عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءة تأويليّة لقصّة (قول) لحسن علي البطران

فلسفة الجنون كأفق وجوديّ:

يُعدُّ موضوع فلسفة الجنون من أكثر القضايا الفكريّة التي استوقفت الفلاسفة والأدباء على حدّ سواء، إذ يتجاوز الجنون كونه حالة مرضيّة أو اضطرابًا نفسيًّا ليغدو رمزًا فلسفيًّا يعبّرُ عن تمزّق الهويَّة، وانكسار الذَّات، وتحوّلات الوعي في مواجهة العالم. فالجنون في الفكر الإنسانيّ هو انفتاح على أفق آخر من التّجربة الإنسانيّة، حيث تتجلّى الذّات في صور متناقضة بين الانهيار والخلق، وبين العدم والامتلاء. ومن هنا تأتي أهمّيّة قراءة النّصوص الأدبيّة التي تستثمرُ الجنون كأداة للتّعبير عن أزمة الهويّة وتمثّلات الذَّات في سياقاتها المختلفة. وكان (ميشيل فوكو  Michel Foucault) من أبرز من تناول الجنون في الفكر الفلسفيّ الحديث، حيث اعتبره ظاهرة اجتماعيّة وثقافيّة قبل أن يكون مرضًا نفسيًّا، ورأى أنّ المجتمع هو الذي يحدّد معنى الجنون ويقصي المجنون من دائرة العقل. ويصبحُ  الجنون بهذا المعنى مرآةً تكشف آليَّات السّلطة والمعايير التي تضبط السّلوك الإنسانيّ، وهو ما يجعل النّصوص الأدبيّة التي تتناول الجنون مجالًا خصبًا لفهم علاقة الفرد بالمجتمع.

أمَّا في التّراث الأدبيّ، فقد كان الجنون حاضرًا في أشكال متعدّدة، من شخصيّة مجنون ليلى التي جسّدت الجنون العاطفيّ، إلى نصوص المتصوّفة التي اعتبرت الجنون ضربًا من الانخطاف الرّوحيّ والاتّصال بالمطلق. وهنا يتجلّى الجنون كحالة وجوديّة تتجاوز العقل المألوف لتفتح أفقًا جديدًا للمعنى، حيث يصبح فقدان الاتّزان طريقًا إلى الكشف والوعي المختلف. ويُنظر في الفلسفة الوجوديّة إلى الجنون باعتباره لحظة قصوى من مواجهة الذّات لفراغها الدّاخليّ، كما عند (سورين أوبي كيركغارد Søren Aabye Kierkegaard) الذي رأى أنّ القلق والجنون هما وجهان لتجربة وجوديّة عميقة، تكشفُ هشاشة الإنسان أمام أسئلة المصير والحريّة. وهكذا يتحوّل الجنون إلى تجربة فلسفيّة تعكس مأزق الإنسان في بحثه عن معنى وجوده. ويوظّفُ الأدب الجنون من النَّاحية الجماليّة، كأداة لتكسير البنية التّقليديّة للخطاب، حيث يسمح للكاتب بتجاوز المنطق العادي والولوج إلى فضاءات رمزيّة وغامضة. فالقصّة أو القصيدة التي تستثمرُ الجنون تفتح أمام القارئ إمكانات تأويليّة لا نهائيّة، وتجعل النّصّ فضاءً للتّجريب الفنّيّ والفكريّ في آن واحد. وإنّ قراءة الجنون في النّصوص الأدبيّة لا تهدف إلى فهم شخصيّة مضطربة فحسب، بل هي بحث في كيفيّة تشكّل الهويّة، وكيف تُبنى الذَّات في مواجهة الآخر والمجتمع. فحين يُقال للشَّخص "أنت مجنون"، فإنّ هذا الحكم لا يصف حالته فقط، بل يضعه في موقع وجوديّ جديد، حيث يضطرّ إلى إعادة تعريف ذاته، إمّا بالرّفض أو بالانكسار أو بالتّمرّد. وهنا تكمن القيمة الفلسفيّة للجنون، إذ يصبح أداةً للكشف عن أعماق الذّات الإنسانيّة وتمزّقاتها.

الهويّة الممزّقة وصراع الذّات:

نطرحُ في هذا البحث، مقاربة القصّة القصيرة جدّا من منظور فلسفيّ تأويليّ ممّا ورد في قصّة (قول) للكاتب حسن علي البطران، حيث يُطرح الجنون بوصفه فضاءً سرديًّا يعكسُ صراع الذّات مع نفسها ومع محيطها. لا تكتفي القصَّة بعرض الجنون كحالة فرديّة، بل تجعله مرآةً لتمزّق الهويَّة، وللتَّوتّر بين الدّاخل والخارج، وبين ما يُقال وما يُكتم، وبين ما يُفصح عنه النّصّ وما يُخفيه في طبقاته الرّمزيّة. ويُظهر النّصّ أنّ الجنون ليس مجرّد وصف خارجيّ، بل هو فعل وجوديّ يُمارَس على الذَّات من خلال اللّغة والرّمز. فالجملة "أنت مجنون" ليست توصيفًا محايدًا، بل هي حكم يفرض على الشّخصيّة هويّة جديدة، ويضعها في مواجهة مع ذاتها وصورتها في المجتمع. هنا يتجلّى الجنون كسلطة لغويَّة تُعيد تشكيل الذَّات وتدفعها إلى الانكسار أو التّمرّد.

ويمكنُ قراءة الجنون في القصّة باعتباره لحظة قصوى من تفكّك الهويَّة، حيث لا يعود الفرد قادرًا على الإمساك بخيط واحد يربطه بذاته أو بالعالم. حلق الشّعر وكسر المرآة هما رمزان لهذا التّفكّك؛ يشير الأوَّل إلى محو العلامات الخارجيّة للهويّة، والثّاني إلى رفض مواجهة صورة الذّات في انعكاسها. بذلك يصبح الجنون فعلًا رمزيًّا يعبّر عن انهيار البنية الدّاخليّة للذّات. كما أنّ النّصّ يفتح أفقًا تأويليًّا لفهم الجنون بوصفه تجربة وجوديّة، على غرار ما طرحه (كيركغارد) في ربطه الجنون بأسئلة المصير الإنسانيّ، ويتحوّلُ الجنون في هذا السّياق، وفي القصّة إلى علامة تدلّ على مأزق الذّات في مواجهة الآخر، حيث يُفرض عليها حكم خارجيّ فتدخل في صراع داخليّ ينتهي بالانكسار الرّمزيّ.

يوظّف النّصّ الاقتصاد اللّغويّ والتّكثيف السّرديّ ليمنح الجنون طاقة فنّيّة مضاعفة. فالجمل القصيرة والأفعال المتتابعة تخلق إيقاعًا متسارعًا يوحي بالاضطراب، بينما الرّموز المكثّفة (الشعر، المرآة) تفتح المجال أمام القارئ لتأويلات متعدّدة. وهنا تكمن قوّة القصّة القصيرة جدًا: في قدرتها على تحويل لحظة سرديّة بسيطة إلى فضاء فلسفيّ وجماليّ واسع. وإنّ حضور الجنون في النّصّ يتيح لنا أيضًا التّفكير في علاقته بالخطاب الاجتماعيّ، وإذا كان المجتمع – على حدّ ما ذكره فوكو- هو الذي يحدّد معنى الجنون ويقصي المجنون من دائرة العقل. فإنّ هذا الإقصاء يظهر في القصّة بوضوح من خلال الحكم (أنت مجنون)، الذي يضع الشّخصيّة خارج دائرة التّواصل الطّبيعيّ، ويدفعها إلى الانزواء والانكسار. ويمكن القول إنّ النّصّ يقدّم الجنون كمرآة فلسفيّة وجماليّة تكشف عن أزمة الهويّة، وتطرح أسئلة وجوديّة حول الذّات والآخر، والقول والصّمت، والحقيقة والوهم. وهكذا تتحوّل القصّة القصيرة جدًّا إلى نصّ غنيّ بالتّأويلات، يفتح أمام القارئ إمكانات لا نهائيّة للفهم والتّفكير.

القول كسلطة وإقصاء:

يظهر الجنون في النّصّ كعلامة على فقدان التَّوازن بين مكوّنات الذَّات، حيث تتشظّى الشّخصيَّة بين صور متعدّدة، فلا تعود قادرة على الإمساك بخيط واحد يربطها بذاتها أو بالعالم. الجنون هنا ليس مجرّد وصف، بل هو تمزّق وجوديّ؛ تفقد الشّخصيّة توازنها أمام حكم الآخر، فتدخل في صراع مع ذاتها وصورتها. ويتيح الجنون للشّخصيّة أن تعيد إنتاج ذاتها في صور متناقضة، فتارةً تنطق بالحقيقة المطلقة، وتارةً تغرق في الهذيان، ممَّا يجعل النّصّ فضاءً مفتوحًا للتَّأويل الفلسفيّ حول معنى الوجود والوعي. تظهر الذّات في النّصّ عبر ثلاث صور: الذَّات المحكوم عليها (المجنون)، والذَّات الرَّافضة (المستنكر)، والذَّات المدمّرة (كسر المرآة).

إنَّ قراءة القصَّة من منظور فلسفة الجنون تسمح لنا بتفكيك الرّموز والإشارات التي يوظّفها الكاتب، ورصد كيفيّة بناء خطاب سرديّ يزاوج بين الواقعيّ والمتخيّل، وبين العقلانيّ واللَّامعقول. ويستخلصُ من هذا كيف يمكن للأدب أن يكون مجالاً خصبًا للتّفكير الفلسفيّ، وكيف يتحوّل الجنون من مجرَّد موضوع سرديّ إلى أفق فلسفيّ يطرح أسئلة عميقة حول الهويّة والذّات والوجود. كما أنّ تحليل مضمون قصّة (قول) ومقاربتها التّأويليّة  تفتح المجال لفهم كيفيّة توظيف الكاتب للجنون كأداة جماليّة وفكريّة، تعكسُ أزمة الإنسان المعاصر في مواجهة ذاته والعالم. جاء نصّ (قول) القصير جدًّا ومكثّفا، ممّا يتطلّب التركيز على اللّغة والأسلوب بوصفهما حاملين للمعنى، وعلى المضمون الفلسفيّ والتّأويليّ والجماليّ الذي يتولّد من هذا التَّكثيف.

إنّ العنوان (قالت) ورد فعلاً وفتح فضاءً للتَّواصل، لكنّه يأتي مبتورًا ومعلّقًا، ممَّا يثير توتّرًا بين القول والصَّمت. يضع العنوان القارئ أمام أسئلة وجوديّة واجتماعيّة في مثل سؤال: ماذا قيل؟ ولماذا؟ فالفعل (قالت) يثير منذ البداية فضاءً فلسفيًّا ونفسيًّا عميقًا؛ لأنّه فعل القول الذي يُفترض أن تكتمل به الدّائرة التّواصليّة. ونستخلص من صياغة العنوان أنّ القول ليس مجرّد فعل لغويّ، بل هو سلطة تُمارَس على الآخر. حين تبدأ القصّة به فإنّها تمنح المتكلّمة سلطة الحكم، وتجعل المخاطَب في موقع المتلقّيّ السّلبيّ. وهذا يفتح المجال لفهم الجنون كهويّة مفروضة من الخارج، لا كحالة ذاتيّة فقط. ويربطُ الجنون بالتّوتّر ويختزله العنوان، إذ يجعل القول أداةً للإقصاء والتّصنيف.

ويثير العنوان على المستوى النّفسيّ، يثير العنوان سؤالًا حول أثر الكلمة على الذّات. فالجملة (أنت مجنون) ليست توصيفًا محايدًا، بل هي صدمة نفسيّة تُحدث شرخًا داخليًّا، وتدفع الشّخصيّة إلى الانزواء وكسر المرآة. هنا يصبح القول فعلًا نفسيًّا يغيّر مسار الذّات. يعكس العنوان مفاهيم اجتماعيّة تتلخّص في سلطة المجتمع في تحديد الهويّة. فالقول هنا ليس فرديًّا، بل هو انعكاس لمعايير اجتماعيّة ترى في الاختلاف جنونًا. بهذا المعنى، يصبح الجنون مرآةً لآليّات الإقصاء الاجتماعيّ، حيث يُحكم على الفرد بالانحراف لمجرّد خروجه عن المألوف. ويخلق العنوان فراغًا دلاليًّا، إذ يترك القارئ معلّقًا أمام سؤال "ماذا قالت؟ ولماذا؟". هذا التّعليق يفتح النّصّ على احتمالات متعدّدة، ويجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، وهو ما يمنح القصّة القصيرة جدًّا طاقة فنّيّة مضاعفة. ويمكن قراءة العنوان باعتباره إعلانًا عن بداية صراع بين الذّات والآخر، وبين الدّاخل والخارج. فالفعل "قالت" يضع الذّات في مواجهة مباشرة مع حكم خارجيّ، ويجعل النّصّ فضاءً لتجريب حدود الهويّة والوعي. يختزل العنوان فلسفة الجنون في كلمة واحدة، حيث يصبح القول ذاته فعلًا وجوديًّا يحدّد مصير الذّات. وبهذا الشكل، يتحوّل العنوان إلى مفتاح لفهم النّصّ كلّه، وإلى مدخل فلسفيّ ونفسيّ واجتماعيّ يفتح أمام القارئ أفقًا واسعًا للتّأويل.

الافتتاحيّة (أنت مجنون) هذه الجملة القصيرة تحملُ حكمًا قاطعًا على الهويّة، فهي لا تصف حالة بل تُسقط هويَّة كاملة على الشّخصيّة. هنا يظهر الجنون كوسم اجتماعيّ يحدّد موقع الذَّات ويقصيها من دائرة العقل.

الخصائص اللَّغويّة والأسلوبيّة:

- الفعليّة المكثّفة: هيمنة الأفعال (قالت، استنكر، انزوى، حلق، كسر) تعكس ديناميكيّة داخليّة مضطربة، حيث تتحوّل الذَّات إلى سلسلة من ردود أفعال متشنّجة. وتعتمد القصّة القصيرة جدًّا على التَّكثيف السّرديّ؛ أي الاقتصاد اللّغويّ لتوليد كثافة دلاليّة، حيث كلّ فعل يحمل وزنًا رمزيًّا وفلسفيًّا.

- الجمل القصيرة: يعتمد النّصّ على جمل مقتضبة ("أنت مجنون"، "انزوى"، "حلق شعر رأسه"، "كسر زجاج المرآة")، ممَّا يخلق إيقاعًا متسارعًا يوحي بالانفعال والاضطراب.

- الرّمزيّة: حلق الشّعر وكسر المرآة رمزان قويَّان؛ يشير الأوّل إلى محو الهويّة أو إعادة تشكيلها، والثّاني إلى رفض مواجهة الذَّات أو تحطيم صورة الذّات في انعكاسها.

- التّوتّر الجماليّ/ الانفتاح التَّأويليّ: يخلق التّناقض بين القول والفعل، وبين الحكم والانفعال، جماليّات تقوم على المفارقة والصَّدمة. يترك النّصّ القارئ أمام فراغات دلاليّة، ممَّا يمنحه حريّة القراءة والتّأويل، وهو ما يعزّز قيمته الجماليّة والفكريّة.  يفتحُ النّصّ أفقًا للتَّأويل حول معنى الجنون: هل هو حقيقة أم حكم اجتماعيّ؟ هل هو انهيار أم إعادة بناء؟

خاتمة: تكشف قصة "قول" لحسن علي البطران، رغم قصرها، عن عمق فلسفيّ وجماليّ كبير، حيث يتحوّل الجنون إلى فضاء للتّفكير في الهويّة والذّات والوجود. العنوان واللّغة والرّموز جميعها تتضافر لتجعل النّصّ القصير جدًا نصًّا غنيًّا بالتّأويلات، يفتح أمام القارئ إمكانات لا نهائيّة للفهم والتّفكير. وقد أكّدت البحوث الحديثة أنّ القلق والتّوتّر والجنون ليست مجرّد حالات نفسيّة معزولة، بل هي تجارب وجوديّة واجتماعيّة مرتبطة بآليّات الدّماغ والهرمونات والبيئة، كما أنّ الأدب والفلسفة يقدّمان قراءة موازية لهذه الظّواهر، تجعلها رموزًا لفهم أزمة الهويّة والذّات.

وتكشف قراءة قصّة (قول) لحسن علي البطران أنّ الجنون ليس مجرّد حالة فرديّة أو وصف خارجيّ، بل هو فضاء فلسفيّ وجماليّ يعبّر عن أزمة الذّات الإنسانيّة في مواجهة المجتمع وما حولها. فجملة الافتتاحيّة (أنت مجنون) تحملُ حكمًا قاطعًا يفرض هويّة جديدة على الشّخصيّة، ويضعها في موقع وجوديّ مأزوم، حيث يتقاطع الجنون مع القلق والاضطراب والخوف والاغتراب.

كما يظهر الجنون في النّصّ كعلامة على تفكّك الهويّة، حيث تتشظّى الذّات بين صور متناقضة، وتفقد توازنها أمام سلطة القول الخارجيّ. حلق الشّعر وكسر المرآة يرمزان إلى محو الهويّة ورفض مواجهة الذّات، ممّا يعكس انهيار البنية الدّاخليّة للشّخصيّة. ويتقاطع الجنون مع القلق بوصفه تجربة وجوديّة قصوى، حيث يعيش الفرد حالة من التّوتّر المستمرّ أمام حكم الآخر.

يبرز النّصّ أيضًا البعد الاجتماعيّ للجنون، إذ يُفرض على الفرد من الخارج كوسم اجتماعيّ يعكس معايير المجتمع في الإقصاء والتّصنيف. وهنا يظهر الجنون كمرآة لآليّات السّلطة التي تحدّد موقع الذّات وتقصيها من دائرة العقل والتّواصل الطّبيعيّ.

وتوظيف النّصّ الاقتصاد اللّغويّ والتّكثيف السّرديّ يمنح الجنون طاقة فنّيّة مضاعفة، حيث تتحوّل الجمل القصيرة والأفعال المتتابعة إلى إيقاع مضطرب يعكس القلق الدّاخليّ للشّخصيّة، ويجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى عبر فراغات دلاليّة مفتوحة.

كما يبرز الجنون كصدمة وجوديّة مرتبطة بالخوف والاضطراب، حيث يدفع الحكم الخارجيّ الذات إلى الانزواء والانكسار، ويكشف عن أثر الكلمة في تشكيل المصير النّفسيّ للفرد.

وأخيرًا يمكن القول إنّ النّصّ يقدّم الجنون كأفق فلسفيّ وجمالي يختزل أزمة الإنسان المعاصر في مواجهة ذاته ومجتمعه، ويطرح أسئلة عميقة حول الهويّة، والقلق، والاغتراب، والوعي، والتّشظّي. وهكذا تتحوّل القصّة القصيرة جدًا إلى نصّ غنيّ بالتّأويلات، يفتح أمام القارئ إمكانات لا نهائيّة للفهم والتّفكير.

ملحق البحث: نصّ قصّة (قول) تأليف حسن علي البطران:

(قالت:

أنت مجنون.. !

استنكر كلامها، انزوى في إحدى زوايا الغرفة.

حلق شعر رأسه وكسر زجاج المرآة..!).

***

البروفيسور سعاد بسناسي

باحثة وأستاذة جامعيّة

للكاتب المغربي محمد صوف

كلمة أولى: لمقاربة رواية "أولاد الكاريان"، نتقدم بهذه الورقة / التصور، حول موضوعة أساس، تتلخص في العنوان التالي:

("أولاد الكاريان": قوى فاعلة: تعالقات ووظائف)، وهي ورقة تقدم قراءة مكون معين من مكونات الخطاب السردي في رواية الأديب محمد صوف، هو مكون "القوى الفاعلة"، انطلاقا من مدخل "التعالقات" المنسوجة سرديا بين الأطراف الدينامية الفاعلة في بناء الحدث الروائي، وفي تطوره الحكائي، ومن مدخل "الوظائف العاملية" المسندة إلى هذه القوى الفاعلة.

مدخل: إنارة آليات اشتغال:

الوقوف على القوى الفاعلة، هو في أساسه مقاربة لآليات اشتغال نوع من البطولة الروائية، الداعي إليها مؤطَّر ابتدائيا بتماه مقصود مع عنوان الرواية (أولاد الكاريان)، فهو عنوان موزع على مدخلين معجميين متعالقين بعلاقة لغوية إضافية تعيينية ضامة.. مدخل "أولاد"، بتمظهر ب بشري، ومدخل "الكاريان" بتمظهر مادي، الأمر الذي يسمح بإمكان اعتماد خطاطة منهجية وصفية / استقرائية / استنتاجية لتعالقات، وأدوار، ووظائف ممكنة، بين عوامل معينة، حاملة للبعد القضوي المتناوَل في الرواية بكل، تجلياته، وبكل أبعاده التعبيرية / التأثيرية، في إطار تصور غائي مستهدف بقصدية واعية من الكاتب الفعلي للعمل السردي الروائي.

الحديث عن البطولة الروائية يأخذ مشروعيته من متراكم دراسات نقدية عالمة، عالمية، لعديد نقاد غربيين وعرب، اشتغلوا على هذا المكون انطلاقا من زوايا نظر قد تتقارب وتتجاور وتتشاكل، وقد تتباعد وتتمايز وتتفرد، من باب رصد أوجه المشاكلة وأوجه الاختلاف.

لا جدال في أن بطولة الشخصيات الروائية، في المنجز المعاصر، قد حظيت باهتمام كبار المبدعين، ورواد النقد المرافقين أعمالهم تنظيرا، ومناولة إجرائية، على السواء، ولعل هذا الاهتمام قد جر على بطولة هذه الشخصيات الروائية بعض الغموض، فقد تنوعت مداخل تقديمها في الأعمال المحكية، حيث أخذت أشكالا وتمظهرات تتراوح بين وسمها بكل سمات البطولة والتفوق والأسطورية في أعمال كلاسيكية، وبين التنكر لها، أو تهميش مركزيتها، أو حتى المغامرة بتغييبها في بنائية معمار أعمال روائية حديثة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، تنوّعت مداخل / مناهج مقارباتها النقدية، حيث تراوحت بين اعتبارها مقولة مرجعية تحيل على أشخاص واقعيين، لهم وجودهم الاعتباري تاريخيا، وماديا، واجتماعيا، ونفسيا، وفكريا، ووجدانيا.. وبين اعتبارها مجرد علامة فارغة، لا تمتلئ وتكتسب معناها إلا مع آخر جملة من النص المحكي.

أمام هذا التنوع، إبداعيا ونقديا، لا بد من المغامرة باعتماد أرضية ممنهجة للخوض في القضية المراد معالجتها بقدر معين من الموضوعية، ومن الاحتراز التوظيفي المساعد على تجنب السقوط في شرك سلطة المنهج الأحادي، ومتاهة الجري وراء منظومته المنهجية، وعدته المصطلحية.

لهذا، اختارت الورقة اعتماد مقاربة تكاملية، تحاول متح أدواتها الإجرائية من معين مرجعيات نظرية مناسبة، تغامر باعتماد أدوات من تحليل بنيوي / رولان بارث، وتحليل بنيوي تكويني / لوسيان غولدمان، وتحليل عاملي / تودوروف في اشتغاله على العوامل ومحمولاتها الأساس، وغريماس في عامليته.

ليس من المجازفة في شيء القول بأن تنوع أشكال الإبداع الروائي، وأشكال مقارباتها النقدية يخضع، فيما يخضع له، للعلاقة الجدلية بين الفكر والواقع، فلا شك أن هناك تأثرا، مباشرا أو غير مباشر، لعملية الإبداع بواقع إنتاجها المتعين، الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والحضاري بشكل عام.

والتزاما بالحدود المرسومة قصدا لموضوع هذه الورقة، سيتم تجاوز الحديث عن كل أشكال البطولة، بما تعنيه من تمظهر لقدرات خاصة سوبرمانية، إن جاز التوصيف، تحيل إلى أبعاد التفوق، والتميز، والتعالي على واقعية التشخيص التخييلي لمفهوم الشخصية الروائية في تعبيرها عن كيان الإنسان، بكل أشكال تفاعله مع ذاته، ومع محيطه، ومع مجتمعه.. مع استحضار مجمل الإكراهات الضاغطة عليه، والتي تجعل منه في نهاية المطاف إنسانا هامشيا، مشيئا، مقهورا، مستضعفا..

لهذا، منهجيا، تعين اعتماد تصور البحث عن الإنسان: تعالقات ووظائف، في واقعية كينونته بن أسوار صفيح كاريان، هو كاريان سانطرال "الصوفي".

في بؤرة الموضوع:

الواقع المعيش يفرض نفسه على أشكال التفاعل التعبيري الأدبي الفني الجمالي معه، وفي هذا الإطار يشير لوسيان غولمان إلى أن الواقع الكولونيالي العالمي الجديد فرض على الإنسان علاقة جديدة مع واقعه، لتتجلى هذه العلاقة المستجدة في شكل قطيعة بين الذات والموضوع.. الذات الفردية والجماعية، من جهة، وموضوع مجال تحركها المعيشي، من جهة أخرى، حيث وجد هذا الإنسان نفسه في قعر فضاء معاند صادم هدام لكل القيم الإنسانية المثلى، التي تضمن للفرد والجماعة حقوقهما المشروعة كونيا.. وبهذا وجد نفسه بطلا، لكنه بطل إشكالي بامتياز، كلما بدأ مساره على الطريق، كلما انتهت الرحلة في وجهه إلى المأساة.

"أولاد الكاريان"، بين زمن استعمار وزمن تحرر، أولاد / أبطال إشكاليون، حَكَمَ وجودَهم واقعٌ مأزوم خائب، على حد تعبير الدكتور العروي، وأنتج منهم ذواتا / عوامل متقابلة، إما ساحقة، وإما مسحوقة.

واقع أزمة.. أزمة واقع:

انطلاقا من متفق عليه بين عديد دراسات، متعين في أن رواية "أولاد الكاريان" هي رواية مسكونة بهم استحضار فضاءات تاريخ عيش إنسان في زمن محنة مركّبة متناسلة.. زمن استعمار ممتد إلى زمن تحرر من ربقة استعمار، دون سقوط في حبائل إنجاز يمكن وضعه في قفص "الرواية التاريخية"، وقد شهد شاهد من أهلها، وفي هذا اسألوا "صوف".. إذ إننا نستحضر البعد التخييلي في هذا العمل، بين حد التوظيف الفني لقوى فاعلة واقعية، بأسمائها، وبصفاتها، معروفة الهوية، غير نكرة، وحد الانزياح عن واقع معيش شاخص، إلى بر إيهام بواقعية مع قوى فاعلة أخرى تحفّظ الكاتب بذاته صراحة عن الكشف عن هويتها، على لسان سارد / ساردي روايته في المنجز الروائي، وعلى لسانه مباشرة في عديد حوارات، سعيا منه إلى بناء عمل مسرود يتغيا خلخلة واقع إنسان، بين الكائن والممكن، أو بين الممكن والإمكان.

الرواية، هذه، رواية تصوير أزمة باحترافية سينمائية، تلتقط المشاهد في تجلياتها العينية، اعتمادا على مُخَزَّن في ذاكرة غير مشروخة، تعيد تشكيلها باحترافية حكائية سردية روائية.. وإن بنفس قصير، يسمح بوصف العمل بأنه "رواية قصيرة".. إن جاز التوصيف التجنيسي، وهذا مرصود في أعمال صوف.

واقع الأزمة يتشكل من عناصر معينة، موظفة بشكل بنائي انسيابي، يجمع المتفرق، ويفرّق المؤتلف، لتقديم مشهدية سينمائية واصفة، مفكِّكة، محللة، معيدة إنتاج لوحة كلية ترسم معالم تعالقات بين ذوات، وفضاءات، وقيم.. لتحديد أدوار ووظائف معينة للإنسان، وللمكان، وللقيم في سيرورة زمن وتاريخ.. هي مرتكزات بنائية عاملية تعيد قراءة واقع شاخص، وتورط المتلقي - بكل مسؤولية - في لعبة تأويل، وإعادة توليف، وتوضيب، وتشكيل المسرود الحكائي.

تعالقات / أدوار / وظائف:

بين ربض الواقعي، وربض المتخيل تقدم الرواية فسيفساء تعالقات وأدوار ووظائف في سلة اشتغال ثنائية ضدية تكاملية، بين قوى فاعلة / شخصيات بتمظهر بشري، وقوى فاعلة / عوامل بتمظهر مادي مكاني، وأخرى بتمظهر معنوي قيمي.

التعالقات المنتَجة بين الشخصيات البشرية، في تجاذباتها، وفي تدافعاتها، تتمثل في منظومة بناء مشتركِ عيشٍ مجسدٍ صراعاتٍ مأساويةً، وتعايشاتٍ إنسانيةً.

بنيويا، تتشاكل عناصر مجوعات صغرى مغلقة، بنويات متجاورة، وفق علاقات ضامة، تتوزع على محاور تصنيفية، لها تفريعات معينة:

أولها/ مجموعة محور القوى الفاعلة المصنفة في إطار (الشخصيات) المتشاكلة والمتجانسة قصدا أو بعفوية، في حقل ذوات حاملة قيما إيجابية نبيلة، مقاومة، إن بشكل، وإن بشكل آخر، منظمة مقصودة، أو غير منظمة غير مقصودة (الغريب / رفائيل / مينة الحريزية / خدوج الفرملية / رموز الحركة الوطنية)، أسندت إليها أدوار عاملية تتحدد في متعين تجسيد الانسجام، والتكامل، والممانعة، والمقاومة، والصمود، ضدا على كل أشكال القهر، أوكلت إليها وظائف سامية هادفة إلى مواجهة الواقع الخائب في كل تجلياته الصادمة.

ثانيها/ محور القوى الفاعلة المصنفة في إطار (الشخصيات) المتشاكلة والمتجانسة قصدا أو بعفوية، في حقل ذواتٍ حاملةٍ قيما سلبيةً، مؤثتةً شخصيات مقهورة، مستسلمة، انهزامية (البتول / والدها الطاهر / والدتها / مسعود / والدته / التباع / الفقيه / ساكنة الكاريان)، أسندت إليها أدوار عاملية تتحدد في متعين تجسيد وظيفة الانكسار، والخوف، والخضوع، والانهزامية، والاستسلام.

ثالثها/ محور القوى الفاعلة المصنفة في إطار (الذوات) المتشاكلة والمتجانسة قصدا أو بعفوية، في حقل ذوات حاملة قيما سلبية، باطشة، عدوانية (الاستعمار / ولد اغضيفة / علال / عبد القادر)، أسندت إليها أدوار عاملية تتحدد في علاقة اجتراح الصراع والتدافع والإقصاء، ضدا على كل مستلزمات العيش الكريم الآمن السلمي التعايشي البناء.

رابعها / محور القوى الفاعلة المصنفة في إطار (الفضاءات) المتشاكلة والمتجانسة قصدا أو بعفوية، في حقل فضاء إنتاج الأزمة (الكاريان / الخلاء خلف مؤسسة رعاية أبناء شهداء الاستقلال غير بعيد عن ملعب الطاس / السجن)،

ولها أدوار عاملية تتحدد في متعين تجسيد وظيفة "مسرح الجريمة"، بكل ما يشعر به من أبعاد فضائية دلالية مشعرة بسلطة تجسيد دور الحد من القدرة على الفعل الإرادي الحر الإيجابي المسؤول، الضامن حقوقَ الإنسان، كما نصت عليها التشريعات، والمواثيق، والمواضعات، والأديان.

خامسها/ محور القوى الفاعلة المصنفة في إطار (القيم والمبادئ) المتشاكلة والمتجانسة قصدا أو بعفوية، في حقل منظومة تشكيل تعالقات، إيجابية كانت، أم سلبية من باب (تأثير قيم التعليم والمطالعة / فعل الخير / التكافل / الاحتضان)، أو من باب مقابل (تأثير قيم مَرْكَزَة القهر الاستعماري / القهر الجنسي / التسلط العدواني).

امتدادات: تجليات بطولة مأساوية:

أشار لوسيان غولدمان إلى أن وجود قطيعة جذرية بين الإنسان والعالم، أو وجودها بشكل عارض، يؤدي إلى المأساة، حيث يضحى البطل / الإنسان بطلا مأساويا، يفقد جسور التواصل مع عالمه المحيط به، فهو في صدام دائم معه، قدره أن يبحث دوما، في رحلته المأساوية، عن الانسجام مع الذات أولا، وعن الانسجام مع العالم ثانيا، فكأنه بذلك لا يكفر عن خطاياه الشخصية، بل عن الخطيئة الأصلية، خطيئة الوجود.. وفي "الكاريان" تجسدت الرحلة المأساوية لإنسان يسعى إلى تأكيد وجوده، وإحقاق إنسانيته، بقدر ما يتبدى عجزه عن مواجهة واقعه الإشكالي ذاك، في كل خروج / فعل له بحث، إما في عالم مغلق تتحدد فيه المصائر بشكل إيجابي، وبشكل مسبق، وإما ببحث في عالم لم يعد فيه المقدس مقدسا، حتى صار عرضة للتساؤل والشك.. إنها الرواية / البحث المنحط الشيطاني، رواية أبطالها في سعي دائم وراء شيء ما، في وسط متدهور، زائف، يفقد فيه الأفراد توازنهم النفسي والاجتماعي فيندفعون نحو الجريمة أو الجنون.

على حد توصيف جورج لوكاتش (في نظرية الرواية)، الذي طوره تلميذه لوسيان غولدمان في بنيويته التكوينية الراصدة مظاهر تفكك الشخصية الروائية في الرواية الجديدة.

هذه الوضعية الاعتبارية للبطولة من منظور بنيوي تقودنا إلى حدود "المستويات"مع رولان بارث (مستوى الوظائف كما عند بروب وبريمون / مستوى الأفعال كما عند غريماس / مستوى السرد كما هو عند تودوروف في ما اصطلح عليه بالخطاب)، لنخلص إلى تعيين "ثنائيات العوامل" المحكومة بمحاور "التواصل" و "الرغبة" و "الاختبار"، قصد رصد تجلياتها في اللعبة السردية الصوفية في عالم "الكاريان".

عوامل، ومحاور:

إجرائيا، واعتبارا للمقام، ستقف هذه الورقة عند حدود تمثيل / نموذج تطبيقي قابل للتعميم، هو إجراء يقدم صورة مصغرة عن عوالم القوى الفاعلة في رواية "أولاد الكاريان"، وعن أدوارها العاملية، وعن العلاقات المتحكمة في سلوكاتها، وعن مصائرها في تحولاتها الدينامية، بين زمن استعمار، وزمن تحرر.

النموذج سيقدم عينة مختارة من عولم متوازية: عالم اجتراح الظلم، وعالم محاولة البحث عن أفق انعتاق، وعالم فضاء كاريان.

1/ عالم اجتراح الظلم:

نموذجه التمثيلي متعين في شخصية أدوات الاستعمار باعتباره كيانا كولونياليا جمعيا مؤسسيا، وفي شخصية "ولد اغضيفة" باعتباره كيانا فرديا مرجعيا له نظائر وأشباه في واقع شاخص محدد تاريخيا.

هذا النموذج، باعتباره ذاتا عاملية، يسعى إلى تحقيق "رغبة" في التمكن من "موضوع عاملي" يمكن تأطيره في إطار "همجية قانون غاب".. ترسله في ذلك "عوامل مرسلة" سلبية ناتجة ممثلة في تحولات عولمية سياسية

اقتصادية اجتماعية حضارية معاصرة، مرهونة برهان سلطة بربرية استعمارية في وجه، وعدوانية باطشة في وجه آخر، تساعده في ذلك عوامل مساعدة (تحولات رأسمالية احتكارية توسعية استنزافية / تدهور منظومة قيم إنسانية كونية / امتلاك قوة باطشة غير واعية)، وتقف في وجهه عوامل معاكسة (مد تحرري كوني / انتشار فكر ماركسي تنويري / امتلاك صلابة ومناعة ذاتية ضد كل أشكال الاختراق القيمي).

المسار / امتدادات.. تحولات بين زمنين:

أ - الاستعمار.. مآله اندحار (عودة السلطان محمد الخامس / إعلان الاستقلال / إطلاق سراح المعتقلين..).

ب - "ولد اغضيفة".. مآله الندم والتوبة ومعانقة عرفانية تسامحية.

2/ عالم محاولة البحث عن أفق انعتاق:

نموذجه التمثيلي متعين في شخصية نموذجين متقابلين: "البتول" / نموذج البحث عن الاستقرار النفسي والاجتماعي والفكري، في ظل ضغوطات واقع سقوط في أحضان استسلام تام أمام سلطة اجتراح الظلم، و"الغريب" / نموذج البطل المقاوم الواعي المرشد المجهول.

"العامل المرسل" في وضعية الممثليْن للنموذج متعين في منظومة قيم متعارف على صدقيتها ومشروعيتها، و"العامل المساعد" هو، ولو بتفاوت متجل، هو امتلاك وعي سليم بحتمية مقاوم وممانعة.

و"العامل المعاكس" منظومة شروط استئساد قوى الشر والظلام (مد كولونيالي / فضاء صفيحي).

المسار / امتدادات.. تحولات بين زمنين:

أ - البتول.. مسارها سقوط في أحضان مأساة مركبة (حرمان من توثيق رسمي لأمومة / خضوع لواجب الستر بتمثيلية زواج نظيف / طلاق / رجوع إلى حضن مغتصب / فقدان ابنِ سفاحٍ في حادثة مأساوية).

ب - الغريب.. نهاية مؤسفة غير منتظرة (خيبة أمل من تحقق مخرجات مشروع نضال ومحاولة تغيير واقع حال).

3/ عالم فضاء كاريان:

فضاء مشعر بالأزمة البنيوية، من قبل ومن بعد، في بنية دائرية مغلقة.. وضعية هشاشة مركبة.

"العامل المرسل" بالنسبة إليه متعين في دافعية جمعية مشروعة منفتحة على شرعة حقوق إنسان.

"العامل المساعد" بالنسبة لهذه العينة متمثل في مؤسِّسات وعي بقهر شمولي غير مشروع.

"العامل المعاكس" بؤرة متفسخة مرتكزات (فقر / تفسخ قيم / عنف / استغلال).

= المسار / امتدادات.. تحولات بين زمنين:

أ - الكاريان من قبل: نقطة انطلاق (تجمع سكاني يسمونه في الإذاعة بالسكن غير اللائق / خلاء وراء مؤسسة / ملعب بدون مستودع للملابس، بدون دوشات / شمع..).

ب - الكاريان من بعد: نقطة وصول (الكاريان كدار لقمان / لعوينة تسقي أبناءه، والشمع، ولدى البعض مصابيح الغاز تنير لياليه، والخوف من الحريق، والصغار يكبرون رغم أنفهم..).

وما انتهت الحكاية.. حكاية "أولاد كاريان".

على سبيل ختم .. خلاصات تركيبية:

يظهر جليًا أن رواية "أولاد الكاريان" ليست مجرد سرد تاريخي، أو وصف اجتماعي، بل هي لوحة تركيبية متشابكة للقوى الفاعلة، التي تشكل عالم الرواية، كما تحدّد مصائر الشخصيات في فضاءات مأساوية تجمع بين الواقعي والمتخيَّل، بين الإشكالي الراهن، والبديل المأمول. إن التحليل التفصيلي لهذه القوى، عبر تعالقاتها، وأدوارها، ووظائفها، يكشف عن لعبة سردية متكاملة تنسج مأساة الإنسان في مواجهة واقع مركّب، إشكالي، خائب، يحكمه الظلم، والاضطهاد، والتحديات البنيوية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه، يسعى الفرد للتشبث بالكرامة الإنسانية، بالوعي، وبقيم المقاومة والممانعة.

وقد تبين، من خلال رصد ثلاثة أبعاد مركزية في الرواية، أن كل فضاء وكل شخصية ليست اعتباطية، بل تقوم بوظيفة عاملية محددة، تجعل من الرواية تجربة معرفية ومعبرة عن جدلية الإنسان والواقع، بين زمن الاستعمار وزمن التحرر، وبين الماضي المشحون بالصدمات، والحاضر المشكَّل بمحاولات الانعتاق والتغيير. ومن ثم، فإن الرواية تعكس مأساة بطوليّة إنسانية، حيث تتداخل البطولة مع الانكسار، والمقاومة مع الاستسلام، والصراع مع البحث عن الانسجام، فتجعل من كل شخصية، ومن كل حدث، ومن كل فضاء، عاملا بنتائيا وظيفيا نشطا في بناء المعنى وإيصال رسالة / رهان الكاتب.

في السياق النقدي، يمكن القول إن رواية "أولاد الكاريان" تفتح آفاقا لإعادة قراءة الرواية المغربية المعاصرة، ليس فقط باعتبارها نصا سرديا قائما على الأحداث التاريخية والاجتماعية، بل كنموذج تحليلي لمقاربة القوى الفاعلة وعلاقاتها المعقدة، في بعدها البنيوي، والتكويني، والعاملي، بما يسهم في فهم أعمق للإنسان في مواجهة التحديات، وللواقع الذي يختبر إرادته وقيمه.

وفي النهاية، يبقى مشروع محمد صوف في هذه الرواية رحبا، متعدِّد المستويات، يتيح للقارئ، أو للناقد، ممارسة تأمل منهجي يتجاوز مجرد التلقي السطحي، نحو قراءة تعالقات الإنسان والمكان والزمان والقيم، في لعبة سردية محكمة، تتجلى فيها مأساة الإنسان البطولي الإشكالي، وسط عالم مضطرب، لكنه حيّ، قادر على الإلهام، والوعي، والتفاعل.

***

الناقد عبد الرحمن بوطيب

دراسة لغوية في الأصل والاستعمال والقرآن والشعر العربي

ليست كلمة «سُدًى» من الألفاظ التي تستنفد معناها في كلمة واحدة مثل «عبثًا» أو «مهمَلًا»، وإنما هي لفظة عربية قديمة ذات ظلال دلالية متشعبة، تتصل بفكرة الإهمال، والترك، والانطلاق بلا راعٍ ولا توجيه، وغياب القصد أو الغاية. ومن هنا اكتسبت في الاستعمال القرآني عمقًا يتجاوز مجرد وصف حالة من الإهمال، لتصبح جزءًا من بناء حجاجي يتصل بمسؤولية الإنسان وتكليفه وبعثه وحسابه.

وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾

[القيامة: ٣٦].

و«سُدًى» هنا بضم السين، وهي بمعنى المهمل المتروك بلا تكليف ولا حساب، وقد فسّرها عدد من أهل التفسير بـ«مهملا» أو «لا يؤمر ولا ينهى».

أولًا: الجذر اللغوي «س د و»

ترجع الكلمة في أشهر كتب اللغة إلى الجذر «س د و»، وهو جذر غني بالدلالات المتفرعة حول معنى الحركة والامتداد والترك والإرخاء.

يذكر ابن فارس في مقاييس اللغة أن أصل هذا الباب يدل على الإهمال والذهاب على وجه مخصوص، ويصل بينه وبين «السدو»، وهو المضي أو السير على غير توجيه محكم، ثم يجعل من هذا الباب قوله تعالى: ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، أي يُترك مهمَلًا لا يؤمر ولا ينهى. كما يربط بالباب نفسه استعمالات أخرى مثل «أسدى النخل» و«السدى» بمعانٍ متفرعة.

وهنا تبرز قيمة المنهج الاشتقاقي عند ابن فارس؛ فهو لا يتعامل مع كل معنى معجمي بوصفه جزيرة منفصلة، بل يبحث عن نواة دلالية تتشعب منها الاستعمالات.

ومن المعاني التي تذكرها كتب اللغة:

- سَدَا الشيء: امتد أو مد.

- سَدَا الرجل يده: مدها نحو الشيء.

- سَدَا البعير في سيره: مد يده في السير.

- أسدى إبله: أهملها وتركها تذهب حيث شاءت.

- السُّدَى: المهمل المتروك.

- السَّدَى: خيوط النسيج التي تمتد طولًا، في مقابل اللُّحمة التي تمتد عرضًا.

- ويأتي «السَّدَى» أيضًا بمعنى ندى الليل في بعض الاستعمالات القديمة.

وهذه المعاني، على الرغم من اختلاف صورها، تكشف عن شبكة دلالية تقوم على الامتداد والانطلاق والإرخاء والترك.

ثانياً: الفرق بين «سُدًى» و«سَدًى»

من أكثر المسائل أهمية أن نميز بين الضبطين:

١. سُدًى ـ بضم السين

وهي التي في قوله تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾.

ومعناها: مهمَلاً، متروكاً، غير مكلَّف، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يكون وراء وجوده حساب وجزاء.

ويذكر ابن عاشور أن «سُدًى» بالضم اسم بمعنى المهمل، وأن الضم أشهر، وأنها تستعمل للمفرد والجمع، فيقال: إبل سُدًى، وجمل سُدًى. كما يذكر أن ألفها منقلبة عن واو.

٢. سَدًى ـ بفتح السين

أما «السَّدَى» بفتح السين فهو في أصل من أشهر معانيه خيوط النسيج الممتدة طولاً، في مقابل «اللُّحمة» التي تتخللها عرضاً، وواحدته «سَدَاة»، وجمعه «أسداء» و«أسدية».

ومن هنا فقولنا:

«هذا الثوب سداه حرير»

غير قولنا:

«ذهب الأمر سُدًى».

الأولى مرتبطة بالنسيج، والثانية بالإهمال وذهاب الشيء بلا جدوى.

ثالثاً: هل هناك صلة بين معنى النسيج ومعنى الإهمال؟

هذه من المسائل التي ينبغي تناولها بحذر.

فبعض المعاجم تجمع المعاني تحت الجذر نفسه، غير أن الاشتراك في الجذر لا يعني بالضرورة أن كل معنى حديث أو استعمال قد نشأ مباشرة من الآخر. والمنهج التاريخي الدقيق يقتضي أن نفرق بين المعنى المعجمي المثبت وبين التفسير الاشتقاقي المحتمل.

أما ابن فارس، فيحاول رد بعض هذه المعاني إلى أصل دلالي واحد هو الإهمال والذهاب والامتداد، وهو منهج معروف في «مقاييس اللغة».

ومن أجمل ما يفسر هذا الترابط أن الشيء المتروك قد يكون ممتداً بلا توجيه، كما أن الخيط في «السدى» ممتد في النسيج على هيئة محددة. لكن هذه ملاحظة تفسيرية دلالية، لا ينبغي تحويلها إلى حقيقة اشتقاقية قطعية من غير نص لغوي صريح.

رابعاً: «سُدًى» في القرآن الكريم

جاءت الكلمة في القرآن الكريم مرة واحدة، في سورة القيامة:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾

[القيامة: ٣٦].

والآية ليست سؤالًا للاستفهام الحقيقي، وإنما هي استفهام إنكاري؛ أي إنكار أن يكون الإنسان متروكاً بلا غاية أو تكليف أو مصير.

وقد نقل الطبري عن ابن عباس تفسير «سُدًى» بـ «همَلًا»، وعن مجاهد أنه بمعنى: لا يؤمر ولا ينهى. ووردت المعاني نفسها عند عدد من المفسرين.

أما القرطبي فيربطها بصورة عربية مألوفة هي:

«إبل سُدًى»

أي إبل ترعى بلا راعٍ، لا يمنعها مانع ولا يقودها قائد. ثم يذكر قولاً آخر في الآية، وهو أن الإنسان لا يُترك في قبره بلا بعث.

وهذه الصورة البدوية بالغة الأهمية؛ فالقرآن يخاطب الحس العربي بصورة يعرفها العربي معرفة مباشرة: الإبل إذا خرجت سُدًى فهي إبل بلا راعٍ، متروكة لشأنها.

ومن هنا يصبح المعنى القرآني أعمق من مجرد «العبث»:

فالإنسان ليس مخلوقاً بلا تكليف، ولا وجوده بلا حساب، ولا حياته مقطوعة عن المصير.

ولهذا وصل بعض المفسرين بين هذه الآية وبين قوله تعالى:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

[المؤمنون: ١١٥].

وقد صرّح ابن عاشور بأن سياق «سُدًى» في القيامة مرتبط بإنكار فكرة العبث، وبإثبات البعث والحساب.

خامساً: الدلالة النحوية في الآية

من الناحية الإعرابية، تأتي «سُدًى» حالًا من الضمير المستتر في «يُترك»، أي:

أن يُترك الإنسانُ مهمَلًا.

فالمعنى النحوي لا يقف عند مجرد الاسمية، وإنما يصف الهيئة التي يكون عليها الإنسان عند الترك.

وهذا مهم دلالياً؛ لأن الآية لا تقول فقط: «أن يترك الإنسان سُدى»، بمعنى أن «السدى» شيء قائم بذاته، وإنما تصور الإنسان في حال الإهمال والترك.

والجملة المؤولة من «أن يترك» تسد مسد مفعولي «يحسب»، كما هو مشهور في الإعراب:

أيحسب الإنسانُ [أن يُترك سُدًى]؟

أما من جهة الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية، فلا يصح ـ فيما وقفت عليه من المصادر ـ أن ننسب إلى البصريين والكوفيين خلافاً أصيلاً مشهوراً في معنى «سُدًى» نفسها. فالاختلاف الأوضح في المصادر التي تناولت الآية هو في تحديد مدى دلالتها التفسيرية: هل المراد أنه لا يؤمر ولا ينهى في الدنيا، أم أنه لا يُبعث ولا يُجازى في الآخرة، أم أن المعنى يشمل الأمرين معاً. وقد اختار ابن كثير أن الآية تعم المعنيين.

وهذا التفريق مهم حتى لا ننسب إلى «المدرسة البصرية» أو «المدرسة الكوفية» قولًا لا تثبته المصادر.

سادساً: ماذا قال فقهاء اللغة؟

فقهاء اللغة، حين تناولوا «سُدًى»، لم يحصروها في معنى «بلا فائدة» الذي شاع في العربية الحديثة، بل أبقوا على بعدها الأقدم: الترك والإهمال وعدم الرعاية.

ويقدم المعجم الوسيط معنى واضحًا: «السُّدَى» هو المهمل، للواحد والجمع، ويقال: أرض سُدًى، أي لا تُعمَر، و«ذهب كلامه سُدًى»، أي بلا جدوى.

وفي معجم لغة الفقهاء نجد التفريق بين «السَّدَى» بفتح السين، وهو خيوط النسيج الممتدة، وبين «السُّدَى» الذي يدل على الإهمال، مع إثبات صلة الاشتقاق بالجذر «سدو».

وهكذا انتقلت الكلمة في العربية من مجال محسوس إلى مجال مجرد:

إبل بلا راعٍ - إنسان بلا تكليف - عمل بلا ثمرة - كلام بلا جدوى.

وهذا من خصائص التطور الدلالي في العربية: انتقال اللفظ من المحسوس إلى المعقول.

سابعاً: «سُدًى» بين الإهمال والعبث

من الخطأ أن نجعل «سُدًى» و«عبثًا» مترادفين تمامًا.

فـ العبث يدل بصورة أوضح على فعل بلا غاية أو على فعل غير ذي مقصد.

أما السُّدَى فيركز على حالة الترك والإهمال وعدم الرعاية والتوجيه.

فإذا قلنا:

«ذهب جهده سُدًى»

فالمعنى: ذهب ضائعاً بلا ثمرة أو فائدة.

وإذا قلنا:

«تُرك الطفل سُدًى»

فالمعنى: تُرك بلا رعاية أو توجيه.

أما:

«فعل ذلك عبثًا»

فالمعنى أقرب إلى أنه فعل بلا غاية معتبرة أو على سبيل اللعب واللهو.

ومن هنا كان اختيار القرآن لكلمة «سُدًى» ذا دقة خاصة؛ لأنها لا تنفي الغاية فقط، بل تستحضر صورة الترك بلا راعٍ ولا تكليف ولا حساب.

ثامناً: «سُدًى» في الشعر العربي

عرف الشعر العربي اللفظة في هذا المعنى، ومن الشواهد التي أوردها المفسرون قول الشاعر:

فأقسم بالله جهد اليمين

ما ترك الله شيئًا سُدًى

وقد استشهد القرطبي بهذا البيت عند تفسير الآية.

وهنا يتحول «سُدًى» من مجرد لفظة معجمية إلى مبدأ كوني: لا شيء متروك بلا حكمة أو غاية.

والمعنى الشعري يتجاوب بوضوح مع المعنى القرآني، وإن كان الشعر لا يحمل بالضرورة كل أبعاد الآية العقدية والتفسيرية.

ومن استعمالات العرب أيضاً:

إبل سُدًى

أي إبل متروكة ترعى بلا راعٍ.

وهذا التعبير هو المفتاح الثقافي لفهم الصورة القرآنية؛ فالسامع العربي القديم لم يكن يحتاج إلى شرح طويل ليتخيل معنى «السُّدَى»: حيوان خرج من يد الراعي، يمضي حيث شاء، بلا قائد يوجهه ولا صاحب يتعهده.

تاسعاً: من «السدو» إلى «السدى»

تكشف المادة المعجمية عن علاقة لافتة بين السَّدو والسُّدَى.

ففي «مقاييس اللغة» يرتبط السدو بمعنى يتصل بالذهاب والانطلاق، ويذكر ابن فارس: «السدو وهو ركوب الرأس في السير»، أي المضي على وجه من غير ضبط محكم، ثم يربط بذلك «سُدًى» بمعنى المهمل.

وهذا يفسر جانباً مهمًا من الطاقة التصويرية في الكلمة:

السُّدَى ليس مجرد عدم الفائدة؛ إنه وجود يتحرك بلا يد تمسك زمامه.

ومن هنا يمكن فهم قول العرب في الإبل التي ترعى بلا راعٍ: إنها «سُدًى».

عاشراً: من المعنى الحسي إلى الفلسفي

ربما تكمن قوة «سُدًى» في أنها انتقلت من مشهد حسي شديد البساطة إلى سؤال فلسفي بالغ العمق.

المشهد الأول:

إبل تمضي في الأرض بلا راعٍ.

ثم يتجرد المشهد:

إنسان يعيش بلا توجيه.

ثم يرتفع السؤال:

هل وجود الإنسان نفسه متروك بلا غاية؟

ثم يبلغ السؤال ذروته القرآنية:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾؟

وهنا لا تعود «سُدًى» مجرد مفردة، بل تصبح نقيضًا لفكرة العبث الوجودي؛ فالإنسان، وفق السياق القرآني، ليس كائنًا متروكًا في فضاء بلا غاية، وإنما هو كائن ذو تكليف ومسؤولية ومصير.

تختزن كلمة «سُدًى» تاريخاً دلالياً غنياً؛ فهي في أصل استعمالاتها تدور حول المدّ والانطلاق والترك والإهمال، ثم تتشعب منها معانٍ حسية ومجازية، من خيوط النسيج إلى الإبل المتروكة بلا راعٍ، ومن ثم إلى الإنسان الذي يُترك بلا تكليف أو حساب.

والقرآن حين اختار هذه الكلمة في قوله:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾

لم يختر لفظاً مرادفاً عابراً لـ«عبثاً»، بل استدعى صورة عربية حية: كائن تُرك بلا راعٍ، بلا توجيه، بلا عهد، وبلا مسؤولية؛ ثم قلب الصورة إلى سؤال عن الإنسان ومصيره.

ولعل أعمق ما في الكلمة أن نقيض «السُّدَى» ليس مجرد «العمل»، وإنما المعنى: أن يكون للوجود وجهة، وللفعل مسؤولية، وللحياة غاية.

وهكذا تبدأ «سُدًى» من إبل شاردة في الفلاة، وتنتهي إلى سؤال الإنسان الأكبر:

هل نحن عابرون في الوجود بلا غاية، أم أن وراء وجودنا تكليفاً، ووراء التكليف حساباً، ووراء الحساب معنى؟ملاحظة علمية: تعمّدت ألا أنسب خلافاً مصطنعاً إلى البصريين والكوفيين؛ فالمصادر التي تحققت منها لا تثبت خلافاً مدرسياً مشهوراً حول أصل معنى «سُدًى» تحديداً، بينما تثبت بوضوح تعدد أقوال المفسرين في المراد من الآية، وتثبت المصادر المعجمية والاشتقاقية مادة س د و وفروعها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة في قصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" لسعدي يوسف.. من نقد المضمون إلى نقد اللغة

تُعدّ قصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" لسعدي يوسف (1934–2021) من أنضج نصوص الرثاء السياسي في الشعر العربي المعاصر. كُتبت في أديس أبابا سنة 1983، أي في ذروة الحرب العراقية الإيرانية، وفي منفى الشاعر البعيد عن وطنه.

تستقطب هذه القصيدة قراءات نقدية متعددة، يمكن ان تتناول أبعادها التاريخية والسياسية والفلسفية، الا ان مثل هذه القراءات تظل أسيرة منهج "نقد المضمون" الذي يخبرنا بما تقوله القصيدة، أكثر مما يحلل كيف تقوله. لذا احاول بهذه الدراسة ان اتجاوز هذا القصور من خلال مقاربة أسلوبية تركز على الآليات اللغوية الدقيقة التي تصنع معنى النص.

الفرضية المركزية التي تحكم هذه القراءة هي أن القوة السياسية لهذه القصيدة لا تكمن في موضوعاتها: الحرب، الاحتلال، التاريخ، انما في كيفية تحويل هذه الموضوعات إلى تجربة لغوية يعيشها القارئ أثناء القراءة.

لا يكتب سعدي عن التاريخ الدوري، بل يكتب بالطريقة التي تجعل التاريخ الدوري يُعاش في اللغة ذاتها.

من هنا

تنطلق الدراسة من أربعة محاور لغوية:

(1) القوسان بوصفهما بنية نحوية للصدمة،

(2) صيغة المضارع "يأتي" بوصفها آلية للزمن،

(3) تداخل المستويات اللغوية الأربعة،

(4) التكرار بوصفه بنية موشحية مكسورة.

قبل ذلك، لا بد من تحليل عتبة العنوان بوصفها المفتاح الدلالي الأول للنص.

سخرية الإعلان في زمن الاحتلال

يفتتح سعدي يوسف نصه بمفارقة لغوية قاتلة:

"إعلان سياحي": يستدعي هذا التركيب، بحكم اقترانه اللغوي المألوف، صور منتجعات خضراء وجبال ساحرة تدعو الزائر إلى الاستجمام. غير أن الهامش الذي وضعه الشاعر أسفل العنوان يفجّر هذه البراءة اللفظية دفعة واحدة:

"حاج عمران" منطقة في كردستان العراق احتلتها القوات الإيرانية مؤخرًا."

بهذه الجملة التوثيقية الجافة يتحول العنوان من دعوة إلى استجمام إلى سخرية سوداء قاسية. المكان الذي يُفترض أن يُعلَن عنه كمقصد سياحي هو في الحقيقة أرض محتلة، وساحة حرب ترتعش في حضرة الموت. هذه الحيلة الأسلوبية، تغليف مفردات البراءة كالإعلان والسياحة بمضامين العنف والاحتلال، تتكرر بأشكال متعددة طوال القصيدة، وتُعد من أخطر أدوات سعدي الساخرة، إذ تُترك اللغة الرسمية والإعلامية لتفضح نفسها بنفسها حين توضع في سياق مأساوي صريح.

تتسع هذه المفارقة حين يتجاوز مجال القصيدة حاج عمران إلى العراق بمدنه ومناطقه وذاكرته الحضارية بأسرها. يحدد العنوان نقطة انطلاق ضيقة، بينما يُظهر المتن اتساع الجرح، إذ تتصل القضية بمصير وطن كامل تتنازعه القوى، وتتراكم في أرضه آثار حروب متعاقبة لا تكف عن التكرار.. هكذا يؤدي العنوان وظيفة بنائية ودلالية معًا: يستدرج القارئ إلى توقع بعينه، ثم يضعه أمام تجربة تصدم ذلك التوقع، فيغدو فعل القراءة نفسه انتقالًا من صورة المكان المتخيلة إلى حقيقته المأزومة.

بنية الجرح في علامة ترقيم

أبرز الخصائص الأسلوبية لهذه القصيدة استخدام القوسين ( ). والسؤال هل هي دلالات على احتواء "مقاطع نثرية توثيقية" من اجل إحداث توترًا شعريًة؟ قد يبدو هذا صحيحًا، لكنه لا يكفي. الأهم هو وظيفة القوسين البصرية والدلالية معًا.

لاحظ كيف يستخدم الشاعر القوسين في نص القصيدة:

(كان المقتدرْ

كلما شاغبه العامةُ

أعطى جندَه الأموالَ

حتى أكلوه... (

القوسان هنا يحيطان مقطع كامل، لكنهما لا يُغلقان بشكل متماثل. الجملة تنتهي بثلاث نقاط بعد إغلاق القوس، وكأن المقطع، ينزلق خارج احتوائه. هذا ليس اختيارًا عابرًا: القوسان في الكتابة الوظيفية يرمزان إلى "معلومة إضافية" أو "استطراد ثانوي". لكن الشاعر يضع بينهما العمود الفقري التاريخي للقصيدة

"مقتل المقتدر، ثورة العامة، تفاصيل النهب والضرب".

