رمق ضوء" ليس مجرد كتاب ادبي، إنه شهادة حياة خطّتها الأديبة الشاعرة إنعام كمونه بمداد من مكابدات المرأة وأوجاعها وآمالها. هو مجموعة نصوص نثرية شعرية تتجاوز حدود الورق، لتصبح مرآةً تعكس صراع الأنثى مع الوجود، وبحثها الدائم عن ذاتها وسط متاهات الحياة.
إن المرأة في نصوص كمونه ليست "بقايا ضوء" تذوي عند أول عاصفة، بل هي الحياة نفسها. حياة تنبض بالعناد، وتتشبث بالبقاء، وتحوّل العدم إلى وجود. من رحم الألم تولد، ومن قلب الظلام تشق طريقها. تكتبها الكاتبة ككائنٍ متجذرٍ في الماء والأرض والنجوم والسماء، فهي الموج حين يثور، والتربة حين تُعطي، والنجم حين يهدي التائهين، والسماء حين تتسع للجميع.
الغلاف
يُعدّ تصميم الغلاف أهمية أدبية للنصوص الحديثة، وتقنية فنية لجذب القارئ نفسيا وحسيا وشعوريا، يرتسم أول انطباع عن كونية النصوص، ومهما تكون صورة الغلاف رسما أو تشكيلا مركبا هوعتبة بصرية ورمزية دلالية، تسهم في توجيه شغف القارئ نحو عالم المجموعة الشعرية، وما لرمزية الصور وتوزيع الألوان تنوعها ودرجاتها لها دور مهم في التأثير على تكوين فكرة القارئ، ليسترسل في تأمل دلالاتها.
عتبة العنوان:
حيث يلتقي الشكل بالمضمون تدرك إنعام كمونه أن النصوص الحديثة لا تُقرأ وحدها، بل تُستقبل عبر عتباتها. ومن أهم هذه العتبات تصميم الغلاف وعنوانه، وهما هنا ليسا زخرفة، بل مفتاحان للدخول إلى عالم النص. الصورة والعنوان يمنحان القارئ الرؤية الأولى، فيهيئانه لاستقبال مضمونٍ عميق. العنوان "رمق ضوء" صورة شعورية التعبير، عتبة رمزية يتجلى منها تركيب انزياحي بين (المحدود من رمز "رمق" وبين اللامحدود من رمز "ضوء") فيحدث ارتباكا دلاليا في أفق المعنى وأجمال التناسب بين السكون والحركة يودي إلى توازن التضاد، "رمق ضوء" ينبع من قلة النور ليترامى شعاعا لا تحده المسافات ولا يكسره عقبات الزمن، وهجٌ هادئ لكنه يمنح الوجود الكوني معنى.، كتذوق الخلود.
الغلاف الأمامي: ميلاد من العدم
يأخذنا الغلاف الأمامي في رحلة رمزية عميقة؛ فيه تتجلى الفكرة بجلاء ضوءٌ يشق طريقه من رحم الزمن، ليس ضوءاً عابراً، بل رمق ولادة تشق طريقها نحو التفاؤل، حتى يتجاوز هذا الضوء رحابة السماءٌ ويخترق نهرٌ جارٍ برمق لا ينضب. فالسماء رمز للاتساع والحرية التي تنشدها المرأة كإنسانة تستحق الوجود بقدرة مشاعر ربانية، والنهر دليل على العطاء المتجدد والروح التي لا تيأس، مهما اشتد بها الجفاف، إنه إعلان بصري: من قلب العتمة يولد الأمل، ومن صمت المعاناة يولد صوت التجدد وتنبثق الحياة.
الغلاف الخلفي: استراحة ضوء
ترأى كظل مائي أتخذ موضعه للغلاف الأمامي، من خلال تطابق متوائم، ويتجلى من اطلالة المرأة على بدأ الحياة، أي حياة تطل على حياة، لكنها ليست متفرجةً بل ليُستمَد منها الضياء لتضيء العتمة، هي جذور النور، هي الأصل والامتداد، البدايات والاستمرار. نظراتها ليست نظرات انتظار، بل نظرات امتلاك ووعي، امرأة تدرك أنها ليست هامشاً في هذا العالم، بل مركزه النابض، وسرّ بقائه.
رمزية الألوان: ألوان الغلاف الأمامي تبدو في لمعان وسطوع أما الغلاف الخلفي تبدو بالوان خافتة ومظللة، ما يدل على العلاقة الوثيقة بينهما، كدلالة الجسد بظله، ومنه تتجلى تعلق الروح بذاتها الوجدانية، ككيان متوحد التطابق، وما رمزية خفوت الألوان وسطوعها إلا دلالة استمرارية الليل والنهار لتعبر عن دلالة أزلية الزمن، وممكن تفتح أمام رؤى القارئ أبعاد دلالية تناسبية وتناقضية أخرى، منها تناقض الصوت والصمت، الوضوح والغموض، القرب والبعد، وبالتالي هو دلالة مرآة حياة بكل تغيراتها تتحداها كل امرأة بلا اكتراث.
***
المهندس الأديب القاص د. سعد الجصاص







