عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

وعلاقته بالشعر العربي الحديث والمعاصر.. دراسة لغوية ونقدية في ضوء التراث العربي وآراء النحاة وفقه اللغة العربية

يشكّل الأدب النوبي أحد أقدم المكونات الحضارية في وادي النيل، إذ يمتد بجذوره إلى الحضارات الكوشية والمروية والممالك النوبية المسيحية، ثم تفاعل مع الثقافة العربية الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي. وقد ظل هذا الأدب قرونًا طويلة شفهيًا، تتناقله الأجيال عبر الأغاني والقصائد والحكايات والأساطير والأمثال، قبل أن يجد طريقه إلى التدوين في العصر الحديث.

ويُعد الشعر النوبي أكثر الفنون الأدبية التصاقًا بالوجدان الجمعي، لأنه يحمل ذاكرة المكان، ويؤرخ للحياة اليومية، ويستبطن العلاقة العضوية بين الإنسان والنيل والأرض واللغة. ومع النهضة الأدبية العربية في القرن العشرين، دخل الشعر النوبي في حوار جمالي وثقافي مع الشعر العربي الحديث، محافظًا على خصوصيته اللغوية والثقافية، ومنفتحًا في الوقت نفسه على تقنيات القصيدة الحديثة ورؤاها.

أولاً: مفهوم الأدب النوبي

الأدب النوبي هو مجموع النتاجات الإبداعية التي عبّر بها النوبيون عن رؤيتهم للعالم بلغاتهم الأصلية أو باللغة العربية، ويضم الشعر، والسرد، والحكاية الشعبية، والأسطورة، والأمثال، والأغنية، والسيرة الشعبية.

ويمتاز هذا الأدب بجملة من الخصائص:

الارتباط الوثيق بالنيل بوصفه محور الحياة.

مركزية المكان والقرية والبيت.

الحنين إلى الوطن بعد التهجير.

حضور الحكمة الشعبية.

كثافة الرمز الطبيعي.

الإيقاع الغنائي.

المحافظة على الذاكرة الجماعية.

وهذه السمات جعلته قريبًا من مفهوم "الأدب الإثني" في الدراسات الحديثة، لكنه يتجاوز هذا التصنيف ليصبح جزءًا أصيلًا من الأدب العربي المعاصر.

ثانياً: نشأة الشعر النوبي

نشأ الشعر النوبي قبل ظهور الكتابة العربية في بلاد النوبة، وكان يعتمد على الأداء الشفهي والإنشاد الجماعي، وكانت القصيدة تؤدى مصحوبة بالموسيقى والرقص الشعبي.

ومن أشهر موضوعاته:

١- الحب.

٢- الفروسية.

٣- الحصاد.

٤- الزواج.

٥- النيل.

٦- الرحيل.

٧- الرثاء.

٧- الحنين.

٩- الحكمة.

١٠- البطولة.

ثم تطور بعد دخول العربية إلى بلاد النوبة، فأصبحت القصيدة تُكتب بالعربية أحيانًا، وبالنوبية أحيانًا أخرى، أو تمزج بين اللغتين في ظاهرة تعكس التفاعل اللغوي والثقافي.

ثالثاً: الشعر النوبي وفقه اللغة العربية

يُعنى فقه اللغة بدراسة الألفاظ من حيث نشأتها وتطورها واستعمالها وعلاقتها بالثقافة.

ومن منظور فقه اللغة، فإن الشعر النوبي يمثل نموذجًا حيًا للتفاعل اللغوي بين العربية واللغات النوبية، دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبان إحداهما في الأخرى.

وقد أشار علماء العربية إلى أن اللغات تتلاقح وتتبادل المفردات، دون أن تفقد خصائصها الجوهرية، وهو ما نجده واضحًا في الشعر النوبي الحديث، حيث تتجاور المفردات العربية والنوبية داخل النص الواحد لتشكّل نسيجًا دلاليًا غنيًا.

رابعاً: موقف النحاة البصريين والكوفيين من اللغات واللهجات

لم يتحدث البصريون والكوفيون عن اللغة النوبية تحديدًا، ولكنهم وضعوا أصولًا عامة يمكن الاستفادة منها في دراسة التفاعل اللغوي.

١. البصريون:

كان علماء البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه، والخليل بن أحمد الفراهيدي، أكثر ميلًا إلى القياس اللغوي، فلم يقبلوا إلا ما ثبت عن العرب الفصحاء، ورأوا أن سلامة العربية تقوم على الاحتجاج بلغة القبائل الموثوق بفصاحتها.

ولذلك كانوا يتحفظون من إدخال الألفاظ الأعجمية في القياس، وإن أجازوا استعمالها إذا شاع تداولها واستقر استعمالها بين العرب.

٢. الكوفيون:

أما علماء الكوفة، وفي مقدمتهم الكسائي والفراء، فقد كانوا أكثر تسامحًا مع اللهجات المختلفة، وأكثر اعتمادًا على السماع، ولذلك قبلوا كثيرًا من الظواهر اللغوية التي رفضها البصريون.

ومن هذا المنطلق يمكن تفسير انفتاح العربية عبر تاريخها على اللغات المجاورة، ومنها اللغات النوبية، من غير أن يختل نظامها النحوي.

خامساً: الشعر النوبي والشعر العربي الحديث

في القرن العشرين، تأثر الشعر النوبي بحركة التجديد العربية التي قادها شعراء مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش.

ويتجلى هذا التأثر في:

الانتقال من الغنائية المباشرة إلى الرؤية الشعرية.

توظيف الرمز والأسطورة.

حضور الذاكرة الجمعية.

اعتماد الصورة المركبة.

توظيف الإيقاع الحر.

تعميق البعد الإنساني.

غير أن الشعر النوبي احتفظ بخصوصيته، إذ بقي النيل والنخلة والقرية والتهجير والحنين ركائز أساسية في بنائه الفني.

سادساً: أبرز شعراء وأدباء النوبة

أسهم عدد من الأدباء النوبيين في ترسيخ حضور الثقافة النوبية في الأدب العربي، ومن أبرزهم:

١- حجاج أدول.

٢- إدريس علي.

٣- عبد الخليل قاسم.

٤- يحيى مختار.

ورغم أن معظمهم عُرفوا بالرواية والقصة، فإن أعمالهم تحمل لغة شعرية عالية، وأسهمت في ترسيخ الحس الجمالي النوبي داخل الأدب العربي الحديث.

من أبرز الأصوات الشعرية هو محمد خليل قاسم، الذي عُرف بكتاباته الأدبية التي استلهمت البيئة النوبية، إلى جانب شعراء معاصرين من النوبة السودانية مثل محمد عبد الحي، الذي أفاد من التراث النوبي والكوشي في مشروعه الشعري، وإن لم يكن شاعراً نوبيًا بالمعنى الإثني. أما كثير من الأدباء النوبيين المشهورين، مثل حجاج أدول وإدريس علي، فقد اشتهروا بالرواية والقصة أكثر من الشعر.

المعرفة

ومن أهم النماذج الشعرية التي تستلهم الحضارة النوبية قصيدة «العودة إلى سنار» للشاعر السوداني محمد عبد الحي، وهي من أبرز قصائد الحداثة العربية التي تستحضر الإرث النوبي والكوشي، ومن أبياتها:

يا سنارُ...

يا وطنًا ينامُ على ضفافِ النيلِ،

ويصحو في دمي،

أعودُ إليكِ محمولًا على ذاكرةِ المياه.

وهذه القصيدة تجعل من النوبة وكوش وسنار رموزًا للهوية الحضارية السودانية، وتمزج الأسطورة بالتاريخ والوجدان الإنساني، ولذلك احتلت مكانة بارزة في الشعر العربي الحديث.

نبذة عن الشاعر

ولد محمد عبد الحي عام 1944 في السودان، ويُعد من أبرز شعراء الحداثة العربية في القرن العشرين. درس الأدب الإنجليزي، وتأثر بالتراث العربي والأفريقي معًا، وسعى إلى تأسيس رؤية شعرية تستلهم الحضارات القديمة، وفي مقدمتها الحضارة النوبية والكوشية. وقد ترك أثرًا عميقًا في الشعر السوداني والعربي حتى وفاته عام 1989.

ولو بحثنا بعمق أكثر عن الشعر النوبي، فمن الأنسب الحديث عن الشاعر النوبي محمد عبد الحي، لأن شعره يمثل نقطة التقاء بين التراث النوبي والشعر العربي الحديث، ويتيح دراسة العلاقة بين الهوية النوبية والحداثة الشعرية من منظور نقدي ولغوي.

إن الشعر النوبي ليس مجرد شعر محلي، بل هو خطاب حضاري وإنساني يعكس تفاعل الثقافات في وادي النيل، ويؤكد أن العربية كانت عبر تاريخها لغةً قادرة على استيعاب التنوع اللغوي والثقافي دون أن تفقد هويتها. ومن منظور فقه اللغة وآراء المدرستين البصرية والكوفية، يمكن النظر إلى هذا التفاعل بوصفه مظهرًا من مظاهر حيوية العربية وثرائها، لا عاملًا يهدد بنيتها أو أصالتها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة نقدية في قصة «أُمومة عازبة» للكاتب: عمر سليمان

ينتمي نص «أُمومة عازبة» للكاتب عمر سليمان إلى السرد المعاصر القائم على التكثيف والتفريغ النفسي. فالقصة النفسية هي التي تتتبع اضطراب الذات وعزلتها الداخلية كما لا تُبنى الحكاية على حدث خارجي صاخب، بل على تشريح عميق لبنية العزلة، من خلال تجربة وجودية تعيشها امرأة وحيدة تقتني طفلًا من السيليكون، ثم تمنحه اسمًا وملامح وصوتًا وحضورًا يوميًا، ليغدو طوق نجاة نفسيًا يعوض جفاف الواقع وصدمات الاغتراب.

الحدث الظاهر بسيط، لكنه يخفي أزمة وجودية مركبة: امرأة لا تجد في الواقع ما يشبع حاجتها إلى الأمومة ، فتبتكر واقعًا بديلًا تتحول فيه الدمية الجامدة إلى كائن حي داخل وعيها ووجدانها.

ثانيًا: العنوان كمفارقة ودليلاً تأويليًا

يحمل العنوان «أُمومة عازبة» مفارقة لغوية ودلالية واضحة؛ إذ يجمع بين لفظين يبدوان متعارضين:

أمومة: تحيل اجتماعيًا وبيولوجيًا إلى الامتلاء، والخصوبة، والرعاية، والامتداد الإنساني.

عازبة: تحيل إلى الوحدة، والفردانية، والغياب، والحرمان العاطفي أو الاجتماعي.

ومن هذا الجمع المتناقض تتشكل بؤرة النص؛ فنحن أمام أمومة بلا زواج، وبلا شريك، وفي النهاية بلا طفل بيولوجي حقيقي.

لا يؤدي العنوان وظيفة تعريفية فحسب، بل يعمل باعتباره مفتاحًا تأويليًا يضع القارئ منذ البداية أمام سؤال جوهري: هل الأمومة فعل بيولوجي فقط، أم يمكن أن تكون فطرة  وحالة نفسية وروحية خالصة؟

ومن خلال تنامي النص، يعيد الكاتب تعريف الأمومة باعتبارها طاقة وجدانية تبحث عن موضوع تتجسد فيه، حتى لو كان هذا الموضوع دمية مصنوعة من السيليكون.

البناء السردي وتقنية «اللامبالاة الموجهة»

يتحرك البناء السردي في النص وفق متوالية تراكمية تبدأ من لحظة الحمل أو تخيل الحمل، ثم الولادة أو اقتناء الطفل، ثم الانتقال إلى البيت، ثم ممارسة تفاصيل الرعاية اليومية (الرضاعة، المناغاة، الملابس، تمشيط الشعر، الحكايات، والبوح بأوجاع العمل والحياة).

تتجلى القوة الفنية في هذا البناء عبر تكرار عبارة «لا يهم»:

«حملته في بطنها تسعة أشهر، أو حملت به بمجرد اتصال الفكرة برأسها وكيانها، لا يهم.»

«خرج للتو من رحمها أو ذهنها، لا يهم.»

يمكن تسمية هذه التقنية بـ «اللامبالاة الموجهة»؛ لأنها ليست تكرارًا عفويًا، بل أداة فنية تؤدي ثلاث وظائف أساسية:

زعزعة اليقين: يجعل التكرار القارئ غير قادر على التمييز بين الحقيقي والمتخيل. هل ولدت المرأة فعلًا؟ أم أنها ولدت الفكرة؟ هل خرج الطفل من رحمها أم من ذهنها؟

إلغاء الحدود بين الجسد والخيال: النص لا يهتم بالتفرقة بين الرحم والذهن، أو بين اللبن والروح، لأن الحقيقة الأساسية فيه ليست مادية، بل شعورية وجدانية.

التمهيد للصدمة الختامية: يمنح التكرار السرد نغمة إلحاح داخلي تشبه التنويم الذاتي، كأن البطلة تقنع نفسها أولًا، ثم تقنع القارئ، بأن الفارق بين الواقع والوهم غير مهم ما دام الإحساس حاضرًا.

المفارقة والصدمة الدرامية

تبلغ القصة ذروتها الفنية في السطر الأخير عبر المفاجأة الكاشفة:

«... مع طفلها (السليكون) ...»

تأتي كلمة «السليكون» كمفتاح تفكيكي يعيد قراءة النص كله. فما بدا أمومة طبيعية يتحول إلى أمومة متخيلة، وما بدا طفلًا حيًا ينكشف أنه دمية جرى شحنها بالعاطفة والخيال.

هنا تتحول الأفعال اليومية الحركية (أرضعته، يقضي حاجته، يناغيها، تُمشط له شعره) من أفعال بيولوجية واقعية إلى إسقاطات وجدانية ذاتية. فالطفل لا يفعل شيئًا في الحقيقة، بل البطلة هي التي تمنحه الحياة من داخلها.

ولا تؤدي هذه المفارقة إلى السخرية من الشخصية، بل إلى تعميق التعاطف معها؛ فالقارئ يدرك حجم الألم الذي دفعها إلى اختراع هذا العالم البديل.

التفكيك النفسي للشخصيات

المرأة: الذات المغتربة

تُقدّم البطلة دون اسم علم، وهذا الاختيار يمنحها بعدًا رمزيًا شاملًا. فهي تمثل كل ذات إنسانية محاصرة بالوحدة، تبحث عن بديل عاطفي يعينها على استمرار الحياة.

لا تبدو المرأة مجنونة بالمعنى المباشر، بل تبدو كائنًا هشًا يستخدم الخيال بوصفه آلية دفاع نفسي أو استراتيجية بقاء إنها لا تهرب من الواقع فحسب، بل تصنع واقعًا موازيًا أكثر رحمة؛ فالطفل بالنسبة إليها ليس دمية، بل مرآة داخلية تعكس رغبتها في الحنان والاحتواء والتواصل.