النتيجة: القوسان لم يعودا علامة ترقيم محايدة، بل أصبحا، قفصًا بصريًا، يحبس التاريخ داخله. المفارقة أن التاريخ، بحكم طبيعته المتفلتة، يرفض الاحتواء، فينزلق خارج القوس عبر النقاط الثلاث. هذا هو، الجرح النحوي: التاريخ لا يُغلق، والقصيدة تعرف ذلك.

يتأكد هذا الاستخدام في المقطع الطويل الذي يوثق ثورة العامة في بغداد سنة 320 هـ، حيث يمتد القوس على مساحة نصية كبيرة، ثم يُغلق بصعوبة، وكأن الشاعر يحاول احتواء تاريخ من الفوضى والدم، فيفلت منه التاريخ في اللحظة الأخيرة. القوسان هنا ليسا مجرد حاوييّن، بل جسد نحوي للجرح: مفتوحان على التاريخ، عاجزان عن إغلاقه.

الفعل النحوي "يأتي" بوصفها آلية للزمن

الماضي يصبح حاضرًا في "يأتي" بصيغة المضارع.

" يأتي المقدونيون

تأتي قامةُ الإسكندرِ المُثلى

ويأتي الروس

يأتي البارازانيون

يأتي الإنجليزيّ

وتأتي طبقاتُ الأرض

يأتي الشاه

يأتي مدفعيونَ وضباطُ صواريخٍ.

ويأتي جنرالٌ من وراءِ البحرِ

تأتي امرأةٌ تبحثُ عن أبنائها.."

لنلاحظ البنية: كل جملة تبدأ بـ ("يأتي" أو "تأتي")، ثم فاعل مختلف. هذا توازٍ نحوي صارم، وفي علم الأسلوب يُسمى "التوازي النحوي"ووظيفته هنا ليست جمالية فقط، بل، إدراكية.. التوازي يخلق وعيًا بأن كل هؤلاء الغزاة، رغم اختلاف أسمائهم وأزمنتهم، يشغلون الخانة النحوية ذاتها.

الفرق بين "أتى" و"يأتي" ليس فرقًا زمنيًا فقط. "أتى" تعني: حدث وانتهى. "يأتي" تعني: حادث الآن، وأيضًا.. حادث دائمًا. وعندما يُكرَّر "يأتي"، "تأتي" في توازٍ نحوي صارم، فإن القارئ يعيش الزمن أثناء القراءة، لا فهمًا فقط.

هذا هو الفرق بين الشعر والفلسفة:

الفلسفة تخبرك بأن التاريخ دائري..

والشعر يجعلك تشعر بالدوران وأنت تقرأ.

ثم تأتي القائمة الحاسمة في نهاية القصيدة:

" مندلي

بعقوبة

بغداد...

في ترتيب هللينية العالم

كان الطالب الإسكندر المترع من كأس أرسطو

يمسح البلدان بالخيل وبالخمر

ويبني مدنًا يهدمها من بعده الرهبان والضباط والبدو

وكانت مندلي الدرب ...

و«أنا باز» زينوفون: كانت مندلي الدرب ...

وخيالة بوديوني: وكانت مندلي الدرب...

لاحظ التكرار الثلاثي لعبارة "كانت مندلي الدرب". هنا لم يعد الأمر توازيًا نحويًا فحسب، بل أصبح لازمة صارمة تعيد تثبيت المكان نفسه في ثلاث حقب مختلفة: الإسكندر، زينوفون، بوديوني.

المكان واحد (مندلي)..

والدرب واحد..

والغزاة مختلفون.

هذا هو القطع النحوي للتاريخ: الجملة نفسها تتكرر، والمحتوى التاريخي يتغير، فيتجسد الدوران في بنية اللغة ذاتها.

كما ويجدر هنا الانتباه إلى أن هذا التوازي النحوي ليس محايدًا أيديولوجيًا.

عندما يضع الشاعر "الإسكندر" و"زينوفون" و"بوديوني" في الخانة النحوية ذاتها، فإنه يساوي بينهم جميعًا بوصفهم غزاة:

الفرسان المقدونيون

والجنرال الروسي

والضابط الإنجليزي

كلهم "يأتون".

هذا التوازي هو الفعل السياسي للقصيدة:

إنه يرفض التمييز بين الغزاة،

ويرفض أسطورة "الغزو التحريري" أو "الغزو الحضاري"

تداخل المستويات اللغوية.. أربع طبقات

ان " الـتوتر بين الشعري والوثائقي"، هو ثنائي مبسط. لذا يجب التمعّن في النص الذي سيكشف لنا عن أربع طبقات لغوية متمايزة:

الطبقة الأولى: اللغة التاريخية الكلاسيكية

" ففي محرم انتهبوا دار الوزير واصطبلَهُ. وفي جمادى الأولى اجتمع أهلُ الثغورِ والجبالِ إلى دارِ السلطانِ واستنفروا الناسِ ببغدادَ..."

لاحظ استخدام "فـ" الاستئنافية، والبناء للمجهول، والمفردات الإدارية ("دار الوزير"، "اصطبل"، "الخراج"، "الثغور"). هذه محاكاة دقيقة لأسلوب النثر التاريخي العباسي: ابن الجوزي أو الطبري.

الشاعر لا "يقتبس" من التاريخ، بل يستنسخ لغته، بما فيها من جفاف وتقريرية.

الطبقة الثانية: اللغة الصحفية السياسية

" أعادت هذه الأرض التي كانت لنا بيتًا ولو يومًا، ممرًا للغزاة؟ فريسة أخرى؟ أكان عليك أن تجدي لكِ الرجل المريض ولو بأفدح ما وهبت؟"

الجملة قصيرة، استفهامية.. البنية أشبه بمقال افتتاحي.. لغة صحفية تتداخل مع الشعر لتخلق سخرية مريرة.. القضية التاريخية الكبرى تُصاغ بلغة العنوان الصحفي. ويظهر هذا أيضًا في عبارة:

"اشترت بغداد قفازاتها من دار أزياء بباريس"

جملة خبرية صحفية، لكنها تفضح ازدواجية النخبة.

الطبقة الثالثة: اللغة الغنائية-الحوارية

يا بلادًا بين نهرین

بلادًا بين سيفين

استخدام "يا" الندبة، والتكرار، والبنية القصيرة هذه لغة الرثاء العربي الكلاسيكي.. من المراثي الجاهلية إلى رثاء المدن في الأندلس. لكنها هنا ليست نقية: إنها ملوثة بلغة الطبقات الأخرى.

الطبقة الرابعة: اللغة اليومية الساخرة

"أي العرب الأعراب في "بواتييه" كانوا السلف الصالح؟

أي العرب الأغراب في تلك القرى - النسيان كانوا الاشتراكيين؟"

"الأعراب" هنا مفردة ساخرة، والتضافر مع اسم المدينة الفرنسية "بواتييه" (موقع معركة تاريخية بين العرب والفرنجة سنة 732م) يخلق اصطدامًا لغويًا بين العامي والرسمي، بين العربي والفرنسي. وينضم إلى هذه الطبقة السخرية من "الحاج خير الله طلفاح" بوصفه "المنظر الرسمي المعتمد في بغداد"، والنصيحة الساخرة للرئيس الفرنسي ميتران بأن "يقرأ قراءة متأنية" مؤلفاته الكاملة.

المهم: هذه الطبقات ليست متجاورة، بل متصادمة. وعندما تتصادم لغة الرثاء مع لغة النشرة الإخبارية، لا يبقى الرثاء نقيًا، ولا تبقى النشرة محايدة. الاصطدام نفسه هو الفعل السياسي للقصيدة: إنه يفضح استحالة الحديث عن هذا الجرح بلغة واحدة نظيفة. إنها تعددية لغوية تعكس تعددية الأصوات في العراق نفسه، الأصوات التي تتقاطع وتتصادم وتتنازع الرواية.

التكرار: بنية موشحية مكسورة

ان وصف قراءة "يا بلادًا بين نهرين / بلادًا بين سيفين" بأنها "لازمة جنائزية". دقيق، لكنه يتجاهل في الوقت ذاته الوظيفة البنائية للتكرار.

ماذا يظهر لنا تتبع مواضع هذا المقطع في القصيدة؟:

-  يظهر أولًا بعد مشهد الغزاة "يأتي المقدونيون..."

-  يظهر ثانيًا بعد مقطع "المقتدر" التاريخي

-  يظهر ثالثًا بصيغة موسعة: "بلادًا بين حاج عمران والبصرة / بين القتل والثورة"*

-  يظهر رابعًا قبل مقطع "لماذا حانة البحار"

-  يظهر خامسًا قبل السخرية من "ميتران"

-  يظهر سادسًا في مقاطع متفرقة لاحقة..

في كل مرة، يعمل هذا المقطع فاصلًا بنيويًا: يفصل بين مقطعين، ويربط بينهما في الوقت ذاته. هذا هو التقسيم الموشحي: (الذي هو شكل شعري أندلسي) يقوم على لازمة تتكرر بين الأدوار. لكن سعدي يكسره:

اللازمة هنا تتغير..  "بين نهرين وسيفين" تصبح "بين حاج عمران والبصرة"، ثم "بين القتل والثورة".

هذا التغيير في الثبات هو الاستعارة البنيوية للتاريخ الدوري: البنية واحدة (بلاد بين قطبين متصارعين)، لكن المحتوى يتغير (نهرين/سيفين، حاج عمران/البصرة، القتل/الثورة). الشكل نفسه يقول: الدورة ثابتة، الضحايا يتغيرون.

ويتأكد هذا الوصف عند النظر في مقاطع أخرى تتكرر بنفس البنية:

مندلي

بعقوبة

بغداد...

هذه اللازمة الثلاثية تظهر عدة مرات، وتعمل كـ "إيقاع ذاكراتي" يربط المقاطع، ويؤكد أن الجرح موزع على الجغرافيا بأسرها. أسماء المدن هنا لا تُستدعى كأسماء على خريطة محايدة، بل كـ "وحدات" في خريطة الوجع التاريخي الممتد. كل اسم يفتح نافذة على طبقة من التاريخ، أو يستحضر أثرًا من آثار الصراع، أو يربط الحاضر بماضٍ لم تنقطع تداعياته بعد.

الجغرافيا ذاكرة للعنف

تتأسس جغرافيا القصيدة على حركة مستمرة بين الأمكنة:

حاج عمران ومندلي وبعقوبة وبغداد والبصرة.

يقول الشاعر:

"بلادًا بين حاج عمران والبصرة

بين القتل والثورة، بين القتل والثورة"

هنا تنتقل الجغرافيا من تحديد المسافة بين مكانين إلى تحديد المسافة بين حالتين تاريخيتين ووجوديتين. ويؤدي تكرار عبارة "بين القتل والثورة" وظيفة إيقاعية ودلالية معًا، يجعل الصراع حاضرًا في بنية القول نفسها.

ان التكرار يعمل هنا بوصفه محاكاة لإلحاح تجربة يعجز الوعي عن تجاوزها، إذ تعيد عودة العبارة نفسها وضع القارئ أمام الجرح مرة بعد أخرى، وتمنع الحدث من الانغلاق داخل ماضٍ منتهٍ. وتتحول أسماء المدن إلى إيقاع ذاكراتي يربط المقاطع بعضها ببعض، ويؤكد أن الجرح موزع على الجغرافيا بأسرها لا محصور في بقعة بعينها.

دائرية الزمن ولا تاريخية العنف

يكمن الإنجاز الفكري الأعمق في رفض فكرة أن الحرب العراقية الإيرانية حدث استثنائي طارئ. فسعدي يبني قصيدته على أطروحة ضمنية:

أرض ما بين النهرين محكومة بلعنة التكرار، والغزاة يتعاقبون عليها بأسماء مختلفة وجوهر واحد.

مجسدًا هذا التصور بالجدول المقارن الذي يضعه في متن القصيدة:

الأمين/ المأمون

ابن حنبل/ المعتزلة

قره قوينلو/ آق قوينلو

عبد الكريم قاسم / عبد السلام عارف

الأيس/ الليس*

الاستخبارات الفرنسية/ البريطانية

صراعات دينية وسياسية وقبلية، قديمة وحديثة، مختلفة الأسماء، متطابقة البنية، تتقاسم استثمار الجغرافيا نفسها جيلًا بعد جيل. هذا الجدول تجسيد بصري للحتمية الدائرية:

صراعات مختلفة الأسماء، متطابقة البنية.

كما يضع الشاعر في مواجهة هذا الحضور المتصل سؤالًا وجوديًا موجعًا:

"وهل نقدر أن نُزرق في آجرّ عشتار نبيذًا كان في أحداق جلجامش؟

بما يعنيه من تساؤل عن إمكان استعادة نقاء الأسطورة الأولى بعد كل هذا الخراب.

حين يتحول الهجاء إلى أداة معرفة

يتعدى سعدي الرثاء التاريخي إلى توجيه سهامه نحو معاصريه. يسخر من الازدواجية الطبقية للنخبة العراقية

"اشترت بغداد قفازاتها من دار أزياء باريس"

في مقابل جوع العامة، ويستحضر شخصية الحاج خير الله طلفاح بصفته

"المنظر الرسمي المعتمد في بغداد"

بلهجة تهكمية موجهة إلى الرئيس الفرنسي ميتران. وساخرًا منه باعتباره أحد "الاشتراكي" الأوروبي الذي يحتفل ويصفق للصاروخ الفرنسي "أكزوسيت" وهو يمسحه بالشمبانيا جذلًا.

يبلغ الهجاء ذروته في لائحة "الحرس" الطويلة:

"حرس سويسري لماري أنطوانيت الذكية

وهي تحرس بيت مال المسلمين.

حرس فرنسي لمكة والمدينة

حرس أميركي لمن ورثوا بلاد النيل

حرس سعودي لبغداد الرهينة

حرس يهودي لبيروت التي استعصت على التفصيل

حرس على بيتي

حرس على صوتي

حرس على الخلجان

حرس على التيجان من «أبها» إلى «إفران»

حرس على رمل الجزيرة

حرس على كل المدارات التي تصل الجزيرة بالجزيرة

> حرس على كل المطارات القريبة والبعيدة

حرس على حبر الجريدة

حرس على سجني

حرس على السجان

حرس على الزهرة

حرس على تهويمة الخمرة

حرس على الغصن

حرس على وطني

حرس إلهي لعبد الله، من شرق الفرات إلى بلاد النيل

ماذا تبقى؟"

يخلق التكرار المتلاحق لعبارة "حرس على..." بنية إيقاعية تتسع تدريجيًا: تبدأ من البيت والصوت، ثم تمتد إلى الخلجان والتيجان والمطارات والجريدة والسجن والسجان والزهرة والغصن والوطن. ينقل هذا الاتساع الحراسة من وظيفتها الظاهرة بوصفها حماية إلى دلالة أكثر التباسًا: رمزًا للرقابة والإحاطة والسيطرة.

ويبلغ المقطع ذروته في سؤال قصير مفتوح:

"ماذا تبقى؟"

بعد أن امتدت الحراسة إلى البيت والصوت والوطن والطبيعة، يصير السؤال عن المتبقي سؤالًا عن مساحة الحرية ذاتها. لا يقدم النص جوابًا مباشرًا، ويترك القارئ أمام نتيجة تتولد من تراكم الصور نفسه.

الرمزية العميقة.. الجسد الأنثوي والأرض الجريحة

يستدعي الشاعر صورة المرأة والأرض بوصفها بنية رمزية مركزية:

"أنتِ البنتُ في تلك الجرار السومرية... أنتِ الماءُ والأسماء"

الأرض هنا كائن أنثوي محمل بالخصوبة والجمال والقداسة الأولى، تستحضرها صور الجرار والخزف والجداريات، وهي في الوقت ذاته "منهكة، مدماة"، مثخنة بالجراح، مستنزفة القوى. تُنتج هذه الازدواجية بين الجمال الأصلي والإنهاك الراهن.. مفارقة مأساوية عميقة:

الأرض التي وُلدت فيها الكتابة والحضارة والقانون، سومر وأوروك، هي ذاتها التي تحولت إلى ساحة قتل بالملايين.

ولا يفوت الشاعر الإشارة إلى بعد نسوي خاص حين يسأل:

"هل تحملها النسوة في أحشائهن؟ انتبهي يا وردة مسقية بالنهر والبحر"

في نداء يحمل قلقًا على استمرار دورة الحمل والولادة والفقد نفسها، جيلًا بعد جيل، في أرض لا تكف عن ابتلاع أبنائها. ويتصل حضور المرأة والأطفال في القصيدة بهذه الصورة الأنثوية اتصالًا وثيقًا، إذ تنقل التجربة من مستوى الصراع السياسي المجرد إلى مستوى الحياة اليومية المهددة في تفاصيلها الصغيرة.. المرأة التي تبحث عن أبنائها ("تأتي امرأةٌ تبحثُ عن أبنائها")، والأطفال الذين يظهرون في سياقات الحرب والذاكرة ("ماذا يفعل الأطفال في وروك؟").

علم نفس النسيان الجمعي

من أخطر ما تطرحه القصيدة تشخيصها آلية "النسيان" بوصفها وسيلة دفاع جمعي مأساوية:

"فالحربُ هنا منسيّةٌ

منسيّةُ الأعوامِ والقتلى

فمن يتذكر القتلى؟

ومن يتذكر الأعوام؟"

يفكك هذا المقطع كيف تتحول الكارثة الجماعية، حين تطول وتتكرر، إلى رقم مجرد بلا وجه ولا اسم. الضحايا

"الأسرى الذين استسلموا لله بالآلاف"

يُختزلون في إحصائية باردة، والمفارز العسكرية

"تقتاتُ بالمليون ممن قُتلوا"

وكأن الموت الجماعي غدا غذاء روتينيًا لآلة الحرب المستمرة.

هذا التبلد في الحس الجمعي هو ما يحاول الشاعر مقاومته بفعل الكتابة ذاته، إذ تصبح القصيدة وثيقة "استذكار مضادة للنسيان الرسمي"، فعلًا مقاومًا نفسيًا واجتماعيًا، يعيد للقتلى أسماءهم واحتجاجهم عبر لغة الشعر حين تعجز عن ذلك بيانات الإعلام الرسمي.

التناص والتعدد الصوتي

تستثمر القصيدة شبكة واسعة من الإحالات التاريخية والثقافية والسياسية. من أبرز مظاهر هذا التعدد إدراج مقطع منسوب إلى الشاعر الجنوب أفريقي دنيس بروتوس:

"لا أبطال لنا ولا حروب/ لنا، فقط، ضحايا حالة مقرفة/ يموتون بالقروح/ التي تتفتح تحت أمطار الحقد القاسية/ لا معارك لنا ولا أيام/ كي يسجلها التاريخ في ملحوظة بائخة..."

لا يأتي هذا الإدراج من باب الإطالة، بل يوسع أفق القصيدة، ويربط مأساة حاج عمران بمآسي الشعوب المقهورة في كل مكان، فيمنح النص بعدًا أمميًا إنسانيًا يتعدى حدوده القطرية الضيقة.

ان تتعدد الأصوات داخل القصيدة عبر النداء والاستفهام والاقتباس واستحضار الخطابات السياسية والعسكرية المتضاربة، يدفع النص الى الابتعاد عن الاعتماد في تشكله من صوت غنائي واحد مستقر، بل يتوزع بين أصوات عدة:

صوت يستعيد المكان، وصوت يحتج على السلطة، وأصوات تاريخية وثقافية تستدعيها الذاكرة، وأصوات ضحايا تظهر في هيئة جماعية تارة وعبر صور فردية تارة أخرى. يُنتج هذا التعدد بنية أقرب إلى اللوحة المركبة، تتجاور فيها الشهادة الحية والاحتجاج والتذكر والمساءلة.

المقطع الختامي.. الكأس الباقية والرحلة المفتوحة

يستعيد المقطع الختامي حاج عمران بوصفه مكانًا للذاكرة والتجربة، ويعود إلى صورة الكأس المتصلة بالسقاة وتبدلهم، بينما تبقى هي حاضرة في دورة تتكرر فصولها بلا انقطاع:

"غير أن الكأس باقية. سيختلفُ السقاة، وربما اقتتلوا. سيمضي واحد، ويجيء آخر... ثم آخر، غير أن الكأس باقية."

تختزل هذه العبارة مفارقة الاستمرار والتبدل: يتغير الأشخاص ويتعاقب السقاة، بينما تظل البنية التي تنتج المأساة قائمة على حالها. تكتسب الكأس دلالتها من سياقها المتصل بالانتظار والاقتتال وتبدل القوى، فتغدو صورة مكثفة لاستمرار الدورة التي تحاصر الإنسان جيلًا بعد جيل.

ثم يتجه النص إلى احتمالات الخلاص:

" فلنرتفع في الروح

عن يومنا المذبوح

ولنعترف مرة

بالدورة المرة

ولتبدأ الرحلة

من عتمة الليلة!"

تستمد هذه الخاتمة قوتها من التوتر بين "اليوم المذبوح" و"الارتفاع في الروح"، وبين الاعتراف بالدورة المرة والدعوة إلى بدء الرحلة.

لا يُقدَّم الخروج من الأزمة بوصفه انتصارًا محققًا، بل يُطرح بوصفه ضرورة تستدعي الاعتراف بحقيقة الواقع أولًا، ثم محاولة تجاوزه لاحقًا. تظل "عتمة الليلة" نقطة البداية الجديدة، بما تحمله من غموض ومشقة، وتفتح في الوقت نفسه أفق الحركة، فتنتهي القصيدة على عتبة انتقال لا على يقين نهائي.

لماذا يستحق هذا النص أن يُقرأ اليوم

قد يتصور القارئ أن نصًا كُتب سنة 1983 عن حرب بعينها استهلكه الزمن، غير أن عبقرية سعدي يوسف تكمن في كونه لم يكتب عن حرب واحدة، وإنما كتب عن "نمط الحرب" ذاته، عن كيفية تحول الأوطان الغنية بتاريخها إلى ساحات لتصفية حسابات الآخرين، وعن كيفية دفع الفقراء ثمن قرارات النخب، وعن تواطؤ القوى الكبرى، شرقًا وغربًا، على استثمار جراح الشعوب المفتوحة.

ان القيمة التربوية للنص تكمن في أفقها الذي يمنح القارئ أداة لفهم الحاضر عبر طبقاته التاريخية المتراكمة، ويوسع أفق مأساة حاج عمران من الخاص العراقي إلى العام الإنساني، حين يربطها بمآسي الشعوب المقهورة في كل مكان. ويحرضه على عدم النسيان!

موسوعية سعدي يوسف ولغته الشعرية

النص يمثل نموذجًا لما يمكن أن يُسمى "موسوعية سعدي يوسف الشعرية": أي قدرته على الجمع، في نص واحد، بين الأسطورة السومرية والتاريخ العباسي والجغرافيا السياسية المعاصرة والنقد الأدبي الذاتي والإحالة إلى شعراء عالميين معاصرين كدنيس بروتوس، من دون أن تتفكك وحدة النص أو ينهار الإيقاع الذي بُنيت عليه القصيدة.

هذه السعة المعرفية لا تتحول عند سعدي إلى تقعر أو استعراض ثقافي فارغ، لأنها تظل مشدودة دائمًا إلى لغته الشعرية المميزة، وعلى المستوى المعجمي، الذي يجمع في القصيدة بين جزالة المفردة الفصيحة العريقة (الأحقاد، الدرابزين، المقصورة) وسلاسة الجملة اليومية شبه النثرية. وعلى مستوى الصورة، التي تتجاور غنائية الصورة الرومانسية القديمة (الوردة، النهر، الأغصان) وقسوة المفردة الحربية الحديثة (الرشاش، الصاروخ، المدارات).

ان هذا المزج يمنح "قصيدة اليومي" عند سعدي يوسف قدرتها على الاقتراب من القارئ العادي من دون أن تفرط بعمق الرؤية الفكرية. وعلى المستوى الإيقاعي، يعمل التكرار بوصفه بديلًا عن الوزن التقليدي، فيمنح النص نبضًا داخليًا يشبه اللازمة الموسيقية. كما أن توظيف الجملة الاعتراضية بين قوسين يخلق إيقاعًا متقطعًا يحاكي تقطع الذاكرة ووقفات التأمل أمام الكارثة.

تقييم نقدي

تتجلى أبرز خصائص هذه القصيدة في قدرتها على وصل مستويات متباعدة من التجربة داخل بناء شعري واحد: تجمع التاريخ بالجغرافيا، والذاكرة بالحاضر، والصورة الشعرية بالتفاصيل السياسية والعسكرية. كما تبرز فاعلية التكرار بوصفه عنصرًا بنائيًا يربط المقاطع ويمنحها إيقاعًا احتجاجيًا متصاعدًا، كما يوسع استدعاء أسماء المدن والحضارات والشخصيات أفق القصيدة.

كذلك تمنح المقاطع التي تستحضر الضحايا والحراسة والتعذيب التجربة بعدها الإنساني والسياسي الكامل، فيما يتيح المقطع الختامي الانتقال من الاحتجاج إلى أفق الرجاء، من دون إلغاء ثقل المأساة المتراكمة.

غير أن كثافة الأسماء التاريخية والجغرافية والسياسية تجعل بعض المقاطع شديدة الاتكاء على معرفة القارئ بالسياقات التي تستدعيها، وتقتضي الانتقالات السريعة بين الأزمنة والأمكنة والخطابات قراءة متأنية لتتبع العلاقات التي تصل أجزاء النص بعضها ببعض، كما تنتمي هذه السمات إلى طبيعة المشروع الشعري نفسه، الذي يختار التعدد والتراكم وسيلة لتمثيل واقع مشظى، لا إلى قصور في البناء.

حين تصبح اللغة مسرحًا للتاريخ

حاولت في هذه القراءة كشف أن القوة الحقيقية لقصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" ليست في موضوعاتها: الحرب، الاحتلال، التاريخ بل في كيفية تحويل هذه الموضوعات إلى تجربة لغوية. سعدي لا يكتب عن التاريخ الدوري، بل يكتب بالطريقة التي تجعل التاريخ الدوري يُعاش في اللغة ذاتها. والقوس الذي لا يُغلق، والفعل الذي لا يمضي، واللازمة التي تتغير، والمستويات اللغوية التي تتصادم.. هذه ليست زخارف، انها آلات دقيقة لتصنيع الوعي التاريخي. وهنا تكمن راهنية النص: في زمن تتكرر فيه الحروب على الأرض ذاتها،

اننا لا نحتاج إلى من يخبرنا بأن التاريخ يعيد نفسه. نحن نحتاج إلى من يجعلنا نسمع إعادة الدوران في نبرة الجملة، ونرى الجرح في انحراف القوس، ونلمس الزمن في تكرار الفعل "يأتي"

ثم ان "حاج عمران" لا تبقى موضعًا جغرافيًا معزولًا في هذا النص، بل تتحول إلى نقطة تتقاطع عندها مسارات العراق التاريخية والسياسية والإنسانية كلها. وتتجلى الرؤية المركزية للنص في صورة البلاد الواقعة بين النهرين والسيفين، صورة تجمع إرث الحياة والحضارة إلى واقع الاقتتال، وتعري التوتر بين ما تمنحه الأرض من إمكانات وما تتعرض له من عنف متجدد.

فمن خلال استعادة المدن والضحايا والأصوات، تقاوم القصيدة اختزال المكان إلى ساحة عسكرية أو خبر عابر، وتعيد إليه كثافته الإنسانية والتاريخية كاملة، كما تتجاوز القصيدة بهذا حدود الإعلان الذي يوحي به عنوانها، لتقدم قراءة شعرية لأرض تتنازعها القوى، وذاكرة تقاوم المحو، وإنسان يبحث عن موضع آمن في تاريخ لم يكف عن امتحانه. وتبقى الرحلة التي تدعو إليها في ختامها مفتوحة، معلقة بين عتمة الواقع وإمكان الارتفاع في الروح.

**

طارق الحلفي

...............

ملاحظة توثيقية

اعتمدت في القراءة هذه على نص قصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" لسعدي، كما وردت في الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر، الجزء الثاني، الصفحات من 299 إلى 312/ والقصيدة مرفقة ادناهَ!

..................

إعلان سياحي عن "حاج عمران"*

للشاعر سعدي يوسف

مَقدونيون في منعطف النسيم

أو خيّالةٌ روسٌ يجرّون بغالًا

أو رعاةُ الماعزِ الماكرِ يمضون برشاشاتهم والجبنةِ البيضاء...

هل أشعلَها عبدُ السلام البارازاني كما يشعلُ عودَ التبغ؟

لا تتركُ راوندوزُ إلا حسرةً مدبوغةً بالجوز في الكفّينِ

أيُّ الشجراتِ استنطقتْ للنقشبنديين نجمَ القطبِ؟

*

يأتي المقدونيون

تأتي قامةُ الإسكندرِ المُثلى

ويأتي الروس

*

يأتي البارازانيون

يأتي الإنجليزيّ

وتأتي طبقاتُ الأرض

يأتي الشاه

يأتي مدفعيونَ وضباطُ صواريخٍ.

ويأتي جنرالٌ من وراءِ البحرِ

تأتي امرأةٌ تبحثُ عن أبنائها ....

(في هذه الزاويةِ - التيه من العالم صارت سُفنُ العالم أحجارًا، وفي الزاوية - التيهِ أقامَ المجلس القوميُّ للأحقاد بستانًا من الأحجارِ والبارودِ. برقٌ من وراءِ النهرِ. وردٌ من بخاري. سبحةٌ من «قم». وجهٌ أرمني.ٌّ هدأتْ أمواجُ «فانَ». ارتجف الناقوسُ في الهدأةِ. سريانٌ. يزيديون. عنفٌ تركمانيٌّ. وفلاحون من آشورَ. ما أحلى نبيذَ القريةِ. الأنصارُ في كهفٍ. وبوب دينار في الميراج ۲۰۰. (

*

يا بلادًا بين نهرین

بلادًا بين سيفين

بلادًا لم تكد تُعلنُ عن خارطةِ للضوءِ حتى انطفأتْ مئذنةُ القادمِ من سومرَ أو سورِ «الرَّها» ... أيةُ هللينيةٍ بيضاءَ - سمراءَ أقامت مشغلًا للخمرِ والفخارِ؟ من أولِ حاجِّ عمرانَ حتى أولِ البحرِ أقامت مدنًا ...

حين مات الإسكندر كانت ثلاثمائة بلدةٍ ومدينة في بلاد ما بين النهرين تحمل اسمَه). )

يا بلادًا بين نهرین

بلادًا بين سيفين

بلادًا مُرّةً، تافهة الحكّامِ...

(كان المقتدرْ

كلما شاغبه العامةُ

أعطى جندَه الأموالَ

حتى أكلوه) ...

ـ في سنة ٣٢٠ هـ قُتل المقتدرُ، إذ اشتدتْ ثورةُ العامة في بغدادَ.

ففي محرم انتهبوا دار الوزير واصطبلَهُ. وفي جمادى الأولى اجتمع أهلُ الثغورِ والجبالِ إلى دارِ السلطانِ واستنفروا الناسِ ببغدادَ، وذكروا ما ينالُهم من الدَيلمِ والرومِ، وأن الخَراجَ إنما يؤخذُ منهم ومن غيرِهم ليُصانَ به عامةُ الناس ويُدفعَ عدوهُم عنهم، فثارَ الناسُ معهم، وساروا إلى الجامعِ بمدينةِ المنصورِ، وكسروا درابزينَ المقصورةِ وأعوادَ المنبرِ، ومنعوا الخطبةِ وضربوا الخطيبِ لأنه يدعو لرجلٍ لا ينظرُ في أمورِ المسلمينَ قد اشتغلَ بالغناءِ والزنا عن النظرِ في أمورِ الحرمينِ والثغورِ. وفي جمادى الآخرة سوَّدَ الهاشميونَ وجوهَهُم، وانتشروا في الطرقِ يطالبونِ بأرزاقهم، وصاحوا: الجوعَ الجوعَ. واشتدَّ تهيجُ العامةِ، وحملوا أصنافَ الحديدِ -

يا بلاداً بين نهرین

بلاداً بين سيفين

ارتعى أعشابك الفجة أطفال «نصيبين». ونامت وردة الكلدان في قداسها المنسي ... هل تحملها النسوة في أحشائهن؟ انتبهي يا وردة مسقية بالنهر والبحر. أردنا مرةً أن نصبح التاريخ. لكنا انتظرنا ... ثم مر الصبح والتاريخ. مر الروم والديلم. بيزنطة أو مكة، والحلاج والحجاج من يوقظ في هذي السباخ الوردة

الأولى؟ وهل نقدر أن نزرق في اجر عشتار نبيذا كان في احداق

جلجامش؟

آه

يا بلاداً بين نهرین

بلاداً بين سيفين

بلاداً كلما استنفرت الأسلاف دقت طبلة الأجلاف ....

قوميون لم يستنطقوا التاريخ إلا في قطار الموت.

بعثيون في بحبوحة التعذيب يقتاتون بالمليون ممن قتلوا

) كان الشيوعيون معصوبين مشدودين كالموتى، وإذ تصحو مع الفجر المريض مفارز الإعدام تشتد الأغاني.

يا دماً في بابل: ما الفرق بين مفارز الأعوام والإعدام؟

لو كانت يدي كالجذر لاستوقفت ثيراني مجنحة، لأوقفت الغزاة مسمرين بسحر الهتي وأبنائي على أسوار أوروك...)

ولكن،

يا بلاداً بين نهرین

بلاداً بين سيفين

بلاداً بين حاج عمران والبصرة

بين القتل والثورة بين القتل والثورة

كانت ساعة التوقيت أمضى منكِ ... أمضى من رضا ساعاتك المائية. استسلمت للبدو الألى جاؤوا من الأطراف، من تلك القرى الملقاة بالحرف الكبير على خرائط عسكريي العالم القاسي. العواصم عبر بحر الروم كانت تحكم الساعات، والأجلاف يندفعون من تلك القرى المتوحشات إليكِ أنتِ البنت في تلك الجرار السومرية. أنتِ أنتِ النبتة الخزف الجميلة في الجداريات. أنتِ الماء والأسماء ... لكن العواصم أحكمت توقيتها ... وأتى البداة وأنت منهكة

مدماة

بلاد بين نهرین

بلاد بين سيفين

: لماذا

حانة البحار. خيل الموصل. ديانا. وحفريات آشور. ملوك «الحضر». السريان. شقلاوة باب الشيخ. شلالات بيخال. سماء المنتهى الزقورة. البردي في الأهوار. فهد. والعشائر. واللينينيون والطيار في الميغ. وأهل الكوفة. المنفي في «السلمان». والجندي في مقهى بسامراء. والعمال في الميناء -أمسوا كلهم في غابة للوحش؟

ماذا يفعل الأطفال في «أوروك»؟ ماذا يرتجي الكاهن؟

والعراف؟ والأسرى الذين استسلموا لله بالآلاف؟

والقتلى؟

أيأتون بلاداً بين نهرين

بلاداً بين سيفين؟

اقتنت أحجار كردستان ميكانزم تدمير الربيئة

لم تكن فيتنام بالجغرافيا. في سواره توكه كانت العربات وهي تحمل هاونات الفرقة العشرين تجهش كالبغال.

يقول جندي احتياط: لستُ أدري كيف لا يتمرد العرفاء؟

أمس استسلمت إحدى السرايا تحت جنح الليل.

اخرس أيها الجندي. واخرس أيها النخل الممزق بين خرمشهر والأهواز. صوتي عمة فقدت بنيها. طفلة

تختص في المنفى. وكردستان تنأى في مضائقها،

وتسألنا ديانا عن ديانا . . .

...

يا بلاداً بين نهرین

بلاداً بين سيفين

اشترت بغداد قفازاتها من دار أزياء بباريس.

ترى هل كان جاك شيراك %10% Monsieur؟

وهذا الاشتراكي الذي يمسح بالشمبانيا صاروخ أكزوسيت؟

أي العرب الأعراب في "بواتييه" كانوا السلف الصالح؟

أي العرب الأغراب في تلك القرى - النسيان كانوا الاشتراكيين؟

) إني أنصح السيد فرانسوا ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية بأن يقرأ قراءة متأنية - ولا بأس بأن يساعده ريجيس دوبريه - المؤلفات الكاملة للحاج خير الله طلفاح، المنظر الرسمي المعتمد في بغداد.)

يا بلاداً بين نهرین

بلاداً بين سيفين

أعادت هذه الأرض التي كانت لنا بيتاً ولو يوماً، ممراً للغزاة؟ فريسة أخرى؟ أكان عليك أن تجدي لكِ الرجل المريض ولو بأفدح ما وهبت؟

عليك يا أرضي السلام

عليك، يا أرض، السلام ...

*

"لا أبطال لنا ولا حروب/ لنا، فقط، ضحايا حالة مقرفة/

يموتون بالقروح/ التي تتفتح تحت أمطار الحقد القاسية/

لا معارك لنا ولا أيام/ كي يسجلها التاريخ في ملحوظة بائخة/

لنا، فقط أسرى يُقتلون في ليال عمياء/ وحوادث موت

في الظلام/ ولكن حين تقترب الساعة/ وننادي أولئك الذين ماتوا

في سبيل أرضنا/ فإن هؤلاء الذين هم بلا أسماء/ ولا أسلحة/

سيقفون مع المقاتلين الذين يحققون الظفر الأخير".

دنیس بروتوس

شاعر من جنوب أفريقيا

*

مندلي

بعقوبة

بغداد. ...

في ترتيب هللينية العالم

كان الطالب الإسكندر المترع من كأس أرسطو

يمسح البلدان بالخيل وبالخمر

ويبني مدناً يهدمها من بعده الرهبان والضباط والبدو

وكانت مندلي الدرب ...

و «أنا باز» زينوفون: كانت مندلي الدرب ...

وخيالة بوديوني: وكانت مندلي الدرب...

* قره قوینلو | عبد الكريم قاسم / عبد السلام عارف | الأيس

* آق قوینلو  | الأمين / المأمون | ابن حنبل / المعتزلي

| الاستخبارات الفرنسية الاستخبارات البريطانية | الليس

*

فرس وأتراك. وأتراك وأتراك. مماليك وأجناد بويهيون.

أعراب لهذا أو لهذا. سُنَّةٌ. صابئة. شيعة آل البيت.

عيارون. كلدان. نساطرة. ملاحدة. بهائيون. عُبّاد شموس.

وحروريون . . .

والإسكندر المترع من كأس أرسطو جاءنا من مندلي يوماً وخيالة بوديوني

و" أنا باز» زينوفون.

*

هولاكو أتى أيضاً ....

مندلي

بعقوبة

بغداد.

*

قد يعترض الضباط في الأركان. فالطائرة السمتية، الروسية الآن،

تغطي حاج عمران، وبشت آشان ... تغطي مندلي. تبلغ مهران.

وهذي الحرب ليست كحروب الزمن الغابر

فالحرب هنا منسية

منسية الأعوام والقتلى

فمن يتذكر القتلى؟

ومن يتذكر الأعوام؟

والضباط في الأركان: نحن هنا نحارب في بلاد لم تكن يوماً لنا.

بيرمام أم تركيت؟

فليحترق شجر الأخامص

وليحترق ماء المسيل

تكريت باقية

وبغداد السبيل.

*

مندلي

بعقوبة

بغداد...

والأوراق تدخل في مهازلها

وبغداد القتيل هي القتيل

*

حرس سويسري لماري أنطوانيت الذكية

وهي تحرس بيت مال المسلمين.

حرس فرنسي لمكة والمدينة

حرس أميركي لمن ورثوا بلاد النيل

حرس سعودي لبغداد الرهينة

حرس يهودي لبيروت التي استعصت على التفصيل

حرس على بيتي

حرس على صوتي

حرس على الخلجان

حرس على التيجان من «أبها» إلى «إفران»

حرس على رمل الجزيرة

حرس على كل المدارات التي تصل الجزيرة بالجزيرة

حرس على كل المطارات القريبة والبعيدة

حرس على حبر الجريدة

حرس على سجني

حرس على السجان

حرس على الزهرة

حرس على تهويمة الخمرة

حرس على الغصن

حرس على وطني

حرس إلهي لعبد الله، من شرق الفرات إلى بلاد النيل

ماذا تبقى؟

*

ربما في «حاج عمران سألنا بعضنا عن كأسنا، هذي الذي نحن

مبتدئين كم كان المغني خافتا يتطاول البردي ... والرشاش منكفئ، وتلتز الصخور ولا بنادق. نحن سلمنا لحانا (مجد آشور) إلى من ليس يعرف كيف ينتفُها. وعلّمناه. علمناه كيف يكون سيافاً. وقلنا للصديق الكذبة السوداء. نحن الآن ننتظر انتهاء حماقة الكأس العجيبة. ربما في «حاج عمران عرفنا أن هذي الكأس باقية. سيختلفُ السقاة، وربما اقتتلوا. سيمضي واحد، ويجيء آخر ... ثم آخر، غير أن الكأس باقية. ومن يدري؟ لعل قيامة أخرى ستعتقنا من التسآل.

من يدري؟ لعل تعادلاً من دوننا) يقضي بإيقاف الوباء . . .

ونحن؟ متقدون بالأسلاف نحن، مهيأون لوردة في الروح، كشافون مكشوفون، جوابو معابر. ...

غير أن الأرض أفدح

أن عبء النيزك المنقض أفدح،

أن كل رصاصنا في هذه الأيام أضأل من رصاصة بندقيتنا القديمة.

فلنرتفع في الروح

عن يومنا المذبوح

ولنعترف مرة

بالدورة المرة

ولتبدأ الرحلة

من عتمة الليلة!

***

أديس أبابا، ۱۹/۸/۱۹۸۳

.......................

* «حاج عمران» منطقة في كردستان العراق احتلتها القوات الإيرانية مؤخراً.

لقصيدة "وطَن المَكارِم: للشاعر الدكتور صالح الفهدي

تمثل هذه القصيدة تجربة غنائية وجدانية تتجاوز التعبير المباشر عن حب الوطن، لتعيد تشكيل مفهوم الوطنية بوصفه حالة روحية عميقة تتداخل فيها مشاعر الانتماء والحنين والفخر والوفاء، حتى يغدو الوطن في وجدان الشاعر أكثر من حيز جغرافي أو موطن للإقامة؛ إنه كيان روحي تتصل به الذات اتصالًا وجوديًا، وتستمد منه معناها وطمأنينتها وخصوبتها الداخلية. ومن هنا تتأسس التجربة الشعرية على حركة متنامية تبدأ من تمجيد الوطن والاعتزاز بمناقبه وإبائه، ثم تنتقل إلى استحضار تجربة الغربة والترحال، قبل أن تنتهي إلى ذروة من التماهي الوجداني بين الذات والوطن، حيث يتحول الوطن من مكان يسكنه الإنسان إلى حضور يسكن الإنسان نفسه.

وتتضافر في بناء هذه التجربة عناصر موسيقية ودلالية وبلاغية تجعل النص وحدة فنية متماسكة؛ فالموسيقى الخارجية بما تتيحه من انتظام وزخم إيقاعي، والموسيقى الداخلية بما تقوم عليه من تكرار وتناغم صوتي، لا تأتي منفصلة عن التجربة الشعورية، وإنما تتحول إلى وسيلة لتجسيدها وإبراز درجاتها المختلفة ، ويبدو امتداد التفعيلات منسجمًا مع اتساع التجربة الشعورية لدى الشاعر، فلا تصبح الأبيات مجرد عبارات تقريرية عن الوطن، وإنما تتدفق في إيقاع متأنٍّ يمنح المعنى شيئًا من الجلال والرسوخ.

ويتكامل الإيقاع الخارجي مع القافية التي ينتظم بها النص، ولا سيما حرف الباء المكسورة في أواخر الأبيات، وهو روي يمنح القصيدة نغمة خاصة تتراوح بين القوة واللين. فالباء بما فيها من جرس واضح، مع الكسرة التي تستقر عليها، لا تنتج نغمة صاخبة بقدر ما تمنح القافية امتدادًا وجدانيًا يميل إلى الشجن والحنين. ومن ثم فإن الموسيقى هنا لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل تسهم في تشكيل الحالة النفسية للنص؛ إذ يلتقي جلال الموضوع الوطني بنبرة داخلية حميمة، فيبدو الفخر ممزوجًا بالحنين، والاعتزاز متداخلًا مع إحساس عميق بالارتباط الروحي بالمكان.

أما الإيقاع الداخلي فيتولد من مجموعة من الوسائل التي تجعل النص أكثر تماسكًا من الناحية الصوتية والدلالية، وفي مقدمتها التكرار. فتكرار الألفاظ ذات الحمولة الشعورية، مثل (وطن)، وتكرار صفة (خضراء) في قول الشاعر: (ففي ترابك نبتة خضراء / خضراء تحيا دون قطر)، لا يقتصر أثره على التأكيد، وإنما يؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية في آن واحد. فإعادة اللفظة تجعل الصورة أكثر رسوخًا في الذاكرة، وتمنحها زمنًا إضافيًا للتأمل، كما أن تكرار (خضراء) يوحي بإصرار الحياة على الحضور والتجدد، ويجعل الخضرة علامة رمزية على استمرار العلاقة بين الذات والوطن. ويظهر الأمر نفسه في تكرار اسم الإشارة، إذ يتحول التكرار إلى نوع من الترجيع الموسيقي الذي يوازي إصرار الذات على تثبيت حضور الوطن في الوجدان.

وتسهم الأصوات المتكررة في عدد من المفردات، ولا سيما أصوات الهمس والصفير، في تشكيل نسيج صوتي يتناسب مع بعض الصور التي يستدعيها النص، كصور الخضرة والتراب والارتواء والامتداد في الفيافي والسباسب. فالتجانس الصوتي بين مفردات مثل (السوداء) و(السباسب) و(الفدافد) لا ينفصل عن الدلالة، إذ تمنح هذه الأصوات النص حفيفًا داخليًا يخفف من صرامة الإيقاع الخارجي، ويقربه من طبيعة التجربة الوجدانية التي تقوم على المناجاة والتذكر واستحضار المكان.

ومن الناحية الدلالية، يقوم النص على شبكة من الحقول المعجمية المتداخلة التي تكشف عن تطور الرؤية الشعرية. فهناك حقل يرتبط بالقداسة والسمو، تتجاور فيه ألفاظ مثل (العلا) و(المناقب) و(الإباء) و(الشمس) و(قبلتك) و(قدست) و(محراب) و(طهر)، وحقل آخر يرتبط بالحياة والخصوبة، ويتجسد في ألفاظ (نبتة) و(خضراء) و(ترتوي) و(السكب) و(الثرى)، إلى جانب حقل الاغتراب والترحال الذي تستدعيه مفردات مثل (رحلت) و(حقائبي) و(فدافد) و(سباسب). ولا تعمل هذه الحقول منفردة، وإنما تتفاعل فيما بينها لتكوين رؤية واحدة تجعل الوطن مصدرًا للحياة والخصوبة والسمو، في مقابل عالم الغربة بما يحمله من مسافات وجفاف وافتقاد.

ويبدأ المسار الدلالي من إحساس واضح بالشموخ والتحدي، حيث يقدم الشاعر وطنه في صورة كيان أبيّ عصيّ على الانكسار، كما في قوله: (تحيا أبيًّا رغم أنف اللاعب). فالوطن هنا ليس موضوعًا للمديح فحسب، بل ذات فاعلة تمتلك القدرة على مقاومة العابثين والمحافظة على كرامتها. ويتعزز هذا المعنى باستدعاء صور العلو والضياء، بحيث يصبح الوطن مصدرًا للرفعة والنور، ويغدو ارتباط الشاعر به تعبيرًا عن اعتزاز يتجاوز حدود العاطفة الفردية.

غير أن القصيدة لا تستقر عند مستوى الفخر، بل تنتقل إلى تجربة أكثر خصوصية حين تستحضر الغربة والترحال. فالحقائب والأسفار والمسافات تبدو في ظاهرها علامات على الابتعاد عن الوطن، لكنها في العمق تكشف عن عجز الجسد عن الانفصال عن المكان الذي استقر في الروح. وهنا تتجلى أكثر صور القصيدة دلالة في تشبيه الفؤاد بالنبتة الخضراء التي تنبت في تراب الوطن وتحيا منه. فحين يقول الشاعر: (الفؤاد في ترابك نبتة خضراء)، فإنه يحول القلب من عضو مادي إلى كائن حي متجذر في الأرض، ويجعل التراب مصدرًا لبقائه ونمائه. وتزداد الصورة عمقًا حين تقترن بفكرة الارتواء؛ فالوطن لا يمثل مكانًا يقيم فيه الشاعر، وإنما مصدرًا للحياة الروحية التي يستمد منها وجوده.

ومن هنا تتجاوز دلالة الغربة معناها الجغرافي لتصبح مفارقة بين حضور الجسد وغياب المكان، وحضور الوطن في الروح رغم غياب الجسد عنه. فالحقائب يمكن أن تحملها الذات بعيدًا، لكن القلب لا يستطيع أن يحمل الوطن بالطريقة نفسها؛ لأنه متجذر فيه. ولذلك تبدو المسافة الجغرافية عاجزة عن إنتاج اغتراب حقيقي، ما دام الانتماء قد أصبح جزءًا من تكوين الذات. وهذه الرؤية تمنح القصيدة بعدًا وجدانيًا يتجاوز الخطاب الوطني المباشر، لأنها تجعل الوطن علاقة داخلية لا تتوقف على القرب المكاني.

وتبلغ هذه الدلالة ذروتها عندما يستدعي الشاعر مفردات ذات حمولة دينية وروحية، مثل (قبلتك) و(محراب) و(قدست) و(يممت). فهذه المفردات تنقل العلاقة بالوطن من المستوى الاجتماعي والسياسي إلى مستوى رمزي شديد الكثافة، إذ يصبح الوطن قبلة تتجه إليها الروح، ومحرابًا تتجلى فيه أسمى معاني الوفاء والانتماء. ولا ينبغي فهم هذه المفردات بوصفها مجرد زخرفة لغوية، وإنما باعتبارها جزءًا من استراتيجية شعرية تسعى إلى التعبير عن شدة التعلق بالمكان من خلال معجم القداسة. وبذلك يصبح حب الوطن في النص تجربة شبه روحية، ترتبط بالطهر والوفاء والإخلاص، لا بمجرد الشعارات أو العبارات المباشرة.

أما على مستوى علم المعاني، فتظهر قيمة الأساليب التركيبية في توجيه الدلالة وتعميق الانفعال. ويمنح حذف أداة النداء في مثل تركيب (وطن المكارم) إحساسًا بالقرب الوجداني، وكأن الشاعر لا يخاطب مكانًا بعيدًا، وإنما يتوجه إلى كيان حاضر في أعماقه. كما يؤدي القسم، في مثل قوله (وحياة روحك)، وظيفة توكيدية تتجاوز مجرد الإثبات، لأنه يكشف عن درجة عالية من الانفعال والتعظيم. كذلك يأتي الاستفهام في نحو (أي أرض تفتدى إلا حياضك) في سياق إنكاري يؤكد اختصاص الوطن بالتضحية والفداء في رؤية الشاعر، فيصبح الاستفهام وسيلة لإقرار المعنى لا لطلب الجواب.

وتكمن القيمة الجمالية للتجربة في أن الشاعر لا يقدم وطنيته في صورة خطاب مباشر قائم على الشعارات، وإنما يحولها إلى تجربة شعرية تتكامل فيها الموسيقى مع الصورة، ويتداخل فيها الواقعي بالرمزي، ويتحول المكان إلى كيان روحي. فالوطن في هذه القصيدة ليس مجرد أرض، وإنما ذاكرة وكرامة وهوية ومصدر للحياة. ومن هنا يصبح حضور مفردات القداسة والخضرة والارتواء والإباء جزءًا من منظومة رمزية واحدة، تجعل الانتماء فعلًا داخليًا متجذرًا لا يتأثر بتغير المكان أو امتداد المسافات.

وبذلك تنجح القصيدة في بناء تجربة وطنية ذات بعد وجداني عميق، تجمع بين فخامة الإيقاع الكلاسيكي وشفافية الصورة الشعرية، وتستثمر الطاقة البلاغية في تحويل الوطن من مفهوم مجرد إلى كيان حي يتنفس في وجدان الشاعر. ويظل أكثر ما يميز هذه التجربة هو ذلك التماهي المتدرج بين الذات والوطن ، وبذلك تنتقل العلاقة من مجرد الانتماء إلى نوع من الحلول الوجداني الذي تصبح فيه الأرض جزءًا من تكوين الإنسان، ويغدو حبها صورة من صور الوفاء للذات والذاكرة والوجود.

***

دكتور: جمال فودة - أستاذ النقد والبلاغة

........................

وَطَنَ الْمَكَارِمِ مِنْ عُلًا وَمَنَاقِبِ

تَحْيَا أَبِيًّا رَغْمَ أَنْفِ اللَّاعِبِ

أَنْتَ الْإِبَاءُ الآهِلُ الشَّمْسَ الَّتِي

ضَاءَتْ أَدِيمَ مَشَارِقٍ وَمَغَارِبِ

وَحَيَاةِ رُوحِكَ! أَيُّ أَرْضٍ تُفْتَدَى

إِلَّا حِيَاضُكَ؛ ذَاكَ أَدْنَى وَاجِبِ

عَلَّمْتَنِي مَعْنَى الْوَفَاءِ، فَكُنْتَ مَنْ

أَغْنَى الْوَفَاءَ بِجُودِ كَفِّ الْوَاهِبِ

يَا مَوْطِنِي، إِنِّي عَشِقْتُكَ مَنْزِلًا

أَنَّى رَحَلْتُ؛ فَتِلْكَ تِلْكَ حَقَائِبِي

أَمَّا الفُؤَادُ فَفِي تُرَابِكَ نَبْتَةٌ

خَضْرَاءُ فَوْقَ فَدَافِدٍ وَسَبَاسِبِ

خَضْرَاءُ تَحْيَا دُونَ قَطْرٍ تَرْتَوِي

مِنْ سَكْبِهِ، فَثَرَاكَ لَيْسَ بِنَاضِبِ

يَمَّمْتُ وَجْهِي نَحْوَ قِبْلَتِكَ الَّتِي

قَدَّسْتُ إِخْلَاصِي بِهَا وَمَآرِبِي

آمَنْتُ أَنِّي لَا أَعِيشُ كَمَا أَنَا

أَهْوَى، وَتَزْهُو فِي سَمَاكَ مَوَاهِبِي

إِلَّا بِأَنْ أَثْوِي بِمِحْرَابِ الْهَوَى

فِي طُهْرِ أَرْضِكَ بَيْنَ أُنْسِ حَبَائِبِي

وَبِأَنْ أَعِيشَكَ هَامَةً لَا تَنْثَنِي

أَبَدَ الْأَوَابِدِ، عِزَّةً لِلْجَانِبِ

إِنِّي أَنَا الْوَطَنُ الَّذِي سَاكَنْتَهُ

رُوحِي؛ فَأَصْبَحَ سُؤْدُدِي الْمُتَعَاقِبِ

***

د. صالح الفهدي

 

قراءة نقدية في قصيدة "قبلة على جبين الحاقد" للشاعر المغربي عبد الرحيم هري

تقديم: بين أيدينا قصيدة "قبلة على جبين الحاقد" للشاعر المغربي عبد الرحيم هري، محمولة على شعرية مفارقة عنوانية تستدعي منذ العتبة الأولى شبكةً من الأسئلة حول علاقة الذات بالآخر، وحول إمكان تحويل العداء إلى فعل شعري يتجاوز منطق المواجهة المباشرة، فالقبلة، بما تحمله من دلالات المودة والقرب والاعتراف، تقترن هنا بـ"الحاقد"، بما يحيل إليه اللفظ من كراهية ورفض وإقصاء، ومن ثم لا تبدو "القبلة" مجرد صورة عاطفية، بل تتحول إلى علامة شعرية مضادة للحقد، وإلى فعل رمزي يمكن تأويله باعتباره تحديا للآخر، أو تساميا عليه، أو انتصارا أخلاقيا على منطقه العدائي.

وهذا ما يجعل العنوان، في ضوء تصور "جيرار جنيت" للعتبات، عتبة مولدة للتأويل، لا مجرد تسمية للنص، إذ إن المفارقة بين "القبلة" و"الحاقد" تؤسس منذ البداية للتوتر الذي ستتحرك داخله القصيدة كلها.

من هذه العتبة تنفتح القصيدة على ذات شعرية تعيش محنة الشتات والإقصاء، لكنها لا تستسلم للسكون أو الانطفاء، وإنما تختار الحركة، ولذلك يأتي المطلع بهذه الدفقة الشعرية:

(بخطى

وئيدة أمشي

أقارع محنة الشتات)

ليؤسس منذ البداية لفعل مركزي سيظل يحكم حركة النص حتى خاتمته بمتوالية المشي... "أمشي".

إن المشي هنا ليس حركة جسدية فحسب، وإنما هو استعارة للوجود ذاته، فالذات تمشي لأنها ترفض التوقف، وتتحرك لأنها ترفض أن يتحول الشتات إلى قدر نهائي.

وتتأكد هذه الدلالة من خلال الحضور الكثيف لأفعال المتكلم (أمشي، أقارع، أغترف، أهبط، أزفها، أدثر، أرتل، أكنس، سأرحل، سأورق، أملأ، أحول، أمتهن، أمسح، أنتشي، أطهر، ألامس، أسبح، أبقى)، ف"الأنا" هنا ليست ذاتا متلقية للأحداث، وإنما هي ذات فاعلة تحاول أن تعيد تشكيل علاقتها بالعالم عبر الفعل واللغة.

ومن منظور شعريات قصيدة النثر، يمثل هذا الفعل الحركي أحد مصادر الوحدة العضوية للنص، فالقصيدة لا تحتاج إلى حكاية مكتملة أو حبكة سردية تقليدية كي تنتج حركتها، وإنما تجعل من حركة الوعي، وانتقال الذات بين الحالات النفسية والدلالية، بديلا من الحبكة الخارجية.

من محنة الشتات إلى بناء الذات تتحرك الذات في فضاء دلالي مفعم بالانكسار والاضطراب، ويتشكل هذا الفضاء من معجم دال على القهر والتهميش والصراع (الشتات، الغاضبين، الخانعين، القهر، النسيان، الغياب، الحتف، الدمار، الإقصاء، الحسام، النحر، القبح، التفاهة، الخيبة، العار)، غير أن القصيدة لا تستسلم لدفق هذا المعجم، وإنما تضع في مواجهته معجما آخر يقوم على الصبح والخصب والإنبات والتجدد (بسمة الصبح، الحياة، المجد، غيم، المياه، خصب، الأنجم، الورق).

وبذلك يتشكل داخل القصيدة صراع دلالي بين عالمين: عالم الانطفاء وعالم الانبعاث، عالم القهر وعالم المقاومة، عالم الغياب وعالم استعادة الذات.

ولعل أبرز تجليات هذا الصراع تتجسد في قول الشاعر:

(غدا سأرحل

غدا سأورق)

فالرحيل في ظاهره فعل مغادرة وغياب، لكن الشاعر يقابله بفعل ولادة أدونيسية عنقائية جديدة: "سأورق"، وهو فعل ينتمي إلى معجم النبات والولادة، وهنا تنقلب دلالة الرحيل من النهاية إلى البداية، ومن الموت الرمزي إلى إمكانية التجدد.

إن "الغد" لا يمثل مجرد زمن مستقبلي، بل يتحول إلى فضاء احتمالي تستطيع فيه الذات أن تستعيد قدرتها على الإنبات، ومن ثم فإن الزمن الشعري في القصيدة ليس زمنا خطيا كرونولوجيا، وإنما زمن نفسي وجودي، ينتقل من "عنوسة الوقت" ومن "اللحن الذي شاخ"، إلى فضاء "الغد" بوصفه وعدا بالتحول.

الزمن بين العنوسة والإنبات

يشتغل النص على تشخيص الزمن ومنحه صفات بشرية: "وأهبط صوب عنوسة الوقت"، فالوقت لا يعنس بالمعنى الواقعي، وإنما يتحول إلى كائن يعاني العقم والتعطل، وهذا ما يتعزز بصورة أخرى: "على لحن شاخ في مهد الأوهام"، حيث تجتمع هنا مفردات تنتمي إلى حقول متنوعة (اللحن، الشيخوخة، المهد، الأوهام)، لتنتج صورة مركبة تجعل الشيء يولد في "مهد»"، لكنه يشيب داخله في الوقت نفسه.

إنها مفارقة زمنية عميقة... الولادة والشيخوخة تحدثان داخل الحيز نفسه، وكأن الشاعر يقول: إن بعض الأحلام تولد وهي تحمل بذور شيخوختها، وأن الزمن الذي كان يفترض أن يكون فضاء للنمو قد تحول إلى فضاء للتعطيل.

