات الشاعرية في تماهيها وتقاربها مع هُويَّة الآخر الذات الجمعيَّة، فإنَّ بعضاً من جملها الشعرية قد جاءت تراكيبها النحوية بفراغاتٍ نقطيَّةٍ هكذا (...) تنمُّ عن حذفٍ وإضمارٍ في استتاراتها الخفيَّة، وهذا يعدُّ فعلاً إجرائياً من متطلبات الحداثة وما بعدها.

وَتُركتْ تتماتها لتقدير القارئ الواعي وفهمه لتجلِّيات الوحدة الموضوعيَّة التي تجسِّدها الواقعة الشعرية الحدثية لكلِّ نصٍ شعريٍ من هذه النصوص الشعرية الثلاثة التي احتال فيها الشاعر حسين الهاشميُّ على واقعة الزمان والمكان وعلى الماضي والاستلاب الذاتي. وكان موقف الهاشمي من هذا الاحتيال النحوي التركيبي موقفاً وجوديَّاً وليس بَطِرَاً أو ترفاً زُخرُفيَّاً أو جمالياً شكليَّاً. ونماذج التطبيق الشعري لهذه النصوص تشهدُ وتدلِّلُ على موقفه الجمالي الفنِّي في جُلِّ اختياراته الشعرية:

يَا لِهذَا الجَدارِ...!

مُنذُ مَتَى يُلقِنُ بَحرَ غَرائبِهِ..؟

فِي نُومِةِ هَديرُ البَاعةِ

وَعِندَ مُوسيقَى ضِفافِهِ أنَامُ..

(احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 68)

لم يصف الهاشمي نوع هذا الجدار وقوته، بل كانت مناداته له استغاثةً تَعجبيَّةً منه، ولم يَقُلْ لنا أسباب نومه عند ضفافه التي فضَّلَ أنْ تكون تتماتُها لرأي المتلفِّي الذي يختار جواباً مناسباً لها.

ويتعالى صوت الشَّاعر الانزياحي وأُسلوبه التركيبي الماتع في نصِّه الشِّعري (مُمرَّاتٌ) الذي أهداه لصديقه الراحل الشاعر الميساني القدير علي عيدان عبدا الله وفاءً لذكراه الأليمة، وقد قسَّمه على أربعة مقاطع شعرية، كلُّ مقطع له واقعته الحدثية وصداه الرُّوحي والموضوعي في النفوس الِّتي تَستشعر رائحة الفقد وغياب الشِّعريَّة الحقيقية حزناً وأسىً عليه، حيث يقول واصفاً أثر خُطاه:

كُلَّمَا أمسَكَ بِالخُطَى

سَبقتهُ المُمَرَّاتُ إلَى النَّهرِ

وِإلَى نَجمٍ يَسقطُ مَا بَينَ يَديهِ

"هناك وأبعد"

(احتيالٌ عًلى الفُصُولِ، ص 71)

هذا هو المقطع الأول من قصيته (ممراتٌ)، والذي افتتحه الهاشميُّ بـ (كُلَّمَا) الشرطية غير الجازمة، والتي يُشترط في اسمها وجوابها أنْ يكونا فعلينِ ماضيينِ، الأول (أمسكَ)، والثاني (سَبقَ)، والانزياح التركيبي النحوي الذي احتال علينا فيه الشاعر يكمن موضعه الشاهد في الفعل الثاني (سبقته الممراتُ)، وكأنَّ المَمرَّاتِ رجلُّ له أقدام يخطو بها، وبدلاً من أنْ يبوح الشاعر مصرِّحاً فيقول إنَّ الممرات كالإنسانٍ لها أقدام سريعة أسرع من خطوات أرجل علي عيدان قال مُنزاحاً في تركيبه الجُملي الشعري (سبقتهُ المُمراتُ إلى النهرِ).يا لهُ من تَعبيرِ اختزل فيه الشاعر عجلة الزمن!

ومما زاد من حلاوة المقطع التركيببي وجماله سقوط النجم بين يديه، ولكنْ كيف كان السقوطُ؟ في مسافة مكانية كديوانِ الشاعر علي عيدان تتراوح بين البعيد والمُتوسِّط البُعد، وهذا ما أشار إليه الهاشميُّ باستخدامه للظرف (هُناكَ) الدال معناه على المكان المتوسِّط، والمسافة البعيدة بـ (أبعدُ).

أمَّا المقطع الثالث من القصيدة ذاتها كان موجِّهاً فيه التعبير إلى (الزَّمنِ) الذي منحه إنسانية مثل (الإرثُ المُتخفِّي)، فالإرث لا يتخفَّى، بل يُحفظُ ويُصانُ ويُوزَّع بعدالة الشرع والعرف الاجتماعي:

لِلزمنِ إرثٌ يَتَخَفَّى..

كًثيراً مَا يُواجهُكَ

فِي المَمرَّاتِ الفَصليَّةِ..

في المَمرَّاتِ إلَى الإفلَاسِ..

فِي المَمرَّاتِ الحَفيدِ..

بِعُيونٍ وَاسعةٍ لِلغُربَةِ..

(احتيالُ عَلى الفُصُولِ، ص 72)

لم يكتفِ الشَّاعر الهاشميُّ بالانزياح الفعلي (يَتخفَّى) الذي وصف به الإرثَ المَتروكَ، بل ذهبَ إلى تكرار ثلاث جُملٍ تجدُّدية): فِي المُمرات الفصليَّةِ..)، و(فِي المُمرِّ إلى الإفلاسِ..)، و(فِي المُمرِّ إلى الحِفيدِ..) وزاد على هذه الجمل جملةً تَجدُّديَّة رابعةً؛ لتأكيد بلاغة المعنى المقصود بهِ (الفضيلةُ، والإفلاسُ والحَفيدُ)، ونَزعِ الشَّكِّ عنها عند المتلقّي.

وعلى الرُّغم من أنَّ هذه الجمل الأربعة انتهت بنهاياتِ حَذفٍ نُقطيَّةٍ أو فراغيَّةٍ، فإنَّ الشاعر أهملها عمداً لتكون من شأنِ القارئ. وهذا الإجراء الانزياحي التعبيري للمقطع الشعري يُدلِّلُ كلَّ التدليلِ على أنه انزياح دلالي وتركيبي وصوتي (إيقاعي) احتال فيه الشاعر مجازيَّاً على متلقِّيه ليصل إلى مظاهر الجمال والإمتاع الذي يحبه القارئ في مثل هكذا انثيالاتٍ شعريَّةٍ مشاكسة للُّغة.

في قصيدته (غَرائبٌ يَوميةٌ) ينحرف الهاشميُّ في شِعريته الانزياحيَّة ويميل في احتياله الشعري علينا إلى تقنية (التقديم والتأخير) النحوي للجُملة الشعرية التي بنى عليها مقطعه الشعري. فلنقرأ المقطع الأوَّل من هذه القصيدة، والذي هو مُستهلها الأول؛ لكي نرى كيفَ وظَّفَ هذه الخاصيَّة التعبيرية لكشف الحقيقة الموضوعيَّة التي ألقتْ بظلالها على النصِّ الشّعري لُغةً ودلالةً وتركيباً:

فِي المَتاحِفِ لَيسَ هُنَاكَ دَينَاصُوراتٌ..

لَا هَياكِلَ لِلأُنسِ أيضَاً

وَلَا عَرباتٍ تَنقلُ الجِنَّ إلَى الأرضِ..

رَأيتُ هُناَكَ أَقنعةً خَلفَ المَرَايَا وَسَتائِرَ

تَكشفُ عَنْ زَيفِ المُهرجِينَ..

(احتيالٌ عَلَى الفُصُول، ص 88)

لو أمعنا النظر تأمُّليَّاً في تفكيك شفرات هذا المقطع الشعري الضارب في المكانية الشعريَّة لرأينا أنَّ الهاشميَّ ارتأى عامداً إلى أنْ يكون مُفتتح القصيدة أو بدايتها شبهَ جُملةٍ خبريَّةٍ (جاراً ومجروراً)، وبالتحديد عبارة (في المَتاحفِ). إجرائيَّاً خالف الشاعر النظام التقليدي النحوي المُعتاد عليه الرتيب في التركيب القواعدي، وبدلاً من أنْ يقول: (ليسَ هناكَ دَيناصوراتٌ فِي المَتاحفِ)، ذهب في تعبيره الشعري إلى تقديم شبه جملة الجار والمجرور (فِي المَتاحفِ)، فقال: (فِي المَتاحفِ لَيسَ هُناكَ دَيناصوراتٌ..)، ولم يكمل بقية ذيلِ الجملة وما يعنيه أويضمره عن تلك الديناصورات.

فضلاً عن ذلك أضاف تقنية الحذف لها جاعلاً من (في المتاحف) خبراً مقدَّماً لجملة (ليسَ) الفعليَّة الناقصة الدال معناها على النفي، مُفضِّلاً انزياحيَّة التقديم والتأخير على لُغة الحياة القواعديَّة العاديَّة لكسر إيقاع الرتائبية الواقعية، وليس ترفاً زُخرُفياً لفظيَّاً. ومما زاد من جماليته الشِّعريَّة الانزياحيَّة تقنية الحذف التي تخلَّلت هذا المقطع الشعري ومقاطع القصيدة الأخرى، فضلاً عن تَكرار جماليَّات (لا النافية للجنس) التي أكَّدت شِعريَّة الرَّفض الكُلي والنفي لها التي احتال بها الشاعر انزياحيَّاً.

إنَّ جماليات شعرية الانزياح التركيبي تختلف عند حسين الهاشميِّ من قصيدةٍ إلى أُخرى، فكلُّ قصيدةٍ لها طابعها البنائي والموضوعي العام، ولها مُناخُهَا الشعري الخاصُّ المغايرُ، وطبيعة طقوسها الموضوعيَّة، وإيقاعاتها الحدثية والمِهمازية التي تفرضها ذاكرةُ الواقعة الشِّعريَّة الزمانية والمكانية، فتأتي القصيدة النثرية بعذوبةٍ ضافيةٍ ومنقادةً تجرُّ أذيالها الشِّعريَّة إلى المُتلقِّي، وهي تمضي بواقعتها النفسية السِّحريَّة كما تمشي الفتاةُ الهُوينا على رسلها، فرحاً أو حزناً، أملاً أو ألماً وتأسياً. وهذا الشيء ما نستقرئه فنيَّاً وجمالياً بقصيدته الشموخية (آباء) التي يفتخر بها مُتحمساً:

بَينمَا أُسْدِلَتْ شِفَاهُ الحَربِ

عَثَرَ عَلَى نَفسِهَ يَنامُ وَاقِفَاً

وَيَداهُ مَشدودتَانِ إلَّى نَابضِ سَمَائِهِ

(احتيالٌ عَلى الفُصُولِ، ص 102)

لا يروق للشاعر في بوحه الشعري وتعبيره الأسلوبي أنْ يقول تعبيراً عامَّاً: (وضعت الحرب أوزارها) أو (انتهت الحرب الضروس). فهو يرى أنْ ذلك يُعدُّ تأطيراً وإملالاً ورتابةً ما بعدها رتابة، فكسر ذلك القيد التعبيري النسقي التقليدي بعبارة تركيبه النحوي فقال: (أُسدلتْ شِفاهُ الحَربِ)، أي أَغلقت فمها كأنها إنسانٌ له شفاه، ومما أضاف إلى ذلك الاحتيال الشعري هيبةً ووقاراً وجمالاً أنَّ نومه كان وقوفاً حينما عَثرَ على نفسه وسط هذا الجوِّ المفعم بانقضاء أجلِ الحرب الضَّروسِ.

وهذا الأمر يُحيل القول بأنَّ الهاشميَّ في انزياحاته التركيبية وأُسلوبه التعبيري القارّ لم يكن ميلهُ بطرَاً شعريَّاً باذخاً، وإنما كان لضروراتٍ حَتميةٍ تفرضُها تجلِّيات الواقعة الشعرية، وتَكشفُها انثيالات وَقَعِ الشعرية التي تعمل على تحطيم جُدُرِ الرتائبية التقليديَّة الصَماء بهذا الكسر النَّحوي للجملة، فيأتي احتيال الشاعر على اللُّغة التقليديَّة المألوفة في نظم تركيباته ودلالاته وإيقاعه الداخلي:

قَريبَةٌ مِنِّي أيتُهَا الخُطوَاتُ وَبَعيدةٌ..

لِأنَّكِ فِي حَبائلِ اليَابسَةِ

غَجَريَّةٌ دُونَ مَواسِمَ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 106)

هذا مقطع تركيبي من قصيدة للهاشميِّ بعنوان (غَيمةٌ في عُكَّازٍ) الذي شحنهُ الشَّاعر بزخةٍ من المعاني الدلالية الكثيرة. مكانياً، الغيمةُ في السَّماءِ والعُكَّاز في الأرض، والغيمةُ قد تكون موسميَّةً زمانيةً، والعُكَّاز في كل وقتٍ حاصل، والغيمةُ شيءٌ أو حُلُمٌ مَعنويٌّ خَفيفٌ في حينَ العُكَّاز شيءٌ ماديٌّ ثقيلٌ، الغيمةُ تدلُّ رمزيَّاً على الهطول والحركة والاقتدار بَينما العُكَّاز يَدلُّ على العجز وصعوبة الحركةِ وعدم انتظام حركة السير. فضلاً عن جماليات طبيعة المقاربة بين قريبة وبعيدة.

فهذه المقاربة التناقضيية بين دالتي (الغيمة والعكَّاز)، هي ما دفعت بحسين الهاشميِّ إلى رسم لوحاتها الواقعية وأبعادها التجريبية الشعرية فنياً وجمالياً حينما شبَّهَ المٌتحرِك بالجامد الميِّت من خلال هذه التضاديات المتشابكة بينهما. فكيف تكون هذه الغيمة (النادرة) قريبة منه تارةً وبعيدة عنه تارةً أُخرى أشبه بالخُطى ؟ وهذا ما يسعى إليه الشاعر في صور انزياحاته الشعريَّة المتواثبة.

-إنَّ تعدُّد الصفات التناقضية مثل (قريبة وبعيدة) يعني تحايل على قانون الجملة القواعدية وعلى االتشبيه أو التشابهة بينهما. فالغيمة تكاد تكون قريبةً منه عندما تسقطُ في الأرض، وتبعد عنه عندما تكون في أعالي السماء، مثلَ خُطواته العاجزة التي يُقربُها العُكَّاز، ويَبعدُها مَسافاتٍ طويلةً. فخطواته الوئيدة أشبه بغجرية تعيش على اليابسة، ولكن ليس لها مواسم ما.

خاصَّةً وأنَّ الشَّاعر الهاشميَّ قد احتال علينا بلغته الشعريَّة حين شبَّهَ الشيءَ المَعنوي (الغَيمةُ) بالمادي (الخُطوات أو العكاز). وبهذا التحليل تكون الغيمةُ التي هي خفيفةٌ في مَبناها وثقيلةٌ في مَعناها (الأمل والخيال)، قد انزاحت كُليَّاً عن المألوف الواقعي فصارت شعراً غرائبياً حقَّقَ إبداعاً وابتداعاً مُهمَّاً في المتعة والإثارة والإدهاش عند القارئ.

3-الاِنزياحُ الصَّوتِي (المُوسيقِي):

وبما أنَّ مُدوَّنة (احتيالٌ على الفُصُولِ)، هي مجموعةُ نُصوصٍ شعريَّةٍ من جنس قصيدة النثر الشعرية الحديثة، وليست قصائدَ عَموديَّة أو تفعيليَّةً (حُرَّةً)، لها إيقاعها الخارجي (وزناً وقافيةً)، وموسيقاها الداخلية التي تميزها عن جنس النثريَّة الشعرية. فإذن الانزياح الصوتي عندَ حُسينِ الهاشميِّ مَقصوراً على توقُّعاتِ الإيقاع الداخلي للجُملة الشِّعريَّة النَّثريَّة، وخاصَّةً عند نزوع الحالة النفسيَّة أو حدوث الدفقة الشُّعورية التي تتعلَّق بالإيقاع الداخلي الصوتي الدلالي للدفقة الشِّعريَّة.

والحضور الفاعل لخاصيَّة أو تقنية التَّكرار الصوتي الحّرفي، والتَكرار اللَفظي للكلمة سواءٌ أكانت (اسماً أو حرفاً أو فعلاً)، والتكرار الجُملي أو المقطعي أو التكرار الجزئي، فضلاً عن التوقفات الجُمليَّة الشعريَّة وجماليات الطِّباق والبياضات السُّطوريَّة التي تظهر على الصفحة، والَّتي صارت جميعها هي الموسيقى الداخلية لقصيدة النثر الشعرية المائزة، فضلاً عن نسغها الصوري.

هناكَ سؤالٌ إشكاليٌّ مُلِحٌّ، لماذا يَنزاج الشاعر صوتيَّاً في إيقاعه الشعري الداخلي؟ وما الغايةُ أو السِّرُّ من ذلكَ الانزياح الأُسلوبي والانحراف التعبيري؟ وهل هو انزياح من أجل البطر والترافة أم من أجل الوجود الشعري؟ - من المؤكَّد أنَّ اللغة العاديَّةَ وظيفتها الأساسيَّة هي الإبلاغ والتوصيل والإخبار الإشهاري، أو كما يَفهمُها اللُّغوي ابن جنِّي ويُعرِّفُ حدِّها اللغوي، بأنَّها" أصواتٌ يُعبِّرُ بِها كُلُّ قَومٍ عَنْ أغراضِهم" الحياتية.

بمعنى ذلك أنَّ اللُّغة العاديَّة (لُغةُ الحياة اليوميَّة التداولية) لا تلفتُ انتباهك ونظركَ وتركيزكَ جَيِّداً إليها نفسها أو تُثير هواجسكَ المعرفيَّةَ وقلقك النفسي؛ كونها تقريرية عاديةً هامشية لا مَتنيَّةَ.

وهنا يأتي دور الشاعر الفذِّ فَيحتالُ على هذه اللُّغة، ويخدعنا بانزياحاته، وانجرافاته التعبيريَّة. وهنا أيضاً لا بُدَّ من التفريق بين صفتي الاحتيال الشعري، والكَذبِ الشِّعري المُهمَّين، فالاحتيال الشعري ليس هدفه التضليل الكاذب، بل يكشف للقارئ أو المتلقِّي لهذهِ اللُّغة الشعرية ما لم يكن يراه باللُّغة التقليديَّة أو العادية فَيُصدِّقُهُ. فلو قلنا في التعبير العادي جملة: (الزَّمنُ يَمضي) يختلف عن قولنا بلغة الانزياح الشعري: (الزمن يلبسُ عُكَّازاً)، أو نقول: (غَيمةٌ في عكاز) كما أراد حسين الهاشمي انحرافياً في قصيدته لهذه الغيمة الشعرية المُلبَّدة بالخير، العكَّاز النذير بالعجز أو للواقع.

وبهذه التجلِّيات الدلالية والتركيبية والصوتية الإيقاعية تنكشف جليَّاً حقيقة وأهداف الاحتيال الشعري، وتتفكك قواعدها الشِّعريَّة عند الشاعر حُسين الهاشميِّ بوصفها موقفاً وجوديَّاً خاصَّاً به، وليس موقفاً آليَّاً شكليَّاً وَزُخرفياً أو تَرفيّا باذخاً يسعى لتحقيقه في هكذا تعابير واحتيالات شعريِّةٍ.

يُعدُّ التَّكرار اللَّفظي للكلمة أداةَ الشَّاعرِ التعبيريَّة النافذة، ووسيلته الجماليَّة المُتجدَّدة في بثَّ انثيالاته الشعرية الإيقاعية الصوتية الداخلية للوصول إلى مرافئ أهدافه وغاياته المنشودة، ورؤاه التطلُّعيَّة الموعودة للتعبير عن آفاق آيدلوجيته الفكرية وتجربته الذاتية النابعة من واقع ضمير الأُمَّة، ومن رحمها الإنساني تُجاَهَ ما يحدث لرهانات الواقع المَعيش، وما يمكن أنْ يحدث آنيَّاً حاضراً ومستقبليَّاً.

وفي هذا التأصيل النظري للشعريَّة الانزياحيَّة تأتي قصيدة الشاعر حُسين الهاشميّ (أّمطارٌ) في ثلاثة مقاطع شعرية متراتبةٍ لتشتغلَ في ثلاثة مواضع مَطريَّةٍ على هامش الذاكرة الفكريَّة وعلى الواقع اللَّحظوي المعيش بمختلف أشكاله، وعلى المنفى المكاني، وعلى زمكانية الحدث.

والهاشميُّ وفق ذلكَ يُقسِّم نصَّه الشعريَّ إلى ثلاثة أحايين تتجدَّد صوتياً ودلاليَّاً. فيأتي المقطع الأوَّل (أحياناً سُقوفُ الفكرةِ تَكونُ وبَالاً)، والمقطع الثَّاني (أحياناً تَكونُ اللَّحظةُ تَشبيهاً)، والمقطع الثالث (أحياناً بَعضُ الفُصولِ نداءٌ..). وهكذا تظهر التمظهرات الحينية بتراتبٍ شعري واثب ومُتئدٍ.

فكلمة (أحياناً) هي اللَّفظة المفتاحية المحورية التَّكراريَّة المؤكِّدة للفعلية الحدثية والزمانية التي ينطلق منها الشاعر في بثِّ مقاطعه الشعرية الثلاثة، وكأنها توحي بما يضمرهُ الهاشميُّ من أفكارٍ تُجدُّديَّةٍ مُستترة وخطيرةٍ في هذه المقاطع المَطرية الثلاثة الهاطلة على المتلقِّي (زخَّاً وَتِسكاباً).

حيثُ تشي إيقاعاتها الصوتية مُخبرةً عن وحداتها الموضوعيَّة بأنَّ رُؤوسَ الأفكار المصيريَّة قد تكونُ أمراً وبَالاً على صاحبها، وأنَّ وقعَ اللَّحظة الحاسمة قد يكون مجردَ تشبيهٍ مُنزاحٍ، وأنَّ زمكانية بعض الفصول قد تكون نداءً صوتياً وتَنبيهاً لتقلُّبات الزمن وفعل تطاوله الحركي المُريبِ:

أحيانَاً سُقُوفُ الأفكَارِ تَكونُ وَبَالَاً

عَلَى مَأمنِ ذَاكرةٍ نَائِمَة

(اِحتيالٌ على الفُصُول، ص 92)

فإذا كانتْ شِعريَّةُ الانزياح قد كُتبتْ بهذه الصورة التعبيريَّة التأكيديَّة لكلٍّ مقطعٍ من مقاطع القصيدة الثلاثة،؛ فإنَّ تقنية تأثيث القصيدة قد جاءت مرتبةً بنظامٍ هندسيٍ معماريٍّ جميلٍ، فكلُّ مقطع له وحدته الفرعيَّة الثيمية الموضوعية ودلالته المضمونية (القيمية)، وله رِتمُ وقفته الشعورية التي انتهت بانتهاء المقطع نفسه بوضع علامةِ نجمةٍ، وكأنَّه قصيدةٌ قائمةٌ بذاتها العضويَّة القارَّة.

أمَّا الفعل المضارع (تَكونُ) الذي تَكرَّر مرتين فقد أسهم إسهاماً كبيراً في رسم اللَّوحة المُستقبليَّة الحينية أو (الأحيانية) التي كَان يَظنُّ بها الشَّاعر ما يحدث، وما يمكن أنْ يحدث له في الأحايين الثلاثة الأخرى المُعبِّرة عن فكر اشتغالاته التعبيرية عن (الواقع والذاكرة والزمن).وهنا تظهرأهمية الانزياح الصوتي الإيقاعي في احتيالات الشاعر الشعريَّة والشُّعوريَّة مَعاً حيالَ فصوله الزَّمكانيَّة:

أيُّ المَرايَا فِي تِلكَ المَخلوقاتِ:

* الفُوضَى

* الوَهمُ

* الخِيانَةُ

لَا الفُوضَى تُساوِي الوَهمَ..

لَا الوَهمُ يُساوِي الحُبَّ..

لَا الحَبٌّ يُساوِي الخِيانَةَ..

لَا الخِيانَةُ تُساوِي

مَا يَرَى وَمَا لَا يُرَى

فِي تِلكَ مَرايَا المَخلوقاتِ (احتيالٌ عَلى الفُصُول، ص 90)

يَضعنا حُسينُ الهاشميُّ في قصيدته (مَخلوقاتُ) الدالة عتبتها على معانيها الإنسانية والموضوعية المتناقضة إشكاليَّاً أمام أربعة خَياراتٍ اجتماعيةٍ وإنسانيَّةٍ، واضعاً في ذهنه تساؤله الفكري الآتي: أيٌّ من هذه المخلوقات الأربعة يُمثِّل المَرايا الصادقة في تساويه. الفوضى أمْ الوهمُ أمْ الحبُّ أمْ الخيانة في ما يُرى ما من الأشياء وما لا يُرى من تلك المخلوقات الكونية التي شغلتْ بَالَهُ كثيراً؟

-إنَّ الأكثر تأثيراً في بوح الشاعر وانثيالاتِ هذه القصيدة التكثيفية احتشاده التَّكراري لخمسةٍ من اللَّاءات النافية للمساوات والمقاربة ما بين هذه الفرضيَّات الفعلية الأربعة التي أطلق عليها جُزافاً اسم مخلوقاتٍ؛ كونها مؤثِّرةً وتشكلّ جزءاً من حياة الوقع الجمعي الكبير، فإنَّ تردُّدات (لا) النافية الخمسة وتكرارها بهذه الشاكلة التراتبية على شكل متواليةٍ حرفيةٍ يَمنحُ القصيدةَ النثرثيَّة إيقاعاً موسيقياً داخلياً وتأكيدياً، وُيسبغ على معانيها شيئاً من الروح الفكرية الهاجسة بهذه الدفقة الصُّوريَّة.

فهذه اللَّاءات الحرفية الخمسة المتكررة بقدر ما هي أدوات نفيٍ حرفيةٍ في التركيب الجُملي البنائي؛ فإنَّ وظيفتها الإيقاعية الداخلية هي تكرار الفعليَّة الحدثية للزمن وعدم القبول بهذا الواقع المُزري، وهي في الوقت ذاته دلالةٌ قاطعةٌ على صلابة الاحتجاج الشعري الذي يبوح به الشاعر.

ونذهب في خياراتنا الصوتية الأخرى إلى قصيدة (عَناقيدٌ يَوميَّةٌ) الفائزة بجائزة مركز النور الثقافي العالمية في السَّويد عام 2008م؛ لنرى كيفَ وظَّف حُسينُ الهاشميُّ تقنية التكرار الصوتي الإيقاعي الداخلي في المقاطع الثلاثة لقصيدته الطويلة المكثفة التي اشتغل عليها في احتيالاته الشعرية؛ لِيُمتِّعَ القارئ بنغم جَماليَّات توقعاته الصوتية هذه المرَّة اختار الشاعر لنا مفردة (الأسى) المشحونة؛ كونها إحدى أدوات الشَّاعر النفسيَّة الخارجة لفظيَّاً من رَحِمِ المُعاناة النفسية الجيَّاشة. وجاء المقطع الأول من القصيدة ذاتها ليؤكِّد لنا أنَّ دالة (الأسى) تُبذرُ فَتُولدُ من رَحِمِ الأزقة المكانية:

الأَسَى مِنْ دُونَ ضَجِيجٍ...

يُولَدُ مِنْ رَحمِ الأزقَةِ

وَتَستطيلُ عُيونُهُ بَحثَاً عًنٍ الشَّمسِ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 54)

ويأتي المقطع الثاني من القصيدة مُتسائلاً ومُبيِّناً لنا أنَّ وقع (الأسى) لا يمكن إيقاف أثرهِ النَّفسي والحَياتي في حقول عدةٍ مثل، الحُروبِ، والحُقولِ والمَقاهي والحُبِّ والأحلامِ، وغيرها من الحقول:

الأَسى مِنْ دُونَ ضَجيجٍ

مَنْ يُوقفهُ فِي الحُرُوبِ

وَفِي الحُقُولِ وَفِي المَقَاهِي

وَفِي الحُبَّ والأَحلامِ

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 55)

ولم يكتفِ حُسينُ الهاشميُّ بتَكرار إيقاع الأسى وتجدُّده في المقطع الثاني، وإنما راح يتساءلُ عمن يستطيع إيقافه بتكرار جرف الجر (في) ثلاث مرَّاتٍ في متواليةٍ صوتيةٍ اشتغل فيها على دوال حقلية ثلاث: (في الحقولِ)، و(في المقاهي)، و(في الحُبِّ والأحلامِ)، فإنَّ مثل هذا التكرار الصوتي الهادف للحرفية يهبُ المقطع الشعري إيقاعاً شعرياً داخلياً مموسقاً عذباً في حركة الشعرية الماتعة.

أمَّا المقطع الثالث من القصيدة نفسها جاء؛ ليعلن للمتلقِّي بأنَّ جملة (الأسى...) الذي يحدث دونَ ضًجيجٍ يقوم بنثرِ الدعواتِ لِغُيومٍ قَادمة، وَيُقدِّمُ الشُّموعَ المَضيئةَ احتفاءً وبهجةَ بِحفلِ المَجاهيلِ:

الأسَى مِنْ دُونَ ضَجيجٍ..

يَنثِرُ الدَّعواتِ لِغُيُومٍ قَادِمَةٍ

وَمُنذُ أربعينَ صَرخَةً

يُقَدِّمُ الشُّموعَ لِحفلِ المَجاهِيلِ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 56)

وكان للأفعال المستقبلية المضارعة الثلاثة، (يُولَدُ، وَيُوقفُ، وَيَنثرُ) الأثر البالغ والكبير في رسم معالم المقاطع الشعرية الثلاثة في القصيدة وتأثيث فواتحها الاستهلالية (الأسى، من دُونَ ضَجيجٍ) بهذا التركيب الإيقاعي الصوتي الداخلي المتجدُّد فكرياً ومقطعيَّاً في تفعيل حركة المشاركة الزمنية الوثيقة مع أثر الواقعة الموضوعية الشعرية للقصيدة التي انزاح الشاعر تكراراً بلغته المجازيَّة.

النصُّ الشعري (تَنبيهٌ) الذي هو أصغر قصائد الديوان (احتيالٌ عَلى الفُصُول)، والذي تضمَّنَ تشكيله الشعري سطرينِ صَغيرينِ مُكثَّفين جِدَّاً شَكَّلَا بِنيةَ القَصيدةِ الشعريَّة ووحدتَها الموضوعيَّة التي أراد لها الهاشميُّ أنْ تكونَ تنبيهَاً ضوئيَّاً مُفارِقاً لِلقارئ لا تنويهاً له، اشتغل فيها الشاعر على تقنية التَّضاد والمُطابقة الجُمليَّة بينَ ثنائية (الأمسِ) التُّراثي و(اليومِ) الآني أو المعاصر الحضوري:

إبريقُ الأَمسِ

أيقونَةُ اليَومِ..!

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 26)

فما كان إبريقاً بالأمسِ، أضحى اليوم أيقونةً رمزيةً لافتةً وعلامة سيميائية فارقةً. فشعرية هذا التنبيه التلميحي وموحياته الدلالية بين دالة (الأمسِ واليومِ) فعلت فعلتها في تقنية الانزياح الإيقاعي.

يوظِّف حُسينُ الهاشميُّ في قصيدته (صَديقُنَا خَطُّ الأُفقِ) الأداة الاستفهامية أو التساؤليَّة (مَنْ)، والدالة على العاقل سبع مرَّاتٍ؛ ليستفهم فيها عن موضوعاتٍ جمةٍ وعديدةٍ لها الأثر في الوجود الكوني. فيقول في الجزء الأول الذي يفتتح القصيدة به متسائلاً: مَنْ يَدوسُ عَلَى أقدَامِنَا..؟ (اِحتيالُ، ص36). ثمَّ يُكرِّر السؤال ذاته، ولكنْ بلهجةٍ أكثرَ أناقةً وتجدُّداً فيقول: مَنْ يَدوسُ عَلَى النَايِّ..؟ (اِحتيالٌ، ص36).