رمزية اسم الطفل “جاسر"

اختيار اسم «جاسر» المشتق من الجسارة يحمل دلالة محورية في ثلاثة مستويات:

رمز للقوة المفقودة: البطلة هشة ووحيدة، فتمنح طفلها اسمًا يوحي بالقوة والصلابة، وكأنها تعوض ضعفها الداخلي عبر هذا الاسم.

جسر نفسي: يسمح التقارب الصوتي والدلالي بين «جاسر» و«جسر» بتأويل الاسم بوصفه معبرًا نفسيًا تعبر به المرأة من وحدة قاسية إلى عالم من الأنس والرعاية.

المفارقة بين الاسم والمادة: اسم حي وقوي يُمنح لجسد صناعي بارد. وهذه المفارقة تكشف قدرة العاطفة على تحويل الجماد إلى كائن رمزي مشبع بالمعنى.

رمزية الأب الغائب

يحضر الأب في النص بوصفه غيابًا أكثر منه حضورًا؛ فالاتصال الهاتفي الليلي يعكس رغبة البطلة في استكمال صورة الأسرة المثالية. وبذلك لا يقتصر الوهم على الطفل وحده، بل يمتد إلى بنية الأسرة كلها: أم، طفل، أب، بيت، وطمأنينة.

فضلًا عن ذلك تتضافر في النص شبكة كثيفة من الرموز التي تعمق أبعاده النفسية؛ فالسيليكون يمثل المادة الباردة التي تُشحن بعاطفة الأمومة الحارة، متجسدًا كبديل صناعي يلجأ إليه الإنسان المعاصر لترتيق تمزقات الاغتراب. وتتكامل المقابلة بين الرحم والذهن لتعلن انتصار الولادة التخيلية على الولادة البيولوجية، بينما ينقل تحول اللبن إلى روح فعل التغذية من إطعام الجسد إلى شحن الوجدان.

كذلك تتجلى المرآة في النص كمسرح للانقسام بين الحقيقة والوهم؛ إذ يعكس سطحها المادي دمية جامدة، بينما يرى الخيال في ظلالها طفلًا نابضًا بالحياة. أما البيت فيتحول من معزل بارد يجسد الوحدة إلى مكان ممتلئ بالحضور، وتغدو طقوس تمشيط الشعر وشراء الملابس محاولة دائمة لمنح هذا الجماد هوية وبشرة اجتماعية، لتستحيل الحكايات والكتب الأدبية لغة تواصل بديلة تُسمع عبر "أذن الخيال".

التفكيك السيميائي وفق مربع غريماس

يتجلى سبك السرد في قصة «أُمومة عازبة» بصورة أعمق عند إخضاعها للتحليل السيميائي عبر المربع السيميائي لغريماس، والذي يتتبع العلاقات الدلالية الناظمة لعمق النص بين التضاد، والتناقض، والاستلزام من خلال :

1. تحديد المحور الدلالي وتفكيك المفاهيم

يقوم المحور الدلالي المركزي للنص على صراع [تحقق الأمومة / الجفاف الإنساني]، حيث تتحدد الأقطاب الأساسية كالآتي:

المفهوم الأول (S_1): الامتلاء والأمومة الحقيقية (الحياة، الشريك، الإنجاب البيولوجي، الدفء الاجتماعي).

المفهوم الثاني (S_2): الحرمان والعزوبة (الواقع المادي القاسي، آلام العمل، الاغتراب، صمت البيت).

نقيض المفهوم الأول ((S_1 ) ̅):  الوهم الصناعي (طفل السيليكون، الأب الوهمي عبر الهاتف).

- نقيض المفهوم الثاني ((S_2 ) ̅): اللُّا-حرمان أو الأمومة المتخيلة (المناغاة، الرضاعة الروحية، طقوس التمشيط والاطمئنان).

2. حركة العلاقات السيميائية في النص

- علاقة التضاد الأصلي (S_1↔S_2): يمثل التضاد بين الامتلاء البيولوجي والواقع المحروم أزمة البطلة الأولية؛ فالواقع يفرض عليها وضعية الحرمان (S_2) ويرفض منحها وضعية الامتلاء الطبيعي (S_1).

-علاقة التناقض والتحول (S_2→(S_2 ) ̅): أمام انسداد أفق الانتقال المباشر من الحرمان (S_2) إلى الامتلاء الحقيقي (S_1)، تُفصّل البطلة مسارًا سيميائيًا بديلًا؛ فتنتقل من الحرمان إلى اللا-حرمان ((S_2 ) ̅) عبر تعويض نقص الواقع بالطقوس اليومية المتخيلة.

- علاقة الاستلزام والتلازم ((S_2 ) ̅S_1 و (S_1 ) ̅S_2): تحاول البطلة ربط عالمها المتخيل ((S_2 ) ̅) بظلال الامتلاء البيولوجي (S_1) مستعينة بعبارة «لا يهم» لإلغاء الحدود، إلا أن حضور مادة السيليكون ((S_1 ) ̅) يستلزم في نهاية المطاف الانكسار والعودة إلى واقع الحرمان والعزوبة (S_2).

3. مربع الكينونة والظهور (السيماء المظهرية)

يتضاعف عمق المفارقة في النص حين نتأمل المسافة الفاصلة بين الكينونة (Être) والظهور (Paraître)؛ ففي مستوى الكينونة المادية نحن أمام دمية غير حية وعزوبة قاسية، بينما في مستوى الظهور النفسي والمعاش وجدانيًا نحن أمام طفل يتكلم وأسرة مكتملة الشمل. وبتكرار عبارة «لا يهم»، ينجح النص في طمس هذه المسافة، ليجعل الظهور الشعري والنفسي هو الحقيقة الوحيدة التي تعيشها الذات في مواجهة برودة الكينونة المادية.

اللغة وبلاغة التضاد

يعتمد النص على لغة شاعرية ذات إيقاع عاطفي متدفق يناسب الحالة النفسية للبطلة. وتبرز جماليات اللغة من خلال عدة عناصر:

المقابلة بين المادي والروحي: مثل (رحمها/ذهنها، لبنها/ روحها)؛ حيث ينتصر النص دائمًا للروح والخيال على حساب الجسد والمادة.

التفاصيل اليومية: تمنح التفاصيل الصغيرة (الملابس، المرآة، الشكوى من العمل، تمشيط الشعر) الوهم مظهر الحقيقة، مما يزيد من قوة الصدمة الختامية.

التضاد بين الدفء والبرودة: يقوم النص على صراع خفي بين برودة السيليكون وحرارة العاطفة الأمومية التي تحاول شحن الجماد بالنُّبل والحياة.

القضايا الإنسانية والمعاصرة

يطرح النص عدة قضايا إنسانية ووجودية فارقة:

الاغتراب المعاصر: يكشف النص عن وحدة الإنسان في عالم بارد، وعن اضطراره إلى اللجوء إلى بدائل صناعية لسد فجوة العاطفة.

الأمومة كاحتياج لا كإنجاب: يقدم النص الأمومة بوصفها طاقة حب ورعاية، لا مجرد فعل بيولوجي.

سلطة الشعور: يرسخ النص فكرة أن الإحساس الداخلي قد يكون، بالنسبة لصاحبه، أكثر واقعية من المادة الخارجية.

الوهم بوصفه وسيلة نجاة: لا يطرح النص الوهم بوصفه سقوطًا، بل بوصفه محاولة للبقاء في مواجهة الوحدة.

رغم قوة النص وثراء فكرته، يمكن تسجيل ملاحظة فنية تتعلق بالجملة الأخيرة:

«... حياةً شغلتها كثيرًا عن آلامها ووحدتها وعُزوبتها.»

تبدو هذه الجملة شارحة ومباشرة بعض الشيء؛ إذ كان من الممكن أن تزداد النهاية تكثيفًا لو اكتفى الكاتب بكشف حقيقة الطفل السيليكون، وترك للقارئ استنتاج دوافع الوحدة والعزوبة. ففي القصة القصيرة جدًا، يكون الإيحاء غالبًا أقوى من التصريح.

ومع ذلك، لا تفقد النهاية أثرها الفني؛ لأنها تنقل القارئ من مستوى الحكاية إلى مستوى التأمل النفسي العميق، وتعيد تشكيل النص كله في ضوء المفاجأة الأخيرة.

ومجمل القول

لقد استطاع عمر سليمان في نص «أُمومة عازبة» أن يقدم حكاية قصيرة لكنها كثيفة الدلالة، تجمع بين الرهافة النفسية، والمفارقة الفنية، والرمز الاجتماعي، والتماسك السيميائي المعقد. فالطفل السيليكون ليس مجرد دمية، بل هو علامة على فراغ إنساني عميق، ورغبة موجعة في الأمومة والمؤانسة  والاحتواء.

إن البطلة لا تُقدَّم كمادة إدانة أو سخرية، بل باعتبارها كائنًا يحاول النجاة بما تبقى له من خيال. ومن هنا تكمن إنسانية النص؛ فهو لا يحاكم الوهم، بل يكشف الجرح الذي أنتجه، ليتحول إلى وثيقة أدبية عن الأمومة المستحيلة، والعزلة المعاصرة، وقدرة الخيال على خلق حياة بديلة حين يعجز الواقع عن تقديم حياة محتملة.

***

د. نجلاء نصير

.........................

أُمومة عازبة

حملته في بطنها تسعة أشهر، أو حملت به بمجرد اتصال الفكرة برأسها وكيانها، لا يهم. ولدته في عيادة خاصة للولادة لمَن هن مثلها بمجرد وقوع بصرها عليه؛ خرج للتو من رحمها أو ذهنها، لا يهم. حملته إلى بيتها وهي في قمة فرحتها، وعاشت معه فترة النِفاس أو الحيض لا يهم. أرضعته لبنها أو روحها لا يهم.. أسمته باسم أجمل طفل راقها من الحضانة المجاورة، "جاسر".. صارت تهتم به كأي أم رؤوم تتدفق عليه بعاطفتها المكتزة من سنين.. بَنت معه عالمًا مَخمليًا أو صاخبًا لا يهم، في رحاب أسرة سعيدة، يغيب فيها الأب، فتتصل به ليلة كل يوم تطمئن عليه وتُطمئنه على طفلهما الفتان، وتبقى هي وطفلها يُؤنسان بعضهما في اغتباط.. هو يحتاجها وهي تحتاجه.. ملأ عليها حياتها، وأصبح يحتل كل مكان تشغله في المنزل.. تُعامله كأنه يحتوي على رُوحها التي تجعله يتحرك ويبكي ويضحك ويتكلم ويُنادي عليها، يأكل ويشرب، ويقضي حاجته.. تُحدثه، فيستمع لها وهي تشكو له مُعاناتها في العمل، تُفضفض له بما يُحزنها، تبث له أُمنياتها وأحلامها، تقص عليه أحداث يومها في العمل، ومَن قابلتهم في طريقها.. وهو يناغيها بصوته الطفولي الشجي. تُداعبه أينما مرت مُتنقلة بين وظائفها، وإذا فرغت له، تُعانقه في صحوها ونومها.. تهتم بملابسه، تشتري من أجله الملابس الجديدة، كُلما سنحت لها الفرصة، تُمشط له شعره الناعم الغزير، وتبتكر له تسريحات عديدة، وتضحك معه على بعضها أمام المرآة.. تُسمعه ما تقرأه من كُتبها الأدبية المُحبَبة، وتسمع منه حكاياته الجامحة بأُذن الخيال، ثم تُقهقه عليها في جذل..

كم انبهرت بقُدرتها على الخيال الذي صَور لها مع طفلها (السليكون) حياةً شغلتها كثيرًا عن آلامها ووحدتها وعُزوبتها.

***

عمر سليمان

كثيراً ما يرد مصطلح التعالق الأجناسي في الدراسات النقدية دون أن تتضح دلالته لدى القارئ غير المتخصص ومن هنا جاءت هذه القراءة محاولةً تقريب المفهوم والإضاءة على حضوره في النصوص الأدبية وكيف أصبح أحد أبرز ملامح الكتابة الحديثة

إذ كلما ظنّ النقد أنه أحكم إغلاق الأجناس الأدبية داخل حدودها جاءت الكتابة لتفتح باباً جديداً فمنذ ولادة النص الأول لم يكن الإبداع يعترف بالسياجات بل كان يختبر قدرته على العبور وما نسميه اليوم (التعالق الأجناسي) ليس ظاهرة طارئة وإنما الإسم الذي منحه النقد لحركة قديمة ظلت ترافق الأدب كلما اتسعت التجربة وضاقت القوالب

لم تُخلق الأجناس الأدبية لتكون قوالب جامدة وإنما وُجدت لتيسّر قراءة النصوص وفهم خصائصها فحين قسّم (أرسطو) الفنون كان يقرأ طرائق التعبير ولم يكن يسنّ قوانين تمنع الكتابة من النمو غير أن الإبداع ظل أكثر رحابة من كل تصنيف لأن التجربة الإنسانية لا تتحرك في خط واحد فهي تتذكر وتحلم وتتأمل وتحكي في اللحظة نفسها ولهذا أخذت الكتابة تبحث دائماً عن شكل يستوعب هذا الثراء

ومن هنا تتضح دلالة التعالق الأجناسي فهو حوار فني بين الأجناس الأدبية تتبادل فيه طرائق التعبير دون أن تتنازل عن هويتها، فالقصيدة قد تستثمر السرد لتوسيع أفقها الزمني، والرواية قد تستعير التكثيف الشعري لتمنح لحظاتها الداخلية عمقًا أكبر، والمسرح قد يحتضن التأمل الفلسفي ليكشف ما تعجز الحركة وحدها عن الإفصاح عنه. إننا أمام تفاعل يثري النص، ولسنا أمام إلغاء للفوارق بين الأجناس. وتراثنا العربي يقدم شواهد مبكرة على هذه الظاهرة، وإن لم يسمها بهذا الاسم (فالمقامات) مزجت السرد بالإيقاع والبلاغة، ورسائل أبي (حيان التوحيدي) تحركت بين الفكر والأدب. وكتابات (النفري) استعصت على الإنتماء إلى جنس واحد لأن التجربة التي حملتها كانت أوسع من أي تصنيف، وهذا يؤكد أن المصطلحات تتغير أما الإبداع فيسبقها دائماً.