لكن القصيدة ترفض الاستقرار في هذه العتمة الزمنية، وتفتح نافذة "الغد": (غدا سأرحل، غدا سأورق، غدا أملأ السماء غيما)، فيتحول المستقبل إلى قوة مضادة لزمن العطب.

المعجم الشعري وتحويل الواقع

تتميز القصيدة بكثافة معجمية واضحة، غير أن أهميتها لا تكمن في كثرة المفردات وحدها، وإنما في طريقة تركيبها داخل حقول متباعدة.

فهناك معجم الحرب والصراع: (الحاقد، القهر، الغاضبين، الخانعين، الحسام، النحر، الإقصاء، الدمار)، يقابله معجم الطبيعة والخصب (الصبح، السماء، الغيم، المياه، الخصب، الموج، البراكين، الأنجم)، ويتقاطع معه معجم اللغة والكتابة (أرتل، صلواتي، لغات، الكلام، التهجي).

وهذا التداخل بين الحقول هو الذي يمنح الصورة الشعرية طاقتها التحويلية. فالشاعر لا يصف الواقع وصفا مباشرا، وإنما يعيد بناءه من خلال علاقات مجازية جديدة حين يقول:

(أكنس مطايا

دمرتها لغات القهر

وعطر النسيان)

فإن "لغات القهر" لا تعود لغة بالمعنى المحايد، بل تتحول إلى قوة تدميرية... اللغة هنا يمكن أن تكون خطابا اجتماعيا أو ثقافيا أو سلطويا يمارس الإقصاء والتهميش، ولذلك تصبح القصيدة، في مقابلها، محاولة لإنتاج لغة أخرى.

شعرية المفارقة

المفارقة إحدى أكثر الآليات حضورا في النص، وهي لا تقتصر على العنوان، بل تنتشر في البنية كلها فثمة مداخل معجمية تقابلية دالة، منها (قبلة/حقد)، و(غياب/قبلة)، و(رحيل/ورق)، و(عنوسة/مجد)، و(شيخوخة/مهد)، و(دمار/خصب)، و(إقصاء/كلام)، و(قبح/تطهير).

هذه التقابلات الثنائية الضدية لا تؤدي وظيفة بلاغية زخرفية، وإنما تخلق توترا دلاليا يجعل القارئ مضطرا إلى إعادة بناء العلاقات بين المفردات، وتتجلى هذه المفارقة بأوضح صورها في قول الشاعر:

(كم هي لذيذة قبلة الغياب

كم هي شهية لغة العتاب)

فالغياب - في التجربة العادية - ليس موضوعا للذة، والعتاب ليس عادة من مفردات الشهية، لكن الشاعر يخلخل العلاقة المألوفة بين الأشياء، ويمنح المجرد صفات محسوسة، فتتحول "القبلة" إلى طعم، و"اللغة" إلى مذاق، وهنا تتأسس الشعرية من خلال ما يمكن تسميته الانزياح الحسي؛ إذ تنتقل المفردة من مجالها الأصلي إلى مجال حسي جديد.

الصورة الشعرية وإعادة بناء العالم

لا تعتمد الصور في النص على التشبيه المباشر، وإنما على التشخيص والاستعارة والتحويل الدلالي، ومن ذلك تعبير الشاعر: "عنوسة الوقت"، وتعبير "لحن شاخ في مهد الأوهام"، وتعبير "أطهر عري الزمان"، وتعبير "أملأ السماء غيما"، وتعبير "أسبح في براكين الأنجم والهباب.

إن هذه الصور تخلق عالما شعريا لا يعود فيه الزمن مجرد زمن، ولا السماء مجرد سماء، ولا البركان مجرد ظاهرة طبيعية. كل شيء يصبح قابلا لإعادة التشكل بواسطة اللغة.

وهنا يمكن استحضار تصور الشعرية الحديثة للصورة باعتبارها إنتاجا لعلاقة جديدة بين الكلمات والأشياء، لا مجرد تزيين للمعنى السابق، فالصورة لا تأتي بعد المعنى لتجميله، وإنما تسهم في إنتاج المعنى نفسه.

الإيقاع الداخلي: حين يعوض التكرار غياب الوزن

لا تعتمد القصيدة على الوزن الخليلي أو القافية الموحدة، لكنها لا تخلو من الإيقاع؛ بل إن الإيقاع ينتقل من الخارج إلى الداخل، ويتولد هذا الإيقاع من التكرار والتوازي والتقطيع والتعداد، فاللازمة:

(بخطى

وئيدة أمشي)

تظهر في البداية، ثم تعود في الخاتمة:

(وأبقى وحدي أمشي

بخطى وئيدة أمشي)

وهذا التكرار يمنح النص بنية إيقاعية دائرية، لكنه لا يعيد العبارة بالوظيفة نفسها، ففي البداية تبدو الذات وهي تمشي داخل محنة الشتات، أما في النهاية فهي تمشي وقد وصلت إلى "حياض التهجي".

كما يتولد الإيقاع من التوازي فيقول الشاعر:

(غدا سأرحل

غدا سأورق

غدا

أملأ السماء غيما)

ومن التعداد قوله: (الحالمين / الواهمين / الخانعين).

ومن التكرار التركيبي قوله: (كم هي شفيفة... / كم هي لذيذة... / كم هي شهية...).

وهذه الآليات تحقق أحد أهم شروط قصيدة النثر كما صاغتها سوزان برنار: (أن يكون للنص إيقاعه العضوي الخاص الذي لا يستمد شعريته من الوزن وحده".

ومن هنا ينبغي التأكيد على أن غياب الوزن لا يعني غياب الإيقاع، فالقصيدة تبني موسيقاها عبر (التكرار، التوازي، التنغيم، التقطيع السطري، التقابل، التجاور الصوتي والدلالي).

من السرد إلى الشعر

تستثمر القصيدة عددا من المكونات السردية: (أنا، آخر، زمن، حركة، صراع، تحول، مستقبل)، غير أنها لا تتحول بذلك إلى قصة شعرية بالمعنى المباشر، لأن الشاعر لا يهتم بسرد ما حدث بقدر اهتمامه بتجسيد ما يحدث داخل الذات.

إننا أمام مسار داخلي يمكن صياغته على النحو الآتي: (شتات / قهر / غياب / عتاب / رحيل / إنبات / مواجهة / تطهير / تهج).

وهذا المسار يمنح القصيدة ما يشبه الحبكة الداخلية، لكن الحدث الحقيقي ليس حدثا خارجيا، وإنما هو حدث التحول داخل الذات.

ومن هنا يمكن القول إن النص يستفيد من بعض آليات السرد دون أن يتخلى عن هويته الشعرية.

الأنا الشعرية والآخر

تحتل الأنا مساحة واسعة من النص، غير أن هذه الأنا لا ينبغي اختزالها بالضرورة في السيرة الشخصية للشاعر، إنها أنا شعرية تتسع لتصبح نموذجا للذات التي تواجه الإقصاء.

وفي هذا السياق يمكن استحضار أطروحة رولان بارت حول "موت المؤلف" باعتبارها دعوة إلى عدم اختزال النص في نية صاحبه أو سيرته؛ فـ"أنا" القصيدة تصبح بعد تشكلها في اللغة بنية قابلة لتعدد القراءات.

لذلك يمكن أن يكون "الحاقد" شخصا بعينه، كما يمكن أن يكون رمزا لمنظومة اجتماعية أو ثقافية تنتج الإقصاء، ويتأكد هذا الاتساع حين تتكاثر صور الآخر في النص (الغاضبون، الحالمون، الواهمون، الخانعون، الحشاشون، المقصيون).

إن الآخر هنا ليس شخصية سردية محددة، بل بنية رمزية تتشكل من القهر والإقصاء والتفاهة والعداء.

من الحسام إلى التهجي

يبلغ الصراع ذروته حين يتحول الخطاب إلى مخاطبة مباشرة:

(يا هاربا من فتنة الإعصار

جرد حسامك

لنحر ذاتك)

إذ تنتقل القصيدة هنا من التأمل إلى المواجهة، ومن ضمير المتكلم إلى خطاب الآخر، لكن المفارقة أن السلاح الذي يستحضره النص لا يؤدي إلى معركة واقعية، وإنما يتحول إلى مواجهة مع الذات: (لنحر ذاتك).

ثم يعود الشاعر إلى مفردات اللغة:

(فأنا مقصي من عشق الكلام

منسي في صولة الحسام)

هنا تمظهر لتقابل لغوي دلالي(الكلام/الحسام)، أي (اللغة/العنف).

وإذا كان الحسام يمثل القوة المادية، فإن الكلام يمثل القوة الرمزية، والذات الشاعرة تعلن أنها "مقصية من عشق الكلام"، لكنها لا تنتهي إلى الصمت، بل تصل في النهاية إلى "التهجي".

وهذا التحول بالغ الدلالة، فالإقصاء من الكلام لا يلغي اللغة، وإنما يدفع الذات إلى إعادة اكتشافها من بداياتها الأولى، أي من مفارقة "التهجي".

التهجي بوصفه خلاصا شعريا

تنتهي القصيدة مع قول الشاعر:

(وأبقى وحدي أمشي

بخطى وئيدة أمشي

وأنتشي

من حياض التهجي)

وهذه النهاية تختزل المسار كله، فـالمشي الذي بدأ بوصفه فعلا فيزيائيا يتحول إلى حركة وجودية، والتهجي الذي يبدو في ظاهره عودة إلى البدايات يصبح علامة على إعادة بناء اللغة من الصفر... إن الذات التي تعرضت للشتات والقهر والإقصاء لا تبحث في النهاية عن انتصار مادي، وإنما تجد خلاصها في اللغة.

ومن هنا تتخذ عبارة "حياض التهجي" بعدا رمزيا، فالحياض فضاء الماء والارتواء، والتهجي فضاء اللغة الأولى، وبذلك يتحقق التقاطع (الماء/اللغة)، و(الارتواء/الكتابة)، و(الطهارة/التهجي)، حيث تصبح الكتابة - بهذا المعنى - نوعا من التطهير الوجودي.

البعد الصوفي والإيحاء التطهيري

تستثمر القصيدة معجما ذا إيحاء روحي وصوفي (صلوات، أرتل، أطهر، حياض، أنتشي)، لكنها لا تبني خطابا صوفيا خالصا، وإنما تستعير بعض طاقته الرمزية لتصوير رحلة الذات، فالرحلة تنتقل من (الشتات / الغياب / القهر / المواجهة) إلى (التطهير / اللغة)، وهذا يجعل الشعر نفسه فعلا تطهيريا، ويمنح الكتابة وظيفة تتجاوز التعبير إلى إعادة بناء الذات.

القصيدة بين الغموض والإبهام

تستفيد القصيدة من الغموض المنتج الذي تتيحه قصيدة النثر، خصوصا حين تزاوج بين حقول دلالية متباعدة (الوقت/العنوسة، اللحن/الشيخوخة، الغياب/اللذة، اللغة/الشهية، الزمان/العري، التهجي/الحياض)، لكن بعض الصور تقترب من منطقة كثافة قد تجعل التلقي أكثر تعقيدا، خصوصا حين تتراكم الاستعارات دون أن تمنح الصورة السابقة مجالًا كافيًا للاستقرار، وهذه الملاحظة لا تنتقص من شعرية النص، وإنما تشير إلى مسألة جوهرية في قصيدة النثر، حيث الغرابة لا تصبح شعرية إلا إذا ظلت مرتبطة بالبنية العميقة للنص.

وعلى العموم، يحتفظ النص بخيط دلالي قوي عبر اللازمة المركزية "أمشي"، وعبر ثنائية (الرحيل/الورق)، وعبر التحول النهائي نحو "التهجي".

البنية الدائرية وتحول المعنى

يمكن النظر إلى القصيدة باعتبارها دائرة شعرية تبدأ وتنتهي بالفعل نفسه "أمشي"، لكن العودة ليست عودة إلى النقطة ذاتها، فالذات في النهاية ليست هي الذات في البداية... لقد انتقلت من (محنة الشتات) إلى (إمكان الانبعاث)، ومن (لغة القهر) إلى (لغة التهجي)، ومن (الاحتكاك بالآخر) إلى (الاستقرار في الذات).

وهذا يحقق مفهومًا مهما في بناء قصيدة النثر: الوحدة العضوية، فكل مقطع، وكل صورة، وكل تكرار، ينبغي أن يشارك في حركة النص الكلية، وهو ما يتحقق هنا إلى حد كبير.

على سبيل الختم: حين تصبح اللغة وطنا بديلا تكشف قصيدة "قبلة على جبين الحاقد" عن تجربة شعرية تقوم على تحويل الانكسار إلى طاقة لغوية، والحقد إلى مفارقة، والغياب إلى حضور شعري، والرحيل إلى إنبات.

إنها قصيدة تتحرك بين أقطاب متعارضة (الحب/الحقد، الحضور/الغياب، الموت/الولادة، القهر/المقاومة، الحسام/الكلام، الإقصاء/التهجي)، لكنها لا تترك هذه الثنائيات في حالة ثبات، بل تعمل على تحويل أحد طرفيها إلى الآخر.

فـغدا سأرحل تتحول إلى غدا سأورق، والإقصاء ينتهي إلى التهجي، والمشي الذي بدأ مثقلا بالشتات ينتهي منتشيا باللغة.

ومن هنا يمكن القول إن القصيدة لا تقدم الحقد موضوعا نفسيا وحسب، وإنما تجعله مناسبة لاختبار قدرة الشعر على مقاومة الانطفاء.

أما القبلة في العنوان، فإنها لا تبدو مجرد قبلة موجهة إلى الحاقد، بل يمكن تأويلها بوصفها قبلة شعرية على جبين عالم يرفض الشاعر، ثم يصر الشاعر رغم ذلك على أن يكتب فيه، وهنا تتضح قيمة الخاتمة / القفلة الشعرية:

(وأبقى وحدي أمشي

بخطى وئيدة أمشي

وأنتشي

من حياض التهجي)

فالذات لا تنتصر لأنها هزمت الآخر، وإنما لأنها لم تتوقف عن المشي، ولا تنتصر لأنها امتلكت الحسام، وإنما لأنها عادت إلى اللغة، وبذلك يصبح المشي فعل وجود، ويصبح التهجي فعل ولادة، وتصبح القصيدة نفسها المسافة الفاصلة والواصلة بينهما.

إنها، في أعمق مستوياتها، قصيدة عن الذات التي تصنع من اللغة وطنا حين تضيق بها أوطان الاعتراف.

***

الناقد: عبد الرحمن بوطيب

..........................

قبلة على جبين الحاقد

بخطًى

وئيدةٍ أمشي

أقارع محنة الشتات

أغترف من بسمة الصبح

ملح الحياة

وأهبط صوب عنوسة الوقت

أزفها بثوب المجد

أدثر عنف الحالمين

الواهمين

الخانعين

كم هي طويلة لائحة الغاضبين.

بخطًى

وئيدةٍ أمشي

أرتل صلواتي

على لحنٍ شاخ في مهد الأوهام

أكنس مطايا

دمرتها لغات القهر

وعطر النسيان.

كم هي شفيفة لعنة الضباب

كم هي لذيذة قُبلة الغياب

كم هي شهية لغة العتاب.

ونمشي

نزحف

خلف حتفنا الموشوم

ونسيان الذي كناه.

غدا سأرحل

غدا سأورق

غدا

أملأ السماء غيما

وأحول مجاري المياه

لأشبع خصبا

وحدي

أمتهن الحياد

على قارعة جوقة الحشاشين

أدثر نسيان الوقت

بعرش ٍ

مرصوص

بوابل الدمار

أمسح رذاذ الصحاب

وأنتشي في حلبة الإقصاء

أطهر عُريَ الزمان

وأمشي

ألامس موج العتاب

وأسبح في براكين الأنجم والهباب.

يا هاربا من فتنة الإعصار

جرد حسامك

لنحر ذاتك

فأنا مقصي من عشق الكلام

منسي في صولة الحسام

واخْصِ ثوب قبحك

تتفتق خلفك شِبَاكُ التفاهة

تجر ذيول الخيبة

والعار.

وأبقى وحدي أمشي

بخطى وئيدةٍ أمشي

وأنتشي

من حياض التهجي

***

عبد الرحيم هري - المغرب

يُعدّ الكاريكاتير أحد أبرز أشكال التعبير الفني والصحفي، إذ يعتمد على المبالغة في إبراز بعض الخصائص المميزة لشخصية أو موقف، بهدف تقديم صورة ساخرة يسهل التعرف إليها وفهم دلالاتها. ولا يقتصر الكاريكاتير على الجانب الفكاهي، بل يمثل وسيلة للتعبير والنقد وطرح القضايا الاجتماعية والسياسية بأسلوب بصري مختصر ومؤثر.

تكمن أهمية الكاريكاتير في قدرته على إيصال فكرة أو موقف معقد في صورة واحدة وكلمات قليلة، الأمر الذي جعله حاضرًا بقوة في الصحافة، ولا سيما في تناول الأحداث السياسية والاجتماعية. فهو يمنح القارئ تفسيرًا بصريًا للأخبار والقضايا اليومية، ويجمع بين المعلومة والفكاهة والنقد، كما يترك أثرًا في ذاكرة المتلقي قد يتجاوز أحيانًا أثر النصوص الطويلة.

الكاريكاتير في الصحافة

أصبح الكاريكاتير جزءًا مهمًا من الصحافة الحديثة، لأنه يقدم قراءة مختلفة للأحداث بعيدًا عن الأسلوب الإخباري التقليدي. ومن خلال السخرية والمبالغة والرموز، يستطيع رسام الكاريكاتير اختزال قضية أو موقف سياسي في مشهد واحد، بما يساعد القارئ على فهم زاوية معينة من الحدث. ويبرز هذا الدور بصورة خاصة في الكاريكاتير السياسي الذي يستخدم للتعليق على القرارات والسياسات والسلوكيات العامة، وقد يثير النقاش والجدل حول قضايا تشغل المجتمع.

وسيلة تعليمية مؤثرة

لا تقتصر فوائد الكاريكاتير على الصحافة، بل يمكن توظيفه في التعليم بوصفه وسيلة تساعد على جذب انتباه الطلاب وتبسيط المفاهيم والأفكار. فالرسوم المضحكة واللافتة تجعل المحتوى أكثر تشويقًا، كما تساعد الصور على توضيح الأحداث والنظريات والمفاهيم، وتوفر مجالًا لتنمية مهارات التفكير والتحليل، خصوصًا عندما يحتاج الطالب إلى تفسير الرسالة التي يحملها الرسم.

كما يمكن استخدام الكاريكاتير في التربية الأخلاقية من خلال طرح مواقف توضح السلوك الصحيح والخاطئ، فضلًا عن كونه وسيلة تعليمية بسيطة وقليلة التكلفة مقارنة ببعض الوسائل التقنية.

من الفن إلى النقد

ترجع كلمة «كاريكاتير» إلى الإيطالية Caricare، التي تعني «التحميل» أو «الشحن»، في إشارة إلى المبالغة في الصفات. وقد انتشر هذا الفن في أوروبا، خصوصًا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، واستخدم للسخرية من الشخصيات العامة والسياسيين. ومع تطور الصحافة، تحول الكاريكاتير إلى أداة مؤثرة في النقد الاجتماعي والسياسي.

ويتطلب هذا الفن من رسامه الإبداع وحس الدعابة وسرعة متابعة الأحداث، إلى جانب الشجاعة والنزاهة، لأن الكاريكاتير غالبًا ما يتناول قضايا حساسة ومواقف مثيرة للجدل.

بين السخرية والمسؤولية

رغم قوة الكاريكاتير وتأثيره، فإن استخدامه قد يتحول إلى إساءة إذا تجاوز حدود النقد إلى التحيز أو العنصرية أو التمييز أو إهانة فئة من الناس. لذلك تظل المسؤولية الأخلاقية عنصرًا أساسيًا في هذا الفن، فنجاح الكاريكاتير لا يقاس بقدرته على إثارة الضحك أو الجدل فقط، وإنما بقدرته على إيصال رسالة نقدية ذكية تحترم الإنسان وتدفع المتلقي إلى التفكير.

وفي عالم تتزايد فيه سرعة تداول المعلومات، يبقى الكاريكاتير لغة بصرية قادرة على اختصار الكثير من الكلام في صورة واحدة، تجمع بين الفن والفكرة والسخرية والنقد.

***

رمزي ميركاني

جدلية التعبير والمعنى بين فقه اللغة والسيمياء والهيرمينوطيقيا

شهد الأدب العربي الحديث تحوّلاتٍ عميقة في بنيته الجمالية ورؤيته للعالم، متأثّراً بالحراك المعرفي العالمي وتطور النظريات اللغوية والفلسفية. ولم يعد النص الأدبي يُقرأ بوصفه تجليًا للذات أو انعكاسًا مباشراً للواقع، بل أصبح يُخضع لمنظومات تحليلية تتشابك فيها اللغة بوصفها "مادة المعنى"، والدلالة بوصفها "احتمالاً مفتوحًا"، لا يقف عند حدود ظاهر النص. وهنا تبرز ثلاث منظومات معرفية لعبت دورًا حاسمًا في مقاربة الأدب الحديث: فقه اللغة، والسيمياء، والهرمينوطيقيا.

أولاً: فقه اللغة وعمق الانتماء الجمالي

فقه اللغة – ذلك العلم العريق الذي يدرس تطور الكلمات، وأصول الدلالات، وعلاقة البنية بالمعنى – يشكّل لدى الأدباء العرب مرجعية خفية أو معلنة. فقد أدرك عدد من الكتّاب والشعراء أن استعادة الجذر اللغوي ليست عودة إلى الوراء، بل حفريات في هوية اللفظة وانفتاحٌ على كثافة المعنى.

محمود درويش، على سبيل المثال، كثيرًا ما ارتكز على الوعي الفقهيّ باللفظ العربي، ليجعل من القصيدة أرضًا تُنبتُ المفردة بأصولها التاريخية والثقافية. في قصيدته "مديح الظل العالي" مثلاً، نجد إحالات إلى جذورٍ قرآنية وتراثية، لا تُفهم إلا في ضوء معرفة عميقة بفقه اللغة.

أدونيس في مشروعه الشعري والبحثي (وخاصة في "الثابت والمتحوّل")، استند إلى فقه اللغة ليفكّك "جمود التراث"، ويُعيد إنتاج المفردة القديمة في سياقات حديثة تُخلخل بنيتها وتُعيد تفعيل طاقتها الرمزية.

وهنا يظهر فقه اللغة كرافد مزدوج: أداة للتركيب الجمالي، ومنصة للتفكيك النقدي.

ثانيًا: السيمياء وتحوّل النص إلى منظومة علامات

مع التحوّل البنيوي في الدراسات الأدبية، برزت السيمياء كأداة جوهرية لتحليل النصوص. فالأدب الحديث لا يُقرأ بوصفه تعبيرًا مباشرًا، بل كـ"نظام دلالي مركب" تُشكّله العلاقات بين العلامات، سواء كانت لغوية، بصرية، رمزية، أو حتى إيقاعية.

يوسف الخال، أحد أعمدة مجلة "شعر"، قدّم نماذج شعرية تُظهر انفلات اللغة من المعنى المباشر، لتصبح الكلمة بذاتها علامة تُحيل إلى شبكة من الدلالات لا تُختزل في سياق واحد.

أما محمد بنيس، فدعا إلى قراءة القصيدة المعاصرة باعتبارها فضاءً بصريًا ودلاليًا يتطلّب تأويلاً سيميائيًا. قصيدته "كتاب الحب" ليست فقط نصًا مقروءًا بل لوحة علاماتٍ تتحرك بين الكتابة والصمت، بين الكلمة ومساحاتها.

وعند النقّاد العرب، يُعد عبد السلام المسدي من أبرز من حاولوا ربط التحليل اللساني بالسيميائيات في قراءة الخطاب الأدبي، معتبرًا أن فهم الأدب لا يتحقق إلا بفهم طبيعة العلامات التي يُبنى عليها.

ثالثًا: الهيرمينوطيقيا وتحوّل القارئ إلى منتِج للمعنى

الهرمينوطيقيا، بوصفها فنّ التأويل، تُعيد تعريف العلاقة بين النص والقارئ. لم يعد النص يحمل "معنى ثابتًا"، بل يفتح احتمالات تأويلية تتعدد بتعدد القرّاء وسياقاتهم. وهذه الرؤية شكّلت ثورة في فهم الأدب الحديث، حيث تغدو القراءة عملاً إبداعيًا لا يقلّ شأنًا عن الكتابة.

نصر حامد أبو زيد، في مشروعه التأويلي للنصوص الدينية والأدبية، ربط الهيرمينوطيقيا بفهم المعنى المتحوّل، مؤكدًا أن "النصّ لا ينطق بذاته"، بل القارئ هو من "يُنتجه".

الشاعر سعدي يوسف، حين يكتب عن الوطن أو المنفى، لا يقدّم رموزًا مغلقة، بل صورًا تأويلية قابلة للانفتاح. قصيدته "قصائد حب إلى بدر شاكر السياب" ليست خطابًا مباشرًا، بل نصّ يحتمل قراءات متباينة بحسب زاوية النظر وسياق التلقي.

وهنا يظهر تأثير غادامير وبول ريكور واضحًا في القراءة الحداثية للنصوص، خاصة في التأكيد على "اندماج الآفاق" بين القارئ والنص، واعتبار التأويل عملية متواصلة وليست حسمًا للمعنى.

رابعًا: جدلية التأثير والتداخل بين الحقول

لا يمكن الحديث عن الأدب العربي الحديث بوصفه مرآةً لفقه اللغة أو السيمياء أو الهرمينوطيقيا بشكل منفصل، بل هو فضاء تفاعلي تشكّلت فيه هذه الحقول معًا:

ففقه اللغة يزوّد النص بجذوره،

والسيمياء تُفكّك بنيته،

والهيرمينوطيقيا تُحرّر معناه.

وفي ظل هذا التداخل، برز ما يُسمى بـ"نقد التأويل" أو "التحليل السيميائي التأويلي" الذي مثّله نقاد معاصرون أمثال صلاح فضل، الذي مزج في قراءاته بين الرؤية البنيوية والتحليل التأويلي للخطاب.

خاتمة: نحو قراءة أكثر وعيًا بالأدب وتاريخه الدلالي

إنّ ارتباط الأدب العربي الحديث بهذه الحقول الثلاثة ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة النص الجديد، الذي لم يعد يُقرأ ببراءة، ولا يُكتب من منطلق التعبير، بل من منطلق التركيب الواعي للعلاقات الدلالية، والوعي المسبق بسلطة اللغة وغموض المعنى.

وهكذا، لا يمكن أن نُفكّر في مستقبل النقد الأدبي العربي دون وعيٍ معرفي عميق بهذه الحقول الثلاثة، التي تفتح أمامنا دروبًا لفهمٍ أعمق للنص، لا بوصفه منتجًا لغويًا فحسب، بل بوصفه كائنًا حيًّا تتحرك دلالاته باستمرار، وتتشكل مع كل قارئ جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

مراجع ومصادر مقترحة للتمثيل والدراسة:

عبد السلام المسدي: اللسانيات وأسسها المعرفية

نصر حامد أبو زيد: الخطاب والتأويل

بول ريكور: نظرية التأويل

صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص

أدونيس: الثابت والمتحول

عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة

يوسف الخال ومحمد الماغوط في مجلة شعر

محمد مفتاح: سيمياء الشعر

أمبرتو إيكو: القارئ في الحكاية

 

قراءة نقدية في الحكاية والبوح وذاكرة القلب

يقدّم كتاب «القلب وخريف العمر» تجربة نثرية مفتوحة تتجاور فيها القصة والخاطرة والرسالة والتأمل. وعلى الرغم من اختلاف القوالب وتعدد الأصوات، تنتظم نصوص الكتاب حول رؤية واحدة قوامها القلب والذاكرة وخريف العمر، والبحث عن حضور إنساني يبدد الوحدة والفقد.

إننا أمام كتاب نثري مفتوح، تتجاور داخله القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا والخاطرة والرسالة الأدبية والتأمل الإنساني، وتتداخل فيه الكتابة الذاتية بالحكاية، والاعتراف بالحكمة، والذاكرة الأسرية بالتجربة الاجتماعية.

وقد يبدو هذا التعدد، للوهلة الأولى، عاملًا يهدد وحدة الكتاب. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن وحدته لا تقوم على اتصال الأحداث أو استمرار الشخصيات، وإنما تتأسس على شبكة من الموضوعات والرموز والانفعالات المتكررة. فالقلب، والحب، وخريف العمر، والمرض، والوحدة، والفقد، والأسرة، والذاكرة، والحاجة إلى الطمأنينة، تتحول جميعها إلى خيوط داخلية تجمع النصوص مهما اختلفت أشكالها التعبيرية.

ويعلن المؤلف منذ المقدمة وعيه بالطبيعة المركبة لعمله، حين يصفه بأنه يشتمل على:

"تنوع أدبي بين القصة القصيرة والخاطرة والرسائل وخلافه"

ويؤكد أن غايته ليست الالتزام بقالب واحد، وإنما توصيل رسالة من خلال التعبير الأدبي. وهذا التصريح يجعل تعدد الأجناس اختيارًا واعيًا، وإن ظل هذا الاختيار بحاجة إلى قدر من الضبط التحريري الذي يوازن بين حرية التنوع ودقة البناء الفني.

العنوان كمفتاحً للرؤية

يجمع عنوان الكتاب بين مفردتين مركزيتين: القلب وخريف العمر. تحيل المفردة الأولى إلى الحب والذاكرة والاحتياج والقدرة على التواصل، بينما تشير الثانية إلى مرور الزمن والنضج وحصاد الخبرة واقتراب النهاية.

وبين المركز الوجداني والإطار الزمني تنشأ المفارقة الأساسية في العمل: قد يتقدم الجسد في العمر، لكن القلب يظل محتاجًا إلى الحب والاهتمام والاحتواء. ولا يقدم الكتاب خريف العمر بوصفه انطفاءً كاملًا، بل باعتباره مرحلة تتضاعف فيها الحاجة إلى التقدير الإنساني. فالإنسان، كلما شعر بقصر المسافة المتبقية من الطريق، أصبح أكثر حرصًا على المعنى، وأكثر حساسية تجاه الإهمال والفقد والعلاقات التي فقدت دفأها.

ويترجم غلاف الكتاب هذه الثنائية إلى صورة بصرية منقسمة بين مرحلتين عمريتين. فالوجه الواحد يحتفظ بوحدته على الرغم من اختلاف ملامحه عبر الزمن. وبذلك يصبح الغلاف امتدادًا للعنوان، ويؤكد أن الشيخوخة تغير ظاهر الجسد، لكنها لا تمحو الذاكرة ولا تلغي شباب الروح.

ويعمق الإهداء هذه الدلالة حين يخاطب المؤلف ذاته قائلًا:

"إلى نفسي التي آلمتها كثيرًا فتحملتني" ص 7.

إن الذات هنا ليست مصدر الكتابة وحدها، بل متلقية لها أيضًا. فالكتابة تبدو نوعًا من الاعتذار للنفس، ومحاولة متأخرة لإنصافها والتصالح معها. ومن هذه العتبة المبكرة يتحدد أفق القراءة؛ فنحن أمام كتابة تستعيد التجربة لا لتوثيقها فحسب، بل لإعادة فهمها وترميم ما خلفته من آثار.

الحكاية والبوح: القطبان الكبيران

تكشف بنية الكتاب عن غلبة جنسين أساسيين هما القصة والخاطرة. وتتمركز القصص حول حدث أو موقف تتولد منه مفارقة أو لحظة كشف، بينما تقوم الخواطر على حالة وجدانية أو صورة مركزية أو اعتراف مباشر.

أما الرسائل فتستمد حيويتها من وجود مرسل ومتلقٍ، وتتيح استدعاء الغائب ومخاطبته، في حين تنطلق التأملات من تجربة فردية لتصل إلى حكمة عامة.

وينظم الكتاب مادته في أقسام موضوعاتية، من أبرزها:

- في عيادة الطبيب/شروق الشمس بعد عتمة الظلام/القلب وخريف العمر/من وحي الجد والجدة وما بعدهما/زمن الكورونا/خواطر فاطمة الزهراء، ضيفة الكتاب.

ولا تؤدي هذه العناوين وظيفة تنظيمية فقط، بل تمنح النصوص سياقات دلالية تساعد على قراءة كل مجموعة بوصفها حلقة ضمن الرؤية العامة للكتاب.

ويعد قسم "في عيادة الطبيب"أكثر أقسام العمل تماسكًا، لاعتماده على فضاء شبه ثابت، وشخصيات تعود إلى العيادة حاملة أمراضًا لا تستجيب غالبًا للتشخيص العضوي.

تتحول العيادة في هذه النصوص من مكان للعلاج الجسدي إلى فضاء للاعتراف، ويصبح الطبيب مستمعًا إلى أمراض الروح، قبل أن يكتشف، في بعض القصص، أنه ليس بعيدًا عن مرضاه، وأن الفاصل بين المعالج والمريض أقل ثباتًا مما يبدو.

- "الروح والجسد": انقلاب موقع الطبيب والمريض

تمثل قصة «الروح والجسد» نموذجًا واضحًا لقدرة الكاتب على تحويل فكرة نفسية إلى موقف قصصي ورمز ممتد.

يدخل رجل في خريف العمر إلى العيادة، لكنه لا يشكو مرضًا عضويًا محددًا، وإنما يلخص أزمته بقوله:

"هَرِمَتْ الروح فَهَرِمَ الجسد". ص 16.

تربط العبارة بين الروحي والجسدي، وتجعل الشيخوخة حالة داخلية قبل أن تكون تحولًا بيولوجيًا. فالجسد لا يشيخ وحده، بل قد تبدأ الشيخوخة حين تفقد الروح قدرتها على الفرح والرغبة والتواصل.

ثم يعلن الرجل:

"جائع أنا يا سيدي الطبيب"ص 16.

وسرعان ما يتضح أن الجوع ليس جوع الطعام، بل جوع القلب إلى الحب. تصبح الثلاجة رمزًا لما يفترض أن تختزنه العلاقة من مشاعر، ويتحول القفل إلى علامة على الحجب والمنع، بينما يكشف السؤال:

"أين المفتاح؟"

عن البحث عن وسيلة للوصول إلى الحب المحجوب.

وتبلغ القصة لحظة الكشف عندما يقول الطبيب بعد رحيل الرجل:

"فأنت الطبيب وأنا المريض، قد فهمت الدرس" ص 17.

هنا تنقلب المواقع. فالمريض، الذي جاء طالبًا العلاج، يصبح صاحب معرفة، بينما يكتشف الطبيب أن خبرته العلمية لم تحمه من الجوع الوجداني نفسه.

وينتهي النص بخروج الطبيب:

"لألحق آخر ضوء من النهار"

فتحضر صورة الضوء بكونها رمزًا لما تبقى من العمر وإمكان إنقاذه قبل انطفائه.

وتنجح القصة في بناء وحدة رمزية بين الجوع والطعام والثلاجة والقفل والمفتاح، كما تنجح في ربط التجربة بعنوان الكتاب. غير أن المونولوج المطول للمريض يجعل الحوار يميل أحيانًا إلى الخطابة، وكان يمكن اختصاره أو توزيعه على تفاعل أكثر حيوية بين الشخصيتين.

"الصدأ": تمثل الخاطرة حين تتكثف في صورة

إذا كانت «الروح والجسد» تحول الفكرة إلى حدث، فإن خاطرة "الصدأ" تحولها إلى صورة مركزية مكثفة. تبدأ الخاطرة بقول الكاتب:

"الجسد حر... والروح أسيرة قضبان طيف الحب". ص 86.

تكشف المقابلة بين حرية الجسد وأسر الروح عن انفصال بين الظاهر والباطن. فقد يكون الإنسان قادرًا على الحركة في العالم، لكنه يظل من الداخل معلقًا بذكرى أو علاقة أو غياب.

ثم تتسع الاستعارة: في قوله: "الصدأ احتل قفل الباب."كما يشخص القفل في قوله:"خاصم مفتاحه"

تقوم الخاطرة كلها على تشخيص عناصر الصورة. فالروح سجينة، وطيف الحب قضبان، وللعاطفة باب وقفل ومفتاح، لكن الصدأ عطل حركة الفتح.

ولا يدل الصدأ على مرور الزمن وحده، بل يحيل إلى أثر الإهمال وطول الانقطاع وغياب التواصل.

وتأتي الخاتمة لتكشف سبب التعطل:

"فقد مر زمن طويل دون أن يلتقيا"

وتتمثل قوة الخاطرة في وحدتها التصويرية واقتصادها اللغوي؛ إذ لا تتشعب إلى صور كثيرة، ولا تشرح استعارتها شرحًا مطولًا.

ومع ذلك، فإن الإفراط في علامات الحذف يقطع الإيقاع البصري أحيانًا، وكان من الممكن أن تقوم الجمل القصيرة نفسها بوظيفة الصمت والتردد من دون هذا الحضور الكثيف للعلامات.

"الرسالة الأخيرة": الكتابة في مواجهة الغياب

في نص «الرسالة الأخيرة» تتداخل الرسالة الأدبية بالقصة القصيرة. فلا يقدم الكاتب الرسالة مجردة، بل يحيطها بإطار سردي يبدأ بوصول حامل الرسالة إلى المتلقية، ثم يعود إليها بعد انتهاء القراءة.

ويمنح هذا الإطار الورقة ملمسًا دراميًا، إذ تتحول الرسالة إلى بديل عن حضور صاحبها.

يفتتح المرسل خطابه بقوله:

"حبيبتي، أعتذر لرحيلي فجأة، كما كان قدومي فجأة" ص 90.

تقوم العبارة على مقابلة بين القدوم والرحيل، فتصل بداية العلاقة بنهايتها، وتضع المتلقية أمام دائرة  مغلقة من المفاجأة. فإذا كان القدوم قد فتح زمن الحب، فإن الرحيل يغلق زمن الحضور، لكنه لا يستطيع إلغاء الذاكرة.

ويصف المرسل الذكريات بأنها: "الشباب الذي لم يعشه قلبك، والربيع الذي افتقدته حياتك" ص 90.

هنا تقابل صورة الربيع خريف العمر، وتصبح الذكرى زمنًا بديلًا يعوض ما فات. فالذكريات ليست بقايا الماضي فحسب، بل شكل من أشكال الشباب المؤجل الذي عاشه القلب متأخرًا.

ويتكرر في الرسالة الطلب:

"لا تحزني"

لكن التكرار لا يخفف الحزن، بل يكشف عجز اللغة عن مقاومته. فكل عودة إلى العبارة تؤكد استحالة تنفيذها، لأن المرسل يطلب من المتلقية ألا تحزن في اللحظة نفسها التي يقدم فيها أسباب الحزن كاملة.

ويختتم رسالته بقوله:

"حبيبك الأول ومن المؤكد أنه الأخير"  ص 91.

ثم يعود السرد إلى المشهد الخارجي ليتأكد الرحيل المزدوج: رحيل حامل الرسالة ورحيل كاتبها، فلا يبقى سوى الورقة. وهكذا تتحول الكتابة إلى آخر أشكال الحضور، وإلى أداة لحفظ الصوت بعد غياب صاحبه.

ومع نجاح النص في دمج البنية الرسائلية بالإطار القصصي، فإن بعض عبارات التأكيد والانفعال كان يمكن اختصارها، كما كان من الممكن تدعيم الرسالة بتفاصيل خاصة عن العلاقة، لأن التفاصيل الصغيرة تمنح التجربة خصوصيتها وتبعدها عن التعميم الوجداني.

"التجربة": الحكمة بين ثلاثة أجيال

ينطلق نص" التجربة" من حكمة كانت الجدة تكررها:

"علاج الجاهل التجاهل" ص 132.

تستند العبارة إلى تقارب صوتي بين «الجاهل» و«التجاهل»، وتختزل رؤية ترى أن بعض المواجهات لا تنتج معرفة ولا تحقق انتصارًا، بل تستنزف من يدخلها.

يعترف الراوي بأنه كان يتلقى حكمة الجدة:

"احترامًا لها وتأدبًا"

بينما يرفضها في داخله. ومن هنا ينشأ الصراع بين حماسة الشباب وخبرة العمر. يدخل الراوي في مواجهات متعددة، ثم يكتشف، بعد تقييم النتائج، أنه كان يخرج خاسرًا، حتى عندما بدا ظاهريًا أنه انتصر.

وعندما يقول:

"صدقت جدتي، وها أنا أكررها لأبنائي وتلامذتي"

تتحرك الحكمة عبر ثلاثة أجيال: الجدة، والراوي، والأبناء والتلاميذ. وتصبح التجربة وسيطًا ينقل المعرفة من القول الموروث إلى الاقتناع الشخصي.

غير أن النص يقترب في بعض مواضعه من المقالة الوعظية بسبب كثرة الشرح والتعميم. وكان يمكن أن تزداد قيمته الفنية لو تجسدت الحكمة في موقف قصصي واحد، يترك للقارئ فرصة استنتاج معناها بدلًا من تقديمها كاملة في صورة نتيجة مباشرة.

القلب بين المجاز والحقيقة الجسدية

من أبرز خصوصيات الكتاب أن القلب لا يحضر باعتباره  رمزًا وجدانيًا فقط، بل يظهر كذلك عضوًا جسديًا معرضًا للمرض.

ففي نص «سلام عليك» يروي الكاتب تجربة الإصابة بالقلب والخضوع للقسطرة وتركيب الدعامات، ويصل بين الانكسارات النفسية وتعب الجسد. وبذلك تتداخل الدلالة المجازية بالقيمة العضوية للقلب: قلب يحب ويتألم ويتذكر، وقلب جسدي يمرض ويحتاج إلى علاج.

هذا التداخل يمنح عنوان الكتاب عمقًا إضافيًا. فالقلب ليس استعارة خارجية، بل مركز تجربة معيشة يتجاور فيها النفسي والجسدي. وما كان في القصص رمزًا للجوع والحرمان يتحول في الكتابة الذاتية إلى عضو يعلن ضعفه ويجبر صاحبه على مراجعة الزمن والحياة والعلاقات.

ويكشف حضور المرض عن إحدى الثنائيات المتكررة في العمل، وهي ثنائية الروح والجسد. فالنصوص ترى أن سلامة أحدهما لا تنفصل عن الآخر، وأن القسوة والإهمال والوحدة قد تتحول من مشاعر مجردة إلى أعباء جسدية.

ومع ذلك، لا يقدم الكتاب هذه الرؤية  كنظرية طبية، بل  كتصور أدبي يربط بين خبرة الألم النفسي وصور المرض العضوي.

صوت الابنة: محبرة واحدة وقلم مختلف

لا يقتصر الكتاب على صوت عادل جابر عرفه، بل يفسح مساحة لصوت فاطمة الزهراء، التي تظهر منذ مفتتح الكتاب في خاطرة "زمن عادل عرفه"، ثم تعود في قسم مستقل يضم مجموعة من خواطرها ورسالتها وقصتها.

ويقدم المؤلف هذا القسم تحت عبارة دالة:

"محبرة واحدة وقلم مختلف"

تكشف العبارة عن علاقة قائمة على الاشتراك والاختلاف في آن واحد. فالمحبرة تشير إلى الجذر الأسري والوجداني المشترك، بينما يدل اختلاف القلم على تباين التجربة والمنظور وطريقة التعبير.

ويحدد الأب، في العتبة الفاصلة بين صوته وصوت الابنة، جانبًا من هذا الاختلاف بقوله:

"آثرت أنا السلامة في مواقفي الحياتية"

ثم يقول عن الابنة:

"وآثرت هي المواجهة والتحدي رغم عاطفتها الجياشة" ص 162.

ومن ثم، لا يأتي صوت الابنة تكرارًا كاملًا لصوت الأب، بل يقدم زاوية أكثر مباشرة في مساءلة العلاقات والاحتجاج على حالة اللامبالاة للمجتمع وغياب المساندة الصادقة.

"أردت ألا أكون وحدي": نقد العلاقات الشكلية

تبدأ خاطرة "أردت ألا أكون وحدي" بمفارقة واضحة:

"تظن أن الكل معك، وفي الحقيقة أنت وحدك "ص 165.

تقيم العبارة تقابلًا بين الظن والحقيقة، وبين وجود الآخرين في المجال الاجتماعي وغيابهم في المجال الوجداني. فالوحدة هنا لا تعني غياب الناس، بل تعني عجزهم عن المشاركة الإنسانية الصادقة.

وتوضح الكاتبة أن بعض العلاقات قائمة:

"بحكم علاقات فرضها المجتمع، أو المكان لا غير"

وهكذا ينفصل الشكل الاجتماعي للعلاقة عن مضمونها النفسي؛ فقد تجمع القرابة أو المؤسسة أو المكان بين الأشخاص، لكن ذلك لا يضمن الحضور الفعلي وقت الحاجة.

وتصل الخاطرة إلى مركزها الاعترافي بقول الكاتبة:

"فقط أردتهم بجانبي، أردت ألا أكون وحدي»"

ثم تقول:

"أردت الحب غير الواجب، وغير المفتعل"

تفرق الخاطرة بين أداء الواجب والمحبة الحرة. فالواجب يمكن إنجازه بصورة آلية، أما الحب فلا يكتسب قيمته إلا عندما يصدر عن رغبة صادقة في الحضور والمساندة.

وتنبع قوة النص من صدقه الاعترافي وقدرته على التعبير عن تجربة شائعة، تتمثل في شعور الفرد بأنه محاط بالناس، لكنه محروم من المشاركة الحقيقية. غير أن الخاطرة تعتمد على التصريح المباشر أكثر من اعتمادها على المشهد والصورة، وكان يمكن لصورة مركزية أو موقف محدد أن يزيدا أثرها الفني.

"الشجاع يبكي":

في خاطرة "الشجاع يبك"» تفكك فاطمة الزهراء تصورًا اجتماعيًا يربط الشجاعة بعدم الحاجة إلى الدعم. تقول:

"حتى أشجع الشجعان كان يبكي خلسة" ص 166.

تقوم العبارة على مفارقة بين اللقب المعلن والفعل السري. فكلمة «خلسة» تكشف أن المجتمع لا يكتفي بمنح الشخص صورة القوة، بل يطالبه بالمحافظة عليها حتى عندما تصبح عبئًا عليه.

وتشير الخاطرة إلى أن الشخص كان يتمنى:

"أن ينزع الناس عنه هذا اللقب"

يتحول لقب «الشجاع» من قيمة إيجابية إلى قيد؛ لأنه يدفع الآخرين إلى افتراض الاكتفاء الذاتي، ويحرم صاحبه من حقه الطبيعي في إعلان ضعفه أو طلب المساندة.

ثم تنتهي الخاطرة بالسؤال:

"فما فائدة الانتصارات إذا لم يجد بجواره من يشاركه الفرحة؟"

يعيد هذا السؤال تعريف النجاح نفسه. فالانتصار الفردي لا يكتمل ما لم يجد الإنسان من يشاركه معناه. والوحدة، في هذه الرؤية، لا تفسد لحظات الانكسار فقط، بل يمكنها أن تفرغ لحظات النجاح من قيمتها.

وتبدو «الشجاع يبكي» أكثر تكثيفًا من «أردت ألا أكون وحدي»، لأنها تنتظم حول مفارقة مركزية واحدة، وتتحرك منها إلى سؤال ختامي يفتح الدلالة بدلًا من إغلاقها.

تعدد الأصوات ووحدة القلق الإنساني

على الرغم من اختلاف صوت الأب عن صوت الابنة، فإن النصوص جميعها تلتقي حول قلق إنساني واحد:

كيف يستطيع الإنسان حماية قلبه من الغياب والخذلان والفقد والوحدة؟

في نصوص الأب تحضر مراجعة الماضي، والخوف من انقضاء الزمن، ومحاولة انتزاع لحظات الدفء من خريف العمر. أما في نصوص الابنة فتظهر الرغبة في مواجهة العلاقات الشكلية، والمطالبة بالدعم الصادق، ورفض الحياد والتجاهل.

ومع ذلك، لا يبقى الصوتان منفصلين تمامًا. ففي «رسالة من الابنة لأبيها» و«رد الأب على الرسالة» يتحول الكتاب إلى حوار فعلي بين جيلين.

تقول الابنة:

"اليوم هو البارحة ولكن التاريخ مختلف"

ثم تسأل:

"أين أنا يا أبي؟"

ويرد الأب من خلال تكرار عبارة:

"اليوم ليس كالبارحة"

تكشف الرسالتان عن اختلاف في رؤية الزمن. فالابنة ترى التكرار والركود، بينما يرى الأب تراكم الخبرة وإمكان ولادة حلم جديد. وتتحول الكتابة الرسائلية هنا إلى مساحة للتواصل الأسري، وإلى وسيلة لمواجهة الإحساس بالتيه بواسطة الحوار.

شبكة الرموز: الباب والمفتاح والقفص والضوء

تتكرر في الكتاب مجموعة واضحة من الرموز، مثل القلب والروح والباب والمفتاح والقفل والقفص والطائر والطعام والماء والطريق والضوء.

ولا تظهر هذه الرموز كزخارف لغوية، بل تعمل على ترجمة الحالات النفسية إلى صور محسوسة.

فالباب يمثل إمكان الوصول أو استحالته، والمفتاح هو الحب أو الفهم أو المصالحة، والقفل هو المنع والصدأ والإهمال. أما القفص فيحيل إلى القيود الاجتماعية أو النفسية، والطائر يمثل رغبة الذات في الحرية.

ويرمز الطعام والماء إلى الإشباع الوجداني، بينما يدل الجوع والعطش على الحرمان. ويظهر الضوء كبصيص الأمل والزمن الممكن، في مقابل الظلام الذي يشير إلى الانغلاق واليأس.

وتمنح هذه الشبكة الرمزية الكتاب قدرًا مهمًا من الوحدة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن أحد مواطن ضعفه؛ إذ تعود بعض الصور بالوظيفة نفسها من نص إلى آخر. فتكرار المفتاح والباب والجوع والقلب الجريح يفقد الصورة شيئًا من قدرتها على الإدهاش عندما لا تتطور دلالتها أو تدخل في سياق جديد.

الثنائيات وصناعة المعنى

تقوم نصوص كثيرة على مجموعة من الثنائيات المتقابلة، من أبرزها:

- الشباب والشيخوخة/ القلب والجسد/ الحرية والقيد/ الحضور والغياب/ الحب والجفاء/ الضوء والظلام/ الربيع والخريف

الواجب والمحبة/ الاجتماع والوحدة.

وتساعد هذه التقابلات على عرض الصراعات الداخلية بصورة مباشرة. فخريف العمر لا يُفهم إلا في مقابل الربيع، والوحدة لا تتضح إلا في وجود الناس، والقيد لا يظهر إلا مع وجود رغبة في الحرية.

غير أن فاعلية التضاد تتفاوت من نص إلى آخر. فقد يتحول التضاد إلى بنية فنية تولد المفارقة، كما في انقلاب الطبيب إلى مريض، أو في حرية الجسد وأسر الروح. لكنه يتحول أحيانًا أخرى إلى صياغة تقريرية، خاصة عندما يشرح النص، بعد نهايته، ما أصبح واضحًا من الحدث أو الصورة.

بين الرسالة الإنسانية والتشكيل الفني

يتسم كتاب «القلب وخريف العمر» بوضوح رسالته الإنسانية. فهو يدافع عن الحب والتسامح وصلة الأسرة ومساندة الضعيف وإحياء الذاكرة والبحث عن الطمأنينة. كما يواجه الوحدة والجفاء والأنانية والخذلان والعلاقات الشكلية.

إلا أن قوة الرسالة لا تكفي وحدها لصناعة الأدب. فكلما تولدت الفكرة من موقف أو صورة أو حوار أو مفارقة، اكتسبت حضورًا فنيًا أقوى. ويظهر ذلك بوضوح في «الروح والجسد» و«الصدأ» و«الشجاع يبكي»

أما عندما تتبع الصورة فقرة تشرح معناها، أو تتحول الشخصية إلى لسان مباشر للحكمة، فإن النص يقترب من المقالة الوعظية ويخسر جزءًا من طاقته الإيحائية.

وتعد المباشرة من أبرز السمات التي تحتاج إلى مراجعة في بعض النصوص؛ إذ لا يكتفي الكاتب ببناء المشهد، بل يضيف أحيانًا حكمًا أخلاقيًا يحدد للقارئ طريقة فهمه. وكان يمكن ترك النهايات أكثر انفتاحًا، ومنح القارئ دورًا أكبر في استنتاج الرسالة.

كما أن ضمير المتكلم، على الرغم من صدقه وقربه من الكتابة الذاتية، يؤدي أحيانًا إلى تقارب أصوات الشخصيات. فبعض المرضى والمتكلمين والحكماء يستخدمون لغة متشابهة، بما يجعل صوت المؤلف حاضرًا من خلفهم.

ومن شأن تنويع مستويات اللغة والإيقاع وطرائق التعبير أن يمنح الشخصيات استقلالًا أوضح، ويجعل الحوار أكثر قدرة على الكشف عن الفروق النفسية والاجتماعية بينها.

ومهما يكن من أمر فالقيمة الأساسية للكتاب تكمن في صدق تجربته وقرب موضوعاته من القارئ. فهو لا يبحث غالبًا عن الشخصيات الاستثنائية أو البيئات البعيدة، بل ينطلق من العيادة والمنزل والشارع وسيارة الأجرة والعلاقة الأسرية وذكريات الجد والجدة.

وهذا القرب يجعل النصوص قابلة للتلقي المباشر، لأن القارئ يجد فيها مواقف تشبه خبرته اليومية.

كما ينجح الكتاب في إقامة صلة بين الحب الفردي والمجال الأسري والاجتماعي والروحي. فالقلب ليس قلب العاشق وحده، بل قلب الأب والجد والابنة والصديق والمريض والإنسان الذي يخشى الرحيل قبل أن يقول ما يريد.

ومجمل القول: يقدم "القلب وخريف العمر" تجربة نثرية متعددة الأشكال، يتجاور فيها السرد والبوح والرسالة والتأمل، من دون أن تفقد مركزها الدلالي.

وتتحقق وحدة الكتاب من خلال القلب كمحور محرك للذاكرة والاحتياج، ومن خلال خريف العمر بوصفه زمنًا لمراجعة الماضي والتشبث بما بقي من الضوء.

وتؤدي الأجناس المختلفة وظائف متباينة داخل هذه الرؤية؛ فالقصة تجسد الفكرة في حدث ومفارقة، والخاطرة تكثف الشعور في صورة، والرسالة تقاوم الغياب بالمخاطبة، والتأمل ينقل الخبرة الفردية إلى معنى إنساني عام.

أما صوت فاطمة الزهراء، فيضيف إلى الكتاب بعدًا اعترافيًا واحتجاجيًا، ويكشف أن تعدد الأصوات لا يهدم الوحدة، بل يوسعها. فصوت الأب ينظر إلى الحياة من موقع المراجعة والحكمة، بينما ينطلق صوت الابنة من المواجهة والمطالبة بحضور وجداني صادق. لكن الصوتين يلتقيان في الإيمان بأن الإنسان لا يستطيع أن يحيا كاملًا من دون من يشاركه الطريق.

ويبقى السؤال

كيف يحمي الإنسان قلبه من أثر العمر والغياب والخذلان، من دون أن يفقد قدرته على الحب؟

إن إجابة الكتاب لا تأتي في صيغة نظرية واحدة، بل تتوزع بين مريض يبحث عن مفتاح، وطبيب يلحق آخر ضوء من النهار، ورسالة تحفظ صوت الغائب، وخاطرة تقاوم الصدأ، وابنة تسأل لماذا لا يكفي وجود الناس للقضاء على الوحدة.

ومن مجموع هذه الصور تتشكل رؤية العمل: لا يكون خريف العمر نهاية ما دام القلب قادرًا على التذكر والبوح وانتظار الضوء.

 ***

د. نجلاء نصير

من تقطيع الخطاب إلى اكتشاف وحدات اللغة

ليست اللغة كتلة صوتية أو دلالية صماء، وإنما هي نظام تتشابك داخله مستويات الصوت والصرف والتركيب والدلالة والتداول. ومن هنا نشأت حاجة اللساني إلى أن يكشف، داخل السلسلة الكلامية المتصلة، عن الوحدات التي تنتظمها وتمنحها قابليتها للفهم والتحليل. ولعل مفهوم «التأسيم» ـ إذا استعملناه للدلالة على ردّ الخطاب إلى أسيماته أو وحداته المكوّنة ـ يتيح لنا مدخلًا خصبًا لإعادة النظر في مفاهيم متجاورة، كثيرًا ما تتداخل في الاستعمال، هي: التقطيع، والتجزئة، والتقسيم، والتأسيم.

غير أن الدقة الاصطلاحية تقتضي التنبيه منذ البدء إلى أن «التأسيم» ليس من المصطلحات العربية اللسانية المستقرة بالدرجة نفسها التي استقر بها «التقطيع» أو «التقسيم»؛ ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه اقتراحًا اصطلاحيًا أو مفهومًا إجرائيًا، لا بوصفه مصطلحًا تراثيًا أو لسانيًا موحد الدلالة لدى جميع المدارس. وهذه المسألة ليست هامشية؛ إذ إن انتقال المصطلح اللساني من لغة إلى أخرى كثيرًا ما يفضي إلى تعدد المقابلات العربية للمفهوم الواحد. وقد كشفت دراسات المصطلح اللساني العربي عن حضور الترجمة والتعريب وإعادة الصياغة المفهومية في أعمال اللسانيين العرب المعاصرين، ومنهم تمام حسان.

أولًا: من السلسلة الكلامية إلى الوحدة اللسانية

تنطلق اللسانيات الحديثة من سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في نتائجه: كيف نعرف أين تبدأ الوحدة اللغوية وأين تنتهي؟

فالقول:

«كتبَ الطالبُ الدرسَ»

يبدو في الكتابة مؤلفًا من كلمات واضحة الحدود، لكن الكلام المنطوق لا يقدم لنا دائمًا هذه الحدود بالوضوح نفسه؛ إذ تتصل الأصوات وتتداخل المقاطع، ولا توجد في السلسلة الصوتية فواصل مادية ثابتة بين الكلمات كما في الكتابة.

وهنا يأتي التقطيع بوصفه إجراءً تحليليًا: أي البحث عن الحدود التي تسمح بفصل وحدات السلسلة اللغوية بعضها عن بعض.

وقد ارتبط هذا التصور في اللسانيات البنيوية والوظيفية بمفهوم التمفصل المزدوج عند أندريه مارتينيه؛ إذ تُحلَّل اللغة على مستويين: مستوى الوحدات ذات المعنى، ثم مستوى الوحدات الصوتية الأصغر التي تؤلف تلك الوحدات. وتعرض الأدبيات العربية هذا المفهوم بوصفه انتقالًا من تجزئة السلسلة إلى وحدات دالة إلى تحليل هذه الوحدات إلى عناصر صوتية.

وهنا تتضح قيمة التأسيم: فهو لا يعني مجرد «قطع» الكلام، بل الكشف عن الوحدات التي تجعل القطع ذا قيمة لسانية.

ثانياً: التقطيع والتجزئة والتقسيم والتأسيم

يمكن التمييز بينها إجرائيًا على النحو الآتي:

التقطيع هو فعل الكشف عن الحدود داخل سلسلة لغوية متصلة.

التجزئة هي تفكيك وحدة مركبة إلى مكونات أصغر، وقد تكون صوتية أو صرفية أو تركيبية أو دلالية.

التقسيم أعمّ من ذلك؛ إذ يمكن أن يكون تصنيفًا للوحدات بحسب خصائصها ووظائفها، وليس مجرد فصلها عن بعضها.

أما التأسيم، فيمكن أن نجعله المفهوم الأكثر دقة حين يكون المقصود استخراج الوحدات اللسانية التي تتمتع باستقلال وظيفي أو قيمة بنيوية داخل نظام معين.

وبعبارة أخرى:

 التقطيع يحدد الحدود، والتجزئة تكشف المكونات، والتقسيم يرتبها في فئات، أما التأسيم فيبحث عن الوحدة اللسانية ذات القيمة التي يقوم عليها التحليل.

وهذا التفريق ليس مجرد تلاعب بالألفاظ؛ لأن اختلاف الإجراء يؤدي إلى اختلاف النتيجة.

فحين نقول:

«والطالباتُ مجتهداتٌ»

يمكننا أن نقطّع السلسلة إلى كلمات:

والطالبات مجتهدات

ثم نجَزِّئ «الطالبات» صرفيًا إلى عناصرها:

ال زائد طالب زائد ات

ثم نقسم الوحدات بحسب الوظيفة النحوية:

الواو: حرف عطف.

الطالبات: مبتدأ.

مجتهدات: خبر.

