عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

صباح بشير: في حضرة الرّباعيّة.. بوح الخزامى

الرّباعيّة: هي لوحة شعريّة مكثّفة، تقوم فلسفتها على احتواء المعنى الرّحب في مدىً ضيّق لا يتجاوز الأبيات الأربعة، وهي وإن قصرت مسافتها، فإنّها تمتاز بوحدةٍ موضوعيّة تجعل منها بناء مكتملا ينأى عن التّفكّك.

يشترط فيها نقّاد الأدب أن تكون عالما قائما بذاته، يستقلّ بفكرته وشعوره دون حاجة لما قبله أو بعده، حيث تتصاعد خيوط الدّهشة بشكل دراميّ يبدأ في البيت الأوّل ويرسّخه الثّاني؛ ليأتي الثّالث كواثب يمهّد للخاتمة، حتّى إذا ما حلّ البيت الرّابع استقرّت الحكمة أو الومضة في نفس القارئ؛ كصدمة فنّيّة بارعة لا تقبل الزّيادة أو النّقصان.

أمّا من حيث الصّنعة والنّظم، فالرّباعيّة في موروثنا الأدبيّ تلتزم بنظام إيقاعيّ مخصّص، تصبح من خلاله جنسا أدبيّا رفيعا، يتطلّب من الشّاعر مهارة في التّكثيف، وقدرة على صهر الفلسفة والعاطفة في قالبٍ موزون يجمع بين جمال اللّفظ وعمق المقصد.

قراءة في جماليّات المعنى والصّورة:

تنبض رباعيّة " أثر الخزامى" للشّاعر رفعت زيتون بنفَسٍ وجدانيٍّ يقطر عذوبةً وأسى، حيث يصوغ تجربة الفقد في قالبٍ شعريٍّ يجمع بين رقّة اللّفظ وعمق الشّعور، مستنطقا عناصر الطّبيعة لترجمة خلجات النّفس وانكساراتها أمام سطوة الغياب.

تكتنز في طيّاتها فلسفة التّحوّل من الضّياء إلى الظلمة، ومن الأثر العبق إلى الفراغ الموحش، مصاغة بألفاظٍ تفيض عذوبة.

تأخذنا هذه الرّباعيّة في رحلة شعوريّة ماتعة، ترسم ملامح الفقد بفرشاة الذّاكرة المثقلة بالحنين، حيث يفتتح الشّاعر نصّه بتمنٍّ مستحيل، متسائلا عن مآلات البقاء لو استمرّ حضور الطّيف كغيمة هطول، تمنح الظّلّ والارتواء لزهر الأقحوان. في هذا المطلع تصوير بارع للحبيبة؛ كعنصر كونيّ يمنح الحياة والنّماء لمن حوله.

في البيت الثّاني، يصدمنا الواقع بانقشاع ذلك الطّيف، إذ يشبّه الحضور بحلمٍ عابر انتهى بيقظة موحشة، غاب معها شذى الخزامى الّذي كان يزيّن وجه الأيّام، وهنا يبرز جمال التّعبير عن الضّياع برحيل الأثر العطريّ اّلذي يمثّل جوهر الذّكرى.

ثمّ يمضي في البيت الثّالث مستحضرا رقّة الماضي، متسائلا في لوعة عن ملمس الحرير وعن تلك الوجنات الّتي كانت رمزا للأمان والوصل، ليعكس عمق الفجوة بين زمن اللّين وزمن القسوة الّذي حلّ مكانه.

يختتم الشّاعر مقطوعته بمقابلة بصريّة حزينة، فبعدما كانت الحبيبة سراجا ينير عتمة ليله، أصبح الحاضر صراعا مريرا بين سوادين؛ عتمة غيابها ودجى الزّمن الّذي أطبق على الأنفاس.

بلاغة التّشكيل وجمال الصّورة:

تزخر هذه الرّباعية بصور بيانيّة ومحسّنات بديعيّة تمنح النّص أبعادا جماليّة تفوق عدد أبياته، ويمكن استجلاء ملامح هذا التميّز في الجوانب الآتية:

- يبرز في النّص تقابلٌ وجدانيّ وعقليّ حادّ بين ثنائيّات الماضي والحاضر، الضّياء والعتمة، واليقظة والمنام، ففي البيت الأخير تظهر المقابلة بين الضّوء السّاحر الّذي ميّز الأمس، وبين العتم والدّجى اللّذين يسيطران على اليوم، وهذا الطّباق لا يهدف إلى التّضاد اللّفظيّ فقط، وإنما يمثّل حالة الانكسار النّفسيّ والتّحوّل الجذريّ في حياة الشّاعر.