ويضيف إليه قائلاً: أَنفاسُنَا أُغنيةٌ قَصيرةٌ وأنينٌ بَعيدُ الأمدِ.. (احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 36). ولكن التساؤل الأكثر بلاغةً في شعريَّةِ التَّكرار الفني بناؤه الانزياحي قوله: (مَنْ) التي لم يذكر فيها نوع السؤال، بل قد آثرَ ذلكَ التساؤل أنْ يكونَ من نصيبِ المُتلقِّي الواعي الذي يَملأ البياضَ بِرأيهِ الخاصِّ، ثمَّ أعادَ الكَرَّة هذه للمَرَّة الرابعة التساؤل بـ (مَنْ..؟) تاركاً بعده نقاطَ حذفٍ له. وبعدها يعود إلى صيغة التساؤل مرةً خامسةً بِمَنْ قائلاً: مَنْ عَلَّمَ المَجاهيلَ؟ وَعَطف عليه التساؤل السادس:

وَمَنْ عَلَّمَ خَطَّ الأُفقِ

كُلَّ هَذا الاِنتظارِ..

كُلَّ هَذَا الإصغَاءِ...؟

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 36)

وقد عمد الشاعر تاركاً في تركيب الجمل نقاطَ حَذفٍ للقارئ حتَّى يتمكَّن منْ تَتمَّة السؤال المُلقَى على عاتقه فكريَّاً، ومِنْ ثُمَّ إيجاد إجابة له. أمَّا الجزء الثاني من القصيدة ذاتها، فيأتي مُفتتحه التساؤلي بـ (مِنْ) الاستفهامية للمّرَّة السابعةِ على التوالي فيقول في بدء مُستهله الافتتاحي:

مِنْ أينَ تَجِيءُ بِهَذَا..؟

سَمعتُ إشارةَ المُعلِّمِ

مِثلَ حَفيفٍ مَكسورٍ

يَخطفُ كُراسَةَ الحَربِ

وَرأيتُ صَوتَهُ يَغيبُ هُناكَ هُنَاكَ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 37)

وبقدر ما كان ل (مَنْ) الاستفهامية من أثر كبير في الوصول للإيجابات التي يبحث عنها االشاعر في تساؤلاته الشعرية المتلاحقة، كان لدالة (كلَّ) التي تكرَّرت مرتين في تركيب الجملة المقطعي، والمشفوعة باسم الإشاره (هذا) حضوراً فعليَّاً مؤكداً لدلالات الحدث اليقينية وأضفت على الجملة الشعرية قوةً وجلالاً شعوريَّاً انزياحياً باذخاً عابراً لأفقِ الشِّعريَّة في فنيَّة التعبير الانحرافي.

أُسلوبيَّة الهَاشميِّ الشِّعريَّة:

إنَّ أهمَّ ما يُميِّزُ أسلوبية الشاعرُ الشاب الواثب حُسين الهاشميُّ رصانة لغته الشعريَّة، وقوة تعابيره الانزياحيَّة، وفعل مثابرته الشعريَّة، وميله الانحرافي البلاغي الجديد في رصفِ مجازاته اللُّغوية الجريئة وشجاعته الشعورية التعبيريَّة المِقدامة في مواجهة لُغة الحياة اليوميَّة التداوليَّة المعطوبة وجهاً لوجه في فنيَّة التعبير الشعري التي وسمت شخصيته الأدبيَّة شاعراً وإنساناً.

وقد آثر الهاشميُّ أنْ يكونَ وقعُ مَهمازهِ الشعري اللُّغوي مسوَّراً بحائط صدٍّ ثقافيٍ صُلْبٍ بديلٍ لذلك المُستهلك الطافي، وبقاموسٍ معجميٍّ ثريٍّ مُحتشدٍ من التعابير الصوريَّة، والأفكار التأمُّلية، والألفاظ الدلاليَّة المؤثِّرة التي كسر بها ناقوسه الشعري توقُّعات أنماط المألوف الحياتي التقليدي، مُعتمداً في ذلك الهجس الواعي على وثوقيَّة سعةِ موهبته وثقافته الشعريَّة المُكتسبة، وصدق تجربته الشِّعريَّة التي جسَّدَت آيدلوجيته الفكريَّة في تمكُّنه من أدواته الشعريَّة التعبيرية في تأثيث مُعجمه الشعري.

المُعجم الذي زخرَّ بنتاجاته الشعريَّة المُتعدِّدة في رسم لوحاته بقصائد نثريَّةٍ زاهيةٍ مُذهلةِ الأثر أضافت إلى مشهد الحداثة الشعريَّة وما بعدها شيئاً من شطآن الشعريَّة الحقَّة التي تُلبي ظمأ القارئ وتسدَّ مسدَّ احتياجاتِ المتلقِّي الفكرية والجمالية التي هي صفحاتٌ إبداعيةٌ مورقة وارفة الظلال، وعنواناتٌ جماليَّة تُضيء أروقة المكتبة الشعرية ورفوفها المعرفيَّة بكل ما هو نافع ومفيدٌ للنفوس.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ / ناقدٌ وكاتبٌ عراقيُّ

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين (1799 -1837). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.

كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.

يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.

برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.

استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.

أمَّا بوشكين، فيحتل مكانة استثنائية في الأدب الروسي، حتى لُقِّبَ بأبي الأدب الروسي الحديث. أسهمَ في تطوير اللغة الأدبية الروسية، ومنحها قوةً تعبيرية جعلتها قادرةً على احتضان مشاعر الشعب وأفكاره وتطلعاته.

نشأ بوشكين في فترة كانتْ روسيا تعيش فيها صِراعات سياسية واجتماعية عميقة، فانعكسَ ذلك على نتاجه الأدبي. وقدْ عُرف بمواقفه المُناهضة للاستبداد، ودَعوته إلى الحرية الفكرية والإصلاح، الأمر الذي جعله عُرضة للمُراقبة والنَّفْي والتضييق.

لَم يكن بوشكين شاعرًا سياسيًّا بالمعنى الضيق، لكنَّه كان شاعر الإنسان والحرية والكرامة. وقد استطاعَ أن يُصوِّر حياةَ الناس البُسطاء وآمالهم وآلامهم بِلُغة تَجمع بَين الجَمال الفني والعُمق الإنساني. ومِن هُنا أصبح شعره جُزءًا من الوعي الوطني الروسي، ورمزًا للكفاح ضِد القهر والقيود.

على الرغم من المسافة الشاسعة التي تَفْصل العِراقَ عن روسيا، فإنَّ المُتأمل في تجربة الجواهري وبوشكين يكتشف أوجه شَبَه لافتة بينهما:

1- كِلاهُما جَعل من الشعر رسالة إنسانية تتجاوز حدودَ الترف الفني. الشعرُ عندهما لَم يكن مُجرَّد كلمات مَوزونة، بلْ كان موقفًا أخلاقيًّا ومسؤولية تجاه المجتمع.

2- ارتباطهما الوثيق بقضايا الشعب. عبَّر الجواهري عن آلام العِراقيين وطُموحاتهم، كما عبَّر بوشكين عن تطلعات الروس إلى الحرية والكرامة، ولهذا وَجَدَ الناسُ أنفسَهم في قصائدهما، وشعروا بأنَّ الشاعرَيْن يتحدَّثان بلسانهم.

3- الجُرأة في مُواجهة السُّلطة. دَفَعَ كُلٌّ مِنهما ثمنَ مواقفه الفكرية والوطنية، وتَحَمَّلَ ضُغوطًا سياسية واجتماعية كبيرة بسبب دفاعه عن الحق والحرية.

4- امتلاك مَوهبة فنية استثنائية مكَّنتهما من تحويل التجربة الشخصية إلى قضية عامَّة، والارتقاءِ بالمشاعر الفردية إلى مُستوى الوِجدان الجَمْعي للأُمَّة.

ومعَ هذا التشابه، إلا أنَّ لكل شاعر خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخَر. نشأ الجواهري في بيئة عربية دينية غنية بتراثها الشعري العريق، لذلك جاءتْ قصائده امتدادًا للتقاليد العربية الكلاسيكية معَ تجديد في الرؤيةِ والمضمون. أمَّا بوشكين فقدْ تأثرَ بالتيارات الأدبية الأوروبية والرومانسية الغربية، وسعى إلى بناء هُوِيَّة أدبية روسية حديثة تَجمع بين التراثِ المحلي والانفتاحِ على الثقافة العالمية. كذلك اتَّخذ الجواهري من الخِطاب المباشر والحماسي وسيلة للتأثير في الجماهير، بَينما مالَ بوشكين إلى التعبير الرمزي والفني الذي يترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل والاستنتاج.

واختلافُ الأساليب لَم يمنع وَحْدَةَ الهدف. كِلاهُما كان يسعى إلى خدمة الإنسان، والدفاعِ عن حَقِّه في الحرية والحياة الكريمة. تكشف تجربة الجواهري وبوشكين عن حقيقة جَوهرية مُفادها أن الأدب العظيم لا يُولَد في عُزلة عن المجتمع، بلْ ينبثق من تفاعل عميق معَ قضاياه وهُمومه. والشاعرُ الحقيقي لَيس مُجرَّد صانع للجَمالِ اللغوي، وإنَّما شاهدٌ على عصره، وحارسٌ لِقِيَمِ الحق والعدالة.

وقد أثبتَ الشاعران أنَّ الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود الجُغرافية والزمنية، وأنَّ صوت الشعب حين يجد مَنْ يُعبِّر عنه بصدق يتحوَّل إلى قوة لا يُمكن إخمادها. ولهذا بقيتْ أعمالهما حَيَّةً في الذاكرة الثقافية، تتناقلها الأجيالُ بوصفها رمزًا للنضال والوعي والكرامة

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

المقدمة: في نص "لمّا رحلتُ" للشاعرة د. سجال الركابي يُعاد بناء الفراق بوصفه نظامًا من العلامات المتشابكة التي تُنتج المعنى وتُعيد تشكيل هوية الذات. ويتخذ الفراق صورة نسيج وجودي متواصل تنسج خيوطه من الزمن والمكان والذاكرة، فيتشكل فضاء شعري يجمع بين الوجع والضياء. ومن هنا ينهض السؤال المركزي في النص: كيف يتحول الغياب إلى منظومة دلالية فاعلة؟ وكيف يغدو الفراق جزءًا من تشكل الذات، ويصبح الحنين أداة لاستعادة العالم، ويتحول المكان الغائب إلى مرجع داخلي دائم الحضور؟

يتحدث غاستون باشلار في كتابه "جماليات المكان" عن الأمكنة التي سكنها الإنسان يومًا وبقي أثرها ممتدًا في الوعي والذاكرة، حيث تتحول إلى فضاءات رمزية تعيد بناء العالم الداخلي وترسم ملامح الهوية الوجودية. وهذا ما تجسده الركابي في قصيدتها؛ فالمكان يستعيد حضوره عبر الذاكرة واللغة، ويعود إلى الحياة في أعماق التجربة الشعرية.

أما بول ريكور في "الزمان والسرد" فيرى أن الذاكرة عملية تأويل مستمرة للماضي انطلاقًا من وعي الحاضر، وأن استرجاع التجارب القديمة يساهم في تشكيل هوية الإنسان وسرده لذاته. لذلك ينهض النص بوصفه سردًا حنينيًا تُعيد الشاعرة من خلاله ترتيب علاقتها بالزمن والمكان والغياب.

وفي هذا السياق تتشكل الأهواء المحورية في النص: الفراق، والندم، والاشتياق، والصمت الداخلي، واستدعاء المكان، بوصفها علامات تحمل النص إلى فضاء يتجاوز الرثاء المباشر، وتفتح أفقًا يمكن تسميته بشعرية الوطن الداخلي؛ ذلك الوطن الذي تقيمه الذاكرة، وتحفظه الأحلام، وتمنحه القصيدة وجودًا متجددًا.

ومن خلال هذا المنظور، تتوزع القراءة على خمسة محاور سيميولوجية:

المحور الأول: الفراق بوصفه هوية

"الفراقُ يُتعبني

وتعوّدي... تناسيكَ"

"أكتبُ لكَ بمدادِ وهمٍ

عتّقهُ الاغتراب"

في هذين المقطعين يظهر الفراق بوصفه حالة وجودية مستمرة تسهم في تشكيل ملامح الذات. فالألم الذي يولده الفراق يرتبط بمحاولة شاقة تتمثل في النسيان، وهي محاولة تتعثر أمام قوة الذاكرة واستمرار حضور الغائب.

لقد تجاوزت تجربة الفراق في هذا النص حدود الانفعال العابر، وتحولت إلى بنية دلالية منتجة تتحرك داخل نسيج النص، وتؤثر في صوره وإيقاعه ومساراته التأويلية.

وتكثّف عبارة: "أكتب لك بمداد وهم عتقه الاغتراب" تجربة الفقد في صورة شعرية مركبة؛ فالكتابة هنا تنبع من حضور متخيل يتغذى من المسافة الزمنية والمكانية، والاغتراب يمنح ذلك الحضور طاقة عاطفية تتراكم مع مرور الزمن. ومن ثم يتحول الألم إلى قوة مولدة للخطاب الشعري ومصدر من مصادر تخيله.

ويرى باشلار أن التجربة الشعرية قادرة على تحويل الانفعال الإنساني إلى صورة جمالية تُعيد تشكيل الألم داخل بنية جديدة من المعنى. لذلك لا يأتي الوجع في القصيدة بوصفه خبرًا عن تجربة ماضية، وإنما بوصفه طاقة فاعلة تواصل تشكيل العالم الشعري.

ويتجاوز الفراق حدود الابتعاد عن شخص أو مكان، ليمتد إلى زمن الطفولة والصبا والطمأنينة الأولى. ووفق رؤية ريكور لعلاقة الذاكرة بتكوين الهوية، فإن الألم حين يندمج في سرد الذات يصبح جزءًا من تجربتها الوجودية المستمرة، وهو ما يتجسد في بناء الشاعرة لعلاقة عميقة بين الفقد والهوية.

المحور الثاني: الحنين كقوة رمزية

"امتلأَ الفضاءُ نشوانًا

عند ذكرِ اسمك"

"أيُّها الندمُ فراقَكَ

يا صفوَ الطفولةِ

وشغفَ الصبا"

"أيُّها العِرقُ النقيُّ

وتشابُكُ الأغصانِ الحنون"

يتجلى الحنين في هذه المقاطع بوصفه طاقة رمزية قادرة على استدعاء العالم الغائب وإعادة تشكيله في الوعي. فمجرد ذكر الاسم يحرّك الفضاء الداخلي للشاعرة، ويمنح الذاكرة قدرة على إحياء ما غاب من أمكنة وأزمنة وعلاقات.

وتشير جوليا كريستيفا في دراساتها عن اللغة الشعرية إلى أن الكتابة لا تستعيد الماضي بوصفه صورة جامدة، وإنما تعيد إنتاجه داخل حركة اللغة، حيث تمتزج الذاكرة بالرغبة والخيال. ومن هذا المنظور يتحول نداء الطفولة والصبا إلى فعل لغوي يمنح الغائب حضورًا متجددًا داخل النص.

أما صورة "العِرق النقي وتشابك الأغصان الحنون"، فتفتح فضاءً رمزيًا واسعًا يرتبط بالجذور والانتماء والروابط الإنسانية الأولى. فالعِرق هنا يحمل معنى الأصل والامتداد التاريخي، فيما تشير الأغصان المتشابكة إلى العلاقات التي نشأت في فضاء الطفولة والمكان الأول، لتغدو الذاكرة امتدادًا عميقًا للذات عبر الزمن.

وتعيد الركابي تشكيل وطنها عبر شبكة من الصور التي تجمع بين المحسوس والروحي، كصورة الطمى والترتيل والأنهار ودفء العناق.

ويبلغ الحنين ذروة حضوره في قولها:

"أيُّها المُحلّى بالطُمى

المُموّهُ بتراتيلِ الأنهار

المغروسُ في القلب"

تتشكل هنا منظومة رمزية متكاملة؛ فالطُمى يعيد المكان إلى خصوبته وأصله الأرضي، وتراتيل الأنهار تضفي عليه بُعدًا روحانيًا يرتبط بقداسة الذاكرة، أما الغرس في القلب فينقل الوطن من حيز الجغرافيا إلى فضاء الوجدان، حيث يستقر بوصفه جزءًا من الكينونة الإنسانية.

المحور الثالث: المكان الشعري

"رنوتُ عبر الجسر

العشبُ أخضرُ هنااااك"

"وعطرُ الضوعِ ينفذُ لقرارِ الضياع"

"وها أنا بعد آلافِ الليالي

أحلمُ بليلةٍ صيفيةٍ

على سطحِ دارِنا"

يحضر الجسر في هذا المشهد بوصفه عتبة رمزية تفصل بين عالمين: عالم الحاضر الذي تعيشه الذات، وعالم الماضي الذي ما زال ينبض في الذاكرة. إن فعل الرنو عبر الجسر يحمل رغبة في العبور واستعادة ما ابتعد، فيما يطيل المد الصوتي في كلمة "هنااااك" المسافة النفسية بين الذات والمكان المنشود.

ويتناول باشلار في "جماليات المكان" البيت بوصفه فضاءً أوليًا يختزن التجارب الأولى للإنسان، حيث تتشكل فيه مشاعر الأمان والانتماء. ولهذا يكتسب "سطح الدار" في النص قيمة رمزية تتجاوز وصف المكان، لأنه يستدعي طفولة كاملة بأحلامها وطمأنينتها وعلاقتها بالسماء والنجوم.

أما "عطر الضوع" فيعمل بوصفه أثرًا حسيًا يختزن الذاكرة، فالرائحة من أكثر الحواس ارتباطًا بالاسترجاع العميق، إذ تستطيع أن تعيد إلى الوعي صورًا وتجارب ظن الإنسان أنها ابتعدت في الزمن.

وتتجسد العودة عبر الحلم في قول الشاعرة:

"أحلمُ بليلةٍ صيفيةٍ

على سطحِ دارِنا

بين ذراعي قمرٍ

وهسهساتِ نخيل"

الحلم هنا مساحة داخلية تستعيد فيها الذات مكانها الأول، وتعيد ترتيب عناصره الحسية: القمر، النخيل، الليل، والهدوء. وتتحول هذه العناصر إلى علامات تكشف استمرار العلاقة بين الإنسان ومكانه الأصلي، حتى بعد اتساع مسافات الغياب.

ويشير كمال أبو ديب في كتابه "الشعرية العربية الحديثة: البنية والإبدال" إلى أن المكان في الشعر الحديث يغادر حدوده الجغرافية ليغدو بنية دلالية تتداخل فيها الذاكرة واللغة والهوية. ومن هذا المنظور تتشكل صورة الوطن في النص باعتبارها حضورًا داخليًا دائمًا.

وتصل هذه الدلالة إلى أقصى كثافتها في النداء:

"أيُّها الوطنُ الأوكسجين"

فالوطن هنا يُقدَّم بوصفه شرطًا من شروط استمرار الحياة، كما أن الأوكسجين، رغم خفائه عن العين، يبقى العنصر الذي لا تستقيم الحياة من دونه. ومن خلال هذه الاستعارة تكتسب علاقة الإنسان بوطنه بعدًا وجوديًا عميقًا، يمتد إلى مستوى النفس والذاكرة والهوية.

المحور الرابع: الصمت والابتسامة الكاذبة

"كلّما كَبُرَ الجُرحُ

اتّسَعَت ابتسامتي الكاذبة"

"وأُشيحُ برأسي كي لا يطلَّ

اكتواءُ الروحِ

في رجفةِ إيماءاتي"

في هذين المقطعين، تظهر الابتسامة بوصفها علامة سيميائية مركبة تخفي طبقات متعددة من المعاناة الداخلية. فالوجه يقدّم للعالم صورة الهدوء والثبات، بينما تحتفظ الذات في أعماقها بذاكرة الجرح وحرارته المستمرة. وهكذا تنشأ مسافة بين الظاهر والباطن، بين ما يُرى وما يُكتم.

ويتقاطع هذا التصوير مع ما يطرحه إرفنغ غوفمان في دراسته للأداء الاجتماعي، حيث تُمارس الذات أشكالًا من تقديم صورتها أمام الآخرين بما يحفظ توازنها داخل المجال الاجتماعي. فالابتسامة الكاذبة في القصيدة إشارة إلى قدرة الذات على إدارة ألمها ومواصلة حضورها في العالم.

أما إشارة الرأس ورجفة الإيماءات، فتمثل لحظة انكشاف الجسد أمام ما تحاول اللغة إخفاءه. فالجسد يحتفظ بذاكرة خاصة، ويُفصح عبر حركاته الدقيقة عما تعجز الكلمات عن التصريح به.

وقد أضاء رولان بارت فكرة الجسد بوصفه حقلًا للعلامات داخل الخطاب الثقافي؛ فالإيماءة في النص الشعري تمتلك قيمة دلالية لا تقل عن قيمة الكلمة، لأن الجسد يشارك في إنتاج المعنى وصياغة التجربة الإنسانية.

وتتحول الهشاشة في هذا المقطع إلى شكل من أشكال التماسك الداخلي؛ فإخفاء الألم لا يعني غيابه، وإنما يكشف عن محاولة الذات المحافظة على توازنها في مواجهة عالم لا يرى إلا سطح الأشياء.

المحور الخامس: الاغتراب والحلم

"ناح بلبلُ حديقتنا

فعرفتُ أنَّ دربَ العودةِ مُحال"

"وإنْ في جنّةٍ أودِعتُ

تبقى المُنى والهوى"

"أيُّها الوطنُ الأوكسجين"

يحمل البلبل في هذا المشهد وظيفة رمزية تتجاوز حضوره الطبيعي؛ فهو صوت المكان القديم وذاكرة الحديقة التي بقيت تنبض في الوجدان. ويأتي نواح البلبل علامة على إدراك عميق بأن الزمن الذي مضى لا يمكن استعادته بصورته الأولى، فتغدو العودة الجسدية سؤالًا يواجه حدود الواقع والزمن.

وفي ضوء التأمل الوجودي عند هيدغر، تتجلى علاقة الإنسان بالمكان الأول بوصفها جزءًا من تجربته في فهم ذاته ووجوده في العالم. لذلك يصبح الحلم والذاكرة وسيلتين لاستمرار الصلة بما انقطع في الواقع. 

وتقول الشاعرة:

"وإنْ في جنّةٍ أودِعتُ

تبقى المُنى والهوى

ما كان وما تمنّيتُ أن يكون"

في هذه الصورة يتحول الماضي إلى فردوس محفوظ في الذاكرة؛ فضاء يحمل الرغبات والتجارب والصور التي شكّلت ملامح الذات. ومن خلال الكتابة الشعرية يستعيد هذا العالم قدرته على الحياة داخل النص.

إنّ الغربة في النص لا تنتهي عند حدود الابتعاد المكاني، وإنما تتحول إلى تجربة تعيد إنتاج الوطن داخل اللغة. فالنص يصبح موضعًا لحفظ الذاكرة، وتغدو الكلمات طريقًا نحو استعادة ما تعذّر الوصول إليه في الواقع.

وتأتي العبارة الختامية:

"أيُّها الوطنُ الأوكسجين"

لتختزل البنية الشعورية للنص كله؛ فالأوكسجين عنصر لا يُرى، ومع ذلك يرتبط استمرار الحياة بوجوده. وكذلك الوطن في تجربة الاغتراب؛ يظل حاضرًا في الوعي والوجدان، ويظهر أثره في كل لحظة من لحظات التذكّر والحنين.

الخاتمة

الأهواء بوصفها نظامًا تأويليًا وشعرية الوطن الداخلي

في نص "لمّا رحلتُ" تتشكل الأهواء بوصفها قوى شعورية ودلالية تعيد تنظيم العلاقة بين الذات والذاكرة والمكان. فالفراق يكتسب وظيفة بنائية داخل التجربة الشعرية، والحنين يتحول إلى طاقة تستحضر الزمن الأول، والمكان يستمر في الوعي بوصفه صورة داخلية تتجاوز حدوده المادية.

وقد كشفت المحاور السابقة عن مجموعة من الدلالات المركزية:

أ- الفراق: يتحول إلى طاقة تولّد الخطاب الشعري، وترافق الذات في إعادة قراءة تجربتها الزمنية والوجدانية.

ب- الحنين: يمثل فعلًا تأويليًا تستعيد الذات من خلاله صور الماضي، وتعيد ترتيب علاقتها بالأمكنة والأزمنة الأولى.

ج- المكان: يظهر بوصفه فضاءً داخليًا تسكنه الذاكرة، فتلتقي فيه الأرض الأولى بالأثر النفسي العميق.

د- الصمت والابتسامة الكاذبة: يكشفان عن لغة خفية يعبّر بها الجسد عن انفعالات لا تصل إليها الكلمات بصورة كاملة.

هـ- الاغتراب والحلم: يشكلان المجال الذي تحفظ فيه الذات عالمها القديم، وتواصل عبره بناء وطنها الداخلي.

وتتجلى ذروة التكثيف الشعري في عبارة: "ما كان وما تمنّيتُ أن تكون" التي تمثل معادلًا موضوعيًا (Objective Correlativeبالمعنى الذي صاغه ت. س. إليوت؛ إذ لا تصرّح الشاعرة بحجم الفقد والحنين، وإنما تترك صورتين زمنيتين متجاورتين: زمنًا تحقق وانقضى، وزمنًا حَلِمَت به الذات ولم يكتمل. ومن خلال هذا التقابل تتجسد مأساة الاغتراب في صورة لغوية مكثفة، يتحول فيها الماضي والرجاء المؤجل إلى علامة شعرية تحمل الشحنة الوجدانية للنص كله.

لقد استطاعت الشاعرة د. سجال الركابي أن تحول تجربة الفقد والاغتراب إلى عالم شعري غني بالعلامات والدلالات، حيث تتداخل الذات مع المكان، والذاكرة مع الحلم، واللغة مع التجربة الوجودية.

إنّ نص "لمّا رحلتُ" لا يُستقبل بوصفه تجربة حنين فردية فحسب، وإنما بوصفه بناءً شعريًا تستعاد فيه هوية المكان عبر الحس والذاكرة والصورة. وفي مركز هذا العالم تقف عبارة "الوطن الأوكسجين" بوصفها خلاصة رمزية مكثفة لتجربة الاغتراب؛ فالوطن يغيب عن العين، لكنه يبقى حاضرًا في نبض الروح واستمرار الحياة.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

....................

قائمة المراجع

1. باشلار، غاستون. جماليات المكان، ترجمة: غالب هلسا، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1984.

2. ريكور، بول. الزمان والسرد، ترجمة: سعيد الغانمي، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006.

3. كريستيفا، جوليا. ثورة اللغة الشعرية، ترجمة: محمد برادة، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1997.

4. بارت، رولان. درس السيميولوجيا، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 1986.

5. غوفمان، إرفنغ. تقديم الذات في الحياة اليومية، ترجمة: ثائر ديب، دمشق: دار معنى للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2021.

6. أبو ديب، كمال. الشعرية العربية الحديثة: البنية والإبدال، بيروت: دار العلم للملايين، 1981.

7. إليوت، ت. س. المختار من نقد ت. س. إليوت، ترجمة: ماهر شفيق فريد، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000.

..................

(لمّا رحلتُ)

الفراقُ يُتعبني

وتعوّدي ... تناسيكَ

أغسِلُ فجرَكَ المُتواري

في شغافِ ضميري

... بندى العيونِ

وتخبّطِ المعنى

*

ما كُنْتُ أدري ... أَنَّ

للذكرياتِ عبير

حتّى...

امتلأَ الفضاء نشواناً

عند ذكر اسمك

*

كلّما كبُرَ الجرحُ

اتّسَعَت ابتسامتي الكاذبة

وأشيحُ برأسي كي لا يطلُّ

..اكتواءَ الروحِ

في رجفةِ إيماءاتي

أكتبُ لكَ بمدادِ وهمٍ

.. عتّقهُ الاغتراب

*

أيُّها الندمُ فراقَكَ

يا صفوَ الطفولةِ

وشغفَ الصبا

أيُّها العرقُ النقيُّ وتشابُكَ الأغصان الحنون

*

ما همَّني بارود ولا حرائق

أتعبني كيد المخالب

تعيثُ بالجوريّ ...

يجهَشُ النهرُ بالعطش

يجفُّ الرازقيّ في شعري المُخضّبُ بالبكاء

رنوتُ عِبرَ الجِسرِ

العشبُ أخضرُ هناااااكَ

وعِطرُ الضوعِ ينفذُ لقرارِ الضياعِ

حينَ التفتُّ .... بعيداً عن الدار

ناح بلبل حديقتنا

فعرفتُ أنَّ دربَ العودةِ مُحال

تأوّهتُ... إذ أغلَقتُ على كبدي البابَ

وها أنا بعد آلاف ِالليالي

أحلمُ بليلةٍ صيفيّةٍ

على سطحِ دارِنا

بين ذراعي قمرٍ

وهسهساتِ نخيلٍ

*

أيُّها المُحلّى بالطُمى

المُموّهُ بتراتيل الأنهارِ

المغروسُ في القلبِ

شآبيب عناقٍ ووصال

وإنْ في جنّةٍ أودِعتُ

تبقى المُنى والهوى

ما كان وما

تمنّيتُ أن تكون

رَمَقي وتَوقي

أزاهير صِبايَ

ولظى مُهجَتي

لكَ دوماً روحي تُغنّي..

وإنْ جافيتَ

أيُّها الوطنُ الأوكسجين

***

د. سجال الركابي

بين هندسة الإيقاع وجماليات اللغة في نظر البصريين والكوفيين وفقهاء العربية

ليس الشعر العربي كلاماً موزوناً فحسب، ولا هو زخرفٌ لفظيٌّ تُزيَّن به المعاني، بل هو نظامٌ جماليٌّ متكامل تتعانق فيه الموسيقى واللغة والفكر والخيال في نسيجٍ واحد. وقد وعى العرب منذ أقدم عصورهم أن للشعر مقاييسَ تضبطه وموازينَ تنتظم عليها أنغامه، وأن الخروج على تلك المقاييس يُفضي إلى اختلال الذوق وفساد الإيقاع. ومن هنا نشأت الحاجة إلى تقعيد الظاهرة الشعرية وتقنينها، حتى جاء العبقري الفذّ الخليل بن أحمد الفراهيدي، فحوّل الحسَّ الموسيقي العربي من ملكةٍ فطرية إلى علمٍ دقيق يُعرف بعلم العَروض.

لقد كان اكتشاف الخليل للبحور الشعرية أشبه باكتشاف قوانين الجاذبية في عالم الفيزياء؛ إذ استطاع أن يكشف النظام الخفي الذي يحكم حركة الأصوات في الشعر العربي، وأن يستنبط من كلام العرب ستة عشر بحراً تمثل الأنساق الإيقاعية الكبرى التي جرت عليها القصيدة العربية عبر القرون. ولم يكن العَروض عنده علماً حسابياً جامداً، بل كان علماً بالجمال الصوتي، يبحث في أسباب الطرب الكامن في الألفاظ، وفي سرّ الانسجام بين الحركات والسكنات، وبين المدّ والقصر، وبين النبر والتنغيم.

ومن هنا فإن الوزن الشعري ليس قالباً خارجياً يُفرض على المعنى، بل هو جزء من المعنى ذاته. فالبحر الطويل مثلاً يمتاز بجلاله واتساعه، ولذلك كان ميداناً للفخر والحماسة والملاحم، بينما يتميز بحر الرمل برقته وانسيابه، مما جعله أكثر ملاءمة للغزل والوجدانيات. أما الكامل فقد وصفه النقاد بأنه «أفخم البحور وأقواها حركة»، لما فيه من طاقة إيقاعية متدفقة تمنح القصيدة زخماً خاصاً.

وقد نظر نحاة البصرة إلى الشعر بوصفه أعلى مراتب الاحتجاج اللغوي. فكانوا يرون أن الشعر ديوان العرب ومستودع فصاحتهم، ولذلك اتخذوه مصدراً أصيلاً للاستشهاد النحوي واللغوي. غير أنهم كانوا أكثر ميلاً إلى القياس والانضباط العقلي، فحاولوا إخضاع الظواهر الشعرية لقواعد عامة تحكمها. ولهذا نجد أن مدرسة البصرة، التي تزعمها علماء كبار أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه، كانت تؤمن بأن سلامة الشعر لا تنفصل عن سلامة اللغة، وأن الوزن الصحيح لا يغني عن التركيب الفصيح، لأن الموسيقى إذا خلت من البيان أصبحت جرساً بلا روح.