أما حين نسأل عن الأسيمات التي تقوم عليها البنية، فنحن ننتقل من مجرد الفصل إلى البحث في طبيعة الوحدة وعلاقاتها ووظيفتها داخل النظام.

ثالثاً: سوسير والوحدة التي تستمد قيمتها من النظام

يمثل فرديناند دي سوسير نقطة تحول حاسمة في التفكير اللساني؛ فاللغة عنده ليست مجموعة أسماء ملصقة بأشياء العالم، وإنما نظام من العلاقات، والقيمة اللغوية لا تُفهم منعزلة عن شبكة العلاقات التي تنتظم داخلها.

ومن هذه الزاوية لا تكفي معرفة أن السلسلة يمكن تقسيمها إلى كلمات؛ إذ ينبغي أن نسأل: ما الذي يجعل هذه الوحدة وحدةً لغوية؟ وما قيمتها داخل النظام؟

وهنا يكتسب التأسيم بعدًا أعمق: فالوحدة ليست مجرد قطعة يمكن اقتطاعها ميكانيكيًا، وإنما هي عنصر تتحدد هويته من خلال موقعه وعلاقاته وتوزيعه ووظيفته.

ولهذا فإن التحليل اللساني لا ينبغي أن يتحول إلى عملية تشريح آلي للنص؛ لأن فصل العناصر عن شبكة العلاقات التي تمنحها قيمتها قد يؤدي إلى إفساد الظاهرة بدل تفسيرها.

رابعًا: مارتينيه والتقطيع المزدوج

مع أندريه مارتينيه أصبح مفهوم التقطيع المزدوج أكثر وضوحًا في وصف البنية اللغوية.

فعندما نقول:

«والدُرُوسُ مفيدةٌ»

يمكن النظر إلى السلسلة على مستوى أول باعتبارها وحدات ذات معنى ووظيفة، ثم الانتقال إلى مستوى أصغر تتشكل فيه هذه الوحدات من عناصر صوتية لا تحمل بالضرورة معنى مستقلًا.

وهذا ما يجعل اللغة نظامًا اقتصاديًا بالغ القدرة على الإنتاج: عدد محدود من الوحدات الصوتية يمكن أن يدخل في تراكيب لا حصر لها من الوحدات الدالة.

ومن هنا يصبح التأسيم قريبًا من سؤال جوهري في اللسانيات:

ما أصغر وحدة ذات وظيفة أو قيمة في المستوى الذي نحلله؟

فالوحدة الصوتية ليست هي الوحدة الصرفية، والوحدة الصرفية ليست هي الوحدة التركيبية، والوحدة التركيبية ليست هي الوحدة الدلالية أو التداولية.

وهذا يعني أن التأسيم متعدد المستويات، لا يمكن اختزاله في مستوى واحد من مستويات اللغة.

خامساً: الخليل وسيبويه وإرهاصات التفكير في الوحدات

وليس البحث عن الوحدات اللغوية اختراعًا لسانيًا غربيًا محضًا؛ فالتراث العربي القديم زاخر بإجراءات تحليلية تكشف وعيًا عميقًا بمبدأ الفصل بين العناصر وتصنيفها وربطها بوظائفها.

فعند الخليل بن أحمد الفراهيدي نجد عناية دقيقة بالأصوات ومخارجها وبنية الكلمة، وعند سيبويه نجد بناءً نحويًا يقوم على تصنيف الكلم والعلاقات بين عناصر التركيب.

ولذلك فإن قراءة التراث العربي من منظور لساني حديث ينبغي ألا تكون عملية إسقاط آلي للمصطلحات المعاصرة عليه، بل بحثًا في التقاطعات المنهجية بين طرائق التحليل القديمة والمفاهيم الحديثة.

وقد ذهب عبد الرحمن الحاج صالح، في مشروعه المتعلق باللسانيات الخليلية، إلى إبراز أن النحاة العرب اشتغلوا على تحديد الوحدات من خلال عمليات وتحويلات تكشف مواقع العناصر وعلاقات التبعية بينها، وهو تصور يختلف في بعض جوانبه عن طرائق التحليل الغربي المباشر للمكونات.

وهنا تظهر أهمية المصطلح: فليس المهم أن نسمي الإجراء القديم «تأسيمًا» لمجرد وجود تشابه، وإنما المهم أن نحدد ما الذي كان يفعله النحوي العربي بالفعل، وما الذي يفعله اللساني الحديث.

سادساً: تمام حسان وانتقال النحو من العلامة إلى القرينة

يمثل تمام حسان محطة بارزة في تجديد النظر إلى العربية؛ فقد حاول إعادة بناء الوصف النحوي على أسس تجمع بين التراث العربي والمناهج اللسانية الحديثة، وقدم تصورًا يجعل العلاقات النحوية قائمة على تضافر القرائن، لا على العلامة الإعرابية وحدها. وقد تناولت الدراسات الحديثة مشروعه بوصفه محاولة لإعادة وصف العربية من منظور وصفي ولساني حديث.

وهذا التصور مهم جدًا في قضية التأسيم؛ لأن الوحدة النحوية لا تُعرف دائمًا من شكلها الصرفي وحده، وإنما من مجموعة القرائن المتضافرة.

ففي قولنا:

«ضربَ زيدٌ عمرًا»

لا نستطيع أن نفهم وظيفة «زيد» و«عمر» اعتمادًا على ترتيب الكلمات وحده، ولا على الحركة الإعرابية وحدها، وإنما من خلال شبكة من القرائن: الرتبة، والعلامة، والتضام، والتعليق، والسياق، وغيرها.

وقد جعل تمام حسان قرينة التعليق من القرائن المركزية في التحليل النحوي، ورأى أن الكشف عنها يمثل الغاية الأعمق للتحليل الإعرابي في كثير من المواضع.

ومن هنا يصبح التأسيم عملية تتجاوز الحدود المرئية إلى اكتشاف العلاقات الخفية التي تجعل الوحدة جزءًا من بناء أكبر.

سابعاً: التأسيم ليس تقطيعًا آليًا

أخطر ما يمكن أن يقع فيه التحليل اللساني هو الاعتقاد بأن كل حدّ بين وحدتين يمكن اكتشافه بالمسطرة نفسها.

فاللغة لا تعمل بهذه البساطة.

خذ مثلًا العبارة:

«إنما المؤمنون إخوة»

هل نقسمها إلى كلمات فحسب؟ نعم، ولكن هذا التقسيم لا يكشف وحده بنيتها.

وإذا نظرنا إلى «إنما» مثلًا، وجدنا أن التحليل الصرفي قد ينظر إليها بطريقة، بينما ينظر إليها التحليل النحوي والتركيبي بوصفها أداة ذات وظيفة مخصوصة.

إذن:

 الحدود الكتابية ليست بالضرورة الحدود اللسانية.

وهذه قاعدة جوهرية.

فالكتابة تمثل اللغة، لكنها لا تطابق بنيتها تمام المطابقة.

ولهذا ينبغي أن يكون التأسيم وظيفيًا لا ميكانيكيًا؛ أي أن نسأل قبل فصل الوحدة: ما وظيفتها؟ وما استقلالها؟ وما علاقتها بما قبلها وما بعدها؟ وفي أي مستوى لغوي ننظر إليها؟

ثامناً: من الكلمة إلى الخطاب

إذا كان التأسيم في المستوى الصرفي يبحث عن المورفيمات، وفي المستوى الصوتي يبحث عن الوحدات الصوتية، وفي المستوى التركيبي يبحث عن المكونات، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما نصل إلى الخطاب.

فالخطاب لا يتكون من جمل متجاورة فقط، وإنما من وحدات تتفاعل فيها الدلالة مع السياق والمقام والقصد.

وهنا تكتسب أفكار تمام حسان حول المقال والمقام أهميتها؛ فقد رأى أن فهم المعنى لا يكتمل بالنظر إلى المقال وحده، بل ينبغي مراعاة المقام والسياق الذي وقع فيه الكلام. وهو يربط ذلك بما صاغه التراث البلاغي في عبارتي: «لكل مقام مقال» و«لكل كلمة مع صاحبتها مقام».

وبذلك ينتقل التأسيم من سؤال:

«أين تنتهي الجملة؟»

إلى سؤال أكثر عمقًا:

«أين تنتهي الوحدة التي تحمل وظيفة دلالية أو تداولية مستقلة داخل الخطاب؟»

وهنا يصبح التأسيم أداة في تحليل الخطاب، لا مجرد وسيلة لتقطيع الجمل.

تاسعاً: نحو ضبط اصطلاحي

يمكن، بناء على ما تقدم، اقتراح تمييز اصطلاحي عملي:

المصطلح الوظيفة الأساسية

التقطيع تحديد الحدود في السلسلة اللغوية

التجزئة تفكيك الوحدة إلى مكونات أصغر

التقسيم تصنيف الوحدات بحسب خصائصها أو وظائفها

التأسيم استخراج الوحدات ذات القيمة اللسانية وتحديد طبيعتها ووظيفتها

ولا يعني هذا أن هذه الحدود الاصطلاحية نهائية أو ملزمة؛ فالاصطلاح اللساني العربي لا يزال يشهد تعددًا في المقابلات واختلافًا بين المدارس والمترجمين والباحثين. وتؤكد دراسات المصطلح اللساني العربي أن عملية نقل المفاهيم الحديثة إلى العربية ظلت مجالًا للتفاعل بين الترجمة والتعريب وإعادة بناء المصطلح.

خاتمة: حين نؤسّم اللغة لا نجزئها فقط، بل نكشف نظامها

إن قيمة التأسيم ـ إذا استُقر عليه بهذا المعنى ـ لا تكمن في أنه يضيف لفظًا جديدًا إلى المعجم اللساني العربي، وإنما في أنه يلفت النظر إلى الفرق بين قطع السلسلة اللغوية وبين اكتشاف وحداتها اللسانية.

فاللغة ليست حبات متناثرة تنتظر من يجمعها، ولا جدارًا ينتظر من يشقه إلى قطع؛ إنها نسيج من العلاقات، والوحدة فيه لا تستمد قيمتها من وجودها منفردة، بل من موقعها داخل النظام.

ومن هنا يمكن القول:

التقطيع يرسم الحدود، والتجزئة تفكك البنية، والتقسيم يصنف الوحدات، أما التأسيم فيبحث عن الهوية اللسانية للوحدة داخل النظام.

وهذا هو الفارق بين أن ننظر إلى اللغة بوصفها سلسلة من الأصوات والكلمات، وأن ننظر إليها بوصفها بنيةً حية تتولد قيمها من العلاقات.

ولعل أعمق ما يمكن أن يقال في هذا السياق أن اللغة لا تكشف وحداتها لمن يقطعها، وإنما لمن يفهم نظام العلاقات التي تجعل كل وحدة منها ما هي عليه.

وهنا يلتقي التراث النحوي العربي، في بعض إجراءاته التحليلية، مع الدرس اللساني الحديث عند نقطة جوهرية: ليست مهمة الباحث أن يجزئ اللغة فحسب، بل أن يكتشف النظام الذي يجعل من هذا التجزيء معرفةً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

حين تصبح الإنسانية تمرينا يوميا.. وقفة أدبية نقدية مع قصيدة "تمرينٌ على أن نكون بشرا"، للشاعر جمال كروكار

الاشتغال على شعرية استحضار القيم الإنسانية المثالية في أشكال التعبيرات الأدبية الإبداعية، اشتغالٌ مرغوب فيه نقديا، وضرورةٌ قرائية مواكبة للشاخص من تمثلات جمالية لهذه القيم المتراجعة الحضور في العلاقات الإنسانية المعاصرة، فردية وجماعية.

من هذا المنطلقـ تأتي هذه الوقفة الأدبية النقدية مع قصيدة "تمرينٌ على أن نكون بشرا"، للشاعر جمال كروكار، الحاملة رؤية خاصة للحرب والسلام والحب، على اعتبار أنها محمولات دلالية تواصلية تفرض نفسها في الخطابات التعبيرية الفنية، لا على أساس أنها محمولات قيم خارجية تتداولها الأخبار والخطابات الرسمية في المحافل الدولية، بما يحقق لها حضورا نوعيا لازما يعيدها إلى موطنها الأعمق... هذا "الإنسان" المشروخ، في زمن تسيد ممارسات تحكمية، تنتهك حرمة حقوق الإنسان، بما تنص عليه المواثيق القانونية والسياسية الشرعية، ومنها وثيقة شريعة حقوق الإنسان.

من هنا تتمثل لنا قيمة النص الأساس، عندما ينتقل من العالم الخارجي الضاغط، إلى الذات المعانية في رحلة محاولات تغيير السائد الموبوء، ولو على أسنة حروف صارخة حقا وعدلا وخيرا وجمالا... انتقال تمثلي من الحدث العام إلى ارتداداته بين ثنايا الجسد والروح، من "سؤال السلام" بوصفه اتفاقا متواضعا عليه في مقولات سياسية مسكوكة، إلى "السلام باعتباره قدرة داخلية على ألا يتحول الإنسان إلى خصم لذاته وللآخر".

عنوان المتن الشعري نفسه يفتح آفاق القراءة ومغامرة السعي إلى القبض على جوهر الرهان الشعري التداولي منذ البداية.

اختيار الملفوظ اللسني، سيميائيا، "تمرين"، من حد ربضه الدال على ظاهر المعنى، إلى حد ربض بدائل له بلاغية غير دالة، من باب "رحلة" أو "بحث" أو "دعوة"... يجعل الإنسانية "فعلا" غير مكتمل، وممارسة تحتاج إلى تكرار ومجاهدة.

تمثيليا، صيغة "أن نكون بشرا" تتجاوز المعنى المحدد لطبيعة الكائن / الإنسان بيولوجيا، إلى الإنسان / المعنى الأخلاقي والوجودي... بما يسمح بطرح التساؤل الفلسفي الإشكالي: (كيف نستعيد إنسانيتنا في عالم يدفعنا باستمرار إلى التشظي، والخوف، والعنف، والتدافع، والانغلاق؟).

بنائيا، تتأسس القصيدة على وظيفية حركة داخلية جلية، تبدأ من "بنية الصمت"، حيث "يجلس الليل / قريبا من القلب"، لتنتقل إلى "بنية الحرب، فالسلام، فالحب"، قبل أن تتسع الدائرة نحو بنية ضامة شمولية، هي "بنية العالم والآخرين"، لتعود في النهاية إلى البنية المحورية المركزية الأساس، "بنية الذات"... المعبر عنا في الملفوظ الشعري بمتوالية: "أنا هنا / أحاول فقط / أن أكون / إنسانا".

هي حركة لولبية دائرية ارتدادية منغلقة... من الذات إلى العالم، ثم من العالم إلى الذات، وكأن الشاعر جمال كروكار لا يجد خلاص الإنسان إلا في جدلية إعادة اكتشاف الإنسان نفسَه داخل نفسِه.

وعطفا عليه - من أبلغ ما يحققه النص فنيا - فإنه لا يشخصن الحرب باعتبارها مشهدا عدائيا خارجيا، فهي في تعبير الشاعر: "لم تكن / في الأخبار فقط"، وإنما كانت في "ارتباك أنفاسي"... هنا تنجح القصيدة في شعرية نقل المفهوم من المجال الإعلامي والسياسي إلى المجال الذاتي الوجداني والجسدي... الحرب تصبح قلقا، اختناقا، وجدارا من الكلمات تتوارى خلفه الذات، إذ يتحول هذا الجدار إلى صورة مركزية ذات دلالة ثنائية مزدوجة... وسيلة حماية، لكنه في الوقت نفسه وسيلة عزل وإخفاء.

في مقابل "جدار الحرب"، يطل النص من نافذة... "نافذة صغيرة / للضوء"، وإذا كان الجدار قابلا لأن يُغلق، فإن النافذة مطواع - في عناد ومقاومة - قابلة لأن تفتح... وإذا كان الاختباء فعلا دفاعيا، فإن الضوء يمثل إمكان الانكشاف واستعادة الذات.

هكذا تتشكل - في جسد القصيدة - شبكةٌ رمزية بسيطة، لكنها فعالة، قوامها:

(الصمت/الليل/الجدار في جهة، والنافذة/الضوء/الفجر في الجهة المقابلة).

أما السلام، فالشاعر يعيد تعريفه، بعيدا عن صورته الرسمية "السلام / ليس / توقيعا / يتعب الملوك في رسمه"، إنه ليس وثيقة رسمية تنهي نزاعا فحسب، بل هي حالة وجودية كيانية، تتجسد في أبسط مظاهر علاقة للإنسان بذاته: "أن تمر أمام مرآتك / بهدوء / دون أن يجرحك / وجهك"، و"المرآة" هنا – رمزيا - ليست مجرد وسيلة وأداة لمعاينة شاخص الذات، وإنما هي اختبار أخلاقي لهذه الذات، فالسلام الحقيقي يبدأ حين يستطيع الإنسان مواجهة صورته - بكل شجاعة وجرأة - دون اغتراب أو كراهية أو أدنى إحساس وشعور بالذنب.

مفصليا، يأتي الحب بوصفه الوجه الآخر للسلام، لكنه لا يُقدَّم في صورة استعارية، مستعارة، مثالية، مكتملة بناء... بل يقدَّم على أنه "ذلك / الخوف الجميل / الذي يقول: / أنا هنا / ولستُ كاملا"، وهذه منطقة تشخيصية من أكثر مناطق النص مفارقة وكثافة، لأن الحب هنا ليس امتلاكا ولا ادعاء للكمال، وإنما هو اعتراف بالهشاشة والنقص والانكسار والتشظي... إن قول "لست كاملا" هو في العمق قبول لهذه الذات، وتقبّل لذلك الآخر، ومن ثم، فهو أحد شروط الإنسانية التي تبحث عنها الذات الشاعرة.

تتسع فضاءات التعبير في القصيدة، وتنقل ما بين ضمير المتكلم وضمير الجماعة، في شعرية بلاغة التفات دالة مشعرة بالجمال والتوتر التبادلي: "أيها العالم المتعب / نحن نتقاسم التعب نفسه"، ولا تأتي هذه النقلة اعتباطيا، فالذات - في عتمتها الخاصة -تكتشف أن تعبها ليس ذاتيا فرديا، بل إن هشاشتها جزء من هشاشة إنسانية كبرى مأساوية مشتركة، حيث يصبح الهواء، والنبض، والانتظار، عناصر لتأسيس وحدة إنسانية تكاملية، تتجاوز الحدود والهويات الضيقة.

يبلغ هذا المنحى ذروته في صورة النبض: "هذا / النبض / ليس / ملكك وحدك"، وهو هنا استعارة كبرى ضامة، معبرة عن الذاكرة الإنسانية الجمعية، إنها "أسطرة" لوازع حمل أصوات الذين "أحبّوا / خسروا / ثم / عادوا / يحاولون"، وفي هذه الأفعال الحركية المتتابعة - ببطولتها الإشكالية – تكثِّف محمول فلسفة النص كله... "الحب، والخسارة، ثم المحاولة"، فالإنسان ليس من لا يسقط، بل هو - قطعا - من يستعيد قدرته على محاولة النهوض بعد السقوط.

بنائيا، أيضا، تعتمد القصيدة اقتصادا معجميا تركيبيا لغويا واضحا، تستثمر التقطيع السطري بوصفه عنصرا دلاليا، لا مجرد تنسيق بصري، فالكلمات المفردة أو التراكيب القصيرة، من مثل: "في / الصمت، السلام، الحب، هذا / النبض"، تمنح القراءة إيقاعا متقطعا منكسرا، يشبه حركة التأمل والإنصات الداخلي في تموجاتها مدا وجزرا، كما أن البياض السكوتي بين الأسطر يؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية، حيث يترك للمعنى مساحة لارتجاعات الصدى وارتدادته الارتكاسية، كما جعل الصمت جزءا إيقاعيا من موسيقى القصيدة.

لا تقوم موسيقى النص على حركية نبض الوزن الخليلي، أو تواليات أصوات القافية، وإنما على إيقاع ثاو في جسد المتن، بتقنية التكرار العمودي والأفقي، ومعادلة التوازي، ورنة التقطيع... يتكرر "السلام"، ويتكرر "ما" في البنية الدلالية، وتعود صيغ الأمر مثل "ضع يدك"، "ازرعه"، "امنح الحب"... بما يمنح النص نبرة خطابية هادئة، لا تتحول إلى مباشرة خطابية تعليمية ثقيلة، لأن الشاعر يوازنها باستمرار بصور شعرية بسيطة ومكثفة.

من منطلقات شعرية قصيدة النثر، ينهض النص على وحدة وظيفية الاشتغال على وحدة عضوية دلالية، أكثر مما ينهض على وحدة موسيقية وزنية مسكوكة، فكل مقطع يضيء جانبا من السؤال المركزي: (كيف يمكن للإنسان أن يستعيد إنسانيته وسط عالم مثقل بالحرب والخوف والفقد؟)، ولذلك تتساند الصور "النافذة، الجدار، المرآة، الفجر، النبض، الطفل، القل" لتكوين "حقل رمزي واحد" تتقاطع داخله ثنائيات الظلام والضوء، الحرب والسلام، الانغلاق والانفتاح، الخوف والحب، الفرد والجماعة.

ويأتي باب القل والختام، ليمنح العنوانَ معناه الأكثر مفارقة وعمقا: "وكلما / ظننتُ / أنني / اقتربت من ذلك… / أكتشف / أن الحياة / كانت / تتمرّن / عليّ"، هنا تنقلب العلاقة بين الإنسان والحياة، فبعد أن بدا الإنسان هو الذي "يتمرّن" على أن يكون إنسانا، تكشف النهاية أن الحياة نفسها كانت تتمرن عليه... إنها مفارقة شعرية تختصر التجربة كلها... الإنسان لا يصنع إنسانيته في فراغ، بل تحت ضغوطات الحياة، وإكراهاتها، وخيباتها، وصدماتها، وحروبها، وحبها، وفقدها... ومحاولاتها المتكررة لاختبار قدرته على البقاء إنسانا.

بهذا المعنى، لا تقدم قصيدة الشاعر جمال كروكار وصفةً جاهزة للسلام، ولا تعلن امتلاكها حقيقة نهائية عن الإنسان، إذ إنها تضع المحاولة في مركز التجربة، فالإنسانية ليست حالة مكتملة، بل فعل يومي، وربما تمرين لا ينتهي.

من هنا تنبع تجليات شعرية النص... من قدرته على تحويل تلك المفاهيم الكبرى إلى صور حميمة، وعلى نقل الحرب من نشرات الأخبار إلى ارتباك النفس، والسلام من موائد المفاوضات إلى مرآة الذات، والحب من خطاب العاطفة إلى الاعتراف بالنقص، ثم تحويل النبض الفردي إلى ذاكرة إنسانية مشتركة.

إنها قصيدة نثرية حارقة، مشحونة بحس تأملي عميق، وبرؤية فلسفة إنسانية جلية، وببناء رمزي متماسك، وباقتصاد لغوي، وبإيقاع داخلي قائم على التكرار والتقطيع والبياض... وأهم ما تقوله، في النهاية، هو أن نكون بشرا، ليس امتيازا نمتلكه مرة واحدة، بل مسؤولية نعيد اختبارها كل يوم، وكلما ظننا أننا بلغناها، جاءت الحياة لتضعنا أمام تمرين جديد.

***

عبد الرحمن بوطيب

.........................

تمرينٌ على أن نكون بشرا

في الصمت

حيث يجلس الليل

قريبا من القلب

أفتّش في صدري

عن نافذة صغيرة

للضوء

الحرب

لم تكن في الأخبار فقط

كانت في ارتباك أنفاسي

وفي الجدار

الذي أبنيه من الكلمات

كي لا أُرى

كما أنا

السلام

ليس توقيعا

يتعب الملوك في رسمه

السلام

أن تمرّ أمام مرآتك بهدوء

دون أن يجرحك

وجهك

أما الحب

فذلك الخوف الجميل

الذي

يقول

أنا هنا

ولستُ كاملا

أيها العالم المتعب

نحن نتقاسم التعب نفسه

نشرب الهواء ذاته

وننتظر الفجر

كما ينتظر طفل

شيئا

لا يعرف اسمه بعد

ضع يدك

على صدرك

هذا النبض

ليس ملكك وحدك

إنه يتذكر

أصوات الذين مرّوا من هنا:

أحبّوا

خسروا

ثم عادوا

يحاولون

لا تنتظر السلام

أن يسقط من السماء

ازرعه

في أضيق شقوق قلبك

وامنح الحب

حتى للغرباء

فربما

في مكانٍ ما

هناك قلبٌ

ينتظر

هذه المحاولة

أنا هنا

أحاول فقط

أن أكون

إنسانا

وكلما ظننتُ

أنني اقتربت من ذلك

أكتشف

أن الحياة

كانت

تتمرّن

عليّ

***

جمال كروكار

الزمن الكتابي في (لغة بأعضاء داخلية) لأمل عايد البابلي

قد تكون التفاصيل التي تبدو لنا هامشية، أحياناً، أكثر قدرة على إضاءة بنية النص، من العناوين الكبيرة، والمواضيع البارزة، ونجاري ربما بذلك العبارة الانجليزية الشهيرة (الشيطان يكمن في التفاصيل)، فثمة تفصيل صغير في المجموعة الشعرية (لغة بأعضاء داخلية) للشاعرة أمل عايد البابلي، قد يمر به القارئ مروراً عابراً، وربما لا يلفت انتباهه، وهو التاريخ المصاحب النص.

تضم المجموعة ثلاثة وأربعين نصاً، تتوزع فيها التواريخ على اربعة وثلاثين نصاً فقط، وتنتظم بتواريخ متتابعة، من1/4/2026 إلى 19/5/2026 إلا في بعض المواضع، حيث يتقدم أحد التواريخ عن موقعه ضمن الخارطة الزمنية، المبنية على التتابع، وهو تاريخ نص (غيمة في السجن بتهمة المطر)، إذ أنه يحمل تاريخ 17/5/2026 بينما النص الذي يسبقه 24/4/2026 ، والذي يأتي بعده 26/4/2026، بالإضافة إلى أن هناك بعض النصوص تشترك بنفس التاريخ، وهذا الانتظام الزمني ليس تفصيلاً خارجياً، لأن القارئ يجد أثراً زمنياً يتكرر حتى يكاد يصنع تقويماً خفياً للمجموعة.

لذلك فإن أردنا قراءة المجموعة وفق هذا التقويم الزمني، يمكننا التمييز بين ثلاثة أزمنة تتجاور فيها، زمن التجربة، وزمن الكتابة، وزمن ترتيب النصوص، فالأول هو الزمن الذي يمكننا أن نطلق عليه (الزمن الثيماتي) –إن جاز لنا التعبير- الذي تعيش فيه الذات كـ(أنا النص) ما تعيشه من فقد وحزن وغياب وحرب وذاكرة، والثاني هو التاريخ المثبت أسفل النص، أما الثالث فهو الزمن الذي يخلقه ترتيب النصوص داخل المجموعة، ولا يشترط أن تتطابق هذه الأزمنة حتى تنتج دلالة؛ فربما تكون المسافة بينها هي من تمنح المجموعة جزءاً من فرادتها.

إن تثبيت التاريخ أسفل النص يمنحه لأول وهلة صفة توثيقية، وكأن الشاعرة تخبرنا، أن النص لم يأت من فراغ، لقد حدث في يوم محدد، لكن المفارقة أنه يقاوم هذا التحديد؛ إذ لا يحكي بالضرورة ما وقع في ذلك اليوم، ولا يُقدم كيوميات بالمعنى المباشر.

يكشف التاريخ في هذه المجموعة عجزه عن احتواء التجربة الشعرية، إذ أن هناك يوم محدد مثبت بالأرقام، لكن ما يحمله النص لا يملك التاريخ نفسه، فهو يمتد إلى ما قبله وما بعده، ويعود إلى الذاكرة، ويتقدم إلى الاحتمال، ويتحول من تجربة شخصية إلى صورة أوسع للوجود.

لذا يمكننا النظر إلى عناوين مثل (حين يتقن الحزن كتابتك)، و(نسخة لا تُستعاد)، و(حين يغيب وجهك... تبدأ الحرب)، و(جغرافيا الغياب حين يتحول إلى مناخ)، كعلامات على انتقال الحزن من كونه حالة إلى كونه زمناً، فلا يقع الحزن في هذه المجموعة داخل الزمن؛ إنه يعيد تشكيله، حين (يتقن) الحزن كتابة الذات، يصبح فاعلاً في إنتاج النص، وحين يتحول الغياب إلى (مناخ)، يصبح بيئة تقيم فيها تلك الذات، حيث تكشف نصوص المجموعة هذا التنامي فمن (الفراغ) و(الانطفاء) و(الجفاف) إلى (الغياب) و(القيامة) و(اللغة) و(الأجساد).

تؤرخ الشاعرة نصها، لكنها لا تؤرخ بالضرورة الحدث الذي يتحدث عنه، لينفصل زمن الكتابة عن زمن التجربة، وقد تكون هذه المسافة مقصودة أو غير مقصودة على مستوى وعي الشاعرة، لكنها موجودة كأثر نصي، ومن حق القراءة أن تسأل عما ينتجه هذا الأثر.

يضع ترتيب المجموعة نص (حين ينكرني الفراغ) في البداية، ثم تتابع العناوين الأخرى مثل (مجرات من انطفاء)، و(جفاف يتعلم المشي)، و(خطاي تلتهم أحدهما الأخرى)، ثم (كيف تربي ظلك)، و(مشرط الماء في جسد العدم)، و(هندسة الظل الأخير)، وصولاً إلى (حين يتقن الحزن كتابتك) و(نسخة لا تستعاد)، وهذه ليست بالضرورة حكاية ذات بداية ووسط ونهاية، لكن ترتيبها يسمح بقراءة حركة داخلية، من الفراغ إلى الحزن، ومن الحزن إلى الجسد، ومن الجسد إلى اللغة، ثم من الذات إلى العالم.

لكن يجب أن لا نستعجل بالقول إن المجموعة رتبت نصوصها وفق التسلسل الزمني لكتابتها، إذ أن هناك اضطرابات في تلك التواريخ، كما أسلفنا، وهو ما يحذرنا من بناء استنتاج قطعي على الترتيب الطباعي وحده، لكن هذه الملاحظة لا تلغي السؤال؛ فإن لم يكن ترتيب المجموعة نسخة مطابقة لتسلسل الأيام، فما الذي يحدث حين ينتقل النص من زمنه الخاص إلى الزمن المرفق به؟

حين يكتب النص في يوم معين يمتلك زمناً خاصاً، لكن إدخاله في مجموعة شعرية ينتزعه جزئياً من ذلك الزمن، ليصبح جزءاً من بنية أكبر، وبذلك ينتقل النص من زمن الكتابة إلى زمن المجموعة، لتتشكل دلالة، بين الزمنين، لا يمكن العثور عليها في النص منفرداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التحول التدريجي الذي تشهده المجموعة من داخل الذات إلى خارجها، ففي بداياتها تكثر مفردات الفراغ والانطفاء والظل والعدم، ثم تتقدم موضوعات المأوى والغياب والأم والحرب والكارثة، قبل أن تتسع الدائرة في النصوص الأخيرة لتشمل المدينة والشارع والأجساد، هذا التحول لا يعني أن الذات تختفي؛ على العكس، إنها تخرج من داخلها إلى العالم وهي تحمل جرحها معها.

في نص (قيامة صغيرة تحت الجلد) على سبيل المثال:

في المرآة

أرى أمرأة ً تُبدل أعضاءها كل َّصباح

كما تُبدلُ ألمدن ُأسماء َشوارعها بعد ألحروب.

أصابعي ليست لي تماماً،

إنها فروعُ شجرة ٍهرمة

دفنتُها في طفولتي،

ثم عادت لتنمو من يدي

كل ما صافحت ُحزناً.

أمي تقول ُإنني وُلدت ُطبيعية،

لكن ألممرضةَـ على ما أ ذكرـ

كانت ْتلتقط ُمن تحت ألسرير

قطعا ًصغيرة ًمن ألغيوم

تساقطت ْمن فمي أثناء ألبكاء.

تعود القيامة إلى الداخل، إلى الجسد، وإلى ذاكرة تتصل بالطفولة والحرب والمدينة، وفي نص (لغةٌ تنزف من الداخل) والمقطع الذي تقول فيه الشاعرة إنها (كبرت/ حتى صار قلبي لغة بأعضاء داخلية) تتكثف العلاقة بين الجسد واللغة والذاكرة في صورة واحدة، لكن هذه اللغة لا تبقى حبيسة الداخل طويلاً، ففي النهاية تصل المجموعة إلى نص (مكنسة تكنس الأجساد من الشارع):

لم تكن الرصاصة

تعرف ُصدرهُ.

كانت ْتبحث ُعن رغيف ٍأختبأ طويلاً

في جيب ِعامل نظافة

لهذأ،

حين َسقطَ،

تناثرت ْأرغفة صغيرة من عيونِ أطفالِهِ،

وأمتلأَ الليل ُبفتات ألجوع

لم يمت الرجل ُ وحدهُ

سقطت ْ معه ُ المائدة

وألملحُ

والكرسي ُّالوحيد ُألذي كان َ ينتظرُ عودتَه

ككلب ٍأليف

في تلك ألليلة.

حيث يسقط عامل النظافة برصاصة، وتبقى مكنسته شاهدة على جسد لم يعد قادراً على إتمام عمله، فنهاية المجموعة تعيد قراءة بدايتها بطريقة مختلفة، فالنجاة التي ظهرت في الإهداء كمحاولة ينتج عنها (عضو جديد للحزن) لا تنتهي إلى خلاص، الجسد الذي كان في البداية مجالاً للحزن يصبح في النهاية أجساداً في الشارع، واللغة التي نمت داخل الجسد تنتهي أمام سؤال عما ينبغي تنظيفه أولاً، الشارع أم البشر، عند هذه النقطة يتجاوز النص تجربة الذات من دون أن يتخلى عنها، ويتحول الجرح الداخلي إلى جرح في المدينة.

ومن الممكن أن نفهم هذا التحول كأرشفة لتحول الحزن، فنصوص المجموعة لا تقدم الحزن دفعة واحدة؛ إنها تتابع تغير أشكاله، فيبدأ فراغاً، ليصير ظلاً، ثم جسداً، ولغة، وحرباً، إلى أن يصبح مدينة، ولذلك فإن قراءة النصوص بحسب موضوعاتها وحدها قد تفوت جانباً من حركتها؛ لأن ما يتغير هو موقعها في الزمن.

ويصبح مفهوم (الزمن الكتابي) حاضراً في القراءة، وما أقصده هو الزمن الذي ينشأ من حضور تاريخ الكتابة داخل المجموعة حين يتحول التاريخ من معلومة خارجية إلى أثر يشارك في تنظيم علاقتنا بالنصوص، أن تكرار التواريخ يجعل من الممكن قراءتها كسلسلة من العلامات، لهذا لا يمكن وضعها مباشرة تحت لافتة (قصيدة اليوميات)، فاليومية تفترض علاقة معينة بين الكتابة واليوم المعيش، بينما ما نراه أكثر التباساً، التاريخ حاضر، لكن الحدث غائب أو متحول، والزمن محدد على الصفحة لكنه مفتوح داخل النص.

ولعل هذه المفارقة هي التي تمنح المجموعة جانباً من قوتها، فهي تريد أن تمنح اللغة أعضاء داخلية، لكنها تمنح الزمن أيضاً طبقات داخلية، فثمة تاريخ ظاهر يمكن للقارئ أن يراه، وثمة زمن آخر لا يظهر إلا حين تتجاور النصوص وتتبادل مفرداتها وصورها وندوبها، وإذا كان عنوان المجموعة يتحدث عن أعضاء لا تُرى من الخارج، فإن الزمن الذي تبنيه المجموعة يشبه هذه الأعضاء، لا يظهر كموضوع، لكنه يعمل في الداخل.

تؤرخ الشاعرة نصوصها كي تثبت لحظتها، لكن المجموعة تفعل العكس؛ فهي تنزع النصوص من لحظاتها المفردة وتعيد تركيبها في زمن شعري آخر، وهكذا يصبح هذا التاريخ بدايتها الثانية، فلا يسجل الشعر، في هذه الحالة، جرحه؛ إنه يؤرخه، ثم يعيد تشكيله بعد أن يخرج من يوميته وهذه المسافة بين لحظة الكتابة وزمن القراءة، هي التي تجعل مجموعة (لغة بأعضاء داخلية) قابلة لأن تُقرأ كتجربة في الزمن بقدر ما هي تجربة في اللغة والجسد والحزن.

فإذا كان "الإهداء" يقول إن كل محاولة للنجاة تنبت في الجسد عضواً جديداً للحزن، فإن قراءة المجموعة في امتدادها الزمني تقترح احتمالاً آخر، وهو أن النصوص قد تنمو أيضاً، وتغير أعضاءها، وتبدل مواضع ألمها، انطلاقاً من المكنسة والجسد والرصاصة، فلا تعود المسألة شأناً داخلياً خالصاً، لقد خرج ما كان ينمو تحت الجلد إلى العالم، لذلك يمكننا قراءة المجموعة برمتها كسيرة زمنية لجرح يكتب نفسه؛ سيرة للشعر وهو ينتقل من لحظة الكتابة إلى زمن القراءة، ومن الداخل إلى الخارج، ومن العضو الخفي إلى الجسد الذي صار مرئياً.

***

أمجد نجم الزيدي

...............

- لغة بأعضاء داخلية (مجموعة شعرية)، أمل عايد البابلي، دار السومري، ط1 الناصرية 2026

تطرَّق المساق السابق إلى عاصفة الرواية التي هبَّت بعد عام 2001 على عالمنا العربي، بما أثارته من زوابع هنا وهناك. وقد دهمتْ الساحات طافحةً بدوافع الفضح الاجتماعي. وكانت إرهاصاتها قد بدأت منذ فوز (نجيب محفوظ) بجائزة نوبل، 1988. وأشرنا إلى أنَّه بترسيخ اللَّهجات العاميَّة في بعض الروايات كان يكتمل سرد الضحالة: سُوقيَّة اللُّغة وانحطاط المضامين. قلتُ لـ(ذي القُروح)، طيَّب الله قُروحه:

-يجب، في رأي بعض أولئك، إثبات أنَّ اللُّغة العَرَبيَّة ليست بلغةٍ مقدَّسة، كما يزعم الزاعمون، الذين لا بُدَّ أن يُخرَجوا من قريتنا الثقافيَّة لأنهم أناس يَتَطَهَّرُون، بل هي لغة مدنَّسة. إذ لا يمكنك صناعة (عجَّة/ شكشوكة) دون أن تكسر بيضًا، حسب مقولة (لينين)!

-القداسة، إذن، سُبَّة، والدَّنَس شَرَف، واستنارة، وحُريَّة، وحضارة! وحينما يقول هؤلاء إنَّ العَرَبيَّة ليست بمقدَّسة، لا يعون أنهم يعترفون تلقائيًّا أنهم يَعدُّون الجنس دنسًا، وبضِدِّ القداسة.

-ولم يكن العَرَب، ولا الإسلام، ينظران إلى (الجنس) بأنه رذيلة أو دَنَسًا، إلَّا إنْ كان محرَّمًا.

-صحيح! حتى إنك لتجد اللُّغة الحِسِّيَّة منبثَّةً في اللِّسان العَرَبي قديمًا، على نحوٍ قد تنبو عنه أذواق المعاصرين. بل سترى المجازات في ذلك تقتحم على البلاغيِّين عباراتهم كثيرًا.

-مثلًا؟

-خُذْ مثالًا من قول (عبدالقاهر الجرجاني)، في مقدِّمة كتابه «شرح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»(1)، ومخاطبته ذلك الذي رَغِب إليه في كتابة الشرح: «وأبديتَ لي صفحة عنايتك بتصوُّر معانيه، وافتراع أبكاره»! وكان بوسعه أن يستبدل بعبارة «افتراع أبكاره» هذه تعبيرات أخرى كثيرة، لولا أنَّ الخيال الحِسِّي يخامر المتحدِّث والكاتب، ولاسيما في سياق الحديث عن اللُّغة والأدب، ممَّا قد ينعته النقد الثقافي الحديث بنزعةٍ ذكوريَّة لدَى المؤلِّف.

-على أنَّ هذا كان يصل إلى مستوًى تمجُّه الذائقة السليمة، قديمة أو حديثة.

-أمَّا في الشِّعر، فحدِّث ولا حرج!

-حدِّث، إذن، ولا حرج! ولا حياء في العِلْم!

-كأنَّ هذا أطربكَ أنتَ أيضًا؟!

-وهل أنا إلَّا من غُزيَّة؟!

-انظر، مثلًا، إلى بائيَّة (أبي تمَّام) المشهورة في مديح (المعتصم) لفتحه (عمُّوريَّة)، وكيف كانت تُلِحُّ على ذهن الشاعر الكهرباء الجنسيَّة العدوانيَّة إلحاحًا مقزِّزًا؛ حين يصف لك الفاتحين وكأنهم، مع الأسف، قطعان من الحُمُر المستنفرة، لا من البَشَر، ولا من المسلمين. وهذه أقبح صورة للثقافة العَرَبيَّة والإسلاميَّة دشَّنها أبو تمَّامنا منذ العصر العباسي، وظلَّ العَرَب والمسلمون يتغنَّون بها عبر العصور، ويحفِّظونها أطفالهم:

أُمٌّ لَـهُمْ لَو رَجَوا أَنْ تُفتَدَى جَعَلوا

فِداءَها كُلَّ أُمٍّ مِنهُمُ وأَبِ

*

وبَرْزَةُ الوَجْهِ قَد أَعيَتْ رِياضَتُها

كِسْرَى وصَدَّتْ صُدُوْدًا عَن أَبي كَرِبِ

*

بِكرٌ فَما افتَرَعتْها كَفُّ حادِثَةٍ

ولا تَرَقَّتْ إِلَيها هِـمَّةُ النُّوَبِ

*

لَم تَطْلُعِ الشَّمسُ فيهِ يَومَ ذاكَ عَلى

بانٍ بِأَهلٍ ولَم تَغرُبْ عَلى عَزَبِ

*

ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعمُورًا يُطِيفُ بِهِ

غَيلانُ أَبهَى رُبًى مِن رَبعِها الخَرِبِ

*

ولا الخُدُودُ وقَد أُدْمِينَ مِن خَجَلٍ

أَشهَى إِلى ناظِرٍ مِن خَدِّها التَّرِبِ

*

لَبَّيتَ صَوتًا زِبَطْرِيًّا هَرَقْتَ لَهُ

كَأسَ الكَرَى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ

*

عَداكَ حَرُّ الثُّغُورِ المُستَضامَةِ عَن

بَرْدِ الثُّغُورِ وعَن سَلْسالِـها الحَصِبِ

*

كَمْ نِيْلَ تَحتَ سَناها مِن سَنا قَمَرٍ

وتَحتَ عارِضِها مِن عارِضٍ شَنِبِ

*

كَمْ كانَ في قَطْعِ أَسْبابِ الرِّقابِ بِها

إِلى المُخَدَّرَةِ العَذراءِ مِن سَبَبِ

*

كَمْ أَحرَزَتْ قُضُبُ الهِندِيِّ مُصْلَتَةً

تَهتَزُّ مِن قُضُبٍ تَهتَزُّ في كُثُبِ

*

بِيْضٌ إِذا انتُضِيَتْ مِن حُجْبِها رَجَعَتْ

أَحَقَّ بِالبِيضِ أَترابًا مِنَ الحُجُبِ(2)

-كم.. وكم.. وكم... ما كلُّ هذا؟ وكيف لا نقرأه ولا نراه؟

-إنَّه العَمَى الأيديولوجي والثقافي! على أنَّ كلَّ هذا السُّعار في وصف (حرب)، فكيف لو حُذِفت الراء؟!

-حدِّثْ ولا حَرَج!

-وهكذا ما ينفكُّ يخامر الشاعرَ الخيالُ الحِسِّي في كلِّ تفاصيل ذلك الفتح، وكأنه فتحٌ من نوعٍ آخَر. وكانت فكرة السَّبْي، وانتهاك أعراض النِّساء، تُلِحَّان على ذهن (أبي تمَّام)، «المريض بثقافته»، حتى لا يكاد يذكر الحرب إلَّا وتقفز بغريزته إلى المرأة والشهوات البذيئة، منوِّهًا بما يمكن أن يكون من مكاسب الممدوح في النيل من أعراض خصومه. كما يقول من قصيدة أخرى:

مِنَ المَطَرِيِّينَ الأُلَى لَيسَ يَنجَلي

بِغَيرِهِمُ لِلدَّهرِ صَرْفٌ ولا لَزْبُ

*

وما اجتُلِيَتْ بِكْرٌ مِنَ الحَربِ ناهِدٌ

ولا ثَيِّبٌ إِلَّا ومِنهُمْ لَها خِطْبُ

*

جُعِلْتَ نِظامَ المَكرُماتِ فَلَم تَدُرْ

رَحَى سُؤْدُدٍ إلَّا وأَنتَ لَها قُطْبُ(3)

- يا له من نظام مكرمات، ومن رحًى سُؤدد، هو قطبها!

-والحقُّ أن دافع الشعراء العباسيِّين إلى الشِّعر كان في الأساس نفاق السلاطين والتكسُّب. إذ كان ناشئ الفتيان في ذلك العصر يكُدُّ نفسه كَدًّا ليرتزق. ومن وجوه الارتزاق أن يكون شاعر بلاط، أو كاتبًا ديوانيًّا. فالشِّعر كان مصدر رزقٍ لا يستهان به، وكان هذا مهوى أفئدة الفتيان قبل أيِّ شيءٍ، ولا سيما من الطبقات الفقيرة، كـ(أبي تمَّام)، و(أبي الطيِّب)، وسائر العصبة الشِّعريَّة العبَّاسيَّة. يُفلِح بعضهم، ولكن يبقى الغثاء أكثر!

-الكارثة أن ذلك الغثاء يتحوَّل إلى تُراثٍ مبجَّل، وإلى تعليم أجيال، وإعلام أُمَّة!

-نعود إلى القول إنَّ ذاك النزوع الغريزي كان يخامر (أبا تمَّام) في تصوير حالات السِّلم والحرب على السَّواء. حتى إنَّ قوافيه نفسها، كما يباهي بهذا، تستحيل إلى عذارَى مبتذلة، لتلبية شهوات الممدوح ونزواته، «غير مدافَع»:

عَذارَى قَوافٍ كُنتَ غَيرَ مُدافَعٍ

أَبا عُذْرِها لا ظُلْمَ ذاكَ ولا غَصْبُ(4)

وفي رواية: «كنتُ غَيرَ مُدافَعٍ». وعلى هذه الرواية يكون هو وممدوحه على مذهبٍ واحد من الذكوريَّة اللُّغويَّة!

- معنى هذا أنَّ (أبا نُوَاس)، الذي اشتهر بالتهتُّك والخمريَّات والغلمانيَّات، ليس بوحيد قرنه في ذلك العصر؟

- كلَّا، كلَّ ما في الأمر أنَّ (أبا نواس) جعل هذا غرضًا لشِعره. بل العصر العبَّاسي كلُّه بدا غارقًا في مجونه وسُعاره، لا نستقرئ ذلك تاريخيًّا فحسب، بل عبر وثائق النصوص أيضًا.

..............

* مرفأ:

ومَنْ لِـيْ بِفَنِّ الـمَجَـازِ مَـجَازًا

إِذا اجْـتَـازَ بِـيْ أَرْخَبِيْلَ الصُّوَرْ

يَـخَالُ خُيُـوْلَ الخَـيَالِ مُـحِيْطًا

وأَنَّ جَـلِـيْـدَ الـمُحِيْطِ الشَّـرَرْ

فقُـوْلِـيْ لَـهُ، يَـا أَمِـيْرَةُ، أَنَّـى

وأَيْنَ الـمَصَائِرُ، يا ذَا السَّفَـرْ؟

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

..............................

(1) (2024)، دراسة وتحقيق: عبد الرحمن بن دخيل ربه المطرفي، (الرياض: مَجْمَع الملك سلمان العالمي للُّغة العَرَبيَّة)، 1: 73.

(2) أبو تمَّام، (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عزَّام، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 47- 48، 55- 57، 61- 62، 71- 72/ 15- 17، 31- 33، 46- 47، 63- 66.

(3) م.ن، 1: 193- 194/ 44- 47.

(4) م.ن، 1: 196/ 54.

للكاتب العراقي ياسين غالب

كنت أعتقد أن الفلسطينيين أفضل من تحدثوا عن ألم الفرق: المكان والسكان، إلى أن قرأت "الحفيدة الأمريكية" لأنعام كجه جي، ورواية "كوكوش" لياسين غالب، فوجدت الشعوب/ الجماعات التي تفرض عليها للهجرة/ مغادرة المكان وما فيه، وما عليه، وما يحمله، تدفعها (غريزة) البقاء/ غريزة المحافظة على الذات وماضي تكوينها/ وبداية وجودها وتشكليها إلى التشبث ـ بكافة الطرق والوسائل والأشكال ـ بما فُقد، حتى أن هذه الذات لا تجد الاستقرار/ الأمان إلا باستعادة ما فقدته.

عندما نقرأ بالتأكيد نتأثر بالأحداث والشخصيات، وحجم تأثرنا يشير إلى قدرة السارد على تقديم المادة الأدبية بطريقة وأسلوب وشكل ولغة متميز، فأحيانا ـ نصاب بالدهشة/ بالغضب/ بالحب/ بالتعاطف/ بالتفاعل مع ما نقرأ، لكن قليلة هي الكتب التي نقرأها وتبكينا، وإذا حدث هذا البكاء يكون السارد قد وصل الكمال، كمال التفريع/ الإيصال/ الولوج، فقد أصبحت روايته رسالة إنسانية، يمكن للآخرين ـ بصرف النظر عن زمان ومكان تواجدهم ـ أن ينهلوا منها، لرفع الإحساس الإنساني/ العاطفي فيهم.

يمكن القول إن نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن من أصعب وأخطر الفترات الزمنة التي يمر بها العرب عبر تاريخيهم المعاصر، فهناك خراب دولة، وتدمير مدن، وتهجير سكانها وتشريدهم وقتلهم، وهناك دول احتلها العدو بأكثر من شكل وطريقة ـ بالاتفاقات التي تتيح له التواجد على الأرض العربية (القواعد العسكرية)، أو بوجوده كمحتل، كما هو الحال في فلسطين وسوريا والعراق، وقد رأينا هذا الاحتلال مكشوفا دون تجميل في الحرب الأخيرة، حيث كانت الأرض العربية محطة انطلاق الطائرات والصواريخ الأمريكية، كحال الطائرات والصواريخ الصهيونية التي انطلقت لضرب سوريا والعراق واليمن وإيران.

هذا الواقع لا بد من التوقف عنده وإشعار الآخرين بخطورته، فالأمر لا يتعلق بمجرد أرض، بل بحياة أفراد/ ناس/ شعب/ أمة تعاني من ألم الفقدان، فقدان كل شيء، الماديات والروحانيات، وهنا يأتي دور الأديب والأدب، حفظ/ توثيق الأحداث أدبيا ليكون: شاهدا حيا على ما يجري وجرى، وليعرفنا والآخرين على الحقيقة، ومن ثم، دفعنا للعمل/ للفعل لنتجنب الخراب الذي أصابنا ويصيبنا.

شكل الرواية

الرواية جاءت من خلال أربعة فصول، الأول وهو الأطول 67 صفحة، يتحدث فيه "لؤي" عن طفولته في البصرة وعن علاقته "بكوكوش" ومعاناته كمغترب في كندا التي وصلها بعد معاناة " الفصل الثاني، 32 صفحة يتحدث فيه لؤي عن لقاءه بكوكوش في كندا، الفصل الثالث45 صفحة، يوثق اللقاء الصحفي الذي أجرته قناة bbc البريطانية معهما، الفصل الرابع، 13 صفحة، يتوقف عند عدوتهما إلى البصرة والتغييرات التي حدثت فيها بعد خمسة وعشرون عاما على مغادرتها.

إذا ما توقفنا عند حجم الفصول سنجد أن الفصل الأول هو الأطول، وهو الأهم، لهذا استنفذ فيه السارد أغلب طاقته السردية، فهو يمثل أربعين في المئة من حجم الرواية، وإذا علمنا أنه تحدث فيه عن طفولته وكيف نشأ وتكون وتصرف، وكيف كان، وكيف أحب وقبل "كوكوش" القبلة الأولى في حياته، نصل إلى علاقة "لؤي" بماضيه، بطفولته، وكيف يرى/ يريد/ يرغب/ يحب/ يعشق تلك المرحلة التي أُنتزع منها انتزاعا، فعاش في مخيم يفتقد لكل ما هو إنساني، إن كان متعلق بالماديات أم الروحانيات، لهذا حاول البقاء مع طفولته في البصرة ومع حبيبته "كوكوش" قدر المستطاع، فالمرأة تمنح الرجل الراحة والهدوء والسكينة.

الفصل الثاني يتوقف "لؤي" عند تعرفه بكوكوش في كندا، حيث أتت لتقيم حفلة غنائية، وهناك يعرفها وبذكر باسمها "كوكوش" ويعرفها على "لؤي" الطفل الذي كان معها في البصرة.

الفصل الثالث يرصد اللقاء الصحفي الذي أجرته قناة bbc معهما، في هذا اللقاء نجد المشاعر الإنسانية التي تصيب المهاجر/ المشرد الذي أجبر قهرا وغصبا على مغادرة وطنه/ مدينته/ بيته، لهذا جاء شكل الفصل أكثر فنية، وأعمق فكرا، وأشد ألما من غيره، وهذا انعكس على الحكم والأقوال البليغة التي تمثل خلاصة تجربة "لؤي وكوكوش"

الفصل الأخير وهو الأقصر 13 صفحة فقط، حيث تحدث عن عودتهما إلى البصر، ليجد بيته تحول إلى مقر لأحد الأحزاب الإسلامية، بعد أن شوه تاريخ المكان ومن سكنه، لهذا، السارد لم يرد الحديث عن الألم الذي أصابه بعد أن شاهد سلب المكان وتغيير تاريخه وشطب وجوده منه، فوجد في (الصمت) أبلغ طريقة يوصل بها مأساته/ ألمه.

النداء

بداية لا بد من التذكير بالعراقي / السوري القديم الذي كان يندب ويستحضر (تموزي/ البعل) في غيابة وعودته، فهذا جزء من تكوين وطبيعة العراقي/ السوري منذ آلاف السنين، وما ندب الحسين واستحضر المهدي إلا صورة متطورة عن هذه الفكرة،

"محمود درويش" في قصيدة "أتذكر السياب" أعادة صياغة هذا النداء (الغياب والحضور) بقوله:

"أتذكر السياب، يصرخ في الخليج سدى:

(عراق، عراق، ليس سوى العراق)" حيث كرر النداء في فاتحة القصيدة وخاتمتها، فمن خلال النداء، من خلال نطق الاسم يحاول الشاعر/ السارد تقريب واستعادة ما ابتعد ويبتعد عنه، لهذا نجد الأمهات والآباء يرددون أسماء الأبناء الذين ابتعدوا/ رحلوا/ فقدوا، وفي حالة المكان فقد كان أجدادنا يطلقون اسم المكان الذي نشأوا فيه، على المكان الذي هُجروا إليه، فنجد الاسم ذاته يطلق على أكثر من مكان.

كما أن تكرار ذكر الاسم له علاقة بحالة التغني/ التجلي/ التماهي/ الحلول التي يمر بها الناطق للاسم، من هنا نجد الدراويش يرددون كلمة "الله، الله" التي بها يريدون التوحد/ الحلول به متحررين من كل ما يحيط بهم.

في الرواية "كوكوش" تم ذكر "كوكوش" أكثر من مائة مرة، حتى أننا نجد السارد يذكر الاسم ثلاث مرات في الصفحة الواحدة، وهذا له علاقة بحالة "لؤي" النفسية، فهو من خلال تكرار واستخدام لفظ "وكوكوش" يريد (استعادة) ما فقده، استعادة فرح الطفولة، استعادة حبه الأول، قبلته الأولى، استعادة البصرة، استعادة المكان الذي نشأ وتكون وكان فيه، كما أنه به/ا "كوكوش" يريد بناء وتكملة مسار حياته بصورة طبيعية/ سوية، ولا يريد لحياته أن تكون مبتورة/ مفصولة ـ الطفولة في مكان وبأحداث ومع أشخاص، والحاضر في مكان ومع أشخاص وظروف جديد ـ وإذا أضفنا أن المرأة بوظيفتها/ بكونها امرأة، تمنح الفرح/ الهدوء/ الراحة/ السكينة للرجل، نصل إلى ضرورة نطق "كوكوش" بالنسبة للسارد التي جعلها عنوانا ومتنا للرواية تتحدث عن ألم وفقدان.

الغربة

فكرة الرواية المركزية ألم الغربة، الألم الذي يتعرض له المهاجر بعد أن تم إقصاءه مكرها وغصبا عن المكان/ البيئة/ الناس الذين عاش معهم وبينهم وفيهم، يتوقف "لؤي" عند هذا الألم بقوله: "أخبرتها عن البصرة، عن بيت لم يعد موجودا، عن نافذة كنت أسمع منها الأغاني، عن أصدقاء اختفوا، عن مدينة تشبه شخصا تحبه ولا تستطيع العودة إليه،" ص8 و9، نلاحظ أن "لؤي" يتحدث عن كل ما هو متعلق بالماضي، الزمان، المكان، الناس، وحتى مشاعره، بمعنى أنه حياته السابقة ما زالت عالقة فيه وبه، فلا يستطيع التخلص/ التحرر منها، حتى لو وجد أسباب/ ظروف مريحة، مادية وروحية. فالماضي/ الطفولة لا يمكن أن تمحى/ تزول من الإنسان.

ويعطي صورة أخرى لألم الفقدان بقوله: "في بلدي، القرى لا تختفي دائما...أحيانا تبقى، لكن أهلها هم من يختفون" ص10، فهنا نجد الغياب/ المحو للناس أكثر من محو المكان، فكلاهما يتعرض للمحو/ للإزالة لكن محو الإنسان أسهل من محو المكان، وهذا ظاهرة نجدها بصورة واضحة في فلسطيني، فهناك أكثر من خمسمائة القرية تم إزالتها من قبل الاحتلال، وتم تهجير/محو/ تشريد أكثر سبعين في المئة من الشعب الفلسطيني، ونجد ألم الغربة حاضرا من خلال قوله: "نأتي من أوطان مختلفة... لكن الغياب هو نفس طعم الغياب، نحن أشخاص تواريخهم ممزقة" ص11، فالإنسان ـ بعد أن يكبر ـ يريد أن يرى المدرسة التي تعلم فيها، البيت الذي نشأ فيه، الملعب الذي لعب فيه، الناس الذين كانوا معه، لهذا عندما يفقدهم ولا يعود لهم وجود يشعر بالألم/ بالاغتراب/ الغربة حتى لو كان المكان/ الظرف/ الأفراد مريحين: "بعد إحدى وعشرين سنة، فتحت أبواب الماضي كلها دفعة واحدة...كلما مرت على بالي صورة منزلهم المغلق بسلاسل غليظة، اختنقت بعبرتي، وأحيانا أقفز في منتصف الليل وأبكي كما لو أنني تيتمت اليوم، هل كنت السبب في كل هذا؟ كثيرا ما جلدت ذاتي بهذا السؤال الساذج، منذ كنت طفلا وحتى بلغت وصرت أبا كنديا يرطن في بيته بلغة، وفي قلبه يرطن بلغة أخرى أكثر دفئا وصلة بروحه، ذاكرتي يا مرآتي السحرية الخرافية، أجيبيني!" ص 13، اللافت في هذا المقطع إشارة السارد إلى الحياة الرغدة التي يعيشها: "فتحت أبواب الماضي" فهو ـ قبل فتح أبواب الماضي ـ يعيش حياة عادية/ سوية/ طبيعية، لكن مشكلته في الماضي الذي ما زال عالقا به وفيه، وهنا تكمن مشكلة الشخص الفاقد/ المُبعد، يعيش حياتين/ عالمين/ مرحلتين/ مكانين/ ظرفين فلا يستطيع أن يكون فيهما معا، الاستقرار فيهما، ولا بد من قتل/ أزالت أحدهما ليهنأ بالآخر.

