إذا أردنا التزوّد من الشعر الكهلاني، فإننا لا نقصد مدرسة شعرية قائمة بذاتها بقدر ما نقصد ذلك التراث الشعري الذي نشأ في أوساط القبائل الكهلانية الكبرى، مثل عمرو بن عامر وقبائل الأزد وهمدان ومذحج وطيء وكندة، وهي قبائل أسهمت إسهاماً عظيماً في بناء الشعر العربي قبل الإسلام وبعده.
وكانت قبائل كهلان من أغزر القبائل العربية شعراً، حتى إن كثيراً من كبار شعراء الجاهلية والإسلام ينتسبون إليها، ومن أشهرهم امرؤ القيس والأعشى وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ومالك بن الريب.
خصائص الشعر الكهلاني
أولاً: النزعة القبلية والاعتزاز بالأصل
فالشاعر الكهلاني يرى القبيلة امتداداً لذاته، ويجعل من أمجادها مرآةً لمجده الشخصي، ولذلك يكثر الفخر بالآباء والأنساب والبطولات.
ثانياً: الصلة الوثيقة بالمكان
تظهر الجبال والأودية والنجود والسهول اليمنية في كثير من أشعارهم، إذ كانت الأرض جزءاً من الهوية لا مجرد مسرح للأحداث.
ثالثاً: الحكمة والتجربة
برزت في شعرهم نزعة تأملية عميقة، فامتزج الفخر بالحكمة، والحماسة بالتفكير في تقلّب الأيام.
رابعاً: الجزالة اللغوية
تتسم قصائدهم بقوة السبك وفخامة الألفاظ وبعدها عن التكلف، مع ميل إلى التصوير الحسي المستمد من البيئة العربية.
نماذج من الروح الكهلانية
يقول الفارس الشاعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي:
إذا لم تستطع شيئاً فدعهُ
وجاوزه إلى ما تستطيعُ
وهو بيت تحوّل إلى حكمة عربية خالدة تجمع بين الواقعية والعزم.
ومن شعر الفخر الكهلاني ما ينسب إلى قبائل همدان ومذحج وطيء من الاعتزاز بالمجد الموروث:
نحنُ بنو المجدِ الذي لا ينثني
والموتُ عندَ الوغى لنا ميدانُ
وإن كانت مثل هذه الأشعار قد وصلتنا في روايات متفرقة، فإنها تكشف عن روح الشجاعة والكرامة التي وسمت الأدب الكهلاني.
الشعر الكهلاني في نظر نشوان الحميري
ومن أعمق من تناول تراث كهلان شعراً ونثراً العلامة اليمني نشوان بن سعيد الحميري، فقد رأى أن القبائل الكهلانية كانت من أهم روافد العربية الفصحى، ودافع عن مكانة اليمن في بناء الحضارة العربية واللغة والشعر، واحتج بأشعار القبائل اليمنية على فصاحة العربية وأصالتها.
خلاصة
الشعر الكهلاني ليس مجرد شعر قبائل، بل هو سجلٌّ تاريخي وثقافي وحضاري يحمل ذاكرة اليمن القديمة وامتدادها العربي. وفيه تلتقي البطولة بالحكمة، واللغة بالتاريخ، والإنسان بالمكان. ومن أراد فهم الروح العربية الجنوبية في أصفى تجلياتها، فليقرأ شعر كهلان كما يقرأ نقشاً قديماً على صخرةٍ من جبال اليمن؛ إذ تتكلم الحروف هناك بلسان التاريخ، ويتكلم التاريخ بلسان الشعر.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