وقد وسّع النقد الحديث هذه الرؤية فأصبح النص يُقرأ كونه كياناً حياً يدخل في حوار مع الأجناس والفنون ويعيد تشكيل أدواته وفق حاجته التعبيرية، لذلك لم يعد السؤال الأكثر أهمية: إلى أي جنس ينتمي هذا النص؟

وإنما: كيف استطاع أن يبني عالمه؟ لأن القيمة الجمالية لا تقاس بعدد العناصر التي يستعيرها الكاتب لكن بقدرته على صهرها في بناء متماسك يشعر القارئ معه أن كل عنصر وجد مكانه الطبيعي

غير أن التعالق الأجناسي لا يتحقق بمجرد جمع أدوات متفرقة فقد يتحول إلى استعراض شكلي إذا غابت الضرورة الفنية

أما حين تفرض التجربة لغتها الخاصة فإن العناصر الوافدة تذوب في نسيج النص حتى تبدو وكأنها وُلدت فيه وعندها يصبح التعالق فعلاً إبداعياً يوسع أفق القراءة ويمنح النص طاقة تعبيرية أكبر

لقد أثبتت الكتابة الحديثة أن الأجناس الأدبية لا تزداد قوة بالانعزال وإنما بالحوار، فكل جنس يحتفظ بخصوصيته ويكتشف في الوقت نفسه إمكانات جديدة عبر انفتاحه على غيره وهكذا يغدو التعالق الأجناسي علامة على حيوية الأدب وليس على اضطرابه

وحين نكف عن سؤال النص: إلى أي جنس تنتمي؟ ونبدأ بسؤاله: كيف صنعت عالمك؟ نكون قد اقتربنا من جوهر القراءة فالنص العظيم يبتكر حدوده بنفسه ويقنع قارئه أن الجمال يولد من صدق الرؤية واتساع أفقها لا من صرامة التصنيف

وخلاصة القول:

 فإن التعالق الأجناسي هو تفاعل فني بين الأجناس الأدبية تتبادل فيه وسائل التعبير دون أن يفقد أيٌّ منها هويته فليس المقصود إذابة الحدود بين الشعر والسرد والمسرح وإنما الإفادة من طاقاتها الجمالية لبناء نص أكثر ثراءً واتساعاً لذلك لم يعد نجاح النص مرهوناً بإنتمائه إلى جنس أدبي واحد إنما بقدرته على توظيف هذه العلاقات في خدمة رؤيته وصياغة تجربة متماسكة تفتح أمام القارئ آفاقاً جديدة للفهم والتأويل

***

مرشدة جاويش

 

نشوة الكتابة المحلّقة في فضاء الروح

حين يفصح الكاتب في مستهلّ نصّه، عن غاية كتابته أو مدى جدواها في الم صاخب مضطرب، فهو – الكاتب- يعطي مفاتيح الكتابة بالقصديّة والوعي العالي لمسار نصّه. هذا ما فعلته الكاتبة بشرى الهلالي وهي تدخل فضاء روايتها "توقيت آخر للحياة" لمسار يبدأ من مقطع حواريّ حاد يبدو إطارًا لرحلتها المثيرة في بلاد غريبة.

"السيدات والسادة المسافرون، نرجو الجلوس في مقاعدكم، وربط الأحزمة استعدادا للإقلاع .....

السيدات والسادة المسافرون، نرجو الجلوس في مقاعدكم، وربط الأحزمة استعدادا ل"...

"الفرق بين لحظة الإقلاع ولحظة الهبوط في رحلة جوية يشبه الدهشة لحظة بداية أيّ فعل، والسكون لحظة نهايته. إنها اللذة الممزوجة باللهفة والترقّب، والنشوة التي تشعل الجسد لتخمد حرائقه مع انتهاء الفعل. هذا تماما ما أشعر به، الآن وأنا أستمتع بتلك القشعريرة التي تسري في جسدي لحظة ملامسة عجلات الطائرة لأرض المطار. "

تنطلق الرواية من نسج فضاء خاصّ يحمل رؤىً وأفكارًا وتأمّلات، أنشأت منها الهلالي حكاياتٍ تتفرّع من الخيط السردي المتصاعد من لحظة إقلاع الطائرة حتى النهاية المدهشة التي أعطت للعمل إطارًا فنيًّا عالي المهارة لأنه أجاب على الكثير من الأسئلة التي ظلّلت معلّقة طيلة الرحلة المثيرة التي بدأتها "ملك" مع "نجوى" رفيقة المصادفة  في رحلة التدريب في أوغندا باعتبارهما موفدتين  من مؤسسة إعلامية كبيرة، كما جاء في الرواية.

شغف الاكتشاف، وفضول الصحفي، والتوق للمغامرة ميّزت شخصية البطلة ملك، التي خرجت من أزمة عاطفيّة ونفسيّة تركت في روحها آثارًا عميقة، لذلك وجدت في هذه الرحلة ملاذًا للتغيير وفسحة للحريّة التي سعت للبحث عنها بعيدًا عن مجتمع تعرّض لمحن وأزمات وصلت ذروتها في التظاهرات التي شهدتها البلاد وأنتجت استقالة رئيس الوزراء بعد أن راح ضحيّة هذه التظاهرات شباب أبرياء.

لستُ هنا بصدد شرح تفاصيل الرواية، لأن مثل هذا الشرح يفسد متعتها ويكشف أسرارها التي حرصت الكاتبة على تنظيم إيقاع كشفها بأسلوب حرفيّ عالٍ وأداء متقن وإدارة متمكنة للشخوص والأحداث. وكذلك بثّ الأفكار بشجاعة وجرأة من النادر أن نجد نظيرًا لها بين الكاتبات العربيّات بسبب الكوابح الاجتماعية والسياسية. لذلك تعدّ بشرى الهلالي من المبدعات اللائي لم يقفن عند حدود الخشية من سوء الفهم أو إسقاط سلوك البطلة على شخصيّتها، وهذا أمر يحسب لها.

بنيت رواية "توقيت آخر للحياة" بأسلوب المحاور المتداخلة بإتقان، فهناك محور أزمات الوطن وما يتعرّض له وسلوك أبناء المنطقة الخضراء و"م"  الذي تميّز من بين الشخصيّات الأخرى باعتماد حرف من اسمه، دلالة على التعميم الرمزي الذي سعت إليه الكاتبة ليكون دالاً على نموذج للسوء، واستغلال الآخرين ومنهم بطلة الرواية التي انتهكها. كما يشمل هذا المحور إشارات للضحايا وما تعرّض لها المطالبون بحقوقهم الشرعيّة، حيث رصدت المؤلفة حالات من داخل منطقة الاحتجاجات وعملها كصحفيّة في نقل الأحداث من خلال التواصل مع عدد من الشباب المحتجّين .

أما المحور الآخر فيتعلّق بالرفقة القسريّة لزميلتها في دورة التدريب "نجوى" التي تتناقض تماما مع شخصيّة" ملك". ومع ذلك فإنها ترتبط بها بمودّة وتتعاطف مع تحفّظاتها والتزامها الاجتماعي الرصين حتى وهي في سفرة من الممكن أن توفّر لها بعض الحريّة، لكن نجوى تحمل طقوس عائلتها وكأنهم معها.

أما المحور الثالث، الذي بدا غرائبيًّا في رصده الأول وحمل إيحاءات تشير إلى التخيّل والوهم في شخصيّة الشبح " موساكا" والعجوز الغامضة في الفندق "ديمبي" جدّة "سيا " عاملة الفندق التي تفاجئها بعبارة تحمل تأويلات عديدة وهي: "لا توقظي الموتى ستعاتبك دماؤهم"، وتاريخ أوغندا ونهاية حكم عيدي أمين عام 1979، وما تركته من تداعيات وأحداث.

أما المحور الرابع فهو شخصيّة عادل العاشق الرومانسيّ الذي يلاحق ملك ويسافر من أجلها إلى أوغندا ليرتبط بها . 

2

استطاعت بشرى الهلالي في روايتها أن تلمّ بقاعدة معلومات وبيانات وأفكار بثّتها عبر المحاور التي أشرت إليها، بإقناع سرديّ متقن وبدون  تكلّف ظاهر، وهذا الأمر يجعلها تنسج حكايتها بالتعامل مع الشخصيّات بدقة، وتحديد للملامح والسمات والسلوك المستند إلى أرضيّة كل شخصيّة. ف "م" تحوّل من  موظف كهرباء بسيط، إلى مسؤول كبير في المنطقة الخضراء الذي لخّص طبيعة سلوكه بمانشيت لافت للنظر هو "لا تثقي بسياسيّ قط، أنا مثلك كنت طيبا، لكن في اللحظة التي وضعت فيها قدمي على ما يطلق عليه (مسرح السياسة) أصبحت قذرا"، وهذه إشارة فكريّة مكثّفة لسرّ معاناة البلد .

ومن الجدير بالإشارة إليه، أن المواقف الوطنيّة التي حملتها أحداث الرواية جاءت من خلال رصد ما يحصل بسرد مشاهد سينمائية من واقع الحدث ووصفها بدقّة متناهية، مع تعميق الإحساس بأن ما يجري يستدعي السعي للتضحية من أجل وطن يتعرّض لانتهاك سافر من قبل ساسته.

إن قدرة بشرى الهلالي على الوصف جعلت شخصياتها وأحداثها واضحة المعالم تتجسّد للقارئ بدقة متناهية.

إضافة إلى نحت بعض الجمل التي ترسّخ التصور الإنساني الذي تهدف الكاتبة لتحقيقه فعبارات مثل "نحن ضحايا جاهزون" أو "علينا أن نداوي جراحنا بأنفسنا قبل أن تلتهمنا" أو تلميحات الجدة العجوز، وتخيّل مستنقع الدم من قبل ملك، وضحايا الديكتاتوريات والحروب، وكذلك ضحايا المجتمع، هي إضمامة من رسائل إنسانيّة حملها جسد الرواية، التي تكللت بالحضور المضيء الآسر لميشيل المرأة الإفريقية، التي تحمل فصولاً من المعاناة إضافة إلى وعي عالٍ وروح إنسانيّة تتجلى نقاء وصدقاً ووجعا لا يكسرها بل يجعلها أكثر قوة ورباطة جأش وقدرة على التعامل مع الظروف، وهي التي تشعر بما تعانيه المرأة العراقية المثقفة الخارجة من جحيم البلاد والتي تعلن عن موقفها في ورشة تدريب تخصّ عمل الصحفي في التعامل مع مناطق النزاع. لقد كانت ميشيل المرأة الأوغندية القوية نافذة أمل لملك وبوّابة دافئة شجّعتها على البقاء في إفريقيا وطرق أبواب مغامرات لابدّ منها في العمل والحياة والمزيد من التجارب المثيرة ومنها السفر إلى كينيا والتعامل مع منظّمة دوليّة فيها.

3

من الهموم الإنسانية التي وسمت بها بطلة الرواية، تعاطفها مع الجدّة "الضحيّة" و "موساكا" الذي بدا في عرضه السرديّ لغزًا، وتشابه فصول القسوة مع ما تعرّضت له من قبل "م" الذي تزوّجها سرًّا، وأجهضت حملها منه وما تعرّضت له العجوز بعد أن صارت من نساء عايدي أمين الذي حملت منه وأخذ منها مولودها الذي ظلّت حتى نهاية حياتها لا تعرف عنه شيئًا، لتتعرض بعد سقوط النظام إلى حملات تعذيب واغتصاب وحشيّ .

هذا التعاطف الإنساني مع هذه النماذج المسحوقة، إضافة إلى الشجن الوطني والحنين للعائلة أبًا  وأمّا وإخوة، دفعت الصحفيّة الموجوعة ملك للمزيد من التحديات والصراعات التي لم تقف عند حدود نماذج الصراع التقليديّة بل عبرتها إلى النظرة الخاصّة لمفهوم الحبّ وسلوك طرفيه، الرجل والمرأة، وما تحمله الرغبات ولحظات المتعة من دلالات ومعاني تبني المؤلفة إزاءها مواقف وأفكاراً وتأمّلات تبدو لا أقول متطرّفة بل ذات نظرة خاصّة ورؤية ذاتية عميقة، حتى مع العاشق عادل، الذي عبر القارّات من أجل أن يحقق لقاء بحبيبته التي تبادل معها رسائل وأمنيات وأحلامًا. لكنها صدمته باختيار الابتعاد عنه والانفصال النهائي وسط هالات الاستغراب التي داهمته... والحيرة التي هيمنت عليه أمام شخصيّة إشكاليّة رسمت لنفسها مسارًا خاصّا ورؤية فلسفيّة عبّرت عنها حين طلبت منها سيرتها الشخصيّة "أخبرتهم ما أعرفه عني لا عن نفسي" وهي تعبير عن عمق الذات وخصوصيّتها التي بنيت على أسس عميقة من قوّة الشخصيّة.

4

اعتمدت الكاتبة بشرى الهلالي في روايتها على عناوين فصول جزأتها وأعطت لكلّ فصل عنوانا دالاً، كما  إنها حرصت على التشويق والمتعة في رصد مسار حكايتها، مع  النهايات المفاجئة المثيرة لكلّ فصل تجعل المتلقي مترقّبًا لما يأتي. كما إنها جعلت روايتها ذات مستويين في التلقّي: الأول وهو الحكائي الظاهر الذي ينساب ببساطة وعفويّة، والثاني وهو الرمزي الذي يحمل إشارات معرفيّة وجماليّة تعبّر عنه مواقف الشخصيّات وسلوكيّاتها.

كما سعت الهلالي إلى إعطاء الصورة الحيّة لإفريقيا الراهنة، بعيدًا عن الصورة الذهنيّة التي يحملها كلّ منا عن هذه القارة السمراء، كما أنها رصدت مظاهرها الحضاريّة والعمرانيّة والمدنيّة.

ومن المهارات التقنية التي تميّزت بها الرواية بناء المواقف التبريرية لحرف مسار الحدث عن طبيعته. حيث تختار ملك بطلة الرواية تأجيل عودتها إلى الوطن بعد انتهاء مدة التدريب من أجل كشف السرّ الذي أرّقها وجعلها تشكّ في مصداقيّة حدوثه، بعد أن وضعت القارئ في جوّ من التخيّلات والطقوس والحركات التي تشير إلى أمر مخفيّ يستدعي فضول التعرّف عليه وكشفه، وهو العجوز التي تتوارى عن الأنظار والشبح الذي سرعان ما يختفي وكأنه كائن شبحيّ فعلاً. لذلك تمدد مدة بقائها وتتنقل من مكان إلى آخر حتى تكتشف السرّ في دوّامة من البحث والكشف والتساؤل وصولاً إلى حقيقة مبتغاة، ومعلومة لا ترغب الكاتبة في الإدلاء بها بشكل إخباريّ بارد لا إثارة فيه . 

5

في الفصل الأخير الذي حمل عنوان "البداية" شعرتُ مع انسياب لغته الهادئ، والتصاعد في الأحاسيس التي قادت البطلة إلى تخوم الغابة وغموضها ودلالاتها، في عزف، شعرت أنه يتماهى مع"سد هارتا" لهيرمان هسّه، والرحلة الغريبة التي تمثّل الإجابة الكبرى على الأسئلة المتشابكة،  بل السؤال الأكبر الذي يفتح باب البداية المحيّرة، والنهاية الموجعة بالسقوط بين الصخور وفقدان الوعي والحوار مع العجوز الضحيّة في رؤية هلامية صادمة، تتناغم مع الهالة الكبرى التي صارت عنوانًا دالاً ذكيّا هو " توقيت آخر للحياة".