إذن "لؤي" يعيش الحالتين الحضور والغياب، حضور الماضي وغياب الحاضر، بمعنى أنه يعيش حالة متناقضة، يعبر عن هذا التعاكس/ التناقض بقولة: "أدركت عندها أن بيننا بحرا من الاختلافات الثقافية المتناغمة، سجادة شرقية ملونة، هي ابنة مدينة لا تملك نخلة واحدة، وأنا ابن مدينة كانت غابة من النخيل، هي ابنة ثلج لا ينتهي، وأنا ابن غبار لا يرحل، هي تحفظ تاريخ كندا في المدارس، وأنا أحمل تاريخ العراق في جينات روحي" ص20، نلاحظ حجم التناقض الهائل بين الواقع/ الحاضر وبين الماضي، بين تاريخ كندا وتاريخ العراق، بين الثلج والرمال، بين كتب المدارس وبين ما في الروح/ اللاوعي، هذا حال كل من هُجرة من وطنه/ مدينته مكرها وغصبا، فكيف له أن يهنأ بالحياة!؟

يوضح "لؤي" هذا التناقض أكثر بقوله: "وصلت كندا، كبرت وتزوجت، كل شيء جرى كما يفترض له أن يجري إلا ذاكرتي، بقيت في حينا القديم في الكزارة، تركض بحذاء أحمر ناقص" ص41و42، فهنا يكشف "لؤي" حقيقة ألمه، ألمه في ذاكرته، في الماضي ـ المكان، الزمن، الأشخاص، الأحداث ـ فلا يستطيع التخلي عنه، لا يقدر نسيانه، فهو جزء من تكونه وذاته، لهذا سيبقى "لؤي" عالقا بين الحالتين/ العالمين/ المكانيين، حتى وهو في حفل غنائي يعيش الم التناقض/ ألم الماضي: "في تلك الليلة كان مسرح إيركندا سنتر ممتلئا بمنفيين يشبهونني، إيرانيين، عراقيين، أفغان، وأناس بلا أسماء واضحة، يحملون أوطانهم في حقائب صغيرة وعيون متعبة، لم نأت لنشهد حفلا، جئنا لنشهد عودة الصوت" ص84، هذا المشهد فيه شيء من العراقي القديم، العراقي الذي كان يحتفل/ يندب تموزي/ البعل ويحمل في داخله أمل عودته: "في اللحظة الأولى، لم يرها الجمهور كامرأة، وإنما كقصيدة ممنوعة، كصرخة نُفست، كأم فقدت لغة الطمأنينة، صاحت القاعة، لا، لم تكن صيحات فرح، بل انفجارا صوتيا لكل من كبت دمعته طويلا، كان تصفيقا فيه ارتجاف، وكان في الارتجاف رجاء، كأن الجمهور كله، المهاجرين، المكسورين، المشتاقين جاؤوا لا لسمعوها، بل لكي يسترجعوا أمساهم من النسيان" ص84و 85، هذا المشهد لا يمكن (أن يكون واقعا) إلا إذا أخذناه إلى الماضي، إلى ندب تموزي والحسين، إلى طبيعة العقل العراقي الذي تشكل على الجمع/ التداخل بين الألم والفرح، الموت والحياة، والحضور والغياب، من هنا تجدنا عندما نضحك/ نفرح/ نسعد نقول: "والله إنني خائف من هذا الضحك/ الفرح" فنحن جبلنا/ تكوننا/ نشأنا على هذا التداخل بين نقيضين، الفرح والحزن، الموت والحياة، الحضور والغياب، يعبر "لؤي" عن هذا الامر بقوله:

"بعد البرنامج سألتني زوجتي بحزن وعاطفة: لماذا لا تترك هذا الماضي؟

أجبتها: لأني لم أعيشه كاملا.

قالت: لكنك تتذكره بكل تفاصيله!

أجبت بعد تنهد: هذا لأنني لم انسه أبدا...وأنا لا أتذكره، بل أعيشه" ص144، هذا حال الفاقد، الفاقد الذي ترك حبه وأهله ومكانه وبيته ومدينته، فأي حياة يمكن أن يحيا وكل ما ترك يعيش فيه!!!

أما "كوكوش" فتتحدث عن ألم الفقدان بعد أن تركت البصرة وتوجهت إلى إيران، فهي تتحدث عن ألمها بعد الهجرة مباشرة، على النقيض من "لؤي" الذي يتحدث عن ألم الفقدان حتى وهو في كندا، تقول عن معاناتها: "في اليوم الثالث بكيت لأول مرة، لا جوعا ولا تعبا، بل لأنني حاولت أن أتذكر رائحة بيتنا في البصرة، ولم أستطع، خفت، خفت أن تمحوني الأيام كما حاولوا أن يمحوني بالقرار" ص126، هذا ما أصابها بعد أن أجبروها وعائلتها على ترك البصرة والذهاب إلى إيران، فهناك خلل حدث في مسار حياتها وأحدث نقصا: المكان/ البيت/ الحي/ الأصدقاء/ اللغة/ اللهجة كلها فقدتها، مما جعلها تعيش في عالمن/ مكان ليس لها: صرنا نقول إننا "من هنا" نخفض الصوت، حين نتحدث عن العراق...الرضوخ لم استسلاما، بل وسيلة للبقاء" ص 137، إذن "كوكوش" تألمت من الفقد لفترة وجيزة، لكن بعد أن وصلت (الجنة) أمريكيا خفت معاناتها، وتعاملت مع واقعها الجديد بروح أقرب إلى الإيجابية: "نحن الآن عراقيون وإيرانيون معا، نحمل نقيضين لعدوين في جسد واحد" ص78.

فلسفة الالم

طريقة تعامل "لؤي وكوكوش" مع الفقدان/ الألم، جعلتهما (يفلسفان) المعاناة ويقدماها على أنها جزء منهما، جزء من ذاتهما: "الزمن لا يضغط الزناد ليقتلك، لكنه يعلمك كيف تفعل ذلك بنفسك" ص13، "الأغنية حين تولد من الألم، تصير وطنا مؤقتا للمنفيين جميعا" ص84، "الأبواب تحتفظ بالذاكرة، وأنها حين تُفتح مرة، تظل مفتوحة داخلنا إلى الأبد، لم تعد خشبا وحجرا، بل صدى في القلب، ذكريات لا تعرف التوقف، الطفل في داخلي ما زال يحمل مفاتيح لم تعط له" ص93، "من يرحل لا يعود كما كان" ص95، "أنا لا أتذكر المدينة بقدر ما أتذكر نفسي فيها" ص115و116، "أنا كعراقي أخاف من السلام، لدينا "سلاموفوبيا" ص133، "كلمة "مهجرون" كانت تقال وكأنها تهمة قديمة لا تسقط بالتقادم" ص135، "الهوية ليست ما يكتب في الوثائق، ولا ما يُفرض بالقانون، الهوية هي ما تبقى فيك رغم كل محاولات التغيير" ص137، "لم نغادر الوطن...الوطن هو الذي غادرنا" ص139، لا شك أن كل فقرة من هذه الفقرات بحاجة إلى وقفة وتأمل وتفكير وتحليل حتى نستطيع إعطائها حقها ومكانتها، فالسارد أستطاع أن يقدم فلسفة الفقدان، الفقدان الذي يتجاوز الحاضر ليمتد إلى الماضي، فقدان تموزي والحسين، فقدان بغداد بعد أن استباحها هولاكو وبوش الابن، من هنا جاء الألم بهذه العمق، وبهذه الرؤية التي تدخلنا إلى ما هو أبعد من مجرد ألم عابر أو مؤقت/ مرحلين فألم هنا هو ألم دائم/ مستمر/ متكرر/ متجدد لا يزول ولا يمحى ويبقى حاضرا/ عالقا ما دمنا أحياء.

السارد

الرواية يسردها "لؤي" فهو المركز والمحور فيها، (يدعي) أنه من يتحكم في الأحداث والشخصيات، فبدا وكأنه (سيد) يأمر فيطاع، يكتب/ يتكلم فيكون الحدث/ الفعل: "لم أكن انوي أن أبدأ الحكاية من هنا، ولا أن أسمي هذه الليلة باسمها، ليلة كوكوش...أنا ناسج لهذه الحكاية، وأنا من قرر لكل عقدة في الحبكة متى تشتد، ومتى تترك ناقصة كي بمر السر من خلالها" ص4، إذا ما توقفنا عند سرد الرواية سنجد أن "لؤي" يتماهي/ يندمج/ يتوحد مع الألم حتى أنه لم يستطع السيطرة على الأحداث/ الشخصيات، فكان الألم/ الحزن/ المعاناة حاضرة حتى وهو في أوج الفرح (حفلة غنائية) وهذا يتناقض مع قوله بأنه هو من يسيطر ويقرر، فلقد تمردت الأحداث/ الألم عليه حتى (أعماه) ولم ير بصيص نور/ خلاص يخرجه مما هو فيه.

إذن هناك حالة تمرد من الأحداث حصلت في الرواية لم يستطع السارد/

"لؤي" التحكم في (حبكتها) مما جعلها تخرج كما هي، يعترف "لؤي" ـ بطريقة ـ غير مباشرة ـ أنه فقد السيطرة من خلال المشهد:

"حسنا...لنكن عمليين، سأبدأ بالسرد.

التفت نحو المخرج)

هل يمكنني أن أدخن هنا؟

(إيماءه من رأس المخرج لا تلتقطها الكاميرا، بمعنى لا) ص112، أعتقد أن هذا يكفي لنقول إن السارد تحكم فيه الألم وغرق، بحيث بقى متألما يعيش ألمه على أنه جزء من كيانه، فجاءت الرواية بمجملها مؤلمة/ قاسية/ حزينة كحالنا تماما.

***

رائد الحواري - ناقد فلسطيني

قيس بن يحيى في حضرة الجمعة.. قراءة في ديوان ""ليلة الخميس.. نفس الجمعة"

على غلاف أزرق داكن، في لون المساء حين يوشك أن يستوي ليلا، تنبثق من الحافة اليسرى دائرة من الحروف الفضية لا يظهر منها إلا نصفها، كأنها قمر يطلع من خلف سور، أو سر لم يأذن الخطاط إلا بكشف شطره. وقبالتها كتب العنوان بالأبيض «ليلة الخميس..."، ونزلت تحته بلون الذهب عبارة «نفس الجمعة". لا أقرأ النقاط الثلاث الفاصلة بين الشطرين علامة ترقيم عابرة، فهي عندي نفس محبوس ينتظر الفجر، ومسافة ترقب يقف فيها المرء بين يوم يودعه ويوم يتهيأ له. من هذه المسافة كتب الشاعر قيس بن يحيى ديوانه الجديد الصادر عن منشورات سوشبريس، وهي مسافة يعرفها كل من جلس مساء خميس ينتظر شيئا لا يعرف كيف يسميه.

والعنوان، في ما يبدو لي، يجمع تقويمين في جملة واحدة. فالناس في أيامنا يسمون مساء الخميس ليلة الخميس، جريا على منطق الساعة الحديثة التي تفتتح اليوم عند منتصف الليل، أما التقويم الذي درج عليه الفقهاء فيجعل الليل سابقا لنهاره، فتدخل ليلة الجمعة بغروب شمس الخميس. هكذا يقف الشاعر، في الساعة ذاتها، بين زمن المواعيد الرسمية الذي يعرفه رجل الدولة جيدا، وزمن آخر يعد فيه المؤمن قلبه لنداء الجمعة، ذلك النداء الذي جعله القرآن سعيا إلى الذكر: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله». وقد ألف المغاربة أن يعمروا هذه الليلة بالصلاة على النبي وبمجالس الذكر والمديح، فكأن الديوان ورد شعري انضم إلى أوراد تلك الليلة.

ثم إن كلمة "فس" جاءت على الغلاف عارية من الشكل، فتركت للقارئ أن ينطقها بفتح الفاء فيسمع فيها نسمة الجمعة وهي تقترب، أو بتسكينها فيرى فيها الروح وهي تتهيأ للقاء. والترجمة الفرنسية التي رافقت تقديم الديوان مالت إلى معنى النسمة والتنفس، غير أن العربية لا تتخلى عن ظلالها بهذه السهولة. وحين نعلم أن محيي الدين ابن عربي من الأسماء التي يقر الشاعر بأثرها في تجربته، يحضرنا ما سماه الشيخ الأكبر «النفس الرحماني»، ذلك النفس الذي تنبسط فيه الموجودات انبساط الحروف في نفس المتكلم. ولا أستبعد أن تكون دائرة الحروف المرسومة على الغلاف قد لامست هذا المعنى من حيث لم يقصد أحد.

وليس الربط بين العنوان والوقت ضربا من الترف التأويلي. فقد أخبر الشاعر، في اللقاء الذي خصصه له نادي الكتاب التابع لمجموعة «لوماتان» في ماي الماضي، ختاما لسلسلة لقاءات نظمها النادي على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب، أنه كتب نصوص الديوان مساء كل خميس على امتداد ما يقارب ثلاث سنوات، طلبا لما سماه «الطمأنينة». والكلمة وحدها تستدعي عند قارئ القرآن قوله تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، وفي هذه الآية القصيرة يلتقي الذكر والقلب والطمأنينة، وهي مفردات لا تكاد تفارق عالم الديوان كما وصفه من قرؤوه وقدموه.

وفي الانتظام على موعد أسبوعي طيلة ثلاث سنين درس قائم بذاته. يعلم أهل الطريق مريديهم أن الورد الدائم وإن قل أنفع من الكثير المنقطع، أخذا بالحديث الصحيح «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وكأن قيس بن يحيى نقل هذه القاعدة من السلوك إلى الكتابة، فجعل للقصيدة موعدا كما جعل الشرع للصلاة وقتا. ويزداد هذا التحول دلالة إذا تذكرنا أن كتابته وصفت منذ مجموعته الأولى بالانفجارية، وأنه قلما كان يعود إلى قصائده بالتنقيح، مكتفيا بالحال التي أملاها عليه الانفعال الأول. في «ليلة الخميس... نفس الجمعة» يبدو لي أن الانفجار صار نبعا يفيض في موعد معلوم.

وقد نبهت الباحثة في التصوف ثريا إقبال، في قراءتها للديوان خلال ذلك اللقاء، إلى حضور مفاهيم التوحيد والذكر والإحسان، ولاحظت أن كلمة القلب تتردد في قصائده أكثر من خمسين مرة. والرقم دال عندي، فالقلب في المعجم الصوفي أوسع من العضو ومن موطن العاطفة، هو المرآة التي صورها أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» محلا تنعكس فيه حقائق الأشياء كلما صقله الذكر وجلته المجاهدة. ومن هذه المرآة يقترب معنى الإحسان الذي عرفه حديث جبريل بأن «تعبد الله كأنك تراه»، فالرؤية هنا شأن القلب قبل أن تكون شأن العين. أما ابن عربي فيرى أن القلب سمي قلبا لتقلبه مع التجليات، فهو يسع الصور كلها ولا يستقر على صورة واحدة، وذلك ما أنشده في «ترجمان الأشواق»:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

       فمرعى لغزلان ودير لرهبان

*

أدين بدين الحب أنى توجهت   

    ركائبه فالحب ديني وإيماني

ولعل هذا القلب القابل هو الخيط الذي يصل الديوان الجديد بما سبقه. فقد عرف القراء قيس بن يحيى صاحب «باتش ووردز» بجزأيه، صدر أولهما سنة 2022، وصدر الثاني عن الدار التي نشرت ديوانه الجديد، بتقديم من الشاعر والروائي كبير مصطفى عمي، وفيه تتجاور الفرنسية والإنجليزية والعربية تجاور الرقع في لحاف واحد. وكان الشاعر منذ عمله الأول يقدم نفسه صانعا لرقع الكلمات، فلم أستطع وأنا أتأمل هذه التسمية إلا أن أتذكر «المرقعة»، خرقة الصوفية التي تجمع قطعا متباينة في ثوب واحد وتعلن فقر لابسها إلى الله. كأن رقع الكلمات التي خاطها في بداياته صارت اليوم خرقة يدخل بها مجلس الذكر. وقد قال في اللقاء نفسه إن الشعر يتجاوز حدود اللغات والثقافات والهويات ليذكر البشر بما يجمعهم في العمق، وهي فكرة لا تبتعد عن دين الحب الذي أنشده الشيخ الأكبر، ولا عن محبة رابعة العدوية التي قالت:

أحبك حبين حب الهوى

       وحبا لأنك أهل لذاكا

ويذكر الشاعر جلال الدين الرومي بين من أثروا فيه، ولهذا الذكر عندي معنى خاص، لأن قيس بن يحيى موسيقي قبل أن يكون شاعرا، رافقته الموسيقى منذ صغره، يؤلف ويعزف ويغني. والمثنوي يفتتح، كما هو معلوم، بشكوى الناي الذي قطع من منبته فظل يئن حنينا إلى القصب الذي كان منه. وأحسب أن القصيدة عند صاحبنا تولد لحنا في الداخل قبل أن تستقر حروفا على الورق، وأن أذنه تسبق عينه إلى المعنى.

وفي هذا الحنين صدى لإرث عائلي عميق. فقيس بن يحيى نجل الشاعر والصحفي الراحل محمد الطنجاوي، واسمه محمد بنيحيى، ابن تطوان المولود سنة 1936، الذي غنى له عبد الوهاب الدكالي «مولد القمر» و«هذي يدي ممدودة»، ولحن له محمد عبد الوهاب «الرائد الأكبر» وأداها بصوته، وغنى عبد الحليم حافظ من كلماته. لذلك لم يكن مستغربا أن يفتتح الابن لقاء تقديم ديوانه بتحية مؤثرة لعبد الوهاب الدكالي، الذي رحل قبل اللقاء بأيام قليلة، مذكرا بفضله في إيصال القصيدة المغربية إلى الناس، ومنها قصائد أبيه. وكان قد قال في رثائه: «الذاكرة الفنية العربية تفقد صوتا وفيا للشعر»، واستحضر أن الراحل كان رفيق درب والده. ولست أدري لماذا ذكرني نصف القمر المصنوع من الحروف على غلاف الابن بعنوان أغنية الأب «مولد القمر»، ولعلها من المصادفات التي يأنس إليها الشعراء.

وحين سلمت أسرة الطنجاوي خزانته كاملة إلى المكتبة الوطنية للمملكة المغربية مطلع سنة 2018، كان قيس هو من وقع عقد الهبة باسم الورثة، وصادف ذلك يوم خميس. وقد تحدث الرجل في أحد حواراته عن «الصدف السعيدة» التي صنعت مسار حياته، ولا أظن مصادفة ذلك الخميس بعيدة عن هذا المعنى.

أعرف قيس بن يحيى عن قرب، ولا أكتب عنه مجاملا، فالمجاملة آخر ما يليق بمن يعرف وزن الكلمة، وإنما أدون إعجابا كبيرا بشخصه وبرفعة ثقافته. فالرجل اليوم مكلف بمهمة بالديوان الملكي، وقبل ذلك أدار التواصل والتنمية المؤسساتية بمؤسسة محمد الخامس للتضامن نحو عشر سنوات، وتكوينه الأصلي هندسة الكيمياء النووية. ومن لطائف الأقدار أن ينتقل رجل تكون في كيمياء النواة إلى كيمياء القلب، فيذكرنا بأن أبا حامد الغزالي وضع كتابا سماه «كيمياء السعادة»، وأن الكيمياء في لغة القوم صناعة تنقل النفس من كدرها إلى صفائها. حضرت له مناسبات فكرية رفيعة المستوى، ورأيته يحاضر بلغات أجنبية يتقنها، ويناقش بلباقة الدبلوماسي وبلاغة الأديب، فإذا صور فكرته جاء بخيال الروائي، وإذا فككها أخذ بصرامة الفيلسوف في التحليل. أما دماثة خلقه وطيب معاملته فطبع فيه، أجده في المجلس الرسمي كما أجده في الحديث العابر. وقد شهد له أندري أزولاي، مستشار جلالة الملك، يوم توقيع ديوانه الأول بالرباط، بأن له «مشروعية الإبداع في كل أشكال التعبير الثقافي، بما فيها الموسيقى»، وهي شهادة لا أراها مبالغة.

وقد سبق للرجل أن حل ضيفا على برنامج حواري تناول سؤال النموذج الروحي الممكن في عالم يتأرجح بين العقل ونقيضه، ويبدو لي ديوانه هذا جوابا شعريا عن ذلك السؤال، جوابا يقترح على قارئه موعدا أسبوعيا مع السكينة. وقد انتهى لقاء تقديم الديوان بتأمل في مكان الشعر وسط عالم تحكمه السرعة وسطحية مواقع التواصل، وهو تأمل ينسجم مع ما دعا إليه قيس بن يحيى في أحد حواراته من مجتمع أكثر حساسية وإنسانية، تستعيد فيه الفلسفة والشعر ونقل المعرفة مكانتها. ولا يقف الأمر عنده عند حدود التأمل، فهو يعد مع الشاعر كبير مصطفى عمي لملتقى شعري دولي يجمع أصواتا من القارات الخمس بالرباط يومي 12 و13 نونبر المقبل، تحت رعاية اليونسكو، في السنة التي اختيرت فيها الرباط عاصمة عالمية للكتاب. ويستند المبادران إلى تقليد مغربي في الدبلوماسية الثقافية، إذ كان المغرب وراء اعتماد اليونسكو يوما عالميا للشعر يحتفى به في الحادي والعشرين من مارس.

أما نصيحتي لقارئ «ليلة الخميس... نفس الجمعة» فألا يستعجله. لقد كتب على مهل، خميسا بعد خميس، ومن الإنصاف أن نقرأه بالإيقاع نفسه، فنكتفي بقصيدة أو اثنتين كل مساء خميس، حين تهدأ المدينة ويأخذ ذلك النفس الذهبي المرسوم على الغلاف في التسلل إلى الصدر. حينها قد نفهم لماذا ترك الشاعر نقاطه الثلاث معلقة بين الليل والجمعة.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

للشاعرة الفلسطينية بيلسان حمدان

لكي نتواصل مع التفكير الإنساني، فإنّ هناك مساراً لإنتاجه، وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل عناصره عن العوامل المتحكّمة بهذه العناصر، والاشتغالات التقنيّة، ووحدة الرؤية الشعريّة، والالتقاطات المنمذجة وكذلك العابرة. وهو تفكيرٌ في الاستراتيجيّات الفاعلة في التصوير النصّي؛ إذ ينطلق النصّ الشعري من ظروفٍ إنسانيّة قبل كلّ شيء، ويعتني بالترجمة القائمة بين الهمّ الذاتي والحدث المشاكس.

إنّ المدرسة الرمزيّة غير جامدة؛ فهي تتمتّع بآليّاتٍ تقنيّة، وغايتها التواصل الحسّي والإدراكي ضمن الممكن الرؤيوي عند التفكير في الحالات الحسّيّة والحسّ المشترك، أو الذهاب إلى خيالٍ رمزي، أو الدخول إلى شعبة الأحلام المنظّمة القابلة للكتابة والترجمة. فهناك العديد من الأحلام المشهديّة العجائبيّة والشفويّة غير المنظّمة، والإمساك بها كأنّ المرء يحاول أن يمسك بقطرةٍ من الزئبق؛ فهي قابلة للنسيان والتفتيت والابتعاد عن حالة المرء اليوميّة والحياتيّة، لذلك تكمن صعوبة نقلها في عدم استذكارها. وكذلك فإنّ الذهنيّة، وإن كانت خارج الوعي، تنتظم لا واعياً، فتنقل المفاجآت والعناصر والجمل الصادمة التي تعني الذهاب إلى عنصر التصوير النصّي، وذلك لنقل الأشياء وتحويلها إلى آليّةٍ من الممكنات الكتابيّة.

(تجمع هذه الأدوات بمختلف معانيها في قسم واحد هو قسم "الأدوات المنطقية particules logiques""، لأنّها علامات على أنواع العلاقات القائمة بين الجمل، وبها تتماسك الجمل، وتبين مفاصل النظام الذي يقوم عليه النصّ؛ ويرتبط استعمالها بطبيعة النصّ من حيث موضوعه وأشكاله. – الأزهر الزنّاد-  نسيج النص، بحث فيما يكون به الملفوظ نصّاً – المركز الثقافي العربي –  ص 37.).

نبحر مع قصيدة (هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف) للشاعرة الفلسطينيّة بيلسان حمدان؛ فالمعرفة التي تطرحها الشاعرة ليست من عدم المعرفة، بل هي المعرفة بذاتها، غير أنّ الشاعرة تشاكس اللغة وتقودنا إلى اختلافاتٍ في المعمار الكتابي.

في هذه اللحظة،

قلبي حجرٌ ألقتهُ السماءُ سهواً،

لا هو سجدَ لغيمة، ولا هو آمنَ بريح.

قلبي كافرٌ..

يتوضأ بالحق،

كافرٌ بالأبجدية التي تُكتبُ بالدم وتُقرأُ في صلاةِ الفجر ...

كافرٌ بـ "الربِّ" الذي يسكنُ في جيوبِ القناصة،

و أنفاس القوادين ...

وبالجنّةِ التي تُوزعُ كغنائمَ في سوقِ النخاسة.

أنا في الـ "لا أعرف"،

أمشطُ شعرَ الفراغ،

وأشربُ قهوتي في فنجانٍ مكسورٍ من جهة اليقين.

من قصيدة: هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف – بيلسان حمدان

ننظر إلى النصّ من الجانب التركيبي، فنراه يخرج عن التقليد وينتمي إلى اللغة الشعريّة أكثر. ومن هنا تكون اللغة هي القيمة العليا التي تنتج المعاني القصديّة، فتكوّن منطقةً تارةً من ضمنيّة المعنى، وتارةً من توضيح المبدأ المرصود. وهذا ما يساوي الإشارة وكيفيّة تجانس اللغة بصورٍ حاليّة مطابقة. فاللغة الشعريّة الحديثة لغةٌ إيحائيّة؛ لذلك نلاحظ تركيباتها الرمزيّة التي تعمل على توسيع المساحة الدلاليّة.

في هذه اللحظة، + قلبي حجرٌ ألقتهُ السماءُ سهواً، + لا هو سجدَ لغيمة، ولا هو آمنَ بريح. + قلبي كافرٌ.. يتوضأ بالحق، + كافرٌ بالأبجدية التي تُكتبُ بالدم وتُقرأُ في صلاةِ الفجر ... + كافرٌ بـ "الربِّ" الذي يسكنُ في جيوبِ القناصة، + وأنفاس القوادين ... + وبالجنّةِ التي تُوزعُ كغنائمَ في سوقِ النخاسة. + أنا في الـ "لا أعرف"، + أمشطُ شعرَ الفراغ، + وأشربُ قهوتي في فنجانٍ مكسورٍ من جهة اليقين.

تقودنا الشاعرة الفلسطينيّة بيلسان حمدان إلى لغة الذات، ولكنّها، في الوقت نفسه، تطرح تصويرها الرمزيّ النصّي عبر تواصلاتها اللغويّة، وذلك لكي تقبض على المعنى من جهة، وتتوسّع في الدلالتين: دلالة اللغة، ودلالة المعنى، من جهةٍ ثانية.

تمرّ الشاعرة بلحظةٍ من اللحظات، وهي لحظة الاصطياد النصّي، أو المدركات التي تنتمي إليها. ومن هنا يكون عامل الخيال متجانساً مع تلك اللحظات التي تندرج ضمن قصديّة العقل.

(ينقسم الخيال في تصوّر كانط، - من جهة طرق تفاعله مع المعطيات الإدراكيّة – إلى نوعين: خيال منتج Productive، وهو ملكة الحدس بالموضوع وقوّة تمثيله على نحو خالص ودقيق حتى في غيابه. خيال معيد للإنتاج Reproductive: وهو القدرة على استحضار حدس حسّي سبق إدراكه وإعادة تمثيله. – د. يوسف الإدريسي – كتاب: الخيال والمتخيل في الفلسفة والنقد الحديثين– ط1 لسنة 2005م، مطبعة النجاح الجديدة، المغرب – ص 11).

إنّ القوّة التفاعليّة بين الكتابة لدى الشاعرة وطرائق الوعي بالموضوع تكمن في مدى إيمانها بالطرح أوّلاً، ومدى ما يعانيه جيلها من متغيّرات ومواضيع ومواقف كاذبة ثانياً. لذلك نلاحظ أنّ النصّ وتكوينه اللغوي يطرحان حقائق الفكر الذي تنتمي إليه، وهي حقيقة المصداقيّة في سياق أنشطتها الذهنيّة والجماليّة، ولدى المرء والآخر. فهي تطرح المعارف والمشاهد عبر النصّ، بينما تنسحب ثانيةً إلى السخرية، وكأنّها في منطقة: (أنا في الـ "لا أعرف"). وتُعدّ هذه المشاهد لقطاتٍ يوميّة تعيشها؛ لذلك فقد اصطادت، عبر تجربتها النصّية، بعض المعاني، واستطاعت تسخيرها في المنظور الشعري. وتجعل الآخر يعيش في لقطاتٍ بعضها فلاشيّة، وبعضها قريبٌ من الذهنيّة، وكأنّنا أمام لقطاتٍ

مشهديّة في معجم الفنّ السينمائي.

يقولون: "الصلاةُ عمادُ الروح"،

وأقول:

روحي سقفتها بالشكّ، فكيف يسندُها عمادٌ نخرتهُ الأكاذيب؟

هنا.. العقلُ ليس إماماً،

بل ناسكٌ متمرّد...

أحرقَ عباءتهُ ليدفئَ الحقيقةَ المرتجفة من الصقيع ..

لا تسألوني عن القبلة،

فالجهاتُ عندي انتحرت على عتباتِ سوريا،

و نُحرت على عتبات غزّة و الجنوب...

ولم يبقَ إلا جهة الوجع

وهي لا تحتاجُ لبوصلة.

من قصيدة: هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف – بيلسان حمدان

تقف اللغة، بوصفها الوسيط الأوّل، بين الذات القارئة والذات الكاتبة؛ لذلك يُعدّ الاعتناء باللغة، بوصفها حالةً جدليّة، من المهامّ الأولى في تقنيّة النصّ الشعري، وفي امتداد البنية الصغيرة نحو بنيةٍ صغيرة أخرى لتشكيل البنية الكبرى. ومن خلال هذا المبدأ تتشكّل لدينا أيضاً التقطيعات داخل النصّ العام، وهي عبارةٌ عن نصوصٍ صغيرة خاصّة، قد تكون مرقّمة أو غير مرقّمة؛ فالأولى تفصل بينها المعاني وتنتقل من معنى إلى آخر، أمّا الثانية فتمتدّ مع المعاني عبر فواصل توقّفيّة، وتعتني بالفراغات بوصفها وضعاً بصريّاً يهتمّ بهندسة النصّ.

يقولون: "الصلاةُ عمادُ الروح"، + وأقول: + روحي سقفتها بالشكّ، فكيف يسندُها عمادٌ نخرتهُ الأكاذيب؟ + هنا.. العقلُ ليس إماماً، + بل ناسكٌ متمرّد... + أحرقَ عباءتهُ ليدفئَ الحقيقةَ المرتجفة من الصقيع .. + لا تسألوني عن القبلة، + فالجهاتُ عندي انتحرت على عتباتِ سوريا، + و نُحرت على عتبات غزّة و الجنوب... + ولم يبقَ إلا جهة الوجع + وهي لا تحتاجُ لبوصلة.

اعتمدت الشاعرة بيلسان حمدان، في التراكيب النصّية، البنية الفعليّة للنصّ؛ فهي ترى أنّ الحركة الفعليّة للأفعال الحركيّة ذات نتائج في ديمومة الحدث والانفتاح النصّي. لذلك، فإنّ جلّ ما نلاحظه هو أنّ هناك أنواعاً من الأفعال؛ فبعضها تموضعيّة، وبعضها انتقاليّة، مع الحفاظ على المعنى المرصود.

لذلك، فقد استطاعت تحويل الانفلات (الخيالي) إلى نشاطٍ علائقي، لكي تمنح الحقائق ميزتها في اللغة الشعريّة. وهي تدخل وتُدخلنا في معركةٍ ساخنة بينها وبين طرفٍ آخر، وكأنّ الطرف الآخر يتمتّع بالقوّة؛ لذلك عملت على المجابهة الكتابيّة، وذلك لمواجهة الألم والهياج النفسي، ليس لديها فقط، بل يمتدّ ذلك إلى نواحٍ أخرى، ومنها اتّخاذ المواقف بسلوكٍ كتابيّ شعريّ، وهو أقرب السبل إلى تفريغ شحنات الغضب والاعتناء بالمعنى وظهور القوّة غير المباشرة.

أنا لا أعرف..

وهذا الجهلُ هو حرّيتي الوحيدة.

كفرتُ بكلّ "نصٍّ" لا يقدّسُ صرخةَ المسبيّة،

وبكلّ "دينٍ" لا يرى الله في دمعةِ الجائع ودم الذبيح

فليرموني في قاعِ جهنّم،

فربّما هناك.. أجدُ أناساً يشبهونني،

يملكون قلوباً "كافرةً" بالظلم،

وعقولاً لم تلوّثها فتاوى الذبح...

من قصيدة: هذيان في ردهة الـ ... لا أعرف – بيلسان حمدان

يُعدّ النصّ الشعري حاملاً خواصَّ الجمل التي لا تتوقّف عند منطقةٍ معيّنة؛ لذلك، ومن منظورٍ كلّي، فهو يتجاوز المعنى ويقودنا إلى ما وراء المعنى. ومن هنا يكون لكلّ نصّ خواصّه الذاتيّة، وهي تلك الخواص المتعلّقة بالذات الحقيقيّة. ولا نستغرب عندما يدفعنا إلى براهين معيّنة، تتكوّن من خلالها الوحدات النصّية العابرة لكلّ ما هو مألوف ومتداول في الحياة العامّة.

(يُعد تتابع الجمل أهمّ صفة من بين هذه السمات النصّية، وينتج عن ذلك، أنّه سوف ننظر إلى مشكلة ربط الجمل، على أنّها أساس وشرط لإيضاح عمليّة إنتاج النصّ. – فولفجانج هاينه مان ديترفيهفجر – مدخل إلى علم لغة النصّ – ترجمة: د. سعيد حسن بحيري – ط1 لسنة 2004م، مكتبة زهراء الشرق، مصر – ص 21.).

أنا لا أعرف.. + وهذا الجهلُ هو حرّيتي الوحيدة. + كفرتُ بكلّ "نصٍّ" لا يقدّسُ صرخةَ المسبيّة، + وبكلّ "دينٍ" لا يرى الله في دمعةِ الجائع ودم الذبيح + فليرموني في قاعِ جهنّم، + فربّما هناك.. أجدُ أناساً يشبهونني، + يملكون قلوباً "كافرةً" بالظلم، + وعقولاً لم تلوّثها فتاوى الذبح...

من خلال النفي والإثبات، نلاحظ أنّ الشاعرة تقودنا إلى ديناميّة العلاقات بين منطقة الحدود التي يتمّ تجاوزها ومنطقة الانحراف المنظور، ممّا يشكّل علاقاتٍ بين الأطراف. فالشاعرة تطرح معرفتها بوسيلتي المعرفة والاختلاف والمشابهة، وتوجّه انتقادها بواسطة التشبيهات الضمنيّة، حيث نجد النصّ ينمو بمعانيه أفقيّاً وعموديّاً.

لا ترتدّ الشاعرة عن دينها، ولكنّها تطرح ما هو موجود في الوجود، المُضمر منه والعلني أيضاً؛ لذلك تعلن وتفضح حالات الذبح والغشاوة والابتعاد عن القول العقلي المتستّرة بالدين. ومن هنا فهي تنقلنا من حال الدنيا إلى حساب الآخرة، ولكنّها تبقى مصرّةً على إظهار درجات الجمل الشعريّة ومعانيها التي تنتمي إلى المواطن من جهة، وإلى البلد الذي يحيط بها من جهةٍ ثانية.

***

كتابة: علاء حمد

....................

هذيان في ردهة الـ ...

لا أعرف

 

في هذه اللحظة،

قلبي حجرٌ ألقتهُ السماءُ سهواً،

لا هو سجدَ لغيمة، ولا هو آمنَ بريح.

قلبي كافرٌ..

يتوضأ بالحق،

كافرٌ بالأبجدية التي تُكتبُ بالدم وتُقرأُ في صلاةِ الفجر ...

كافرٌ بـ "الربِّ" الذي يسكنُ في جيوبِ القناصة،

و أنفاس القوادين ...

وبالجنّةِ التي تُوزعُ كغنائمَ في سوقِ النخاسة.

أنا في الـ "لا أعرف"،

أمشطُ شعرَ الفراغ،

وأشربُ قهوتي في فنجانٍ مكسورٍ من جهة اليقين.

يقولون: "الصلاةُ عمادُ الروح"،

وأقول:

روحي سقفتها بالشكّ، فكيف يسندُها عمادٌ نخرتهُ الأكاذيب؟

هنا.. العقلُ ليس إماماً،

بل ناسكٌ متمرّد...

أحرقَ عباءتهُ ليدفئَ الحقيقةَ المرتجفة من الصقيع ..

لا تسألوني عن القبلة،

فالجهاتُ عندي انتحرت على عتباتِ سوريا،

و نُحرت على عتبات غزّة و الجنوب...

ولم يبقَ إلا جهة الوجع

وهي لا تحتاجُ لبوصلة.

أنا لا أعرف..

وهذا الجهلُ هو حرّيتي الوحيدة.

كفرتُ بكلّ "نصٍّ" لا يقدّسُ صرخةَ المسبيّة،

وبكلّ "دينٍ" لا يرى الله في دمعةِ الجائع ودم الذبيح

فليرموني في قاعِ جهنّم،

فربّما هناك.. أجدُ أناساً يشبهونني،

يملكون قلوباً "كافرةً" بالظلم،

وعقولاً لم تلوّثها فتاوى الذبح...

***

بيلسان حمدان

 

بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الأسطورة من مادة للسؤال إلى جواب جاهز. والأدبُ الذي يستدعي الماضي يمكنه أن يفتح التاريخَ على احتمالات جديدة، لكنه يستطيع أيضًا أن يعيد إنتاجَ أوهامه. والأسطورةُ، في هذه الحالة، ليست بريئة. قد تكون وسيلة لمقاومة النسيان، أو صناعةِ ذاكرة انتقائية، تمنح المُهمَّشين لغةً لاستعادة وجودهم، وتمنح السلطةَ كذلك صورةً برَّاقة عن أُمَّة غير متماسكة ولا متجانسة.

مِن هذه المنطقة الملتبسة يمكن قراءة تجربة الكاتب الإثيوبي تسيغاي غابري مدهين (1936 - 2006)، إلى جانب تجربة الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس (1928 - 2012)، ليس لأنَّ الكاتبَيْن ينتميان إلى مشروع أدبي واحد، أو لأنَّ الأساطير التي يستعملانها متشابهة، بل لأنهما يتعاملان مع الماضي القومي بوصفه مادة حية يمكن إعادة تشكيلها فوق خشبة المسرح أو داخل الرواية. لَم يتعاملا معَ التاريخ باعتباره سردًا مغلقًا، وإنما باعتباره حقلًا للصراع على معنى الجماعة: مَن نحن؟، ومِن أين جئنا؟، ومَن يملك حق الكلام باسم الماضي؟، وما الذي يحدث عندما تصبح الأسطورة أكثر حضورًا من الحقيقة التاريخية نفسها؟.

هناك سوء فهم شائع للأسطورة يجعلها شيئًا ينتمي إلى الماضي البعيد، إلى زمن الآلهة والأبطال والوحوش والمعجزات، وكأنها انتهت بمجرد أن بدأ العصر الحديث، لكن الأسطورة لا تموت حين يفقد الناسُ إيمانَهم الحرفي بها، إنها تنتقل إلى أشكال أُخرى.

قد تصبح الأُمَّةُ أسطورةً، ويصبح المَلِك المُؤسِّس أسطورة، وتتحول الهزيمة إلى ملحمة، والاحتلال إلى ذاكرة بطولية، والانقسام الداخلي إلى قصة عن وحدة مفقودة، والمقاومة إلى سردية تأسيسية. عندها لا تعود الأسطورة مجرد حكاية قديمة، وإنما تصبح طريقة لتنظيم الذاكرة. وهُنا تحديدًا تكمن أهمية مدهين وفوينتس. كلاهما يعود إلى الماضي، ليس للهروب من الحاضر، بل لقراءة الحاضر من خلاله، غَير أن الفرق بينهما يبدأ من طبيعة التاريخ الذي يستحضره كُل واحد منهما، والوسيطِ الأدبي الذي يختار أن يضع فيه ذلك التاريخ.

مدهين شاعر ومسرحي، ارتبط جزء أساسي من مشروعه الدرامي بالتاريخ الإثيوبي. يظهر التاريخُ القومي بوصفه مادة لإعادة التفكير في الإثيوبية، والوحدة، والاستقلال، والصراع السياسي والديني والإثني. وقد تناولت دراسات نقدية هذه الأعمال من زاوية علاقتها بالقوميةِ وتمثيل الهُوية.

في مسرحياته، لا يظهر الماضي الإثيوبي بوصفه أرشيفًا تاريخيًّا فقط، بل يدخل في تركيب درامي يستفيد من الأسطورة، والصراعِ الديني، وبنيةِ المأساة.

أمَّا فوينتس، فمشروعه مختلف في الشكل، وأكثر اتساعًا من حيث التجريب الروائي، لكنَّه يلتقي معَ مدهين في السؤال الأساسي: كيف يمكن كتابة هوية جماعية تشكلت من طبقات تاريخية متراكبة، وصراعاتٍ لَم تنتهِ بانتهاء الأحداث التي صنعتها؟.

حين يكتب مدهين عن الشخصيات، فإنه لا يستعيد أفرادًا من كُتب التاريخ فحسب، إنه يعيد وضعهم في فضاء المسرح، أي في فضاء المواجهة والكلام والجسد والصراع. التاريخُ الذي كان مكتوبًا في الكُتب يصبح فجأةً قابلًا للتمثيلِ والمُساءلة.

هذه النقلة ليست بسيطة، فالشخصيةُ التاريخية عندما تدخل المسرحَ تفقد شيئًا من حصانتها. المَلِكُ الذي يبدو في الكتاب رمزًا ثابتًا يصبح على الخشبة إنسانًا يتكلم، ويخطئ، ويشكُّ، ويخاف، ويأمر، ويُعصَى، وهُنا تبدأ الأسطورة القومية في التصدع. لكن مدهين لا يهدم الأسطورةَ تمامًا، وهذه إحدى أكثر نقاط مشروعه إثارةً للنقد. فهو يستدعي التاريخَ الإثيوبي في سياق البحث عن إثيوبيا، واستقلالها، ومقاومتها، وصورتها ككيان تاريخي له استمرارية وذاكرة، لذلك يمكن أن يتحول المسرح إلى مساحة لإعادة بناء الذاكرة القومية بِقَدْرِ ما هو مساحة لتفكيكها.

المفارقة أنَّ الكاتب حين يحاول أن يستعيد التاريخَ من النسيان قد يقع في إعادة ترتيب التاريخ وفق حاجة الحاضر. والاختيارُ ليس بريئًا، لماذا هذا المَلِك وليس ذاك؟، ولماذا هذه المعركة؟، ولماذا هذه الشخصية؟، ولماذا تُروَى قصة المقاومة بهذه الطريقة؟، ومَن الذي يصبح بطلًا عندما يُعاد تمثيل الماضي؟، ومَن يبقى خارج الخشبة؟.

هذه الأسئلة تجعل من الصعب التعامل مع المسرح التاريخي لمدهين بوصفه مجرد أدب وطني. الأدب الوطني، في صورته التقليدية، يريد أن يقول إنَّ الأُمَّة كانت دائمًا واحدة، وإنَّ أبطالها كانوا يعرفون الطريق، وإنَّ التاريخ كان يسير نحو نتيجة واضحة. أمَّا الأدب الذي يأخذ التاريخَ بجدية فيفترض العكس، وهو أنَّ الأُمَّة كانت مليئة بالتوترات، والوحدة نفسها كانت مشكلة، والبطولة ليست حقيقة ثابتة، بل نتيجة صراع على الذاكرة.

إنَّ قيمة الأسطورة في تجربة مدهين لا تكمن في أنها تمنح إثيوبيا ماضيًا مجيدًا، وإنما في أنها تكشف مقدار حاجة الحاضر إلى الماضي لكي يُبَرِّر نَفْسَه. الأسطورةُ لا تعود كما كانت، يتمُّ انتزاعها من سياقها القديم، ثم وضعها في سياق جديد، فتتغير وظيفتها. والنبوءة لم تعد مجرد كلام غَيبي عن المستقبل، وإنما تصبح استعارة عن التاريخ الذي يعرف الإنسانُ أنه قادم، لكنه عاجزٌ عن إيقافه. والمَلِكُ ليس مجرد مَلِك، يمكن أن يصبح صورةً للسلطة التي تصنع مصيرَها بيديها. والمأساةُ ليست حكاية عن فرد، يمكن أن تصبح سؤالًا عن جماعة كاملة.

إذا انتقلنا إلى فوينتس، فإننا ننتقل من المسرح التاريخي إلى الرواية التي لا تثق أصلًا في الخط المستقيم للتاريخ. فوينتس لا يتعامل معَ الماضي المكسيكي أو الإسباني بوصفه سلسلة يمكن ترتيبها بسهولة من البداية إلى النهاية. الزمنُ عنده قابلٌ للتشظي، والتاريخ يمكن أن يعود، والشخصيات يمكن أن تَحمل آثار شخصيات أُخرى، والماضي قد يظهر في الحاضر، ليس باعتباره ذكرى، وإنما باعتباره قوة لم تنتهِ.

والروايةُ تستخدم الأسطورةَ لإعادة تفسير تاريخ الثقافة الإسبانية، بحيث يحلُّ الزمنُ المتكرر أو الحاضر الأبدي محلَّ التصور الخطي البسيط للزمن. كما تظهر العلاقةُ بين الموروث المكسيكي والموروث المسيحي والإسباني، بحيث لا تصبح الهوية المكسيكية شيئًا نقيًّا يمكن إعادته إلى أصل واحد، بل نتيجة صراع وتركيب بين عوالم متعددة.

يبتعد فوينتس عن الاستخدام القومي المباشر للأسطورة. إنه لا يقول ببساطة: هذه هي أسطورتنا، ومِن خلالها نعرف مَن نحن. وإنما يطرح أسئلة أكثر إزعاجًا: ماذا لو كانت هويتنا مصنوعة من أساطير متعارضة؟، وماذا لو لم يكن هناك أصل واحد نعود إليه؟، وماذا لو كانت المكسيك الحديثة نتيجة التقاء حضارات وديانات ولغات وعنف واستعمار ومقاومة، بحيث يصبح البحث عن هوية نقية نوعًا من الوهم؟.

تتجاور طبقات مختلفة من الثقافة والتاريخ، وتدخل الرموز والأساطير المكسيكية في شبكة أوسع تشمل إسبانيا وأوروبا والعالَم المسيحي واليهودي والإسلامي، لذلك يصبح الميثولوجي عند فوينتس طريقة لتفكيك فكرة الأصل الواحد بدل تكريسها.

مدهين وفوينتس يكتبان في سياق تاريخي لا يمكن فيه فصل الهوية عن مسألة الذاكرة. إثيوبيا تحمل تاريخًا طويلًا من الاستقلال والصراع السياسي والديني والإثني. أما المكسيك، فقد تشكلت هويتها الحديثة من طبقات متشابكة من الحضارات الأصلية والاستعمار الإسباني والمسيحية والتحولات السياسية والاجتماعية اللاحقة. لذلك ظلَّ سؤال: مَن هو المكسيكي؟ حاضرًا بقوة في مشروع فوينتس، كما يظهر خصوصًا في علاقته بتاريخ المكسيك وثقافتها وهويتها.

في الحالتين، تصبح الأسطورةُ وسيلة لمقاومة فكرة أن الحاضر هو الحقيقة الوحيدة. والمقاومة هُنا ليست بالضرورة مقاومة سياسية مباشرة، إنها مقاومة للنسيان. والذي لا يملك السيطرةَ على الحاضر يستطيع أحيانًا أن يقاتل على الماضي، ومَن يملك الماضي يستطيع أن يؤثِّر في معنى الحاضر، لهذا السبب كانت الأسطورة دائمًا قريبة من السياسة، حتى عندما تبدو بعيدةً عنها.

من السهل أن نقول إنَّ الأسطورة تمنح الشعوبَ صوتًا، وإنها تعيد الاعتبارَ إلى الذاكرة المحلية، وإنها تقاوم التاريخَ الذي كتبه الآخرون. كُلُّ هذا صحيح جزئيًّا، لكنه لا يكفي، لأن الأسطورة يمكن أن تتحوَّل إلى أداة أُخرى للإقصاء.

حين تقول جماعة: هذه هي قصتنا. يجب أن نسأل فورًا: من هي " نحن"؟. مَن يتكلم باسمِ الأُمَّة؟، هل هي القبيلة أم الطائفة أم الدولة أم السلطة أم الطبقة المثقفة أم المدينة أم الريف أم الجماعة الدينية أم الجماعة الإثنية أم الأغلبية؟.

في حالة إثيوبيا تحديدًا، يصبح السؤال شديد الحساسية، لأن فكرة " الإثيوبية" نفسها يمكن أن تُستخدَم أحيانًا كعنوان لوحدة تتجاهل اختلافَ التجارب داخل البلاد. وإذا تحوَّل التاريخُ إلى سلسلة من الرموز البطولية، فإنَّ الجماعات التي لا تجد نفسَها في هذه السلسلة قد تشعر بأنَّ تاريخها جرى ابتلاعه داخل تاريخ أكبر منه.

والأمرُ نفسه في المكسيك. استدعاءُ الحضارات الأصلية لا يعني بالضرورة أن الأصوات الأصلية أصبحت صاحبة السلطة على سرد تاريخها. يمكن للكاتب الحديث أن يجعل من الأسطورة الأصلية جزءًا من مشروعه الجمالي والفكري، لكن هذا لا يلغي السؤالَ: هل نحن أمام استعادة لصوت قديم أمْ أمام إعادة صياغة ذلك الصوت من خلال وعي حديث؟. لهذا فإن الأسطورة القومية لا ينبغي أن تُعامَل بوصفها حقيقة بديلة عن التاريخ. هي رواية عن التاريخ، وأحيانًا رواية عن الحاجة النفسية إلى تاريخ مُعيَّن.

مدهين يميل إلى جعل الشخصيات والأحداث التاريخية الإثيوبية مركزًا لصراع درامي يتعلق بالدولة والأُمَّة والاستقلال والذاكرة. الماضي عنده يتحوَّل إلى مسرح سياسي وأخلاقي، وهذا يجعل الأسطورةَ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفكرة الجماعة، كيف تتصور إثيوبيا نَفْسَها؟، وكيف تتذكر أبطالها؟، وكيف تُحوِّل التاريخَ إلى وعي قومي؟.

أمَّا فوينتس فيميل إلى زعزعة الحدود التي تفصل الماضي عن الحاضر، والأسطورةَ عن التاريخ، والهُويةَ عن الآخَر. ويصبح الزمنُ متاهةً، وتصبح الهُوية نتيجة طبقات متراكمة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، مع وجود ربط بين الأسطورةِ والهُويةِ والذاكرةِ وإعادةِ بنات الذات في سياق التاريخي المكسيكي والأمريكي اللاتيني.

مدهين يستخدم الماضي لكي يسأل: كيف يمكن أن تكون الأُمَّة؟، بينما يستخدم فوينتس الماضي لكي يسأل: لماذا أصبحت الأُمَّة كما هي؟. والفرقُ بين السؤالين كبير. الأول يميل إلى بناء الذاكرة،حتى عندما ينتقدها. والثاني يميل إلى تفكيك الذاكرة، حتى عندما يبحث داخلها عن معنى.

رُبَّما كان الخطأ الأكبر هو وضع الأسطورة والتاريخ في طرفَيْن متقابلَيْن. الأسطورةُ ليست نقيضَ التاريخ بالضرورة. أحيانًا تكون الطريقة التي يحتفظ بها المجتمع بتاريخه حين يعجز التاريخُ الرسمي عن تفسير ما حدث. لكنَّها تصبح خطرة عندما تطلب من الناس أن يُصدِّقوها بدل أن يُفَكِّروا فيها.

والأدبُ الجيد لا يحتاج إلى إثبات أنَّ الأسطورة صحيحة، يكفي أن يكشف لماذا احتاج الناسُ إليها. وهُنا تكمن المسافة النقدية التي تسمح بقراءة مدهين وفوينتس دون تحويلهما إلى كُتَّاب " هُوية " بالمعنى الاحتفالي للكلمة.

إنَّ السؤال ليس: أيُّهما نجح أكثر في تمجيد أُمَّته؟، هذا سؤال بسيط أصلًا. السؤالُ المهم: ماذا يفعل الكاتبُ عندما يضع الأسطورةَ القومية في مواجهة التاريخ؟. هل يجعلها قناعًا جديدًا للسلطة، أمْ يُحوِّلها إلى ذاكرة مضادة، أمْ يُخلخل بها الرواية الرسمية، أمْ يعيد إنتاجَ صورة الأُمَّة بوصفها وحدة متجانسة، أمْ يجعل من الأسطورة شيئًا مشكوكًا فيه؟.

في هذا المستوى تصبح الكتابة عند مدهين وفوينتس أكثر إثارة للاهتمام من مجرد الحديث عن الهوية، لأنَّ الهوية في أعمالهما ليست قطعة جاهزة محفوظة في صندوق الماضي، وإنما شيء يُنْتَج باستمرار عبر الانتقاءِ والتذكرِ والنسيان.

عندما يعيد مدهين كتابة شخصيات تاريخية، فهو لا يستعيدها من العدم، إنَّه يعيد إنتاجَها أمام جمهور جديد. وبذلك فإنَّ المسرح لا يكتفي بتمثيل الذاكرة، بل يشارك في صناعتها، وهذا هو الجانب الذي ينبغي ألا يغيب عن القراءة النقدية للأدب التاريخي.

وفي المقابل، حين يستعيد فوينتس الرموزَ والأساطير المكسيكية، فإنه لا يعيدها إلى مكانها القديم، بل يدخلها في لعبة معقدة من الذاكرة والاستعمار والدين والهوية والحداثة. الأسطورةُ هُنا لا تستعيد الماضي كما كان، إنها تكشف استحالةَ استعادته كما كان. وهذا هو الفرقُ الأساسي بين التوظيف المباشر والتوظيف النقدي للأسطورة. في الأول، الأسطورة تقول: تذكَّروا. وفي الثاني، تقول: تذكَّروا، لكن اسألوا ماذا تتذكرون ولماذا.

الأُمَّةُ في الأدب ليست دائمًا حقيقة سياسية فقط، إنها أيضًا خيال مشترك. الناسُ لا يعيشون داخل الدولة وحدها، بل داخل القصص التي تحكيها الدولة عن نفسها، وداخل القصص التي تحكيها الجماعات عن أصولها، وداخل الصور التي تنتقل من جيل إلى آخر. وهُنا تصبح الأسطورةُ أشبه بِمِرآة جماعية. لكن المِرآة لا تعكس بالضرورة صورةً صحيحة، إنها قد تُكبِّر وجهًا، وتُصغِّر آخَر. قد تُظهر المَلِكَ، وتُخفي الفلاحَ، قد تروي انتصارَ الجيش، وتنسى ضحايا الحرب، قد تتحدث عن الوحدة، ولا تذكر الذين شعروا أنهم خارجها،لهذا فإنَّ الأدب الذي يستعمل الأسطورةَ القومية يجب أن يُقْرَأ بحذر مزدوج، حذر من الرواية الرسمية، وحذر أيضًا من الرواية المضادة عندما تتحوَّل هي الأُخرى إلى يقين مغلق. وهذا ما يجعل المقارنة بين مدهين وفوينتس مثمرة.

في تجربة مدهين، نرى محاولة لاستعادة التاريخ الإثيوبي بوصفه ذاكرة حية يمكن للمسرح أن يعيد مساءلتها. وفي تجربة فوينتس نرى محاولة لتفجير الخط الزمني للتاريخ المكسيكي والأمريكي اللاتيني، بحيث تتجاور الأسطورةُ والاستعمار والذاكرة والدين والهوية في فضاء واحد. الأول يعود إلى الماضي من أجل مواجهة سؤال الأُمَّة، والثاني يعود إلى الماضي لكي يكتشف أن الأُمَّة لا يمكن فهمها دون تناقضاتها.

إنَّ الأسطورة ليست وطنًا. الوطنُ الذي يُخْتَزَل في أسطورة يصبح خطرًا على الأحياء، لأن الأحياء دائمًا أكثر تعقيدًا من أسلافهم. ولا توجد شخصية تاريخية أو أسطورية تستطيع أن تَحمل شعبًا كاملًا فوق كتفيها. ووظيفةُ الأدب ليست أن يجد الرمزَ الذي يختصر الأُمَّة، بل أن يكشف لماذا تحتاج الأُمَّةُ إلى رمز يختصرها.

أعمالُ مدهين وفوينتس هي محاولة لجعل الموتى يتكلمون. لكن الموتى الذين يعودون إلى الأدب، لا يعودون كما كانوا. الكاتبُ يوقظهم لكي يحاكم بهم الحاضرَ.

عند مدهين، يعود التاريخُ الإثيوبي في هيئة ملوك وأبطال وصراعات ونبوءات ومآسٍ، لكي يسأل الحاضرَ عن معنى الاستقلال والوحدة والسلطة والذاكرة.

وعند فوينتس،يعود الماضي المكسيكي والإسباني والأمريكي اللاتيني في صورة أكثر اضطرابًا، آلهة ورموز وديانات وغزاة وضحايا وأشباح وشخصيات تتداخل أزمنتها، بحيث لا يعود التاريخُ خطًّا مستقيمًا يمكن الاطمئنان إليه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

مَنْ يقرأ الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر المبدع هاني شُعيب سيكتشف من دون عناء إشارات لشخصيات وأحداث تاريخية وأسطورية في خمس مجموعات شعرية ما عدا (سراب) التي تنتمي إلى بداياته الشعرية التي يغلب فيها الطابع الذاتي على النزعة الموضوعية. وبعد ستة عقود من كتابة الشعر الجاد والعميق بدأ هاني شُعيب يُتحفنا بنماذج شعرية جديدة يتسيّد فيها التناص الأسطوري والتاريخي والديني وخاصة في قصيدته الأخيرة (بَردّية إيزيس العصريّة.. من متون بهيّة) وقد سبقها بقصيدة مماثلة تحمل عنوان (صلاة في معبد عشتار) التي سنفرد لها في القريب العاجل دراسة نقدية خاصة بها لما تنطوي عليه من أهمية ملحوظة في توظيف المنحى الأسطوري الذي عرفه العراق القديم منذ الحضارة السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والإسلامية وحتى يوم الناس هذا.3265 hany

تنتمي قصيدة (بَردّية إيزيس العصريّة.. من متون بهيّة) إلى الشِعر الثقافي أو شِعر النخبة لأنّ هذا النمط من الشعر لا يجد طريقه بسهولة ويسر إلى عامة الناس فهو يحتاج إلى معرفة واعية ودقيقة بالمصادر والمراجع والأصول التي يتوفر عليها المتلقي الأكاديمي بينما ينأى عنها القارئ العادي الذي لا يريد التورّط بالأنماط الشعرية المركّبة والمعقّدة أو العصيّة على التأويل من وجهة نظره. وقبل أن نلج إلى أجواء (بَردّية إيزيس العصريّة..) لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هناك العديد من الشعراء العرب الذين وظّفوا الأسطورة واستنطقوا التاريخ، واستحضروا القصص الدينية والتراثية في قصائدهم وأبرزهم أمل دنقل وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي ومحمد عفيفي مطر من مصر، والسياب والبياتي وسعدي يوسف وعبدالرزاق عبد الواحد والجواهري ونازك الملائكة من العراق. ولا نريد الإسهاب في ذكر الأمثلة لأنّ القائمة تطول ولا يمكن أن تحتوي كل الشعراء العرب الذين وظفوا الأساطير واستنطقوا التاريخ، وتمثلوا التراث العربي بكل تجلياته الثقافية والاجتماعية والدينية وأبرزهم أدونيس ومحمود درويش وأبو القاسم الشابي تمثيلًا لا حصرًا. ولا بدّ من الإقرار قبل أن نشرع في تحليل القصيدة بأنَّ الشاعر الحاذق هاني شُعيب يتقدّم كثيرًا على أقرانه المُشار إليهم سلفًا ومَن يقرأ قصيدة (بَردية..) بإمعان سيتيقّن من صحة ما ذهبت إليه.

تتّسم قصيدة (بَردّية..) بالعديد من الأساليب والمظاهر البلاغية كالتناصّ الأسطوري والتاريخي، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، والطِباق، والتشخيص، والمفارقة والسخرية وما سواها من مظاهر بلاغية سنتوقف عندها تباعًا.

