الحب كما عرفه الفيلسوف ابن حزم الأندلسي في كتابه الشهير (طوق الحمامة) (الحب أوله هزل وآخره جد، دُقتْ معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة) وقد قسم العرب الحب إلى درجات وتسميات عديدة ومنها العشق الذي هو الحب المتطرف.. العشق يحدث مرتين هو عنوان المجموعة الشعرية للشاعر غسان الدليمي.. تضم هذه المجموعة قصائد وجدانية يتجه بها الشاعر نحو الرومانسية بين الأنا والآخر.. ضمن انطباعات وخلجات عاطفية نفسية مر بها الشاعر مع الآخر (الحبيبة) أو مع (ذاته).. وبما أن العنوان بوصفه عتبة فقد فسره الشاعر بأول ورقة بقوله (العشق يحدث مرتين مرة للأم في مهد الوجود ومرة للأب من بعد الرحيل) وتظهر معظم القصائد بتلقائية المشاعر الشفافة (الرأس فوق الكتف بلل بدلتي / وأنا أقدس ما يزيد وسامتي) فقد جعل الرأس كله يبكي بدلا من العينين وبهذا نلمس المبالغة في الحزن ثم يتجه إلى تأكيد الذات بالضمير (أنا) الذي استعمله كوسيط لتقديس أي شيء يزيد وسامته.. وفي مسارات التذكر والتأمل والخصام ينقل لنا صورة الشبيهة للحبيبة المخاصمة (من بعد أعوام الخصام / مرت شبيهتها أمامي / مرت وعيني بالذهول تجمدت / زلزال يضرب هيبتي ومقامي) فالعملية الذهنية هنا تفسر الشعور عند رؤية شبيهة الحبيبة فقد وصف شعوره بزلزال خلخل شخصيته الداخلية والخارجية.
يستعمل الشاعر أسلوب التحذير من البكاء عند الفراق؛ لعدم وجود الاهتمام عند البقاء (إياكَ أن تبكي إذا فارقتني / فأنت لم تهتم عند بقائي) مستعملاً ضمير الحاضر (أنت) والنفي المنقطع بالأداة (لم) التي نفت الاهتمام تماماً عند البقاء.
ومن الأساليب التي استعملها أسلوب النداء غير المباشر بـــ(أيها) لنداء المنادى المعرف بأل (الغريد) تعميقاً وتأصيلاً لصفته ؛ فالغريد صيغة مبالغة على من يغرد أو يغني بصوت جميل كالبلبل (يا أيها الغريد مالك صامتاً / أين الذي نبراته ألحانُ) ويفعل الاستفهام المجازي فعله ولاسيما عند خروجه للتعجب السماعي (مالك صامتاً) من صمته وهو الصادح الحاكي و الغريد.. يصل بنا الشاعر إلى الاغتراب الذاتي (إني وحيد في ظلام جزيرتي / والليل أطولُ بالظلام) يؤكد الشاعر وحدته بحرف التوكيد (إنَّ) ثم يزيد وحشة هذه الوحدة بكونه وحيداً على جزيرته التي يحيطها الظلام.. ثم يطلق الشاعر مفهوماً نفسياً للزمن بقوله (والليل أطولُ بالظلام).
***
د. مثنى كاظم صادق
.....................
* العشق يحدث مرتين، غسان الدليمي / مجموعة شعرية / ط1 2025م / رؤى للطباعة والنشر / كركوك.