 أبارك للمبدعة بشرى الهلالي هذا العمل الروائي المتقن المميز، وإلى مزيد من العطاء والتألق.

***

منذر عبد الحر

 

لأحمد السلطاني

يأتي الكتاب الشعري للشاعر التونسي أحمد السلطاني «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» كاستجابة شعرية مكتملة لأسئلة الوجود في زمن يتداخل فيه الشخصي بالجماعي، والحلم بالحرج. هو رحلة عبر جسر رمزي تمتدّ حباله بين عوامل متعددة: بين طفولة الشاعر في القرى التونسية وبين جروح فلسطين الدامية، بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، بين لغة الشعر ولغة المقاومة.

لغة تعيد تشكيل الواقع

يمتلك الشاعر أحمد السلطاني قدرة عالية على تنشيد عمارة شعرية تقوم على الارتباط الدلالي والتركيبي. فالمفردات لا تسكن معاجمها التقليدية. انها تنزاح نحو آفاق رمزية أوسع. «العروج» يصبح فلسفة وجودية تمزج بين السير المتعثّر والصعود المقاوم والبرزخي، و»الجسر» يتحول من معبر مادي إلى حيز شعري تتقاطع فيه الأزمنة وتعالق الأرواح. حتى «الأيائل» التي تسابق الريح تتحول إلى استعارة للزمن الجارف الذي يلئم العمر دون رحمة، كما يقول الشاعر مخاطباً إياها:

أيّها الأيائل الّتي تسابق الرّيح/ والنهر والعاصفة../ مهلا ألم تتعبي بعد..» (ص 11)

«تُدحرجني باقة الوقت / وتمشين مزهوّة/ نحو الغياب...» (ص 13)

هذا الارتباط اللغوي لا يقتصر على المفردات المنفردة. انه يمتد ليشمل البنية التركيبية للجملة الشعرية. ينسج الشاعر خيوطا بين المتناقضات. «جفّ طلاؤه» يقترن بـ «مازال مورقا»، و«رجل بلا أسنان» يواجه قدره بـ «صمود النخيل». هذه الثنائيات الموروثة تخلق إيقاعا داخليا يعكس الصراع المركزي. صراع الإنسان بين الهشاشة والشدة، بين الذبول والتورد والانتصار. يتجلّى ذلك في قصيدة «البيت والقد جفّ طالاؤه» حين يقول الشاعر:

«أيّها البيت الّذي جفّ طلاؤه/ وتشقّقت صور خلاّنه/ على الجدران/ وتحت السّقيفة والكرمة / أو في الفناء../ مازلت بعد ألقي دلائي/ وأقرفص في صحنك الدّائريّ/ وأنتظر.. أنتظر/ أن أشرب من يديك/ وأكرع من عذاب ما يعلق من مسك الشفاه/ على حافة الفناجين» (ص 50-51)

الذاكرة

يتشكّل الديوان كمشروع لذاكرة في مواجهة النسيان. البيت العتيق الذي جفّ طلاؤه، والبئر الذي احتفظ بعمقه رغم تشققاته، والوجوه التي رحلت وبقيت - كلها عناصر تشيد ما يمكن تسميته «أرشيف وجود». لكن هذا الأرشيف ليس مجرد مخزن للحنين. هو فعل مقاومة يومي ضد حمى الهوية، وضد تلك القوى التي تسعى لطمس معالم الذات والجماعة. يقول الشاعر في قصيدة «أعرج نحو الغياب مفردي»:

«حاولت أن أفعل كلّ شيء بدلاً عنك../ لم تلاحظ الأشجار غيابك/ كنت في الضباح أثر القمح للعابرين/ ....في أوّل الليل أكتب رسائل العشق للغرباء/ وعندما تنام النجوم أحرس الأسماء والأغنيات/ وأنتظر كي تُزهر في الضباح الغيوم» (ص 18-19)

اللافت أن هذه الذاكرة لا تنغلق على ذاتها، بل تنفتح لتستوعب ذاكرة أخرى. ذاكرة الأرض المغتصبة، والشعب المقاوم. فالشارع الذي يفقد أصدقاءه وأسنانه وشبابه، يرى في خساراته الشخصية صدىً لخسارات أمة بأسرها. هذا التداخل العضوي بين الخاص والعام هو ما يمنح الديوان معناه الإنساني واتساعه الرؤيوي.

الشعر كفعل مقاومة

يتحوّل الشعر هنا من فرج جمالي إلى فعل مقاومة وجودي. فالشاعر لا يكتب عن المقاومة فحسب، بل يجعل من الكتابة نفسها شكلاً من أشكال المقاومة. في قصائد مثل «هويّت القنص» و«أغنية أخرى للنصر»، تصبح الكلمة سلاحاً في مواجهة آلة التدمير، وتتحوّل القصيدة إلى «فرّاعة» توقظ الصخور النائمة. يقول الشاعر في «أغنية أخرى للنصر»:

«يا قدس غنّي../ ويا أحرار الأرض غنّوا معنا للنصر/غنّي يا أوراق الزيتون../ ويا كرم ويا عنب ويا تين ويا دُرر/... إنّا انتصرنا فسجّل يا تاريخ/ وقُصّ على الأيام مآثر الفخر» (ص 24)

هذا التحوّل في وظيفة الشعر يجد تعبيره في الازدياح اللغوي نفسه، حيث تتحوّل مفردات العنف والقرب إلى أدوات لكشف الهجينة وتعزية الزيف. وفي قصيدة «رجل بلا أسنان» نقرأ إعلانا مدهشاً:

«لا أملك شيئاً../ ليس لي إرث ولا راتب ولا بيت../ في الخمسن ونيف/ سأغادر وراء العربات/ وحيدا../ أجرّ خيبتتي وانتظاري» (ص 59)

ويؤكد الشاعر في موضع آخر أن الكلمات هي الملاذ الأخير:

«مازلت بعد أتوكّأ على الكلمات../ إنّها عُكازي الأخير...» (ص 37)

شعرية العروج

يقدّم العنوان الرئيسي للديوان «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» مفتاحاً لفهم فلسفة الشاعر الشعرية. «العروج» هنا ليس مجرد سفر وعلو وتخلّص من الواقع، بل موقف وجودي، وفنّ للبقاء في زمن الكسور. إنه الإصرار على الاستمرار، والقبول بالهشاشة مع التمسّك بالصمود. وفي قصيدة عنوان الديوان، يردّد الشاعر:

«مازلت أحبّ أن أمشي/ في شارع الغيم/ وألاحق النّدى والصباحات الخجولة والضباب../ فكيف لك/ كيف لك أيّها الأيائل/أن تذهبي الآن...» (ص 14)

«ومازلت أمضي على البيت العتيق/ فتحدق الروح في كلّ شبر وناحية» (ص 48)

تتجسّد هذه الشعرية في البنية الزمنية للديوان، حيث ينسج الشاعر خيوطا بين أزمنة متعددة: زمن الطفولة الحالمة في الريف التونسي، وزمن الرجولة الحاملة لندوب الغياب، وزمن المقاومة الذي يفصل الانكسار. هذا التداخل الزمني يخلق ما يمكن تسميته «الزمن الشعري المتشظّي»، حيث تتعايش اللحظات المختلفة في فضاء القصيدة الواحدة. يستحضر الشاعر الماضي قائلاً:

«كان لي بئر ودالية/ وكان لي يا ابتي/ هدهد وقُبّرات وسلحفاة/ وشياه تعدن عند الضحى/ إلى كوخ المقيل/ كان لي زيتونة/ وبساط من الخضرة/ فوق الرّبى» (ص 29)

ثم ينتقل إلى وعي الراحلين:

«سافروا نحو الغياب يا أبتي../ وقريباً سيجيء الدور علينا../ غداً ربّما/ أو بعد يومين/ وبعض الدقائق/ سنحزم مع قدوم الفجر حقائبنا والمسير» (ص 32)

آليات التكثيف والاكتناز

رغم ثراء الموضوعات وتنوعها، يحافظ الديوان على كثافة شعرية متميزة. فالشاعر لا يسرف في الوصف ولا يطنب في الشرح. يختزل التجربة في صور مكثفة وعبارات موجزة تحمل دلالية عالية. هذا الاكتناز اللغوي لا يعني الفقر التعبيري. على العكس من ذلك ، ينبع من قدرة الشاعر على اختزال العالم في جملة، وتكثيف التجربة في صورة. من ذلك قوله في قصيدة «الرغيف»:

«كنت غريباً أتوكّأ على العزلة/ وأرعى النجوم والزهرات» (ص 46)

وفي «فصول الغياب»

:مثل غريق../ أمدّ في الفراغ يدي/ وأقول غداً سيمرّ غريب/ وينتبه لأنيني» (ص 106)

قراءات متعددة المستويات

يدعو ديوان «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» إلى قراءات متعددة: قراءة تأويلية تتتبع الرموز وتفكك الانزياحات، وقراءة سياسية تتابع خطاب المقاومة، وقراءة وجودية تتأمل أسئلة الذات والزمن والموت، وقراءة جمالية تستمتع باللغة والإيقاع والصورة. هذا التعدد في مستويات القراءة هو دليل على ثراء النص وقدرته على الحوار مع قارئه من زوايا متعددة. ومن أعمق مقاطع الديوان في هذا السياق قول الشاعر مخاطباً الموت نفسه:

«أنا الموت القابع/ في شقوق الجدار/ وفي كل كوة خلف ستار.../

 أنا القتل الدامي/ وأطل عليكم من وراء الظلام» (ص 71)

وفي المقابل، يبقى الأمل حاضرا:

«من يدري غداً / لعلّ يداً خلف الستار/ أو تحت الركام/ ممدودة بعد../ وكانت كالزهر والشجرة/ كانت كالأمنيات» (ص 86)

جسر الحب والمستقبل

هنا في هذا الرقراق المنساب، رحلة شعرية ترهن بقدرة الشعر على البقاء، وقدرة الإنسان على المقاومة. فالجسر الذي يعرج عليه الشاعر - جسر الحب - قد يكون هشاً في مظهره، لكنه متين في جوهره. إنه الجسر - والذاكرة والمقاومة - الذي يصل بين الماضي والحاضر، بين الذات والآخر، بين الجرح والأمل. وفي ختام الديوان، يتردد صدى هذه الفلسفة:

«غداً سوف نعود / وسوف نمشي الهوينا / ملتحفين براياتنا البيض/ مبتهجين بالخضرة على الجانبين» (ص 95)

«نحن باقون يا أبتي../ ونحن نحبّ الحياة مثل كلّ سكان البسيطة» (ص 102)

ما يقدّمه الشاعر أحمد السلطاني هنا ليس مجرد قصائد، بل رؤية شعرية متماسكة للعالم. رؤية تفضّ الاستسلام، وتؤمن بأن الشعر - هذا الفعل المقاوم بامتياز - يظل أحد تلك الجسور القليلة التي تقودنا، رغم كلّ العواصف، نحو ضفة الكرامة والإنسانية.

***

سعيف علي

"مملكة الأحلام الصغيرة" لرزان الرابي

إنّ علاقتي بأدب الأطفال هي حكاية بدأت قبل أنْ أعرف القراءة والكتابة حينما كانت الأمسيات في حارتنا الفلسطينية تنطفئ على ضوء المصباح، وتشتعل على وهج الحكاية.

فلم تكن مكتبات الأطفال آنذاك قريبة من أيدينا، ولم تكن الكتب المصورة تطرق أبواب بيوتنا كما هي اليوم؛ لذلك كان خيالنا يتغذى من مصدر آخر أكثر دفئًا وصدقًا.

كانت مساءاتنا تبدأ من صوت جدتي فاطمة وهي تنسج لنا الحكايات، ومن عمي الحكيم خليل الذي كان يملك قدرة آسرة على تحويل الليل إلى مسرح، والكلمات إلى كائنات حية تمشي بيننا.

كبرت وأنا أرافق الشاطر حسن في رحلته، وأخاف من الغولة، وأتعاطف مع جبينة، وأبتسم لـ نص نصيص، وأصغي إلى حكايات الفأر والخنفساء، وغيرها من الحكايات الشعبية التي كانت بالنسبة لنا مدرسة خفية تُعلّمنا الخير، والشجاعة، والصبر، والذكاء، والانتماء إلى الأرض والناس.

إنّ تلك الشخصيات لم تكن مرسومة على الورق، لذلك كنت أرسمها وحدي داخل مخيلتي الطفولية.

كنت أمنحها الوجوه التي أحبّ، والألوان التي أتخيل، والبيوت التي أسكنها، والحقول التي أعرفها.

ولهذا بقيت تلك الحكايات ترافقني طويلًا، لقد كانت تزور أحلامي، وتتسلل إلى كتاباتي، وتعيد تشكيل حساسيتي الجمالية كلما تقدمت في العمر.

واليوم، بعد عقود من تلك الطفلة التي كانت تصغي أكثر مما تقرأ، تلك الطفلة التي لم تجد كتابًا جيدًا حتمًا ستصنع عالمها من أي حكاية تصل إليها؛ لذلك فإنّ مسؤولية الكاتب تكمن في أنْ يكتب للطفل، ويكتب عالمًا يستحق أنْ يسكنه الطفل.

ومن هنا تنبع أهمية أدب الأطفال كأحد أكثر الأجناس الأدبية تأثيرًا في بناء الوعي والوجدان والخيال.

فهو لا يعلّم القراءة وحدها، وإنما يعلّم الإنسان كيف يرى العالم، وكيف يسمي الأشياء، وكيف يحبّ الجمال، ويحترم الطبيعة، ويؤمن بالخير، ويصغي إلى اختلاف الآخرين.

إنّ الكتاب الأول الذي يقع بين يدي الطفل قد يترك في ذاكرته أثرًا لا تمحوه عشرات الكتب التي سيقرأها لاحقًا، لأنّ البدايات هي التي ترسم خرائط الروح.

ولعلّ هذا ما جعلني رغم انهماكي خلال الأشهر الماضية في إنجاز التزامات أكاديمية وبحثية متراكمة، وما أحاط بي من ضغوط علمية وثقافية وشخصية إلّا أنني لا زلت أحتفظ بوعد قطعته للصديقة الكاتبة المبدعة رزان الرابي ابنة الأردن الحبيب عندما أرسلت إليّ مجموعتها القصصية.

قلت لها يومها إنني سأؤجل القراءة قليلًا حتى أفرغ من تلك الالتزامات، لأنني لا أريد أنْ أقرأ هذا الكتاب بعين المستعجل، وإنما بعين الناقد الذي يعرف أنّ الكتابة للأطفال لا تقلّ صعوبة عن الكتابة للكبار، فهي تفوقها تعقيدًا.

وعندما فتحت المجموعة أخيرًا شعرت أنني أعود على نحو ما إلى تلك الأمسيات الأولى، إلى صوت جدتي، وإلى دهشتي القديمة، وإلى الطفلة التي ما زالت تسكن داخلي.