أما نحاة الكوفة فقد كانوا أكثر تسامحاً مع الظواهر اللغوية والشعرية، وأكثر اعتماداً على السماع والرواية. ولذلك أجازوا من الضرورات الشعرية ما لم يجزه البصريون، ووسعوا دائرة الاحتجاج باللهجات العربية المختلفة. وكانوا يرون أن الشعر ميدان للإبداع لا يجوز تضييقه بقيود منطقية صارمة، ما دام قائماً على السماع العربي الصحيح. ومن هنا نشأ ذلك الجدل الخصب بين المدرستين حول الضرورات الشعرية، والحذف والزيادة، وتقديم بعض العناصر وتأخيرها، مما أسهم في إثراء الدرس اللغوي والنقدي معاً.

أما فقهاء اللغة وأئمة البلاغة فقد تجاوزوا النظر إلى الوزن بوصفه نسقاً صوتياً مجرداً، إلى النظر إليه باعتباره أداة من أدوات التأثير الجمالي. فقد رأى الجاحظ أن المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشأن في جودة السبك وحسن الصياغة. وذهب عبد القاهر الجرجاني إلى أن جمال الشعر لا يكمن في الألفاظ منفردة ولا في الأوزان وحدها، بل في النظم؛ أي في العلاقات التي تنشأ بين الكلمات والمعاني داخل البناء الشعري. فالوزن عنده ليس غاية مستقلة، وإنما هو جزء من شبكة جمالية أوسع تتضافر فيها الموسيقى مع الدلالة والصورة والخيال.

ومن هذا المنظور، تصبح القافية شريكاً للوزن في صناعة الجمال. فهي ليست مجرد صوت يتكرر في نهاية الأبيات، بل عنصر بنائي يحقق الانسجام والإيقاع ويمنح النص وحدته الفنية. وقد شبّه بعض النقاد القدماء القافية بالعمود الذي تنتظم حوله خيمة القصيدة، فإذا اضطرب اختل البناء كله.

ولعل أعظم ما يميز الشعر العربي أنه استطاع أن يحافظ على توازنه بين الحرية والانضباط. فالوزن لم يكن سجناً للشاعر، بل كان فضاءً إبداعياً يتحرك داخله. ولذلك ظل الشعراء الكبار، من امرئ القيس والمتنبي وأبي تمام إلى شوقي والجواهري، يبدعون داخل الأوزان نفسها، لكنهم يملؤونها في كل عصر برؤى جديدة وصور مبتكرة وتجارب إنسانية متجددة.

ومع ظهور الشعر الحر في القرن العشرين لم يكن الأمر ثورة على الموسيقى بقدر ما كان بحثاً عن أشكال موسيقية أكثر مرونة. فقد حافظ شعر التفعيلة على جوهر الإيقاع الخليلي، وإن تحرر من نظام البيت التقليدي. أما قصيدة النثر فقد اختارت أن تؤسس موسيقاها الخاصة من خلال الإيقاع الداخلي والتوازي والتكرار والتناغم الدلالي. ومع ذلك بقي السؤال الجمالي قائماً: هل يمكن للشعر أن يستغني كلياً عن الوزن؟ وهو سؤال لا يزال يثير النقاش بين النقاد والشعراء حتى اليوم.

إن مقاييس الشعر العربي وموازينه ليست قوانين جامدة بقدر ما هي تجليات لعبقرية اللغة العربية وقدرتها الفريدة على تحويل الصوت إلى معنى، والمعنى إلى صورة، والصورة إلى وجدان. فالعَروض في جوهره ليس علم أرقام وتفعيلات، وإنما علم جمال وإيقاع، يكشف عن العلاقة السرية بين الموسيقى والروح. ولذلك ظل الشعر العربي، على امتداد تاريخه، شاهداً على أن اللغة حين تبلغ ذروة انسجامها تصبح غناءً، وأن الغناء حين يتحد بالفكر والعاطفة يتحول إلى شعر خالد لا يشيخ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

هرمنيوطيقا رؤوف علوان واللعبة التأويلية للنص الديني

لَنْ يَسْتَحْضرَ هذاْ المقالُ من (محفوظ) إلا رمزية (رؤوف علوان) فهو ليس مقالاً نقدياً فيْ أدبِ نجيبِ محفوظ ونقده لاستغلال الدين والتَّدين الشَّعبيّ في عالمه السَّردي، فالنقدُ الديني في معالجته السَّردية أمرٌ لا يخطئه القارئ إذ يطلُ بوضحٍ فيْ أَهمِ أعماله الروائيَّة، وفيْ طليعتها ثلاثيته الشهيرة إذ تمثلُ فيها شخصيةُ (كمال) الحيرةَ والانكسارَ بتطلعاتها الصوفيَّة المثاليَّة وميلها للحب الافلاطوني الذيْ لمْ يُكتَبْ له النهاية السعيدة فعاش مرارة الألم والخيبة والخذلان، بينما تمثل شخصية (ياسين) بكل تحولاتها وتناقضاتها وجدليتها إرادة الحياة وبهجتها، وتحضر في أبعاد كاريكاتورية ساخرة شخصية الشيخ (متولي عبد الصمد) الذي يمثل الاتكالية والارتزاق من الآخرين لما يعتقد به الآخرون من كونه شخصية تمنح البركة بسبب دعواتها ورؤاها الصالحة في المنام، وفي روايته (اللص والكلاب) هناك شخصية تراجيدية هي (سعيد مهران ) فبعد خروجه من السجن ينتقم من الأشخاص الذين زجوا به في السجن نتيجة سرقته بسبب عوزه المادي، فهو في أصله ينطوي على صلاح وطيبة ولكنَّ الظروف المحدقة به وتبرير صديقه (رؤوف علوان ) هومن دفعه للسرقة ورسم له هذه النهائية المرة، فـ (رؤوف علوان) شخصية براغماتية يتفنن في السفسطة وقلب الحقائق وإقناع الآخرين، واستطاع أن يتسلق من بداية وضيعة ليحقق مركزاً اجتماعياً مرموقاً ويكون رئيس تحرير صحيفة مهمة، وهو يرفض أن يأخذ بيد (سعيد مهران) ولا يساعده ولا يقف بجانبه بعد خروجه بالسجن وتنكر لصداقته القديمة له،وفي حديثه (لمهران) حينما التقاه يحدثه (علوان)عن مشاريعه القادمة وبأنه يفكر بمشروعه المستقبلي الذي يمثل مشروع عمره الفكري في أنْ يضع تفسيراً للقرآن الكريم يضع لكل آية من آياته تأويلات محتملة وممكنة ومتعددة ومختلفة توفر لكل من يريد أن يؤول الآية القرآنية إمكانية التأويل بما يتيح له أنْ يخدمَ أغراضه النفعية من التأويل وينسجم مع أهوائه في تسويغ أعمال غير نبيلة وإضفاء طابعي شرعي عليها من خلال ليّ عُنق النص وتقويله ما لا يقول، وتبدو هذه الفكرة فيها من المفارقة والانتقاد اللاذع لـ (وعاظ السلاطين)، وهي تجسد حقيقة استثمار الدين واستغلاله بنحو بشع يتجاوز المنطق الدلالي للنص ويعكس ذرائعية المؤولين واحتكارهم للتأويل وكأنهم سدنة النص وهم وحدهم من يمتلك الأهلية لفهمه.

وكانت الأساطير وروائع الأعمال الفنية الأدبية كالرواية مورداً وموئلاً للخطاب الفلسفي النقدي ولقضايا علم النفس في بلورة رموز لشخصيات إنسانية تجسد منحى سلوكياً يمثل أنموذجاً لمركبات سلوكية، وفي تحليل الجوانب النفسية يجرى استحضارها بوصفها برادايمات لجس ومقاربة نماذج إنسانية واقعية، وقد اشتهرت مجموعة من الشخصيات الرمزية التي هي عبارة عن مصطلحات كنائية لسلوكيات بشرية نحو عقدة (أوديب) و(اكترا) و(النرجسية) نسبة إلى أسطورة (نرسيس) اليونانية، وكانت روائع(دوستويفسكي) كرواية (الأخوة كارامازوف) مجساً لاستبطان قضايا النفس لدى (فرويد) الذي اشتهر عنه قوله : (بأني كل ما انتهيت من تحليله واستبطانه من قضايا سلوكية عامة قد سبقني إليه دوستويفسكي في رواياته ورسمه وبنائه لشخصياته الفنية )، فلِمَ لا يكون نجيب محفوظ وأعماله الأدبية مورداً لبناء نماذج سلوكية مركبة تحضر في واقعنا وتجسد تناقضاته ؟ لاسيما وأنَّ عالمه الروائي ونسيجه السردي يرتكزانِ إلى الواقعية وعمق الرؤية الفلسفية والمنحى النفسي في رسم الشخصيات ومسار تطورها. ولعل من أبرز شخصياته الروائية شخصية (أحمد عبد الجواد) في ثلاثيته الشهيرة وما تنطوي عليه من تناقض بين صرامة وجد في العلن ولهو عابث غير مسؤول في الخفاء، ومن يفتش قارئاً في أدبه يعثر على الكثير من النماذج الرمزية، ولعل من أبرزها أنموذج (رؤوف علوان) الذي قد يصدق على شخصيات تبريرية دينية عديدة تسوغ في فتواها وتأويلها مواقف متناقضة، وإذ يتمكن قلم محفوظ من نقد الواقع في عصر خنق الحريات أكثر من قلم المفكر وما ذلك إلا بسبب اعتماده الإيحاء والرمز مما يجعله في مأمن من تبعات القول عكس المفكر الذي يبنى خطابه على الدلالة الصريحة والمباشرة فلا يتمكن من البوح وتسمية الأشياء بمسمياتها في عصر اضطهاد الفكر ولجم الحريات، فرمز (علوان) يصدق على الكثيرين من مرتدي أثواب القداسة الزائفة، وليس غريباً على حقل التأويل اعتماد رموز شخصية كنائية إذ من أشهر الأساطير المؤسسة المرتبطة بحقل التأويل أسطورة (هرمنيوس) الذي كان نجلا لـ (زيوس) كبير الآلهة وكان يتكفل بنقل الرسائل بين الآلهة والبشر فهو يمثل المرحلة الغنوصية في التأويل، فالتأويل للمقدس أمر لا يتاح للجميع، وقد شكلت هذه الأسطورة جذراً يونانياً اشتقاقياً في توليد مصطلح (الهرمينوطيقا).

وغالباً ما يشتبك التأويل بالسياسة فيجري توظيف الدين فتبرز تأويلات تتحالف مع السلطة وتهمش تأويلات أخرى، وتتصارع التأويلات في الانتساب إلى الحقيقة الشرعية وامتلاكها من خلال القراءة في معارك تغذيها الايديولوجيا والمصلحة، والأمثلة كثيرة حول معارك التأويل في تراثنا العربي الإسلامي وواقعنا المعاصر على حد سواء، والحق أنَّ ما من مسألة سياسية جدلية ولدت انقساماً في المواقف وارتبطت بالتأويل الديني والاستناد إلى الفتوى الشرعية كمسألة الصراع في الشرق الأوسط وحروبه في العقود الأخيرة، وأبرزها انقسام الفتاوى في الاصطفاف مع التحالف الدولي والوقوف مع جيوش الغرب والتحشيد للأخ العربي المسلم الشقيق متمثلة في وقوف معظم الدول العربية مع التحالف الدولي بوجه العراق في تسعينيات القرن الماضي. فهل المسألة ترتبط بطبيعة النص الديني وكونه حمالاً للأوجه الدلالية المتعددة أم الموضوع يرتبط بفتاوى وتأويلات براغماتية غير مسؤولة؟

إنَّ هرمينوطيقا النص الديني تستند بحسب (محمد أركون) إلى احتماليته الدلالية المتعددة بسبب ارتكاز نسيجه النص على البنية المجازية الاستعارية وإحالته إلى ما هو مفارق ومدهش من عوالم الغيب إلا أنَّ منطق النص الدينيّ يبقى متسماً بالقصد ويحتفظ بمركزيته الإبلاغية في الهداية، فلاشك أنَّ التأويل المفرط ينخرط في مجال اللعب العابث بدعوى حرية القراءة، فلابد للنص من مقيدات تأويلية تضبط مسار التأويل وتضع له حدوداً كما يقرر (امبرتو إيكو)، وإذ تتعد القراءات لكن تعددها لا يشي بالتناقض أو المفارقة بل بالتقارب الدلالي والتشابه في القصد، لكن المشكلة التي يرصدها هذه المقال تتلخص باستثمار روايات دينية غير موثوقة يجري تأويلها في مواقف كثيرة ومتغيرات سياسية عديدة بأوجه متناقضة مختلفة مع كون النص واحداً ! وربما كان الشارع بخلفيته الشعبية متسائلاً عن أحداث سياسية دراماتيكية فيلتقي بطريق المصادفة مع أهواء الحاكم ولكن قد تقف بجرأة قراءة تأويلية مسؤولة إزاء هذا الاستثمار التأويلي، من ذلك ما يرويه المؤرخ العراقيّ (بشار عواد معروف ) وبمرارة كبيرة في لقاء أجراه معه الإعلامي ـ حميد عبدالله ـ ضمن برنامج (شهادات خاصة) يروي أنَّ رئيس النظام العراقي إثر اجتياحه للكويت وأثناء هجوم أمريكا ونشوب الحرب كان الشارع العراقي منشغلاً بإشاعة رائجة مفادها وجود حديث ديني يشير إلى مواجهة إسلامية مع الغرب تبشر بنصر موعود في حديث ينصُّ: (سيجتمع على حرب أمتي بنو الأصفر فيخرج لهم رجل من أمتي اسمه صادم فيصدمهم ) فلعلَّ البشارة الموعودة تنطبق على هذه الحرب واسم الرئيس، والمفاجأة كانت تتمثل بطلب رئاسي إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية آن ذاك بشأن التثبت من صحة الاسم ومدى وجود الرواية وموثوقيتها في مدونات الحديث والمضان التاريخية على الرغم من استعار الحرب ونشوبها وانقطاع وسوائل التواصل بين أجهزة الدولة بسبب أضرار الحرب إلا أنَّ الرئاسة لجأت إلى المراسلة اليدوية الورقية بشأن أمر هامشي لا قيمة له في وقت كان القتال مع التحالف الدولي يفتك بالناس ويدمر بنية البلد التحتية في حرب عبثية ولدتها حرب عبثية سابقة، و(بشار عواد معروف) إذ ينقل ذلك ويؤكد بأننا أجبناهم بصراحة بأنه لا أساس من الصحة لهذا الأمر، وإزاء دهشة مقدم البرنامج من هذه الحكاية وتساؤله عن تفسيره ذلك فيجيب (عواد) أن لا تفسير سوى الاعتقاد بالخرافة. وثمة حكاية تُنسب إلى شيخ الأزهر (عبد الحليم محمود) وإليها يُعزى هجوم الرئيس المصري السادات على إسرائيل في حرب أكتوبر ومفادها أن الشيخ رأى انتصار العرب المسلمين بقيادة النبي الكريم (ص)على اليهود وانتشرت حكاية رؤياه وتم توظيفها في الماكنة الإعلامية المواكبة لحرب أكتوبر في عام 1973 وانتصار مصر في عبور خط بارليف، وهذا الشيخ من الزهد والانقطاع إلى العلم والابتعاد عن السياسة ما يشهد به كل من عرف سيرته، ولعلَّ ماكنة السياسة التي تحتاج إلى بروباغاندا ودعاية وتعبئة هي التي وضعت هذه الحكاية،وربما كان حلماً حقيقياً وجرى استثماره وتضخيمه في التعبئة المعنوية. وذات مرة حكى أحد القادة الجهاديين ــ وهو يلهب حماس جمهوره ــ بأنَّ انتصار العرب والمسلمين على اسرائيل أمرٌ حتمي مستنداً في ذلك إلى (تنبؤات نوستراداموس) الشهيرة المدونة في القرن السَّادس عشر وهو طبيبٌ فرنسي وقد استشرفَ وقائعَ كثيرةً كانتصار الثورة الفرنسية ونشوب الحرب العالمية الثانية، وفي حديثه لجمهوره أكد أنَّ هناك ما يشير إلى انتصار المشرقيين على الغرب في كتاب(تنبؤات نوستراداموس )، والمفارقة أنه إذ يستشهد في هذا الكتاب ينفي قدرة مؤلفه على التكهن، فالأمر من الغيب الذي يستأثر بمعرفته الله، ويعزو الأمر أنه جاء إلى المشرق العربي واطلع على مرويات الملاحم والفتن التراثية ونسبها لنفسه وقام بصياغتها بطريقة شعرية يكتنفها الغموض ويعطيها إمكانية الاحتمال والتأويل ! والجانب اليهودي هو أيضاً قد وجد في الموروث الروائي التوراتي ما يمكن تأويله وتوظيفه في حربه الأخيرة، فقد لجأ (نتنياهو) في تسويغ حرب الإبادة في غزة إلى نصوص رؤية (إشعيا) في العهد القديم (التوراة) في بشارتها لليهود بانتصارهم على أعدائهم من (العمالقة) المستوطنين في شمال سيناء وجنوب فلسطين، وجرى توظيف هذه البشارة لتضليل الناس وخداعهم وإلهائهم عن حماقاته المتهورة وغير المحسوبة في شنه للحرب في وقت تعرض فيه لنقد شديد من علماء اللاهوت المختصين بالتوراة بأن هذه الرؤيا لا تنطبق على الصراع الحالي في الشرق الأوسط.

وفي مستهل سورة الإسراء يسرد القرآن الكريم واقعتين لعلو بني إسرائيل ونهايتهم وهزيمتهم في المرتين بسبب تجبرهم وإفسادهم في الأرض، ومن خلال مطالعتي المتواضعة لمصادر التفسير المعتبرة كتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور وتفسير الميزان للطباطبائي لم أجد الاثنين يحددان من هم عباد الله الذين اختارهم لإيقاع العقاب على بني اسرائيل وهزيمتهم مع حرص المفسرينِ على استعراض الحوادث التاريخية لهزيمة اليهود وتحطيم مدينتهم المقدسة أورشليم كالسبي البابلي الأول على يد (نبوخذ نصر) والسبي البابلي الثاني وغزو الروم المتكرر على يد قيصر، ولم أجد لديهما إشارة لقراءة تتنبأ بانتصار العرب والمسلمين في صراعهم المعاصر مع اليهود على الرغم من وجود محاولات من البعض في تأويل الفتوحات الإسلامية لبيت المقدس بأنها الكرة الأولى وهناك كرة موعودة في نهاية الزمان، ولكن كبار المفسرين يتحفظ في أن يعين واقعة تاريخية محددة بسبب إجمال النص القرآني الذي لا يسعف في التحديد الزمني، فالهدف من القصص القرآني هو استلهام العبرة وليس استشراف المستقبل.

لقد حرصت مدونة الأحاديث النبوية الشريفة والصحاح أنْ تفرد حقلاً وباباً لأحاديث الملاحم والفتن التي تتضمن علامات القيامة والساعة وعودة المسيح وظهور الدجال مما يُسمى بأخبار الظهور وعلاماته أو علامات الساعة باختلاف الفرق الإسلامية، وهي أحاديث مجملة مبهمة ظنية الدلالة غير قطعية السند ورواتها مجروحون بل هي بمستوى من الضعف والوهن بإجماع المحققين من كبار محدثي الفرق الاسلامية، ومما يؤسف له أنها أصبحت مادة رائجة في قنوات فضائية ومنصات افتراضية رقمية وتثير فضول العامة والذائقة الشعبية إزاء كل منعطف سياسي يهز منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي وصراعه مع إسرائيل وقمع الأنظمة المستبدة لشعوبها وتروج أيضاً في منتديات الكترونية منتشرة بنحو ملحوظ وملفت للنظر، وفي ذلك أكثر من دلالة تبعث على التساؤل ! ولا شك أن وراء رواجها إرادة لا تنحصر بالتكسب والاستثمار الرقمي الرخيص في حقل الدين بل ربما تدخل ضمن ماكنة الحرب الإعلامية واستراتيجية الإلهاء وتسويق الأمل الزائف وبيع الأوهام إزاء انكسارات وهزائم تاريخية مرة ومخزية، فربما جُندت الأقلام عن علم أو على حين غرة وأفرزت نتاجاً يصب في قراءة أحداث مستقبلية تستند لمرجعية روائية ضعيفة، فأصبحت بعض الأسماء أيقونة مختصة وتمت صناعة نجومية دينية في الاختصاص بالتأويل يتم استخدامها في أجواء التعبئة، وأصبحت هذه اللعبة التأويلية رأس مالهم الرمزي الذي يحقق لها النجومية ويجذب الأضواء، فأمعنت بالكذب والتدجيل وتسويق الأوهام وإهدار كل قوانين التأويل في فهم النص ؛ في وقت تقف المؤسسة الدينية الرسمية بمدوناتها المحققة موقف الحذر والتحفظ بل الإنكار والريبة لمجمل هذه الأحاديث، وربما دفع الورع بفقيه إسلامي كبير أن يفتي بحرمة الخوض فيها وإنْ كان على سبيل الحكاية لا الاعتقاد وعدها من المفطرات التي تبطل صيام شهر رمضان وعدها مصداقاً للكذب على الله ورسوله، والحق أنه كان على المؤسسات الرسمية أن تتخذ موقفاً يتسم بالشجاعة وإدانة مروجي ومؤولي هذه الأحاديث في ضوء المتغيرات السياسية، ولكنها تلوذ بالصمت أو التغافل خشية هيجان الجمهور وهذا مما يؤسف له.

ويمثل التبادر اللفظي أهم القرائن الأصولية في فهم النص وتأويله، وما يتبادر من هذه الأحاديث من إحالات لأعلام وأمكنة جغرافية تاريخية بمسميات قديمة يمثل دلالة مفارقة غير مطابقة للتأويلات الرائجة لها، فصرفها عن دلالتها الحرفية من دلالة المنطوق إلى دلالة المفهوم بدون وجود قرينة صارفة ممكنة أو قرينة جالبة يُعد هدراً لسياقها اللفظي وتضحية بانسجامها الدلالي فيعد تأويلاً مفارقاً لقصدية النص بل يعد تحريفاً للكلم عن مواضعه. فهنا يتحول التأويل الى استعمال واستخدام وتُهدَرُ مقاصد النص وتصبح كل القراءات ممكنة ومحتملة وإنْ كانت متناقضة إلى درجة كبيرة بل صارخة، فبحسب (ريتشارد رورتي) سوف يفقد التأويل أخلاقه ومسؤوليته، وفي الحقيقة أنه لا تأويل للنص بل كلٌّ يوظفه ويستعمله بحسب أهوائه وأغراضه، فيفقد النص مركزيته ويتحول الأمر إلى مسألة إرجاء ومغايرة بحسب (دريدا) وإن لم يتبنَ المؤولون هذه المرجعية التأويلية التفكيكية إلا أنَّ الممارسة التأويلية الذرائعية تشي بانخراطهم ضمن هذه اللعبة، وحتى التأويلات الصادرة من منصة الكترونية واحدة التي تتناقض في أزمنة متعاقبة ضمن متغيرات سياسية مختلفة تكتسب طابع التبجيل والقداسة ! فعلى الرغم من تناقضها وعدم انسجامها إلا أنها تحقق رواجاً لدى جمهورها ومتابعيها ومريديها لأنها تتغذى من مستنقع الجهل الآسن الذي يؤمن بالخرافة ويصدقها ويقع فريسة سهلة للدجل والأوهام.إنَّ توظيف هذه الاحاديث وتأويلها بدأ في بواكير الدولة العباسية في وضع الأحاديث وصناعتها لتوظيفها في صراعها الايديولوجي والسياسي مع خصومها العقائديين أو السياسيين من داخل البيت العباسي نفسه في الصراع مع الخراسانيين القادمين مع المأمون براياتهم السود في حرب أهلية أحالت عاصمة الخلافة بغداد إلى أتون مشتعلة من الفتن المضرجة بالدماء، فكانت تلك الأحاديث تمثل الشرعية (للفتنة الأهلية المقدسة )، وبعد حين جرى استعمال هذه الأحاديث بعد انطلائها على العامة وتوثيقها في المدونات الضعيفة، ثم انتقل اشتغال التأويل على هذه الأحاديث من الصراع الأهلي إلى الصراع المذهبي والطائفي ثم انتقل تأويلها بعد حين نحو صراع السلطان الظالم مع رعيته وصراع الشعوب المقهورة المتطلعة لنظام اجتماعي عادل ثم حط هذا التأويل رحاله وركابه أخيراً في الصراع في الشرق الأوسط.و إلى جنب وظيفتها في التسلية تمثل هذه الأحاديث لدى العامة منفذاً لتصريف القلق والتوجس من المستقبل وتصب في إيمانهم بالقدرية وحتمية التاريخ واستلاب الإرادة الانسانية إزاء القدر التاريخي مما يعد حيلة دفاعية نفسية تسوغ كسلهم وعجزهم وتضمد جراحهم النرجسية إزاء انكسار الذات وانسحاقها التاريخي وهزيمتها المرة المتطلعة لنصر موعود في النهاية ضمنته تلك الأحاديث الضعيفة التي تنتسب زيفاً إلى القداسة.

إن جغرافية هذه الأخبار والوقائع هي جغرافية تاريخية قديمة بأعلامها وأحداثها وحتى في متخيلها للعنف تختلف عن جغرافية الواقع المعاصر، ومستوى العنف الآن هو من الفظاعة والبشاعة والدمار بنحو يفوق التصديق ولا ينطبق على عنف ما تتحدث عنه تلك الأخبار من كوارث وفتن في آخر الزمان إذ يبدو في المقارنة بين الاثنين أن عنف الأخبار أهون بدرجة كبيرة من عنف واقعنا المعاصر وفتنه وكوارثه، لكن ما زال الاصرار على استحضار تلك الأحاديث كأنها رؤية تستشرف الواقع وتعبئ الناس بمعركة مقدسة كأنها قدر مرسوم ومحتم على الانسان أن يخوضه وأنَّ الهزيمة هي قدر مثلما أنَّ النصر الموعود في النهاية هو قدر إلهي أيضاً. ولكن ماذا بشأن نهاية رؤوف علوان ونضال سعيد مهران في رواية (اللص والكلاب) ؟ لم تنجح محاولة الاغتيال(لعلوان) فبعد أن تسلل لبيته الكبير توهم بأن خادمه هو نفسه، فأطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلاً بدلاً من (علوان)، فكانَ هذا الحادثُ لعنةً جعلتْ من سعيد مهران مُطارداً ويبحث دون جدوى عن ملاذٍ آمن يطمئنُ في كنفه ويفسرُ له معنى وجوده، ولا شك أن في ذلك بعداً إيحائياً رمزياً يدل على سطوة وهيمنة التأويل النفعي العابث الذي يتغذى من مستنقع الجهل ومخاوف الناس على الرغم من نضال الفكر المرير للتحرر منه ولكن دون جدوى لأنَّ الفكرَ الحرَ لا يستطيعُ أَنْ يتحالفَ مع السلطة أي سلطةٍ كانتْ.

***

د. كـريم عـبيـد عـلـوي

نظرية الطبقات عند محمد بن سلام الجمحي وأثرها في تأسيس المنهج النقدي العربي

مقدمة الدراسة: تُعدّ قضيّة النقد الأدبي العربي القديم من أكثر القضايا التي استأثرت بعناية الدارسين والباحثين؛ ذلك لأنّها تمثّل البوابة التي يمكن من خلالها فهم تطوّر الذائقة الجمالية عند العرب، والكشف عن الأسس التي قامت عليها الأحكام النقدية في التراث العربي. وإذا كان النقد العربي القديم قد انشغل بقضايا متعددة من قبيل اللفظ والمعنى، والطبع والصنعة، والسرقات الشعرية، وعمود الشعر، فإنّ قضية “الطبقات” تبقى من القضايا النقدية الكبرى التي أسهمت في تأسيس رؤية منهجية لتقويم الشعراء وترتيبهم وفق معايير مخصوصة تجمع بين القيمة الفنية والبعد التاريخي والاعتبارات الثقافية والاجتماعية.

لقد نشأت فكرة الطبقات في سياق معرفي وثقافي معقد ارتبط بدايةً بعلوم الحديث النبوي، حيث لجأ المحدّثون إلى تصنيف الرواة في مراتب وطبقات ضماناً لصحة الرواية وتمييزاً بين الثقة والضعيف. ثم ما لبث هذا التصور أن انتقل إلى الحقل الأدبي، خاصة بعد انتشار ظاهرة الانتحال والوضع في الشعر العربي، الأمر الذي فرض على العلماء والنقاد البحث عن وسائل علمية تحفظ الشعر من التحريف والتزييف. ومن هنا برزت الحاجة إلى تصنيف الشعراء وتقويم إنتاجهم الشعري وفق مقاييس محددة تراعي الجودة والكثرة والقدرة الفنية والبيئة والعصر وغير ذلك من العناصر التي أصبحت لاحقاً نواة للنقد الأدبي العربي.

وفي هذا السياق يبرز اسم محمد بن سلام الجمحي باعتباره أحد أبرز رواد النقد العربي القديم، وصاحب المحاولة المنهجية الأولى في تصنيف الشعراء ضمن طبقات متمايزة في كتابه الشهير طبقات فحول الشعراء. فقد استطاع ابن سلام أن يفتح أفقاً جديداً في دراسة الشعر العربي من خلال اعتماده مقاييس نقدية متعددة تجاوزت مجرد الجمع والرواية إلى محاولة بناء تصور نقدي يقوم على المفاضلة والتصنيف والتحليل. ولذلك يُنظر إلى كتابه باعتباره مرحلة مفصلية في تاريخ النقد العربي، لأنه نقل الدرس الأدبي من مستوى الرواية والتوثيق إلى مستوى التحليل والتقويم.

إنّ أهمية دراسة فكرة الطبقات عند ابن سلام لا تكمن فقط في بعدها التاريخي، وإنما تتجلى كذلك في قيمتها النقدية والمنهجية؛ إذ إنّ هذا التصنيف يكشف عن بدايات الوعي النقدي العربي، وعن الكيفية التي تشكّلت بها الأحكام الأدبية في الثقافة العربية القديمة. كما أنّ دراسة هذه القضية تسمح بفهم طبيعة العلاقة بين الأدب والعلوم الأخرى، خاصة علم الحديث، وتبرز أثر المناهج المعرفية والدينية في بناء التصورات النقدية.

ومن جهة أخرى، فإنّ البحث في فكرة الطبقات يفتح المجال أمام إعادة قراءة التراث النقدي العربي قراءة حديثة تتجاوز الأحكام الجاهزة، وتحاول الكشف عن الأبعاد الفكرية والجمالية التي انطوى عليها مشروع ابن سلام النقدي. فالرجل لم يكن مجرد جامع للأخبار والأشعار، بل كان صاحب رؤية نقدية واعية سعت إلى وضع معايير للتفاضل بين الشعراء، وإلى تحديد مفهوم “الفحولة الشعرية” انطلاقاً من مقاييس تتعلق بالكثرة والجودة وتنوع الأغراض الشعرية والبيئة والقدرة على الابتكار.

كما تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تسعى إلى إبراز الجهود النقدية العربية القديمة بوصفها محاولات أصيلة أسهمت في تأسيس الفكر النقدي العالمي، خلافاً لبعض التصورات التي تحصر النقد المنهجي في التجربة الغربية وحدها. فابن سلام، ومن خلال مشروعه النقدي، قدّم نموذجاً مبكراً للتصنيف الأدبي القائم على التحليل والمقارنة وإصدار الأحكام النقدية، وهو ما يدل على نضج الوعي النقدي العربي منذ القرون الأولى للهجرة.

وعليه، فإنّ دراسة فكرة الطبقات في النقد العربي القديم لا تعني الوقوف عند حدود التصنيف التاريخي للشعراء، بل تتجاوز ذلك إلى البحث في الأصول الفكرية والجمالية للنقد العربي، والكشف عن طبيعة المعايير التي حكمت الذائقة الأدبية العربية، وتحليل العلاقة بين الأدب والمجتمع والثقافة والدين في التراث العربي الإسلامي.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتمثل في التساؤل حول طبيعة مفهوم" الطبقات " في النقد العربي القديم، والأسس التي اعتمدها محمد بن سلام الجمحي في تصنيف الشعراء، ومدى نجاحه في بناء منهج نقدي متكامل استطاع من خلاله تقويم الشعر العربي وترتيب شعرائه وفق معايير موضوعية.

ويتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسة عدد من التساؤلات الفرعية، من أبرزها:

ما المقصود بمفهوم الطبقات في النقد العربي القديم؟

كيف انتقلت فكرة الطبقات من علم الحديث إلى الحقل الأدبي؟

ما العوامل الفكرية والثقافية التي ساهمت في ظهور هذا التصنيف؟

ما طبيعة المعايير التي اعتمدها ابن سلام في تصنيف الشعراء؟

إلى أي حد استطاع ابن سلام أن يحقق الموضوعية في أحكامه النقدية؟

ما أثر البيئة والعقيدة والغرض الشعري في ترتيب الشعراء داخل الطبقات؟

هل كان مفهوم الطبقات عند ابن سلام قائماً على البعد الزمني أم على القيمة الفنية؟

ما القيمة النقدية والمنهجية لكتاب طبقات فحول الشعراء في تاريخ النقد العربي؟

كيف تلقى النقاد والباحثون المحدثون مشروع ابن سلام النقدي؟

وما حدود نجاحه وإخفاقه في تأسيس رؤية نقدية متكاملة؟

وتنبع أهمية هذه الإشكالية من كونها تتصل بجذور الفكر النقدي العربي، وبكيفية تشكّل الأحكام الجمالية في التراث العربي القديم، كما أنّها تفتح المجال لإعادة تقييم المنجز النقدي العربي بعيداً عن الأحكام الاختزالية التي تقلل من قيمته المعرفية والمنهجية.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والفكرية والنقدية، من أهمها:

الكشف عن الجذور التاريخية والفكرية لفكرة الطبقات في النقد العربي القديم.

إبراز العلاقة بين علم الحديث والنقد الأدبي في نشأة التصنيف الطبقي للشعراء.

تحليل مفهوم الطبقة عند محمد بن سلام الجمحي وبيان أبعاده النقدية والجمالية.

دراسة المنهج النقدي الذي اعتمده ابن سلام في ترتيب الشعراء وتقويمهم.

توضيح المعايير التي استند إليها في بناء طبقاته الشعرية، مثل الجودة والكثرة والغرض الشعري والبيئة والعقيدة.

إبراز القيمة العلمية والنقدية لكتاب طبقات فحول الشعراء في مسار النقد العربي القديم.

الوقوف عند أبرز القضايا النقدية التي أثارها ابن سلام، مثل الانتحال، والذوق، والفحولة الشعرية، وأثر البيئة في الإبداع.

إعادة قراءة التراث النقدي العربي قراءة حديثة تكشف عن عمقه المنهجي والفكري.

بيان أثر مشروع ابن سلام في تطور الدراسات النقدية العربية اللاحقة.

المساهمة في إغناء الدراسات الأكاديمية المرتبطة بالنقد العربي القديم وقضاياه المنهجية.

 الأصول الفكرية لفكرة الطبقات في النقد العربي القديم:

 مفهوم الطبقات وجذوره المعرفية:

 مفهوم الطبقات في الثقافة العربية:

يشير مفهوم " الطبقات " في الثقافة العربية الإسلامية إلى تصنيف الأشخاص في مراتب أو فئات وفق معايير معينة، قد تكون زمنية أو علمية أو فنية أو اجتماعية. وقد ارتبط هذا المفهوم في بداياته بعلم الحديث، حيث صنف المحدّثون الرواة إلى طبقات اعتماداً على الثقة والضبط والعدالة، ثم انتقل هذا المفهوم تدريجياً إلى علوم أخرى مثل الفقه والنحو والتاريخ والأدب.

ولم يكن هذا التصنيف مجرد عملية تنظيمية، بل كان يعكس وعياً معرفياً يسعى إلى التمييز بين مراتب العلماء والرواة والمبدعين، ويهدف إلى حفظ التراث من التحريف والضياع. ومن هنا فإنّ فكرة الطبقات تمثل مظهراً من مظاهر العقلية العلمية العربية التي حاولت ضبط المعرفة وتصنيفها وفق معايير دقيقة.

أثر علم الحديث في نشأة فكرة الطبقات الأدبية:

لا يمكن فهم فكرة الطبقات في النقد العربي القديم دون العودة إلى أثر علم الحديث في تشكيلها. فقد واجه علماء الحديث مشكلة خطيرة تمثلت في انتشار الأحاديث الموضوعة والمنحولة، الأمر الذي دفعهم إلى ابتكار منهج علمي قائم على الجرح والتعديل وتصنيف الرواة في طبقات.

وقد تأثر الأدباء والنقاد بهذا المنهج، خاصة بعد انتشار ظاهرة الانتحال في الشعر العربي، فحاولوا تطبيق آليات التوثيق نفسها على الشعر والشعراء. ومن هنا انتقلت مفاهيم مثل " الثقة " و" الضعيف " و" الصحيح " إلى المجال الأدبي، وأصبح النقد الأدبي يسعى إلى التمييز بين الشعر الصحيح والمنحول، وبين الشاعر الفحل والشاعر الضعيف.

لقد كان هذا التأثير عميقاً إلى درجة أنّ كثيراً من النقاد الأوائل تعاملوا مع الشعر بوصفه مادة تحتاج إلى التحقيق والتوثيق قبل إصدار الأحكام النقدية بشأنها، وهو ما مهّد لظهور التصنيف الطبقي للشعراء.

 محمد بن سلام الجمحي ومشروعه النقدي:

شخصية ابن سلام وثقافته النقدية:

 حياة ابن سلام العلمية:

ولد محمد بن سلام الجمحي بالبصرة سنة 139هـ، في بيئة علمية كانت تموج بحركة ثقافية وفكرية نشطة. وقد تتلمذ على يد كبار اللغويين والرواة مثل الأصمعي وأبي عبيدة والمفضل الضبي، الأمر الذي أكسبه ثقافة لغوية ونقدية واسعة.

وكان لهذه البيئة العلمية أثر بالغ في تكوين شخصيته النقدية، إذ جمع بين المعرفة اللغوية والرواية الأدبية والذوق النقدي، وهو ما انعكس بوضوح في كتابه طبقات فحول الشعراء.

 القيمة النقدية لكتاب " طبقات فحول الشعراء " :

يعد كتاب طبقات فحول الشعراء من أهم الكتب النقدية في التراث العربي، لأنه تجاوز حدود الرواية إلى بناء رؤية نقدية قائمة على التصنيف والتحليل والمفاضلة. فقد حاول ابن سلام أن يضع الشعراء في مراتب وفق معايير دقيقة، وهو ما يمثل بداية الوعي المنهجي بالنقد الأدبي.

كما تميز الكتاب بمقدمته النقدية التي ناقش فيها قضايا الانتحال، والذوق، وعلاقة البيئة بالشعر، وصفات الناقد، وهي قضايا تؤكد عمق وعيه النقدي وريادته الفكرية.

المعايير النقدية في تصنيف الشعراء عند ابن سلام:

معيار الجودة والكثرة:

اعتمد ابن سلام على معيار الكثرة المقرونة بالجودة في تصنيف الشعراء، إذ كان يرى أنّ الشاعر الفحل هو الذي يجمع بين غزارة الإنتاج وجودته الفنية. ولذلك قدّم بعض الشعراء بسبب كثرة شعرهم وتنوعه، وأخر آخرين بسبب قلة إنتاجهم رغم جودة شعرهم.

ويكشف هذا المعيار عن نزوع نقدي واضح نحو الربط بين الكم والكيف، وهو ما يدل على محاولة بناء تصور متكامل للفحولة الشعرية.

معيار التنوع والغرض الشعري:

لم يكتف ابن سلام بالجودة والكثرة، بل اعتمد أيضاً على قدرة الشاعر على التنوع في الأغراض الشعرية. فالشاعر المتمكن في نظره هو الذي يستطيع الإبداع في المدح والهجاء والفخر والرثاء والغزل وغيرها من الفنون الشعرية.

كما خصص طبقات لبعض الشعراء الذين تميزوا في أغراض معينة مثل الرثاء، وهو ما يكشف عن وعيه بأثر التجربة النفسية في تشكيل الإبداع الشعري.

 البيئة والعقيدة وأثرهما في التصنيف:

أدرك ابن سلام أنّ البيئة تؤثر في طبيعة الشعر وأسلوبه، ولذلك ميّز بين شعر البادية وشعر الحاضرة، وربط بين الحروب والصراعات وبين قوة الشعر وجزالته.

كما اعتمد العقيدة معياراً في بعض التصنيفات، حين خصص طبقة للشعراء اليهود، وهو ما يعكس تأثر التصنيف النقدي بالسياقات الثقافية والاجتماعية السائدة آنذاك.

خاتمة الدراسة:

خلصت هذه الدراسة إلى أنّ فكرة الطبقات في النقد العربي القديم تمثل منعطفاً حاسماً في تطور الفكر النقدي العربي، لأنها نقلت الدرس الأدبي من مجرد الرواية والحفظ إلى مستوى التحليل والتقويم والمفاضلة. وقد كان محمد بن سلام الجمحي من أبرز النقاد الذين أسهموا في ترسيخ هذا التحول من خلال كتابه طبقات فحول الشعراء الذي يعدّ من أوائل الكتب النقدية المنهجية في التراث العربي.

وقد أظهرت الدراسة أنّ فكرة الطبقات لم تنشأ داخل الحقل الأدبي بشكل مستقل، وإنما ارتبطت في بداياتها بعلم الحديث، حيث استعار النقاد العرب آليات الجرح والتعديل والتوثيق من المحدّثين، ثم أعادوا توظيفها في نقد الشعر وتقويم الشعراء. وهذا ما يدل على التفاعل العميق بين العلوم العربية الإسلامية، وعلى قدرة الثقافة العربية على بناء مناهج معرفية متداخلة ومتكاملة.

كما تبين أنّ ابن سلام لم يكن مجرد راوٍ أو جامع للأخبار، بل كان ناقداً واعياً يمتلك رؤية منهجية واضحة، ظهرت في حرصه على تصنيف الشعراء وفق معايير متعددة تجمع بين الجودة الفنية والكثرة والتنوع والقدرة على الإبداع. وقد استطاع من خلال هذا التصنيف أن يرسّخ مفهوم “الفحولة الشعرية” بوصفه معياراً نقدياً يقوم على التميز والاقتدار الفني.

وأثبتت الدراسة كذلك أنّ ابن سلام كان واعياً بأهمية البيئة في تشكيل التجربة الشعرية، ولذلك ميّز بين شعر البادية وشعر الحاضرة، وربط بين الحروب والصراعات القبلية وبين ازدهار الشعر وقوته. كما التفت إلى أثر العقيدة والغرض الشعري في بناء التصنيف، الأمر الذي يكشف عن اتساع رؤيته النقدية وعمق إدراكه للعوامل المؤثرة في الإبداع الأدبي.

وعلى الرغم من القيمة الكبيرة لمشروعه النقدي، فإنّ ابن سلام لم يسلم من بعض المآخذ، إذ بدت بعض أحكامه متأثرة بالذوق الشخصي أو بالموروث الثقافي السائد، كما أنّ بعض معاييره لم تكن مطردة في جميع الأحوال. غير أنّ هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية جهوده، بل تؤكد طبيعة المرحلة التأسيسية التي كان يشتغل ضمنها.

إنّ القيمة الحقيقية لكتاب طبقات فحول الشعراء تكمن في كونه فتح الطريق أمام الدراسات النقدية اللاحقة، ورسّخ تقاليد نقدية ظلت مؤثرة في الثقافة العربية قروناً طويلة. ولذلك فإنّ إعادة قراءة هذا التراث اليوم تمثل ضرورة علمية وثقافية، لأنها تتيح فهماً أعمق لجذور الفكر النقدي العربي، وتساعد على إبراز إسهاماته في بناء النظرية الأدبية والنقدية.

نتائج الدراسة:

أسفرت هذه الدراسة، التي تناولت فكرة الطبقات في النقد العربي القديم عند محمد بن سلام الجمحي من خلال كتابه طبقات فحول الشعراء، عن مجموعة من النتائج العلمية والفكرية والنقدية التي تكشف عن عمق المشروع النقدي الذي أنجزه ابن سلام، وعن طبيعة التحولات التي شهدها النقد العربي في مراحله التأسيسية. ويمكن إجمال أهم هذه النتائج فيما يأتي:

أولاً: ريادة ابن سلام في تأسيس التصنيف النقدي العربي:

توصلت الدراسة إلى أنّ محمد بن سلام الجمحي يُعدّ من أوائل النقاد العرب الذين حاولوا بناء تصور منهجي متكامل لتقويم الشعراء وتصنيفهم، حيث لم يقتصر جهده على جمع الأشعار والأخبار، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إقامة معايير نقدية واضحة تحدد منزلة الشاعر ومكانته الفنية. وقد جعل هذا الأمر من كتاب طبقات فحول الشعراء نقطة تحول بارزة في تاريخ النقد العربي القديم.

كما كشفت الدراسة أنّ أهمية ابن سلام لا تكمن فقط في ريادته الزمنية، وإنما أيضاً في وعيه النقدي الذي جعله يدرك ضرورة الانتقال من الرواية الشفوية والانطباعات الذوقية إلى نوع من التصنيف القائم على الموازنة والتحليل والتفاضل.

ثانياً: تأثر فكرة الطبقات بعلم الحديث:

أكدت الدراسة أنّ فكرة الطبقات في النقد الأدبي العربي لم تنشأ بصورة مستقلة داخل الحقل الأدبي، وإنما تأثرت تأثراً واضحاً بعلم الحديث وآلياته المنهجية. فقد استلهم النقاد العرب الأوائل من المحدّثين منهج الجرح والتعديل والتوثيق، ثم نقلوه إلى مجال الشعر والأدب.

وقد تبين أنّ هذا التأثر لم يكن شكلياً فحسب، بل كان عميقاً في جوهره؛ إذ إنّ ابن سلام تعامل مع الشعر بوصفه مادة تحتاج إلى التحقيق والتثبت قبل إصدار الأحكام النقدية بشأنها، وهو ما يفسر اهتمامه بقضايا الانتحال والوضع وصحة الرواية.

وتكشف هذه النتيجة عن طبيعة التداخل المعرفي بين العلوم العربية الإسلامية، كما تؤكد أنّ النقد العربي القديم نشأ داخل بيئة علمية وثقافية متشابكة ساهمت في بلورة أدواته ومناهجه.

ثالثاً: الطابع القيمي لمفهوم الطبقة عند ابن سلام:

أوضحت الدراسة أنّ مفهوم “الطبقة” عند ابن سلام لم يكن مفهوماً زمنياً قائماً على ترتيب الشعراء بحسب العصور والأجيال فقط، وإنما كان مفهوماً قيمياً يقوم أساساً على التفاضل الفني والجمالي بين الشعراء.

فقد تبين أنّ ابن سلام كان يضع الشعراء في مراتب وفق قيمتهم الشعرية وجودة إنتاجهم، لا وفق انتمائهم الزمني وحده، ولذلك جمع أحياناً شعراء متباعدين زمنياً داخل الطبقة نفسها إذا رأى بينهم تكافؤاً في الفحولة والاقتدار الفني.

وهذا يدل على أنّ التصنيف عنده كان ذا طبيعة نقدية أكثر منه تاريخية، وأنّ هدفه الرئيس كان بناء سلّم جمالي لتقويم الشعراء.

رابعاً: تعدد المعايير النقدية في التصنيف:

توصلت الدراسة إلى أنّ ابن سلام لم يعتمد معياراً واحداً في تصنيف الشعراء، بل استند إلى مجموعة من المعايير المتداخلة التي تكشف عن وعي نقدي متقدم. ومن أهم هذه المعايير:

كثرة الإنتاج الشعري مع جودته.

القدرة على التنوع في الأغراض الشعرية.

قوة الأسلوب وجزالة اللفظ.

أثر البيئة في تكوين التجربة الشعرية.

الغرض الشعري، خاصة الرثاء.

العقيدة والانتماء الثقافي.

شهرة الشاعر ومكانته بين الرواة والعلماء.

وقد أظهر هذا التعدد أنّ ابن سلام كان يسعى إلى بناء رؤية شمولية للشاعر، لا تقتصر على جانب واحد من جوانب الإبداع.

خامساً: الوعي المبكر بعلاقة البيئة بالإبداع الأدبي:

كشفت الدراسة أنّ ابن سلام كان من أوائل النقاد العرب الذين تنبهوا إلى أثر البيئة والمكان في تشكيل التجربة الشعرية. فقد فرّق بين شعر البادية وشعر الحاضرة، وربط بين حياة الصحراء وما تفرضه من خشونة وقوة وبين جزالة الشعر وفحولته.

كما أدرك أثر الحروب والصراعات القبلية في ازدهار الشعر العربي، ورأى أنّ البيئات التي تعرف الصراع والحركة تنتج شعراً أقوى وأكثر حرارة من البيئات المستقرة الهادئة.

وهذا الوعي المبكر بعلاقة الأدب بالبيئة يدل على نضج الرؤية النقدية عند ابن سلام، ويكشف عن إدراكه للعوامل الاجتماعية والنفسية المؤثرة في الإبداع.

سادساً: حضور الذوق النقدي إلى جانب المنهج:

رغم الطابع المنهجي الواضح في مشروع ابن سلام، فقد أظهرت الدراسة أنّ أحكامه النقدية لم تكن تخلو من حضور الذوق الشخصي والانطباع الذاتي. ففي بعض المواضع بدا متأثراً بثقافته الخاصة أو بآراء الرواة والعلماء الذين سبقوه.

كما أنّ بعض معاييره لم تكن مطردة دائماً، إذ كان أحياناً يقدّم شاعراً بسبب كثرة شعره، ثم يعود في موضع آخر ليغلب الجودة على الكثرة.

غير أنّ هذا الأمر لا يُعدّ نقصاً جوهرياً في مشروعه، بل يعكس طبيعة المرحلة التأسيسية التي كان النقد العربي يعيشها آنذاك، حيث كانت الأحكام النقدية ما تزال تتأرجح بين الذوق والمنهج.

سابعاً: القيمة التأسيسية لكتاب "طبقات فحول الشعراء" :

أثبتت الدراسة أنّ كتاب طبقات فحول الشعراء يمثل واحداً من أهم الكتب المؤسسة للنقد العربي القديم، لأنه وضع اللبنات الأولى للتصنيف الأدبي القائم على المعايير الفنية والجمالية.

وقد مهد هذا الكتاب الطريق أمام النقاد اللاحقين لتطوير البحث النقدي، كما أسهم في ترسيخ مفاهيم مثل الفحولة الشعرية والموازنة والتفاضل النقدي.

ولذلك يمكن القول إنّ مشروع ابن سلام شكّل بداية الوعي المنهجي بالنقد الأدبي العربي.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العلمية والمنهجية التي قد تسهم في تطوير البحث في مجال النقد العربي القديم، وتفتح آفاقاً جديدة لدراسة التراث الأدبي والنقدي العربي:

أولاً: إعادة قراءة التراث النقدي العربي قراءة حديثة :

توصي الدراسة بضرورة إعادة قراءة كتب النقد العربي القديم قراءة علمية حديثة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو الرؤى الاختزالية التي تقلل من قيمتها الفكرية والمنهجية. فالكثير من هذه الكتب ما يزال يحمل رؤى نقدية عميقة يمكن الإفادة منها في الدراسات المعاصرة.

ثانياً: تشجيع الدراسات المقارنة :

تدعو الدراسة إلى إنجاز بحوث مقارنة بين النقد العربي القديم والنظريات النقدية الحديثة، خاصة في القضايا المتعلقة بالتصنيف الأدبي والمعايير الجمالية وعلاقة الأدب بالمجتمع والبيئة.

فمثل هذه الدراسات من شأنها أن تكشف عن أصالة النقد العربي، وتبرز نقاط التقاطع والاختلاف بينه وبين المناهج النقدية الحديثة.

ثالثاً: العناية بتحقيق كتب التراث النقدي :

توصي الدراسة بضرورة العناية بتحقيق كتب النقد العربي وتحقيق نصوصها وفق أسس علمية دقيقة، لأنّ كثيراً من هذه الكتب ما يزال يعاني من اضطراب الروايات أو نقص التحقيق.

كما ينبغي إعادة نشر هذه الكتب بصورة أكاديمية حديثة تسهّل على الباحثين والطلاب الإفادة منها.

رابعاً: توسيع الدراسات الخاصة بأعلام النقد العربي :

تدعو الدراسة إلى توجيه مزيد من البحوث نحو أعلام النقد العربي القديم، مثل محمد بن سلام الجمحي والجاحظ وابن قتيبة والآمدي، لأنّ مشاريعهم النقدية ما تزال غنية بالقضايا الفكرية والجمالية التي تستحق الدراسة والتحليل.

خامساً: إدراج النقد العربي القديم في المناهج الجامعية بصورة أوسع:

توصي الدراسة بضرورة تعزيز حضور النقد العربي القديم في البرامج الجامعية، وعدم الاقتصار على المناهج النقدية الغربية الحديثة، وذلك من أجل تحقيق التوازن المعرفي وإبراز إسهامات التراث العربي في بناء الفكر النقدي العالمي.

سادساً: الاهتمام بالدراسات البينية:

تدعو الدراسة إلى توسيع الأبحاث التي تدرس العلاقة بين النقد الأدبي والعلوم الإسلامية الأخرى، مثل علم الحديث والفقه واللغة والتاريخ، لأنّ هذه العلاقات تكشف عن طبيعة البناء المعرفي المتكامل في الثقافة العربية الإسلامية.

سابعاً: توظيف المناهج الحديثة في دراسة التراث :

توصي الدراسة بتوظيف المناهج الحديثة، مثل المنهج السيميائي والتداولي والتفكيكي والثقافي، في تحليل كتب النقد العربي القديم، بما يسمح بإعادة اكتشاف أبعاد جديدة في هذا التراث.

ثامناً: إبراز البعد الحضاري للنقد العربي القديم :

تؤكد الدراسة ضرورة إبراز النقد العربي القديم بوصفه جزءاً من الحضارة الإنسانية، لا مجرد تراث محلي محدود، لأنّه أسهم في بناء مفاهيم نقدية وجمالية ذات قيمة عالمية، وكان شاهداً على نضج العقل النقدي العربي في مرحلة مبكرة من التاريخ الثقافي.

***

د. منير محقق

دفاعٌ عن حرية الخيال

منذ أن وُجد الشِّعر بوصفه أرقى تجليات اللغة الإنسانية، وهو يمارس فعلَ الانعتاق قبل أن يمارس فعلَ الوصف، ويؤسّس للحرية قبل أن يؤسّس للأجوبة. فالشاعر الحقيقي لا يكتب من داخل الأسوار، بل من شرفات الاحتمال؛ ولا ينصت إلى الأوامر الجاهزة بقدر ما ينصت إلى ذلك النداء الغامض الصاعد من أعماق الوجود. ولذلك ظلّ الشِّعر، عبر تاريخه الطويل، قوةً متمرّدة على كل أشكال التدجين الفكري، ومجالاً رحباً لمقاومة تحويل الإنسان إلى وظيفة أيديولوجية أو رقمٍ في آلة الجماعة.

لقد تعرّض الشِّعر، في مراحل عديدة من التاريخ، لمحاولات متكررة لإخضاعه لمفاهيم الالتزام الصارمة، حتى بدا وكأنه مطالب بأن يتحول إلى منشور سياسي أو خطاب تعبوي أو بيان عقائدي. غير أنّ هذا الفهم يختزل جوهر الشعر ويجرده من وظيفته الأعمق؛ إذ إنّ القصيدة ليست بياناً حزبياً، وليست وثيقةً تنظيمية، بل هي فعلُ كشفٍ للإنسان في هشاشته وعظمته معاً.

حين كتب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن «الشعر هو تأسيس الوجود بالكلمة»، كان يشير إلى تلك الطاقة الكاشفة التي تجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية نحو أفق الوجود ذاته. فالشاعر لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يفتح النوافذ أمام الأسئلة الكبرى؛ ولذلك فإن الشعر يظلّ بطبيعته عصيّاً على الاحتواء الأيديولوجي، لأن الأيديولوجيا تبحث عن اليقين، بينما يبحث الشعر عن الدهشة.

لقد حذّر الناقد الفرنسي رولان بارت من كل خطاب يدّعي امتلاك المعنى النهائي، لأن اللغة نفسها فضاءٌ للتعدد والانفتاح. ومن هذا المنظور يصبح الشعر فعلاً مضاداً لكل سلطة ترغب في احتكار الحقيقة. فالقصيدة العظيمة لا تقول للقارئ ماذا يفكر، بل تدعوه إلى أن يفكر بنفسه؛ لا تقوده إلى العقيدة، بل إلى الحرية.

ومن هنا يمكن فهم اعتراض عدد من كبار الشعراء والمفكرين على مفهوم «الالتزام» عندما يتحول إلى قيدٍ جمالي. فالشاعر الفرنسي بول فاليري كان يرى أن الشعر يبدأ حيث تنتهي المنفعة المباشرة. أما أوكتافيو باث فقد اعتبر الشعر شكلاً من أشكال الحرية المطلقة، لأن القصيدة تخلق عالماً لا يخضع لقوانين السوق أو السلطة أو المؤسسة.

إنّ أسطرة الالتزام تنبع من وهمٍ قديم مفاده أن قيمة الأدب تُقاس بمدى خدمته لقضية خارجية. غير أنّ التجربة الإنسانية تثبت أن أعظم الأعمال الأدبية لم تخلد لأنها رفعت شعاراً سياسياً، بل لأنها استطاعت أن تنفذ إلى جوهر الإنسان. فمآسي شكسبير لا تزال حية لأنها تكشف طبيعة السلطة والطموح والخوف والحب، لا لأنها انحازت إلى حزب أو عقيدة. وروايات دوستويفسكي باقية لأنها حفرت في أعماق النفس البشرية، لا لأنها قدّمت برنامجاً سياسياً.

لقد أدرك العديد من النقاد هذه الحقيقة حين رأوا أن الشاعر ليس موظفاً لدى المجتمع، بل هو قوة نقدية تزعزع المسلّمات وتعيد مساءلة البداهات. فالشاعر، وفق هذا التصور، ليس بوقاً للجماعة، وإنما ضميرها القلق. إنه الكائن الذي يقف دائماً في المسافة الحرجة بين الواقع والحلم، بين الممكن والقائم، بين السلطة والحقيقة.

والحق أن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعر هو أدلجة الخيال. فالخيال هو المملكة الأخيرة للحرية الإنسانية، وحين يُخضع لمنطق العقيدة الجامدة يفقد قدرته على الابتكار. وقد تنبّه الفيلسوف هربرت ماركوزه إلى هذه المسألة حين رأى أن المخيلة تمتلك وظيفة تحررية لأنها تكسر حدود الواقع المفروض وتفتح أفقاً لعالمٍ آخر أكثر إنسانية.

إنّ الأيديولوجيا بطبيعتها تسعى إلى التنظيم والتصنيف والتحديد، بينما يقوم الخيال على الاختراق والتجاوز والتحويل. ولهذا تبدو العلاقة بينهما علاقة توتر دائم. فحين تنتصر الأيديولوجيا تموت المجازات، وحين يزدهر الخيال تستعيد اللغة قدرتها على الخلق.

ولعلّ الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، على الرغم من انخراطه السياسي، قدّم نموذجاً دالاً على هذا التوتر؛ إذ إن أجمل قصائده ليست تلك التي كرّست شعارات مباشرة، بل تلك التي احتفت بالحب والبحر والإنسان والطبيعة. فالفن لا يخلد بقدر ما يكون خطاباً، بل بقدر ما يكون كشفاً جمالياً.

ومن هنا فإن الدفاع عن الشعر بوصفه انعتاقاً لا يعني الدعوة إلى العزلة أو الهروب من قضايا الإنسان، بل يعني رفض تحويل القصيدة إلى أداة دعائية. فالشاعر يستطيع أن يكون منحازاً للعدالة والحرية والكرامة، لكن انحيازه الحقيقي يتحقق عبر الإبداع لا عبر التلقين، وعبر الرؤية لا عبر الشعارات.

لقد قال محمود درويش يوماً إن القصيدة ليست بياناً سياسياً، وإن الشعر كلما اقترب من المباشرة خسر جزءاً من شعريته. وهذه الرؤية تنسجم مع الفهم العميق لوظيفة الفن بوصفه مساحة للمعنى المفتوح، لا ساحة للحقائق المغلقة.

إنّ الشعر العظيم لا يحرّر الإنسان من سلطة سياسية فحسب، بل يحرّره أيضاً من سجن اللغة الجاهزة، ومن العبارات المستهلكة، ومن الصور النمطية التي تفرضها الثقافة السائدة. إنه تمرين دائم على إعادة اكتشاف العالم. ولذلك كان الشاعر، في مختلف الحضارات، أقرب إلى الرائي منه إلى الخطيب، وأقرب إلى الحالم منه إلى الموظف.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأيديولوجيات وتتناسل اليقينيات المغلقة، تبدو الحاجة إلى الشعر أشدّ من أي وقت مضى. فالشعر ليس ترفاً لغوياً ولا زينةً ثقافية، بل ضرورة وجودية؛ لأنه يحمي الإنسان من التحول إلى كائن أحادي البعد، ويذكّره بأن الحقيقة أوسع من كل العقائد، وأن الجمال أرحب من كل المؤسسات، وأن الحرية تبدأ دائماً من المخيلة.

وهكذا يظل الشعر، في جوهره العميق، فعلَ مقاومةٍ ضد كل أشكال الأسر؛ مقاومةً للسلطة حين تتغول، وللأيديولوجيا حين تتجمد، ولليقين حين يتحول إلى سجن. إنه انعتاق اللغة من وظيفتها النفعية، وانعتاق الإنسان من اختزاله في هوية واحدة أو فكرة واحدة أو حقيقة واحدة. فحيث تنتهي الأدلجة يبدأ الشعر، وحيث تُغلق العقائد أبوابها تفتح القصيدة نوافذها على المجهول، ليبقى الخيال آخرَ معاقل الحرية، وأجملَ ما في الإنسان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

جدلية الحقيقة والخيال قراءة في الإبداع الرقمي.. قصيدة «أزهار الكلام» للدكتور عبد الرحمن بن شويحة نموذجًا

لم تعد القصيدة العربية الحديثة تُقرأ اليوم بوصفها كلامًا موزونًا مؤثّرًا فحسب، بل بوصفها جهازًا دلاليًّا معقّدًا تتضافر فيه اللغة والرؤيا والإيقاع والصورة والمرجع الثقافي من أجل بناء تجربة شعرية ذات طاقة تأويلية عالية. ومن هنا كان مفهوم الشعرية من أكثر المفاهيم فاعليةً في الدرس النقدي المعاصر؛ إذ اتجه من الوصف البلاغي التقليدي إلى مساءلة القوانين الداخلية التي تمنح النص الأدبي خصوصيته وتميّزه الجمالي. وقد لخّص حسن ناظم هذا المنحى حين قدّم الشعرية باعتبارها بحثًا في قوانين الخطاب الأدبي، في حين ربط صلاح فضل شعرية النص بدرجات التشكيل والاختلاف والانزياح الأسلوبي وكثافة العلاقات التي تنتظم القصيدة من الداخل [1].

وانطلاقًا من هذا الأفق النظري، تبدو قصيدة «أزهار الكلام» للدكتور عبد الرحمن بن شويحة نصًّا جديرًا بالقراءة المتأنية؛ ومثلا للنص الرقمي الرصين حيث نشرت على اليوتيوب، فهي لا تتحرك في مدار البوح المباشر، بل تقوم على جدلٍ مركّب بين الجرح والولادة، والحقيقة والخيال، والذات والمكان، والتراث والحاضر، بما يفضي إلى خطاب شعري شديد الكثافة، تحضر فيه الاستعارة لا بوصفها تزيينًا، بل بوصفها آلية للمعرفة والكشف.

تتحدد إشكالية هذه الدراسة في تساؤل مركزي: كيف استطاع النص تشكيل وعيه الجمالي والوجودي من خلال التنازع بين عذوبة اللفظ (الأزهار) وفظاعة الواقع (القصف والحذف)؟ وكيف تحول المكان (صنعاء) والجرح الذاتي من أطر مرجعية واقعية إلى علامات سيميائية وشعرية تؤسس لاغتراب الذات داخل البناء العمودي للقصيدة؟ وتعتمد الدراسة على المنهج الأسلوبي السيميائي ببعده التفكيكي والأنطولوجي لتفكيك بنى النص الداخلية واستنطاق مرجعياته الثقافية.

أولًا: عتبة العنوان: من التسمية إلى الإغواء التأويلي

إذا كانت الدراسات الحديثة قد جعلت من العنوان بوابةً أولى للنص ومرشدًا إلى مقاصده المحتملة، فلأن العنوان لم يعد عنصرًا هامشيًا أو بطاقة تعريف خارجية، بل صار وحدة دلالية تؤدي وظيفة التعيين والإغراء والتوجيه معًا. وقد أكدت دراسات عربية حديثة أن العنوان هو «الإشارة الأولى» التي توجه القارئ وتلزمه بمحاورتها، وأنه يمثل عتبة أولى من عتبات النص، وعنصرًا أساسيًا في تشكيل الدلالة وفعل التأويل [5].