من الأسطورة إلى الوطن

تقوم هذه القصيدة على التناص الأسطوري والتاريخي؛ فالأول يستمد مادته من الأساطير والموروثات الأسطورية، بينما يستقي الثاني عناصره من الأحداث والشخصيات والوقائع التاريخية. والأهم أنَّ التناص في الحالتين ليس مجرد اقتباس أو استعادة أو استحضار، بل هو إعادة إنتاج للمرجع القديم داخل سياق جديد يمنحه دلالة تتصل بتجربة النص المعاصر. وما يميّز قصيدة (بَرديّة..) للشاعر هاني شُعيب هو إعادة إنتاجها وإسقاط تجربة الشاعر ورؤيته الخاصة عليها الأمر الذي يمنحها مناخًا جديدًا يتيح له أن يستنطق الحاضر بكل معطياته السياسية والاجتماعية والثقافية ويضعه داخل سياق جديد يمنحه دلالة تتصل بتجربة النص المعاصر. لا بدّ من اختصار قصة الأسطورة نفسها لأنَّها واسعة ومتشعِّبة فهي تقول: ( كان أوزيريس ملِكًا عادلًا، لكن أخاه ست Set قتلَه غدرًا، ومزّق جسده، وشتّت أجزاءه. الأمر الذي دفع إيزيس، زوجته الوفيّة المخلصة، للبحث عن أجزائه المبعثرة وجمعها، وتمكّنت بمعرفتها الروحية المقدّسة من إعادته إلى الحياة مؤقتًا. ثم أنجبت منه حورس، الذي كَبُر وانتقم لأبيه، وأصبح أوزيريس حاكمًا لعالم الموتى، ورمزًا للبعث والحياة بعد الموت).

لا تستدعي قصيدة (بَردّية..) الأسطورة المصرية القديمة بوصفها ماضيًا محجوبًا، مُحكم الإغلاق، وإنما تستعيدها باعتبارها بِنيةً حيّة قادرة على تفسير الحاضر، واستشراف المستقبل. ومن هنا تبدو أسطورة إيزيس وأوزوريس في القصيدة أشبه بنموذج أصلي يعاد إنتاجه في التاريخ المصري الحديث؛ فالموت يتكرر، والحب يقاوم، والأشلاء تتناثر، لكن إيزيس تظل تجمع ما مزّقه الموت، وتنفخ فيه سرّ الحياة.

تُحيل كلمة (البَرديّة) التي تعني (الوثيقة أو المخطوطة) إلى الكتابة المصرية الأولى لكن الشاعر يمنحها صفة (العصريّة) حينما ينتقل من الماضي الفرعوني المُوغل في القِدم إلى الحاضر. أمّا (بهيّة) فهي ليست أنثى عابرة وإنما هي تحمل الاسم الشعبي الرمزي لمصر الحديثة، وبذلك تصبح إيزيس القديمة وبهية الحديثة وجهين لروح مصر الواحدة؛ فالأولى تحمل ذاكرة الأسطورة ومحمولاتها الدلالية والجمالية، والثانية تختزن حضور الوطن في الوجدان المعاصر.

يراهن الشاعر هاني شُعيب على إيزيس كثيرًا في هذه القصيدة ويسند لها دورًا يتجاوز شخصيتها الأسطورية ويجعل منها مصرَ التي خبرت الفقد، لكنها تعرف أيضًا كيف تحوّل الفقد إلى استمرار وديمومة. وحينما يتشظى أوزوريس، لا يكون الأمر مجرد إعادة سرد للحكاية القديمة، بل يتحوّل إلى صورة رمزية للشهيد الذي تمزّقه الحرب أو الخيانة، ثم تستعيده الذاكرة الوطنية في صورة أكثر خلودًا. وهنا يتداخل الحب بالموت، ويصبح الحبيب الشهيد هو أوزوريس العصر.3266 hany

التاريخ في مواجهة الحاضر

يستدعي الشاعر اللمّاح هاني شُعيب عشرة أسماء مهمة ومحورية في صنع الحدث وهي: إيزيس، أوزوريس، حورس، صقر قريش، طه، موريس، صابر، ناصر، بهيّة، يهوذا والبهلوان إضافة إلى مدينة منف ونهر النيل فتتداخل مصر الفرعونية بالتاريخ العربي الإسلامي والتاريخ المصري الحديث. وبذلك يصبح أوزوريس وإيزيس وحورس رموزًا تتجدد عبر العصور، وليسوا مجرد شخصيات مُستقاة من الأسطورة التي استقرت في الذاكرة الجمعية للناس.

لا يستعير الشاعر أسطورة إيزيس وأوزوريس لكي يتحدث عن الماضي، وإنما يستدعي الماضي لكي يمنح الحاضر تفسيرًا أسطوريًا؛ فمأساة أوزوريس تصبح نموذجًا متكررًا لمأساة الوطن، وإيزيس تتحول إلى ذاكرة مصر التي تجمع ما مزّقه التاريخ، وحورس يصبح وعدًا بمستقبل يولد من رحم الموت. وعلى الرغم من أهمية الأطروحة المركزية لهذه القصيدة إلّا أنَّ قيمتها تكتسب قوة خاصة باستدعاء الشخصيات العشر وهي على التوالي: صقر قريش، طه، موريس، صابر، ناصر، بهيّة، يهوذا والبهلوان إضافة إلى مدينة منف ونهر النيل باعتبارهما شخصيتين حيويتين وفاعلتين في النص الشعري الذي تتشابك فيه الأسطورة والتاريخ والحياة المصرية. فصقر قريش يشير إلى عبدالرحمن الداخل؛ وهو مؤسس الدولة الأموية في الأندلس وباني استقلالها السياسي. بينما يُحيل طه إلى الكاتب والمفكر المعروف طه حسين بوصفه رمزًا كبيرًا للعقل التنويري على الرغم من أنَّ مصر تحتضن العديد من الكُتّاب والمفكرين التنويريين وأبرزهم سلامة موسى، زكي نجيب محمود، أمين الخولي، علي عبد الرازق، العقاد، وسيد محمود القمني، ونصر حامد أبو زيد وما سواهم من رموز الفكر التنويري المصري. أمّا موريس وصابر فهما شهيدان من شهداء حرب 6 أكتوبر  1973 فيمثِّلان المعنى الأعمق للوحدة الوطنية القائمة على أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية فيصبح الدم المشترك أبلغ من كل الانقسامات الزائفة التي تتلاشى أمام وحدة الدم والمصير المشترك. لا يحتاج (ناصر) تعريفًا أو إحالة فهو رمز مصري وعربي في آنٍ واحد ألهبَ مشاعر المصريين والعرب وحركات التحرر الوطني في مختلف أرجاء المعمورة. بينما يكتسب اسم (بهيّة) أهمية كبيرة في هذه القصيدة فهي ليست امرأة عادية في الحكاية لأنها تحوّلت في الوعي الشعبي إلى رمز لمصر نفسها وللشعب المصري وآلامه وأحلامه. يستدعي الشاعر يهوذا الأسخريوطي بوصفه رمزًا للخيانة والغدر. ويستحضر البهلوان بوصفه رمزًا للقناع والاستعراض الزائف.  ولا بدّ من الإشارة إلى أنَّ مدينة منف (ممفيس) ترمز إلى عمق الهُوية المصرية وامتدادها الحضاري، ويستحضرها الشاعر ليصل الماضي المصري القديم بالحاضر، مؤكدًا استمرارية مصر وقدرتها على التجدد والانبعاث رغم عصور الضعف والهوان. أمّا الإحالة الأخيرة إلى النيل الذي لا يمثّل مكانًا فحسب، وإنما يصبح رمزًا للحياة والاستمرار والذاكرة المصرية كما يرتبط بالخصوبة والفيضان.

تتسم هذه القصيدة بالعديد من المظاهر البلاغية أبرزها التشبيه الذي ورد لخمس مرّات في هذا النص الشعري ننتقي منه قول الشاعر: (وباسمةً كصباحٍ خجولٍ) حيث يجعل ابتسامة إيزيس رقيقة ومشرقة، ويضفي على المشهد جوًا من الهدوء والدِعّة والسكينة. وفي موضع آخر تجسِّد إيزيسُ محبوبَها فيغدو (طويلاً.. كسنبلةٍ فى الصعيدْ). وثمة تشبيهات جميلة لـ (صقر قريش) الذي يرمز إلى القوة والمنّعَة والانتصار التاريخي.

بلاغة الصورة.. من المجاز إلى التشخيص

تعج هذه القصيدة بخمس استعارات مكنية واستعارة تصريحية واحدة. وأوضح تعريف للاستعارة هو: (تشبيه حُذِف أحد طرفيه، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي). أمّا (الاستعارة المكنية) Implicit Metaphor فتعني (أن نذكر شيئًا ونحذف المشبَّه به، ونبقي على إحدى صفاته). كما يقول الشاعر (يبكي الكمان) إذ صوِّر الكمان بإنسان يبكي، وحذف المُشبّه به (الإنسان) وأبقي على صفة من صفاته وهي البكاء. و (يموت النشيد) استعارة مكنية حيث شبَّه النشيد بإنسان يموت لكنّ الشاعر حذف المشبّه به الإنسان وأبقى على صفة من صفاته وهي الموت. وفيما يتعلّق بالاستعارة التصريحية Explicit Metaphor فتتمثّل خير تمثيل في(خمر العيون الحسان) حيث شبّه الشاعر العيون الحِسان بالخمر لما فيها من تأثير وسُكرٍ مجازي، ثم حذف المشبَّه وهي (العيون) وصرّح بالمشبَّه به وهو (الخمر). لا بد من الإشارة إلى أنَّ هذه الاستعارات تنطوي على (التشخيص) Personification  الذي يمنح الجماد أو الطبيعة أو المعنى المجرّد صفات إنسانية، تمامًا كما فعل الشاعر هاني شُعيب في استعارته المكنية (تُغازل صمت المكان) حيث شبِّه الصمت بإنسانٍ يمكن مغازلته، ثم حذف المشبَّه به (الإنسان) وأبقى على إحدى صفاته، وهي المغازلة. وهذه الصورة الشعرية تنطوي على تشخيص أيضًا لأن الشاعر منح الصمت، وهو معنى مجرّد، سلوكًا إنسانيًا.

لا تحفل هذه القصيدة المميزة بكنايات متعددة، والكناية هي صورة بلاغية يُراد بها معنىً غير مباشر مع جواز إرادة المعنى الأصلي كما يقول الشاعر هاني شعيب (حافية القدمين، مسدلة الشَعر) وهذه الصورة البلاغية كناية عن حالةٍ من الإهمال أو الانكسار.3267 hany

جمالية المُحسنات البديعية

استعمل الشاعر هاني شُعيب بعض المحسنات البديعية مثل (الطباق) Antithesis الذي يعني (الجمع بين لفظين متضادين في المعنى؛ لإبراز الفكرة وتقويتها) ومن بين الأمثلة (الموت والخلود) الذي يُعبِّر فيهما عن انتصار الحياة والخلود على الموت. و (الشروق والمغيب) الذي يؤكد فيه إصرار إيزيس على الاستمرار وعدم الاستسلام للفناء. وكلا الطباقين طباق إيجاب لأنه تضاد بين لفظين مُثبتين. وفي السياق ذاته يوظّف الشاعر التكرار  في قوله: (نعود.. نعود)، لتوكيد معنى البعث والتجدد، وإبراز الإصرار على تجاوز المحنة. ويُستعمل التكرار كمحسّن لفظي لتوكيد المعنى وتعميق أثره في المتلقي.

يوظّف الشاعر هاني شعيب أسلوب النداء وهو من الأساليب الطلبية الإنشائية كما في قوله: (يا واهب الخصب، يا ربنا، تقدست، يا أوزوريس)، الأمر الذي يمنح النص طابعًا احتفاليًا وطقوسيًا.

يستثمر الشاعر أسلوب الاستفهام في قوله: (تُراها تعود؟ تُراها.. تعود؟!)، وهو استفهام لا يُراد به طلب الإجابة، وإنما يعبّر عن حالة من الترقّب والأمل الممزوج بالشك، بما يعكس اضطراب الحالة النفسية وتعلّق الذات بإمكان العودة. وهذا الأسلوب هو أسلوب إنشائي طلبي يستعمل لمعرفة شيء مجهول لدى المتكلِّم.

نخلص إلى القول بأنَّ هذه القصيدة تكشف عن قدرة الشاعر هاني شعيب على تحويل الموروث الأسطوري والتاريخي من مادة كامنة في الماضي البعيد إلى طاقة شعرية قادرة على إنتاج معنى معاصر.

 تقوم قصيدة (بَرديّة..) في عمقها على رباعية (الوطن، والذاكرة، والعقل والشهادة) حيث ترمز مصر وبهية إلى الوطن، كما يتحوّل أوزوريس أيضًا إلى صورة للوطن. أمّا الذاكرة فتمثِّلها إيزيس التي تحفظ الماضي وتجمع أشلاء أوزوريس؛ أي تحافظ على ذاكرة الوطن. في حين يمثّل طه حسين العقل ويرمز إلى التنوير الفكري الذي أشرنا إليه سلفًا. وفيما يتعلّق بالركن الرابع أو الشهادة فيمثلها صابر وموريس باعتبارهما شهيدين مصريين ضحيا بنفسيهما من أجل الوطن فأحدهما مسلم والآخر مسيحي الأمر الذي يرمز إلى وحدة المصريين الذين يدافعون عن حياض الوطن. وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ  أهمية التناص في هذه القصيدة يكمن في جعل الماضي حاضرًا، لا على سبيل الاستعادة الحرفية، وإنما بوصفه مرآةً للحاضر وأفقًا للمستقبل. فالأسطورة تعود لكي تقول إن ما يتناثر يمكن جمعه، وإن ما يموت يمكن أن يولد من جديد، وإن الذاكرة قادرة على مقاومة الطمس والمحو والإلغاء.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

تنسج رواية " سيرة العشق والرحيل " للأديبة والروائية السورية سهير رخامية خيوطها من موضوعات متعددة؛ كالمفارقة والتناقض، والتحول والتغيير، ومآسي ونكبات في نسيج سردي بمقوماته المعروفة من شخوص، وأحداث، وحوار، ووصف وإن هيمن على مجريات وقائعها طابع الاستطراد والتفاصيل، فرغم وفرة الشخصيات، والتي نذكر منها راحيل وأختها رمال وأخيها جاد، وآدم ووالده محمود ووالدته أنجيلا، وأخته ريم ومريم، ومالك وأخته نور، والمربيتين أم سعيد وكاترينا، وجلال صديق آىم، وسام ابن راحيل، وجوزيف / يوسف ابن ريم، وصديقات راحيل مثل شذى. فإن أبرز الشخصيات التي أدارت دفة الحكي، وسير الأحداث، ونسجت معها علاقات بلغت حد التداخل والتماهي أحيانا؛ هي راحيل وعلاقتها بزوجيها مالك وآىم، وريم شقيقة آىم، وابنها جوزيف / يوسف، وسام ابن راحيل، وما عرفه سياق الأحداث، في تعالقه وتقاطعه مع شخوص الرواية، من مستجدات ومتغيرات أبرزها علاقة راحيل بزوجها المتوفى مالك، وزوجها الثاني آىم، فرغم اقترانها بمالك في ظروف خاصة ظلت تحمل في طيات ذهنها، وخبايا وجدانها ذكريات منذ عهد الطفولة والصبا عن آىم الذي سكن قلبها، وتسلل إلى أليافه. واستحضارا لما عرفته هذه العلاقة من مد وجزر، وانجذاب وانكفاء، وترقب وتوقع وانتظار آلت إلى الاقتران بآىم بعد وفاة زوجها مالك إثر عمل إرهابي ليلة زفافهما، لتقضي معه حياتها رفقة ابنها سام، وما ترسخ لديها من قناعة تمثلت في اعتبار سام ابن مالك؛ قناعة لم تدم طويلا حين رأت أن سام ابن آىم حسب ما تذكرته، حين استعادة ذاكرتها، من أحداث وملابسات، مما جعلها تتخلى عن معرفة نتائج الفحص الطبي الذي يثبت هوية والد ابنها الحقيقي والذي تأكد لديها بأنه آدم. وتتوالى الأحداث وتتعاقب من فقدان راحيل لذاكرتها لسنتين تقريبا، وغياب آدم لنفس الفترة تقريبا بانخراطه في أعمال تطوعية رفقة أعضاء جمعيات إنسانية وحقوقية في تقديم خدمات لضحايا الإرهاب الذي تمرغت في حمأته البلاد، وقبلها وفاة مالك زوج راحيل الأول إثر عمل إرهابي ليلة زفافهما، نفس المصير الذي لقيه والديْ آدم، وما عاشته ريم أخت آدم من اغتصاب اقترفه مجرم من عصابات الإرهاب نتج عنه حمل عجزت عملية الإجهاض عن التخلص من أحدهما الذي وضعته في ظروف صعبة وقاسية وهي بدير في إيطاليا مما جعلها تنفر منه ولا تتقبله في بادئ الأمر إلا أنها سرعان ما عادت لاحتضانه بعد أن تخلت عن اعتكافها في الدير كراهبة ثم توجهت للعيش قربه بعدما سجله أخوها آدم قد سجله باسمه كابن له مما جعل الأحداث تسير في مجرى آخر غامض ومعقد لبحث عن حل يضمن تحديد علاقة طبيعية تجمعها بابنها. و شخصية المربية أم سعيد، وما أسدته لراحيل من خدمات، وصديقتها شذى التي تحول إعجابها بآدم إلى الدخول معه في علاقة رضائية انتهت بنفوره منها، إلا أنها بعد ذلك ولجت في مسار جديد من حياتها كرسته للنضال من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان قادها للارتباط بزوج قاسمها نفس الأهداف والمهام مما حذا بالصحفية مريم أخت آدم لتقديمها إلى راحيل: " طبعا من لا يعرف شذى نراك على شاشة التلفزة تناضل من أجل الحرية وحقوق الإنسان متزوجة من أهم شخصية تخدم الوطن بداخله وخارجه..." ص200. ونظرا لكثرة الأحداث وتواليها يصعب الإحاطة بها ومقاربتها في سياقاتها المختلفة فقد اكتفينا بذكر بعضها التي ارتبطت بأهم شخوص الرواية، وإن بشكل مقتضب، نظرا لِنَفَسها المُشَكَّل من اثنين وستين فصلا، والأقرب للطول. إلا أن هناك موضوعات أخرى نذكر منها المفارقة والتناقض الذي عاشته أسرة آدم على المستوى الديني؛ فأمه مسيحية، ووالده مسلم مما دفعه للتساؤل: " كنت أتساءل كثيرا كيف استطاعوا العيش معا وهم على اختلاف كبير لأهم شيء بحياتهم؟" ص35، وهو ما تمثل في بعض سلوكيات الأم حسب ما عبر عن ذلك آدم: " أمي تشرب الخمر لأنه غير محرم بدينها... وأبي ديانته تحرم الخمر تحريما كاملا، كما رأيت أمي تأكل لحم الخنزير لأن دينها لا يحرمه، بينما دين والدي يحرمه... كنت بينهما أضيع؟ " ص37، تناقض ديني عقدي أثر أيضا على ريم أخت آدم، فيما عاشته من حياة متقلبة بعد اعتناقها المسيحية، ومحاولة زواج من مسيحي باءت بالفشل قادتها للإقامة كراهبة بدير، وتراجعها عن ذلك بعد ما تعرضت له من اغتصاب من طرف أحد الإرهابيين أنجبت على إثره توأما نجا، بشكل خاطئ، من عملية الإجهاض الأولى لتستقر على تغيير نمط حياتها وما عرفه من تغيير وتحول من راهبة إلى أم عادية تتابع حياة ابنها. وهو تغيير طال حياة آدم كذلك الذي سخر حياته داخل جمعيات إنسانية وحقوقية رغم ما عرفته حياته، كرجل أعمال كبير، من نعمة ورفاه. وموضوع حب الوطن كما في حالة راحيل: " كيف تشكلي الوطن وتضعيه بين ضلوعك تموتين حبا له، لم أر أحدا يحب وطنه مثلك يا راحيل.. " ص176، والرثاء لحاله إثر ما عرفه من حالات تدمير إرهابي: " هذا الوطن مشوه منه كل شيء بعد أن سكنه الإرهاب. " ص 216، فالجماعات الإرهابية اقترفت كل أنواع المآسي بما اجترحته من تخريب وفساد ساهم في عمليات الهروب نحو المجهول: " ألا يكفي ما أصاب هذا الشعب من دمار وخراب وضياع حتى أ صبح مُهَجَّرا ولاجئا. أين أولادنا وبناتنا وآباؤنا وأمهاتنا وعائلاتنا؟ " ص295، وما تعرض له المواطنون من تهجير وترحيل قسري وتعسفي، في ارتباط بالإرهاب بمختلف أشكاله وألوانه من تقتيل وتعذيب واغتصاب مثل ما حصل مع آدم حين اعتقاله بسوريا وهو عائد من رحلته، وأخته ريم، وما خلفه ما تعرضت له من اغتصاب على يد مجرم إرهابي وآثار ذلك الوخيمة على نفسها وعقلها كادت تهوي بها في أدران الخبل والضياع لولا ما لقيته من دعم من لدن شقيقها آدم وزوجته بالخصوص كما اختزلت ذلك راحيل في قولها: " إنه الإرهاب لا لون له ولا دين... " ص150. وموضوع الموت الذي غدا مشهدا متكررا يحصد الأرواح في كل لحظة وحين: " الموت حولي وأمامي... " ص157، في وصفها، أي راحيل، لمظاهر الموت التي ما فتئت تحاصرها وتطوقها في شتى الأشكال والتجليات. وموازاة مع أجواء الإرهاب، وما يفرزه من تقتيل ودمار وتنكيل برزت مواضيع أخرى تقاطعت مع شخوص الرواية، ومجريات وقائعها؛ كموضوع الكتابة، الذي سكن كيان راحيل، وأسر قلبها ووجدانها كحالة من إحساس ووِجْد وتفكير عجزت قساوة الظروف من اجتثات إرهاصاتها، ومعالمها معبرة عن ذلك في تحديد علاقة الكاتب بشخصيات كتاباته: " هناك حالة غريبة لعلاقة عشق خاصة بين الكاتب وشخصيات كتاباته؟ " ص52، ورغم ما مرت به راحيل من معاناة وألم إثر وفاة زوجها مالك ليلة زفافهما، وفقدانها لذاكرتها لأكثر من سنتين فإنها لم تحسم، ولم تجزم في فكرة تخليها عن الكتابة: " أغلقت هاتفي وأنا أتساءل كيف سأعود للكتابة من جديد بعد كل ما مر معي. هي عملي المحبب على ما يبدو... لكني تركت الكتابة أكثر من ثلاث سنوات... " ص288. وغير بعيد عن مجال الكتابة تظهر مواضيع أخرى كالصحافة في شخص مريم أخت آدم الصحفية، وريم الفنانة التشكيلية شقيقة مالك.وفي اعتماد الروائية لعناصر السرد وثوابته الأساسية استخدمت الوصف بشكله المعروف في وصفها لشخصية آدم: " مستندا بطوله الفارع على السياج، بين أصابعه يسكن سيجار ينفسه دخانه بين فينة وأخرى، يرتدي قميصا رمادي بياقة حمراء مائلة للبرتقالي، وبنطالا أسود وحذاء رياضيا، وشعره الجميل الكثيف يتحرك مع الهواء..." ص13، مع تحول الوصف إلى أسلوب رومانسي لنفس الشخص ( آدم ): " لا يمكن لآدم أن ينسى ما كان يقوم به كل صباح والشمس تنشر أشعتها... قطرات الندى حطت بعطرها على البساتين تناثرت على أنامل الفجر، رائحة النعناع تتناثر بينهما... " ص55، وهو ما يكشف القدرة على وصف متنوع، دقيق ومعبر. وقد أغنت الكاتبة متنها السردي بذكر أعلام من مجال الفن الغنائي مثل فيروز، وسيد درويش، والرحابنة: " فبدأ العمل مع الفجر على صوت فيروز وسيد درويش، والرحابنة..." ص109، واستحضار لرموز الحكي في الموروث الشعبي؛ من حكايات ألف ليلة وليلة، كشخصية شهريار وشهرزاد كما جاء على لسان آدم حين اطلاعه على أول كتاب لراحيل: " عند لقائي بأول كتاب لها، بدأت أغير كل مفاهيمي عنها، وأجهز نفسي للتغيير لأقنعها بأنني لست شهريار ولن تكون شهرزاد... " ص70، مما أثر على ما ترسخ لديه من مفاهيم حول شخصيتها، وزعزع قناعاته السابقة بحيث عمد وسعى إلى تغييرها بوازع من حب عارم، ورغبة عشق جامح.

ولا يفوتنا، أخيرا، سوى الإقرار بقيمة رواية " سيرة العشق والرحيل الإبداعية بما طرحته وعالجته من موضوعات عقدية، وإنسانية، وفكرية، ومعرفية داخل محيط طغت فيه مظاهر الظلم والاستبداد على القيم الإنسانية النبيلة من تسامح وتكافل وتضامن. ولعل ما يمكن أن نؤكده هو حضور مُكَوِّن الاستطراد والتفاصيل ضمن مجريات الرواية، وسياقاتها السردية، وما أضفاه عليها من إضافات نوعية أسهمت في إغناء معاني الحكي، وتوسيع دائرته التعبيرية والدلالية. وأمام زخم الأحداث في ارتباطها بالشخصيات، وما شهدته من تبدلات وتغيرات اقتصرنا على رسم صورة مختزلة، وتصور مقتضب يروم تحديد بعض ملامح الرواية حسب ما اقتضته حدود هذه القراءة من أدوات وإمكانات.

***

عبد النبي بزاز

........................

* سيدة العشق والرحيل لسهير رخامية - دار أكتب للنشر والتوزيع/ القاهرة ـ مصر 2019.

 

مدخل ببليوغرافي وأنطولوجي إلى تجربة شاعرة مصرية بين السريالية والتصوف وأسئلة الإنسان

ليست سيرة المبدع مجموعةً من التواريخ والأسماء والجوائز، كما أن الأدب لا يُقاس بعدد الكتب المنشورة وحده؛ فالسيرة الأدبية الحقيقية هي ذلك الأثر الذي يتركه الكاتب في اللغة، وفي الذاكرة الثقافية، وفي الأسئلة التي يفتحها نصه أمام الأجيال. ومن هذا المنظور تبدو تجربة الشاعرة والقاصة المصرية هدى عزالدين محمد جديرة بالتوثيق والقراءة، لا باعتبارها تجربة شعرية فحسب، بل بوصفها مساراً إبداعياً يتقاطع فيه الشعر بالسريالية، والتأمل الصوفي بالفلسفة، والذات الفردية بالأسئلة الكبرى للوجود.

إنها تجربة تنتمي إلى الكتابة التي لا تتعامل مع اللغة بوصفها وعاءً للمعنى، وإنما بوصفها كائناً قادراً على إعادة تشكيل العالم. فالقصيدة عند هدى عزالدين ليست مرآةً للواقع بقدر ما هي مختبرٌ لإعادة ترتيب علاقاته؛ حيث يمكن للحصى أن يتكلم، وللموت أن يكون موعداً متجدداً، وللزمن أن يُذبح، وللصباح أن يتحول إلى طفل، وللخوف أن يصبح سوقاً، وللحب أن يجد نفسه خلف أسوار مدينة.

ومن هنا تأتي أهمية هذه التجربة في سياق الشعر المصري والعربي المعاصر؛ إذ إنها تنحاز إلى المجاز بوصفه طريقة في التفكير، لا مجرد زينة بلاغية، وإلى السريالية بوصفها كشفاً عن طبقات الوعي الخفية، لا تراكمًا اعتباطياً للغرابة.

أولاً: السيرة الأدبية ومسار الحضور الثقافي

هدى عزالدين محمد شاعرة وقاصة مصرية، وعضوة عاملة في اتحاد كتاب مصر، وعضوة فاعلة في نادي أدب الأنفوشي التابع لوزارة الثقافة بالإسكندرية. وقد ارتبط حضورها بالحراك الثقافي المصري والعربي، ليس من خلال الكتابة وحدها، وإنما عبر المشاركة في صناعة الفضاء الثقافي وإقامة المبادرات والمنابر التي تتيح للحوار الأدبي أن يتجاوز حدود التجربة الفردية.

وفي هذا السياق أسست مبادرة «تجارب أدبية» المعنية بتسليط الضوء على التجارب الإبداعية المختلفة، وتشجيع التفاعل النقدي بين الأدباء من أجيال واتجاهات متعددة. كما أسست صالون «قعدة مجاز» الأدبي، بوصفه فضاءً للحوار حول الكتابة وأسئلتها الجمالية والفكرية والإنسانية.

وهذا الجانب من تجربتها مهم في قراءة مشروعها؛ لأن المبدع الذي يكتب ويؤسس في الوقت نفسه فضاءات للحوار لا يكون معنياً بإنتاج النص وحده، بل بالمشهد الذي يحتضن النص أيضاً. ومن ثم فإن تجربة هدى عزالدين تتحرك في مستويين متوازيين: إنتاج الأدب، والمساهمة في إنتاج بيئته الثقافية.

وقد شاركت في ندوات وفعاليات ثقافية بدعوات رسمية من وزارة الثقافة المصرية، من بينها مشاركات ارتبطت بفعاليات دعت إليها الدكتورة نيفين الكيلاني وزيرة الثقافة المصرية آنذاك، والدكتور هشام عطوة رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، كما ارتبط اسمها بالنشاط الثقافي في قصر ثقافة 26 يوليو، حيث تقدم برنامجها «تجارب أدبية».

ثانياً: التكوين المعرفي وأفق التجربة

لا يمكن فصل البنية الفنية في شعر هدى عزالدين عن اهتمامها بالحداثة الشعرية والفلسفة والمناهج النقدية. فهذا التكوين يفسر جانباً من انتقال نصوصها من المحسوس إلى المجرد، ومن الواقعة إلى الرؤيا، ومن الحكاية إلى السؤال.

إنها لا تكتب الواقع كما يقع، بل كما يُعاد اختراعه داخل الذات.

ولهذا تتكرر في عالمها مفردات وأسئلة تتصل بالخوف، والموت، والحرية، والمرأة، والنجاة، والوعي، والعدم، والحب، والذاكرة، والخطيئة، والمقدس والمدنس. غير أن هذه الموضوعات لا تظهر عادة في صورة أطروحات مباشرة، وإنما تتخفى داخل صور مركبة واستعارات متحركة.

وفي ذلك تتجلى إحدى خصائص كتابتها: تحويل الفكرة إلى صورة، وتحويل الصورة إلى سؤال، وتحويل السؤال إلى فضاء تأويلي مفتوح.

ثالثاً: الخريطة الببليوغرافية للمنجز

من أبرز دواوينها الشعرية المنشورة:

- أحضان الوجع ـ ٢٠٢١.

- بطائن الإدراك.

- رقعة قلق.

- أوراق النجوى ـ تحت الطبع، وفق المادة التعريفية المتاحة.

ولا تبدو عناوين هذه المجموعات عابرة؛ فهي نفسها تشكل مدخلاً إلى قاموس التجربة: الوجع، والإدراك، والقلق، والنجوى. أربعة مفاتيح تكشف جانباً من المسار الداخلي للشاعرة: ألمٌ يتحول إلى معرفة، ومعرفةٌ تستولد قلقاً، وقلقٌ يبحث عن خلاص في النجوى.

كما تكشف المواد المنشورة والمتداولة عن غزارة واضحة في الكتابة الشعرية والسردية والفكرية، ومن عناوين نصوصها:

«بطن الأساطير»، «كفيفة في دار العميان»، «ليالي الموت الحي»، «أرجوحتي الأخيرة»، «قارئته الوحيدة»، «من رحم السريالية»، «سفينة شك»، «فوضى النص»، «عين الموت الباردة»، «الصباح طفل»، «الحبر الأبيض»، «جموح الدلالة»، «مكائد الوقت»، «اقتراح للتخفي»، «رجل يشبه القمح»، «خلف أسوار مدينة الحب»، «ليل سقط في جيب القصيدة»، «هيا نذبح الوقت معاً»، «موعد مع المطر»، «مسافة وجد»، «ضوضاء من صوت المجاز»، «آخر مشهد مني»، «المتاح من السأم»، «صلاة القبح والمزايا»، «نافذتي التي سقطت مع الريح»، «رسالة إلى صديقي الغائب منذ قرون»، «أول القصيد ثورة»، «سفر الفجور وآية الإيمان»، «لا يصلح الشعراء للعبة الحب»، «يعزفني البكاء»، «المؤجل داخل الحلم»، «خمرنا ما زال عنباً»، «صل بعد النحر»، «سوق الخوف… باعة الوهم»، «وقتي المستعمل»، «غفران وخطيئة»، «سكين داخل الغرفة».

هذه العناوين، في مجموعها، تكاد تكون أنطولوجيا مصغرة لعالمها الشعري؛ لأنها تكشف عن قاموس يقوم على المفارقة والانزياح والتشخيص والمجاورة غير المألوفة بين المفاهيم والأشياء.

فالوقت يمكن أن يكون «مستعملاً»، والخوف له «سوق»، والنافذة يمكن أن تسقط مع الريح، والحزن يعزف، والقصيدة تبدأ بالثورة وتنتهي بالعتق من الاستقرار، فيما تتحول الأسطورة إلى بطن، والموت إلى عين، والحبر إلى لون أبيض.

إنها لغة لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تزعزع أسماءها كي تعيد اكتشافها.

رابعاً: «بطن الأساطير» نموذجاً

لعل قصيدة «بطن الأساطير» من أكثر النصوص دلالة على طبيعة المشروع الشعري لدى هدى عزالدين.

تبدأ الذات بجمع الحصى كي تبني هرماً فوق أرض الأساطير، ثم نجدها تسير فوق الماء وتقبّل شفتي السماء، قبل أن يتحول الحصى إلى صوت يسائل الذات عن الغاية من وجوده: أهو للرجم أم للبناء؟

ثم تبلغ القصيدة ذروة رمزية حين تتمنى الذات أن تكون حبلى بالشيطان والملك معاً.

هذه الصورة ليست مجرد مفارقة سريالية؛ إنها تختصر رؤية كاملة للإنسان بوصفه كائناً مركباً لا يستقيم وجوده على ثنائية الخير والشر بصورة مبسطة. فالإنسان يحمل في داخله النور والظلمة، الرغبة والخوف، المقدس والمدنس، الحياة والموت.

ولهذا يصبح «بطن الأساطير» بطن الإنسان نفسه؛ ذلك المكان الداخلي الذي تتخلق فيه التناقضات قبل أن تتحول إلى وعي أو سلوك أو شعر.

أما الحصى فيتحول من مادة للبناء إلى مادة للخوف، ومن الخارج إلى الداخل، حتى تصل القصيدة إلى البوح الذي لا يقود بالضرورة إلى النجاة، بل قد «يغرق» صاحبه ويكشف له موعداً جديداً للموت.

وهنا تكمن قوة التجربة: الشعر لا يشرح الجرح، وإنما يمنحه جسداً رمزياً.

خامساً: السريالية عند هدى عزالدين

السريالية في تجربة هدى عزالدين ليست لعبة غرائبية، ولا بحثاً عن صورة صادمة لمجرد الصدمة. إنها محاولة للوصول إلى المنطقة التي تتراجع فيها الرقابة المنطقية، وتبدأ الأشياء في الكشف عن علاقاتها الخفية.

فالشيء في نصوصها لا يظل شيئاً؛ الحصى ذاكرة، والماء لاوعي، والنافذة مصير، والوقت كائن قابل للذبح، والخوف سوق، والقصيدة فضاء تتحرك فيه الأشياء بحرية.

وهذه السريالية تكتسب قيمتها حين تكون وراء الصورة رؤية إنسانية أو فلسفية. لذلك فإن غرابة الصورة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لفتح باب آخر على المعنى.

إنها كتابة تؤمن بأن الواقع الظاهر ليس الواقع الوحيد، وأن ما لا يُرى قد يكون أكثر حضوراً مما تراه العين.

سادساً: الصوفية بوصفها أفقاً للمعنى

يتجاور الحس السريالي في تجربة هدى عزالدين مع نزوع صوفي واضح، لكن التصوف هنا لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قاموساً دينياً جاهزاً، وإنما باعتباره رحلة في الداخل بحثاً عن النور والمعنى والخلاص.

إن الذات في هذه النصوص كثيرة السؤال، كثيرة الارتحال، قليلة الاستقرار. وهي لا تبحث عن إجابة نهائية بقدر ما تبحث عن نافذة تؤدي إلى طبقة أعمق من الوجود.

ومن هنا يمكن قراءة كثير من مفردات الماء، والسماء، والنور، والروح، والموت، والرحم، والنجاة، بوصفها إشارات إلى رحلة داخلية تتجاوز الظاهر إلى الباطن.

سابعاً: المرأة والحرية والنجاة

إلى جانب البعد الشعري والفلسفي، تنشغل هدى عزالدين في كتاباتها بقضايا المرأة والحرية والبحث عن النجاة. وهي لا تجعل المرأة مجرد موضوع خارجي، بل تمنحها حضوراً وجودياً يتصل بالجسد والذاكرة والاختيار والحق في الخلاص.

ومن هنا تتخذ الكتابة عندها وظيفة مقاومة: مقاومة القوالب، والهيمنة، والخوف، والاستلاب، واللغة المستقرة التي تريد للمرأة أن تبقى محصورة في تعريف جاهز.

وفي هذا المستوى تلتقي تجربتها الشعرية والسردية؛ فالقصة القصيرة لديها تتحرك في المنطقة نفسها التي يتحرك فيها الشعر: الإنسان وهو يبحث عن منفذ من حصار داخلي أو خارجي.

ثامناً: اللغة والإيقاع والصورة

من أبرز السمات التي يمكن تسجيلها في التجربة: العناية بالمفردة، والانزياح، والمفارقة، والصورة، والإيقاع الداخلي.

فالقصيدة لا تعتمد بالضرورة على الوزن الخليلي، وإنما تستثمر الإيقاع المتولد من التكرار، والتوازي، والتقطيع، والتجاور الصوتي، وحركة الجملة، وتتابع الصور.

وقد أشار عدد من القراءات النقدية إلى وضوح الومضة الشعرية لديها، وإلى قدرتها على تطويع المفردة داخل نسيج النص، مع الإفادة من أسلوب يبدو في ظاهره سهلاً، لكنه يحمل وراء شفافيته طبقات من الدلالة.

وهنا يمكن القول إن إحدى ميزات شعر هدى عزالدين هي السهل الممتنع: لغة لا تتعمد إغلاق أبوابها، لكنها لا تسلم أسرارها دفعة واحدة.

تاسعاً: الحضور النقدي والتلقي

تكتسب التجربة قيمة إضافية من حضورها في الصحافة والمجلات والمنابر الثقافية المصرية والعربية، ومن تناول نصوصها بالقراءة والتحليل من نقاد وباحثين عرب، فضلاً عن اتخاذ بعض نصوصها موضوعاً لأبحاث أكاديمية، بحسب المادة التعريفية المقدمة.

وفي هذا السياق تأتي القراءة النقدية لنص «بطن الأساطير» التي تناولت بنيته السيميائية والنفسية والفلسفية، كما ظهرت قراءات أخرى لنصوصها الشعرية والسردية، ومنها قراءة سيميائية وسردية ونفسية لقصة «جريمة قط»، وقراءات تحليلية وتأويلية لبعض نصوصها.

وهذا الحضور النقدي مهم لأنه ينقل العمل من دائرة التلقي الفردي إلى دائرة الحوار المعرفي، ويمنح النص إمكانية أن يعيش خارج زمن كتابته الأولى.

عاشراً: الشاعرة بوصفها فاعلاً ثقافياً

لا تنحصر أهمية هدى عزالدين في إنتاجها الإبداعي، وإنما تمتد إلى دورها في تنشيط الحياة الثقافية. فمبادرة «تجارب أدبية» و«قعدة مجاز» تكشفان عن وعي بأن الأدب لا ينمو في العزلة، وإنما في الحوار والاختلاف والتفاعل.

ومن هنا فإن مشروعها يتحرك في ثلاثة اتجاهات متكاملة:

الكتابة، والحوار، والتوثيق.

وهذه الثلاثية تمنح تجربتها بعداً ثقافياً يتجاوز حدود الديوان والقصيدة والقصة، نحو المشاركة في تشكيل ذاكرة المشهد الأدبي المعاصر.

حادي عشر: الشهادات والتكريمات

ورد في السيرة المتاحة حصول هدى عزالدين على شهادة تقدير من رابطة المجالس البغدادية الثقافية عام 2021، كما ورد منحها شهادة تقديرية عليا ودكتوراه فخرية من الشيخة نوال الصباح تقديراً لعطائها الأدبي وإسهاماتها الثقافية.

وتندرج هذه الشهادات ضمن سجل التقدير الذي رافق حضورها الثقافي، مع أهمية أن تبقى مثل هذه البيانات محفوظة في أرشيف موثق يمكن للباحثين الرجوع إليه مستقبلاً.

ثاني عشر: أنطولوجيا العناوين بوصفها مفتاحاً للروح

إذا أردنا أن نقرأ تجربة هدى عزالدين من خلال عناوين نصوصها وحدها، سنكتشف أن العنوان عندها ليس بطاقة تعريف، بل عتبة شعرية أولى.

«أحضان الوجع» يضع الجسد في حضن الألم.

«بطائن الإدراك» ينقل المعرفة من سطحها إلى طبقاتها الخفية.

«رقعة قلق» تجعل القلق مكاناً أو مساحة.

«بطن الأساطير» يحول الأسطورة إلى رحم.

«الحبر الأبيض» يمنح الكتابة مفارقتها البصرية.

«سفينة شك» تجعل الشك وسيلة عبور.

«وقت مستعمل» يعامل الزمن كما لو كان شيئاً قابلاً للاستهلاك.

«سوق الخوف» يحول الرعب إلى اقتصاد.

«سكين داخل الغرفة» يجعل الخطر كامناً في المكان الحميم.

وهكذا يتضح أن قاموس الشاعرة يقوم على إعادة توزيع الوظائف بين الأشياء؛ وهو أحد أسرار الحس السريالي في كتابتها.

حين تصبح الكتابة أثراً في ذاكرة الزمن

إن توثيق تجربة هدى عزالدين محمد ليس احتفاءً عابراً بشاعرة معاصرة، وإنما محاولة لحفظ جزء من حركة الشعر العربي الذي يبحث عن أشكال جديدة للتعبير عن الإنسان في زمن القلق والانكسار والتحولات.

إنها شاعرة لا تقيم في القصيدة بوصفها بيتاً نهائياً، بل تدخلها بوصفها مختبراً للوجود. تفتح أبوابها على السريالية، وتصعد بها إلى الفلسفة، ثم تعيدها إلى الجرح الإنساني؛ تستدعي الأسطورة لكي تفككها، وتستعمل الموت لكي تسأل عن الحياة، وتستدعي الخوف لكي تبحث عن النجاة، وتستحضر المرأة لكي تدافع عن حق الإنسان في الحرية.

ولعل القيمة الأعمق في تجربتها أنها لا تنظر إلى الكتابة باعتبارها ملءً للفراغ، وإنما باعتبارها محاولة لخلق أثر يقاوم المحو.

وهنا تحديداً تتأسس أهمية هذه الوثيقة: أن تبقى أسماء الكتب، والنصوص، والمبادرات، والقراءات النقدية، ومحطات الحضور الثقافي، محفوظة في سياق واحد، كي يستطيع قارئ الغد أن يرى كيف كانت شاعرة مصرية في مطلع القرن الحادي والعشرين تصغي إلى ارتجاف الإنسان، ثم تحوله إلى لغة.

لقد اختارت هدى عزالدين أن تجعل من الشعر ممراً بين المرئي والخفي؛ وكلما ظن القارئ أنه وصل إلى نهاية الطريق، وجد وراء الصورة باباً آخر.

وربما لهذا يمكن اختزال مشروعها كله في جملة واحدة:

إنها تكتب كي تجعل من عتمة الداخل مادةً للنور، ومن ارتباك الوجود سؤالاً لا يموت.

وهذه، في النهاية، هي المهمة الأجمل للأدب: أن يترك وراءه شيئاً يستحق أن تتذكره الأجيال.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

بين حنين الروح والسرد الإبداعي في الشعر العربي.. مقاربة في تيمة الحنين والأصالة

قراءة نقدية في قصيدة «حنين لا يغيب» للشاعرة صفاء عابدين زايد

ليست الذاكرة في الشعر مجرد مستودع للأيام المنصرمة، ولا الحنين مجرد انفعال عابر يستدعي صورة الماضي كلما ضاق الحاضر؛ فالذاكرة الشعرية، في أعمق تجلياتها، فعلُ إعادة خلق، والحنين ليس عودةً إلى الوراء بقدر ما هو محاولة لاسترداد شيء من الذات التي تركت جزءًا من كينونتها هناك، في مكانٍ أو زمنٍ أو وجهٍ أو رائحةٍ أو مشهدٍ لم يعد حاضرًا إلا بوصفه أثرًا في الوجدان. ومن هذه الزاوية تتشكل قصيدة «حنين لا يغيب» للشاعرة صفاء عابدين زايد بوصفها نصًا تتداخل فيه الذات والذاكرة والمكان والطبيعة والسرد في نسيج شعري يستعيد الريف لا باعتباره جغرافيا محضة، وإنما باعتباره ذاكرةً جمعيةً ومصدرًا للهوية وفضاءً تأسيسيًا للطفولة والألفة والأصالة.

إن عنوان القصيدة «حنين لا يغيب» ينهض بوصفه عتبةً نصية تؤسس منذ البدء لعلاقة جدلية بين الحضور والغياب؛ فلفظة «حنين» تحيل إلى حركة النفس نحو ما افتقدته، بينما تأتي عبارة «لا يغيب» لتنسف مفهوم الغياب ذاته، وكأن الشاعرة تريد أن تقول إن ما غاب عن العين لم يغب عن الوعي، وإن الزمن يستطيع أن يطوي المكان في الخارج، لكنه يعجز عن محوه من الداخل. وهنا يصبح العنوان مفتاحًا تأويليًا للنص كله؛ فالحنين ليس موضوع القصيدة فحسب، بل هو الطاقة التي أنشأت القصيدة ودفعت السرد الشعري إلى استحضار عالم كامل بكل تفاصيله.

واللافت أن الشاعرة لا تدخل إلى الماضي من بوابة التأمل النظري، وإنما تدخل إليه من باب المشهد. تبدأ بقولها:

في منزلٍ قربَ المياهِ الجاريةْ

كنا هنا نُسقى الودادَ علانيةْ

فتتحول كلمة «منزل» من دلالة مكانية إلى بؤرة ذاكرية، ويصبح الماء أول مفاتيح الاسترجاع. فالماء في المخيال الشعري ليس مجرد عنصر طبيعي؛ إنه علامة على الحياة والاستمرار والتجدد، ولذلك فإن اقترانه ب«الوداد» يخلق انتقالًا سيميائيًا من الماء المحسوس إلى ماء العاطفة. وكأن الذات لم تكن تُسقى ماءً فحسب، بل كانت تُسقى حياةً وانتماءً وألفة.

وهكذا تبدأ القصيدة رحلة استعادة الذات من خلال استعادة المكان، وهي آلية سردية تجعل النص أقرب إلى السيرة الشعرية الوجدانية؛ إذ لا تسرد الشاعرة أحداثًا بالمعنى التقليدي، وإنما تستدعي شذرات من زمن سابق، ثم تعيد ترتيبها داخل بنية شعرية تقوم على التذكر والانتقاء والإضاءة.

أولًا: الحنين بوصفه بنيةً للذاكرة وانعتاقًا للذات

حين تقول الشاعرة:

نشدو ونمرح في حبورٍ مثلما

يشدو النسيمُ على غصونٍ دانيةْ

فإنها لا تستعيد طفولةً فردية فحسب، وإنما تستعيد إيقاعًا وجوديًا كان أكثر انسجامًا بين الإنسان والطبيعة. فالفعل «نشدو» يتكرر في علاقته بالنسيم، بما يؤسس لمعادلة جمالية يصبح فيها الإنسان والطبيعة صوتًا واحدًا. الإنسان لا يقف أمام الطبيعة متفرجًا، والطبيعة لا تظهر خلفيةً صامتة للمشهد، وإنما يدخل الطرفان في حوار شعري؛ فالنسيم يشدو، والذات تشدو، والغصون تصغي بطريقة غير مباشرة إلى ذلك النشيد الكوني.

وهنا تتجلى إحدى آليات التشخيص الشعري، حيث تمنح الشاعرة عناصر الطبيعة خصائص إنسانية، فتغدو الطبيعة ذاتًا مشاركة في التجربة لا مجرد إطار لها.

ثم تقول:

لم ندخرْ وسعًا لقنص سعادةٍ

كيما نحلّق كالفراشِ سواسيةْ

والعبارة هنا تحمل بعدًا دلاليًا يتجاوز الصورة المباشرة؛ ف«قنص السعادة» استعارة تكشف أن السعادة في وعي الذات لم تكن شيئًا مضمونًا، بل كانت لحظةً ينبغي اقتناصها. أما التشبيه بالفراش فيحمل إيحاءً بالحرية والخفة والانطلاق، ويعيد بناء الطفولة بوصفها زمنًا لم تكن فيه الروح مثقلةً بالحدود التي يصنعها العمر.

ومن منظور التلقي، فإن القارئ لا يستقبل هذه الصور باعتبارها ذكريات خاصة بالشاعرة فقط؛ إذ سرعان ما تنفتح الذات الفردية على ذاكرة القارئ الجمعية. فكل قارئ يمكن أن يعثر داخل «المنزل»، و«المروج»، و«الطيور»، و«الصباح»، و«البنفسج»، على شيء من طفولته أو على صورة لماضٍ يتمنى استعادته. وهذه هي إحدى وظائف الشعر الحقيقية: أن يحول الخاص إلى قابل للتشارك، وأن يجعل التجربة الفردية مرآة لتجارب إنسانية متعددة.

ومن هنا فإن الحنين في القصيدة لا يمثل حالة انكسار أمام الزمن، بل يتحول إلى آلية انعتاق؛ لأن الذات، وهي تستعيد ماضيها، تستعيد معه صورتها الأولى قبل أن تثقلها التحولات. إنها لا تهرب من الحاضر بقدر ما تبحث عن ذاتها في طبقات الذاكرة.

ولعل هذا يتأكد في قولها:

كنا جميعًا مثل أسراب القطا

ويقودنا شيخٌ، وأمٌّ حانيةْ

فهنا تنتقل القصيدة من «أنا» الفردية إلى «نحن» الجماعية. وهذا الانتقال مهم من الناحية السردية؛ لأنه يحول الذاكرة من ملكية فردية إلى ذاكرة جمعية. ف«أسراب القطا» ليست مجرد صورة تشبيهية، بل علامة على الاجتماع والرحلة والتآلف، بينما يمثل «الشيخ» و«الأم» قطبي الحماية والحكمة والرعاية. وهكذا يتشكل المجتمع القديم في النص باعتباره بنيةً من العلاقات لا مجرد مجموعة من الأشخاص.

إن الشاعرة، بهذا الاسترجاع، لا تستعيد زمنًا فحسب، وإنما تستعيد نظامًا قيميًا كان يقوم على الألفة والتكافل والقيادة الروحية والحنان الأسري، وهو ما يمنح الحنين في النص بعدًا أخلاقيًا وثقافيًا واضحًا.

ثانيًا: المكان من الجغرافيا إلى الذاكرة — سيمياء الريف بوصفه وطنًا للروح

إذا كان الحنين هو الطاقة المحركة للنص، فإن المكان هو المخزون السيميائي الذي يمنح هذه الطاقة صورها وتجلياتها. فالقصيدة لا تذكر الريف بوصفه اسمًا جغرافيًا، وإنما تبنيه من خلال شبكة كثيفة من العلامات:

نقتات من خير المروج وسحرها

ونصادق الأطيار إذ هي شاديةْ

*

ونلاحق النسمات إن هي أقبلتْ

صوب الزروع بخفةٍ متناهيةْ

*

كنا هنا حيث الحياة سخيةٌ

والأفق صحوٌ والزنابق ناديةْ

إن هذه المفردات: المروج، الأطيار، النسمات، الزروع، الأفق، الزنابق لا تعمل منفردة، وإنما تنتظم داخل حقل دلالي واحد هو حقل الطبيعة الحية. والطبيعة هنا ليست وصفًا خارجيًا، وإنما لغة بديلة تتكلم بها الذات عن نفسها.

فالزروع تصبح علامة على الخصوبة، والماء علامة على الاستمرار، والنسيم علامة على الحرية، والصباح علامة على البدء، والزهور علامة على النقاء، والأفق علامة على الاتساع. وبذلك تتحول الطبيعة إلى معجم نفسي؛ كل عنصر فيها يحمل حالة شعورية موازية.

إن قول الشاعرة:

والشمس ترسل في حبورٍ ضوءها

والكون يعزف والأماني زاهيةْ

يكشف عن ذروة هذا التماهي بين الذات والكون. فالشمس لا «تضيء» فقط، وإنما «ترسل» الضوء في حبور، والكون لا يصمت، بل «يعزف». إننا أمام كون شاعري مؤنسن، أو أمام ما يمكن تسميته ب«الكون المتجاوب»؛ حيث لا تعود الطبيعة مادة جامدة، بل تصبح كائنًا مشاركًا في الوعي.

وهذا التشخيص لا يخلو من وظيفة فلسفية؛ فالذات التي فقدت زمنها القديم تعيد بناء علاقة المصالحة مع العالم من خلال الشعر. إنها تستعيد العالم لكي تستعيد نفسها. ومن هنا تتضح جدلية «الذات والكون»: فكلما اتسعت الطبيعة في النص، اتسعت معها مساحة الذات، وكلما ضاق الحاضر، اتسعت الذاكرة لتمنح الروح فضاءً بديلًا.

ولذلك يأتي النداء:

يا ريفُ يا نغمًا يفيض عذوبةً

وطلاوةً سُكبت بأرضٍ غاليةْ

وهنا يتحول «الريف» إلى منادى شعري، ثم إلى «نغم». وهذا التحويل من المكان إلى الصوت يكشف أن الريف لم يعد مكانًا خارجيًا، وإنما أصبح إيقاعًا داخليًا يسكن الذاكرة. إنه وطن الروح الصغير، أو المكان الذي احتفظت فيه الذات بأولى علاقتها بالعالم.

وتتعمق هذه الدلالة حين تستدعي الشاعرة تفاصيل شديدة الخصوصية:

يا حبذا زهر البنفسج حينما

يهدي شذاه على أكفٍّ راضيةْ

*

يا حبذا الأنداء حين سقوطها

مثل اللجين على الورود الساجيةْ

فالشمّ واللمس والرؤية والحركة كلها تشترك في إنتاج الذاكرة. وهذا ما يجعل النص قريبًا من الذاكرة الحسية؛ إذ لا تُستعاد الطفولة عبر الأفكار، وإنما عبر الرائحة واللون والماء والندى والضوء.

وهنا تكمن قوة السرد الشعري؛ لأن الحواس تصبح جسورًا بين الزمنين: زمن مضى، وزمن يستعيده الوعي. إن الشاعرة لا تقول للقارئ «كان الماضي جميلًا»، بل تجعله يرى الجمال ويسمعه ويشمّه، وبذلك تتحول الذكرى إلى تجربة جمالية معاشة داخل النص.

ثالثًا: السرد الشعري وجماليات الاستقبال — حين تتحول الذكرى إلى حكاية

تقوم القصيدة على حركة سردية واضحة، وإن كانت مكتوبة في هيئة شعرية. فالضمير «نحن» يتكرر، والأفعال الماضية تتوالى: «كنا»، «نشدو»، «نقتات»، «نصادق»، «جرى»، «كنا هنا»، ثم ينتقل النص إلى الحاضر الوجداني في قولها:

تُقنا إليكَ أيا رفيقَ طفولتي

يا من تضوّع عطرُهُ في القافيةْ

وهنا يحدث التحول من زمن الحكاية إلى زمن الحنين. فالماضي لم يعد مجرد زمن نحوي، بل أصبح طبقةً سردية تستعاد من داخل الحاضر. وهذا التداخل الزمني يمنح النص طاقته التأويلية؛ إذ إن الماضي لا يظهر بوصفه منتهيًا، وإنما يعود في اللحظة التي تستحضره فيها الذات.

و«رفيق الطفولة» هنا ليس شخصية فقط، بل يمكن قراءته بوصفه علامةً على زمن كامل. ولهذا تقول:

يا من ملكتَ القلبَ دون منازعٍ

ستظل ذكرى في عيوني باقيةْ

إن «الذكرى» تتحول إلى كيان مقيم، وكأنها أصبحت شخصًا ثالثًا بين الشاعرة والماضي. فالغياب لم يؤدِّ إلى الإلغاء، بل إلى التحول من الحضور الجسدي إلى الحضور الرمزي.

وهنا يمكن استدعاء مفهوم أفق التوقع في نظرية التلقي؛ فالقارئ حين يبدأ القصيدة يتوقع نصًا عن الحنين، لكنه لا يبقى عند حدود الحنين العاطفي، لأن النص يوسع أفقه تدريجيًا: من المنزل إلى الطبيعة، ومن الطبيعة إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى الرفيق، ومن الرفيق إلى الريف، ومن الريف إلى الأصالة. وبذلك يصبح الحنين وسيلة لقراءة معنى أوسع هو معنى الانتماء.

إن القارئ لا يتلقى الماضي كما تقدمه الشاعرة فقط، وإنما يعيد إنتاجه وفق مخزونه الثقافي والوجداني. وهذه إحدى جماليات النص الذي لا يغلق دلالته على تجربة منشئته، بل يترك فراغات تأويلية تسمح للقارئ بأن يملأها بذاكرته الخاصة.

كما أن التكرار المتواتر لعبارة «يا حبذا» يمنح النص طابعًا استرجاعيًا احتفاليًا. فالتكرار هنا ليس حشوًا، وإنما إيقاع للذاكرة؛ كل «يا حبذا» تشبه نافذة تُفتح على مشهد آخر من الماضي.

وتزداد هذه السمة وضوحًا في:

كم كنت أحفل بالبكور وأحتفي

بقدوم أنفاس الصباح الزاكيةْ

فالفعل «أحتفي» يضع الصباح في مقام المناسبة، وكأن كل صباح كان عيدًا صغيرًا. وهذا يعكس فلسفة ضمنية للقصيدة: أن قيمة الحياة لا تتحدد بكبر الأحداث، وإنما بقدرة الروح على رؤية الجمال في التفاصيل.

ومن هنا يصبح السرد الشعري نوعًا من إعادة ترميم الذاكرة. فالشاعرة تجمع أجزاء العالم القديم كما يجمع المرء قطع مرآة مكسورة، ثم تعيد ترتيبها بحيث تظهر صورة الذات في زمن أكثر صفاءً.

رابعًا: الأصالة بوصفها هويةً شعرية - من استعادة الماضي إلى صناعة المعنى

لا تتوقف القصيدة عند استحضار الريف والطفولة، وإنما تنتهي إلى تثبيت قيمة ما استُعيد. وهنا تنتقل التجربة من مستوى الذكرى إلى مستوى الأصالة:

ستظل نبراسًا ونبعًا صافيًا

يسري بأرواح الأنام طواعيةْ

*

ستظل رمزًا للأصالة حاضرًا

في نبض من عشقوا الحياة الساميةْ

وهذان البيتان يمثلان مفتاحًا تأويليًا مهمًا؛ لأن الشاعرة تكشف فيهما عن مقصدها الأعمق: الماضي ليس مادة للبكاء، بل نبراس، أي مصدر إضاءة. والذكرى ليست إقامة في الزمن المنقضي، بل نبع يستمر في الجريان داخل الأرواح.

وهنا يتضح معنى «انعتاق الذات» في عنوان القراءة؛ فالذات لا تتحرر من حاضرها بنسيانه، وإنما تتحرر من وطأة الحاضر عبر استعادة الجذور التي تمنحها معنى الاستمرار. فالأصالة ليست عودةً ساذجة إلى الماضي، وإنما قدرة على تحويل الذاكرة إلى طاقة رمزية للحاضر.

وإذا كان الشعر الحديث قد عرف أشكالًا متعددة من التعامل مع المكان، فإن قصيدة «حنين لا يغيب» تنتمي إلى نمط يمكن تسميته شعرية المكان الذاكر؛ حيث لا يكون المكان موضوعًا للوصف، وإنما مستودعًا للهوية. الريف هنا ليس «هناك» فقط، بل هو «أنا» ممتدة في الزمن.

وتظهر هذه الرؤية في البناء الدائري للقصيدة؛ فهي تبدأ ب«منزل» وتنتهي ب«الأصالة»؛ أي إنها تتحرك من المكان الجزئي إلى القيمة الكلية. وبين البداية والنهاية تتشكل رحلة داخل الذاكرة، تبدأ بصورة ملموسة وتنتهي بدلالة مجردة. وهذا التحول من المحسوس إلى المجرد يمثل أحد أشكال التصعيد الدلالي في النص.