غير أنّ الفارق هذه المرة أنّ الحكاية جاءت مرتدية ثوبًا جديدًا يجمع بين جمال النص، وثراء الصورة، ووعي تربوي حديث يجعل الطفل شريكًا في الاكتشاف، لا متلقيًا سلبيًا للموعظة.

ومن هذا المنطلق تسعى هذه القراءة إلى تقديم مقاربة هذه المجموعة كمشروع جمالي وتربوي مستندة إلى مناهج السرديات الحديثة، والسيميائيات، ونقد أدب الطفل، للكشف عن البِنى الفنية والدلالية التي تشكل عالمها، وعن الكيفية التي استطاعت بها رزان الرابي أنْ تجعل من الحكاية مساحة يلتقي فيها الخيال بالمعرفة، والمتعة بالتربية، والبراءة بالوعي.

وعندما فرغت من قراءة المجموعة، وجدتني لا أقرأ سبع قصص منفصلة، وإنما أقرأ مشروعًا سرديًا واحدًا، تتعدد فيه الحكايات بينما تتوحد الرؤية.

فكل قصة تمثل نافذة جديدة على العالم، لكنها تفضي في النهاية إلى الفضاء نفسه، فضاء يؤمن بأنّ الطفل قادر على اكتشاف الجمال، وأنّ الطبيعة ليست ديكورًا للأحداث، فقد باتت شريكًا في تكوين الإنسان، وأنّ المعرفة تبدأ بالسؤال، والخير لا يُفرَض بكثرة المواعظ، وإنما يُعاش داخل التجربة السردية ذاتها.

وما بين أدب الأطفال وكل من التشكيل الجمالي وبناء الوعي فلم يعد أدب الأطفال في ضوء المناهج النقدية الحديثة يُقاس بكمية القيم الأخلاقية التي يقدمها، وإنما أصبح يُقاس بقدرته على تحويل هذه القيم إلى خبرة جمالية يعيشها الطفل دون أنْ يشعر بأنه يتلقى درسًا مباشرًا.

فالفرق كبير بين النص الذي يقول للطفل: "كن صادقًا"، والنص الذي يجعله يختبر الصدق من خلال شخصية يحبها ويتماهى معها.

ولهذا يؤكد بيري نودلمان أنّ الطفل لا يقرأ القصة على أنها خطاب تعليمي، فهي عالم يتشكل أمامه، ونجاح الكاتب يتجلى في قدرته على جعل القيمة جزءًا من نسيج الحكاية، لا ملحقًا أخلاقيًا بها.

فالقصة الموجهة إلى الطفل لم تعد تُبنى على ثنائية الخير والشر وحدها، كما في الحكايات الشعبية القديمة، وإنما أصبحت تعتمد بناءً نفسيًا أكثر تعقيدًا، يجعل الطفل يكتشف الحلول بنفسه، ويشارك في إنتاج المعنى، وهو ما يتقاطع مع مفهوم "القارئ النموذجي" عند أمبرتو إيكو، والذي يرى أنّ النص الناجح هو النص الذي يترك فراغات تأويلية يدعو قارئه إلى ملئها حتى وإنْ كان هذا القارئ طفلًا.

وتبدو هذه الرؤية واضحة في "مملكة الأحلام الصغيرة"؛ إذ لا تلجأ رزان الرابي إلى الوعظ المباشر، فهي تبني عوالمها على الاكتشاف، والدهشة، والتجربة، وهو ما يجعل الطفل يصل إلى القيمة بنفسه.

فلا أحد يجبر الأرنب على القراءة، وإنما تقوده التجربة إلى إدراك أهميتها، ولا أحد يملي على نور أنْ تحب الطبيعة، وإنما تنشأ هذه المحبة من علاقة وجدانية مع الفراشة وأصدقاء الحديقة. وهكذا تتحول القيمة إلى نتيجة طبيعية لتطور الحدث، لا إلى شعار يعلو فوقه.

ومن هنا يمكن القول إنّ المجموعة تنتمي إلى تيار معاصر في أدب الأطفال يسعى إلى الجمع بين المتعة الجمالية والوظيفة التربوية دون أنْ يطغى أحدهما على الآخر، وهو ما يمنحها خصوصيتها ويجعلها جديرة بقراءة نقدية تتجاوز التلخيص والانطباع، لتكشف البِنى العميقة التي تنتظم عالمها السردي.

فإذا كانت صورة الغلاف قد أعادتني إلى طفولتي كذاكرةً للحكاية الشفوية، فإنّ المجموعة "مملكة الأحلام الصغيرة" بما تضمّنته من قصص أعادتني إلى سؤال أكثر عمقًا ألا وهو:

كيف تُبنى الطفولة داخل النص؟ فالقصة الموجهة إلى الطفل لا تُقاس بعدد شخصياتها، ولا بحجم أحداثها، وإنما بالكيفية التي تنجح بها في تشييد عالم يستطيع الطفل أنْ يصدق وجوده، وأنْ يقيم فيه وجدانيًا حتى وإنْ كان هذا العالم قائمًا على الخيال.

وهذه هي المزية الأولى التي تميز مشروع رزان الرابي؛ فهي تبني كونًا سرديًا متماسكًا، تتكرر فيه العلامات والرموز والألوان والشخصيات والفضاءات حتى يشعر القارئ الصغير أنه ينتقل من نافذة إلى أخرى داخل البيت نفسه.

وتنبني المجموعة على رؤية جمالية تجعل الدهشة هي البوابة الأولى للمعرفة، فلا تبدأ الحكايات من حدث صاخب أو أزمة معقدة، إنما تبدأ من لحظة صغيرة، قد تكون فراشةً تحط على كتف طفلة، أو أرنبًا يلهو في الغابة، أو كتابًا بلا عنوان، أو ريشةً تهبط من السماء.

غير أنّ هذه التفاصيل البسيطة تتحول بفعل الخيال السردي إلى محركات للأحداث، وإلى نقاط انطلاق لرحلات داخلية يتغير فيها الأبطال قبل أنْ تتغير الأمكنة.

وهنا تكشف الكاتبة عن وعي واضح بطبيعة المتلقي الطفل؛ إذ تدرك أنّ الطفل لا يحتاج إلى حبكات متشابكة بقدر حاجته إلى حدث يوقظ فضوله، ويجعله يسير مع الشخصية حتى النهاية.

ولعل أول ما يلفت الانتباه أنّ القصص جميعها تنطلق من حركة الاقتراب. فالشخصيات لا تُفرض عليها المغامرة، وإنما تنجذب إليها تدريجيًا.

فنور تقترب من الفراشة، والأرنب يتبعها، والقمر يقترب من الأرض، والطفل يقترب من الكتاب، والحيوانات تقترب من الريشة.

إنّ فعل الاقتراب هذا هو البِنية العميقة التي تحكم المجموعة كلها؛ فالمعرفة لا تأتي من بعيد، وإنما تبدأ بخطوة صغيرة نحو الآخر.

وهكذا يتحول الاقتراب إلى استعارة تربوية تؤسس لفكرة الحوار والانفتاح والاكتشاف.

وتتجلى هذه الرؤية منذ القصة الأولى "نور والفراشة"، والتي تبدو للوهلة الأولى قصةً عن طفلة تدخل حديقةً جميلة، غير أنّ القراءة السردية تكشف أنها قصة عن اكتشاف الذات عبر اكتشاف الطبيعة.

فالفراشة تؤدي ما يسميه فلاديمير بروب وظيفة "المرشد"؛ فهي التي تدفع البطلة إلى تجاوز حدود المكان المألوف، وتفتح لها باب العالم الجديد.

ومن هنا تتخذ الفراشة بعدًا رمزيًا يتجاوز كونها حشرة جميلة؛ فهي تمثل الحرية والتحول والجمال، كما تمثل الوسيط بين الطفل والعالم الطبيعي. لذلك لا تقف الكاتبة عند وصف ألوانها أو حركتها، وإنما تجعلها مفتاحًا لعلاقات جديدة مع الأرنب والسنجاب والزهور، لتصبح الحديقة فضاءً للتعارف لا مجرد فضاء للنزهة.

ومن اللافت أنّ الكاتبة لا تصنع الصراع من خلال الخوف أو العنف، فهي تصنعه من خلال الفضول، والطفل لا يواصل القراءة لأنه يخشى خطرًا داهمًا، وإنما لأنه يريد أنْ يعرف ماذا سيحدث بعد الخطوة التالية.

وهذه التقنية من أنجح تقنيات الكتابة للأطفال؛ لأنها تحافظ على الطمأنينة النفسية، وفي الوقت نفسه تبقي عنصر التشويق حاضرًا حتى النهاية.

إنّ التشويق يولد من الرغبة في المعرفة بعيدا عن التهديد، وهي رسالة تربوية عميقة، تجعل الاكتشاف قيمة في ذاته.

أما قصة "الأرنب الذي أحب القراءة"، فهي تمثل في تقديري المحور الفكري للمجموعة كلها؛ لأنها تنتقل بالطفل من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة دون أنْ تقطع الصلة بينهما.

فالأرنب يتعلم القراءة عبر تجربة وجودية بعيدا عن جدران المدرسة، وبعيدا عن معلم صارم؛ إذ يقوده جهله إلى الضياع، فتتحول القراءة من واجب مدرسي إلى وسيلة لفهم العالم.

وهذه النقلة بالغة الأهمية؛ لأنها تعيد تعريف المعرفة في وعي الطفل. فالكتاب أصبح طريقًا إلى الحرية والاستقلال والثقة بالنفس.

ومن الناحية السردية تعتمد هذه القصة على التحول الداخلي للشخصية، فالأرنب يبدأ رافضًا للقراءة، منشغلًا باللهو، ثم يواجه أزمة تكشف له حدود هذا السلوك قبل أنْ يعيد بناء ذاته من خلال التعلم.

وهذا التحول التدريجي يمنح الشخصية صدقية فنية؛ لأنها لا تتغير بقرار مفاجئ، وإنما عبر خبرة حقيقية.

ومن هنا تنجح الكاتبة في تجنب المباشرة الوعظية، إذ لا تقول للطفل: "اقرأ"، إنما تتركه يعيش مع الأرنب تجربة تجعل القراءة ضرورة يكتشفها بنفسه.

وإذا كانت القصتان الأولى والثانية تنطلقان من الواقع، فإنّ قصة "القمر الذي يزور الأرض" تمثل انتقالًا واضحًا إلى فضاء الخيال، لكنها ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع، بقدر ما هو خيال يفسره ويضيئه.

فالقمر الذي يتحول إلى طفل صغير يرتدي ثوبًا فضيًا، ليؤدي وظيفة عجائبية، ويجسد حلم الطفل الدائم بكسر الحدود بين السماء والأرض.

إنّ الكاتبة تستثمر هنا أحد أقدم الرموز الإنسانية، لكنها تعيد صياغته بلغة تناسب الطفل، فتجعل القمر صديقًا لا جرمًا سماويًا بعيدًا.

ومن منظور سيميائي يمكن النظر إلى القمر كعلامة على الحضور الغائب؛ فهو يهبط إلى الأرض، ويزرع الفرح، ثم يعود إلى مكانه تاركًا أثره في القلوب.

وهذه النهاية تحمل بعدًا تربويًا رفيعًا؛ إذ تؤكد أنّ المحبة تقاس بعمق الأثر الذي يتركه الإنسان في الآخرين.

وهكذا تغدو الرحلة الليلية للقمر رحلة في معنى العطاء، لا في معنى المغامرة وحدها.

وفي هذه القصة أيضًا تتجلى قدرة رزان الرابي على أنسنة الكون؛ فهي تمنح القمر صفات الطفل، وتمنح الطفل صفات الضوء حتى تتلاشى الحدود بين الإنسان والطبيعة.

وهذا التداخل بين العوالم يمثل إحدى السمات المميزة للمجموعة؛ إذ لا توجد قطيعة بين الإنسان والحيوان، ولا بين النبات والإنسان، ولا بين السماء والأرض. الجميع يتحاور، والجميع يسهم في بناء المعنى، وهو ما يرسخ لدى الطفل شعورًا بالانتماء إلى كون واحد، لا إلى عالم منقسم إلى كائنات متفوقة وأخرى هامشية.

ومن هنا يمكن القول إنّ القصص الثلاث الأولى ترسم الملامح الكبرى للمشروع السردي الذي تتبناه الكاتبة، والذي باتت فيه الدهشة طريقًا إلى المعرفة، والطبيعة شريكًا في التربية، والخيال وسيلة لفهم الواقع، والقراءة فعلًا للتحرر، والمحبة لغةً مشتركة بين جميع الكائنات.

وهذه الرؤية هي التي تمنح المجموعة وحدتها الداخلية، وتجعلها أقرب إلى سيمفونية سردية تتعدد فيها الأنغام، بينما تبقى النغمة الأساسية واحدة.

وإذا كانت القصص الثلاث الأولى قد أرست الأساس الجمالي للمجموعة، فإنّ القصص الأربع الأخيرة تمثل مرحلة النضج في المشروع السردي لرزان الرابي، فالكاتبة تنتقل من بناء علاقة الطفل بالطبيعة إلى بناء علاقته بالأشياء، وبالآخر، وبذاته، ثم بالكتاب الرفيق الأبقى في رحلة التكوين الإنساني.

ويبدو هذا واضحًا فترتيب القصص لم يكن اعتباطيًا، وإنما جاء وفق تدرج نفسي ومعرفي يبدأ بالدهشة، ثم بالاكتشاف، ثم بالتعلم، ثم ينتهي بتقديس المعرفة نفسها.

ففي قصة سيارة فهد الزرقاء" لا تقف الكاتبة عند حدود العلاقة التقليدية بين الطفل ولعبته، وإنما تمنح هذه العلاقة بعدًا وجدانيًا يجعل السيارة امتدادًا لمشاعر الطفل، فالطفل في سنواته الأولى لا يفصل بين ذاته والأشياء التي يحبها، ولذلك فإن فقدان لعبته يشبه فقدان جزء من عالمه النفسي.

وقد أدركت رزان الرابي هذه الحقيقة النفسية، فجعلت السيارة تحمل وظيفة رمزية تتجاوز ماديتها، إذ تتحول إلى صديقة تشارك فهد لحظات الفرح والحزن، وتصبح استعادتها استعادةً للأمان الداخلي، لا استعادةً لشيء مفقود فحسب.

ومن منظور سيميائي، فإنّ اللون الأزرق الذي اختارته الكاتبة للسيارة لا يمكن اعتباره اختيارًا عابرًا خاصة إذا لاحظنا حضوره المتكرر في المجموعة، سواء في الفراشة الأولى، أو في السيارة، أو في فضاءات السماء والقمر.

فاللون الأزرق وفق دلالات علم نفس الألوان يرتبط بالسكينة، والاتزان، والثقة، والطمأنينة، وهي القيم التي تسعى المجموعة كلها إلى غرسها في وجدان الطفل.