ومن هذه الزاوية، فإن عنوان القصيدة «أزهار الكلام» كما ورد في صدر النص ينهض على مفارقة دلالية لافتة. فـ«الأزهار» تحيل، في المعجم الثقافي والوجداني، إلى النماء والجمال والعبير والرقة، لكنّ المتن الشعري سرعان ما يبدّل هذه الإحالة المألوفة حين يجعل الكلام نفسه موضعًا للخطر، والحذف، والاحتراق والقصف. وهكذا تتأسس العتبة على توتر خفيّ بين الزهر بوصفه رمزًا للحياة والكلام بوصفه مادةً للنجاة والخذلان معًا.

ويغدو العنوان، والحال هذه، ليس تسميةً محايدةً لقصيدة، بل برنامجًا دلاليًا يعلن منذ البدء أن النص سيقارب اللغة من جهة هشاشتها وخصوبتها في آنٍ معًا. وإذا كان الزهر في وعي المتلقي يرتبط بالقطف والتملك والبهجة العابرة، فإن الشاعر يعيد صياغة هذه الإحالة داخل المتن نفسه حين يقول:

خَبَّأْتُ أَزْهَارَ الْكَلَامِ لِحِكْمَةٍ

لَمَّا أَشَاعَ النَّاسُ دِينَ الْقَطْفِ

هنا يتضح أن العنوان لا يكتمل معناه إلا بالعودة إلى متن النص؛ فـ«أزهار الكلام» ليست كلامًا مزهرًا على معنى الزينة البيانية فحسب، بل هي جواهر المعنى التي يخفيها الشاعر عن عالمٍ استباح «دين القطف»، أي عالم الاستهلاك السريع والسطو على الجمال من غير إدراك لحكمته أو حُرمته. ومن ثمّ تتحول العتبة إلى موقف شعري وأخلاقي معًا: إنها دفاع عن الكلام الأصيل في وجه الابتذال، وعن النداوة الروحية في وجه الاستهلاك الإنساني.

ويزداد العنوان غنى إذا قُرئ في ضوء مفهوم العتبات النصية (Paratexts) كما بلوره جيرار جينيت في التداول النقدي الغربي، وكما شرحه عبد الحق بلعابد في سياق الاستقبال العربي؛ إذ تصبح العتبة فضاءً وسيطًا بين خارج النص وداخله، بين القارئ والمتن، وهي لا «تشرح» النص بقدر ما تستدرجه إلى منطقة من التوقع والتأويل [6]، [7]. وعلى هذا الأساس، فإن «أزهار الكلام» يحفّز قارئه على انتظار قصيدة رخية أو احتفالية، لكنه يفاجئه بنصٍّ جريح يجاور بين الزهر والقصف، وبين الماء والطعن، وبين الفكرة والحذف؛ فتنبثق شعرية العنوان من المسافة بين ما يوحي به اللفظ وما يفتحه المتن من هولٍ وعمقٍ واحتراق.

بل يمكن القول إن العنوان، في هذه القصيدة، ليس مجرد عتبة أولى، بل نواة رمزية تتشعّب منها بقية الصور: فالقصيدة نفسها زهرة مهددة، والكلام زهرة تحت القصف، والشاعر بستانيٌّ يعرف أن زمن القطف السريع لا يرحم المعنى العميق. ومن هنا تكتسب العتبة قيمة تأويلية مركزية؛ إذ تختزل الصراع بين جمالية اللغة وعنف التاريخ.

ثانيًا: أنطولوجيا الجرح بوصفها مادة الوعي الشعري

يبدأ النص من جرح الذات يعلن انكسار الجسد وانبعاث الروح:

أَحْسُو جِرَاحَاتِي الَّتِي لَمْ تَكْفِ

لِتُذِيعَ مِيلَادِي عَشِيَّةَ حَتْفِي

إن هذا المطلع يصوغ منذ اللحظة الأولى مفارقةً وجوديةً بالغة الحدة: فالميلاد لا يأتي في لحظة النشوء والابتداء البيولوجي، وإنما يظهر عشية الحتف، كأن التجربة الإنسانية لا تبلغ اكتمالها وتجليها الأسمى إلا بعد المرور في امتحان الفناء والعدم. غير أن قيمة هذا المطلع لا تكمن في مضمونه التراجيدي وحده، بل في الطاقة التعبيرية والانزياح الأسلوبي عبر الفعل «أحسو»؛ إذ إن الشاعر لا يصف جراحه من الخارج، ولا يندبها بكاءً، بل يشربها شربًا ويسرّبها إلى الداخل، فيجعل الألم مادة حيوية وجزءًا من ذاكرته الجسدية والروحية.

ومن ثمّ يغدو الجرح في القصيدة شرطًا للرؤيا، لا أثرًا جانبيًا من آثار التجربة. وهذا الفهم ينسجم مع تصورات الشعرية الحديثة التي جعلت من التحول في وظيفة اللغة ــ من الإخبار التقريري إلى خلق الأثر والدهشة والانزياح ــ أساسًا في تمييز الخطاب الأدبي من الخطاب العادي [2]. فالنص الشعري هنا لا يخبرنا بأن الشاعر تألم، بل يجعل اللغة نفسها تتألم وتُولِّد معنى الألم من خلال تركيبٍ مفارق وصورة متوترة.

ويتسع هذا الجرح من الدائرة الشخصية الذاتية إلى أفقٍ كوني إنساني أعمّ حين يقول الشاعر:

أَنَا كُلُّ مَنْ سَلَكُوا الْحَيَاةَ إِلَى الرَّدَى

لَكِنْ تَنَاسَوْهَا أَمَامَ الْخَوْفِ

فالأنا هنا تتجرد من تشخصها الفردي المعزول، بل تتحول عبر الحلول والتماهي إلى "أنا جمعية" تمثّل خبرة الإنسان في خوفه، وهشاشته، وتردده أمام المصير الحتمي. وبهذا المعنى، لا يبقى النص أسير الاعتراف الذاتي الضيق، بل يدخل في منطقة التمثيل الوجودي الذي يجعل الذات مرآةً للنوع البشري بأسره.

ثالثًا: جدلية الحقيقة والخيال: القصيدة مقام كشف

من أكثر الثنائيات الإبستمولوجية حضورًا في النص ثنائية الحقيقة/الخيال، وهي ثنائية لا تُبنى على التضاد الإقصائي، بل على التفاعل الجدلي المنتج للرؤيا. يقول الشاعر:

أَرْتَادُ حَانَاتِ الْحَقِيقَةِ بَاحِثًا

عَنْ خَمْرِهَا وَعَنِ الْخَيَالِ الصِّرْفِ

ثم يثبّت هذه القيمة المعرفية في موضع آخر بقوله:

إِنَّ الْخَيالاتِ احْتِمَالٌ لِلرُّؤَى

أَمَّا الْقَصِيدَةُ خَمْرَةٌ فِي عُرْفِي

يُفهم من هذين الموضعين أن الشاعر لا يرى في الخيال فسحةً لارتياد الأوهام أو الهروب من استحقاقات الواقع، بل يراه إمكانًا أنطولوجيًا للرؤية، أو شرطًا تعاليميًا من شروطها. فالخيال هنا ليس نقيضًا للحقيقة، بل هو الوسيط السحري والمصفاة الدلالية التي تتيح للذات أن تنفذ إلى طبقاتٍ أعمق وأكثر جوهرية من الواقع السطحي. وهذا ما ذهبت إليه المقاربات الحديثة للصورة الشعرية حين ربطت الصورة بالبنية العميقة للنص وبتحولات النظرية الشعرية، مؤكدةً أن المقاربة النقدية المعاصرة لم تعد تشرح الشعر من خارجه، بل تعمل على تفكيك خطابه وبنيته التخيلية من داخله [2].

ومن هنا يتضح أن القصيدة ــ في وعي الشاعر ــ ليست خطابًا واصفًا للحقيقة، بل تجربة في تذوّقها والحلول فيها؛ ولأجل ذلك شبّهها بالخمر لا على جهة الماديات، بل على جهة الاستغراق والوجد والكشف والتحول الداخلي الصوفي. هذا التصور يقيم صلة وثيقة بين القول الشعري والمعرفة الحدسية؛ فالحقيقة التي لا تقبض عليها العبارة التقريرّية الجافة، قد تنكشف في التوتر المجازي، وفي ومضة الصورة الكاشفة.

رابعًا: انقسام الذات والبحث عن تمامٍ مستحيل (الاغتراب الأنطولوجي)

يبلغ النص ذروةً عالية من الكثافة السيكولوجية والتركيب الفلسفي في قوله:

النِّصْفُ مِنِّي لَمْ يُطَاوِعْنِي أَنَا

كُلٌّ يُفَتِّشُ نِصْفَهُ عَنْ نِصْفِ

إن هذا البيت من الأبيات المفتاحية المؤسسة للاغتراب داخل القصيدة؛ لأنه يعبّر عن الذات لا بوصفها وحدةً هرمونيكية مكتملة، بل بوصفها شطرًا مأزومًا يبحث عن شطر، وكيانًا مشظى ينزع إلى الاكتمال من غير أن يظفر به. وهكذا تتخذ القصيدة بعدًا أنطولوجيًا؛ فهي لا تسائل تجربةً عاطفيةً عابرة أو موقفًا سياسيًا طارئًا، بل تسائل شرط الإنسان المأساوي نفسه في عالمٍ مكسور ومحكوم بالانقسام والاغتراب عن المركز.

وما يلفت في هذا البيت أن البنية التركيبية والتكرار الصوتي المعنوي لكلمة «النصف» لا يؤديان وظيفةً هندسية إيقاعية خارجية فقط، بل يعيدان إنتاج معنى الانقسام والتشظي على مستوى البنية الصوتية والملفوظ نفسه. فكأن المعنى لا يُقال هنا فحسب، بل يُعاد تمثيله صوتيًا في انتظام لفظي دائري مغلق يعود إلى نفسه من غير أن يظفر بخلاص أو اندماج. وهذا مما يمنح القصيدة طابعًا حداثيًا سائلًا حتى وهي تتحرك في إطار البناء العمودي التقليدي ذي القافية الموحدة والبحور الخليلية.

خامسًا: شعرية المكان: صنعاء بوصفها جرحًا حضاريًا

يحتل المكان في النص موقعًا بؤريًا فاعلًا، ويظهر ذلك منذ وقت مبكر في قوله:

تَرَكَ الْمَكَانُ عَلَى الزَّمَانِ عَلَامَةً

كُبْرَى لِتُدْرِكَهَا ذَوَاتُ الْوَصْفِ

فهنا يتجاوز المكان كونه مجرد فضاء طوبوغرافي أو إطار خارجي للأحداث، بل يغدو طرفًا فاعلًا وسيميائيًا في صناعة الدلالة، إلى الحد الذي يجعله يمارس سلطته الإزاحية فيترك أثره المادي على الزمان نفسه. وقد نبّهت دراسات حديثة إلى أن المكان في الشعر الحديث صار مفتاحًا استراتيجيًا في بنية النص، وواحدًا من أهم عناصر البناء الشعري، وأنه لم يعد معطىً محايدًا، بل غدا حاملًا للقلق والذاكرة والاغتراب والهوية [3].

ويبلغ هذا الوعي الإستاطيقي بالمكان أشدَّه تراجيدية في استحضار مدينة "صنعاء":

لِلَّيْلِ فِي صَنْعَاءَ بَعْدٌ آخَرٌ

وَالصُّبْحُ فِيهَا مُحْتَفٌّ بِالْقَصْفِ

إن هذا التركيب الموجز المكثف يختزن صورةً حضارية وسياسية ونفسية بالغة التعقيد والأسى. فالليل في صنعاء ليس حالة زمنية فلكية طبيعية، بل له «بعد آخر»، أي بعدٌ سيكولوجي وأنطولوجي مثقل بالتاريخ وبالألم والترقب والمهابة. أما الصبح، وهو الرمز الكوني المعتاد للانبعات والانبثاق والتفتح، فيأتي هنا محفوفًا بالقصف والدمار، فتنقلب العلاقة المألوفة بين الصبح والحياة، وتصبح المدينة موضعًا لقلب القيم الجمالية والوجودية رأساً على عقب.

إن صنعاء، في هذا السياق، لا تُقرأ كموقع جغرافي مفرد، بل كعلامة سيميائية كبرى تشير إلى الجرح العربي الكلي؛ فهي المكان الذي تتجاور فيه القصيدة مع الرصاصة، واللغة مع الدمار، والذاكرة مع العصف. ولذلك لا يعود وصف المكان في القصيدة توصيفًا فوتوغرافيًا، بل يصبح فعل مقاومة جمالية يحاول أن ينتشل المدينة من ركام الاختزال الإخباري السياسي الصرف إلى مرتبة الرمز الخالد.

سادسًا: التناص واستدعاء الذاكرة الثقافية

من الأبيات اللافتة والمحملة بالظلال التراثية الكثيفة في القصيدة قول الشاعر:

فِي مَتْنِ (سَقْطِ الزَّنْدِ) أَرْقُبُ شَاعِرًا

أَعْمَى يَرَانَا: ظُلْمَةً فِي الْكَهْفِ

هذه الإحالة التناصية الصريحة إلى ديوان «سقط الزند» تفتح النص على حوارٍ ساخن مع التراث الشعري والفلسفي العربي، وبخاصة مع الدلالة الرمزية الكبرى للشاعر/الفيلسوف الأعمى (أبي العلاء المعري) الذي يمتلك بصيرةً نافذة تخترق حجب الغيب وتتجاوز حدود البصر الحسي الضيق. وهنا يعمل التناص ($Intertextuality$) لا بوصفه استعراضًا معرفيًا أو زخرفةً ثقافية مجانية، بل بوصفها استدعاءً لسلطة معرفية وشعرية تاريخية يُقاس الحاضر المأزوم عليها [4].

واللافت أن الشاعر لا يستدعي التراث استدعاءً سكونيًا تقديسيًا، بل يستثمره ديناميكيًا لكشف عيوب الحاضر وظلمته: فالشاعر الأعمى القديم هو الذي «يرانا»، وفي هذه الرؤية المعكوسة مفارقة حادة؛ حيث يغدو القديم الراحل مرآةً تكشف عمى الحاضر وتيهه وتشرذمه داخل "الكهف" الرمزي. ومن هنا تنشأ قيمة التناص في هذه القصيدة: إنه وسيط تأويلي يضاعف كثافة النص ويمنحه امتدادًا تاريخيًا وفكريًا وحضاريًا متجذرًا.

سابعًا: مبحث الصور البلاغية

1-الصورة بوصفها رؤية لا تزويقًا

تدلّ بنية القصيدة بوضوح على أن الصورة البلاغية فيها ليست عنصرًا ثانويًا أو أداةً خارجية للتجميل البياني، بل هي الرحم الدلالي وموضع تشكّل الرؤيا الخلّاقة نفسها. وقد بيّنت الدراسات الحديثة في الصورة الشعرية أن القصيدة المعاصرة تعتمد تفكيك الجزئيات اليومية وإعادة ترتيبها في بنيات تخييلية تمنح النص شعرية متميزة، وأن الصورة لم تعد تُفهم في أفق البلاغة العتيقة وحدها، بل بوصفها مركزًا لتوليد المعنى والانفعال [2].

2- تفكيك أبرز الصور البلاغية في النص

من أبدع صور القصيدة البنائية قول الشاعر:

وَأَقَامَ أَسْوَارَ الْكَلَامِ قَصِيدَةً

كَالنَّخْلِ يَصْنَعُ سُورَهُ بِالسَّعَفِ

- التحليل الأسلوبي: في هذه الصورة المركبة، تتحول القصيدة إلى سورٍ من الكلام، أي إلى بنية دفاعية حصينة تحمي المعنى من التبدد وتحرس الذاكرة الجماعية من العصف والتلاشي. والتشبيه بالنخل ليس تفصيلًا عابرًا؛ إذ يحمل النخل في الوجدان الجمعي العربي إيحاءات الأصالة، والامتداد، والخصوبة، والشموخ الثابت في وجه العواصف. وتظهر شعرية الصورة حين تجعل القصيدة تحرس نفسها بمادتها الذاتية الداخلية، تمامًا كما يصنع النخل سوره الحامي من سعفه الذاتي.

ويظهر ابتكار الصورة التراسلية أيضًا في قوله:

أَنَا لَمْ أُفَسِّرْ لِلْكَمَانِ جِرَاحَهُ

فَهُوَ الْمُفَسِّرُهَا بِطُولِ الْعَزْفِ

- التحليل الأسلوبي: يحقق هذا البيت نقلًا دلاليًا مبدعًا عبر آلية الأنسنة والتشخيص؛ فالكمان لا يُعزف عليه كآلة خشبية صماء، بل غدا كائنًا مؤوِّلًا عاقلاً يفسّر الجراح بطول العزف والنحيب الموسيقي. وهنا تتقدّم الموسيقى على الشرح اللغوي التقريري، ويغدو الفنّ أصدق بكثير من التفسير المباشر، بما يمنح القصيدة بعدًا ميتاشعريًا؛ إذ تعلن أن اللغة قد تبلغ مداها المطلق وحريتها كاملة حين تتاخم الفنون الأخرى وتذوب في الموسيقى.

ومن الصور المتوهجة الفانتازية كذلك قوله:

فَلِذَا أُرَبِّي الْمَاءَ يَكْبُرُ بَعْدَهَا

بَحْرًا وَأُرْهِقُهُ بِهَذَا الْجَدْفِ

- التحليل الأسلوبي: هذه صورة بالغة الطرافة والعمق الفلسفي؛ لأن الشاعر يقلب العلاقات المنطقية والطبيعية للأشياء؛ فالماء لا يُربى، والبحر لا يكبر بالرعاية كالأطفال. هذا القلب يفضي إلى معنى فنيّ عميق: القصيدة لا تُستخرج من فضاءات الامتداد الجاهز سلفًا، بل تُنشأ لغويًا وتُربّى وتُعجن بالمعاناة والجهد الخلّاق (الجدف). البحر هنا ليس معطىً طبيعيًا وجدناه صدفة، بل هو صناعة شعرية شاقة.

3- تصنيف الأنماط البلاغية الموظفة

يمكن، من الناحية البلاغية البنيوية، تفكيك هذه الشبكة الصورية وتحويل انتظامها من رصد الجدول المعرفي إلى فضاء القراءة المقالية المتصلة؛ إذ تتضافر في النص أربعة أنماط بلاغية مركزية تؤسس لرؤية الشاعر الوجودية:

يتمثل النمط الأول في الاستعارة بشقّيها التصريحي والمكنّي، والتي تجلت بوضوح في جعل القصيدة سورًا لغويًا حاميًا، وتحويل الماء إلى طفل صغير يُربّى وينمو، فضلاً عن جعل الجراحات مادة سائلة تُحسى في الكؤوس. وتنهض هذه الاستعارات بوظيفة جمالية ودلالية حاسمة؛ إذ تعمل على نقل النص من الحيز المادي المألوف واليومي الرتيب إلى فضاء التخييل المبتكر، مخلخلةً المنطق السائد عبر هدم ثبات الأشياء وإعادة صياغة صلاتها بالكون.

ويتداخل مع هذا المنحى نمط التشخيص والأنسنة؛ حيث عمد الشاعر إلى إضفاء صفات الكائن الحي العاقل، الباكي والمفسّر والمؤوّل، على عناصر جامدة ومجرّدة كالكمان والمكان والماء. وتكمن الوظيفة الجمالية لهذا التشخيص في جسر المسافة النفسية والوجودية بين الذات الشاعرة المغتربة ومكونات الكون الخارجي، مما يحوّل عناصر الطبيعة ومفردات الفن إلى شريك حقيقي يشاطر الذات وعيها بالألم ويسهم في تظهيره.

أما النمط الثالث فيتجسد في المفارقة التصويرية، والتي اتخذت طابعًا بنيويًا حادًا من خلال الجمع الجدلي والدلالي بين ثنائيات متنافرة في لغة الواقع وممتزجة في لغة الشعر، مثل: (الميلاد والحتف)، (الصبح والقصف)، و(الزهر والحذف). وتشتغل هذه المفارقة على إنتاج صدمة واعية لدى المتلقي تكسر أفق توقعه، فضلاً عن دورها الدلالي في تجسيد طبيعة الواقع المتناقض والمأساوي والملتبس الذي يعيشه الشاعر وتصطلي به الذات.

ويكتمل هذا البناء البلاغي بنمط تراسل الحواس الذي أذاب الحدود الفاصلة بين المدركات الحسية؛ حيث تمازجت الرؤية بالسمع والذوق في تشكيل صور مبتكرة مثل «الخمر المعرفي الكاشف» و«العزف المفسر للجراح». وتتبدى الوظيفة الإستاطيقية لهذا التراسل في تحقيق أقصى درجات الكثافة الشعورية والوجدانية داخل النص، مما يحوّل القصيدة من مجرد كلمات مقروءة أو مسموعة إلى تجربة حسيّة وإدراكية شاملة تستغرق كيان المتلقي بأسره.

ثامنًا: مبحث الإيقاع والهندسة الصوتية

1-الإيقاع الخارجي: تكرار القافية وخصوصية الروي

ينتمي النص إلى البناء العمودي الصارم ذي القافية الموحدة، وهو اختيار أسلوبي ذو أبعاد دلالية ونفسية عميقة وليس مجرد انصياع لقالب جاهز. فالقافية هنا تدور في فلك حرف "الفاء المكسورة" مسبوقة بساكن أو حرف لين: (حَتْفِي، الوَصْفِ، السَّعَفِ، الكَشْفِ، الطَّرْفِ، العَزْفِ، الخَوْفِ، نِصْفِ، الصَّرْفِ، الكَهْفِ، الذَّرْفِ، الحَرْفِ، القَطْفِ، القَصْفِ، العَصْفِ، كَشْفِي، الحَذْفِ، كَفِّ، الجَدْفِ، عُرْفِي...)

إن حرف الفاء صوت مهموس رخو، وخروجه مكسوراً ومسبوقاً بالسكون في معظم الأبيات يمنح النغمة طابعاً من الانكسار الشجي، والتنهد الحاد، والجفاف النسبي الذي ينسجم انسجاماً كلياً مع عالم القصيدة المتوتر والمشحون بأجواء الألم، والقطع، والاحتراق، والقصف الفعلي [8].

2-الإيقاع الداخلي: التكرار والتوازي والتقابل

إذا تجاوزنا القافية الظاهرة والوزن العروضي الخارجي، نجد أن القصيدة تمارس ثراءً إيقاعياً داخلياً عبر آليات أسلوبية محددة:

أ. التكرار البؤري: يتكرر في النص عدد من الكلمات المفاتيح: (أنا، النصف، القصيدة، الحقيقة، الجرح). هذا التكرار لا يعمل كحشو تأكيدي، بل يخلق نبضاً دلالياً دائرياً (Circular Rhythm) يجسد عودة الذات الدائمة إلى أسئلتها الوجودية الأولى وحصارها داخل أزمتها دون فكاك.

ب. التوازي التركيبي (Syntactic Parallelism): تتكرر في القصيدة بنى تركيبية متوازية وصيغ متناظرة من نحو (أنا لم... / أما... / و...)، وهذا التوازي البنيوي يخلق هندسة مريحة للعين والأذن، تخفف من وطأة الكثافة الدلالية وتدفع بالمعاني في شكل موجات متلاحقة تشبه دفقات الموسيقى الحزينة.

ج. التقابل الإيقاعي الدلالي: يقوم النص على شبكة من الثنائيات المتقابلة حادّة التنافر: (الميلاد الحتف)، (الليل /الصبح)، (الزهر/ القطف)، (الماء / البحر). هذه الثنائيات تنتج "إيقاع التضاد"؛ فالجمال هنا لا يولد من الانسجام الساكن، بل من الشرارة الناشئة عن تصادم المجالات الدلالية المتنافرة [9].

تاسعًا: القصيدة والوعي بأزمة الكتابة (الميتا-شعر)

من أهم الأبيات التي ترفع النص إلى مصاف الوعي النقدي الحديث بالذات وبتفكيك عملية الإبداع نفسها قوله:

أَنَا لَمْ أُعِدَّ قَصَائِدِي لِمَقَاصِدِي

لَكِنَّمَا أَعْدَدْتُهَا لِلْحَذْفِ

هذا البيت شديد الحداثة والتجاوز لنبرة الشعر العمودي التقليدي الخطابي؛ لأنه لا يعبّر عن قلق الشاعر من العالم الخارجي والحروب فحسب، بل يعبّر عن قلقه الأنطولوجي من جدوى ومصير القصيدة ذاتها ومقدرتها الإبلاغية. فالقول واللغة لم يعودا واثقين من كفايتهما التعبيرية، والقصيدة لم تعد مطمئنة لقدرتها على إيصال "المقاصد" في عالم مشوه.

إنها تُكتب بوعي مسبق بأفق "الحذف"، أي في زمن مهدد بمحو الإنسانية، وفي فضاء يتنازع فيه الحرف الجميل مع لعلعة السلاح وأدوات العنف والنسيان. هنا، يتحول النص من تسجيل الألم الواقعي إلى مستوى أعمق: تسجيل أزمة وتفكك اللغة والكتابة تحت ثقل وعسف التاريخ، مما يمنح النص قيمة نقدية ذاتية فريدة.

خاتمة

تُظهر قصيدة «أزهار الكلام» قدرةً فنية لافتة على المزاوجة الخلّاقة بين فخامة وموسيقية البناء العمودي التراثي وحداثة الرؤيا الكونية الفلسفية والوجودية. فهي قصيدة تنطلق من عتبة عنوان مخاتلة وموحية، ثم تنفتح على عوالم تراجيدية تتشابك فيها الجراح الذاتية (أنطولوجيا الجرح) بالحقيقة الإبستمولوجية، والمكان الجغرافي بالخراب والدمار، والتناص التراثي بظلمة الواقع الحاضر مسببةً اغتراب الأنا الشاعرة.

ولم يقف النص عند حدود الصنعة البلاغية الجافة، بل جعل من الاستعارة والتشخيص أدوات معرفية للكشف والنفاذ، ومن هندسة الإيقاع الداخلي والخارجي بنياناً حاملاً للانفعال والتوتر الإنساني. إن "أزهار الكلام" في نهاية المطاف تمثل نموذجاً ناصعاً لما يمكن تسميته بـ"شعرية المقاومة الجمالية"؛ وهي المقاومة التي لا تسقط في شرك الشعارات الإيديولوجية المباشرة والخطابة الفجة، بل تبني من نسيج اللغة وصورها حصناً منيعاً، ومن الجراح النازفة ميلاداً إنسانياً وحضارياً مؤجلاً.

***

د. نجلاء نصير

.....................

الهوامش

[1] حسن ناظم، مفاهيم الشعرية: دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم، بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994، ص 151. وانظر أيضًا: صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة، بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1995، ص 248.

[2] عمر قلايلية، "تشكيل الصورة الشعرية في الخطاب الشعري العربي المعاصر: مقاربات من منظور شكلاني"، مجلة آفاق علمية، مج 13، ع 2، 2021، ص 278–296. وانظر: حنان بومالي، "تشكيل الصورة الشعرية في النص الشعري العربي المعاصر"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 12، ع 23، 2018، ص 123–138.

[3] أحمد جليد، "شعرية المكان عند أمل دنقل"، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 16، ع 1، 2023، ص 504–521. وانظر كذلك: سارة محفوظ، وكريمة فراجي، "التشكيل المكاني في الشعر"، مجلة الدراسات الأكاديمية، مج 3، ع 12، 2021، ص 145–155.

[4] محمود سي أحمد، "التناص في النقد العربي الحديث"، مجلة أدبيات، مج 2، ع 1، 2020، ص 1–12. وانظر الكتاب العمدة: محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985، ص 359.

[5] نوال أقطي، وفوزية دندوقة، "العنوان في النص الأدبي بين الأهمية والوظيفة والمكانة"، أمارات في اللغة والأدب والنقد، مج 5، ع 2، 2021، ص 150–162. وانظر: فريدة بولكعيبات، "أبعاد العنوان ومدلولاته في الشعر العربي المعاصر – دراسة تطبيقية"، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، مج 15، ع 1، 2021، ص 393–412.

[6] زينب نسارك، "شعرية العتبات النصية في القصيدة الجزائرية المعاصرة: عتبة العنوان أنموذجًا"، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 7، ع 1، 2018، ص 194–212. وانظر: زهرة مختاري، وعبد الوهاب ميراوي، "شعرية العنوان والعتبات المرافقة"، القارئ للدراسات الأدبية والنقدية واللغوية، مج 5، ع 1، 2022، ص 210–224.

[7] عبد الحق بلعابد، عتبات: جيرار جينيت من النص إلى المناص، بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، 2008، ص 152.

[8] المير بومدين، "الإيقاع في الشعر العربي الحديث"، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 3، ع 3، 2014، ص 112–124. وانظر: بلقاسم بودنة، "مفهوم الإيقاع الشعري في النقد الأدبي"، آفاق للعلوم، مج 7، ع 3، 2022، ص 243–254.

[9] سعيد عكاشة، "جماليات الإيقاع وأبعاده الدلالية في الشعر العربي"، مجلة النص، مج 3، ع 1، 2016، ص 353–364.

قائمة المصادر والمراجع

أولًا: المصادر

- قصيدة «أزهار الكلام» (النص الشعري قيد الدراسة والتحليل الأسلوبي).

https://youtu.be/5Gqj2Xr7WpM?si=ygXQH6WVct4ueuKz

ثانيًا: المراجع النقدية (الكتب)

1.  بلعابد، عبد الحق. عتبات: جيرار جينيت من النص إلى المناص. بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، 2008م.

2.  فضل، صلاح. أساليب الشعرية المعاصرة. بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1995م.

3.  مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985م.

4.  ناظم، حسن. مفاهيم الشعرية: دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم. بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994م.

ثالثًا: الدوريات والدراسات المحكّمة

1.  أقطي، نوال، ودندوقة، فوزية. “العنوان في النص الأدبي بين الأهمية والوظيفة والمكانة”. أمارات في اللغة والأدب والنقد، مج 5، ع 2، 2021م.

2.  بومالي، حنان. “تشكيل الصورة الشعرية في النص الشعري العربي المعاصر”. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 12، ع 23، 2018م.

3.  بودنة، بلقاسم. “مفهوم الإيقاع الشعري في النقد الأدبي: دراسة مقارنة”. آفاق للعلوم، مج 7، ع 3، 2022م.

4.  بولكعيبات، فريدة. “أبعاد العنوان ومدلولاته في الشعر العربي المعاصر”. مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، مج 15، ع 1، 2021م.

5.  جليد، أحمد. “شعرية المكان عند أمل دنقل”. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 16، ع 1، 2023م.

6.  سي أحمد، محمود. “التناص في النقد العربي الحديث”. مجلة أدبيات، مج 2، ع 1، 2020م.

7.  عكاشة، سعيد. “جماليات الإيقاع وأبعاده الدلالية في الشعر العربي”. مجلة النص، مج 3، ع 1، 2016م.

8.  قلايلية، عمر. “تشكيل الصورة الشعرية في الخطاب الشعري العربي المعاصر”. مجلة آفاق علمية، مج 13، ع 2، 2021م.

9.  محفوظ، سارة، وفراجي، كريمة. “التشكيل المكاني في الشعر”. مجلة الدراسات الأكاديمية، مج 3، ع 12، 2021م.

10.        نسارك، زينب. “شعرية العتبات النصية في القصيدة الجزائرية المعاصرة”. مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 7، ع 1، 2018م.

11.        بومدين، المير. “الإيقاع في الشعر العربي الحديث”. مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 3، ع 3، 2014م.

بين يدي كتاب للسيدة الأديبة سعاد الراعي عنوانه (عمتي النخلة) وهو مجموعة قصص تخصّ الأطفال سلوكهم وطموحاتهم وموقفهم، ومن خلال الطفولة وعالمها تظهر ملامح الآباء والأمهات.

العنوان هو عتبة تلك القصص، وهو عنوان مقتبس من حديث للنبي نصّه (أكرموا عمتكم النخلة) ويعتقد بروحانيته الكثير من الناس في مجتمعنا العربي والذي يقرأ العنوان يستشف منه الخير والبركة والرزق، والذي يسمع بكلمة طفل يستشف منها البراءة والنقاء. هذا من حيث العموم لكننا إذ نتعمق في التفاصيل نجد أنّ هناك استثناءات في عالم الأطفال، مثلما هي الاستثناءات في عالم الأمومة.