كما أن القافية الموحدة ذات الامتداد الصوتي في «الجارية، علانية، دانية، سواسية، شادية، صادية...» تمنح القصيدة نغمة ممتدة تشبه تدفق الذاكرة. فالصوت الأخير يتكرر كما تتكرر الذكرى، وكأن القافية نفسها أصبحت وعاءً موسيقيًا للحنين. ولا ينفصل ذلك عن كثرة المفردات ذات الصلة بالحركة والانسياب: «جارية»، «نسقي»، «نحلق»، «نجري»، «نلاحق»، «تسري»، وهي أفعال تجعل الذاكرة في حالة حركة دائمة، فلا تستقر في نقطة واحدة.

ومن منظور بلاغي، تتكامل في القصيدة الاستعارة والتشخيص والتشبيه والمجاز الحسي، لكن قيمتها لا تأتي من كل صورة منفردة، بل من النظام الصوري الكلي الذي يجعل الماء والنسيم والشمس والندى والزهر والطير والريف أجزاء من منظومة رمزية واحدة. وهذا ما يمنح النص وحدته العضوية؛ إذ لا تبدو الطبيعة زينة لغوية، وإنما تتحول إلى معادل موضوعي للتجربة الداخلية.

إن «حنين لا يغيب» في جوهرها قصيدة عن الاسترداد: استرداد المكان، واسترداد الطفولة، واسترداد العلاقات، واسترداد الإيقاع الأول للحياة. غير أن أهم ما تسترده الشاعرة هو ذاتها؛ تلك الذات التي كانت أكثر قدرة على الفرح، وأكثر التصاقًا بالطبيعة، وأكثر إيمانًا بأن الحياة يمكن أن تكون بسيطة وسخية.

ولذلك فإن الحنين في النص لا يحمل فقط دلالة الأسى، بل يحمل أيضًا دلالة المقاومة؛ مقاومة النسيان، ومقاومة محو الذاكرة، ومقاومة تحوّل الإنسان إلى كائن منفصل عن جذوره.

وهنا يصبح الشعر نفسه فعل مقاومة للزمن. فالزمن يستطيع أن يغير الأمكنة، وأن يبعد الرفاق، وأن يبدل ملامح الحياة، لكنه لا يستطيع أن يمحو القصيدة التي أعادت خلق ذلك كله في اللغة.

وارتكازا على ما سبق يمكن القول أن:

قصيدة «حنين لا يغيب» تكشف عن تجربة شعرية تجعل من الحنين بنيةً جمالية ومعرفية، لا مجرد انفعال عاطفي. فالشاعرة صفاء عابدين زايد تنطلق من ذاكرة شخصية لتصل إلى ذاكرة أوسع، وتبدأ من منزل قريب من المياه لتصل إلى الريف بوصفه وطنًا للروح، وتستعيد رفيق الطفولة لتستعيد معه منظومة من القيم والمعاني التي صنعت زمنًا إنسانيًا أكثر دفئًا.

إن النص يتحرك من المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهوية، ومن الهوية إلى الأصالة؛ وهي حركة تمنحه عمقه التأويلي. وفي هذا السياق يغدو الحنين شكلًا من أشكال الانعتاق؛ لأن الذات حين تعود إلى جذورها لا تعود مهزومة أمام الماضي، وإنما تستخرج منه طاقةً رمزية تجعلها أكثر قدرة على فهم حاضرها.

والقصيدة، من منظور التلقي، لا تمنح القارئ ذكرى جاهزة، بل تفتح أمامه فضاءً يستدعي ذكرياته الخاصة؛ فيرى في «الماء الجاري» ماء طفولته، وفي «الريف» مكانه الأول، وفي «الأم الحانية» صورة الحماية، وفي «رفيق الطفولة» وجهًا ربما غيّبه الزمن. وهنا يتحول النص من تجربة فردية إلى ذاكرة قابلة للتشارك.

أما الأصالة، فهي ليست في القصيدة شعارًا مرفوعًا، وإنما بنية عميقة تتشكل عبر التفاصيل؛ عبر المروج والطيور والندى والصباح والبنفسج والأم والشيخ والرفيق. فالأصالة لا تُقال فقط، بل تُرى وتُشم وتُسمع وتُستعاد.

وبذلك تستطيع صفاء عابدين زايد أن تجعل من الذاكرة مادةً شعرية نابضة، ومن المكان كائنًا دالًا، ومن الطبيعة لغةً ثانية للروح، ومن الحنين جسرًا يصل الماضي بالحاضر. ولعل أجمل ما في التجربة أن الشاعرة لا تنتهي عند حدود «كان»، وإنما تحول «كان» إلى «سيظل»؛ وهو الانتقال الذي يمنح القصيدة أفقها الفلسفي الأبعد: ما دام الأثر قادرًا على السريان في الوجدان، فإن الغياب لا يعني الفناء، وما دامت الذاكرة قادرة على إعادة إنتاج الجمال، فإن الزمن لا يملك الكلمة الأخيرة.

وهكذا يصبح «حنين لا يغيب» عنوانًا يتجاوز القصيدة إلى فلسفتها؛ فليس الذي لا يغيب هو الماضي وحده، بل المعنى الذي تركه الماضي في الروح. وهذا هو جوهر الشعر حين يتحول من تسجيل الذكرى إلى صناعة الوجود: أن يجعل ما انقضى حاضرًا، وما غاب مرئيًا، وما كان فرديًا قابلًا لأن يصبح إنسانيًا، وأن يمنح الذات، عبر اللغة، فرصة أخرى للعودة إلى المكان الذي بدأت منه كي تعرف، في نهاية الرحلة، أنها لم تكن تبحث عن الماضي بقدر ما كانت تبحث عن نفسها.

شكرا جزيلا للشاعرة الأديبة الراسخة المثقفة الخلوقة صفاء عابدين زايد (بنت الثريا) الراقية على هذه القصيدة الماتعة المائزة الفريدة.

تقديري الدائم

***

د. سيد فاروق

.................

حنينٌ لا يغيب

في منزلٍ قُربَ المياه الجاريةْ

كنا هُنا نُسقى الودادَ علانيةْ

*

نشدو ونمرح في حبورٍ مثلما

يشدو النسيمُ على غصونٍ دانيةْ

*

لم ندخرْ وسعًا لقنص سعادةٍ

كيما نحلق كالفراشِ سواسيةْ

*

نقتات من خير المروجِ وسحرها

ونصادقُ الأطيارَ إذ هي شاديةْ

*

وإذا ظمئنا فالحنانُ شرابُنا

نروي به تلكَ النفوسَ الصاديةْ

**

نجري فيتسع الطريقُ لحُلمنا

ونُحادث الآمال حتى النائيةْ

*

ونلاحقُ النسماتِ إن هي أقبلتْ

صوب الزروع بخفةٍ متناهيةْ

*

كُنا هُنا حيثُ الحياةُ سخيةٌ

و الأُفْقُ صحوٌ والزنابقُ ناديةْ

*

كنا جميعًا مثلَ أسرابِ القطا

ويقودنا شيخٌ ، وأمٌ حانيةْ

*

في أُلفةٍ معهودةٍ وبراعةٍ

سبت العيونَ ولم تدعها غافيةْ

*

لله ما هذا البهاء وحسنُهُ

والصبح يُضفي بهجةً متتاليةْ

*

والشمسُ ترسلُ في حبورٍ ضوءَها

والكونُ يعزفُ والأماني زاهيةْ

*

كم كنت أحفلُ بالبكور وأحتفي

بقدوم أنفاسِ الصباحِ الزاكيةْ

*

يا ريفُ يا نغمًا يفيض عذوبةً

و طلاوةً سُكبت بأرضٍ غاليةْ

*

يا حبذا زهرُ البنفسجِ حينما

يهدي شذاهُ على أكفٍ راضيةْ

*

يا حبذا الأنداءُ حين سقوطها

مثل اللجينِ على الورود الساجيةْ

*

يا حبذا سحرُ المساءِ ونورهُ

القمريُّ في قممِ الغصونِ العاليةْ

*

تُقنا إليكَ أيا رفيقَ طفولتي

يا من تضوَّع عطرهُ في القافيةْ

*

يا مَنْ ملكتَ القلبَ دونَ منازعٍ

ستظل ذكرى في عيوني باقيةْ

*

ستظل نبراسًا ونبعًا صافيًا

يسري بأرواح الأنام طواعيةْ

*

ستظل رمزا للأصالة حاضرًا

في نبض مَنْ عَشقوا الحياةَ الساميةْ

***

صفاء عابدين زايد

بنت الثريا - نفحة طيب

 

المقدمة: تتحدد صفة النظرية العلمية في أي حقل معرفي بما تقدمه من تصور منظم لمشكلة محددة، وبما تضعه من مفاهيم ومبادئ وعلاقات تفسر الظواهر الداخلة في مجالها، مع إمكان تطبيق هذه المبادئ واختبارها ومناقشة نتائجها. ومن ثم فإن إطلاق وصف «نظرية» على تصور علمي ينبغي أن لا يستند إلى الانطباع أو إلى غرابة المصطلح أو حداثة الفكرة، وإنما إلى مقومات بنائه العلمي.

وتزداد أهمية هذا الأمر في اللسانيات، إذ تعددت النظريات التي تناولت طبيعة اللغة ونظامها وعلاقتها بالعقل وآلياّت إنتاجها، واختلفت في منطلقاتها ومفاهيمها ومناهجها، من البنيوية إلى الاتجاهات التوليدية والتحويلية والاتجاهات العرفانية وغيرها. ولا يؤدي اختلاف النظريات في تفسير الظاهرة اللغوية إلى فقدان إحداها صفة النظرية، فالتقويم العلمي يتعلق ببنية النظرية ومبادئها وقدرتها التفسيرية والتطبيقية.

ومن هذا المنطلق، يمكن مناقشة مطابقة صفة النظرية اللسانية على نظرية الصفر اللغوي من خلال معايير محددة، بدل الادلاء بحكم مفتقر للأسس العلمية بأنها «ليست نظرية» من غير بيان المقوّم الذي لم تستوفه.

وتكشف قراءة كتاب (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلّي وتطبيقاتها في العربية) أن صاحبة النظرية لم تقدم آراء متفرقة، وإنما قدمت تصورًا متكاملًا حددت له موضوعًا ومفاهيم ومبادئ وقواعد وآليّة عمل، وربطته بالنظريات اللسانية الحديثة، وطبقته على لغات متعددة، وناقشت امتداداته في عدد من المجالات.

وتقوم الفكرة المركزية للنظرية على أن إنتاج الجملة لا يبدأ من الكلمات المعزولة ثم يتم ربطها، وإنما من المعنى العام للفكرة بوصفها كلًا، ثم الانتقال إلى معاني أجزائها (المدلولات) وتحديد العلاقات التي تربط بينها، ثم اختيار الدوال اللغوية المناسبة لتلك المدلولات، أي الانتقال من الكل إلى الجزء. وتسمى المرحلة الذهنية السابقة على تحقق الجملة (مرحلة الصفر).

وعليه، يمكن فحص النظرية في ضوء المعايير العشرة الآتية:

أولًا: تحديد موضوع النظرية ومشكلتها العلمية

يُعد تحديد موضوع النظرية أول مقوماتها، إذ ينبغي أن تحدد الظاهرة التي تسعى إلى تفسيرها والمجال الذي تتحرك فيه.

وقد حددت نظرية الصفر اللغوي موضوعها في نظام إنتاج اللغة في الدماغ البشري، ولا سيما المرحلة الذهنية التي تسبق تحقق الجملة في صورتها المنطوقة أو المكتوبة، وأطلقت عليها  (مرحلة الصفر). وفي هذه المرحلة ينتقل العمل الذهني من الفكرة إلى العلاقات التي تربط أجزاءها، ثم إلى الدوال اللغوية التي تحقق تلك العلاقات. ومن ثم فإن المشكلة التي تعالجها النظرية ليست مجرد وصف الجملة بعد ظهورها، وإنما تفسير كيفية إنتاجها قبل تحققها في صورتها اللغوية.

ثانيًا: وجود مفاهيم ومصطلحات محددة

لا تقوم النظرية العلمية من غير جهاز مفاهيمي واضح. ويأتي مفهوم (الصفر اللغوي) في مركز نظرية الصفر، فهو ليس عدمًا أو فراغًا لغويًا، وإنما مرحلة ذهنية تنظم فيها العلاقات بين أجزاء الفكرة قبل ظهور الجملة. وقد وضح الكتاب هذا المفهوم للصفر اللغوي لكي لا يلتبس على القارئ مع ما شاع من أن الصفر هو العدم أو اللاشيء.

ويتفرع عن هذا المفهوم عدد من المصطلحات، منها: الفكرة، والمدلول، والدال، والمعنى النحوي، والعلاقات النحوية، والمعجم الذهني، والتنظيم الهرمي. كما حددت النظرية أربع علاقات كبرى بين أجزاء الفكرة هي: الإسناد، والتخصيص، والإضافة، والتوضيح، وجعلت الإسناد الرابط الرئيس الذي تتعلق به بقية الروابط. وهكذا لا ترد المصطلحات لمجرد التسمية، بل تؤدي وظائف داخل البناء التفسيري للنظرية.

ثالثًا: وجود مبادئ وقواعد عامة

تتجاوز النظرية العلمية الملاحظات الجزئية إلى مبادئ عامة تحكم الظاهرة التي تدرسها.

وقد حددت نظرية الصفر اللغوي ثلاث مراحل مترابطة لإنتاج الجملة: تحديد المعنى العام للفكرة، ثم تحديد المعاني النحوية والعلاقات الرابطة بين مدلولات أجزاء الفكرة، ثم اختيار الدوال المناسبة لهذه المدلولات. كما تقرر أن اختيار الدوال أي الكلمات  ليس نقطة البداية، بل يأتي بعد تحديد المعنى وتنظيم العلاقات. وبذلك تطرح النظرية نظامًا لجميع اللغات الطبيعية وهو ما يبحث العلماء عنه تحت مسمى النحو الكلّي الذي يعني وجود قواعد مشتركة بين اللغات حيث تحدد النظرية هذه القواعد المشتركة إلى جانب قواعد خاصة بكل لغة.

رابعًا: وجود نظام مترابط بين المبادئ

لا يكفي وجود مبادئ منفردة لكي يكون التصور نظرية، بل يجب أن تنتظم هذه المبادئ في نظام تتفاعل عناصره.

وهذا الترابط واضح في نظرية الصفر اللغوي، فمفهوم الصفر يرتبط بإنتاج الجملة، وإنتاج الجملة يقوم على المراحل الثلاث، وهذه المراحل ترتبط بالمعاني النحوية الكبرى، ثم تنتظم هذه المعاني في علاقات هرمية، لتتحول في النهاية إلى دوال لغوية تحققها في اللغة. كما أن مبدأ الانتقال من الكل إلى الجزء ينظم آلية الإنتاج بأكملها.

وهنا يتضح الفرق بين الفكرة والنظرية: فالفكرة قد تكون ملاحظة أو اقتراحًا، أما النظرية فتقوم على شبكة مترابطة من المفاهيم والمبادئ والعلاقات.

خامسًا: القدرة على تفسير الظواهر اللغوية

من أهم مقومات النظرية قدرتها على الانتقال من وصف الظاهرة إلى تفسير النظام الذي يقف وراءها.

وتحاول نظرية الصفر اللغوي تفسير إنتاج الجملة انطلاقًا من النظام الذهني السابق على تحققها، فالمعنى العام للفكرة يسبق اختيار الكلمات، والعلاقات بين أجزائها تسبق تحقيقها بالألفاظ. كما تعيد النظرية تفسير الإعراب في ضوء المعاني النحوية، فلا تجعل العلامة الإعرابية محور التقعيد، وإنما تربطها بالعلاقات والمعاني التي تقوم عليها الجملة.

سادسًا: قابلية النظرية للتطبيق والاختبار

من مقومات النظرية العلمية أن تقدم مبادئ يمكن تطبيقها على معطيات لغوية فعلية، وأن تتيح اختبار ما تقترحه ومراجعته.

وقد خصصت نظرية الصفر اللغوي مجالًا لاختبار نظامها على لغات متعددة، وميزت بين القواعد المشتركة والقواعد الخاصة بكل لغة. كما ربطت الترجمة بوجود ركائز ذهنية مشتركة بين اللغات. وهذا يجعل تطبيق مراحل الإنتاج على لغات مختلفة مجالًا لاختبار اتساق النموذج وقابليته للتعميم.

أما الجانب المتعلق بعمل اللغة في الدماغ، فيظل مجالًا مفتوحًا أمام اللسانيات العصبية وعلوم الدماغ للتحقق التجريبي من بعض الآليات التي تقترحها النظرية. ولا يشترط في النظرية أن تكون جميع مكوناتها قد حُسمت تجريبيًا قبل أن توصف بأنها نظرية، فإمكان إخضاع مبادئها وآلياتها للبحث هو الذي يجعلها قابلة للاختبار والتطوير.

سابعًا: قابلية التعميم

لا تقتصر النظرية اللسانية ذات المدى العام على تفسير ظاهرة محلية أو لغة واحدة، إذا كانت فرضياتها تتجه إلى مستوى أوسع.

وقد أعلنت نظرية الصفر اللغوي أن تصورها لا يقتصر على العربية، بل يرتبط بالنظام الذهني العام لإنتاج اللغة؛ ولذلك تناولت النحو الكلي، واختبار النظام على لغات متعددة، والقواعد المشتركة والقواعد الخاصة. وهي بذلك تقيم تصورها على وجود مستوى مشترك بين اللغات مع الاعتراف بخصوصية كل لغة.

ثامنًا: تحديد موقع النظرية من النظريات السابقة وتمييزها عنها

لا تعني الجدة العلمية القطيعة مع ما سبق، بل تقتضي تحديد العلاقة بالتصورات السابقة وبيان مواضع الاتفاق والاختلاف والإضافة.

وقد أفردت نظرية الصفر اللغوي بحثًا للنظريات اللسانية الحديثة، وقارنت نفسها بالنظرية التوليدية التحويلية. وهي تلتقي معها في اتخاذ النظام العقلي مجالًا للبحث، لكنها تختلف عنها في رفض التحويل والجملة النواة، واقتراح آليّة لإنتاج الجملة تبدأ من المعنى وتنتهي إلى الدال. كما تختلف عن التصورات التي تجعل الكلمات وتركيبها نقطة الانطلاق، إذ تجعل اختيار الكلمات مرحلة لاحقة لتنظيم المعنى والعلاقات.

تاسعًا: وجود تطبيقات وامتدادات علمية

من مؤشرات اكتمال البناء النظري أن تمتد مبادئه إلى مجالات تطبيقية، وأن تفتح إمكانات بحثية جديدة.

وقد تناولت نظرية الصفر اللغوي تطبيقات متعددة، منها العربية والإعراب، والإسهام في كشف الإعجاز القرآني، وتحديث تعليم العربية، وتعليم اللغات للناطقين بغيرها، وحوسبة اللغة. كما طرحت صلة بعض أمراض الكلام بمراحل إنتاج اللغة، مع التنبيه إلى أن هذا الجانب يحتاج إلى تعاون واختبار في مجال اللسانيات العصبية.

عاشرًا: القدرة على إنتاج أسئلة وبحوث جديدة

لا تنحصر قيمة النظرية في الأجوبة التي تقدمها، وإنما تظهر كذلك في قدرتها على فتح مسائل جديدة قابلة للبحث.

ويتيح تصور نظرية الصفر اللغوي البحث في العلاقة بين اللغة والدماغ، وفي الشبكة التي تنتظم بها العلاقات النحوية، وفي المقارنة بين القواعد المشتركة والقواعد الخاصة باللغات، فضلًا عن إمكان الإفادة من النظرية في الترجمة والحوسبة واللسانيات العصبية. ومن ثم فإنها لا تغلق مجال البحث، بل تقترح مسارات يمكن أن تتوسع فيها الدراسات اللاحقة.

النتيجة: تحقق مقومات النظرية اللسانية

يتضح من المعايير العشرة التي عُرضت في هذه الدراسة أن نظرية الصفر اللغوي تستوفي المقومات الأساسية للنظرية اللسانية، فقد تناولت الظاهرة اللغوية بأكملها وحددت موضوعها ومشكلتها، وضبطت مفاهيمها ومصطلحاتها، وصاغت مبادئها ومراحل عملها، وأقامت بينها نظامًا مترابطًا، وقدمت تفسيرًا لظواهر لغوية، وأتاحت تطبيق نموذجها واختباره على لغات متعددة، مع قابلية للتعميم والامتداد إلى مجالات بحثية وتطبيقية أخرى.

وبناءً على ذلك، فإن إطلاق وصف النظرية اللسانية على نظرية الصفر اللغوي يقوم على أسس ومعايير علمية واضحة تتصل ببنية النظرية ومكوناتها ووظائفها، وليس على مجرد اختيار اصطلاحي. ومن ثم فإن أي نقاش علمي حول هذا الوصف ينبغي أن ينطلق من هذه المعايير نفسها، وذلك بتحديد المقوم النظري الذي يُرى أنه لم يتحقق، وبيان الأسباب والأدلة التي يستند إليها هذا الرأي؛ لأن الحكم على الصفة النظرية لأي تصور علمي لا يستقيم من دون الاحتكام إلى معايير محددة قابلة للفحص والمناقشة.

أما بعد تبيّن توافر هذه المقومات، فإن القضية العلمية الأساسية تصبح البحث في مدى نجاح النظرية في تفسير الظواهر اللغوية، ومدى قدرتها على تعديل بعض مسارات النحو العربي الذي كان حقلا لها في التطبيق، وكيف يمكن أن يُستفاد منها مستقبلًا في المجالات المذكورة في الكتاب.

ومن الله التوفيق.

***

الدكتورة سناء حميد البياتي

قراءة نقدية في المجموعة الشعرية "لا مَناص" للشاعر العراقي الميساني: شاكر داخل ولي

استمدت هذه المجموعة الشعرية (لا مَناص) جذورها العميقة من جغرافيا الشاعر الأولى، فهو ابن ميسان، تلك الأرض التي تتشابك فيها الأهوار بروح البساطة والصفاء الأول، حيث شكّل الماء والقصب والطين معجماً حسياً خاصاً سبق اللغة نفسها، فبدا الشاعر طفلاً يسمع خرير الماء بين القصب، ورأى الانعكاس المزدوج للسماء في سطح الهور بألوانه المتعددة، ومثّلت هذه البيئة الأولى رحماً دلالياً زوّد الشاعر بمفرداته الأساسية، فحضر الماء عنده خبرة حسية معاشة يومياً تجاوزت الاستعارة المستوردة من الشعر الحداثي العالمي، وحضر القصب جسداً نباتياً هشاً عرف الشاعر كيف ينحني مع الريح دون أن ينكسر، وتحولت هذه الهشاشة المرنة للقصب في شعره إلى نموذج وجودي راسخ لطريقة الصمود العراقي أمام الكوارث المتتالية.

هي ميسان، إذ توسّعت في شعرية شاكر داخل تدريجياً لتصبح نقطة انطلاق نحو رؤية عراقية شاملة، فتشابهت حركة هذا التوسع بحركة الماء نفسه في الأهوار، حيث تدفّق الماء وفق منطقه الخاص متجاوزاً كل تخطيط بشري مسبق، وحكم هذا المنطق المائي تحول الهمّ الشعري من الخاص إلى العام، فكتب الشاعر من ميسان وعبرها إلى العراق كله، وانفتحت كل صورة استلهمها من طفولته الأهوارية تلقائياً على دلالة وطنية أشمل، فأصبحت القصبة التي تنكسر تحت وطأة الريح استعارة لجيل ينكسر تحت وطأة الحروب المتتالية، وأصبح الماء الراكد الذي يتحول إلى مستنقع حين ينقطع عنه مصدر التغذية استعارة لوطن يُحاصر ويُجفف من مصادر حياته شيئاً فشيئاً، ومنح هذا الانزلاق السلس من التفصيل المحلي إلى الرمز الوطني شعر شاكر داخل صدقيته العميقة، فاستنبت الوطن من تربته الشخصية الأولى عوضاً عن استعارته موضوعاً خارجياً. وتجلّت هذه الرؤية بوضوح في قصيدة (خراب)، حيث استدعى الشاعر معجم الجفاف المحلي بعبارات مثل (الغيث المنتظر)، و(جذور نُذُرها السحاب)، فجعل من قحط الأرض الصغيرة مرآة لقحط الروح الكبرى.

عام ١٩٥٧ ولد الشاعر، وعاصر مع جيله بأسره حرب الشمال، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، والحصار الاقتصادي، ثم الاحتلال الأمريكي عام (٢٠٠٣) وما تلاه من انفجارات طائفية وانهيار للدولة ولمنظومة القيم، وفسّر هذا التراكم التاريخي المرير شحن قصيدته بغياب أي خلاص معلن، فمثّل العنوان نفسه، (لا مناص)، إعلاناً تأسيسياً لبنية نفسية جماعية تشكّلت عبر عقود من الحروب المتتالية والانكسارات المتلاحقة، وأصبح كل نص في المجموعة طبقة جيولوجية جديدة فوق طبقات الخراب السابقة. وتكثّفت هذه الشحنة الدلالية في القصيدة العنوان (لا مَناص) نفسها، وهي قصيرة جداً لا تتجاوز ستة أسطر، حيث دلّت عبارة (مِقصلة بيني وبينكِ / ومرحلة بيني وبين السماء) على انسداد الأفق الرأسي المتعالي والأفق الأفقي الإنساني معاً، ونسفت جملة (كلُّ أرضٍ مُقفَلة) أي إمكان للهجرة الجسدية أو الروحية، فاقتربت من بيان وجودي يوازي فكرة اللامخرج الفلسفية.3259 khadom

وبرؤية ناهضة لمجمل المجموعة، كشفت القراءة النقدية تماهي الأنثى والوطن في شعرية شاكر داخل، فغدوا قناعين متبادلين لذات واحدة مجروحة، حيث تضاعفت الخيانة الأنثوية صداها لتصبح مجازاً للخيانة الوطنية، وحضر جسد المرأة في المجموعة نصاً مُستباحاً على غرار استباحة الوطن، وذلك من خلال التماثل الصريح في قصيدة (ذكرى) بين (القميص الأحمر الذي يعبث به النسيان) وبين (القميص الملطخ بدم عثمان) في نص آخر من المجموعة، حيث تقاطع الجسدي بالتاريخي الديني السياسي في ضربة واحدة ساءلت ذاكرة الاغتيال السياسي العربي بأسره، فشهد الثوب هنا شهادة مادية على خيانة مزدوجة، خيانة الحبيب وخيانة التاريخ لأبنائه معاً.

تقنية الأنافورا - وهي كلمة يونانية الأصل (anaphora)، وتعني حرفياً (الحمل إلى الخلف)، أو (الإشارة إلى ما سبق)، وفي البلاغة الحديثة أصبحت تدل تحديداً على تقنية البدء المتكرر لكلمة أو عبارة في مطلع كل سطر أو وحدة شعرية متتالية - كانت تحتل موقعاً محورياً في البناء الأسلوبي للمجموعة، فعملت أداة تصعيد دلالي تراكمي، حيث أضاف الشاعر إلى الكلمة المتكررة في كل مرة شحنة جديدة دفعت النص تدريجياً نحو ذروته، وأمكن رصد نمطين متمايزين لهذه الوظيفة التصعيدية في المجموعة، أنافورا فردية نفسية، وأنافورا جماعية احتجاجية.

كلمة (وحدَكَ) كانت المفتاح المتكرر في قصيدة (نهايات)، أحد أهم نصوص المجموعة، حيث تكرر النداء في مطلع كل وحدة شعرية متصاعداً من وصف الحالة إلى تعميق العزلة: (وَحدَكَ.. تُغمِسُ يَرَاعَكَ في دَمِكَ / وَحدَكَ.. تَصيحُ في التِّيهِ / وَحدَكَ.. تَهذي / وَحدَكَ.. تُهَذِّبُ أيَّامَكَ الحُبلى)، حتى انفجر المعنى في السطر الأخير حين (يهوي خارجَ النصِّ)، ومثّلت هذه العبارة الأخيرة إعلاناً استباقياً بامتياز، حيث اعترفت القصيدة نفسها بحدودها، وقالت إن الذات المأزومة تجاوزت حتى مساحة النص الذي يفترض أن يحويها، فأصبح النص شاهداً على عجزه عن احتواء تجربته الخاصة. وشكل انتحاراً دلالياً داخل جسد القصيدة نفسها، وهو مشهد نادر الحدوث بهذه التركيبة الواضحة في الشعر العربي المعاصر.

متكررة بصيغة مغايرة، ظهرت البنية نفسها في قصيدة (لا أدري)، حيث تصاعد الاستفهام المتكرر (لماذا) من الحيرة الجسدية (لِمَاذا تُطَبِّقُ رُوحي عَلى جَوَارِحي / لماذا تَنقَطِعُ أنفَاسي / لماذا يَنتَابُني فَرَح) إلى الحيرة العاطفية، لينتهي النص باعتراف قسري فرضه تراكم التساؤلات: (رُبَّما دُونَ دِرَايَةٍ منّي / تَعَلَّقتُ بك)، وأكّد هذا عمل الأنافورا في هذا النمط الأول حصاراً لفظياً دفع الذات الشاعرة نحو مواجهة نفسها، فمثّل الصوت العنيد فيها استعارة الشاعر عن نفسه في مواجهة الطغيان المزدوج، طغيان السياسة وطغيان الأنثى الغادرة، وجعل ذلك من العزلة الفردية مرآة مصغّرة لعزلة وطن لم يجد من يتحدث إليه إلا صدى هزائمه فازداد حيرة برجع الحروف الواهنة.

في قصيدة (نداء الأهل) تجلّى النمط الثاني للأنافورا بوضوح، حيث تكرر النداء الجماعي (أهلَنا) في مطلع الوحدات الشعرية المتتالية، فبنى سردية احتجاجية متصاعدة انتقلت من وصف الحرمان اليومي، إلى وصف المقاومة السلمية، إلى وصف القمع الدموي، وتحولت الأنافورا هنا من أداة نفسية فردية إلى أداة خطابية جماعية، راكمت المشهد السياسي طبقة فوق طبقة حتى بلغت ذروتها في مفارقة ختامية ساخرة فككت الخطاب الرسمي عن ثروة عصية التناول عن أهلها يوماً، وكشف هذا التمايز بين النمطين، الفردي النفسي والجماعي الاحتجاجي، وعياً أسلوبياً عميقاً لدى الشاعر بوظائف التكرار المختلفة.

كما لوحظ انتهاء كثير من قصائد المجموعة بفراغ نقطي مفتوح أو بصمت دلالي مقصود، وقُرئت هذه الظاهرة نقدياً كرفض للخاتمة المغلقة، ورفض لأي حل وهمي، منسجمة تماماً مع عنوان المجموعة الذي قال منذ الصفحة الأولى إنه لا مناص ولا خلاص ولا ختام. ولا عزاء ولا هدنة للالتقاط الانفاس.

هذا المونتاج السينمائي اعتمده نص (ذكرى) بنائياً، الشرفة والأريكة وأحمر الشفاه وخصلة الشعر والمرآة الكسيرة، فتحدثت هذه العناصر الصامتة بلسان الغياب، وترك الشاعر للقارئ استنتاج الفقد من بقايا الأثر، في تقنية اقتربت من فكرة الحضور بالغياب حيث تحققت الدلالة عبر الفراغ الذي تركه الشيء الغائب، فأصبح (القميص الأحمر الذي يعبث به النسيان) أيقونة الخيانة المؤجلة، وأصبحت (الستائر التي تُخبّئ خلفها الخيانات) إعلاناً صريحاً عن ازدواجية العلاقة بين الحضور الجسدي والغياب الأخلاقي.

تحولاً رمزياً شهده البحر في قصيدة (ذات صباح)، من رمز حريّة إلى مسرح غيرة وجنون، فاختُبرت العلاقة بين الشاعر والحبيبة عبر عنصر ثالث خارجي هو الأصدقاء القادمون إليها، فتحول الشاعر إلى مستأذن للبحر عوضاً عن كونه مالكاً له، ومثّل هذا موقفاً رمزياً دقيقاً لموقع الذات العراقية بعد الاحتلال، مستأذنة طلبت الإذن من عاصفة لم تملك زمامها.

عبر معجم أرض الخراب العالمي استدعى نص (خراب) القصير الوزن الطويل الأثر عبارات كـ (الغيث المنتظر) و(الجذور) و(السحاب النذور)، معرِّباً بذلك مرجعية عالمية بمعجم محلي بامتياز، وانتهت القصيدة بإعلان مباشر عن أزمة وجودية إنسانية شاملة، فمثّلت (الروح الخاوية) في نهاية النص روحاً جماعية استُنزفت من الداخل قبل أن تُستنزف من الخارج، وكشف هذا التعريب للمرجعية العالمية وعياً شعرياً ناضجاً بالتناص مع تجنّب الذوبان فيه.

فكك نص (مدن تتعرّى) ازدواجية الخطاب الديني الاجتماعي عبر صورة (الحاج الخارج من حانة والمتهجد أول الفجر)، فكشفت لنا هذه الصورة المتناقضة انهيار المرجعية الأخلاقية في المجتمع ما بعد الاحتلال، ومثّل (الأطفال المفترشون للأرصفة) في مقابل (عيدهم المبارك) قمة السخرية التفكيكية من الاحتفالية الزائفة، تلك التي أُقيمت نظرياً لأجل أناسٍ يعوزهم كل شيء فعلياً.

مثّلت قصيدة (لو لم تكوني) غزلاً خالصاً والتي هي من أرقى نصوص المجموعة، حيث تحولت فيها الحبيبة إلى مرجع كوني حين قال الشاعر:" (لتخلَّيتُ عن القمر / وصنعتُ وجهك القادم... / وأغرس نجمتين تحت الأهداب)، فانقلبت المعادلة الرمزية هنا، وأصبحت الأنثى بديلاً مقترحاً عن كل شيء آخر بما فيها القمر نفسه، متجاوزة دورها كمرآة للوطن الخرب، ومثّل هذا النص الاستراحة الجمالية الوحيدة تقريباً في مجموعة مشحونة بالخراب.

هو الضبط الجمالي الرفيع الذي حكم قصيدة (إلى جندي)، متجاوزاً الخطابية المباشرة عبر تراكم صور حسية دقيقة، أبرزها (أجساد بلا أطراف / كالنخل.. ينتصب دون رؤوس)، ومثّلت هذه الصورة تحديداً واحدة من أعنف صور الشعر العراقي عن الحرب، إذ قورن جذع النخلة رمز الخصوبة والحياة التاريخي في العراق بجذع الجسد المقطوع الرأس، فانقلبت الأيقونة الوطنية التقليدية إلى نعش رمزي.

وفي قصيدة (يوسف) بلغت التقنية التجريبية عند الشاعر ذروتها الفلسفية، حيث استدعى القصة القرآنية ليعيد توزيع المسؤولية: (ليسَ البئرُ / مَن قَصَدَ السيّارة / ولا يوسفُ كانَ لهُ غرضٌ في قاعِه)، وامتد هذا التفكيك للحتمية السردية التراثية إلى قصيدة (نفي)، حيث أعلن الشاعر: (أنا لستُ قابيل / حتى أواري سوءةَ أخي / ولا شأنَ لي بدمِ يوسف / ولا بالقميص الملطَّخ بدم عثمان)، محدِّداً شأنه بقوله: (أنا لي شأن / بالذي سرقَ الكرى من عيني)، ومثّل هذا التحول من التناص الديني التاريخي الكبير إلى المأساة الشخصية الصغرى أحد أعمق تجليات الحداثة الشعرية في المجموعة. لكن السؤال؟ من هو الذي سرق الكرى من عين الشاعر؟

تفريغاً للرمز التقليدي كالنخلة والبحر والمطر من دلالته المتفق عليها، عمل شاكر داخل على إعادة شحنه بدلالة مضادة، واقترب هذا الانقلاب الدلالي من مفهوم موت الرمز الذي طرحته الحداثة الشعرية العربية بعد جيل الرواد، وأعادنا هذا الانقلاب إلى الأهوار من جديد، فتحول الماء الذي كان في الطفولة رمزاً للحياة والخصب إلى ماء ملوّث أو منقطع في القصيدة الوطنية، فأعاد الشاعر سرد سيرة أهواره الشخصية على مستوى الوطن كله، وأصبحت مأساة تجفيف الأهوار نموذجاً مصغراً لمأساة تجفيف العراق كله من مصادر حياته المعنوية والمادية.

معتمداً على قصيدة النثر ذات الجمل القصيرة المتقطعة والفراغات البصرية المتكررة، وضع الشاعر تجربته في سياق ما بعد جيل الرواد، فاتخذت البنية شكلاً تراكمياً فسيفسائياً، جمع صوراً مستقلة دلالياً لم تتحد إلا عبر الشحنة العاطفية الكلية للنص، وتقاطعت آلية الاستدلال بالأثر على الغياب، كخصلة الشعر وأحمر الشفاه والقميص في قصيدة (ذكرى)، بشكل واضح مع مفهوم الأثر في الفلسفة التفكيكية الحديثة، حيث استُدل على الغياب عبر بقايا لم تكتمل دلالتها إلا بالمرجع الغائب نفسه.

تجاوزت المجموعة القصيدة الوطنية الكلاسيكية الخطابية التعبوية التي عرفها الشعر العراقي في عقود سابقة، منتقلة إلى قصيدة الوطن المُعاش من الداخل الفردي، فتحول الوطن هنا من أيقونة تُمجَّد إلى مساحة يومية من الفقد الشخصي، اليتامى والأرامل والأطفال المتسوّلون كما في قصيدة (مدن تتعرّى)، وتجنب الشاعر الغموض المفرط الذي طبع جانباً من قصيدة الحداثة العربية المتأخرة، مفضلاً لغة شفافة بمعنى دلالي منفتح، وجعل هذا نصوص شاكر داخل قريبة من القارئ العادي رغم عمقها الدلالي الكبير.

في النهاية، مثّلت المجموعة الشعرية (لا مناص) وثيقة شعرية عن جيل عراقي عاش الانكسار المزدوج، انكسار الذات في علاقتها بالأنثى الغادرة كما في (نهايات) و(لا أدري)، وانكسار الجماعة في علاقتها بوطن استُبيح مرتين كما في (نداء الأهل) و(مدن تتعرّى)، متجاوزة حدود التجربة الغرامية المثقلة بخيبات الحب وحدود القصيدة الوطنية النادبة للخراب معاً، وتكمن القيمة النقدية الحقيقية لهذه المجموعة في رفضها تقديم أي عزاء أو خلاص وهمي، فمثّل العنوان نفسه إعلاناً مسبقاً بالفشل، لا مناص، ووضع هذا الرفض للخاتمة السعيدة، وهذا التعلق بالفجوات والنقاط المعلقة، وهذا الاستدلال الدائم بالأثر على الغياب، وهذا الاستخدام المزدوج للأنافورا بين التصعيد النفسي الفردي والتصعيد الاحتجاجي الجماعي، ولأن واقعنا لا يغازل أحلامنا بالمرة، وجد الشاعر شاكر داخل ولي نفسه في قلب المشروع الشعري العربي الاحتجاجي المعاصر - شاعراً كتب القصيدة جرحاً مفتوحاً على تأويلات لا تنتهي عوضاً عن كتابتها حلاً، شاعراً خرج من قصب الأهوار ليكتب عن قصب الوطن المحترق بعيدان ثقاب ابناءه، ومن ماء ميسان الساكن ليكتب عن جفاف الوطن الشامل، محاكياً استمرار حروب العراق وانكساراته المتوالية.

***

كاظم أبو جويدة

 نحو كينونة جمالية مفتوحة

ليست استطيقا الشعر يقيناً مكتفياً بذاته، ولا عقيدة جمالية مغلقة تستمد مشروعيتها من قدرتها على فرض معيار واحد للجميل والشعري؛ فالشعر، في جوهره الأعمق، فعل مقاومة لكل يقين يتحول إلى دوغمائية، وكل قاعدة تستحيل إلى سلطة تُصادر حق النص في أن يكون مختلفاً. إن القصيدة لا تُولد لكي تؤكد ما نعرفه، بل لكي تزعزع ما ظنناه نهائياً، وتفتح في جدار المألوف كوةً يتسلل منها المجهول.

إن الجمال الشعري لا يقيم في الكينونة وحدها، ولا في الصيرورة وحدها، وإنما يتشكل في المسافة المتوترة بينهما؛ في تلك المنطقة التي لا يكون فيها النص شيئاً ثابتاً، بل حدثاً يتخلق باستمرار، ويعيد إنتاج ذاته كلما انتقل من وعي الشاعر إلى جسد اللغة، ومن جسد اللغة إلى وعي القارئ. فالنص الشعري ليس بنية مكتملة تنتظر من يكتشف أسرارها، وإنما كينونة تتجدد عبر القراءة، وتظل قابلة لأن تُرى من زوايا لا تستنفدها قراءة واحدة ولا يقين تأويلي نهائي.

ومن هنا يصبح الاختلاف شرطاً جوهرياً في التجربة الجمالية. فالشعر الذي يكرر النموذج الجاهز، مهما بلغت فصاحته، يظل أسير نظام سابق على وجوده؛ أما الشعر الذي يغامر في مناطق اللغة المجهولة، فإنه يستعيد حقه في أن يكون اكتشافاً. ولذلك لا ينبغي أن يُفهم الانزياح الشعري بوصفه مجرد خروج زخرفي عن المألوف، بل بوصفه حركة وجودية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم واللغة. فالانزياح الحقيقي لا يغيّر العبارة وحدها، بل يغيّر زاوية النظر إلى الأشياء.

الشاعر حين ينحرف باللغة عن مسارها المعتاد لا يهرب من المعنى، وإنما يبحث عن معنى لم يكن ممكناً أن يظهر داخل النظام المألوف. إنه يزيح القشرة التي اعتادت العين أن ترى العالم من خلالها، لكي يستخرج من الأشياء وجهاً آخر كان مختبئاً تحت طبقات العادة. وهنا تحديداً تبدأ القصيدة في التحول من كلام عن الوجود إلى طريقة جديدة في اختبار الوجود.

إن التوتر الذي يسكن القصيدة الحديثة ليس عيباً ينبغي إخفاؤه، بل طاقة جمالية ينبغي الإصغاء إليها. فالقصيدة الكبرى لا تنعم دائماً بالانسجام؛ إنها قد تحمل داخلها تناقضات حادة، وتجاورات صادمة، وقفزات دلالية، وانقطاعات إيقاعية، ومفارقات لا تستجيب للمنطق الخطي. غير أن هذه العناصر لا تصبح شعراً إلا حين تنتظم في وحدة شعورية عميقة، قد لا تظهر على سطح النص، لكنها تعمل في أعماقه مثل تيار خفي يحفظ للنص تماسكه وسط عاصفة الاختلاف.

ولهذا فإن مواجهة المألوف لا تعني تحطيم النظام من أجل التحطيم، ولا تحويل القصيدة إلى فوضى من العلامات والصور الغريبة. فالمغامرة الجمالية ليست مرادفاً للعبث. ثمة فرق شاسع بين نص يخرق المألوف لأنه اكتشف ضرورة جمالية جديدة، ونص يتعمد الغرابة بحثاً عن أثر سريع. الأول يوسّع حدود الشعر، أما الثاني فقد يوسّع حدود الالتباس فقط.

إن إرادة القوة الشعرية لا تتمثل في إخضاع اللغة لإرادة الشاعر، بل في الدخول معها في صراع خلاق؛ فالكلمة ليست مادة خاماً طيعة تماماً، وإنما لها ذاكرتها وإيقاعاتها وظلالها وتاريخها. والشاعر الحقيقي لا يفرض عليها المعنى فرضاً، بل يستنطق إمكاناتها الخفية، ويستخرج من صمتها ما لم يكن مرئياً في ظاهرها. ولذلك تبدو الكتابة الشعرية أحياناً أشبه بمغامرة في منطقة لا يمتلك الشاعر خريطتها كاملة؛ إنه يبدأ الطريق، لكن الطريق نفسه يعيد تشكيله أثناء المسير.

ومن هنا يمكن فهم الشعر بوصفه صيرورة لتوليد الفوارق. فالقصيدة لا تتأسس على التشابه وحده، وإنما على المسافة بين المتعالي والمتداني، بين المرئي والمخفي، بين الحلم والواقع، بين ما تقوله اللغة وما تعجز عن قوله. وكلما اتسعت هذه المسافات، نشأت إمكانية جديدة للجمال. فالشعر لا يعيش في الإجابة، بقدر ما يعيش في المسافة التي تظل مفتوحة بين السؤال وإمكان الإجابة.

ولعل أخطر ما يهدد الشعر أن يتحول اليقين الجمالي إلى دوغمائية. حين يعتقد اتجاه ما أنه امتلك تعريف الشعر النهائي، أو حين يتحول مذهب جمالي إلى محكمة تصدر الأحكام على النصوص وفق قوانين مسبقة، يصبح الشعر، على نحو متناقض، أقل حرية في اللحظة التي يُفترض أن يكون فيها أكثر حرية. فالقصيدة لا تحتاج إلى شرطة تحرس حدودها، بل إلى فضاء يسمح لها بأن تختبر حدودها بنفسها.

إن تاريخ الشعر، في جوهره، تاريخ متصل من الانشقاق الجمالي. كل تجديد حقيقي يبدأ غالباً بوصفه خروجاً عن معيار سابق، وكل شكل كان جديداً في لحظة ظهوره بدا غريباً على الذائقة التي سبقتْه. لذلك فإن الذائقة التي لا تتغير تتحول إلى متحف، والنظرية التي لا تقبل مراجعة ذاتها تتحول إلى عقيدة، أما الشعر فيظل حياً لأنه يمتلك قدرة دائمة على الخروج من تعريفه السابق.

ومع ذلك، فإن تحرير الشعر من الدوغمائية لا يعني تحريره من كل معيار. فغياب القواعد لا يعني بالضرورة حضور الشعر. ثمة معيار داخلي يتشكل داخل العمل نفسه: منطق الصورة، وإيقاع العبارة، وضرورة الانزياح، وتوتر المجاز، وتماسك التجربة، وصدق الرؤية. إن القصيدة قد تكسر القاعدة الخارجية، لكنها لا تستطيع أن تعيش بلا قانون جمالي داخلي؛ وإلا تحول الانفلات إلى فراغ.

ومن هنا يصبح الجمال الشعري فعلاً كينونياً؛ فهو لا يوجد جاهزاً خارج القصيدة لكي تبحث عنه، بل يتولد داخلها، ويتحقق بقدر ما تتخلق القصيدة بوصفها كائناً لغوياً مستقلاً. إن الشعري ليس طبقة تضاف إلى النص بعد اكتماله، وإنما هو الطريقة التي يصبح بها النص أكثر من مجرد كلام. وحين تبلغ القصيدة هذه اللحظة، تتجاوز وظيفتها التواصلية المباشرة، وتتحول إلى تجربة تكشف شيئاً من الإنسان كان مستتراً خلف اللغة اليومية.

في هذا المعنى، ليست القصيدة جسداً مغلقاً، بل جسد جمالي مفتوح على احتمالات الوجود. إنها تتشكل ثم تعود فتتشكل في وعي قارئها، وتكتسب حياة جديدة مع كل تأويل. وقد يبدو النص أحياناً وكأنه يتوارى كلما اقتربنا منه؛ لكن هذا التواري ليس نقصاً، بل جزء من جماله. فالشعر العظيم لا يمنح نفسه دفعة واحدة، ولا يسمح للقراءة أن تستنفده، لأنه يحتفظ دائماً ببقية سرية، بمساحة عصية على القبض النهائي.

وهنا يمكن إعادة النظر في صورة الزبد الذي يذهب جفاءً: فما يتلاشى ليس الشعر، وإنما القشرة التي تحاول أن تحاصره؛ القوالب الجامدة، والتعريفات الجاهزة، والبلاغة المستهلكة، والتوقعات المسبقة. حين يسقط هذا كله، يظهر الشعري أكثر صفاءً، لا بوصفه حقيقة نهائية، وإنما بوصفه إمكاناً دائماً للحقيقة.

إن اليقين الذي يليق بالشعر، إذن، ليس يقيناً يغلق الباب، بل يقيناً يفتح نافذة؛ ليس امتلاكاً للحقيقة، بل وعياً بأن الحقيقة نفسها في حالة صيرورة. ولذلك يمكن للقصيدة أن تكون يقينية في أثرها، مترددة في معناها؛ حاسمة في إحساسها، مفتوحة في تأويلها. وهذه المفارقة هي إحدى أكثر مناطق الشعر خصوبة: أن يمنحنا النص إحساساً عميقاً باليقين، من دون أن يمنحنا حق امتلاك معناه امتلاكاً نهائياً.

وعندما تبلغ القصيدة هذه المرتبة، لا تعود مجرد بناء لغوي، بل تصبح رؤيا كينونية؛ جسداً جمالياً يتجاوز حدود العبارة إلى سؤال الإنسان عن نفسه والعالم والزمن والمصير. إنها لا تصف الوجود، بل تعيد اختراعه في اللغة؛ ولا تعكس العالم كما هو، بل تكشف إمكاناً آخر لأن يكون.

وهكذا يبقى الشعر، في جوهره، ذلك الكائن المراوغ الذي يرفض أن يُحبس في يقين واحد أو عقيدة جمالية واحدة. كلما ظننا أننا أحطنا به، فتح في الجدار باباً آخر، وكلما حاولنا تثبيته في تعريف نهائي، عاد إلى صيرورته الأولى: حركةً، واختلافاً، وتوتراً، وانكشافاً مؤجلاً.

فالشعر لا يبلغ كماله حين يستقر، بل حين يظل قادراً على العودة؛ يعود من اللغة بعد أن نظنها استُنفدت، ومن الصورة بعد أن نظنها اكتملت، ومن الصمت بعد أن نظنه فراغاً. ولعل كينونته الأعمق تكمن هنا: أنه لا يمنح الجمال بوصفه شيئاً منجزاً، بل بوصفه حدثاً يتجدد كلما انفتح النص على المجهول.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

كان ارنست همنغواي يعمل كسائق إسعاف للصليب الأحمر الأمريكي في إيطاليا اثناء الحرب العالمية الأولى وأيضا كان مراسلا أجنبيا أعجب جدا بمصارعة الثيران. امتلك همنغواي روحا مغامرة وكان كثير الأسفار. أبوه علّمه الصيد البري وصيد الأسماك في عمر مبكر وهي المهنة التي طورها لاحقا الى صيد الطرائد. وبالرغم من زواجه من أربع نساء في حياته، لكن حبه الأكبر كان كوبا حيث عاش فيها فترة أطول مما عاش في أي مكان آخر في العالم. تجارب همنغواي الراسخة في الذاكرة وجدت طريقها الى أعماله.

نظرية جبل الجليد، نظرية الإغفال Theory of omission، هي تكنيك للكتابة صاغه همنغواي. هو اعتقد انه عبر اسقاط سبعة أثمان القصة، سيؤدي بدوره الى تقوية القصة عبر السماح للقراء باستنباط معاني مختبئة في النص. همنغواي طور هذا الأسلوب في الاختزال اثناء عمله كمراسل لصحيفة كانساس ستي ستار، حيث عمل بعد المرحلة الثانوية ، وكمراسل اجنبي لتورنتو ستار بعد انتقاله الى باريس عام 1921.

 همنغواي اعتقد بان المشاعر الصادقة كانت معروفة لدى الجميع، لهذا، يجب على الكاتب ان يعرف ما يكفي حول ما يكتب ويكون قادرا على اسقاط التفاصيل. هذا بدوره سوف يكشف الكثير في ذهن القارئ عن القصة وشخصياتها. بالنسبة لهمنغواي، هذا يمكن إنجازه فقط عندما يختار الكاتب التفاصيل الملائمة مما عاشه في تجاربه الخاصة.

في عام 1917، عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، لم يُسمح لـ ارنست همنغواي المتلهف والبالغ 17 عاما بالتطوع للقتال بسبب سوء بصره. وبصرف النظر عن ذلك، ونظرا لإصراره للوصول الى خطوط الجبهة الامامية، تطوع مع فيلق المركبات التابع للصليب الأحمر واُرسل الى إيطاليا كسائق اسعاف، حيث وصل الى ميلان في شهر مايو عام 1918.

الواجبات اليومية لهمنغواي تطلبت تسليم مواد مثل القهوة، الشوكولاته، السكائر، والبطاقات البريدية الى الجنود في الخنادق. وفي جولاي 8 عام 1918، بينما كان ينفذ واجباته قرب نهر بيافي، سقطت قذيفة هاون نمساوية بجانبه. وعلى الرغم من اصابته بشضايا في ساقيه وارتجاج في المخ، فقد استمر يلتقط الجنود الجرحى الايطاليين ويحملهم خارج المخبأ. وبسبب أعماله، مُنح همنغواي وسام الاستحقاق الحربي الإيطالي والمدالية الفضية الإيطالية للبسالة العسكرية.

أمضى همنغواي الكثير مما تبقى من الحرب في مستشفى الصليب الأحمر الأمريكي في ميلان. هو حظي برعاية فون كروفسكي Agnes Von Kurowsky، الممرضة في الصليب الأحمر الأمريكي وكانت لها معه قصة حب عابرة. كانت كروفسكي مصدر إلهام لشخصية كاثرين باركلي في روايته عام 1929، وداعا للسلاح. الرواية ترسم العديد من أوجه التشابه بين تجاربه الخاصة اثناء الحرب العالمية الأولى، بما في ذلك اصابته بنيران قذائف الهاون وتطوير علاقة مع الممرضة التي اهتمت به.

في الحقيقة، كروفسكي نُقلت الى مستشفى في فلورنسا. وبينما استمرا بتبادل الرسائل ومناقشة الزواج، لكن كروفسكي بالنهاية أنهت العلاقة معه تاركة همنغواي محطما بعد عودته الى الولايات المتحدة. في الكتاب، كاثرينا أصبحت حاملا، وضعت طفلا ميتا اثناء الولادة، وهو ما خلّد معاناة همنغواي من انفصاله من كروفسكي.

مهرجان سان فيرمين هو مهرجان سنوي عُقد في بامبلونا في اسبانيا، تكريما للاسقف الأول في المدينة والراعي القديس فيرمين. المهرجان يبدأ ظهرا في 6 جولاي وينتهي عند منتصف الليل في 14 جولاي. أبرز فعاليات المهرجان هي سباق الثيران اليومي، وهو المظهر الذي أعجب به همنغواي عند حضوره لأول مرة عام 1923. حضر همنغواي المهرجان بصحبة زوجته الأولى هادلي ريتشاردسون، ثم العودة في السنة اللاحقة عام 1924 ومرة أخرى عام 1925. وبعد وقت قصير من انتهاء المهرجان في عام 1925، بدأ همنغواي العمل في ما أصبح اول رواية له، الشمس تشرق أيضا، ليكمل العمل في ثمانية أسابيع فقط.

المجموعة الأساسية التي حضرت المهرجان عام 1925 كانت همنغواي والليدي داف تويسدن، وهارولد ليب، وبات غوثري. هؤلاء جرى تجسيدهم في الرواية بقالب روائي يمثله جاك بارنز، الليدي اشلي بريت، روبرت كون، ومايك كامبل.

تماما مثلما في الرواية، برز توتر في الحياة الواقعية مع الليدي دف تويسدن. ورغم انها كانت تسافر مع بات غوثري، هي بدأت علاقة غرامية مع هارولد لوب. الشرب الثقيل والتوتر في الرواية كانا أحداثا واقعية. أصبح لوب يشعر بالغيرة الشديدة على توايسدن التي عزلته عن بقية المجموعة. مشاحنات اندلعت بين لوب وهمنغواي وغوثري. رغم ان همنغواي أصيب بجراح من جراء الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تتركه عاجزا عن ممارسة الجنس مثل جاك بارنيس في الرواية. عجزْ جاك الجنسي يعكس الجروح النفسية التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى في "الجيل الضائع". الرجال الذين عادوا من الحرب كافحوا لإستعادة الأفكار التقليدية للرجولة والبطولة والهدف، لكنهم تُركوا بلا معنى في عالم تحوّل بسبب العنف وخيبة الأمل.

هذه الرمزية تأكّدت مرة أخرى من خلال الماتادور الاسباني كايتانو اوردونيز الذي يُعرف في الرواية، بـ بيدرو روميرو. خلافا للانحلال الأخلاقي للزوار الأجانب، يمثل روميرو الانضباط والشجاعة واحساس واضح بالهوية، لم تنل منه الفوضى التي صبغت الجيل الضائع لما بعد الحرب.

ان افتتاحية رواية همنغواي القصيرة عام 1936، ثلوج كليمنجارو، تشير الى فهد متجمد على القمة الغربية لجبل كليمنجارو. في عام 1926، اكتشف قس لوثري اسمه ريتشارد رويش فهدا محنطا ومتجمدا انثنت قوائمه وسط الثلوج عند حافة فوهة كيبو أعلى منطقة بركانية في جبل كليمنجارو. بقايا عنز وُجدت على بعد مئات الاقدام من الفهد. تكهّن رويش بان الفهد لاحق العنز الى أعلى كليمنجارو قبل الاستسلام للظروف البيئية.

عاد رويش في السنة اللاحقة وأزال أحد اذني الفهد للاحتفاظ بها كتذكار. عند عودة رويش اللاحقة، لم يُعثر على الفهد في أي مكان مع عدم وجود تفسير لذلك . ورغم الاختفاء الغامض، لكنه تم تجسيده في أبهى صورة في قصة همنغواي.

ثلوج كليمنجارو تتبع شخصية هاري، كاتب الموت بسبب الغرغرينا، الذي علق في رحلة سفاري في افريقيا مع زوجته هيلين. همنغواي وزوجته الثانية، بولين فايفر، ذهبا في رحلة سفاري لعشرة أسابيع الى كينيا في شهر ديسمبر عام 1933. هما أقلعا من مرسيليا وأبحرا لمدة أسبوعين قبل الوصول الى مومباسا. من هناك، زارا نيروبي وماشاكوس في كينيا، ثم انتقلا الى سير ينغيتي وبحيرة مانيارا وهي المنطقة التي تُعرف الان بتنزانيا.

في شهر جنوري عام 1934، أصيب همنغواي بمرض بسبب الزحار الاميبي الذي أدى الى انزلاق في الأمعاء. وخلافا لهاري في ثلوج كلمنجارو، كان همنغواي نُقل بالطائرة الى نيروبي لإجراء علاج طبي. وفي منتصف جنوري، شُفي همنغواي تماما ليعود الى تنجانيقا ليبدأ الصيد. هذه السفرة من عشرة أسابيع الى افريقيا وفرت لهمنغواي مواد كافية لكتابة عمله الثاني من الادب الواقعي، تلال افريقيا الخضراء، بالإضافة الى اثنين من أشهر رواياته القصيرة، ثلوج كليمنجارو والحياة القصيرة السعيدة لفرانسيس ماكومير. كان صيد الطرائد في افريقيا في الثلاثينات من القرن الماضي هواية فاخرة ونخبوية مخصصة للاثرياء الغربيين. رحلات الصيد هذه عادة يتم تنسيقها وتنظيمها من قبل محترفين من "الصيادين البيض" من أصل اوربي. عادة، هؤلاء الصيادون أجروا ترتيبات محلية، جمعوا وعبأوا الامدادات واستأجروا العمال من أصل افريقي للقيام بأدوار الحمالين ومسؤولي الخيام والحراس المسلحين.

الرئيس السابق للولايات المتحدة الامريكية ثيودور روزفلت ساهم في الترويج لصيد الطرائد الافريقية الكبيرة بعد ان باشر تغطية إعلامية واسعة للرحلة عام 1909. هذه الرحلة الاستكشافية ستؤثر لاحقا على سفرات همنغواي ذاته لأفريقيا لنفس الهدف. فيليب بيرسيفال philip percival كان مشهورا كصياد بريطاني ابيض عمل كمساعد في سفاري روزفلت عام 1909. ومع التقدم في السن ومزيد من التجربة، ذهب لإرشاد همنغواي اثناء اول رحلة سفاري له. بيرسيفال وهمنغواي طورا صداقة قوية. بيرسيفال أيضا اصطحب همنغواي في رحلته الثانية عام 1953.

استوحى همنغواي شخصية روبرت ويلسون بعد بيرسيفال في روايته القصيرة. الحياة السعيدة القصيرة لفرانسيس ماكومير. القصة تتبع الثري الأمريكي فرانسيس ماكومير وزوجته مارغوت، في رحلة في افريقيا تحت ارشاد روبرت ويلسون. القصة تبلغ ذروتها عندما أطلقت مارغوت النار على جاموس كان يندفع نحوها، لكنها بدلا من ذلك اطلقت النار على فرنسيس وقتلته. ما اذا كان ذلك بقصد ام لا يبقى لغزا.