وهكذا يتحول اللون إلى خطاب موازٍ للنص، يهمس بما لا تقوله الكلمات، ويؤكد أنّ الصورة في أدب الطفل ليست زينة بصرية، وإنما جزء من البنية الدلالية للنص.

ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها لا تجعل المحافظة على الممتلكات قيمةً أخلاقية مفروضة، فهي تجعلها نتيجة طبيعية للمحبة، فالإنسان يحافظ على ما يحب، ولا يحبه لأنه طُلب منه أنْ يحافظ عليه.

وهذا الفارق الدقيق بين التربية بالأمر والتربية بالتجربة هو ما يمنح النص صدقه الفني، ويبعده عن المباشرة التي كثيرًا ما تقع فيها نصوص الأطفال.

وتأخذنا قصة "الأسد وصوت العصفور" إلى مستوى أكثر عمقًا من الرمزية؛ إذ تعيد الكاتبة مساءلة المفاهيم التقليدية المرتبطة بالقوة.

فمنذ الحكايات الشعبية القديمة ارتبط الأسد بالسلطة والهيمنة، بينما ارتبط العصفور بالضعف والهشاشة.

غير أنّ رزان الرابي تعيد ترتيب هذه العلاقة؛ فالأسد على الرغم من قوته يعجز عن تبديد خوف الحيوانات أثناء العاصفة، في حين ينجح العصفور بصوته الرقيق في إعادة الطمأنينة إلى الغابة.

ولا يقتصر هذا التحول على كونه مفارقة حكائية، فهو يمثل انقلابًا في النسق القيمي الذي تقدمه القصة للطفل. فالقوة هنا لم تعد مرادفة للصوت المرتفع أو الجسد الضخم، وإنما أصبحت مرادفة للتأثير الإيجابي، والقدرة على بثّ الأمل في نفوس الآخرين.

وهذه رسالة تربوية بالغة الرقي، لأنها تعيد تعريف البطولة في وعي الطفل، فلا تجعلها مرتبطة بالسيطرة بقدر ارتباطها بالرقة، والحكمة، والقدرة على احتواء الخوف.

وتكشف هذه القصة أيضًا عن وعي الكاتبة بعلم نفس الطفل؛ إذ إنّ كثيرًا من الأطفال يربطون السلطة بالقوة الجسدية، فجاءت الحكاية لتصحح هذا التصور من خلال التجربة السردية، لا من خلال الخطاب المباشر.

وهنا يتجلى نجاح النص في تحويل القيمة الأخلاقية إلى حدث حي، وهو ما يجعل أثرها أعمق وأبقى.

أما قصة "الريشة التي غيّرت الغابة"، فهي من أكثر قصص المجموعة كثافةً من الناحية الرمزية، فالريشة تتحول إلى علامة أخلاقية، وإلى وسيط بين العالم المرئي والعالم القيمي.

فهي تهبط من السماء، وتتحدث بالحكمة، ثم تختفي بعد أنْ تترك أثرها في النفوس، وهذا البناء يذكّر بالرموز العجائبية في التراث الإنساني، حيث تأتي الشخصية المانحة لتوقظ الخير الكامن في الآخرين، ثم تنسحب بعد أنْ تؤدي رسالتها.

غير أنّ رزان الرابي لا تجعل الريشة تصنع المعجزة نيابة عن الشخصيات، فهي تجعلها تفتح أعينهم على الخير الموجود في داخلهم، وهنا تكمن القيمة الفنية للقصة؛ إذ تؤكد أنّ التغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما يبدأ من الداخل. فالريشة لا تمنح الحيوانات قلوبًا جديدة، وإنما تجعلها ترى قلوبها على حقيقتها، وكأنها مرآة أخلاقية تعكس ما استقر في النفوس من خير أو أنانية.

ومن منظور سيميائي، فإنّ الريشة تمثل الخفة والحرية والنقاء، وهي صفات تتكرر في أكثر من رمز داخل المجموعة، بما يؤكد أنّ الكاتبة تبني شبكة رمزية متكاملة، لا مجموعة من الصور المنفصلة، فالطبيعة في هذا العالم لغة ثانية للنص.

وتبلغ المجموعة ذروتها الفنية في قصة "الكتاب الذي يختار قارئه" التي يمكن عدّها البيان الجمالي والفكري للمجموعة كلها.

فالكاتبة هنا تنتقل من الحديث عن القراءة كمهارة، كما في قصة الأرنب إلى الحديث عنها ضمن علاقة وجودية بين الإنسان والكتاب.

إنّ فكرة أنّ الكتاب هو الذي يختار قارئه تبدو للوهلة الأولى فكرة عجائبية، لكنها في حقيقتها استعارة عميقة؛ فالكتاب لا يفتح أسراره لأي أحد، وإنما يحتاج إلى قارئ يمتلك الفضول، والمحبة، والاستعداد الداخلي للحوار معه.

وتحمل هذه القصة صدى واضحًا لما يسميه أمبرتو إيكو "القارئ النموذجي"، أي القارئ الذي يستطيع أنْ يتفاعل مع النص ويكمل معانيه، لا أنْ يكتفي باستقبالها.

ولعل أجمل ما في القصة أنها تجعل الطفل يشعر بأنه شريك في خلق معنى الكتب.

وهنا تبلغ الرسالة التربوية أعلى مستوياتها؛ إذ يتحول الكتاب من أداة تعليم إلى كائن حي، يختار من يستحق صحبته.

وإذا تأملنا المجموعة بأكملها أدركنا أنّ رزان الرابي لا تجعل الأشياء تؤدي وظائفها المألوفة؛ فالفراشة تصبح مرشدًا، والسيارة تصبح صديقة، والريشة تصبح حكيمة، والقمر يصبح طفلًا، والكتاب يصبح كائنًا حيًا.

وهذه التقنية التي تقوم على أنسنة الأشياء وإحياء الجمادات هي من أهم الأساليب التي توسع أفق الطفل، وتجعله ينظر إلى العالم على أنه فضاء حي مليئ بالعلاقات والمعاني.

ومن هنا تتكشف البنية العميقة للمجموعة، فهي تدعو الطفل إلى عيش القيم، وتعلمه كيف يطرح الأسئلة.

إنها مجموعة تؤمن بأنّ التربية الحقيقية تبدأ في الوقت الذي يتحول فيه العالم إلى حكاية، وعندما يصبح كلّ كائن مهما بدا صغيرًا قادرًا على أنْ يكون معلمًا للإنسان.

أقول: إذا كان الأدب في جوهره فعلًا من أفعال إعادة اكتشاف العالم، فإنّ أدب الأطفال يؤدي هذه المهمة في أكثر مراحل الإنسان حساسية؛ إذ يرافق تشكل الوعي الأول، ويشارك في صياغة العلاقة بين الطفل وذاته، وبينه وبين الطبيعة والآخر.

فنجاح الكاتب لا يُقاس بقدرته على تبسيط اللغة، وإنما بقدرته على بناء عالم يظل عالقًا في ذاكرة الطفل بعد أنْ يغلق دفّتي الكتاب، وهذه هي السمة التي تبدو واضحة في سلسلة "مملكة الأحلام الصغيرة"، فهي تراهن على الأثر، وتسعى إلى إشراك الطفل في تجربة جمالية تفضي في نهايتها إلى وعي جديد.

وأول ما يلفت النظر في هذه المجموعة أنّ الشخصيات تنتمي إلى منظومة دلالية واحدة، فالطفلة "نور" تمثل البراءة الأولى التي تنظر إلى العالم بعين الدهشة، والأرنب يمثل الإنسان الذي يكتشف أنّ المعرفة طريق إلى الحرية، والقمر يجسد الحلم الذي يربط السماء بالأرض، والعصفور يختصر القوة الهادئة التي تنتصر بالمحبة، والريشة تصبح رمزًا لنقاء الضمير، أما الكتاب فيغدو المعلم الصامت الذي يرافق الإنسان في رحلته نحو النضج.

وهكذا تتجاوز الشخصيات حدود وظائفها السردية لتتحول إلى رموز إنسانية دون أنْ تفقد عفويتها أو قربها من المتلقي الصغير.

ويُحسب لرزان الرابي أنها لم تُغرق النصوص في الرمزية المجردة، فقد أبقت الرموز منبثقة من قلب الحكاية. فالطفل يستطيع أنْ يستمتع بالقصة دون أنْ يلتفت إلى طبقاتها الدلالية، بينما يجد القارئ الراشد، أو الناقد، شبكة واسعة من العلامات التي تمنح النص قابلية للتأويل.

وهذه الازدواجية في الخطاب تُعد من أبرز خصائص أدب الأطفال الناجح؛ لأنه يخاطب الطفل مباشرة، ويمنح الراشد في الوقت نفسه فرصة لاكتشاف مستويات أخرى من المعنى.

ومن العناصر اللافتة في المجموعة أيضًا حضور الحركة وهي المحرك الرئيس للسرد، فالشخصيات لا تعرف السكون، فهي تمشي، وتبحث، وتتبع، وتلتقي، وتغادر، وتعود.

وهذه الحركة المستمرة تمنح النص حيوية، كما تتناغم مع طبيعة الطفل الذي يتعلم من الفعل أكثر مما يتعلم من الوصف.

لذلك تقل المشاهد الساكنة، ويغلب الفعل على الوصف، ويصبح كلّ انتقال في المكان انتقالًا في الوعي أيضًا. فالحديقة باتت مساحة لاكتشاف الصداقة، والغابة مختبرا للقيم، والمكتبة بوابة لعوالم لا تنتهي.

وتكشف القراءة المتأنية كذلك عن حضور واضح لما يمكن أن نسميه سيمياء اللون، فاللون الأزرق الذي يتكرر في الفراشة، وسيارة فهد، وفضاءات السماء والقمر يؤسس مزاجًا بصريًا عامًا للمجموعة.

إنه لون الطمأنينة، والانفتاح، والخيال، ولذلك يبدو وكأنه الخيط اللوني الذي يجمع القصص كلها في نسيج واحد.

أما الألوان الأخرى فتأتي لتدعم هذا النسق، فتمنح الرسوم قدرة على استكمال ما يعجز عنه اللفظ أحيانًا. ومن هنا لا يمكن النظر إلى الرسوم كعناصر تزيينية، فهي نص موازٍ يشارك في إنتاج المعنى، ويقود عين الطفل إلى تفاصيل قد لا تلتقطها اللغة وحدها.

أما اللغة فتقوم على اقتصاد واضح في العبارة من غير فقر في الدلالة، فالجمل قصيرة، لكنها نابضة بالحركة، والأفعال أكثر حضورًا من الصفات، والحوار يأتي مختصرًا، متوازنًا، يؤدي وظيفته دون أن يقطع إيقاع السرد.

وهذه الخصائص تجعل النص قريبًا من الأذن الطفولية، وتمنحه إيقاعًا موسيقيًا هادئًا ينسجم مع طبيعة القصص. والأهم من ذلك أنّ الكاتبة لم تلجأ إلى التبسيط المخل، فقد حافظت على فصاحة اللغة مع مراعاة المستوى الإدراكي للطفل، وهو توازن يصعب تحقيقه في الكتابة لهذا العمر.

ومن الناحية السردية تعتمد المجموعة على راوية عليمة، لكنها لا تفرض هيمنتها على الشخصيات بقدر ما تقترب من وعيها، وتترك لها مساحة للتعبير عن نفسها.

كما أنّ الزمن يسير في خط مستقيم يخلو من التعقيد، وهو اختيار يتلاءم مع طبيعة المتلقي، في حين تأتي النهايات مغلقة نسبيًا، لكنها لا تغلق باب التأمل، إنما تترك أثرًا وجدانيًا يدفع الطفل إلى إعادة التفكير فيما قرأه.

وإذا عدنا إلى السؤال الذي انطلقت منه هذه القراءة والمتصل بذكريات الطفولة والحكاية الشفوية، أمكن القول إنّ رزان الرابي تنتمي إلى الكتّاب الذين نجحوا في مدّ جسر بين الحكاية الشعبية القديمة والقصة الحديثة.

فالحكايات التي كانت ترويها الجدات لم تكن تعتمد على وفرة التفاصيل، وإنما على قوة الصورة، ووضوح القيمة، وسلاسة السرد، وهذه العناصر نفسها نجدها في "مملكة الأحلام الصغيرة" غير أنها أعيدت صياغتها بما ينسجم مع الطفل المعاصر، الذي يعيش في عالم الصورة المطبوعة والكتاب المصور.

ومن هنا يمكن النظر إلى هذه المجموعة على أنها امتداد للحكاية العربية، لا قطيعة معها.

لقد تغير الوسيط من الصوت إلى الكتاب، ومن الذاكرة إلى الصفحة، لكن الوظيفة الجوهرية بقيت واحدة؛ وهي أنْ تمنح الطفل فرصة لتخيل عالم أكثر جمالًا، وأكثر عدلًا، وأكثر رحابة.

والقراءة النقدية مهما كانت منصفة إلّا أنها لا تكتمل من دون الإشارة إلى بعض الملاحظات التي يمكن أنْ تثري التجربة في الإصدارات اللاحقة.

فمن الممكن توسيع مساحة الصراع الداخلي في بعض الشخصيات بحيث يشارك الطفل بدرجة أكبر في اكتشاف الحلول، كما أنّ تنويع مستويات الحوار، وإفساح المجال أمام نهايات أكثر انفتاحًا في بعض القصص قد يمنح المتلقي مساحة أوسع للتأويل، ويعزز دوره كشريك في بناء المعنى، لا متلقٍ له فقط. وهذه ملاحظات تطويرية لا تنتقص من القيمة الفنية للمجموعة، فهي تنطلق من نجاحها، ومن قدرتها على استقبال مزيد من التطور.

إنّ مجموعة "مملكة الأحلام الصغيرة" تكشف أنّ رزان الرابي تمتلك وعيًا حقيقيًا بخصوصية الكتابة للطفل، فهي لا تكتب من موقع الواعظ، ولا من موقع المعلّم، وإنما من موقع الحكّاءة التي تؤمن بأنّ القصة الجميلة قادرة بذاتها على غرس القيم في النفس الإنسانية. وقد نجحت في بناء عالم سردي متماسك تتناغم فيه الكلمة مع الصورة، والخيال مع الواقع، والجمال مع التربية حتى غدت المجموعة مشروعًا متكاملًا في أدب الطفل يوازن بين المتعة الفنية والرسالة التربوية.

ولعل القيمة الأعمق لهذا العمل تكمن في أنه يعيد الاعتبار للحكاية كفعل ثقافي مؤسس للوعي، ويؤكد أنّ الطفل العربي ما يزال في حاجة إلى نصوص تحترم ذكاءه، وتوسع خياله، وتغرس فيه محبة القراءة والطبيعة والإنسان.