لم تغفل الكاتبة أن ترسم في بعض قصصها ملامح السلب عند الطفولة كما لم تغفل أن تتعمق في شخصية الطفل فتبحث عن النقاء فيه لذلك يمكن القول، بكل ثقة، إن الطفولة في تلك المجموعة تنضوي كالآتي:

أولا: طفولة سلبية مشاكسة مؤذية، طبيعتها تؤذي الحيوان

ثانيا طفولة مستباحة مضطهدة من عوامل خارجية

ثالثا: الطفولة المتزنة

النمط الأوّل تكون فيه الصفات السلبية كأي مخلوق تطغى إذا وجدت منفذا، لانّ الإنسان يتكون من مجموعة من النقائض حرارة وبرودة ورطوبة ويبس وغيرها من المتناقضات كما يقول الإمام علي في إحدى خطبه، الطفل بحكم تلك المتناقضات والإنفلات منها يحاول أن يثبت نفسه ورجولته، أو يلفت النظر إليه لأنّه لا يحبّ الإهمال، وهو مجبول على الحركة بحكم نموه السريع، كلّ ذلك روته لنا المؤلفة في قصتها الأولى عن الطفل (عادل) الذي يحاول أن يثبت هوايته بمشاكسة لافتة للنظر وهو طفل طبيعي يجمع المتناقضات يذكرنا بطفولتنا حين كنا نلعب في بساتين نهر جاسم في بستاننا رمان أو عنب مع ذلك نذهب إلى بستان الجيران لنقطف منه عنبا ورمانا حتى إذا علم أهلنا بالأمر عاقبونا. لم نفعل بدافع السرقة بل المغامرة ففي ذلك الوقت لم يكن هناك شبكة عنكبوتية تعلم الغش والفساد والجريمة ولم نكن في سن تسمح لنا بالذهاب إلى السينما لنتعلم بعض الشرّ لكنها مشاكسات طفولة جبلنا عليها من هذه المشاكسات رغبة البطل أن يصيب بقرة الجيران بسهمه، فيطلق عليها السهم، ويحاول أن ينتزعه من رجلها فيركض وراءها غير أنها تدخل بيت الجيران الذين اشتكوا إلى الأب وهنا تتدخل الجدة بحكمتها إذ أن الجميع يخضعون لها ورأيها، وتدخل الجدة يمثل نقطة الخلاص في أية ملحمة جادة. من الطبيعي إنّ العمل سلبي لكن فيه بعض الإيجاب لو كان بطل القصة يروم الإيذاء وحده لوجه السهم إلى بطنها أو مكان آخر غير أنّه يريد أن يثبت أنّه قادر على الإيذاء فقط.

مهما يكن فطفولة عادل يمكن أن تعد ضمن السلوك الاعتباطي، أو الحركة المفرطة لكنها ترتدع وتخاف وتتأثر، وسبب تصرفها السلبي في بعض الحالات هو إثبات الوجود.

ونجد أيضا النمط الآخر لسلوك مشاكس غير أنّه يمثل مشاكسة طبيعية يمتاز بها كلّ طفل مثل الطفل الذي يتسلق النخلة العالية، ويعدّها صديقة على الرغم من أنها ليست في بستانهم بل في بستان آخر، ويثق بها أكثر من ثقته بالناس الآخرين.

على أيّة حال أن نحصر سلوك الأطفال الذكور في هذه القصص بطرازين:

الطراز الأوّل الذي يسميه المختصون في علم النّفس: السلوك الفوضوي - Challenge behaviour وقد مثَّله الطفل عادل وصاغت سلوكه الكاتبة باقتدار.

النمط الثاني: الحركة المفرطة - Hyper active

مع أشارة مهمة إلى أنّ هذين النمطين من السلوك ربما ما كان لهما أن يتحققا لو كانت هناك في بلداننا نواد وفعاليات، وتجمعات يتبناها المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني إضافة إلى جهود الدولة ومبادراتها.

ولا تغفل الكاتبة النموذج السلبي العالمي الذي يمكن ان يؤول بالايجاب. لقد خلد الادب الانكليزي روبن هود ذلك الشخص الذي كان يسرق من الاغنياء ليطعم الفقراء وهناك في بريطانيا قلعة باسمه هي قلعة روبن هود الشهيرة يمكن ان نقارن بينه وبين الفتى طلال الذي كان يخاطر ليجعل اصدقاءه يشاهدون الشريط السينمائي كل يوم يقفز من السياج ليدخل السينما ويخرج ليعطي بطاقة السماح لصديق من اصدقائه ووجه المقارنة يكون حسب الاتي:

روبن هود شاب طلال صبي

روبن يسرق المال ويوزعه على الفقراء. طلال يسرق الجمال. الفن. ليوزعه على الاخرين فالجوع الفني أهمم من الطعام حسب قول المسيح الشهير ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.

ان تمرد روبن هود عام ضد طبقة معينة هي الاغنياء اما سلوك طلال فلا يعد تمردا بقدر ما هو البحث عن الشيء الراقي المذهل وتقديمه لأصدقائه الذين في سنه فعنصر الزمن محدود في هذه المسالة لم نجد طلالا يغامر من اجل الكبار ولا الصغار بل من ان يجعل الذين في عمره يستمتعون بالجمال

النمط الثاني هو الدال على الطفولة المضطهدة والاضطهاد يتخذ طريقين:الطريق الأول اضطهاد خارجي يقف أمامه الطفل عاجزا كما في قصة (هبة) الطفلة تعيش أجواء الحرب في غزة، كانت الأم تربطها لكي تضمن وجودها معها في الخيمة. تغتنم فرصة نوم أمها العميق فتفك رباطها وتذهب إلى بيتهم الذي دمره القصف وقتل خلاله تحت الأنقاض أخوها الصغير وأبوها. إنها تبحث في انقاض بيتهم عن لعبة تقدمها هدية لأخيها.

الطريق الثاني: الاضطهاد الداخليّ وهو ما يصبّه المجتمع والأسرة من قسوة على الطفولة وهنا ترسم الكاتبة شخصية الطفلة أيضا لتؤثر في القارئ أكثر(سحر) أخت لخمسة أخوة يعيشون في غرفة واحدة. الأم لا تقسو على الأبناء بل على سحر وحدها كونها الكبرى فهي التي تقوم بتنظيف الأرض، وغسل الصحون، وترتيب البيت، وكل شيء. أمها لم تسألها إن كانت ترغب في لعبة ما. والحقّ إنّ الكاتبة وفقت في اختيار الأم السلبية، فليست الأمومة في كلّ الحالات تعني الإيجاب. هناك أمهات فرطن بأبنائهن والأدب العالمي منذ القدم يشير إلى ذلك.

ثالثا: الطفولة المتَّزِنَة

وهي الطفولة التي تعرف قدراتها وتكتشفها بحكم التربية والتعليم من قبل الأسرة والثقافة، وقد أهدت الكاتبة هذه القصة الى ابنها (مسار)، والقصة قصته بالفعل أو جزء من سيرته، مثل هؤلاء الأطفال نجدهم هادئين يؤمنون بالحوار منذ الصغر يستفيدون من كل معلومة وينتبهون لكلّ شئ.. لديهم الموهبة والذاكرة القوية، وهم لا يلعبون مع الأطفال ولايؤمنون بالتصرف العشوائي أو المؤذي، وإن أرادوا اللعب فإنَّهم يلعبون بنظام كأن يذهبوا إلى النوادي، مثلما فلعل بطل قصة (لظى في خاصرة الطفولة)حين أراد أن يمارس هوايته اتخذ من ساحل البحر مكانا له. مثل مسار الذي خلق مكانا يمارس قيه هوايته، ومثله رأيت اثنين في محلتنا، أحدهما درَّسته في الصف الخامس العلمي وأعجبت بنبوغه، وكلاهما أصبح طبيبا. أحدهما يتيم ربته أمنه، والآخر والده معلم. وهي طفولة مثالية نمتها الموهبة وتربية الأسرة.

الطفولة الأخرى التي أفردت لها الكاتبة قصتين هي الطفولة المغتربة التي تتبادل الحقيقة بين قضيتي المهجر والاغتراب وفي الحقيقة إن مثل هذه الطفولة نشأت في الغرب

القصة (شكرا لأنك لم تكوني سيئة) نجد فيها طفلة أجنبية تبحث في المحيط الخارجي عن الهدوء والأمان الذي فقدته بسبب الشجار الدائم بين أبويها. كأن هذه الطفلة تعيش يومها في حالة حرب وما لجؤها القصير الى الاعتزال الا استراحة محارب الى ان تلتقي أمها

اما القصة الاخرى (على حافة الأبوة) فعن مغترب مهندس اسمه (أسام) تزوج من اجنبية وعندما كبرت. الطفلة ووجدت الّا إحساس في البيت حاولت الانتحار هناك جانب مهجري في القصة هو الأب الذي يعيد حساباته من جديد، أما الصبية فتعاني من هاجس الاغتراب، إذن المهجر يعنى الأب وهو جانب والاغتراب يشمل الصبية التي عاشت طفولتها ببرود وهذا جانب آخر وهو سر جمال القصة.

والحق ان الكاتبة في معظم قصص الكتاب تحدثت عن طفولة جسدت وعينا نحن عندما كنا صغارا في زمن مختلف تماما عما هو عليه الآن ماعدا طفلة غزة وطفلتي الاغتراب اللتين تعيشان طفولتهما الآن زمن الذكاء الصناعي والميديا التي حلت بديلا عن النخل والبستان والنهر.

إذن الكاتبة سجلت لنا في هذه القصص الطفولة من خلال العناوين التالية:

الحركة المفرطة

السلوك الفوضوي

التحدي

إثبات الوجود

أما الطفلة فتمثلت تحت العناوين:

اضطهاد الأسرة

المجتمع

الحرب

الاغتراب

وهي عناوين ومصطلحات تخص علم النفس.

أحيي الكاتبة السيدة سعاد الراعي وامل ان التقيها في ابداع ادبي جديد.

***

د. قصي الشيخ العسكر

تندرج قصيدة “سماء واحدة” للشاعر توفيق أحمد ضمن النصوص الشعرية الحديثة التي تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم عبر لغة رمزية شفافة، تستدعي الطفولة بوصفها فضاءً إدراكياً نقياً، وتستحضر السماء باعتبارها علامة كونية على الوحدة والامتداد والطمأنينة الوجودية.

وتكمن أهمية هذه القصيدة في كونها لا تكتفي بوصف الطبيعة، بل تحوّلها إلى بنية دلالية مفتوحة، تتقاطع فيها الذاكرة بالوعي، والواقع بالخيال، واللغة بالرمز.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربة نقدية شاملة، تجمع بين التحليل اللغوي والبلاغي، والجمالي والفني، والفكري والفلسفي، مع اعتماد منهج “النقد الاحتمالي” الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على تعدد المعاني، لا على معنى واحد مغلق.

النص الشعري

سماءٌ واحدة

في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا

وكانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ

لم تَستطعْ كلُّ عواصفِ الفضاءْ

أن تجعَلَ المَسارَ دُونَ بوصِلَهْ

فكلُّ نجمةٍ لها عنوانْ

و كلُّ دِيمةٍ تَكْتَظُّ بالسلامِ والسّخاءِ والأمانْ

أمّا أنا …

لأنّني أعرِفً سِرَّها

فإنها تَبحَثُ عن مَأوىً لها

يَلوذُ فيهِ صَمْتُها

بِلا حقيبةٍ تَحْمِلُ في طيّاتِها دلائلَ الأسماءْ

إِذِ الآفاقُ كُلُّها

تُظِلُّها واحدةٌ سماءْ

الدراسة النقدية:

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم لغة القصيدة على فصاحةٍ ميسّرة تميل إلى الصفاء الرمزي أكثر من التعقيد التركيبي، إذ يعتمد الشاعر جملًا قصيرة متتالية تُشيّد معنى تدريجياً:

“في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا”

نلاحظ هنا انزياحاً تركيبياً لطيفاً؛ إذ لم يقل “كانت الغيوم”، بل “تمدّدت”، وهو فعل حركيّ يفتح النص على بعد بصريّ-وجودي، يجعل الغيم كائناً فاعلاً لا ظاهرة طبيعية.

كما أن تركيب:

“وكانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ”

يُظهر توتراً دلالياً بين “المدى” اللامحدود و“المكان” المحدد، وهو توتر يشي ببنية فلسفية خفية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتسم الألفاظ بوضوح دلالي، لكنها مشحونة بطاقة رمزية:

“الغيم” يساوي الذاكرة - الطفولة - الغموض

“النجمة” تساوي التعيين - المصير

“الديمة” تساوي فيض الخير - المطر الداخلي

“السماء الواحدة” تساوي وحدة الوجود أو الإدراك

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

تعتمد القصيدة على التكرار الصوتي والامتداد النغمي:

“كلّ… كلّ…”

“الأمانْ - عنوانْ - مكانْ”

ما يخلق موسيقى داخلية هادئة تنسجم مع دلالة النص.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على استرجاع ذاكراتي:

“في ذلك الزمان من طفولتي”

حيث يتقاطع زمن الطفولة مع زمن التأمل، مما ينتج انزياحاً زمنياً ذاكراتياً.

٢. الرؤية الفنية:

تقوم على فكرة: وحدة الإدراك في الطفولة مقابل تشظي الوعي لاحقًا

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

الصورة الحركية: “تمدّدت الغيوم”

الصورة التحولية: “الديمة تكتظ بالسلام”

الاندماج الحسي: “صمتها يلوذ”

الانزياح التركيبي: “بلا حقيبة تحمل دلائل الأسماء”

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤالاً: هل العالم واحد أم أننا نحن من فقد وحدته؟

٢. الأفق المعرفي:

يتقاطع مع:

التصوف الرمزي

الفلسفة الوجودية

الحداثة الشعرية

٣. البنية العميقة:

طبيعي: السماء

نفسي: الذاكرة

ميتافيزيقي: وحدة الوجود

رابعاً: الأسس النفسية والاجتماعية

النص يعكس:

الحنين، الطمأنينة، فقدان البساطة، تشظي العالم الحديث

خامسا: النقد الاحتمالي

في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا

و كانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ

لم تَستطعْ كلُّ عواصفِ الفضاءْ

أن تجعَلَ المَسارَ دُونَ بوصِلَهْ

فكلُّ نجمةٍ لها عنوانْ

و كلُّ دِيمةٍ تَكْتَظُّ بالسلامِ والسّخاءِ والأمانْ

أمّا أنا …

لأنّني أعرِفً سِرَّها

فإنها تَبحَثُ عن مَأوىً لها

يَلوذُ فيهِ صَمْتُها

بِلا حقيبةٍ تَحْمِلُ في طيّاتِها دلائلَ الأسماءْ

إِذِ الآفاقُ كُلُّها

تُظِلُّها واحدةٌ سماءْ

مفتوح على قراءات متعددة:

صوفية، نفسية، وجودية، رمزية، حداثية

خاتمة:

قصيدة “سماء واحدة” لا تقدّم معنى واحدًا مغلقاً، بل تفتح أفقاً تأويلياً واسعاً يجعل السماء رمزاً لوحدة تتعدد داخلها المعاني، فتغدو “السماء الواحدة” فضاءً للمعاني الكثيرة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

سماءٌ واحدة

في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا

و كانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ

لم تَستطعْ كلُّ عواصفِ الفضاءْ

أن تجعَلَ المَسارَ دُونَ بوصِلَهْ

فكلُّ نجمةٍ لها عنوانْ

و كلُّ دِيمةٍ تَكْتَظُّ بالسلامِ والسّخاءِ والأمانْ

أمّا أنا …

لأنّني أعرِفً سِرَّها

فإنها تَبحَثُ عن مَأوىً لها

يَلوذُ فيهِ صَمْتُها

بِلا حقيبةٍ تَحْمِلُ في طيّاتِها دلائلَ الأسماءْ

إِذِ الآفاقُ كُلُّها

تُظِلُّها واحدةٌ سماءْ

***

شعر: توفيق أحمد

مقاربة نقدية في تشكّل الذات وانعتاق المعنى

مقدمة: تُعَدُّ التجربة الشعرية من أكثر الظواهر الأدبية تعقيدًا وثراءً؛ لأنها لا تتشكل من اللغة وحدها، بل من تفاعل الذات مع العالم، ومن احتدام الوعي الإنساني بأسئلته الوجودية والروحية والمعرفية. فالشعر، في جوهره العميق، ليس بناءً جماليًّا معزولًا عن الحياة، وإنما هو أثرٌ للكينونة وهي تعبر عن قلقها، وانكساراتها، وتوقها الدائم إلى المعنى والانعتاق. ومن هنا ارتبطت التجربة الشعرية الحديثة بما يُعرف في الدراسات النقدية بـ«شعرية الذات»؛ حيث تتحول القصيدة إلى فضاء تأويلي تتقاطع فيه الذاكرة والوجدان والرؤية الفلسفية، لتنتج خطابًا يتجاوز حدود البوح الفردي إلى أفق إنساني شامل.

وقد أشار صلاح فضل في كتابه شفرات النص إلى أن الخطاب الشعري الحديث لم يعد يعتمد على المباشرة التعبيرية، بل على البنية الرمزية والانزياح الدلالي بوصفهما أدوات لإعادة تشكيل العالم داخل اللغة، بينما يرى محمد عبد المطلب في كتابه البلاغة والأسلوبية أن القيمة الجمالية للنص لا تتولد من الزخرفة البلاغية، بل من الطاقة التأويلية الكامنة في الصورة الشعرية وقدرتها على إنتاج المعنى المتعدد. ومن هذا المنطلق، أصبحت التجربة الذاتية في الشعر الحديث تمثل مركزًا بنيويًّا لإنتاج الحكمة والرؤية، لا مجرد تسجيل انفعالي للحظة شعورية عابرة.

كما يؤكد جابر عصفور في هوامش على دفتر التنوير أنّ الأدب الحقيقي هو الذي ينجح في تحويل التجربة الفردية إلى وعي جمعي، بحيث تصبح الذات الشعرية مرآة لأسئلة الإنسان الكبرى، وهو ما يتقاطع مع ما طرحه عبد المنعم تليمة في مقدمة في نظرية الأدب حول ارتباط النص الإبداعي بالوعي التاريخي والثقافي للإنسان. لذلك لم يعد الشعر الحديث معنيًّا بتوصيف العالم بقدر ما أصبح معنيًّا بتأويله، والكشف عن طبقاته النفسية والروحية العميقة.

وفي هذا السياق، تبرز الحكمة الشعرية بوصفها خلاصةً للتجربة لا خطابًا وعظيًّا مباشرًا؛ إذ تنشأ من احتراق الذات داخل أسئلتها الوجودية، ثم تتجلى في صورةٍ رمزيةٍ مكثفةٍ قادرة على اختزال المعاناة في لحظة كشفٍ جمالي. وقد أشار أحمد درويش في كتابه النص والشعرية العربية إلى أن الشعر الحديث يميل إلى بناء «الرؤية» بدلًا من الاكتفاء بالتعبير، بحيث تصبح القصيدة بنيةً معرفيةً تُعيد إنتاج العلاقة بين الإنسان والعالم.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة «التجربة الشعرية: بين بصمة الروح والتجرّد» بوصفها محاولة نقدية للكشف عن آليات تشكل الذات داخل النص، وكيفية انتقالها من حدود المعاناة الفردية إلى أفق الحكمة والانعتاق الروحي. فالشاعر يبدأ من جرحه الخاص، لكنه لا يتوقف عند حدود الاعتراف، بل يعمل على تحويل ألمه إلى طاقةٍ جماليةٍ ورؤيةٍ فلسفيةٍ قادرة على مساءلة الوجود ذاته. وهنا تتجلى القصيدة بوصفها فعلًا تحرريًّا، تسعى الذات من خلاله إلى تجاوز هشاشتها، وإعادة بناء معناها داخل عالم مضطرب ومتغير.

التجربة الشعرية: بين بصمة الروح والتجرّد

لا تنشأ التجربة الشعرية من فراغٍ لغويٍّ أو من ترفٍ جماليٍّ معزول عن الكينونة، بل تتولّد من ذلك الاحتكاك العنيف بين الذات والعالم، بين هشاشة الإنسان وأسئلته الكبرى، حيث تتحول اللغة إلى أثرٍ روحيٍّ يكشف ما تعجز الحياة اليومية عن البوح به. فالشعر في جوهره ليس وصفًا للواقع، وإنما إعادة خلقٍ له عبر حساسيةٍ وجوديةٍ تجعل من التجربة الذاتية نواةً مركزيةً لتشكّل الخطاب الشعري، ومن الحكمة خلاصةً تأويليةً لمسار المعاناة والوعي والانكشاف.

ومن هنا تبدو التجربة الشعرية حركةً مزدوجة: تبدأ من “بصمة الروح” بوصفها تجلّيًا فرديًّا خاصًّا، ثم تنتهي إلى “التجرّد” باعتباره لحظة انعتاق من أسر الأنا الضيقة نحو أفقٍ إنسانيٍّ أرحب. فالشاعر الحقيقي لا يكتب ذاته بوصفها مركزًا نرجسيًّا مغلقًا، بل يمرّرها عبر مصفاة الألم والتأمل حتى تتحول إلى خبرةٍ جمعيةٍ قابلةٍ للتلقي والتأويل.

إنّ الذات الشعرية في الخطاب الحديث لم تعد ذاتًا غنائيةً ساذجة، وإنما أصبحت بنيةً إشكاليةً تتنازعها أسئلة الهوية والوجود والزمن. لذلك نجد كثيرًا من النصوص الشعرية الحديثة تقوم على ما يمكن تسميته بـ«التمثيل الوجودي للذات»، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى علامةٍ سيميائيةٍ تتجاوز صاحبها. فالحزن ليس حادثة شعورية، بل نسقٌ دلاليٌّ يكشف اختلال العلاقة بين الإنسان والعالم، والحنين ليس استعادةً للماضي، بل محاولة لترميم التشظي الداخلي.

وفي هذا السياق، تصبح اللغة الشعرية ذات وظيفة كشفية؛ إذ لا تكتفي بنقل الانفعال، بل تعمل على تفجير البنية العميقة للوعي. فالاستعارة ليست زينةً بلاغية، بل أداةٌ معرفيةٌ تُعيد تنظيم العلاقة بين الأشياء، والانزياح ليس خرقًا للنظام اللغوي فحسب، بل انحرافٌ مقصود عن الرؤية المألوفة للوجود. ومن هنا تكتسب التجربة الشعرية بعدها الفلسفي، لأن الشاعر لا يصف العالم كما هو، وإنما كما يشعر به في لحظة احتدام الوعي.

ولعلّ ما يمنح التجربة الشعرية مشروعيتها الجمالية هو قدرتها على تحويل الألم إلى حكمة، والانكسار إلى طاقة تأملية. فالحكمة الشعرية ليست خطابًا تعليميًّا مباشرًا، بل هي نتيجة احتراقٍ داخليٍّ طويل، تتكثف فيه التجربة حتى تصبح اللغة شفافةً بما يكفي لرؤية المعنى خلف الظاهر. ولذلك فإن أعظم النصوص ليست تلك التي تقول الحقيقة، بل تلك التي تجعل القارئ يكتشفها عبر المشاركة الوجدانية والتأويلية.

إنّ صياغة الحكمة داخل النص الشعري ترتبط بما يُعرف نقديًّا بـ«الاقتصاد الدلالي»، حيث تُختزل التجارب الكبرى في صورةٍ مكثفةٍ أو جملةٍ موحيةٍ تحمل فائضًا تأويليًّا. فحين يقول شاعرٌ ما إن “القلب يشيخ قبل الجسد”، فإنه لا يقرر حقيقة بيولوجية، بل يفتح أفقًا فلسفيًّا حول الزمن النفسي وتآكل الروح. وهنا تتجلى وظيفة الشعر بوصفه معرفةً حدسيةً لا تُدرك بالعقل البرهاني وحده، وإنما بالبصيرة الجمالية.

ومن جهة أخرى، فإنّ التجرّد في التجربة الشعرية لا يعني الانفصال عن الذات، بل تجاوزها نحو مرتبةٍ أكثر صفاءً. فالشاعر يبدأ غالبًا من جرحه الشخصي، لكنه لا يتوقف عند حدود البوح الاعترافي، بل يعمل على تفكيك ألمه وإعادة صياغته ضمن رؤيةٍ كونية. وهذه العملية تمثل ما يُسمى في النقد الظاهراتي بـ«تحويل التجربة الفردية إلى وعيٍ إنسانيٍّ مشترك». لذلك تبدو القصيدة الحقيقية قادرةً على ملامسة القارئ مهما اختلفت ظروفه، لأنها لا تخاطب الحدث، بل جوهر الشعور الإنساني.

ويظهر الانعتاق بوصفه المرحلة الأخيرة في هذا المسار؛ إذ يتحول الشعر إلى فعل خلاصٍ رمزي، تُقاوم به الذات قهر العالم وتعيد إنتاج معناها الخاص. فالقصيدة ليست ملاذًا هروبيًّا، بل مساحة لإعادة بناء الكينونة. ومن هنا نفهم لماذا ارتبط الشعر، في كثيرٍ من التجارب الحديثة، بمفاهيم النور، والطيران، والماء، والعبور؛ لأنها جميعًا علامات سيميائية تشير إلى التحرر من الثقل الوجودي.

كما أنّ الخطاب الشعري المعاصر يعتمد بدرجة كبيرة على «شعرية التوتر»؛ أي ذلك الصراع الخفي بين الرغبة في الانكشاف والخوف منه، بين الحضور والغياب، بين الامتلاء والفراغ. وهذا التوتر هو ما يمنح النص طاقته الجمالية، لأنه يُبقي المعنى مفتوحًا على احتمالات التأويل، ويجعل القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة وفق منظور نظرية التلقي والاستقبال.

إنّ التجربة الشعرية، في جوهرها العميق، ليست كتابةً عن الحياة، بل إعادة اختبارٍ لها عبر اللغة. فالشاعر حين يكتب، لا ينقل الواقع بقدر ما يعيد تأويله، ويمنحه بعدًا روحيًّا يجعل من القصيدة مرآةً للكينونة الإنسانية. ومن هنا فإنّ بصمة الروح لا تتحقق إلا عندما تبلغ اللغة درجةً من الصفاء تسمح لها بأن تكون أثرًا للوجود لا مجرد بناءٍ لفظي.

وبذلك يمكن القول إنّ الشعر الحقيقي يبدأ من الذات لكنه لا ينتهي إليها؛ إذ يتحول الجرح إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى انعتاق. وهنا تتجلى القيمة العليا للتجربة الشعرية: أنها تمنح الإنسان قدرةً رمزيةً على النجاة، وتجعله أكثر قدرةً على فهم هشاشته دون أن يفقد إيمانه بالمعنى.

استخلاصات

1- إنَّ التجربة الشعرية الحقيقية لا تنبع من زخرفة اللغة بقدر ما تتولد من احتدام الذات بأسئلتها الوجودية، حيث تتحول القصيدة إلى فضاءٍ للكشف الروحي والمعرفي، لا مجرد تعبيرٍ انفعالي عابر.

2- أثبتت الدراسة أنَّ الذات الشعرية الحديثة لم تعد ذاتًا غنائية منغلقة، بل أصبحت بنيةً تأويليةً تُعيد تشكيل علاقتها بالعالم عبر الرمز والانزياح والصورة المركبة، بما يمنح النص أفقًا إنسانيًّا مفتوحًا.

3- كشفت التجربة الشعرية عن قدرة اللغة على تجاوز وظيفتها التواصلية لتصبح أداةً معرفيةً تنتج الدلالة، وتحوّل المعاناة الفردية إلى خطابٍ جماليٍّ ذي أبعاد فلسفية ووجودية.

4- تبيّن أنَّ الحكمة في الشعر ليست خطابًا وعظيًّا مباشرًا، بل خلاصة تجربةٍ معيشةٍ تُصاغ عبر التكثيف الرمزي والاقتصاد الدلالي، بحيث تتسرّب الرؤية إلى القارئ من داخل النسيج الجمالي للنص.

5- أكدت القراءة النقدية أنَّ الانزياح البلاغي والصور السيميائية لا يؤديان وظيفة جمالية فحسب، بل يسهمان في تعميق البنية التأويلية للنص، وإعادة تشكيل وعي المتلقي بالعالم والذات.

6- أوضحت الدراسة أنَّ التجرّد الشعري لا يعني الانفصال عن الذات، بل تجاوز حدود الأنا الضيقة نحو أفقٍ كونيٍّ يجعل من التجربة الفردية خبرةً إنسانيةً مشتركة قابلة للتلقي والتأويل.

7- بيّنت التجربة أنَّ الشعر يمارس وظيفةً تحرريةً، إذ يتحول النص إلى فعل مقاومةٍ رمزيةٍ ضد القهر والاغتراب، وتغدو القصيدة مساحةً لإعادة بناء المعنى وترميم هشاشة الكينونة الإنسانية.

8- كشفت الدراسة عن حضور «شعرية التوتر» بوصفها عنصرًا جوهريًّا في الخطاب الشعري الحديث، حيث تتصارع داخل النص ثنائيات الحضور والغياب، الأمل والانكسار، الكشف والالتباس، مما يمنح القصيدة طاقتها الجمالية والتأويلية.

9- خلص البحث إلى أنَّ التجربة الشعرية، في أعلى تجلياتها، تبدأ من بصمة الروح وتنتهي إلى الانعتاق؛ إذ يتحول الجرح إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى نورٍ جماليٍّ يحرّر الإنسان من عزلته الوجودية ويعيده إلى جوهر المعنى.

***

دكتور سيد فاروق - مصر

..........................

المراجع

1. صلاح فضل، أساليب السرد في الرواية العربية، دار العين، القاهرة، 2023.

2. جابر عصفور، هوامش على دفتر التنوير، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2022.

3. أحمد درويش، النص والشعرية العربية، مكتبة الآداب، القاهرة، 2021.

4. محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، الشركة المصرية العالمية للنشر، القاهرة، 2020.

5. صلاح فضل، شفرات النص، دار الفكر للدراسات، القاهرة، 2019.

6. عبد المنعم تليمة، مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 2018.

7. جابر عصفور، زمن الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2017.

8. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي، طبعة القاهرة، 2016.

9. صلاح فضل، لذة التجريب الروائي، دار الشروق، القاهرة، 2015.

10. عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار المعارف، القاهرة، 2014.

 

دراسة نقدية في الصورة الشعرية عند الشاعر سوران محمد

تتميز الصورة الشعرية عند الشاعر العراقي سوران محمد بطابع حداثي وتكثيف دلالي عميق، حيث تنطلق من رؤية نقدية وفلسفية واعية لدور الصورة في القصيدة المعاصرة. ويرى الشاعر أن الصور المتجددة والإيقاع الداخلي هما الجوهر الحقيقي المانح لعالمية النص.

ويمكن تلخيص أبرز ملامح وطبيعة الصورة الشعرية في تجرِبته من خلال النقاط الآتية:

1. التناقض البنائي وتداخل الزمكان

تقوم الصورة عنده على خلخلة الأبعاد التقليدية للوقت والمكان ومزج المتناقضات.

تطالعنا صور مكثفة مشحونة بـ "تقلبات التضاد" ومحفوفة بالحيرة.

تداخل حاد بين أبعاد الذاكرة والواقع، كأن "تنقلب الأحلام على الواقع والواقع على الأحلام".

2. التشكيل السريالي والفانتازي

يجنح الشاعر نحو الخيال الثانوي والتركيب السريالي غير المألوف ليصدم ذائقة المتلقي.

يبني علاقات ومجاوزات غريبة بين الكائنات والأشياء، مثل صورة "إنشاء قفص للأحلام يغذي بدم الشعراء الغربان".

استخدام مفارقات مدهشة مثل "صرصر بلا رأس يمر بجانبك" أو "المشي الهوينى كأنما على بيض الحياة".

3. استدعاء الرموز الأسطورية والتاريخية

لا تقتصر صورته على البعد الحسي العابر، بل يدمج الرموز التاريخية الرافدينية والمحلية ليشحن الصورة بأبعاد فكرية وسياسية.

توظيف رمز "سنمار" وقبته وسراديبه للتعبير عن الخديعة أو التضحية الضائعة.

