عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

بولص آدم: الحكاية بوصفها طريقاً إلى التعافي

قراءة في قصة "كشك الحكاية" لسعاد الراعي

نُشرت قصة "كشك الحكاية" للقاصة سعاد الراعي في صحيفة المثقف بتاريخ بتاريخ: 03 حزيران/يونيو 2026. وتروي قصة أديب، الشاب الذي خرج من الحرب مثقلاً بالخسارات بعد أن فقد ساقه اليمنى وأمضى سنوات من شبابه في الخدمة العسكرية، ثم عاد إلى حياته محاولاً ترميم ما تهدم في داخله. وفي لحظة مفصلية، تقوده رؤيا والده الراحل إلى إعادة فتح الكشك القديم في وسط المدينة، ليتحول هذا المكان إلى نقطة انطلاق جديدة في حياته وإلى مساحة تحتضن الكتب والحكايات والناس.

منذ السطور الأولى ترسم الكاتبة طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الشخصية والمكان. فالكشك يُقدَّم بوصفه فضاءً نفسياً وروحياً يعيد للشخصية توازنها المفقود. ويتجلى ذلك في وصفه بأنه: «وطنًا مصغرًا أعاد فيه ردم الصدوع التي تغلغلت في روحه». ومن هذه العبارة المبكرة يتضح أن القصة تتحرك في فضاء وجداني يجعل من المكان جزءاً من رحلة التعافي التي يخوضها البطل.

وتقوم القصة في جوهرها على ثنائية الفقد والاستعادة. فقد أخذت الحرب من أديب سنوات شبابه وساقه اليمنى وكثيراً من أحلامه المؤجلة. وتكثف الكاتبة أثر هذه التجربة في عبارة مؤثرة تقول فيها: «خرج من الجحيم حيًّا، نعم، لكنه ترك ساقه اليمنى هناك». ومن خلال هذا المنظور تركز القصة على الإنسان الذي عاش التجربة وعلى الندوب التي تركتها الحرب في ذاكرته ونظرته إلى الحياة.

وتحتل شخصية الأب موقعاً محورياً في العمل. فالأب يمثل المنبع الأول للحكاية والقراءة والخيال، ويستمر حضوره بعد رحيله عبر الذكريات والرؤيا التي تزور الابن في لحظة حاسمة من حياته. ومن خلال هذه العلاقة يمنح النص بعده العاطفي الأعمق، إذ تتداخل صورة الأب مع معنى الكتابة ومع فكرة النجاة نفسها. ويظهر ذلك بوضوح حين يستعيد السرد لحظة نشر الأب لقصص ابنه الأولى تحت عنوان «مغامرات أديب»، وهي لحظة تبدو بمثابة البذرة الأولى التي تشكلت منها شخصية الكاتب فيما بعد.

كما تكشف القصة عن إيمان واضح بقيمة الكتابة بوصفها وسيلة لمواجهة الألم واستعادة التوازن الداخلي. فالكتابة عند أديب ترتبط بمحاولة فهم ما جرى له والتخفف من أعبائه النفسية. ولهذا تقول الكاتبة: «لم تكن الكتابة لديه تزجيةً للوقت أو مهنة يتكسب منها، بل كانت الأداة الوجودية الوحيدة لترويض الألم العاوي في جنباته». وتكاد هذه العبارة تختصر جانباً مهماً من رؤية النص إلى وظيفة الأدب ودوره في حياة الإنسان.

وتبرز في القصة نزعة سعاد الراعي الوجدانية التي تمنح اللغة كثافة شعورية واضحة. فالأفكار تتحول إلى «كائنات سماوية شفافة»، والذكريات تقيم في النفس كـ «الجمر المستعر تحت الرماد البارد». ومن خلال هذه الصور تتجاوز اللغة حدود الوصف المباشر لتقترب من التعبير الشعري الذي يضفي على التجربة مسحة من التأمل والحنين.

كما يعتمد السرد على الجملة الطويلة المتدفقة التي تمنح الكاتبة مساحة واسعة للوصف واستبطان المشاعر. ويظهر اهتمامها بالعالم الداخلي للشخصية عبر مقاطع تستعيد الماضي وتكشف أثره في الحاضر، الأمر الذي يجعل التجربة النفسية لأديب تحتل مركز السرد أكثر من الحدث الخارجي نفسه.

ومن الناحية البنائية، تمضي القصة في خط زمني واضح يعتمد الاسترجاع أداة أساسية لكشف ماضي الشخصية. فالحاضر السردي يبدأ من الكشك، ثم ينفتح على ذكريات الحرب والأب والطفولة والكتابة، قبل أن يعود في النهاية إلى الكشك نفسه. وتمنح هذه الحركة الدائرية النص قدراً من التماسك، لأن البداية والنهاية تلتقيان في المكان ذاته، بينما تكون الشخصية قد قطعت رحلة داخلية كاملة بين المشهدين.

وتبلغ القصة ذروتها العاطفية في مشهد الرؤيا التي يظهر فيها الأب لابنه. فهذا المشهد يمثل نقطة التحول الأساسية في حياة أديب، إذ يدفعه إلى الخروج من عزلته والانفتاح على الآخرين. وتكتسب كلمات الأب أهمية خاصة حين يقول: «لا تعتصم بالعزلة يا بني، ولا تهرب من الناس. اقترب من تلافيف حيواتهم». ومن هذه الدعوة تنبثق الفكرة المركزية للنص، وهي أن الإنسان يجد جزءاً من خلاصه في التواصل مع الآخرين والإصغاء إلى حكاياتهم.

وفي المقابل، تميل القصة أحياناً إلى الإفصاح المباشر عن المشاعر والدلالات. فكثير من المعاني تُقدَّم بصورة واضحة عبر السرد نفسه، الأمر الذي يحدّ نسبياً من مساحة الاكتشاف التي يمكن أن يشارك فيها القارئ. كما أن شخصية أديب تحتفظ بقدر كبير من الانسجام الإنساني والأخلاقي طوال مسار الأحداث، وهو ما يعزز التعاطف معها ويجعل التوتر الداخلي أقل حضوراً مقارنة بالشخصيات التي تتشكل عبر صراعات أكثر تعقيداً.

أما عنوان القصة، فيبدو منسجماً مع بنيتها العامة ودلالتها النهائية. فـ«كشك الحكاية» يتحول في خاتمة النص إلى أكثر من مكان، ويغدو رمزاً لاستعادة الذات ولإحياء إرث الأب وللانفتاح على العالم من جديد. ولهذا تأتي النهاية منطقية مع مسار الشخصية حين يدرك أديب أنه «لم يفتح مجرد كشكٍ مهجور، بل فتح بوابة الانطلاق لروحه وحياته من جديد».

تكشف «كشك الحكاية» عن جانب مهم من تجربة سعاد الراعي السردية، يتمثل في اهتمامها بالعلاقات الإنسانية والذاكرة وقيمة الحكاية في مواجهة الخسارة. وهي قصة تستمد تأثيرها من صدقها العاطفي ومن قدرتها على تحويل تجربة شخصية مؤلمة إلى حكاية عن التعافي والأمل والوفاء. ومن هنا تأتي قيمتها الأساسية في إنسانيتها، وفي إيمانها بأن الكلمات تستطيع أن تساعد الإنسان على النهوض كلما أثقلته الحياة بخساراتها.

***

بولص آدم