اثناء رحلتهما في افريقيا، روى بيرسيفال عن فضيحة وقعت في رحلة عام 1909 يشترك بها الصياد الأبيض باترسون J.H.Patterson. وبينما يرشد جندي بريطاني اودلي بليت وزوجته ايثل، مات بليث اثر عيار ناري في ظروف غامضة. ومع انه لم يتقرر ان كان موته انتحارا او جريمة قتل، انتشرت شائعة ان باترسون وايثيل كانا في علاقة غرامية. لم تُوجّه تهمة ضد بيترسون لكن هذا الحدث أضر بشكل دائم في سمعته في افريقيا.

اول زيارة لهمنغواي لكوبا كانت عام 1928، خلال توقّف مؤقت في اسبانيا. هو زار الجزيرة على مر السنين، بما في ذلك عام 1932، عندما جلب معه صديقين لكي يمكنهم صيد سمكة المارلين على ساحل الخليج. همنغواي وزوجته الثالثة مارتا جيليهورن، اشتريا مزرعة لوكاوت Lookout farm في ضواحي هافانا. همنغواي وقع في حب كوبا، اطلق عليها اسم بلده في الثلث الأخير من حياته. هو أمضى 20 سنة في كوبا وهي أطول فترة عاشها في أي مكان في العالم حيث اندمج في الحياة الكوبية، يشرب الموجيتو في لابوديغويتا، مكوناً علاقات مع الصيادين الكوبيين في قرية كوجلمار.

اثناء الثلاثينات، حكى صياد كوبي اسمه كارلوس غوتيريز لهمنغواي قصة حول رجل كبير في السن وسمكة مارلين عملاقة . هذا سيكون لاحقا أساسا لرواية همنغواي القصيرة لعام 1952 الشيخ والبحر.

وبينما كان همنغواي يعيش في كوبا، احتفظ بقارب الصيد والدعائم راسيات في ميناء انكولمار، حيث يغامر مع جوتيريز بالخروج الى تيار الخليج بحثا عن السمكة مارلين. وصف الرواية للصيد في بحر عميق كان يتجذر في تجربة همنغواي الأولى في كوبا وبيميني. عندما يسحب الصيادون سمكة المارلين الى القارب، هم أحيانا لا يعثرون الاّ على الرأس والذيل بسبب تعرضها للنهش من اسماك القرش. حل همنغواي للتعامل مع هجوم القرش على صيده كان اطلاق النار على القرش. في احدى المرات هو اطلق النار على ساقيه.

***

حاتم حميد محسن

..................................

المصدر: The colector, Sep 3, 2026

يُعدّ فقه اللغة العربية أحد أعرق العلوم التي تأسست في الحضارة الإسلامية للكشف عن أصول الألفاظ وتاريخها ودلالاتها، لكنه ظلّ في الوعي التقليدي علماً مقصوراً على الاشتقاق والنحو والصوتيات والمعاجم. غير أنّ تطوّر النظريات اللسانية والفلسفية في الغرب منذ البنيوية وصولاً إلى التفكيكية والسيميائيات فتح أفقاً جديداً يعيد النظر في النصوص العربية، ليس باعتبارها أوعية للمعنى فحسب، بل كشبكات علامات قابلة للتفكيك والتأويل. وهكذا يصبح فقه اللغة اليوم ملتقى بين التفكيك البنيوي الذي يخلخل استقرار البنية، والتحليل السيميائي الذي يدرس العلامات في ترابطها الثقافي والاجتماعي.

أولاً: فقه اللغة بين التقليد والتجديد

كان ابن جني (ت. ٣٩٢هـ) في الخصائص من أوائل الذين أدركوا أن اللغة ليست بريئة، بل هي "أصوات يُعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"، أي أنها حاملة للنية والغرض والثقافة. واهتم الجرجاني (ت. ٤٧١هـ) في دلائل الإعجاز بفكرة النظم، حيث المعنى لا ينفصل عن التركيب. هذه الإشارات التأسيسية تلتقي مع ما طرحه لاحقاً فرديناند دي سوسير (١٨٥٧-١٩١٣) في محاضرات في اللسانيات العامة، من أن اللغة نسق من العلامات يقوم على علاقة الدال بالمدلول.

لكنّ البنيوية لم تلبث أن اهتزت مع جاك دريدا (١٩٣٠-٢٠٠٤) الذي رأى أن المعنى مؤجَّل دوماً، وأن النص لا يحتوي حقيقة واحدة بل ينفتح على لانهائية من القراءات. هذا الأفق يجعل فقه اللغة العربي قابلاً للتجديد، إذ لم يعد المعجمي أو النحوي وحده قادراً على حسم الدلالة، بل بات النص يحتاج إلى منهج تفكيكي وسيميائي يكشف طبقاته المتراكبة.

ثانياً: التفكيك البنيوي والنص العربي

يعمل التفكيك على خلخلة استقرار النصوص وإبراز تناقضاتها الداخلية. فإذا طبقناه على الشعر العربي، القديم أو الحديث، وجدنا أن الوزن والقافية – اللذَين عُدّا قديماً قيوداً شكلية – يتحولان في القراءة التفكيكية إلى فضاء تناقض: بين التقييد والإبداع، بين التكرار والاختلاف. كما تكشف الصور البلاغية عن توتر بين ظاهر الحُسن وباطن الصراع النفسي.

يرى بول ريكور أن النصوص الكبرى ليست مجرد أقوال، بل "عوالم مفتوحة" تحيا عبر تأويل القارئ. وهذا ما يجعل القصيدة العربية فضاءً يتجاوز مقاصد الشاعر إلى إمكانيات القراءة المتعددة.

ثالثاً: الترابط السيميائي والعلامة الثقافية

السيمياء تدرس اللغة باعتبارها نظام علامات يتجاوز حدود اللفظ إلى الرمز والصورة والأسطورة. وقد أشار رولان بارت إلى أن النص "نسيج من اقتباسات" يتقاطع فيه الثقافي بالاجتماعي والسياسي. وبالمنظور العربي، نجد أن الرمز في الشعر – كالناقة عند الجاهليين أو الطلل – ليس مجرد علامة شعرية بل هو شيفرة ثقافية تعكس البنية الاجتماعية والأنثروبولوجية للعرب.

أما الشعر الحديث، من السياب إلى أدونيس، فقد أعاد إنتاج العلامات في سياقات جديدة، حيث تتحول مفردة "المطر" إلى دلالة على الخصب والحياة، لكنها في الآن نفسه علامة على الانكسار والخذلان الجمعي. هذا التعدد الدلالي لا يُفهم إلا عبر المنهج السيميائي الذي يدرس العلامة في شبكة علاقاتها.

رابعاً: نحو فقه لغة جديد:

يستدعي الجمع بين التفكيك والسيمياء إعادة تعريف فقه اللغة العربية كعلم يتجاوز الاشتقاق والنحو إلى تأويل النصوص في أفق فلسفي ولساني.

- من جهة التفكيك: نحن أمام نصوص لا ثبات لها، تُقرأ في ضوء تناقضاتها وانفتاحها على الاختلاف.

- من جهة السيمياء: نحن أمام علامات متشابكة لا يمكن فهمها إلا باستحضار سياقها الثقافي والتاريخي.

وبذلك يتحقق ما دعا إليه هايدغر حين قال إن اللغة "بيت الوجود"، وما أكد عليه عبد الله العروي في مشروعه الفكري من أن اللغة ليست مجرد أداة، بل وعاء حضاري يشكل وعينا الجمعي.

الخاتمة:

إن فقه اللغة العربية بين التفكيك البنيوي والترابط السيميائي ليس مشروعاً نظرياً فحسب، بل هو دعوة لتجديد علاقتنا بالنصوص العربية الكلاسيكية والحديثة معاً. فالتفكيك يحرر النص من سلطة القراءة الأحادية، والسيمياء تكشف عن شبكة العلامات التي تصوغ وعينا الثقافي. وبذلك يصبح الأدب العربي مجالاً للحوار مع الفكر الإنساني الكوني، حيث تلتقي إشارات ابن جني والجرجاني مع تنظيرات سوسير ودريدا وبارت، في أفق معرفي يفتح اللغة على غير المحدود من المعاني والتأويلات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مقاربة نقدية بلاغية في قصيدة (كلام الليل) للشاعر وليد صفاء

جلستُ وفِى محط-اتِ القِطار ِ

بنصفِ الليل ِ ينعدِمُ الصِّ-ياحْ

نظ-رتُ إذا بأرض ٍ ليس فيها

سوانا وارتِداداتِ الرِّياحْ

فرُحت ُ أُب-ين-ها نفسِى، وراحَتْ

ت-وارِى نفسَها خَل-فَ الوشاحْ

شَعَرْتُ كأن-نا قبْلُ التقيْنا

نَظ-رْتُ لها إذا بالبدر ِ لاحْ

وحينَ تبسَّمَتْ - عَرَض-ا - ب-وجْه-ى

تنف-سَ في تنف-سِها الصَّباحْ

ف-ب-ى سِرٌّ عل-ى وشكِ اكتِمال ٍ

وعَيْن-ى آذنَتْ بالاِفتِضاحْ

وقلبِى باتَ يَجْبُرُهُ انكِسارٌ

وأَتعَبَهُ الشُّعورُ بالاِرتياحْ

فقلتُ: تسافِرِين وأنتِ أُن--ث-ى

ولا قمرٌ سِواكِ ولا مِلاحْ ؟!

فقالتْ: قِطعَة ٌ هُوَ مِنْ عَذاب ٍ

ولكنْ بعضُ تعذيب ٍ مُباحْ

فقلتُ: بِهِ أذًى ! قالتْ: ك-ف-ت-نِى

ب-كَ الش-رَّ المروءَة ُ والسَّماحْ

ف-رِح-تُ، ف--رُحْ-تُ أجمعُ شملَ ذاتى

لأُبدِىَ مِنْ تماسُكِها المُتاحْ

فقالتْ: لِى ظروفٌ قاسِياتٌ

وبعضُ الظ---لم ِ إطلاقُ السَّرَاحْ

وَوارَتْ دمعة ً ت-بْ-دِى كلامًا

وت-خ--فِى بينَ ما ت-بدى الج-راحْ

ولا أدرى لِمَ أحْسَسْتُ خوف-ا

وخ-ف--ق-ا بالجَوانِح ِ كالجَناحْ ؟!

مِنَ الإشْفاق ِ حِينَ وضعْتُ ك-ف-ى

على صدرِى، وجدْتُ القلبَ راحْ !

أَرَدْتُ البَوْحَ، قالتْ لِى: قطارِى

أت-ى، ومَضَتْ بوجْهٍ قَدْ أشاحْ

فقلتُ لها: أحب--كِ، هلْ سُمِعتِ

فقالت: كيفَ ذاكَ ؟! كَف-ى مُزاحْ

كلامُ الليل ِ مَدْهونٌ بزُبد ٍ

إذا ط-ل-عَ الصَّباحُ عليهِ ساحْ

تنهض قصيدة «كلام الليل» على تجربة شعرية ذات طابع قصصي واضح، إذ لا يكتفي الشاعر بالتعبير المباشر عن مشاعره، وإنما يبني مشهدًا شعريًا تتداخل فيه عناصر السرد والحوار والوصف، فتتحول القصيدة إلى حكاية قصيرة نابضة بالعاطفة.

ويعتمد الشاعر في هذا البناء على السرد القصصي الذي يقوم على الصراع والحركة وغير ذلك من عناصر التعبير الدرامي كالحوار والأحداث والأبطال..، وذلك لإبراز الدلالة التي يشكلها تشكيلاً درامياً، فتتجمع وتتداخل وتجمع شتاتها تلك البنية الفنية والصورة الشعرية.

" وليس من السهل أن يتحقق البناء الدرامي في عمل شعري ما لم تتمثل وراءه أو فيه العناصر الأساسية التي لا تتحقق الدراما بدونها، وأعنى بذلك الإنسان والصراع وتناقضات الحياة، فالإنسان والصراع وتناقضات الحياة هي العناصر الأساسية لكل قصيدة لها هذا الطابع الدرامي " (1).

يفتتح الشاعر قصيدته بفعل سردي مباشر: «جلستُ وفي محطات القطار»، ثم يحدد الزمان بقوله: «بنصف الليل»، والمكان بمحطة القطار، وبذلك يضع المتلقي منذ البداية داخل إطار قصصي واضح. فالسرد هنا لا يأتي بوصفه وسيلة لنقل الأحداث فحسب، بل يؤدي وظيفة نفسية؛ فالليل والمحطة والهدوء عناصر تتآزر لتكوين جو من العزلة والترقب. ويؤكد ذلك قوله: «ينعدم الصياح»، ثم قوله: «نظرتُ فإذا بأرض ليس فيها / سوانا وارتدادات الرياح». إن النفي في «ليس فيها سوانا» يضاعف إحساس الوحدة، ويجعل ظهور المرأة حدثًا استثنائيًا داخل فضاء خالٍ إلا من شخصيتين وصوت الرياح.

ويستمر السرد في بناء المشهد من خلال تتابع الأفعال: «نظرتُ»، «فرحت»، «شعرتُ»، «نظرتُ»، «تنفّست»، «قلتُ»، «قالت»، «فرحت»، «أرادت»، «مضت». وهذا التتابع يمنح القصيدة حركة واضحة، ويجعلها أقرب إلى مشهد سينمائي تتعاقب فيه اللقطات. فالشاعر لا يصف المرأة وصفًا خارجيًا طويلًا، وإنما يجعل أفعالها وإشاراتها ولحظات الصمت والرحيل هي التي تكشف شخصيتها. ومن هنا تأتي قيمة السرد؛ لأنه يترك للقارئ فرصة المشاركة في اكتشاف الحدث بدل أن يقدم له المعنى جاهزًا.

من ثم يلجأ الشاعر إلى استعارة بعض أدوات وتكنيكات الأجناس الدرامية، كالمسرحية والقصة، إذ يستعير من الأولى تعدد الأصوات، فلا يبنى قصيدته على صوت واحد، وإنما على عدة أصوات تتحاور وتتصارع فيما بينهما، كما يأخذ من القصة أسلوب " السرد " أو " القص " والمونولوج الداخلي ..، وغير ذلك من أدوات الفن القصصي، التي يستعين بها الشاعر في التعبير عن تعدد الأبعاد والمستويات الشعورية والنفسية في رؤيته الشعرية .

وفي البناء الدرامي " تتعدد الأصوات والمستويات اللغوية، وترتفع درجة الكثافة نتيجة لغلبة التوتر والحوارية، مع اجتراحه لمغامرة التجربة الفنية الكثيفة، إلى جانب التجارب الحيوية المثيرة " (2).

وتتطور التجربة السردية من المشاهدة إلى المشاركة الوجدانية. ففي البداية يقول الشاعر: «فرحتُ أبينها نفسي، وراحت / تواري نفسها خلف الوشاح»، فنحن أمام شخصيتين متقابلتين: شخصية تحاول الكشف، وأخرى تميل إلى الإخفاء. ويشكل «الوشاح» هنا أكثر من مجرد قطعة من لباس؛ فهو يتحول إلى رمز للحجاب النفسي والكتمان، فيوحي بأن المرأة تحمل سرًا لا تريد أن تكشفه بسهولة. ويزداد هذا الإيحاء وضوحًا عندما يقول: «فبي سرٌّ على وشك اكتمال / وعيني آذنت بالافتضاح». فالعين تصبح أداة للبوح قبل اللسان، ويقابل الشاعر بين «السر» و«الافتضاح»، بما يكشف الصراع بين الرغبة في الاعتراف والخوف من انكشاف المشاعر.

وتحتل المرأة في القصيدة موقعًا مركزيًا، غير أن الشاعر يتعمد إحاطتها بالغموض، فيستعين بمجموعة من الصور البلاغية التي تجعل حضورها مرتبطًا بالليل والنور في آن واحد. فعندما يقول: «نظرتُ لها فإذا بالبدر لاح»، يشبه وجهها أو حضورها بالبدر، وهي استعارة أو تشبيه ضمني يرفع المرأة من المستوى الواقعي إلى مستوى الحلم والجمال. ثم يقول: «حين تبسمت عرضًا بوجهي / تنفّس في تنفّسها الصباح»، فيجعل ابتسامتها باعثة على انبثاق الصباح، وكأن حضورها قادر على تحويل ظلمة الليل إلى إشراق. وتكمن المفارقة الفنية في أن المرأة تظهر في الليل، لكنها تحمل في ابتسامتها الصباح؛ وهذا التداخل بين الظلمة والنور يعكس التحول النفسي الذي أحدثه اللقاء في ذات الشاعر.

ويزداد البناء الوجداني تعقيدًا في قوله: «وقلبي بات يجبره انكسارٌ / وأتعبه الشعور بالارتياح». فالجمع بين «الانكسار» و«الارتياح» يمثل مفارقة نفسية لافتة؛ إذ يشعر الشاعر بالفرح لأنه التقى من يحب، لكنه في الوقت نفسه يحمل ألمًا داخليًا. وتكشف هذه المفارقة أن اللقاء ليس بداية حب مستقر، بل لحظة مشحونة بالقلق، وأن الراحة نفسها تحمل في داخلها نذر الألم.

لكن الشاعر لا يلجأ إلى السرد المباشر وإنما بواسطة القول الخاطف تنتقل المشاهد وتتعدد المشاعر، وبواسطة الحركة التصويرية تتكشف أبعاد الموقف الدرامي خلال " آليات إنتاج شعرية تعتمد على تشكيل لغوي عماده الفعل والفاعلون، دون أن يكون الهدف إنتاجاً لحكاية أو خبر، وإنما إنتاج وضعية نصية معقدة ومتشابكة، لا يمكن أداؤها من خلال الانفعال الشعري المميز للغنائية " (3).

وعندما يبدأ الحوار المباشر، تنتقل القصيدة من السرد إلى المشهد الدرامي. يقول الشاعر: «فقلتُ: تسافرين وأنتِ أنثى / ولا قمرٌ سواكِ ولا ملاح؟!» ثم تأتي إجابة المرأة: «فقالت: قطعةٌ هو من عذاب / ولكن بعض تعذيب مباح». ويتميز هذا الحوار بأنه ليس مجرد تبادل للكلام، بل هو وسيلة للكشف التدريجي عن الشخصيتين. فالشاعر يسأل بدافع الاهتمام والقلق، بينما تجيب المرأة بإجابات موحية لا تكشف الحقيقة كاملة. ولذلك يظل الغموض حاضرًا حتى نهاية القصيدة.

وتكشف إجابة المرأة عن عمق التجربة التي تحملها: «لي ظروف قاسيات / وبعض الظلم إطلاق السراح». وهذه العبارة من أكثر العبارات كثافة في القصيدة؛ إذ تقوم على مفارقة دلالية، لأن «إطلاق السراح» يرتبط في الظاهر بالتحرر، لكنه يأتي هنا في سياق «الظلم»، فيوحي بأن الرحيل أو الفراق قد يكون أحيانًا نتيجة قسرية للظروف. وبذلك تنتقل القصيدة من قصة لقاء عاطفي إلى تأمل في علاقة الإنسان بالظروف التي قد تحول دون اكتمال ما يريده.

ويستخدم الشاعر في هذا الموضع لغة الإيحاء بدل التصريح، فتقول المرأة: «وَوَارَتْ دمعةً تُبدي كلامًا / وتُخفي بين ما تُبدي الجراح». وهنا تتجسد البلاغة في المفارقة بين «تبدي» و«تخفي»؛ فالدمعة تبدو شيئًا ظاهرًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل كلامًا غير منطوق وتخفي وراءها جراحًا عميقة. وهذا من أجمل مواضع القصيدة؛ لأن الشاعر يجعل الدمع لغة بديلة عن الكلام، ويجعل الصمت أكثر إفصاحًا من القول.

ومن اللافت أن الحوار لا يكشف المرأة وحدها، بل يكشف الشاعر أيضًا. فعندما يقول: «ولا أدري لم أحسست خوفًا / وخفقًا بالجوانح كالجناح؟!» تظهر حالة الاضطراب النفسي التي يعيشها. وقد استعان الشاعر بالتشبيه في «خفقًا بالجوانح كالجناح»، فجعل اضطراب القلب شبيهًا بحركة الجناح، بما يوحي بسرعة النبض وشدة القلق. ثم تأتي الصورة الحسية: «حين وضعت كفي / على صدري، وجدت القلب راح»، فيتحول الشعور الداخلي إلى فعل جسدي محسوس.

ويبلغ الحوار ذروته حين يقول الشاعر: «أردت البوح، قالت لي: قطاري / أتى، ومضت بوجه قد أشاح». هنا يتدخل الحدث الخارجي -- وصول القطار -- ليقطع الحدث الداخلي قبل اكتماله. والقطار ليس مجرد وسيلة للنقل، وإنما يتحول إلى رمز للفراق والزمن والفرص العابرة. فكما أن القطار لا ينتظر طويلًا، فإن فرصة اللقاء والحب لا تنتظر أيضًا. ويزيد من قوة المشهد قوله: «ومضت بوجه قد أشاح»، فالإعراض هنا قد يكون إعراضًا عن النظر، أو محاولة لإخفاء التأثر، وهو ما يترك النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة.

ثم تأتي لحظة الاعتراف الصريح: «فقلت لها: أحبك، هل سمعتِ»، لكن الاعتراف يأتي متأخرًا، بعد أن أصبح الرحيل واقعًا. وتجيب المرأة: «فقالت: كيف ذاك؟! كفى مزاح». وهنا تنشأ مفارقة مؤلمة بين جدية الشاعر واستخفاف المرأة أو عدم تصديقها. فالاعتراف الذي كان ينتظره الشاعر يصبح في نظرها كلامًا عابرًا، وربما لأن اللحظة نفسها كانت عابرة، أو لأن «كلام الليل» لا يملك القوة الكافية ليصمد أمام وضوح النهار.

وقد اتخذ الشاعر من هذا المثل دعامة أساسية لتأكيد دلالة النص، فضلاً عن " تأصيل الفكرة وتوشية النص بإضفاء مسحة جمالية تراثية على صياغته، وبلورة هذه الصياغة في رؤية شعرية عميقة " (4).

ومن الناحية النقدية، فإن جمال القصيدة لا يقوم على كثرة الأحداث، وإنما على قدرة الشاعر على تحويل حدث بسيط -- لقاء عابر في محطة قطار -- إلى تجربة إنسانية ذات أبعاد نفسية ورمزية. وقد نجح السرد في المحافظة على الحركة، بينما منح الحوار القصيدة طابعًا دراميًا، وجعل الشخصيتين حاضرتين بأصواتهما لا بوصف الشاعر لهما فقط. كما أن التوازن بين الكلام والصمت، وبين الكشف والإخفاء، وبين الليل والصباح، وبين اللقاء والفراق، يمنح القصيدة بناءً قائمًا على الثنائيات المتقابلة.

أما من الناحية البلاغية، فقد وظف الشاعر التشبيه والاستعارة والكناية والمفارقة توظيفًا يخدم التجربة لا مجرد الزينة اللفظية. فالبدر والصباح والوشاح والدمعة والقطار والزبد ليست ألفاظًا منفصلة، بل تشكل شبكة رمزية متكاملة: البدر والصباح يمثلان إشراق الحب، والوشاح والدمعة يمثلان الكتمان والألم، والقطار يمثل الرحيل، والزبد يمثل هشاشة الكلام أمام حقيقة الواقع.

ويؤدي التكرار دورًا إيقاعيًا ودلاليًا واضحًا، ولا سيما تكرار أفعال القول: «فقلتُ»، «فقالت»، «فقلتُ»، «قالت»، وهو تكرار يرسخ البنية الحوارية للقصيدة. كما أن القافية الموحدة بحرف الحاء، مع امتداد الصوت في كلمات مثل «الصياح، الرياح، الوشاح، لاح، الصباح، الافتضاح، الارتياح»، تمنح القصيدة موسيقى حزينة ممتدة، وتنسجم مع أجواء الليل والحنين والفراق.

وهكذا تبدو «كلام الليل» قصيدة تتجاوز الحكاية العاطفية المباشرة إلى تأمل في طبيعة الكلام حين يولد في لحظة استثنائية، ومن خلال السرد والحوار استطاع الشاعر أن يجعل القارئ يعيش اللقاء لحظة بلحظة، وأن ينتقل معه من فضاء الوحدة إلى فضاء الأمل، ثم إلى الصدمة والفراق. ولذلك تأتي النهاية منسجمة تمامًا مع التجربة.

***

دكتور جمال فودة

....................

1- عز الين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر (قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية) - الطبعة الخامسة -- المكتبة الأكاديمية - القاهرة -1994 م 0/ 243، 244

2- صلاح فضل: أساليب الشعرية المعاصرة - الهيئة العامة لقصور الثقافة -القاهرة -1996 م 0/ 64

3- محمد فكرى الجزار: لسانيات الاختلاف -الهيئة العامة لقصور الثقافة -القاهرة -1995 م - 342

4- حسن فتح الباب: سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر -الهيئة المصرية العامة للكتاب -القاهرة -1997 -ص 242

حين يتحوّل الوجعُ إلى بنيةٍ معرفية وجمالية

ليس الألمُ في الأدب انفعالاً عابراً، ولا دفقاً عاطفيّاً يندلق على الصفحة؛ بل هو ـ كما يصفه رولان بارت ـ «شكلٌ من أشكال المعرفة، يُصيب اللغةَ فتتوترُ وتبحثُ عن شكلٍ جديدٍ لقول ما استعصى قوله». فالأدب، في جوهره، هو تلك القدرة الفريدة على تشييد معمارٍ من الجراح، وابتكارِ هندسةٍ للوجع توازي هندسة العالم، أو تتفوّق عليها.

١. وجعُ الشعر: اللغة بوصفها جرحاً مفتوحاً

يرى أدونيس أن الشعر «يمتاح من جرحه الخاص»، وأن الشاعر لا يبتكر اللغة إلا حين يُصاب بها. ولعلّ شعراء الحداثة ـ من بودلير إلى درويش ـ أدركوا أن القصيدة ليست تعبيراً عن الألم، بل هي صياغتُه في بنيةٍ تكثفية تُعيد ترتيب الفوضى الداخلية في إيقاعٍ قادرٍ على حمل ما لا يُحتمل.

إنها هندسةٌ عمودية، تُشيّد من النزيف سلّماً نحو المعنى؛ فالشاعر يفتح الجرح لا ليصرخ، بل ليجعل الصرخةَ شكلًا لغويّاً يُقيم فيه القارئ.

٢. وجع القصة: الحكاية كأداة لقياس الشقوق الدقيقة في النفس.

اعتبر أنطون تشيخوف أن "القصة الجيدة هي التي تُشعر القارئ بأن روحه قد خُدشت بطريقة ما"، فالقصة القصيرة تعمل كعدسةٍ مكبّرة تلاحق التفاصيل التي تُهملها الحياة. إنها هندسةٌ أفقية، تختبر هشاشة الإنسان وهو يواجه قدراً صغيراً لكنه قاسٍ.

وفي هذا الفضاء، لا ينقل الكاتب الألم فحسب، بل يشكّله: يصمّم حركته، ويمنحُ الصمتَ هندسةَ حضور، ويجعل من الجرح نقطة ضوء تتوزّع على المسار القصصيّ.

٣. وجع الرواية: المعمار الكبير للانكسار الإنساني.

يذهب ميلان كونديرا إلى أن الرواية ليست إلا «مختبرًا للوجود الإنساني»، أي المكان الذي تُختبر فيه قابلية الروح للانكسار وإعادة التشكل. فالرواية هندسةٌ مترامية الأطراف تُقيم جسوراً بين الذكريات والجراح والأحلام، وتجعل الإنسان مرئيّاً في أعمق لحظاته.

دوستويفسكي، من جهته، جعل الألم حجر الزاوية في بنية الرواية؛ فشخصياته تبحث عن الخلاص من جحيمها الداخلي عبر السير في دهاليز النفس. إنها هندسةٌ درامية تصنع من كل عطبٍ كياناً روائيّاً يعبر عن صراع الإنسان بين السقوط والنهضة.

٤. وجع المسرح: الجسد بوصفه نصّاً من الألم الحيّ.

يرى أرتو في “مسرح القسوة” أنّ المسرح الحقيقي لا يُمثّل الألم بل يجسّده، ويخلق لغةً جديدة تصرخ بالجسد كما تصرخ بالكلمة. ففي المسرح، الألمُ معماريٌّ بامتياز: له حركةٌ، وصوتٌ، وظلٌّ، ومسارٌ على الخشبة.

وتتحوّل الخشبة، عند توفيق الحكيم وسعد الله ونوس، إلى مختبر سياسيّ وروحيّ، حيث يُعاد ترتيب الوجع الجمعيّ في مشاهد قادرة على إيقاظ الضمير أو فضح العبث.

٥. الألم كقيمة معرفية وجمالية:

اعتبر نيتشه أن «كل فنٍّ عظيم يولد من الألم»، ليس بوصفه ندبةً، بل بوصفه قوّةً خالقة. فالأدب لا يهرب من الوجع، بل يحوّله إلى أداةِ تنقيبٍ في الأعماق، وإلى لغة ثانية للإنسان.

أما بول ريكور فيرى أن السرد، بكل أشكاله، هو محاولة لإعادة تأويل الجرح، وجعله جزءاً من هويةٍ قابلةٍ لأن تُروى؛ أي تحويل الألم إلى معنى.

٦. هندسةُ الألم الأدبي: من الجرح إلى المعنى.

بهذا المعنى، فإن هندسة الألم الأدبي ليست انفعالًاً ولا شكوى، بل معمارٌ دقيق تُعاد فيه صياغة التجربة الوجودية عبر الشعر والقصة والرواية والمسرح.

إنها هندسةٌ للنجاة، تُعيد ترتيب الخراب الداخلي ليصير معرفة، وتحوّل الندبة إلى علامة قراءة.

وهي في الوقت نفسه هندسةٌ للحرية: لأن الإنسان، حين يُعيد تأويل ألمه، يملك دوره في كتابة قدره.

فالأدب العظيم، في كل أشكاله، ليس إلا محاولةً جريئة لترويض الألم، وتشكيلِه في بنيةٍ جمالية تُنير الطريق، وتترك في الروح أثرًا لا يُمحى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا يعرف صاحبُه مصدرَه أحيانًا، ويشتعل في الحنين الذي يأتي مُحَمَّلًا بالألم. ذلك هو التاريخ حين يتحوَّل إلى جُرح مفتوح على كُلِّ الاحتمالاتِ والذكرياتِ والحكايات.

ولعلَّ الأدب، أكثر من أي خطاب آخر، يعرف كيف يقترب من هذا الجُرح دون أن يدَّعي امتلاكَه أو تفسيرَه بالكامل. الروايةُ لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تُصلح ما أفسده التاريخ، لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية، وهو أن تمنح الذاكرةَ صوتًا، وتجعل الإنسانَ الذي سحقته الأحداثُ الكبرى حاضرًا من جديد، ليس بوصفه رقمًا في سِجل، ولا شاهدًا في وثيقة، وإنما بوصفه روحًا لها وجهٌ وارتباك ورغبة وخوف وحُب، وخسارات لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة.

من هذه المنطقة الموجعة يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الإريتري حجي جابر (وُلد 1976) إلى جانب تجربة الروائي الألماني برنهارد شلينك (وُلد 1944). كاتبان يأتي كُل واحد منهما من جغرافيا مختلفة، وتاريخٍ شديد الخصوصية، وذاكرةٍ جماعية ليست هي ذاكرة الآخَر. ومعَ ذلك، ثمَّة خيط خفي يجمع بينهما، كلاهما يعرف أنَّ الماضي ليس ماضيًا تمامًا، وأنَّ ما حدث ذات يوم يستطيع أن يواصل حياتَه داخل الأحياء، وأنَّ الإنسان قد يرثُ تاريخًا لَم يصنعه، ثم يقضي عُمره كُلَّه في محاولة فهم ما الذي يفعله به هذا الإرث.

حجي جابر يقترب من التاريخ من جهة الذاكرة الأفريقية والإريترية، ومن جهة المنفى والهُوية والاقتلاع والبحث عن وطن يبدو قريبًا في الخيال، وبعيدًا في الواقع.

أمَّا شلينك فيدخل إلى التاريخ الألماني من باب آخَر، باب المسؤولية والذنب والصمت، وما تفعله الجرائم الكبرى حين تنتقل من جيل إلى جيل، وتصل إلى أولئك الذين لَم يرتكبوها.

يحبُّ الناسُ أن يتعاملوا معَ التاريخ باعتباره شيئًا انتهى. يضعون له التواريخ، ويُرتِّبون أحداثَه، ويحفظون أسماءَ مراحله، ثم ينتقلون إلى الحاضر كأنَّ الماضي غرفة أُغلقتْ بالمفتاح. لكنَّ الرواية تعرف أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة.

الماضي لا يغادرنا لأنَّنا نُقَرِّر أنَّه غادرَ. قد يختبئ، وندفنه تحت طبقات من النسيان، ونتعلَّم كيف نتحدث عن أشياء أُخرى، وتنشغل الأجيالُ الجديدة بحياتها اليومية، لكنَّ شيئًا ما يبقى في الداخل. كلمة، أو صورة، أو رائحة، أو اسم مدينة، أو حكاية ناقصة، أو خوف غامض، أو صمت عائلي لا نفهم سببَه. وهُنا تبدأ الرواية.

حجي جابر يعرف هذه المنطقة جيدًا. في عالَمه الروائي لا تبدو الهُوية بطاقة تعريف بسيطة، ولا يكون الوطنُ مكانًا جغرافيًّا يمكن الإشارة إليه على الخريطة ثم الانتهاء من الأمر. الوطن تجربة نفسية، وذاكرة، ولغة، وفقدان، وسؤال مؤلم، ماذا يبقى من الإنسان حين يُنْتَزَع من المكان الذي كان يظنُّه جزءًا من تعريفه لنفسه؟.

في المقابل، يذهب شلينك إلى سؤال آخر، لكنَّه لا يقلُّ قسوةً، ماذا يحدث حين يكون الماضي الذي نرثُه مرتبطًا بجريمة تاريخية؟، هل يكفي أن نقول: لَم نفعل شيئًا؟، وهل يستطيع جيل لَم يرتكب الجريمة أن يعيش خارج ظِلِّها؟، وما هي حدود المسؤولية؟، ومتى يتحول الاعترافُ بالذنب إلى عبء لا يعرف صاحبُه كيف يَحمله؟. هُنا يصبح التاريخُ أشبه بأب غائب، لكنَّه حاضر في كل شيء. لا نراه، لكنه يحدد كثيرًا من تفاصيل حياتنا.

في تجربة حجي جابر، تبدو الجغرافيا في كثير من الأحيان أقل ثباتًا مِمَّا نظن. الإنسانُ قد يَعبر الحدودَ، لكن الحدود لا تَعبره بالضرورة. وقد يغادر المكانَ، لكنه لا يستطيع أن يغادر ما صنعه المكان فيه. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في تجربة المنفى، أن تصل إلى مكان جديد بجسدك، بينما تظلُّ رُوحك مُعلَّقة في مكان آخر.

ليس المنفى مُجرَّد انتقال من بلد إلى بلد، إنَّه اضطراب في العلاقة بين الإنسان وذاكرته. فجأةً، تصبح الأشياءُ التي كانت عادية ثمينة. والشوارعُ القديمة تتحوَّل إلى أساطير شخصية، والأسماء التي لم نكن نلتفت إليها تصبح أبوابًا لزمن كامل. واللغة تصبح مأوى، وتتحوَّل في الوقت نفسه إلى تذكير دائم بما فُقد.

عند حجي جابر، لا يظهر التاريخُ بوصفه محاضرةً سياسية، بلْ بوصفه أثرًا على مصائر الأفراد. الروايةُ لا تقول لنا فقط إنَّ بلدًا عاش الحربَ أو الاستعمار أو القمع أو الانقسام. الروايةُ الحقيقية تسأل: ماذا فعل كُلُّ ذلك بامرأةٍ واحدة، أو برجلٍ واحد، أو بعائلة، أو بطفل، أو بحبيب، أو بإنسان وجد نفسه ذات صباح مضطرًا إلى أن يختار بين ذاكرته وحياته؟. هُنا تتحول الأحداث الكبرى إلى تفاصيل صغيرة، وهذه التفاصيل هي التي تؤلم.

والإنسانُ لا يعيش التاريخ في الكتب، بل يعيشه في الأشياء اليومية، في حقيبة سفر، أو اسم مُستعار، أو صورة قديمة، أو رسالة لَم تصل، أو شخص لَم يعد، أو بيت لا يستطيع صاحبُه العودةَ إليه، أو وطن صار أكثر حضورًا كلما ابتعد عنه الإنسان. لذلك تبدو رواية حجي جابر، في جوهرها، محاولة للإنصات إلى الإنسان حين يصبح الوطنُ سؤالًا بدل أن يكون جوابًا.

وإذا كان حجي جابر يكتب كثيرًا عن التاريخ من جهة مَن اقْتُلِعُوا منه، أو وَجدوا أنفسهم في مواجهته، فإنَّ شلينك يقترب منه من جهة أُخرى، من جهة الذين ورثوا تاريخًا مثقلًا بالعارِ والمسؤولية، حيث يَحمل الأبناءُ خطايا الآباء. وهذه زاوية شديدة التعقيد، فالجيلُ اللاحق لا يستطيع أن يتحمل المسؤوليةَ عن جريمة لَم يرتكبها، لكنَّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتصرف كما لو أنَّ شيئًا لم يحدث.هُنا ينشأ السؤالُ الأخلاقي المُربك:ما علاقة الإنسان بما فعله أسلافُه؟.

رُبَّما يقول العقل: لا علاقة له، لكن الذاكرة تقول: هُناك علاقة. ليس لأنَّ الابن مذنب بما فعله الأب، وإنما لأنَّ الماضي دخل بالفعل في تشكيل العالَم الذي يعيش فيه الابن. لقد تركت الجريمةُ وراءها قوانين وخرابًا وصمتًا وعلاقات مكسورة، وَرُبَّما تركتْ أيضًا طريقة في النظر إلى الذات والآخَر. ومِن هُنا تصبح مواجهة الماضي فِعلًا أخلاقيًّا، وليس اهتمامًا بالتاريخ فحسب.

شلينك لا يترك شخصياته في منطقة مريحة، لا يمنحها أجوبة سهلة، إنَّه يدفعها إلى مواجهة الأسئلة التي نُفَضِّل عادةً أن نهرب منها: هل الحُب قادر على تجاوز التاريخ؟، وهل المعرفة تُبرِّئنا أمْ تُعذِّبنا؟، وهل الاعتراف يكفي، وهل يمكن أن يكون الإنسان في الوقت نفسه ضحيةً وجلادًا، أو مُحِبًّا ومشاركًا في الصمت، أو بريئًا من الفعل لكنَّه متورط في نتائجه؟. إنها أسئلة لا تنتهي، لأن التاريخ لا يُقَدِّم لها نهاية نظيفة.

هناك فرقٌ عميق بين أن نتذكر وأن نفهم. قد نتذكر شيئًا سنوات طويلة دون أن نعرف كيف نضعه في مكانه الصحيح داخل حياتنا. الذاكرةُ ليست أرشيفًا محايدًا، إنها كائن حي، تنتقي، وتُخفي، وتُضخِّم، وتنسى، وتستعيد ما ظنناه مات، وقد تفعل ذلك كُلَّه دون إذن مِنَّا. وهذا ما يجعل التعاملَ معَ الذاكرة في الأدب شديد الحساسية.

عند حجي جابر، تتحوَّل الذاكرةُ إلى محاولة لاستعادة معنى ما، ورُبَّما لاستعادة ذات تاهتْ بين الأمكنة والتاريخ والتحولات. وعند شلينك، تتحول الذاكرةُ إلى محكمة داخلية لا يعرف الإنسانُ كيف يخرج مِنها.

في التجربتين، هُناك رغبة في العدالة، لكنَّ الأدب لا يُقَدِّم العدالةَ بطريقة قانونية. إنَّه يبحث عن عدالة أُخرى، عدالة أن يُروَى ما حدث، ويُسمَع صوت مَن لَم يَسمعه أحد، ونعرف أنَّ وراء الحدث الكبير إنسانًا صغيرًا كان يعيش يَوْمَه، ويُحب، ويخاف، ويَحلم، ثم جاء التاريخ، وأفسدَ عليه ترتيبَ الأشياء.

مِن السهل أن نقول إنَّ علينا مواجهة الماضي، لكن ماذا يعني ذلك فِعلًا؟. هل يكفي أن نعترف بأنَّ الماضي كان مؤلمًا؟، وهل يكفي أن نُسمِّي الجريمةَ باسمها؟، وهل تكفي الكُتب والمتاحف والنُّصب التذكارية؟. الجُرحُ التاريخي ليس جُرحًا في ورقة، إنَّه جُرح في أشخاص.

حين يكتب حجي جابر عن آثار التاريخ في الوجود الإريتري، وحين يضع شلينك الإنسانَ أمام ثقل الماضي الألماني، فإنَّهما لا يتعاملان معَ الذاكرة باعتبارها واجبًا ثقافيًّا فحسب، بل باعتبارها اختبارًا للإنسان.

ماذا نفعل بما نعرفه؟. هذا واحد من أهم الأسئلة التي يمكن أن تطرحها الرواية. المعرفةُ ليست بريئةً دائمًا. حين نعرف، يصبح علينا أن نعيد النظرَ في أشياء كثيرة، في أنفسنا وعائلاتنا وبلادنا، والصورةِ التي صنعناها عن الخير والشر، والقصصِ التي اعتدنا أن نُصدِّقها دون أن نسأل مَن الذي كتبها ومَن الذي غاب عنها.

وهُنا يصبح الأدبُ خطرًا بطريقة جميلة، إنَّه يزعزع الروايةَ المريحة، ويمنعنا من تحويل الضحية إلى رمز جامد. التاريخُ الرسمي يُحب الأرقام، والروايةُ تُحب الوجوه، والتاريخ يقول: مات الآلاف، والرواية تسأل: كيف عاش واحد منهم يومَه الأخير؟، والتاريخ يقول: هاجرَ الناسُ، والرواية تسأل: ماذا حدث للأم التي أغلقتْ بابَ بيتها وهي لا تعرف إن كانت ستراه مَرَّةً أُخرى؟، والتاريخ يقول: وقعت الجريمة، والرواية تسأل: ماذا حدث بعد ذلك داخل رأس الشخص الذي عرف الحقيقةَ متأخرًا؟. وهذه النقلة من الرقم إلى الإنسان هي إحدى أعظم وظائف الأدب.

حجي جابر لا يترك الذاكرةَ في مستوى الشعارات. حين يقترب من الوطنِ والاقتلاع والهُوية، فإنَّه يجعل هذه المفاهيم تمرُّ عبر الجسدِ والحياة اليومية. وشلينك، من جهته، لا يسمح للذنب التاريخي بأن يبقى مفهومًا مُجَرَّدًا، يضعه داخل علاقات بشرية، داخل الحُبِّ والأسرة والصداقة والرغبة والشك. كأنَّهما يقولان لنا بطريقة مختلفة: التاريخُ لا يؤلم لأنه حدث فقط، بلْ لأنه حدث لأشخاص. واختلافُ الجُرح لا يلغي وحدةَ الإنسان.

إنَّ تجربة الاستعمار والاقتلاع والهُوية والمنفى ليست هي تجربة مواجهة إرث النازية والذنبِ التاريخي. لكلِّ مجتمع ذاكرته، ولكلِّ جُرح لغته، ولكلِّ ضحية سياقها، ولكلِّ تاريخ شروطه التي لا يجوز محوها باسم التشابه.

ومعَ ذلك، فإنَّ الإنسان يظلُّ هو الحَلْقة التي تصل بين التجارب. الخوفُ واحد حين يدخل الجسد، والفقدُ واحد حين يصبح الغائب حاضرًا في كل شيء، والحنينُ واحد حين يتحوَّل المكانُ إلى شيء لا يمكن الوصول إليه، والعارُ واحد حين يكتشف الإنسانُ أن الصورة التي حملها عن نفسه ليست كاملة. لهذا يمكن للأدب أن يَعبر الحدودَ التي لا تستطيع السياسةُ عبورها بسهولة.

من أكثر الأسئلة إلحاحًا في أدب الذاكرة سؤالُ الأجيال.ماذا يفعل الأبناءُ بتاريخ لَم يصنعوه؟، وهل يحق لهم أن يبدؤوا من الصفر؟، رُبَّما لا يوجد بدء من الصفر أصلًا.

كُلُّ جيل يصل إلى العالَم ولديه أشياء لَم يخترها: لغة، وعائلة، وبلد، وذاكرة، ومعتقدات، وصور عن الآخَر، ومخاوف قديمة، وأسرار.

وهُنا يلتقي حجي جابر وشلينك، رغم اختلاف المسارات، في منطقة شديدة الحساسية: الإنسان ليس ابن الحاضر وحده. إنَّه ابنُ ما سبقه أيضًا، لكن أن تكون ابنًا للتاريخ لا يعني أن تكون أسيرَه، وهذا هو التحدي الحقيقي، أن نتذكر دون أن نتحول إلى سجناء للذاكرة، ونعترف بالماضي دون أن نُقَدِّسَه، ونُحاسِب دون أن نرثَ الكراهية، ونحب الوطنَ دون أن نُحوِّله إلى صنم، ونعرف الجريمةَ دون أن نعيش إلى الأبد داخل دور الجلاد أو الضحية. هذه الموازنة صعبة، لهذا تبدو الرواية المكان الأنسب لطرحها. الروايةُ لا تحتاج إلى إصدار حُكم نهائي، يكفيها أن تتركنا أمام السؤال.

في عالَم شلينك، يصبح الصمتُ شيئًا لا يقل أهمية عن الكلام. وفي تجربة حجي جابر، لا تكون الأشياءُ التي لا تُقَال أقل حضورًا من الأشياء التي تُقَال.

والصمتُ ليس فراغًا، أحيانًا يكون الصمتُ أكثر الأشياء امتلاءً، لأنه يَحمل ما لم نستطع قولَه، أو ما لم نرد قولَه، أو ما لم نَعرف كيف نقوله، لهذا تبدو الروايةُ كأنها عملية تفكيك لهذا الصمت المتراكم.

شلينك يجعل المسؤوليةَ الأخلاقية حاضرة حتى حين يصبح تحديدها مُعَقَّدًا، وحجي جابر يَجعل آثارَ الماضي قائمة حتى حين يحاول الإنسانُ أن يجد لنفسه مكانًا جديدًا في الحياة.

حجي جابر وشلينك لا يكتبان كَي يمنحا القارئَ راحةً سهلة، إنهما يضعانه أمام تاريخ غير مريح، وأسئلةٍ لا يمكن الإجابة عنها بجملة واحدة. والروايةُ ليست عيادةً تعطي الماضي دواءً، إنها غرفة يضيء فيها القارئُ مصباحًا، وينظر إلى ما كان يخاف أن يَراه.

حين يعطي حجي جابر مساحة للذاكرة الإريترية، فإنه لا يكتب عن بلد فحسب، بل يفتح نافذةً على إنسان قد لا يجد مكانَه في الرواية الكبرى التي تكتبها السياسة.

وحين يعيد شلينك فتحَ ملفات الماضي الألماني داخل العلاقات الشخصية، فإنه يُذكِّرنا بأن التاريخ لا ينتهي حين تنتهي المحاكم. هناك محاكم أُخرى: الضمير والذاكرة والعلاقات الإنسانية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

إنَّ دراسة الظَّواهر المَرَضيَّة أوجب عِلميًّا من دراسة الظَّواهر الصِّحيَّة. غير أنَّ كثيرًا من الدراسين لا يدرسون لوجه العِلم، ولا بموضوعيَّته، وإنَّما تبدو دراساتهم تبشيريَّة، ترويجيَّة، دعائيَّة لأعمال معيَّنة، يحبُّها الدارس، ويتبنَّى مضامينها، عاطفيًّا أو أيديولوجيًّا. ولذا تأتي في هذا السياق تُهمة «الحداثة»، مثلًا، كتُهمة «القَدامة» و«التقليديَّة» لدَى فريقٍ مقابل. مع أنَّ المنهاج العِلمي ينبغي أن يتجرَّد عن الأفكار السابقة، وترديد نمطيَّات تعبيريَّة سائدة، ومصادرات حُكميَّة فاشية. وإلَّا فما منَّا مَن لا يمكن أن يُصنَّف أو يُلقَّب. من حيث إنَّنا جميعًا واقعون في مزالق التصنيف، وإنَّما الرشيد من احترمَ عقله، ونَظَرَ بموضوعيَّة، دون أن ينجرف في تقليدٍ أو تيَّارٍ، أو ينساق مع قطيع. أمَّا ما يُقال، أو يُكال، فثقافةٌ مشتركة، يأخذ منها كلُّ طَرَفٍ بطَرَف!

لأجل هذا يلحظ المراقب للحراك الثقافيِّ العَرَبيِّ أنَّه- كما اتُّخذِت الكتابة الروائيَّة مطيَّةً أحيانًا- يُتَّخَذ البحث حولها مطيَّة أيضًا، فيُصبِح احتفائيًّا، انتقائيًّا، لترسيخ أسماء، أو تعميم أفكار، أو لمجرد ميلٍ ذاتيٍّ وهوًى نفسيٍّ. وبسبب هذا كانت معايير الخطط العِلميَّة، التي تستحق هذا الاسم، تسأل عن أسباب اختيار الموضوع، والأهداف العِلميَّة، التي يلزم أن تكون عِلميَّة، مقْنِعةً «عِلميًّا»، لا عاطفيًّا.

في هذا المضمار هبَّت عاصفة الرواية، بعد 2001 على عالمنا العربي، بما أثارته من زوابع هنا وهناك. وقد دهمت الساحات طافحةً بدوافع الفضح الاجتماعي. وذلك لعاملَين: الأوَّل يتعلَّق بماردٍ تحرَّرَ من قُمقم كبتٍ طويل، فكان تخبُّطه صاخبًا، كتخبُّط (عفريت القماقم)، شغفًا بالحُريَّة، أو بـ«التنوير»، كما تحلو التسمية، أو حسب روايةٍ أخرى: شغفًا بالنظر بعينَي (زرقاء اليمامة)، أو قُل بعيني (يوسف زيدان)! الذي يرى نفسه (زرقاء يمامة) مِصْريَّة، أصبحت ترى أشياء كثيرة، لم تكن تراها بالأمس. وما يُدرينا، فقد ترَى زرقاء يمامةٍ عمياء غدًا ما لا تراه اليوم، في عصرنا الضبابي هذا! على رأي الشاعر اللُّبناني (طانيوس عبده، -1926):

ما مضَى فاتَ، والمؤمَّلُ غيبٌ،

ولكَ الساعـةُ التي أنتَ فيهـا

بمعنى: «الساعة التي مصالحك فيها»! وأمَّا العامل الآخَر، فيتعلَّق بماردٍ سرديٍّ، كان محاصَرًا بالشِّعر والشِّعريَّة، وهو مندفع ليحظى بمقعده الروائيِّ، بأيِّ ثمن. ولقد أسال العاملان- مع ما واكبهما من ضخٍّ إعلاميٍّ، فَتَحَ باب الشُّهرة لكلِّ مَن سَرَدَ- لُعابَ أقلامٍ شتَّى، بعضها ليس لها رصيد، لا معرفي ولا فنِّي، في مجال الرواية، وربما لا حظَّ لها يُذكَر في مجال الأدب أصلًا.

وهكذا نُشرت روايات لا روايات فيها، ولا هدف لبعضها- إلى هدف الشُّهرة، وشَرَف المنع من قِبَل الرقابة، ونَعْتِ الجرأة والتمرُّد، وازرقاق العينَين اليماميَّتَين- غير تملُّق الآخَر الغربي. لسان حالها: ها نحن هؤلاء لا نقلُّ عنكم انحلالًا! وهذا هو معيار الحُريَّة والتحضُّر، كما يفهمهما بعضنا في أزمتنا الحضاريَّة (العغربيَّة). أو ربما كانت الرسالة على نحوٍ آخَر، «أَثْوَل» اللِّسان والجنان: ها هي ثقافتنا العَرَبيَّة والإسلاميَّة ثقافة نفاق، ظاهرها طُهوريٌّ، وباطنها حيواني. ولهذه الحالة تاريخٌ عريق، وسَلَفٌ طالح، من أدباء التراث وفقهائه ومؤلِّفيه. لماذا نظلم حضارتنا وفيها ما فيها من تلك الصفحات المشرقة؟! فلئن هزمَنا الغربُ في العلوم والفنون والتقنية، فلا أقلَّ من أن نُثبِت جدارتنا في وجوه أخرى من التفوُّق، وأن نحطِّم الأرقام القياسيَّة في هذا المضمار الحيويِّ من تخطِّي الحواجز! ولعلَّنا نستطيع أن نغزوه مجدَّدًا، كما غزوناه مقدَّمًا، عبر عابرة القارات «ألف ليلة وليلة»، بجواريها وسيِّداتها وغلمانها وعبيدها! ولهذا، فحبَّذا أن تكون المؤلِّفة اليوم، أو على الأقلِّ بطلة النصِّ الروائي، (شهرزاد معاصرة)، كالمرحومة جدَّتها؛ لأنَّ ذلك أنكَى تاريخيًّا وأدلُّ على مقولة: إنَّ التاريخ يعيد نفسه! وتلك هي المهمَّة الجليلة التي اضطلعتْ بمشروع البرهنة عليها بعض الماجدات العربيَّات من شهرزاداتنا المعاصرات!

وفي هذا المقام لامست الكاتبة والناقدة الفنِّـيَّة المغربيَّة (زهرة زيراوي، -2017)- وهي ذات مشاركات بالعديد من أعمالها في جهاتٍ مختلفة، في (المغرب) و(بلجيكا) و(النمسا)- هذه الظاهرة. مشيرةً في مقالة لها تحت عنوان «ما الكتابة؟: هل يُزهر الأدب في الأرض اليباب؟»، ضمن كتاب عنونته بـ«الأرض برتقالة زرقاء/ ما الكتابة؟»، إلى تركيز بعض كُتَّاب الرواية وكاتباتها من العَرَب على الغرائز والعاميَّات، اعتقادًا أنهم بذلك يؤسِّسون لشيءٍ جديد. ولا داعي لذكر الأسماء هاهنا، حتى لا يُستثار «الغضب الملحمي» على الطريقة «الترمبيَّة»! ويأتي في مقابل هذا «العاصوف» الروائي أن تتناول أقلامٌ نقديَّةٌ أعمالًا روائيَّة لمجرَّد احتفائها بما يودُّون الاحتفاء به؛ فإذا «النقد» يرى فيها استثناءً لأنها عرَّت المستور. وهي الحجَّة الرائجة اليوم، تحت شِعار: (كشف المسكوت عنه). وباللَّهجات العاميَّة في بعض الروايات يكتمل سرد الضحالة: سوقيَّة اللُّغة وانحطاط المضامين، التي تعطي للـ(هُوَ)- بمصطلح (سيجموند فرويد)- السيادة المطلقة في البوح بما لا يبوح به الشيطانُ ابن الأبالسة!

ثمَّ تستشهد الكاتبة على تهافت الرواية العَرَبيَّة بأمثلة، للمقارنة مع الرواية المحتفى بها في الغرب، كرواية «الرِّقَّة التي تغتال»، لـ(فرانسواز دورنيه)، الصادرة عام 2004، الحائزة على جائزة أفضل رواية فرنسيَّة، وروايات (شاركدي إمره)، مثل روايته «سمعان العامودي»، أو «المخطوط القرمزي»، للإسباني (أنطونيو غالا). هذا العمل الضخم الذي تقرأ فيه قطعةً من تاريخ الأندلس، و(أبي عبد الله الصغير) آخِر أمراء الأندلس. وهي رواية نالت جائزة بلانيتا عام 1990، التي تُعدُّ من أهم جوائز الرواية في إسبانيا. وهكذا كُتِب هذا الجانب من تاريخنا الأندلسي بقلم روائيٍّ أندلسيٍّ إسباني، ولم يُمِط عنه اللِّثام قلمٌ عربيٌّ؛ لأنَّ رَبعنا الروائيِّين العَرَب مشغولون بحاراتهم، وبما في ثيابهم، وبهمومهم التافهة اليوميَّة! صحيح أنه يحضر في تلك الأعمال الغربيَّة عنصر الجنس، لكنه حضورٌ ذو معنَى، لا تمحُّكًا بدائيًّا مريضًا، كحال بعض الأعمال العَرَبيَّة.

وهنا عَينُ المسألة النجلاء؛ من حيث إنَّ الموقف النقدي ليس من ورود مكونٍ إنسانيٍّ أو اجتماعيٍّ ما في العمل السَّردي، بوصفه مكوِّنًا طبيعيًّا من نسيج العمل، موظَّفًا للتعبير عن قضيَّة، دون تبذُّل، ولا في أسلوبٍ شارح للتفاصيل، التي تعرفها كل الكائنات الحيَّة. بل الموقف من أن يبدو ذلك هو المتن الأساس، والمحكُّ الأوَّل والأخير في تلك الأعمال السرديَّة في العالم العربي- وكذا في الأفلام السينمائيَّة- وكلُّ ما عداه يبدو هامشًا، ووسيلةً إلى غاية. وهنا تصبح الغاية دونيَّةً خُلُقًا، سمجةً إبداعًا.

إنَّ بوسع القارئ أن يجد في العمل الروائي الغربيِّ الجيِّد، وكذا في الفِلْم الغربي، القيمتَين الإنسانيَّة والفنِّيـِّة، بخلاف معظم الأعمال العَرَبيَّة. وذلك- ببساطة- لأنَّ تلك الأقلام والأفلام في سياقنا المكبوت لا قضايا لها، ولا يقف وراءها مبدعٌ حقيقي، بل دَعِيٌّ، يتسوَّل غرائز الناس، أو غِرٌّ يبحث عن شُهرة. فالجمال- حتى في صورته العارية- قيمةٌ عُليا، إنْ ارتفعَ به الذوق الراقي إلى سماوات التأمُّل، الذي يتخطَّى خِسَّة العضويِّ المحض إلى نورانيَّة الروح.

لقد ظلَّ السؤال الجَمالي الأزلي- في مثل هذا الشأن-: هل الجَمال جسد؟ أم هو روح، وفكر، وثقافة؟  والإجابة الصادقة: أنَّه الاثنان.. أو بالأصح الأربعة!  وجَمال الجسد، من حيث هو، قيمةٌ روحيَّةٌ أيضًا، وفكريَّة، وثقافيَّة.  غير أنَّ الإشكال يكمن في اختزال قيمة الجمال في شكل مادَّته، وإهمال جوهره. ولا شكَّ أنَّ الرَّجُل معذورٌ في تطلُّب الجَمال في المرأة، فذاك أمرٌ فطري، والمرأة تتطلَّب مثل ذلك في الرَّجُل.  لأنَّ الحُبَّ شيءٌ وأن تعشق (مكتبة الكونجرس) شيءٌ آخَر!  بَيْدَ أنَّ الجَمال الغَبِيَّ يبدو أقبح من القُبح الذَّكي، لدَى الإنسان السوي.  على حدِّ قول (أبي تمَّام):

لَيسَ الغَبِـيُّ بِسَيِّدٍ فـي قَـومِهِ

لَكِـنَّ سَيِّدَ قَــومِهِ المُـتَغــابي

والسبب أنَّ الإنسان السَّويَّ لا تُحرِّكه نزوعات الغريزة وحدها، ولا ظاهريَّات الخَلْق لحالها، بل هو يتطلَّب درجاتٍ عُليا من الكمال والتكامل، بين جماليَّات الصورة وجماليَّات العقل والروح.  أمَّا الحيوان، فلا يهفو إلَّا إلى ما يُروي غريزته. بل هو لا يفقه حتى في جماليَّات الجسد وأسرارها شيئًا.  وكثيرٌ ما هُم، ولا سيما في ثقافة تشحن الغرائز – بآدابها وفنونها- بمتطلَّبات الحيوان من الحيوان لا الإنسان من الإنسان.

ذلكم، إذن، هو الفارق البيِّن، الذي يُصِرُّ على عدم فهمه بعض الكتَّاب- عجزًا، أو مكابرة، أو تجارة- بين كتاباتٍ استهلاكيَّةٍ غبيَّة، بلا امتدادٍ فكريٍّ، وكتاباتٍ تنظر إلى ما وراء المظاهر والممارسات من قِيَمٍ ودلالات.

...........

* مرفأ:

لَئِنْ كَانَ لِلْكَـوْنِ عَـيْـنَانِ: شَمْـسٌ،

وعَـيْنٌ، بِـعَـيْنِ اللُّـغَـاتِ: القَـمَــرْ

فعَـيْـناكِ شُـهْبُ الكَـوَاكِـبِ، إِمَّـا

تَـرَانَــا نَـرَاهَــا كـحُــلْـمٍ عَــبَـرْ

ولـكِـنْ نَـظَـلُّ نَــدُوْرُ نَــدُوْرُ

كَـمَا دَارَ جَـفْـنَاكِ حَـوْلَ الحَــوَرْ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

في المثقف اليوم