ربط عناصر الطبيعة العراقية كـ "جواميس ميزوبوتاميا" وشقوق شفتي "الفرات" و"دجلة" بالنزيف الإنساني والوجع الجماعي.

4. الاندماج بين الحسي والنفسي (أنسنة الطبيعة)

تتحول المظاهر الطبيعية والفيزيائية في لغته إلى مرآة تعكس أزمات الذات الداخلية.

تصبح الطبيعة شريكة في المعاناة، كصورة "رموش شواطئ الرؤية" التي تتجمد عليها الدموع، أو "أوراق القميص التي تتساقط كأغصان الخريف".

5. التكثيف والابتعاد عن التزيين البلاغي

تخلو صورته من الزخرفة اللفظية المجردة، فهي صور قائمة على الإيجاز والتوهج لخدمة المضمون الإنساني والوجودي.

يركز على اللقطات البصرية السريعة (المشهدية) التي تعكس أثر الحرب، والغياب، وتدمير البيوت، مثل وقوف "جدار الشباك" وحيداً بعد دمار المنزل.

لتصميم دراسة أكاديمية حديثة ومبتكرة تتمحور حول الصورة الشعرية عند الشاعر العراقي سوران محمد، يجب الابتعاد عن القوالب البلاغية التقليدية (التشبيه والاستعارة المجردة) والتركيز على المناهج النقدية المعاصرة. نظراً لتميز تجرِبته بالتكثيف، تداخل الزمكان، والنزوع نحو السريالية، سنناقش الموضوع من عدة جوانب:

تتأسس المرجعية الفكرية للشاعر والمترجم العراقي سوران محمد على تقاطع معرفي خصب يجمع بين ثقافة ما بعد الحداثة، الانفتاح الكوني عبر الترجمة، والارتباط الوجداني بالمرجعيات الرافدينية والواقع المعاصر. هذا المزيج الفكري هو ما يمنح صورته الشعرية بُعداً أعمق يتجاوز حدود الزخرفة البلاغية التقليدية.

ويمكن تقسيم مرجعياته الفكرية إلى الأبعاد الآتية لتضمينها في فصل الدراسة الأكاديمية:

1. مرجعية ما بعد الحداثة وقصيدة النثر

تحديث الأدوات التعبيرية: يتبنى الشاعر رؤية نقدية واعية ترى أن الإنسانية المعاصرة بحاجة إلى لغات تعبيرية جديدة تكسر القوالب الكلاسيكية الجاهزة.

تفكيك المفاهيم: تنطلق أفكاره من وعي حداثي يعتمد على "إخراج المفردة من سياقها التقليدي" وإدخالها في فضاءات تجريبية تبحث عن القلق الإنساني والاغتراب الوجودي.

2. مرجعية التثاقف والترجمة (العالمية)

تجاوز المحلية: بوصفه مترجماً وكاتباً منفتحاً على الثقافات العالمية (العربية والكردية والدولية)، يؤمن سوران محمد بأن الشعر يجب أن يمتلك "إيقاعاً داخلياً للمعنى" يؤهله للعالمية.

التأثر بالمدارس الغربية: ينعكس عمله في الترجمة على نصوصه من خلال استعارة آليات التشكيل السريالي والفانتازي الغربي، وتوظيف الفلسفات الوجودية التي تعنى بأسئلة الفناء، الموت، والغياب.

3. المرجعية التاريخية والأسطورية (الهوية الرافدينية)

الوعي الحضاري: على الرغم من حداثة أدواته، يظل فكر الشاعر متجذراً في بيئته العراقية. تظهر في وعيه الفكري رموز حضارة "ميزوبوتاميا" وجغرافية الفرات ودجلة، لا كديكور مكاني بل كمرجعية ثقافية وسياسية تُفسر انكسارات الواقع الحالي.

استدعاء الرمز التراثي: يظهر فكره النقدي في توظيف شخصيات تراثية (مثل المهندس "سنمار") ليعيد صياغتها فكرياً كرمز للتضحية المهدورة أو الخديعة السياسية والاجتماعية.

4. مرجعية الوعي بالواقع وقلق الإنسان المعاصر

النزعة الإنسانية: يتأثر فكر الشاعر بشكل مباشر بأزمات العصر: الحروب، الدمار، واغتراب الكائن البشري وسط التطور التكنولوجي والمادي.

جدلية الذات والموضوع: يرى الشاعر أن ذات الأديب ليست معزولة، بل هي مرآة تعكس الوجع الجماعي، وهو ما يفسر تحول صورته الشعرية إلى لقطات مشهدية صادمة تحاكي الواقع وتتنبأ بتحولاته.

أن الصور السريالية والتناقضات الزمكانية في شعره ليست عبثية، بل هي نتاج مباشر لوعيه الفلسفي الملتزم بقضايا الإنسان والحداثة.

أنها ليست ترفاً شكلياً أو عبثاً لغوياً، بل هي أدوات معرفية (Epistemological Tools) حتمية فرضها واقع مشوه ومعقد.

فبنية التشكيل الصوري عند الشاعر تتجلی في النقاط التالية:

1. السريالية كآلية لتعرية "الواقع غير المعقول"

عندما يلجأ سوران محمد إلى التشكيل السريالي (مثل صياغة علاقات متنافرة كـ أقفاص الأحلام التي تتغذى فيها بدم الشعراء الغربان أو الصرصر بلا رأس)، فهو لا يهرب من الواقع، بل يعيد إنتاجه بصورة موازية تعكس بشاعته.

الواقع العراقي والإنساني المعاصر مرّ بظروف وسياقات كارثية (الحروب، الدمار، الاغتراب الوجودي) تجاوزت بلامعقوليتها حدود المنطق العقلاني الكلاسيكي.

"إن السريالية عند سوران محمد هي استجابة جمالية لواقع مشوه؛ فالواقع الكارثي لا يمكن التعبير عنه بأدوات تعبيرية تقليدية وواقعية. لذا، تصبح الصورة السريالية هنا قناعاً فكرياً يهدف إلى صدم وعي المتلقي ليرى البشاعة الحقيقية للواقع عبر مرآة الفانتازيا المشوهة.

2. التناقض الزمكاني كوسيلة لتجسيد "قلق الاغتراب الحداثي"

تداخل الأزمنة وتصادم الأمكنة في شعره (مثل قلب الأحلام على الواقع، وجعل الماضي الرافديني ينزف في الحاضر) ليس تشظياً عشوائياً، بل هو محاكاة لبنية الفكر الإنساني المعاصر تحت وطأة صدمات العصر.

الإنسان المعاصر يعيش حالة "تشرذم زمني"؛ فالماضي يثقل كاهله بالخيبات، والمستقبل مهدد، والحاضر مأزوم.

"تتجلى التناقضات الزمكانية في نصوص الشاعر بوصفها معادلاً موضوعياً (Objective Correlative) لأزمة المغترب الحداثي. إن خلخلة البعدين الزماني والمكاني هي انعكاس لعدم استقرار الذات الشاعرة، وتعبير فلسفي عن رفض التاريخ الخطي المستقيم الذي لم يقد البشرية إلا نحو المزيد من الحروب والخراب.

3. "أنسنة الطبيعة" والالتزام بقضايا الإنسان

تحويل عناصر الطبيعة إلى كائنات مأزومة (مثل رموش شواطئ الرؤية المتجمدة أو شفتي الفرات المتشققتين) يثبت الالتزام الإنساني العميق. الشاعر لا يرى الطبيعة كديكور خارجي منفصل، بل كجزء من النسيج المعذب للكائن البشري.

الانزياح الفلسفي هنا يلغي المسافة بين (الذات) الإنسانية و(الموضوع) الطبيعي، جاعلاً الكون كله مسرحاً للمأساة الإنسانية.

يتحول الكون في جغرافية سوران محمد الشعرية إلى ذات واعية تتألم؛ فالفرات ودجلة لا يحضران كرموز جغرافية جامدة، بل ككائنات حية تتقاسم مع الإنسان العراقي نزيفه الوجودي. هذا الامتزاج ينفي عن الصورة صفة العبثية، ويؤكد التزامها الصارم بالدفاع عن كينونة الإنسان وهويته الحضارية المهددة.

4. البحث عن "عالمية النص" عبر الإيقاع الداخلي للمعنى

يرى سوران محمد (من منطلق وعيه كمترجم ومثاقف) أن التكثيف الصوري المبني على المفارقة والسريالية هو اللغة العابرة للقوميات والحدود.

الصورة البصرية المكثفة والفانتازية يسهل انتقالها وفهمها عبر الترجمة مقارنة بالبلاغة اللفظية القائمة على المحسنات البديعية المحلية.

تنبثق الصورة عند الشاعر من وعي فلسفي بـ 'عالمية النص'؛ حيث يعتمد 'شعرية الفكرة والمشهد الكوني' بدلاً من 'شعرية اللفظ والزخرفة'. إن السريالية هنا هي لغة إنسانية مشاعية، توظف الرمز المحلي (ميزوبوتاميا، سنمار) وتلبسه ثوباً حداثياً يفهمه الإنسان في كل مكان، محققة بذلك غائية الالتزام الإنساني الأوسع".

فلسفية الصورة: من عبثية التشكيل إلى حتمية الالتزام المعرفي (قصيدة طور أنوذجا)

1. السريالية بوصفها تفكيكاً لتشظي الجسد والوجود

يفتتح الشاعر قصيدته بصورة سريالية صادمة تنزاح عن العقلانية الكلاسيكية:

"طارَ من قفصِ صدرِهِ؟.. حلَّ الخريفُ على الأغصان.. لا تدَعْ أوراقَ قميصِكَ تتساقطْ"

التحليل الفلسفي: الشاعر هنا لا يستعير الخريف للزينة البلاغية. الجسد (الصدر) يتحول إلى قفص، والثياب (القميص) تتحول إلى أغصان تتساقط أوراقها.

هذا التشكيل ليس عبثاً، بل هو تعبير فلسفي حداثي عن عري الإنسان المعاصر وتآكله الوجودي أمام الفقد والزمن. الشاعر يدمج بين (الذاتي الإنساني) و(الموضوعي الطبيعي) ليعكس حالة الاغتراب، حيث يفقد الكائن البشري تماكسه الفيزيائي ويتحول إلى كائن هش "تتساقط أوراقه" بفعل صدمات الواقع.

2. التناقض الزمكاني وجدلية (المهد / القبر)

ينتقل الشاعر فجأة في حركة زمنية دائرية معاكسة للمنطق الخطي:

"ليسَ لدَيكَ ما تفعلهُ سوى النزولِ من السطحِ على سُلَّمِ الزمنِ.. إلى الأسفلِ حيثُ ترى مهداً ترقدُ فيهِ روحٌ"

التحليل الفلسفي: يستحضر الشاعر حركة فيزيائية مستحيلة؛ النزول على "سلم الزمن" للوراء للقاء "المهد"، في ذات الوقت الذي يتحدث فيه عن "نعش يتمايل" و"ظلال شواهد القبور".

كسر خطية الزمن (الماضي/الحاضر/المستقبل) هو نتاج وعي حداثي يرى الزمن بوصفه عبئاً ثقيلاً وليس تتابعاً منطقياً. إن التناقض هنا يخدم فكرة "العود الأبدي" وتساوي الحياة والموت في الواقع المأزوم؛ فالنزول نحو المهد هو رحلة بحث عن الطهارة الأولى المفقودة، وهو محاولة للخلاص من "أسوار المعرفة" والمنفى. الزمن هنا نفسي داخلي وليس فيزيائياً خارجياً.

3. الفانتازيا واللقطة المشهدية (أنسنة الكارثة)

يختتم الشاعر مقطعه ببناء مشهد يمزج الفانتازيا بالواقعية القاسية:

"ليلةٌ سقطتْ من بينِ أنيابِ ذئبةٍ عجوزٍ.. وقعتْ على رصيفِ شارعٍ خالٍ"

التحليل الفلسفي: تحويل "الليلة" إلى شيء مادي يُعض ويسقط من بين أنياب "ذئبة عجوز" ليتحول إلى رصيف بارد خاوٍ.

الصورة هنا شديدة الالتزام بقضايا الإنسان (الوحشة، الحرب، الخراب). الليلة ليست مجرد وقت، بل هي رمز للظلمة الكونية والسياسية التي تنهش الإنسان. إسناد الفعل للذئبة العجوز وسقوط الليلة على الرصيف الخالي هو تجسيد للمأساة الجماعية للإنسان المغترب الذي تُرِك وحيداً على رصيف الحياة بعد أن نهشته الحروب والتحولات السياسية القاسية.

تأسيسًا على ما تقدَّم في تحليل قصيدة 'طَور'، يتضحُ بجلاء أن الانزياحات السريالية والتلاعب بالبنى الزمكانية في منجز سوران محمد الشعري لا تُمثّل انفلاتاً عبثياً أو رغبة صِرفة في الغموض؛ بل هي 'حتمية أسلوبية' فرضها وعيه المعرفي الملتزم. فالشاعر، انطلاقاً من مرجعيته الحداثية، يرى الواقع الإنساني الراهن بوصفه واقعاً متشظياً وكارثياً لا يمكن الإحاطة به عبر اللغة التقريرية المباشرة. ومن ثمَّ، تصبح السريالية لديه هي الأداة الفلسفية الوحيدة القادرة على إعادة ترميم هذا التشظي وتعرية بشاعة العالم، ليتحول التناقض الزمني في نصوصه إلى معادل موضوعي لقلق الكائن المعاصر واغترابه الوجودي.

***

فاروق سلمان کاطع

دراسة بلاغية أسلوبية

مقدّمة: يُعَدُّ الشعر الأندلسي أحد أكثر الأجناس الأدبية العربية قدرةً على تمثيل التفاعل بين الجمال الفني والتجربة الإنسانية، لما امتاز به من رهافة حسّية وثراء بلاغي وتنوّع أسلوبي. ويقف ابن زيدون في مقدّمة الشعراء الذين استطاعوا أن يؤسّسوا خطابًا شعريًا متفرّدًا، جمع بين حرارة العاطفة وعمق التشكيل البلاغي، حتى غدا شعره أنموذجًا مكتملًا للتداخل بين البنية الأسلوبية والبعد الجمالي.

ولا تنبع أهمية شعر ابن زيدون من كونه تعبيرًا وجدانيًا فحسب، بل من كونه ممارسة لغوية واعية تُعيد تشكيل العالم عبر آليات بلاغية دقيقة، تجعل النص الشعري فضاءً للتوتر الدلالي والانزياح التعبيري والتكثيف الإيقاعي. ومن هنا تتأسّس هذه الدراسة على مقاربة بلاغية أسلوبية تحاول الكشف عن جماليات الخطاب الشعري عند ابن زيدون، وتحليل البنى التعبيرية التي أسهمت في تشكيل فرادته الفنية.

أولًا: البنية البلاغية وتحويل اللغة إلى أفق جمالي

إنّ المتأمل في شعر ابن زيدون يلحظ أنّ اللغة لديه لا تؤدي وظيفة الإخبار، وإنما تتحوّل إلى كيان جمالي مستقل، قائم على الانزياح والتشكيل التصويري. فالبلاغة عنده ليست زينة خارجية، بل هي بنية عميقة تتشكّل من خلالها الرؤية الشعرية ذاتها.

وتبرز الاستعارة بوصفها الأداة الأكثر فاعلية في تشكيل الصورة الشعرية، حيث تتجاوز بعدها البياني التقليدي لتصبح أداة لإعادة إنتاج التجربة الوجدانية. ففي قصيدته النونية الشهيرة، لا يصف الحنين بوصف مباشر، وإنما يجسّده عبر صور حسّية متحرّكة، تجعل الألم العاطفي كيانًا مرئيًا محسوسًا. وهذا التحويل من المجرّد إلى الحسّي يمثّل جوهر الطاقة البلاغية في شعره.

كما تتجلّى جمالية التشبيه عند ابن زيدون في اعتماده على التشبيهات المركّبة التي تتجاوز العلاقة السطحية بين الطرفين، لتؤسس بنية دلالية متعدّدة الطبقات. فالصورة الشعرية لا تُبنى على المشابهة الظاهرة فقط، وإنما على الإيحاء النفسي والانفعال الوجداني.

ثانيًا: الانزياح الأسلوبي وتكثيف الدلالة

تُظهر القراءة الأسلوبية لشعر ابن زيدون أنّه يعتمد اعتمادًا واضحًا على الانزياح التركيبي والدلالي، بوصفه وسيلة لإحداث المفارقة الجمالية داخل النص. فالتركيب اللغوي لديه غالبًا ما ينحرف عن المألوف النحوي أو الدلالي ليؤسس حالة شعرية ذات كثافة إيحائية عالية.

ويتجلّى ذلك في التقديم والتأخير والحذف والتكرار، وهي آليات أسلوبية تمنح النص حركة داخلية وإيقاعًا نفسيًا متوتّرًا. كما أن التكرار عنده لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يتحوّل إلى تقنية دلالية تعبّر عن الإلحاح النفسي واستدامة الانفعال.

ومن أبرز العوامل التي أسهمت في قوة البناء الأسلوبي عند ابن زيدون:

التفاعل بين التجربة الذاتية والبناء البلاغي.

توظيف الإيقاع الداخلي بوصفه عنصرًا دلاليًا.

التكثيف التصويري القائم على الاقتصاد اللغوي.

التوازن بين العاطفة والعقل في تشكيل الصورة.

هيمنة البعد الموسيقي داخل النسيج التعبيري.

ثالثًا: جمالية الإيقاع وبنية الانفعال

لا يمكن مقاربة شعر ابن زيدون بعيدًا عن البعد الإيقاعي الذي يشكّل أحد أهم مرتكزات الجمالية الشعرية لديه. فالإيقاع الخارجي المتمثل في الوزن والقافية يتكامل مع الإيقاع الداخلي الناتج عن التوازي الصوتي والتناغم الحرفي وتكرار البنى التركيبية.

وقد استطاع ابن زيدون أن يجعل الموسيقى الشعرية أداة للكشف النفسي، بحيث تتحوّل البنية الصوتية إلى مرآة للانفعال العاطفي. وهذا ما يمنح نصوصه طاقة وجدانية متدفقة، تجعل القارئ يعيش التجربة الشعورية لا بوصفها معنىً مجردًا، وإنما بوصفها خبرة حسّية متكاملة.

رابعًا: البعد النفسي والرمزي في الخطاب الشعري

إنّ الخطاب الشعري عند ابن زيدون يقوم على جدلية الحضور والغياب، وهي جدلية تتجلّى بصورة واضحة في شعر الحنين والفراق. فالمرأة في شعره ليست معطى واقعيًا فقط، بل تتحوّل إلى رمز جمالي يستوعب معاني الفقد والاغتراب والزمن الضائع.

ومن هنا تتشكّل الرمزية الشعرية بوصفها أفقًا تأويليًا مفتوحًا، يسمح بتعدّد الدلالات وتجاوز القراءة المباشرة للنص. وهذا ما يجعل شعر ابن زيدون قادرًا على الاستمرار والتجدد عبر العصور، لأنّه ينفتح على التأويل ولا ينغلق داخل معنى واحد نهائي.

خاتمة

تكشف الدراسة البلاغية الأسلوبية لشعر ابن زيدون عن وعي فني عميق بطبيعة اللغة الشعرية وآليات اشتغالها الجمالية. فقد استطاع الشاعر أن يحوّل البلاغة من صناعة لفظية إلى رؤية جمالية متكاملة، تتضافر فيها الصورة والإيقاع والانزياح والأسلوب لبناء تجربة شعرية ذات كثافة إنسانية وفنية عالية.

ولعلّ القيمة الحقيقية لشعر ابن زيدون تكمن في قدرته على المزاوجة بين حرارة العاطفة ودقّة التشكيل البلاغي، بحيث يغدو النص الشعري فضاءً تتقاطع فيه الذات والتاريخ والجمال، في بنية فنية لا تزال قادرة على إثارة الدهشة النقدية والجمالية حتى اليوم.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

...........................

المراجع العربية

- أحمد الشايب، أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي.

- صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق.

- إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، دار الثقافة.

- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي.

- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء.

- عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب.

- ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه.

المراجع الأجنبية

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press.

Michael Riffaterre, Semiotics of Poetry, Indiana University Press.

Geoffrey Leech, A Linguistic Guide to English Poetry, Longman.

Terry Eagleton, How to Read a Poem, Blackwell Publishing.

Jonathan Culler, Structuralist Poetics, Routledge.

Paul Ricoeur, The Rule of Metaphor, University of Toronto Press.

مقاربة نقدية أسلوبية، سيميائية، هيرمينوطيقية، ذرائعية واحتمالية

ليس النص الشعري الحديث بنيةً لغويةً مغلقة تُستنفد دلالاتها عند حدود المعنى المباشر، بل هو كائنٌ جماليٌّ متحوّل، تتوالد معانيه من تفاعل اللغة بالخيال، والذات بالعالم، والمرئي بالمضمر، حتى يغدو فضاءً تأويلياً مفتوحاً على احتمالات لا نهائية من القراءة. ومن هذا المنطلق تكتسب قصيدة النثر المعاصرة مشروعيتها الجمالية بوصفها خطاباً يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والوجود، وبين اللغة وما يتجاوز اللغة من رؤى وأحلام وأسئلة.

وتأتي قصيدة «نشيد العالم» للشاعرة الجزائرية نادية نواصر ضمن هذا الأفق الإبداعي الرحب، إذ تنهض على خطاب شعري ذي طبيعة تأملية وجودية، يتخذ من العالم مخاطَباً رمزياً تتداخل فيه مستويات الذات والتاريخ واللغة والكون. فالعالم في النص ليس مجرد فضاء خارجي، وإنما كيان رمزي كثيف الدلالة، تتقاطع داخله الحكمة والجنون، والضباب والشفافية، واليقين والارتياب، ليصبح مرآةً كبرى تعكس قلق الذات الباحثة عن المعنى، ورحلتها المستمرة نحو اكتشاف حقيقتها العميقة.

وتتأسس القصيدة على شبكة واسعة من الصور والاستعارات والانزياحات اللغوية التي تتجاوز الوظيفة الإخبارية للكلام، لتؤسس عالماً شعرياً قائماً على المجاز الكلي، حيث تتحول اللغة إلى طاقة كشفٍ واستبصار، ويتحول الخطاب إلى حوار روحي بين الأنا والعالم. كما يتجلى في النص حضورٌ واضح للرمزية المركبة والتناص الثقافي والرؤية الفلسفية التي تجعل من القصيدة نصاً متعدد الطبقات، قابلاً لقراءات مختلفة ومتباينة تبعاً لاختلاف المرجعيات النقدية والتأويلية.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص من زوايا متعددة، تجمع بين التحليل الأسلوبي والبلاغي، والقراءة السيميائية، والمقاربة النفسية والاجتماعية، والتأويل الهيرمينوطيقي، والتحليل الذرائعي، فضلاً عن الإفادة من آليات النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على شبكة من المعاني الممكنة لا على معنى أحادي مغلق. كما تحاول الدراسة الكشف عن البنية العميقة للنص، واستجلاء أنساقه الرمزية، ورصد ديناميكية الصورة الشعرية وتحولاتها، وتحليل العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين الرؤية الفنية والمرجعية الفكرية التي تصدر عنها الشاعرة.

ولعل أهمية هذه المقاربة تكمن في أنها لا تتعامل مع القصيدة بوصفها وثيقة لغوية فحسب، بل بوصفها حدثاً جمالياً ومعرفياً وإنسانياً، تتجاور فيه الأسئلة الوجودية مع الرؤى الجمالية، وتتداخل فيه التجربة الذاتية مع التجربة الكونية، بما يجعل «نشيد العالم» نصاً مفتوحاً على التأويل، وقادراً على إنتاج معانٍ جديدة كلما أُعيدت قراءته من منظور نقدي مختلف. ومن هنا تأتي هذه الدراسة محاولةً للإنصات إلى نبض النص الداخلي، والكشف عن جمالياته الظاهرة والمضمرة، واستنطاق ما يسكت عنه بقدر ما تستنطق ما يصرّح به، إيماناً بأن النصوص الكبرى لا تقول كل شيء، بل تترك دائماً مساحاتٍ خصبةً لما يمكن أن يُقال.

ينتمي نص «نشيد العالم» للشاعرة الجزائرية نادية نواصر إلى قصيدة النثر ذات المنزع التأملي الوجودي، حيث تتخذ الذات الشاعرة من "العالم" مخاطَباً مركزياً تدخل معه في حوار معرفي وروحي مفتوح. ولا يقدم النص العالم بوصفه معطىً خارجياً، بل بوصفه كياناً رمزياً يتقاطع فيه التاريخ واللغة والوجود والذاكرة والذات.

وتنبني القصيدة على حركة دائرية تبدأ بالنداء:

«أيها العالم»

وتنتهي بالعودة إلى الطفولة الأولى:

«لقد ظل يلهو مع أطفال الحارة»

لتؤسس بذلك بنية رحلية تنتقل من سؤال الوجود إلى براءة الكينونة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يعتمد النص على لغة شعرية ذات كثافة دلالية عالية تقوم على الجملة القصيرة المتتابعة.

نلاحظ ذلك في:

«هبني طريقي وخطاي» «كن مجازي وبلاغتي» «دعني ألجأ إلى الضوء»

فالجملة هنا تتخفف من الروابط النحوية التقليدية لصالح الإيقاع الداخلي.

وتقوم اللغة على ما يسميه جان كوهن بالانزياح الشعري، أي العدول عن التعبير المألوف.

فالشاعرة لا تقول:

"أبحث عن المعنى"

بل تقول:

«روح المعنى وهو يتدلى من أعالي مدن الملح»

وهو تركيب يستبدل العبارة المباشرة بصورة رمزية مركبة.

فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ تنتمي إلى حقل ثقافي وفلسفي:

١- الحكمة،٢- الجنون، ٣- الإدراك،- ٤- المجاز، ٥- التناص،٦- الروح،- ٧- التاريخ، ٨- الوجود.

وهي ألفاظ تمنح النص طابعاً معرفياً واضحاً.

غير أن بعض المواضع تحتاج مراجعة لغوية مثل:

«ابحديات الغوص»

والأقرب:

«أبجديات الغوص».

وكذلك:

«هيء لي»

والأفصح:

«هيِّئ لي».

البلاغة والانزياح

القصيدة قائمة على سلسلة من الاستعارات الكبرى:

العالم إنسان

«أيها العالم الواقف على بلاغة الصمت»

العالم كتاب

«المتأرجح بين الحروف»

العالم جسد

«خذني بهشاشتي وصلابتي»

العالم ذاكرة

«رسومات العصور»

وهذه الاستعارات لا تعمل منفصلة بل تتداخل لتصنع ما يسمى "الرمزية المركبة".

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

النص لا يعتمد الوزن الخليلي.

لكنه ينتج موسيقاه الخاصة عبر:

التكرار

«أيها العالم»

تكررت لتؤدي وظيفة إنشادية.

وكذلك:

«كن»، «خذني»، «دعني».

وهو تكرار يولد إيقاع الابتهال.

التوازي التركيبي:

«بغموضي وشفافيتي بهدوئي الوديع ونعومة ثورتي»

يقيم النص توازناً صوتياً ودلالياً.

الجرس الداخلي

التجاور بين:

١- «الحكمة والجنون»

٢- «الضباب والشفافية»

٣- «هشاشتي وصلابتي»

يصنع موسيقى التضاد.

ثالثاً: الصورة الشعرية

الصورة الحركية

الصور ليست ثابتة.

بل تتحرك باستمرار:

١- «روح المعنى وهو يتدلى»

٢- «أغرس في الجذب وردة»

٣- «مسحت الشمس بكفها على شعري»

٤- «تحمله إلى الضفة الأخرى»

وهذا ما يجعل النص قائماً على ديناميكية مستمرة.

الصور التحولية

تتحول الأشياء من طبيعتها الواقعية إلى طبيعة رمزية.

فالجرح:

«كلما نزف أزهر»

ينتقل من مجال الألم إلى مجال الخصب.

والموت:

«سرقه الموت ومضى إلى فنائه»

يتحول إلى كائن فاعل.

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

من أجمل مظاهر النص:

«مسحت الشمس بكفها على شعري الأشقر»

الشمس تكتسب صفات إنسانية.

والإنسان يندمج بالطبيعة.

وهذا ما يسمى بالتبادل الوجودي.

استعارة الامتزاج

يتكرر الامتزاج بين الذاتي والكوني:

الروح - العالم

الضوء - النشيد

الزمن - الرصيف

الوجود - الصلصال

وهي شبكة استعارية متماسكة.

رابعاً: الرؤية الفنية

العالم في القصيدة ليس موضوعاً خارجياً.

بل هو مرآة الذات.

فكل نداء للعالم هو في الوقت نفسه نداء للذات.

ولهذا فإن النص يتحرك بين قطبين:

الذات الفردية والكون الكلي.

خامساً: التحليل الذرائعي

وفق المنهج الذرائعي فإن النص يؤدي وظائف متعددة:

١- الوظيفة الجمالية

عبر الصور المركبة والانزياحات.

٢- الوظيفة المعرفية

من خلال حضور مفردات:

الإدراك المجاز التناص التاريخ

٣- الوظيفة النفسية

عبر تفريغ القلق الوجودي.

٤- الوظيفة الإنسانية

عبر الاحتفاء بالطفولة والبراءة.

سادساً: الهيرمينوطيقا والبنية العميقة

على المستوى الظاهر يبدو النص خطاباً موجهاً إلى العالم.

لكن في العمق يمكن قراءته باعتباره:

بحثاً عن الذات.

فالعالم هنا قد يكون:

الوجود، اللغة، الزمن، الله، المطلق، الإنسان الكلي.

وهذا الانفتاح التأويلي أحد عناصر قوة النص.

سابعاً: القراءة السيميائية:

ثنائية الضوء والظلام

الضوء يساوي المعرفة

«دعني ألجأ إلى الضوء»

الضباب يساوي الالتباس

«المليء بالحكمة والجنون بالضباب والشفافية»

ثنائية الحياة والموت

الحياة:

الفجر الوردة الأطفال

الموت:

«سرقه الموت»

لكن الموت لا ينتصر نهائياً.

بل يتحول إلى جزء من دورة الوجود.

دلالة الألوان

١- الأشقر: رمز الضوء والحيوية.

٢- العسلي: رمز الدفء الإنساني.

ثامناً: البعد النفسي

النص يكشف ذاتاً قلقة لكنها متصالحة.

فالأسئلة الوجودية حاضرة:

«شغف الأسئلة»

لكنها لا تنتهي إلى العدم. بل إلى الرجاء.

تاسعاً: البعد الإيروتيكي

لا يظهر الإيروتيك بمعناه الجسدي.

بل بمعناه الوجودي والجمالي.

فالذات ترغب في الاتحاد بالعالم.

«خذني بهشاشتي وصلابتي»

«كن مجازي وبلاغتي»

وهو ما يسميه باشلار "إيروتيكية الاندماج الكوني".

عاشراً: النقد الاحتمالي

وفق النقد الاحتمالي لا يوجد معنى واحد للنص.

يمكن أن يكون العالم:

الوطن، اللغة، التاريخ، الذات العليا، الوجود المطلق.

ويمكن أن تكون الضفة الأخرى:

١- الموت، ٢- الخلاص، ٣-المعرفة، ٤- النضج الروحي.

كما يمكن أن يكون الطفل الأخير في النص:

القلب، الذاكرة، البراءة الأولى.

وبذلك يصبح النص فضاءً مفتوحاً لإنتاج المعاني لا لاستهلاكها.

ملاحظات نحوية وصرفية مختارة

أيها العالم

أيُّ: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم.

الهاء: للتنبيه.

العالم: بدل مرفوع.

هبني طريقي

هب: فعل أمر.

النون للوقاية.

الياء: مفعول به أول.

طريقي: مفعول به ثان.

كن مجازي وبلاغتي

كن: فعل أمر ناقص.

اسمها ضمير مستتر.

مجازي: خبر أول.

بلاغتي: معطوف عليه.

دعني ألجأ إلى الضوء

دع: فعل أمر.

الياء: مفعول به.

ألجأ: فعل مضارع منصوب.