- أضفى زيتون صفات البشر على الجماد والزّمن فيما يعرف بالتّشخيص؛ ففي قوله "خدّي الزّمان" استعارة مكنيَّة رائعة، حيث جعل للزّمان وجها وخدودا، وهو ما يمنح الشّعور بالوقت صبغة إنسانيّة ملموسة، فالزّمان شخصٌ يشاركه الأسى ويفقد معه عطر الخزامى.

كما أنّ قوله "الدّجى يتعاقبان"، تشخيصٌ للّيل والغياب كقوّتين تتناوبان الحضور في ساحة روحه المتعبة.

- في مطلع النّص، نجد استعارة تصريحيّة في كلمة "سحابة"، حيث حُذِف المشبّه (المحبوبة) وصرّح بالمشبّه به (السّحابة)، بكلّ ما تحمله من دلالات السّمو والعطاء، وفي البيت الثّاني، ينتقل إلى التّشبيه البليغ في قوله "كالحلم كنت"، وهو تشبيه يجمع في طيّاته دلالتي القصر والزّوال؛ فالحلم رائع في لحظة وقوعه، لكنّه يترك في النّفس غصّة لسرعة انقضائه. وهنا لم يشبّه المحبوبة بالحلم لجمالها فحسب، وإنما ليؤكّد أنّ وجودها في حياته كان خاطفا كالحلم الّذي انتهي بعد الاستيقاظ، ممّا جعل الفقد أكثر إيلاما.

وُظِّفت أيضا عناصر الطّبيعة (الخزامى، الأقحوان، الحرير) كرموز للحسّ والجمال؛ فالأقحوان يرمز للنّقاء الّذي يحتاج سقاية الوصل، والحرير يرمز لنعومة العهد الماضي، والخزامى هي العطر الباقي في الذّاكرة.

هذا التّوظيف يجعل القصيدة أشبه بلوحة تشكيليّة تُقرَأ بالحواس، يمتزج فيها ملمس الحرير بشذى الخزامى وبرؤية الضّياء، ممّا يخلق تجربة حسّيّة متكاملة.

على صعيد البناء الموسيقيّ، اعتمد زيتون نظام القافية الموحّدة الّتي تنتهي بالألف والنّون السّاكنة (الأقحوان، الزّمان، وكان، يتعاقبان)، ممّا أضفى على النّص جرسا ممتدّا يبعث في نفس القارئ صدى من الأنين والتّحسّر، واختيار حرف "النّون" المسبوق بالألف الممدودة كروي للنّص، يمنح النّص مدى صوتيّا فسيحا يحاكي زفرات الحنين، ويرسّخ حالة التّرقّب والضّياع الّتي تكتنف الوجدان، ليكون الإيقاع هنا رفيقا وفيا للمعنى، وخادما للدّفقة الشّعوريّة الّتي ترفض الانتهاء.

صفوة القول، "أثر الخزامى" تمثّل نموذجا لاجتماع المهارة النّظميّة بالدّفق الشّعوريّ الصّادق، حيث استطاع الشّاعر أن يكثّف مأساة الغياب في أربعة أبيات، محوّلا عناصر الطّبيعة إلى لغة تنبض بالوجع والحنين.

بفضل هذا التّناغم بين بلاغة التّشخيص وعمق الاستعارة، خرج النّص من إطار الوصف إلى فضاء التّجربّة الإنسانيّة الشّاملة، ليبرهن أنّ هذه المقطوعة، رغم قصر مداها، تظلّ عالما رحبا قادرا على تخليد أدقّ خلجات الرّوح.

أضع بين أيديكم هذه الأبيات؛ لتكون مسك الختام وجوهر القراءة؛ وأدعوكم لاستشفاف مكامن الجمال في ثناياها، فهي تصوّر منظومةً ناطقةً تستحقّ التّأمّل، نتبيّن من خلالها كيف يغدو الحرف وطنا للذّاكرة وعطرا لا يغيب.

***

صباح بشير

....................

أثر الخزامى

ماذا لوْ انّكِ قدْ بقيتِ سحابةً،

ظلّا وماءً ساقيًا للأقحوانْ؟

كالحلمِ كنتِ وقدْ صحوتُ فلمْ أجدْ

أثرَ الخزامى فوقَ خدّيِّ الزّمانْ

قدْ كانَ عهدًا ناعمًا أينَ الحريرُ

ووجنتاكِ وأينَ إذْ كنّا وكانْ

قدْ كنتِ ضَوْءًا ساحرًا في ليلتي

واليومَ عتمُكِ والدّجى يتعاقبانْ

***

رفعت زيتون

في المثقف اليوم