ف"مملكة الأحلام الصغيرة" هي دعوة هادئة إلى إعادة بناء العالم من عين طفل يؤمن بأنّ الفراشة قد تكون دليلًا، وأنّ العصفور قد يكون أقوى من الأسد، وأنّ الريشة قد تغيّر غابة، وأنّ الكتاب، في نهاية المطاف لا يختار إلا القلوب التي تعرف كيف تصغي إلى الحكاية.

عندما أغلقتُ الصفحة الأخيرة من "مملكة الأحلام الصغيرة" أحسست أنني عدتُ على نحوٍ خفي إلى تلك الأمسيات الأولى التي كانت فيها جدتي فاطمة تفتح لنا أبواب الحكاية، ويمنحها عمي الحكيم خليل صوته الدافئ، فتمتدُّ الكلمات جسورًا بين الواقع والخيال. أعترف أنني أدركتُ آنذاك أنّ الزمن قد تغيّر، وأنّ الراوي الشعبي قد سلَّم أمانة الحكاية إلى الكاتب، وأنّ الكتاب الملوَّن أصبح يحمل الرسالة التي كانت تحملها الذاكرة الشفوية قديمًا، غير أنّ جوهر الحكاية بقي كما هو بأنْ تمنح الطفل سببًا إضافيًا ليحبَّ العالم.

لقد استطاعت رزان الرابي أنْ تستعيد هذا الجوهر عبر إعادة ابتكارها للحكاية الشعبية في صيغة معاصرة تحترم ذكاء الطفل، وتؤمن بأنّ التربية الحقيقية تُبنى على الدهشة، وتُغرس بالتجربة الجمالية.

فكل قصة في هذه المجموعة تبدو كنافذة صغيرة، لكنها تفتح أفقًا واسعًا على المعرفة، أو الطبيعة، أو الصداقة، أو الرحمة، أو الخيال حتى تتضافر هذه النوافذ جميعها لتشكّل بيتًا إنسانيًا واحدًا يسكنه الطفل بقلبه قبل أنْ يسكنه بخياله.

ولعل أجمل ما في هذا العمل أنه يعيد الاعتبار إلى قيمة الحكاية في زمن تتزاحم فيه الشاشات وتتراجع فيه مساحة القراءة الحرة، فهو يذكّرنا بأنّ الطفل لا يحتاج إلى مزيد من الوسائط بقدر حاجته إلى قصة صادقة توقظ فيه السؤال، وتمنحه القدرة على التأمل، وتزرع في وجدانه يقينًا بأنّ المعرفة مغامرة جميلة، والكلمة الطيبة قد تغيّر قلبًا كما تغيّر الريشة غابةً، وأنّ تغريدة عصفور قد تهزم ضجيج القوة، وكتابًا واحدًا قد يغيّر مسار حياة كاملة.

"مملكة الأحلام الصغيرة" هي مشروع ثقافي وتربوي يحمل رؤية واعية لدور الأدب في بناء الإنسان منذ سنواته الأولى.

وهي بذلك تؤكد أنّ الكتابة للأطفال ليست أدبًا أقل شأنًا، فهي الكتابة الأكثر مسؤولية؛ لأنها تخاطب البذرة قبل أنْ تصير شجرة، والدهشة قبل أنْ تتحول إلى معرفة، والخيال قبل أنْ يصبح رؤية للعالم.

ويبقى الرهان الحقيقي لأي نص موجَّه إلى الطفل أنْ يظل حيًّا في ذاكرته بعد أنْ يُغلق الكتاب.

وإذا كانت الحكايات التي سمعتها في طفولتي ما تزال تسكن وجداني حتى اليوم، فإنني لا أستبعد أنْ يجد طفلٌ ما بعد أعوام طويلة نفسه يستعيد فراشة "نور"، أو الأرنب الذي أحبّ القراءة، أو القمر الذي نزل إلى الأرض، كما أستعيد أنا اليوم الشاطر حسن، وجبينة، ونص نصيص، والغولة، والفأر والخنفساء. وعندها فقط نتأكّد أنّ الأدب قد أدّى رسالته الأسمى؛ إذ أسهم في تكوين ذاكرة الطفل، وصناعة وجدانه، وترميم علاقته بالعالم إلى جانب تسليته.

وتظلّ الحكاية مهما تغيّرت وسائطها الوطن الأول للطفولة، والبيت الذي تعود إليه الروح كلما احتاجت إلى شيء من الضوء.

***

د. غدير حميدان الزبون

 

من العلامة إلى إنتاج المعنى

ليس الشعر، في جوهره العميق، كلامًا موزونًا أو بناءً لغويًّا تتجاور فيه الكلمات وفق نظام إيقاعي فحسب، بل هو قبل ذلك نظامٌ من العلامات، وشبكةٌ من العلاقات الدلالية التي تتضافر فيها الأصوات والصور والإيقاعات والإيحاءات والرموز، لتُنتج معنى لا يستنفد نفسه في ظاهر القول، ولا ينغلق عند حدود الدلالة المعجمية المباشرة. فالنص الشعري، بما يمتلكه من كثافة لغوية وانزياحات أسلوبية واستعارات ورموز، يتحول إلى فضاء تأويلي مفتوح، تتعدد فيه مستويات القراءة، وتتداخل فيه بنية القول مع بنية المعنى، ويتحول فيه اللفظ من أداة للتعبير إلى علامة مولّدة للدلالة.

ومن هنا تبرز السيميولوجيا بوصفها إحدى أهم المقاربات النقدية التي أسهمت في إعادة النظر في طبيعة النص الأدبي، وفي الكشف عن آليات اشتغاله الداخلية، وعن الطريقة التي تتحول بها اللغة من مجرد وسيلة للتواصل إلى منظومة معقدة لإنتاج المعنى وتوليده. وإذا كان مفهوم العلامة قد وجد إرهاصاته الأولى في التفكير الفلسفي القديم، ولا سيما عند أفلاطون وأرسطو، فإن تطوره اللاحق ارتبط بتاريخ طويل من التأمل في العلاقة بين اللفظ والشيء، وبين الاسم والمسمّى، وبين الدال والمدلول، وصولًا إلى تشكل علم العلامات في صورته الحديثة.

ولا يصحّ، من الناحية التاريخية الدقيقة، اختزال نشأة السيميولوجيا الحديثة في مناظرة واحدة بين الرواقيين والأبيقوريين، كما لا يمكن ردّ مفهوم العلامة في صورته العلمية المعاصرة إلى تلك اللحظة وحدها؛ غير أن الفلسفة اليونانية القديمة قدّمت بالفعل إرهاصات مبكرة للتفكير في العلامة والدلالة والتسمية، وأسهمت المدارس الفلسفية، ومنها الرواقية والأبيقورية، في تطوير النقاش حول العلاقة بين العلامة وما تشير إليه. ثم جاء علم اللغة الحديث ليمنح هذا التفكير بناءً نظريًّا أكثر انتظامًا، خصوصًا مع فردينان دي سوسير، الذي نظر إلى العلامة اللغوية بوصفها اتحادًا بين الدال والمدلول، ومع تشارلز ساندرز بيرس، الذي وسّع أفق النظر في العلامة، فجعلها تقوم على علاقة ثلاثية بين الممثّل والموضوع والمؤوِّل.

ومن هذه المنطلقات يمكن النظر إلى الشعر بوصفه خطابًا سيميائيًّا بامتياز؛ لأن الشاعر لا يستخدم اللغة لكي يقول شيئًا فحسب، بل لكي يجعل اللغة نفسها موضوعًا للرؤية والتأويل. إنّه لا يكتفي بإحالة الكلمات إلى الأشياء، بل يعيد تشكيل الأشياء داخل اللغة، ويمنحها وجودًا جديدًا في المخيلة. فالليل، في القصيدة، ليس مجرد غياب للنور؛ قد يكون علامة على الوحشة أو الموت أو الانتظار أو المنفى. والبحر ليس ماءً ممتدًّا فحسب؛ فقد يصبح علامة على الحرية أو الضياع أو المجهول. والنافذة قد تتحول من عنصر معماري إلى رمز للانتظار والانفتاح، فيما يغدو الباب علامة على العبور أو المنع أو الفقد.

وهكذا لا تعود العلامة الشعرية ذات معنى ثابت ونهائي، بل تصبح كائنًا دلاليًّا متحركًا، تتغير وظيفته بحسب السياق، وبحسب موقعه في بنية النص، وبحسب علاقته بالعلامات الأخرى. فالقصيدة لا تُقرأ باعتبارها مجموعًا من الكلمات المستقلة، وإنما باعتبارها نسقًا من العلاقات؛ إذ إن معنى كل علامة يتحدد، في جانب كبير منه، من خلال موقعها داخل شبكة العلامات التي تحيط بها.

ومن هنا تكتسب التمظهرات السردية أهميتها في قراءة النص الشعري. فالسرد ليس حكرًا على الرواية والقصة، بل يمكن أن يتسلل إلى القصيدة عبر بنية الحدث، وتسلسل الصور، وتعدد الأصوات، وحركة الزمن، وتشكيل الشخصيات، واستحضار الذاكرة، وبناء المشهد. وقد يكون السرد في القصيدة ظاهرًا، وقد يكون مضمرًا، وقد يتخذ شكلًا دراميًّا أو تأمليًّا أو استرجاعيًّا. وفي جميع هذه الحالات لا يكون السرد مجرد حكاية تُروى، بل بنيةً من العلامات التي تتفاعل لتكوين عالم شعري مخصوص.

إنّ القصيدة الحديثة، في كثير من تجلياتها، تتحرك بين قطبين متداخلين: الشعرية والسردية. فالشعر يمنح السرد كثافته وإيحائيته، والسرد يمنح الشعر حركةً زمنيةً ودراميةً وتناميًا في الأحداث. ومن ثمّ فإن التمظهر السردي داخل القصيدة لا يعني تحويل الشعر إلى قصة، وإنما يعني أن البنية الشعرية قد تستعير منطق الحكاية دون أن تتخلى عن جوهرها الإيقاعي والتخييلي والرمزي.

وفي هذا السياق يمكن استثمار مفهوم المربع السيميائي، كما بلوره ألغرداس جوليان غريماس، بوصفه أداة إجرائية للكشف عن البنية العميقة التي تنتظم وراء البنية السطحية للنص. فالمربع السيميائي لا يقوم على ثنائية التضاد البسيطة وحدها، بل يكشف شبكة من العلاقات المنطقية بين المتناقضات والمتضادات وعلاقات النفي والاستلزام، بما يسمح بتتبع التحولات الدلالية التي ينتقل عبرها النص من معنى إلى آخر.

وعلى سبيل المثال، قد يبني النص الشعري عالمه على ثنائية الحضور والغياب، لكن هذه الثنائية لا تظل ساكنة؛ إذ يمكن أن يولد من الحضور غيابٌ داخلي، ومن الغياب حضورٌ رمزي، بحيث يصبح الغائب أكثر حضورًا من الحاضر، ويغدو الفقد شكلًا آخر من أشكال الامتلاء. هنا تتجاوز السيميولوجيا ظاهر الثنائية لتبحث في العلاقات التي تنتج المعنى من داخلها، وفي المساحات الوسيطة التي تتشكل بين الأضداد.

ومن هذا المنظور، لا يكون المعنى في النص الشعري شيئًا جاهزًا ينتظر الناقد كي يستخرجه، بل هو حدثٌ يتكوّن أثناء القراءة. فالعلامة لا تمنح معناها دفعةً واحدة، وإنما تستدعي سلسلة من العلامات والتأويلات التي تجعل النص فضاءً متحركًا لا يستقر عند قراءة واحدة. ولذلك فإن القارئ لا يقف خارج النص، بل يدخل في عملية إنتاج معناه، ويصبح التأويل نفسه جزءًا من الحياة السيميائية للنص.

ولعلّ أهمية سيميولوجيا الشعر تكمن في قدرتها على الانتقال من سؤال: ماذا يقول النص؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف ينتج النص ما يقوله؟ فالمعنى لا يكمن في الكلمات منفردة، وإنما في طريقة انتظامها، وفي علاقاتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، وفي الإيقاع الذي يضبط حركتها، وفي التناصات التي تستدعيها، وفي الصور التي تنقلها من المباشر إلى المجازي.

ومن هنا تأتي ضرورة دراسة النص الشعري عبر مستويات متداخلة، لا عبر تفكيك آلي يفصل اللغة عن جماليتها. فالمستوى الصوتي يكشف عن الإيقاع الداخلي، والتكرار، والتناغم، والتجاور الصوتي، وما تحدثه الأصوات من إيحاءات دلالية. والمستوى الصرفي يتتبع صيغ الكلمات وتحولاتها، وما يمكن أن تؤديه البنية الصرفية من وظائف جمالية ودلالية. أما المستوى التركيبي والنحوي فيبحث في ترتيب الجمل، والحذف، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والانزياح عن المألوف، وهي كلها آليات تسهم في تشكيل المعنى.

ثم يأتي المستوى البلاغي بما يشتمل عليه من استعارة وتشبيه وكناية ومجاز وتضمين، ليرصد كيف تتحول اللغة من دلالة مباشرة إلى فضاء رمزي وإيحائي. ويتصل بذلك المستوى التناصي الذي يكشف عن حضور نصوص أخرى داخل النص الشعري، سواء أكان ذلك عبر الاقتباس الصريح أم التلميح أم الاستدعاء الأسطوري والتاريخي والديني والثقافي. فالنص، في المنظور السيميائي، ليس جزيرة معزولة، وإنما هو ملتقى لخطابات سابقة ولاحقة، تتفاعل داخله ذاكرة اللغة مع ذاكرة الثقافة.

أما المستوى الدلالي، فيمثل قلب العملية التأويلية؛ إذ يبحث في الحقول المعجمية، والثنائيات الضدية، والرموز، والاستعارات المركزية، والمسارات الدلالية التي تنتظم النص من بدايته إلى نهايته. وهنا تتضح العلاقة الوثيقة بين سيميولوجيا الشعر والتأويل؛ لأن العلامة الشعرية لا تكتفي بأن تشير، بل تستفز العقل والخيال لكي يعيدا بناء ما تشير إليه.

وإذا كانت السيميولوجيا تبحث في العلامة، فإن الشعر يختبر حدودها؛ لأن الشاعر يذهب باللغة إلى أقصى طاقاتها، ويجعل من الانزياح وسيلة لإعادة اكتشاف العالم. فالكلمة في النص الشعري ليست مجرد وحدة لغوية، بل هي ذاكرةٌ وصوتٌ وصورةٌ وإيقاعٌ وإيحاء. وكلما ازدادت كثافة العلاقات بين هذه العناصر، اتسعت مساحة التأويل، وأصبح النص أكثر قدرة على مقاومة القراءة الأحادية.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فالشعر، كلما بدا أكثر غموضًا، قد يكون أكثر ثراءً من الناحية السيميائية؛ لأن الغموض الحقيقي ليس انغلاقًا للمعنى، بل تعددًا لمسالكه. والنص العظيم ليس ذلك الذي يقول شيئًا واحدًا بوضوح نهائي، بل ذلك الذي يفتح في المعنى أبوابًا متوالدة، بحيث تصبح كل قراءة بدايةً لقراءة أخرى.