خاتمة:

تقدم الشاعرة الجزائرية نادية نواصر في «نشيد العالم» نصاً ينتمي إلى قصيدة النثر التأملية ذات النزعة الوجودية والرمزية. وتنبع قوة النص من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى تجربة كونية، ومن بناء شبكة رمزية تتداخل فيها اللغة والتاريخ والذاكرة والروح. كما يحقق النص درجة عالية من الانفتاح التأويلي تجعله قابلاً لقراءات متعددة، وهو ما يمنحه حيوية جمالية ومعرفية تتجاوز حدود القراءة الواحدة وتجعله نصاً منتجاً للمعنى باستمرار.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

نشيد العالم

أيها العالم

المليء بالحكمة والجنون

بالضباب والشفافية

ايها الواقف على بلاغة الصمت

وفوضى الكلام

هبني طريقي وخطاي

هبني ما تبقى من بصيرة القول

الهارب مني إليك

صوتي المبحوح

فلسفة الإدراك

روح المعنى وهو يتدلى

من أعالي مدن الملح

ايها العالم المتارجح بين الحروف

علمني ابحديات الغوص

في ما استعصى على المجاز

كن مجازي وبلاغتي

كن ذلك التناص

في هندسة الروح

كن نرجسا

او شوكا

او حجرا ينحت على وجهك التاريخ

رسومات العصور

العابر منها والراسخ

ايها العالم

هيء لي متكئي كي أستريح

من شغف الأسئلة

دعني ألجأ إلى الضوء

ذلك النشيد المشتهى

دعني أغرس في الجذب وردة

وأسكب على روح العطش ماء

فأنا سيدة الفجر

والتاريخ المؤجل

صوت الأولين

والقادمين إلى سر المعنى

فأنا الجرح الذي كلما نزف

أزهر وتخطى أنينه

ديهيا والأخريات

خذني بهشاشتي وصلابتي

بغموضي وشفافيتي

بهدوئي الوديع

ونعومة ثورتي

خذني بالذي يسكن روحي

وبالذي يرتسم على وجهي البهي

جئتك بعينين عسليتين مزركشتين

كالحياة تماما

أكلت من كل ثمار الأرض

وشربت كل كؤوسك

الحلو منها والمر

الحار والمالح

حفظت الكثير من الدروس

إحتفظت في حقيبتي ببعض الصور

مزقت الكثير من الأوراق

واحتفظت ببعضها

غيرت ألوان ملابسي

ضيعت كحلي حين بكيت

على وجعي السري

ثم رتبته مرة ثانية

حين مسحت الشمس بكفها

على شعري الأشقر

سقطت من حقيبتي بعض اشيائي الخاصة

بعضها استرجعته مع طول السفر

وبعضها سرقه الموت ومضى إلى فنائه

لونت الكثير من الرسومات

على رصيف الزمن

وبعضها مزقته

تجردت من عباءة الوقت

إلا من قلبي الطيب

لقد ظل يلهو مع أطفال الحارة

ويحلم بأصابع من حلوى

وطائرة من ورق

تحمله إلى ال...هناك

إلى الضفة الأخرى

ليزرع وردة في صلصال الوجود

ويتكىء على ساعد الليل

وينام كالحمل الوديع

***

نادية نواصر

قراءة في قصة "كشك الحكاية" لسعاد الراعي

نُشرت قصة "كشك الحكاية" للقاصة سعاد الراعي في صحيفة المثقف بتاريخ بتاريخ: 03 حزيران/يونيو 2026. وتروي قصة أديب، الشاب الذي خرج من الحرب مثقلاً بالخسارات بعد أن فقد ساقه اليمنى وأمضى سنوات من شبابه في الخدمة العسكرية، ثم عاد إلى حياته محاولاً ترميم ما تهدم في داخله. وفي لحظة مفصلية، تقوده رؤيا والده الراحل إلى إعادة فتح الكشك القديم في وسط المدينة، ليتحول هذا المكان إلى نقطة انطلاق جديدة في حياته وإلى مساحة تحتضن الكتب والحكايات والناس.

منذ السطور الأولى ترسم الكاتبة طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الشخصية والمكان. فالكشك يُقدَّم بوصفه فضاءً نفسياً وروحياً يعيد للشخصية توازنها المفقود. ويتجلى ذلك في وصفه بأنه: «وطنًا مصغرًا أعاد فيه ردم الصدوع التي تغلغلت في روحه». ومن هذه العبارة المبكرة يتضح أن القصة تتحرك في فضاء وجداني يجعل من المكان جزءاً من رحلة التعافي التي يخوضها البطل.

وتقوم القصة في جوهرها على ثنائية الفقد والاستعادة. فقد أخذت الحرب من أديب سنوات شبابه وساقه اليمنى وكثيراً من أحلامه المؤجلة. وتكثف الكاتبة أثر هذه التجربة في عبارة مؤثرة تقول فيها: «خرج من الجحيم حيًّا، نعم، لكنه ترك ساقه اليمنى هناك». ومن خلال هذا المنظور تركز القصة على الإنسان الذي عاش التجربة وعلى الندوب التي تركتها الحرب في ذاكرته ونظرته إلى الحياة.

وتحتل شخصية الأب موقعاً محورياً في العمل. فالأب يمثل المنبع الأول للحكاية والقراءة والخيال، ويستمر حضوره بعد رحيله عبر الذكريات والرؤيا التي تزور الابن في لحظة حاسمة من حياته. ومن خلال هذه العلاقة يمنح النص بعده العاطفي الأعمق، إذ تتداخل صورة الأب مع معنى الكتابة ومع فكرة النجاة نفسها. ويظهر ذلك بوضوح حين يستعيد السرد لحظة نشر الأب لقصص ابنه الأولى تحت عنوان «مغامرات أديب»، وهي لحظة تبدو بمثابة البذرة الأولى التي تشكلت منها شخصية الكاتب فيما بعد.

كما تكشف القصة عن إيمان واضح بقيمة الكتابة بوصفها وسيلة لمواجهة الألم واستعادة التوازن الداخلي. فالكتابة عند أديب ترتبط بمحاولة فهم ما جرى له والتخفف من أعبائه النفسية. ولهذا تقول الكاتبة: «لم تكن الكتابة لديه تزجيةً للوقت أو مهنة يتكسب منها، بل كانت الأداة الوجودية الوحيدة لترويض الألم العاوي في جنباته». وتكاد هذه العبارة تختصر جانباً مهماً من رؤية النص إلى وظيفة الأدب ودوره في حياة الإنسان.

وتبرز في القصة نزعة سعاد الراعي الوجدانية التي تمنح اللغة كثافة شعورية واضحة. فالأفكار تتحول إلى «كائنات سماوية شفافة»، والذكريات تقيم في النفس كـ «الجمر المستعر تحت الرماد البارد». ومن خلال هذه الصور تتجاوز اللغة حدود الوصف المباشر لتقترب من التعبير الشعري الذي يضفي على التجربة مسحة من التأمل والحنين.

كما يعتمد السرد على الجملة الطويلة المتدفقة التي تمنح الكاتبة مساحة واسعة للوصف واستبطان المشاعر. ويظهر اهتمامها بالعالم الداخلي للشخصية عبر مقاطع تستعيد الماضي وتكشف أثره في الحاضر، الأمر الذي يجعل التجربة النفسية لأديب تحتل مركز السرد أكثر من الحدث الخارجي نفسه.

ومن الناحية البنائية، تمضي القصة في خط زمني واضح يعتمد الاسترجاع أداة أساسية لكشف ماضي الشخصية. فالحاضر السردي يبدأ من الكشك، ثم ينفتح على ذكريات الحرب والأب والطفولة والكتابة، قبل أن يعود في النهاية إلى الكشك نفسه. وتمنح هذه الحركة الدائرية النص قدراً من التماسك، لأن البداية والنهاية تلتقيان في المكان ذاته، بينما تكون الشخصية قد قطعت رحلة داخلية كاملة بين المشهدين.

وتبلغ القصة ذروتها العاطفية في مشهد الرؤيا التي يظهر فيها الأب لابنه. فهذا المشهد يمثل نقطة التحول الأساسية في حياة أديب، إذ يدفعه إلى الخروج من عزلته والانفتاح على الآخرين. وتكتسب كلمات الأب أهمية خاصة حين يقول: «لا تعتصم بالعزلة يا بني، ولا تهرب من الناس. اقترب من تلافيف حيواتهم». ومن هذه الدعوة تنبثق الفكرة المركزية للنص، وهي أن الإنسان يجد جزءاً من خلاصه في التواصل مع الآخرين والإصغاء إلى حكاياتهم.

وفي المقابل، تميل القصة أحياناً إلى الإفصاح المباشر عن المشاعر والدلالات. فكثير من المعاني تُقدَّم بصورة واضحة عبر السرد نفسه، الأمر الذي يحدّ نسبياً من مساحة الاكتشاف التي يمكن أن يشارك فيها القارئ. كما أن شخصية أديب تحتفظ بقدر كبير من الانسجام الإنساني والأخلاقي طوال مسار الأحداث، وهو ما يعزز التعاطف معها ويجعل التوتر الداخلي أقل حضوراً مقارنة بالشخصيات التي تتشكل عبر صراعات أكثر تعقيداً.

أما عنوان القصة، فيبدو منسجماً مع بنيتها العامة ودلالتها النهائية. فـ«كشك الحكاية» يتحول في خاتمة النص إلى أكثر من مكان، ويغدو رمزاً لاستعادة الذات ولإحياء إرث الأب وللانفتاح على العالم من جديد. ولهذا تأتي النهاية منطقية مع مسار الشخصية حين يدرك أديب أنه «لم يفتح مجرد كشكٍ مهجور، بل فتح بوابة الانطلاق لروحه وحياته من جديد».

تكشف «كشك الحكاية» عن جانب مهم من تجربة سعاد الراعي السردية، يتمثل في اهتمامها بالعلاقات الإنسانية والذاكرة وقيمة الحكاية في مواجهة الخسارة. وهي قصة تستمد تأثيرها من صدقها العاطفي ومن قدرتها على تحويل تجربة شخصية مؤلمة إلى حكاية عن التعافي والأمل والوفاء. ومن هنا تأتي قيمتها الأساسية في إنسانيتها، وفي إيمانها بأن الكلمات تستطيع أن تساعد الإنسان على النهوض كلما أثقلته الحياة بخساراتها.

***

بولص آدم

"من وضع البربين على خبزي"..

الصورة التي جاء بها الحطاب في نصه "من وضع البربين على خبزي" لم تكن كالصور التي ألفناها عنده، فقد اعتدنا على الملحمة كما في "شالوم مسلح"، والسخرية في (الرقص على جثة بينانو)، وغيرها التي حملت توجهات أقرب إلى الثورة على الواقع، والرفض، ونصرة الفقراء، إلا أن النص الحالي جاء خلافاً لما ذكرنا.

فالبنية الأسلوبية للنص تغيرت عما سواها، والمعنى المعتاد للتوصيف جاء مغايراً ايضاً.

فقد عمد جواد الحطاب إلى إبراز الدلالة في نصه بشكل واضح، ما فتح الآفق لإظهار طبيعة مغايرة للدلالة الحسية واللفظية التي أعتاد عليها القراء من توظيف الدلالة في الشعر، فكل النصوص إن لم نقل معظمها تذهب لتوظيف الجسد كمادة للغزل، يتغزل الشعراء بتفاصيله الدقيقة ليظهروا ما يشتمل عليه من مفاتن، وليوظفوا الإيحاء في الوصف للدلالة على جمال المرأة كحالة عامة داخلة في تفاصيل الوصف المتعلق بجسدها، وربما لاتكون تلك المرأة جميلة بقدر ما يحمل جسدها من جمال، وتلك نسبية لا علاقة لنا بها في هذه المساحة.

إلا أن الحطاب جاء على ذكر الجسد في نصه هذا ليوفر فسحة من الاحاطة تتعلق بالأشياء التي احتواها النص، ليجسد من خلالها صورة مكثفة للخطاب الشعري تحمل رمزية دلالية للجسد لا تتداخل فيها مع الغزل، بقدر ما هي دالة معرفية لفضاء النص المفتوح على المتغيرات الحسية.

هذه الفسحة التي اشتغل عليها الحطاب في نصه، قال عنها الناقد عبد الرضا علي " الحطاب، المعروف بمخالفته للسائد وبنزوعه إلى الإدهاش عبر بناء صور غير متوقعة، يشتغل هنا على ما يمكن تسميته «شعرية الاكتشاف»، حيث تتحول الرغبة إلى وسيلة للمعرفة، ويتحول الجسد إلى نصّ يُقرأ لا إلى موضوع يُستهلك (1).

أراد الحطاب عبر توظيفه هذه التقنية (إن جاز لنا تسميتها)، أن يقدم صورة قد تكون مألوفة حين تستشعرها، لكنها في الحقيقة تحمل أكثر من بعد، حيث يمثل النص ومضـة شعريـة دلاليـة تكثف "رحلـة البحث عن الحقيقـة"، استخدم فيها الحطاب الطبيعة كمرآة تعكس صراع الإنسان الداخلي في محاولة تجاوز المظاهر السطحية (الغبار) للوصول إلى الجوهر (اللب، الحياة).

هذه الدلالات والرموز مؤكد لها معاني قصدها الشاعر، فمثلاً "الغبار" أراد الحطاب أن يعبر عن التراكمات التي يخلفها الزمن ( سلبية أو ايجابية)، أو تلك الشكوك التي تغطي الحقائق، في حين أراد أن يوحي بأن هناك "مشاعر حميمية" تحيط بالحدث فجاء ب ( أصابعي، الجذع) ليكشف عن رغبة حقيقية في التقرب أو التفاعل مع الأشياء بجدية، في حين أن (لحاء الشجرة) جاء كتعبير عن ما وراءه من الخفايا والأسرار، فاللحاء يغطي ما يدور من تطورات جينية تحدث للشجرة ولا نراها نحن، وفيها من الأسرار ما لا نعرفه أو ربما لا نفقه حدوثه، وهي إشارة واضحة إلى خلجات النفس البشرية المسكونة بالهواجس والأسرار والتوق للمعرفة ربما، وهي طبيعة راسخة في نفس الإنسان.

لعب الحطاب على تقلبات النفس الإنسانية ليرسم صورة مبدعة في التعبير اللغوي الذي وظفه في نصه، فجاء بالتضاد الذي اخذ النص نحو تقلبات الحركية الدلالية مثل (أزيل)، وهي مفردة واضحة قريبة ومريحة لنفس الإنسان، ولاغموض فيها، وهي أيضا تعبير عن البحث أو الاستكشاف، وهي طبيعة ثابتة في طرق المعرفة التي يسير نحوها الإنسان المعاصر.

فيما تأتي الصورة الأخرى لنص الحطاب والتي تتمثل في بذل الجهد والمثابرة للوصول إلى الحقيقة، فالحركة هي من تقود عملية الكشف والتحري، لا الجمود، وأن فعل الإزالة يقف وراءه فعل المعرفة، فكل إزالة تظهر بعدها حقيقة كانت مغطاة بواقع قد يكون مغاير لتلك الحقيقة. وهذه منهجية عملت عليها "المدرسة الرمزية" في الشعر الحديث كشفت من خلالها عن الحالة الشعورية (العاطفية) لما يستشعره الشاعر بشكل أعمق.

1 ..

«لا تشكّي بأصابعي

 أزيل الغبار عن الجذع

لأعرف

 ماذا يدور في لحاء الشجرة»

2..

«شفتاي.. كابيتان

 ربما

حين يبرق نهدٌ

 سأهتدي إلى قبلاتك»

وظف الحطاب في هذا المقطع العدول بأسلوب ذكي في نصه، فجعل النص يشبه الاستشعار بالحواس وليس بالعقل أو الرؤية، وإنما بالشفاه، ليجسد مفهوم جديد في عملية الاستشعار عبر الحواس وليس بغيرها.

فقد ذهب الحطاب لتصوير المشهد بصورة يعتريها الظلام، وحين يكون الظلام لابد من إشارات تهدي الطريق نحو النور، لذلك جاء ب (يبرق) بوصفه علامة اهتداء للطريق، و(نهد) بوصفه منارة في الطريق، لا كونه عضو من أعضاء الجسد، وليس كونه احتفاء بالجمال الجسدي والمشاعر الجياشة.

وهنا لابد من الإشارة التي قد يغفل عنها البعض من الباحثين مفادها ( أن الأنثى ليست غاية الرحلة بل دليلها. إنها العلامة التي تهدي الشاعر إلى المعنى. وتلك صورة عبقرية غاية في المركزية أعتمد فيها على "الاسقاط" وعبر عنها وكأنها عملية إبحار.

ولو نظرنا للمقطع من منظور رمزي نجد أنه يمثل عملية الانتقال من حاسة اللمس التي بنى عليها الحطاب شكلية النص في الفقرة الأولى إلى التوجه نحو القُبلة في الثانية، والمعرفة التي بدأت بالأصابع تبحث الآن عن اكتمالها في التواصل.

 القبلة هنا ليست فعلاً حسياً فحسب، بل لحظة وصول بعد رحلة تيه. ولهذا جاءت مفردة «سأهتدي» لا «سأصل». فالاهتداء فعل روحي ومعرفي قبل أن يكون مكانياً.

3..

المتاجرون بتوابل انوثتك

عادوا بثروااااااات من المتعة

:

هذا الخليط من الدانتيل والعطر

؟

هذا العبق الصاعد من زهرتك الإستوائية

!!

الهال على الحلمات

.

الزنجبيل على السرّة

.

وجوار جوزة الطيب

تناثر اللبان الذكري

 ..

وأنا فقيرك ..

أتلمس فقرات ظهرك

كما يتلمس الأعمى البخيل

ليراته الذهبية

 ..

يراودني الكلام

..

فماذا لو خُلقتُ فَمَاً

لأشكر جسدك

على هداياه الفسيحة !!

في الفقرة الثالثة من النص عمد الحطاب ليكون هناك آلية قياس مغايرة في التناول الشعري، فنص (من وضع البربين على خبزي) جاء به بصورة قد لاتشبه ما سبقه من نصوص ميزها باستهلاك الدلالة بصورة طغت معها ملامحها ونفذت روائحها لتحتل المتسع المفاهيمي بذوق تنامى وطبيعة العشق الروحي.

والتأمل الحي لروح القصيدة التي مثلها هذا النص تحديداً بدقة وتعقيد طغى على ما سواه، فالصورة التي جسدها جواد الحطاب تنم عن (سوق للتوابل والعطور)، أفرد له الحطاب قائمة من المحتويات المختلفة التفاصيل (الهال، الزنجبيل، جوزة الطيب، اللبان). لكنه لم يتناولها كعنصر اكتمال للموضوع الذي اختاره، بل ليؤسس نهجاً رمزياً متداخل مع الدلالة الشكلية والحسية.

جسد الأنوثة كثروة، لذلك قال "المتاجرون بتوابل أنوثتك عادوا بثروات من المتعة"، والثروة متناقلة أي (متداولة)، إلا أنه كمصطلح في الترادف لايحمل ذلك الوصف، أن عقد النص تشي بثنائية رائعة تجمع بين امتلاك المال (المتاجرون) و نقيضه الفقر، وهذا الأخير لاشأن له بالتداول، فهل عنى الحطاب أن "المتاجرون" لهم الحق في تداول ما وصف (الأنوثة)، ولا حق للنقيض كونه (فقير)، تلك المداخلة هي مفتاح الفقرة وجوهر المغزى النص.

ركز الحطاب في اسقاطاته على (جسد الأنثى) و ( التوابل) كمزيج من الجمال والروائح العطرة، وما تربط هذا بتلك، لم يقصد منها طبيعتها العشبية ( التوابل)، بل على موروثاتها الدلالية، ربما قصد تاريخها وقدمها، ودلالاتها الثقافية المختلفة، هي مفارقات مدهشة فعلاً أن تعمل على دمج النص وتلك الرموز والدلالات وطرق تجارتها وأنواعها، وتذهب لترسم تصوراً لذلك كله تمثيلاً بجسد امرأة وصيغ التملك والاحتواء.

اسقاطات متنوعة ورائعة خرجت عن مألوف التصور لتجسد بناء نصي بعناصر حقيقية ودلالة ملموسة، لا بل بروائح عطرية أنثوية غطت على الجو العالم للنص، حتى وكأنها تسحب القارئ من يده لتوقفه عن باب "العطار" ليرى كيف تسكب قطرات العطر من قارورة الأعشاب على تفاصيل الجسد الذي يتدفق جمالاً وحيوية.

:

«أتلمس فقرات ظهرك

كما يتلمس الأعمى البخيل

ليراته الذهبية»

ثنائية أخرى جاء بها الحطاب مثلت صورة من صور الإبداع، حين ركز على نقيضين في التوصيف والتشبيه (الأعمى والبخيل)، فالأعمى لا يرى الذهب لكنه يعرف قيمته باللمس. والبخيل لا يستمتع بإنفاق الذهب بل بمجرد التأكد من وجوده. وهكذا يصبح الجسد كنزاً لا تُقاس قيمته بالامتلاك بل باليقين بوجوده. إلا أن الصورة الخافية في نص الحطاب تتمثل في أن الأعمى والبخيل يشتركان في الخوف من الفقدان. لذلك فإن اللمس هنا ليس رغبة حسية فقط، بل محاولة طمأنة وجودية ضد الفقد.

«فماذا لو خُلقتُ فماً

لأشكر جسدك

على هداياه الفسيحة»

لقد سعى الحطاب في نصه هذا لإعادة بناء الانساق الشعرية خارج المألوف، ومنها أعاد انتاج دلالات جديدة من المفردات اليومية والمادية (2)، جسد من خلالها صيغ الشكر المختلفة لتشكل هيئة النص على شكل أمتنان لما ناله من هدايا استحقت ذلك الثناء.

4 ..

«حين توأد قبلة

أشم:

رائحة احتراق مكتبة»

الحطاب في هذه القصيدة لا يعبر عن الجسد بالمعنى الحرفي التقليدي، بل يكتب بما يمكننا أن نصفه ب         "ظاهراتية الجسد" بوصفه طريقاً إلى المعرفة والدهشة والشكر..

 بدأ قصيدته بالبحث عما تحت اللحاء، ثم الاهتداء عبر إشارات الجسد، ثم باكتشاف ثروته الرمزية، وتنتهي بالمأساة الكبرى: احتراق المعرفة حين تُوأد القبلة.

وبهذا فأن عمق البنية في النص ليست ببنية غزلية، وإنما معرفية، بداها بالاكتشاف وأنهاها بالخسارة.

ولذا نقول أن النص يعتبر من النصوص التي تتجاوز السطحية إلى فضاء فلسفي وإنساني رحب. وهو ما ينسجم مع خطاب جواد الحطاب الشعري القائم على الدهشة وتجاوز المألوف، وربما يذهب أبعد من ذلك حين يعمل على إعادة تعريف العلاقة بين اللغة والجسد، وتفاصيل المعنى.

***

سعد الدغمان

.........................

هوامش

1- عبدالرضا علي، مخالفة السائدِ في شعر جواد الحطّاب، صحيفة قريش، 2018.

2- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري-قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب، جريدة الزمان، لندن، 14-02-2024.

3- نور اسماعيل محمود، المرجعيات الثقافية جواد الحطاب "أنموذجاً"، مجلة المستنصرية للعلوم الإنسانية، 25-07-2025.

 

تتبدّى قصة "كشك الحكاية" في الفضاء السردي المعاصر بوصفها وثيقة أدبية بالغة العمق والجدية، ونموذجًا متميزًا لـ "الميتا-سرد"1؛ حيث يغدو النص رحلة في كيفية تشكّل الكتابة ذاتها، متجاوزًا الإطار التقليدي للقص الاجتماعي الرصين ليطرح ثيمات وجودية ونفسية معقدة تتمحور حول "المداواة بالسرد"2 وإعادة صياغة الهوية الإنسانية المتشظية بفعل الحروب والترومات الكبرى3...

تتجلى الهوية الأدبية والإبداعية للنص من خلال تتبعنا للبصمات الجمالية والسمات البنيوية التي نسجت كيانه من خلال المرتكزات الجوهرية التالية:

التموضع الفكري وحداثة الموضوع (قلب المفهوم الوظيفي)

تكمن الأهمية الفكرية الكبرى لهذا النص في خلخلته للمفهوم الوظيفي التقليدي للمؤسسة التجارية الصغرى (الكشك). إن "كشك الحكاية" في جوهره ليس حيزًا فيزيائيًا لبيع الورق الميت والأخبار المستهلكة أو الصحف العابرة، بل هو محراب سيكولوجي وأنطولوجي جُعل للاستماع إلى حكايات المنكسرين، ومن ثم إعادة إنتاجها وتدويرها في قوالب سردية ترفد وتثري عملية السرد الإبداعية.

هذا التحول من "البيع" إلى "الاستماع" يمثّل حداثة موضوعية؛ فالكتابة هنا ليست ترفًا جماليًا أو وسيلة تكسب، بل أداة وجودية لترويض "الألم العاوي".. والكاتبة لا تريد للبطل ان يقف عند حدود التوثيق، او متلقٍّ سلبي لفجائع الحرب بل ليصبح "سادنًا للحكايات"، محققًا نبوءة الأب: "ستجد كينونتك فيهم... وحين تكتب عنهم لن تمنحهم حبرًا بل تهبهم قبسًا من نور".

الأبعاد النفسية والاجتماعية (صدمة الحرب والتعويض الرمزي)

من الناحية النفسية، يتكئ النص على تشخيص دقيق لمتلازمة "كرب ما بعد الصدمة" (PTSD)4. فالكاتبة تفلح في تصوير الانشطار النفسي لبطل القصة عبر "الحدث الزلزالي" (انفجار اللغم)، الذي قسّم عمره إلى نصفين. فقدان الساق الفيزيائية والذي يعاد تعويضه رمزيًا بساق صناعية، لكن الأطراف الاصطناعية لا ترمم الأحلام المبتورة. وهنا يبرز "الانتصار الشخصي على الركام" من خلال القناة الأكاديمية (نيل البكالوريوس عبر التعلم عن بُعد)، في دلالة واضحة على عناد الروح وتساميها فوق عوق الجسد.

أما البُعد الاجتماعي، فيتجلى في رصد مأساة "الجيل المرجأ"؛ ذلك الجيل الذي تمددت الحرب في شبابه كـ "ليل سرمدي" مجبرة اياه على "حراسة العدم" وتأجيل الأحلام.

يعالج النص العزلة والوحشة الاجتماعية بوصفهما "حربًا ضروسًا" قائمة بذاتها، لا يكسر حدتها إلا الالتحام العضوي بحيوات البشر وقضاياهم؛ فالانفتاح على حكايا الآخرين غدا الجسر الوحيد للشفاء النفسي والاندماج الاجتماعي مجددًا.

 التأويل الرمزي والامتداد الأنطولوجي (خلود الفكر والأدب)

يفتح النص آفاقًا تأويلية رحبة تتجاوز الواقعية المباشرة إلى مصاف الرمزية الفلسفية؛ فبقاء البطل حيًا وخروجه من أتون الجحيم لا يشير إلى نجاة بيولوجية فحسب، بل هو رمز ممتد لـ "الفكر" ذاته؛ والفكر كائن سرمدي لا تطاله يد الفناء وإن بُترت الأطراف.

ويأتي "الكشك" ليكون المعادل الموضوعي لهذه البنية المقاومة؛ فما بقي راسخًا هو جوهر الأدب. الجسد يتشظى والأب يغيب، ولكن الفكر المتجسد في وعي البطل هو النواة الناجية من مقصلة الوقت، مبرهنةً على أن الأدب هو الحقيقة التي تكتب السطر الأخير دائمًا.

سيميائية التسمية (دلالة اسم "أديب")

في لفتة إبداعية واعية، لم يكن اختيار اسم البطل "أديب" مصادفة سردية، بل هو تسمية تعيينية5 تحمل دلالة قدرية وظيفية. فالاسم هنا يتجاوز كونه هويّة تعريفية ليصبح "مشروعًا حياتيًا" ومصيرًا محتومًا.

لقد وُلد "أديب" ليكون تجسيدًا لاسمه؛ فمنذ "مغامرات أديب" في الطفولة وصولًا إلى "كشك الحكاية"، ظل الاسم هو البوصلة التي وجهت روحه نحو الأدب كفعل خلاص. هذه المزاوجة بين الاسم والمسار تعمق المحتوى؛ فالبطل ليس مجرد شخص يمارس الأدب، بل هو "الأدبُ متجسدًا" في هيئة إنسان، مما يجعل من نضاله لاستعادة الكشك نضالًا لترسيخ الذات ومعناها الحقيقي في الوجود.

المرتكزات الإبداعية والجمالية (الرؤيا واللغة الشاعرة)

تتبدّى البراعة الجمالية في النص عبر توظيف تقنيات سردية متقدمة، أبرزها:

بنية الرؤيا الإشراقية: إن زيارة الأب في المنام لم تكن استدعاءً نوستالجيًا6 باهتًا، بل تجلت بوصفها "عتبة تحول"7 التي نقلت البطل من حالة الركود والعزلة إلى الفاعلية والحركة. الأب هنا يمثل "المرشد الروحي"8 في البنية الأسطورية للقص.

ثنائية الرائحة والذاكرة: حاسة الشم وظفت بذكاء (رائحة الحبر، الورق العتيق، الخشب المعتق برائحة القهوة) كمنبهات شعورية لإعادة بعث النبض في الزمان والمكان وإعادة.

اللغة المتسامية: تميز الأسلوب بمتانة السبك وفخامة العبارة، مستخدمًا استعارات ومجازات منتقاة بعناية فائقة (مثل: "الأفكار كائنات سماوية شفافة"، "ترويض الألم العاوي"، "حراسة العدم")، مما أضفى على النص مسحة شعورية تجمع بين شجن الواقع وحلقات التخييل الرحب.

قصة "كشك الحكاية" نص بليغ، ناضج البناء، يمتلك شرعية أدبية كاملة لكونه يناقش قضية إنسانية عامة بخصوصية محلية شديدة العذوبة. لقد استطاعت الكاتبة أن تقدّم درسًا نقديًا عمليًا في كيفية تحويل التروما الشخصية والجمعية إلى طاقة إبداعية خلاقة، معيدة للاستماع الواعي لقصص الاخرين اعتباره بوصفه أساسًا وجذرًا أول لكل سرد روائي ناجح، مبرهنة على أن الإنسان يفنى والفكر يخلد، والأدب هو الذي يكتب السطر الأخير دائمًا.

***

طارق الحلفي

.....................

1. الميتا سرد(Metafiction) : شكل من أشكال الكتابة الأدبية التي تلفت الانتباه بشكل متعمد إلى طبيعتها كعمل فني مصنوع، وليس كتمثيل شفاف للواقع. إن المصطلح مشتق من البادئة اليونانية “ميتا” التي تعني “ما وراء” أو “حول”، وبالتالي فإن الميتا سرد هو سرد حول السرد نفسه، أو رواية تروي عملية روايتها.

2. العلاج بالسرد (Narrative Therapy): شكل من أشكال العلاج النفسي الذي يسعى لمساعدة الناس على تحديد القيم والمهارات والمعارف التي يجب أن يحيوا من خلالها، حتى يتمكنوا من التصدي بفاعلية للمشاكل التي يواجهونها مهما كانت، وفي العلاج بالرواية يسعى المعالج لمساعدة الشخص في عن طريق مشاركته في تأليف رواية جديدة عن نفسه من خلال التحقيق في تاريخ تلك الصفات.

3.  التروما (trauma): والتي تعني الإصابة بصدمة نفسية نتيجة مرور الشخص بتجربة سلبية مؤلمة.

4. اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) حالة صحية عقلية تنجم عن حدث مثير للتوتر أو مرعب للغاية يحدث لك أو تشهده. وقد تشمل أعراضه استرجاع الأحداث والكوابيس والقلق الشديد إلى جانب الأفكار التي لا يمكن السيطرة حول ذلك الحدث.

5.  التسمية/ التعيينية (aptronym): وتعني الاسم الذي يلائم صاحب الاسم في مهنته وتصرفاته، ويسمى في العربية (اسم على مسمى).

6. النوستالجيا / الحنين إلى الماضي (Nostalgia): حالة الشعور بالحنين والشوق إلى جوانب من الماضي الشخصي للفرد، وغالبًا ما تكون مرتبطة بفترة زمنية أو مكان معيّن يحملان ذكريات وأحداثًا إيجابية.

7. عتبة تحول (Turning Point): حادث تاريخي عارض أو جوهري يؤدى إلى حدوث تغير أو انقلاب في الأحداث اللاحقة.

8. المرشد الروحي (The Mentor): ويُسمّى أيضاً 'الموجّه'، هو شخص يقدم المعرفة والحكمة والنصائح، لشخص آخر أقل خبرة منه، من أجل دعمه وإرشاده.

رابط القصة في المثقف:

https://www.almothaqaf.com/nesos/987884

في المثقف اليوم