قراءات نقدية
عبد النبي ابزاز: أشكال السرد وأدواته المختلفة في كتاب "خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل"
يتشكل كتاب "خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل "، للقاص المغربي أحمد شرقي، من 25 قصة موزعة بين قسمين: أول موسوم ب " خَفْق إلى أعلى "، وقسم ثاني معنون ب " خَفْق إلى أسفل " ومنهما يتكون عنوان الكتاب " خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل "، ورغم ما تزخر به قصص المدونة السردية من انزياحات صادرة عن اختلاف في الرؤية والنهج القصصيْن فإنها ظلت رهينة لعناصر القصة وثوابتها المعروفة من شخوص مثل: " الرايس " بقال الحي في القصة الأولى " هَبَّة "، ورئيس تحرير جريدة وهو مغربي سبعيني، والمخرج السينمائي الشاب المغربي، والسيدة الأمريكية اللاتينية الأربعينية، والطالب المغربي الذي يدرس الصيدلة بأوكرانيا الذين جمعتهم قصة " رحلة "، ومنال وصديقتها وفاء في قصة " شعاع ودائرتان "، والراوي وصديقه " أَنَس " في قصة " فرح آخر "، وفؤاد (مول التفاحة) في قصة " الجمال "، وعثمان في نص " صديقي فلوبير ". وعنصر المكان الذي تعددت محطاته. فضلا عن عناصر قصصية أخرى من وصف، وحوار داخلي (مونولوغ)، وخارجي، واسترجاع واستباق... وهو ما يؤكد امتلاك القاص لأدوات وعناصر السرد الأساسية، واستعمالاته وتوظيفه لها بشكل يمنح متنه القصصي أسسه ودعائمه المعروفة والمتبعة. قبل الانتقال والخوض في أشكال أخرى تعبيرية ودلالية متمثلة في علاقة السارد بقصصه والتي ينساق لكتابتها بدوافع ونزعات مختلفة كما يصرح بذلك: " وبقدر ما يحفزني شغفه على امتشاق القلم، وكتابة القصة القصيرة التي أعشق... " ص 68، والتي سببها عشق صديقه للرواية النابع من نرجسية محمومة، ورغبة جامحة: " كنت أستغرب من نرجسيته، وحبه للرواية من أي شيء آخر، أو شخص آخر.. يقرأها، ويكتبها يوميا.. " ص 68، وأيضا نفوره من دروس الجامعة الجافة والتي لا تتماشى وميولاته الإبداعية لما تخضع له من قيود منهجية، وغزارة في المعلومات تلتزم التدرج المنطقي، والكم الهائل من المعلومات... مما جعله يجنح إلى القصة دون غيرها لما تتميز به من حرية وتكثيف... إلا أن هذا الولع بكتابة القصة لا يخلو من معاناة وجَلًد للتمكن من استدراجها، وتليين استعصائها وتمنعها، وارتباطا بعلاقة الكاتب مع القصة تم طرح موضوع العنوان، وما يشكله من قيمة داخل نسق الكتابة القصصية كما ورد في قصة " العنوان " حين بادرته الفتاة العشرينية السمراء داخل فضاء المقهى بسؤال عن عنوان قصته، ومن ثمة الانتقال إلى عنوان حياته، ويمضي السارد مستطردا في تحديد ماهية العنوان وقيمته الدلالية والرمزية: " أحرجني سؤالها. ربما لا تعلم أن للعناوين سلطتها وهيبتها، عتبتها عالية، ومنحنياتها متعنتة وعرة... " ص61، فيجيب عما تتطلبه العناوين من جهد ذهني، وحيز زمني لتكتمل وتتحدد، وعطفا على العلاقة بموضوع الكتابة القصصية يحضر الناشر الذي طلب من الراوي تغيير عنوان مجموعته القصصية، وكان العنوان الجديد الذي استوحاه من خلال حوار جمعه بصديقه المتشائم الذي حدد زمن كتابة قصصه و قراءتها في الصيف، فاهتدى إلى عنوان: " قصص الصيف " الذي راق الناشر واستحسنه، وموقف صديقه العاشق لكتابة الرواية وقراءتها في قصة " صديقي فلوبير "، من النشر: " أظن أن القصص التي تنشرها لك بعض الجرائد الورقية، مصحوبة بصورك (السيلفي)، التي تلتقطها لنفسك، ستجعلك كاتبا معروفا؟!..." ص69، كما وردت في قصص الكتاب موضوعات مثل الهجرة في قصة " الجمال "، وما يرتبط به من أسباب اجتماعية ترى الرحيل عن الوطن خلاصا من أوضاع مزرية كما نقرأ في القصة: " على جدار المدرسة المقابلة لبيت والديه للدار البيضاء... كتب مشاغبون: لا تأخذ قرضا لتشتري شقة في السكن الاقتصادي.. اجمع المال، وهاجر... " ص 44، وإن كان هذا الحلم المختزل في الهروب من موطن القبح إلى قارة الجمال: " أين المال؟ ولمن سأعطيه حتى أفلت من جحيم هذا القبح؟ واعبر إلى قارة الجمال... " ص44، يصطدم بعراقيل قاسية ومكلفة أحيانا تحول دون إطالة هدف المهاجرين المتمثل في بلوغ الضفة الأخرى، فمآسي الهجرة تتعدد صورها ومشهدياتها في قصص أخرى مثل " المنقذة "، و" المطرود " كحلم يكشف انسداد أفق،الراغبين في الهجرة، داخل وطنهم الذي تقل فيه فرص شغل يضمن استقرارا ماديا، وحياة كريمة إلا أنها مغامرة غالبا ما تصطدم بمخاطر وعراقيل مكلفة ومؤلمة. كما أن التفكير فيها، والعزم على ركوب مخاطرها، وتجشم أعبائها تعكس ما تعيشه مجتمعات الراغبين في مغادرتها من أعطاب واختلالات. وضمن الجانب الاجتماعي تناولت قصص الكتاب مواضيع أخرى مثل الزواج، في نص " شعاع ودائرتان "، بمشاكله العويصة والمعقدة ؛ كالخيانة في حال منال مع زوجها الذي اكتشفت خيانته لها رغم ما يسوقه من مبررات لم تعد تأبه بها، فضلا عن سخريته واستخفافه من اهتمامها بالفن التشكيلي، وما تبدعه من لوحات: " زوجي لا يفهم في الفن شيئا، ولا يكتفي بالإهمال واللامبالاة، بل يسخر من اللوحات التي أبدعتها قبل أن ألد ابني الأول... " ص 27، وصديقتها وفاء الإخصائية النفسية التي درست بفرنسا، ولم تفكر في الزواج حتى بلغت سن الأربعين حيث تعرفت على شاب وسيم زارها في عيادتها قصد العلاج، وتطور إعجابها به إلى اتفاق على زواج محفوف بتحدي كبير لأنه متزوج مما يحتم عليها القبول بان تصبح زوجة ثانية وهو اختيار دافعت عليه في البداية أمام رأي صديقتها منال، إلا أنها عادت لتفكر بجد في إنهاء هذه العلاقة: " ـ على كل حال، سألتقيه اليوم، ويبدو أنني سأقترح عليه الفراق... " ص 31، وتناولت قصص الكتاب كذلك موضوع المرض متجسدا في كورونا، وما أحاط به من مظاهر احترازية، وسلوكات غيرت من طبيعة العلاقات بين الأفراد، من توخي الحذر، والتقيد بإجراءات من قبيل التباعد، واستخدام للكمامة... وباء تطور إلى نوع آخر جديد عرف ب " هيدنوفوبيا " حسب ما أعلنته مقدمة الأخبار. وإلى جانب عشق الكاتب لجنس القصة، وما نسجه معه من علاقات مختلفة ومتنوعة فإنه ابتكر لبعض قصصه نهايات تشذ عن المألوف كما في قصة " العنوان "، والتي تجاهل فيها النادل طلب الراوي بإحضار ما تطلبه جليسته وما صدرعنه من استغراب وضحك، وهو ما تكرر في نص " حلم " والتي كان سبب وفاة المحارب فيها هو الحلم بالنجاة: " قرأ في سبب الوفاة: كان يحلم بالنجاة. " ص75، كما ورد في سياق أحداث المتن القصصي ومجرياته، ذكر أسماء أدباء من قبيل الروائي الأمريكي اللاتيني ماريو فارغاس يوسا وكتابه "حرب نهاية العالم " التي انهمكت سيدة أربعينية من أمريكا اللاتينية في قراءته، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وروايته " مائة عام من العزلة الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، والروائي الفرنسي فلوبير في قصة يحمل عنوانها اسمه " صديقي فلوبير "، والشاعر الفلسطيني محمود درويش: " رهن هاتفها... لأن رنته قصيدة لمحمود درويش... " ص 26، وبعض رموز الميتولجيا الإغريقية مثل " إيروس " وهو إله الرغبة والحب والجنس في نص معنون باسمه " إيروس " ص79، وقصة " بروميتيوس " ص82، وهو شخصية أسطورية يونانية من الجبابرة.
لنخلص إلى أن كتاب " خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل " يحتوي قصصا انبنت على علاقة القاص الخاصة والمختلفة مع نصوصه، والتي أبدع في رسم مساراتها بأشكال خارج نسق الكتابة النمطية المعهودة، رغم انضباطها لمقومات السرد المعروفة، وأدوات تعبيرية مغايرة أكسبت منجزه القصصي سمات تجديد وخلق وابتكار.
***
عبد النبي ابزاز
............................
* خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل (قصص) أحمد شرقي - دار ذاتك للنشر والتوزيع مصر 2024.