إنّ سيميولوجيا الشعر والتمظهرات السردية، في نهاية المطاف، ليست مجرد تقنية نقدية لتفكيك النص، وإنما هي طريقة في النظر إلى اللغة والعالم والإنسان. فالإنسان نفسه يعيش داخل شبكة هائلة من العلامات: يتكلم بالإشارات، ويقرأ الوجوه، ويفسر الصمت، ويمنح الأشياء دلالاتها، ويحوّل التجربة إلى رموز، والرموز إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سرد. ومن ثمّ فإن الشعر ليس منفصلًا عن هذه الشبكة، بل هو أكثر أشكال الوعي الإنساني قدرةً على كشفها وإعادة تشكيلها.

وبذلك يصبح النص الشعري فضاءً تتقاطع فيه العلامة مع الصوت، والصوت مع الصورة، والصورة مع السرد، والسرد مع الذاكرة، والذاكرة مع التأويل. وكل قراءة سيميائية عميقة لا تنتهي إلى إغلاق النص، بل إلى تحرير طاقته الكامنة؛ لأن وظيفة النقد ليست أن يضع المعنى في قفص، وإنما أن يكشف كيف يولد المعنى، وكيف يتشظى، وكيف يعيد النص إنتاج العالم في صورة أخرى.

فالشعر، في أعمق تجلياته، ليس مرآةً للواقع فحسب، بل هو مختبرٌ للعلامة؛ فيه تتحول اللغة إلى كائن حي، ويتحول الدال إلى طريق نحو مدلولات لا تنتهي، ويتحول السرد من حكاية للأحداث إلى بناء رمزي للوجود. ومن هنا تظل سيميولوجيا الشعر واحدة من أكثر المناهج قدرةً على مقاربة النص الإبداعي في تعقيده، شرط ألا تُختزل في آليات تقنية جافة، وأن تظل وفيةً للطبيعة الجمالية للقصيدة، حيث لا ينفصل العلم عن الفن، ولا المنطق عن الخيال، ولا العلامة عن سرّ الشعر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

توفر عروض منتدى المسرحي مستوى علاقة بين العرض ومتلقيه أكثر حميمية من قاعات المسرح التقليدي، لأن المؤدي والمتلقي يجلسون في مستوى واحد، وأن المسافة بينهما متقلصة إلى أبعد حد، وأجواء العرض تغمر الاثنين معا.

تقع عين المشاهد في لحظة دخوله واستقراره في كرسيه على مفردات المنظر (تصميم وتنفيذ: ضياء حمزة وفكرت حسين): القصب، الجاون مع المدق، الزيز، القارب (أو ما يسمى محليا بـ (القفه) وهي وسيلة نقل في الأنهار والاهوار، دائرية الشكل، استمر وجودها لغاية نهاية الستينيات وربما مطلع السبعينيات في العراق) ألواح الكتابة المسمارية. إنها مفردات منحت الفضاء العرض المسرحي هويته بفعل ترجيعاتها في وجدان وذاكرة المتلقي، لأنها جزء من الإرث الحضاري/ الثقافي لبلاد ما بين النهرين. ويتولد الانطباع الاول عن بيئة الأحداث، ومن خلالها تحددت الهوية/الروح المحلية العراقية، بمعنى آخر لا مفردات مستوردة ولا هجينة مدمجة في هذا العرض، حتى أن ارضية باحة بناية المنتدى فرشت بالتراب ذي اللون المائل للسواد. حبات تمر (الزهدي) نثرت على التراب ودفنت فيه، وهو من أقدم أنواع التمر ويتحمل الخزن لفترات طويلة دلالة التهيؤ لمواجهة الطوفان، وحلول وضع غير طبيعي.3038 play

أفصحت مصممة الأزياء (نور عبد علي) ومحددة وخامتها وملامسها عن أبعاد وهوية الشخصيات القادمة من عمق تاريخ العراق، وجعل التصميم يتوافق مع طبيعة وحركة الشخصية، وقد كسرت الجوارب التي ارتدتها شخصية الجد نسق الازياء -دون اية دلالة واضحة- إذ لم يظهر حافيا مثلما ظهرت الشخصيات الأخرى. وجاءت موسيقى (مرتضى باوه) محملة بشجن تاريخي موغل في القدم.

تظهر الشخصيات واحدة بعد الاخرى، الجد يطرق بحمل عصا يتكئ عليها ويطرق على القارب بها، الأم تتجه إلى الجاون (المهراس) الضخم، لطحن الحبوب بإيقاع متناغم مع طرقات الجد، ويكمل ظهور (سيدرا) مع الة طبل بدائية الصورة السمعية بضبط الايقاع المنسجم، ويهيئ الأجواء الطقسية لسؤال الإنسان الأول: ما الذي فعله الإنسان حتى يتحمل كل هذا؟

يشارك في الإجابة الأجيال الثلاثة الحاضرة في العرض (الجد - الام - الأخوين الشباب: آزر وسيدرا) ويضعونها في وعي المتلقي عبر سلسلة من الأفعال والحوارات المتصاعدة، وصولا إلى احتضان الأخ لأخيه، ليدلل على أن الإخوة بين الناس من مختلف الأجناس والطوائف والثقافات باقية، والمحافظة عليها واجبة، وبها تتم مواجهة الطوفان.

لكل شخصية توجهاتها وأسلوب تعاطيها مع أزمة الطوفان القادمة، وتصارع الشخصيات الأخرى من أجلها، فالشخصيات تعارض بعضها، ويشتعل الصراع فيما بينها من جهة، وتتصارع مع تهديد الطوفان من جهة ثانية، مما يجعل مهمة الإخراج على شيء من التعقيد، وقد فك المخرج شفرات العقد واوصل رؤيته حين حرك الممثلين وجعلهم يتفاعلون مع والمفردات المحيطة بهم، فكانت كل شخصية تفصح عن بنيتها المركبة:

1.  الجد صاحب المسبحة والطاقية، يسرد ذكرياته محدثا (سيدرا): (كانت الأرض تغني إذا ما خطونا عليها، الطين له رائحة الطفولة، كنا نستيقظ مع صوت الديكة، تسبقنا رائحة الخبر، وتلحقنا دعوات الأمهات وهي تلوح لنا عند الماء … أتعلم يا سيدرا أحيانا أظن أن الطوفان لا يريد هدمنا، بل يريد أن يعيد لنا تلك الايام) فالجد يعيش على الماضي أكثر مما يعيش الحاضر، يذهب لمواجهة الطوفان قائلا: (أنا لا اهرب من مصيري، بل امشي اليه بقدمي) يقرر الذهاب بعيدا معتمدا على عصاه، تاركا للأحفاد مسبحته وطاقيته على الأرض.  

2.  الأم تعمل دائماً، قضت وقتها بطحن الحبوب بالهاون (المهراس) تمتعت بهيبة ووقار عال، حتى حين تحاور أبناءها لا يفارق (المدق) الثقيل يدها وتستمر بعملية الطحن القاسية، ظلت طوال العرض محافظة على رباطة جأشها، تكتسي ملامحها بمسحة من الحزن والغضب، في النهاية تخرج للبحث  عن الأب الغائب منذ عشرين عاما لتخبره بما يجري.

3.  الأخ (آزر) الاسم مستعار. يُذَكِر بما ورد في القرآن الكريم في سورة الأنعام آية ٧٤ (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة) يذهب آزر إلى التل ليعصمه من الغرق. قائلا: (إن كان للطوفان أن يصنع مني شيئا، فليصنعه وانا اقف فوق الأرض لا راكعا فوق خشب مهزوز، أريد أن ارى النهاية واقفا، كما يقف آخر جذع في الهور) عندما يتكلم آزر يتلكأ/ يتلعثم في نطق الكلمات، لا لأنه لا يستطيع النطق، يفسر ذلك عندما يقول جملة بليغة (أتلعثم .. ليس لأني لا أعرف الطريق، بل لأني أرى الحقيقة دفعة واحدة، والحقيقة لا تسعها مخارج الحروف الضيقة)

4.  صوت (الطنطل) وهو كائن اسطوري، ما زال حيا في الخيال الشعبي، يظهر في ظلام الطرقات ويسكن الخرائب، يظهر للذين يسكنهم الخوف، يُبلغ (سيدرا) بأن الطوفان لا يغرق الجميع. مما يجعل أمل النجاة يشع في نفسه، ويقوي عزيمته على مواجهة الطوفان.3039 play

5.  سيدرا بطل العرض، تاريخيا ارتبط اسمه بالطوفان، وبالإله (إنكي) الذي أمره بصناعة القارب. انه الوحيد الذي لم يكن سلبيا، حين قرر فعل شيء يواجه به وحشية الطوفان خوفا على الحمامة البيضاء. يتحدث كثيرا عن الماء بصفته رمز التطهر، والطوفان القادم (يريد محو الخطايا) هذه الجملة قالها (سيدرا) لأخيه (آزر)

الحوار والغناء باللغة السومرية أضفى على العرض بعدا تاريخيا/جماليا، حقق تجاوبا وحرك وجدان -بعض- الحضور.  وقد تواصلت مع مخرج العرض (حيدر نجم) مستفسرا عن اللغة الأخرى في العرض فأجابني: (في النص استخدمنا اللغة العربية الفصحى مع مقاطع حوارية قصيرة من اللغة السومرية تُرجمت عن طريق بعض الأصدقاء، والاغنية كذلك باللغة السومرية واستخدمنا لحن بسيط يشبه لحد ما التراتيل البدائية مع مراعاة الإيقاع وفق ما اشتغل عليه الموسيقار الكندي بيتر برينغل بانشاده للنصوص القديمة باللغات الميتة .. الايقاع وفق ما اشتغل عليه الموسيقار الكندي بيتر برينغل بانشاده للنصوص القديمة)

تكررت وبرزت مفردات في لغة الحوار مثيرة للانتباه، منها عربية متداولة وعراقية محلية وأخرى تاريخية: (الماء - الهور - الطوفان - سيدرا - آزر - الجد - امي - الطنطل - السعلوه - المطر - أخي - أبي الغائب) البحث في جذور اللغة وتوظيفها قاد المؤلف/المخرج إلى هذا المزيج، إلى جانب أنها متأتية من بيئة العرض الجغرافية ومتجذرة في وعي الناس.

أسهمت الكتابات في فولدر العرض بإضاءة شيء من فكرة العرض وحفزت على استجلاء مكنوناته، حين وضع كادر العرض بعض كلمات (صلاة سومرية): (يا من تهب الحكمة مثل نور يقطر من الأعماق.. أعيد اسمك إلى الماء والريح كي يعود النور إلى الضفاف التي فقدته)

لم يكتف مصمم الاضاءة (عقيل عبد علي) بتوفير بإحاطة الممثلين والمتلقين بألوان الضوء وحصر مساحة تركيز المشاهدة، بل تعداه إلى استخدام مشاعل النار في محاورة الجد مع سيدرا، زادت من جماليات الاضاءة، إذ توزع الضوء والظل على ملامحهم وأزيائهم مما منحهم بعدا تعبيريا وعمّق تركيز الجمهور عليهم.

جل ما يبتغيه الفنان والمتلقي على حد سواء هو عمل فني يمتلك توازنا بين الصورة البصرية والصورة السمعية وان يشهد الالتحام بينهما، ولن يحدث ذلك ما لم ينبثق السمعي من البصري/ الفكري من الشكلي والعكس صحيح، ينطبق هذا الأمر على الفنون كلها، حتى الموسيقى، فمن خلال الصوت تتولد الصور في مخيلة المستمع. وهذا نفسه ما حرص عليه المخرج (حيدر نجم) في ضبط الاشتباك بين فكرة العرض وشكلانيته، وأظهره بالصورة الخالية من الترهلات المملة والتكرار الرتيب.

حضر عنصر المفاجاة المحمل بما يدفع الصراع للأعلى ويستفز وعي المتلقي، تجلى ذلك في العلامات البارزة التالية وللمتلقي منحها الدلالات المقترنة بها عادة،  أو أن يقرأها بحسب مرجعاياته العقلية والنفسية:

1. التفاحة الهابطة من الأعلى والتفاح المنثور على الارض.

2. نزول المطر.

3. الحمامة البيضاء الميتة.3040 play

لابد من الإشادة بهذا الجهد الحثيث والتعاون المثمر من قبل المؤلف/المخرج الذي يفصح عن مدى الاعتزاز وقوة توظيف لغة أخرى كجزء من تجذير روح العرض وحيويته. ويمكن إطلاق تسمية المخرج المفكر على (حيدر نجم) الذي قاد فريق تمثيل من غير المحترفين وأوصلهم إلى تجسيد شخصيات على درجة من التعقيد والتركيب لانها تاريخيّة، وبالوقت ذاته تقدم أداءها بقراءة معاصرة تماهيا مع فكرة العرض، التي لخصها فريق العرض في الفولدر بقولهم: (نفتح نافذة على الذاكرة الاولى للأرض، هذا العرض محاولة لاستنطاق صمت القصب، والبحث عن الملامح المفقودة لوجوهنا في مرايا الماء التي لا تجامل أحدا)

ثمة أفعال يستمرئها الممثل ويبالغ فيها، لكنها تمر ثقيلة على المتلقي بسبب من استغراقها زمن طويل نسبيا، حتى إن كانت أقل من دقيقة، وهذا ما حدث في لحظات البكاء والنحيب واللطم ونثر التراب على وجه (سيدرا)، بدأ مبالغا من حيث الزمن وفي الآن نفسه ولّد تعاطفا وتفاعلا لفقده العظيم، ولم يسكته إلا احتضان اخوه الذي عاد من اعلى التل ليقول: حتى بعد موت السلام (الحمامة البيضاء) يبقى التئام الأخوة هو الحل.

في أول دروس التمثيل نقول: ايها الممثل تواصل مع الممثل الآخر، وتفاعل بملامح الوجه المعبرة ولغة العيون، لان التسليم والاستلام لا يقتصر على إلقاء الحوار وحسب، بل يشمل الانفعالات والمشاعر. وكثيرا ما يشار إلى النظر إلى براعة الممثل الكامنة في لحظات الصمت أكثر من لحظات الحوار، فقد حدث أن انقطع اثنين من الممثلين عن التواصل مع زملائهم، أحدهما كان يستطلع - في  بداية العرض- وجوه الجمهور الحاضر، والآخر ينسى نفسه بسبب طول فترة صمته رغم أن لديه شغل صامت.  وهذا لا يقلل من الجهود الإبداعية التي بذلها جميع الممثلون (خالد ناصر - رحيم خالد - مرتضى باوه - شيرين سوراني) الذين قدموا إيقاعا محكما إلى حد بعيد.

عضد المخرج مفهوم التجريب لا على صعيد الإتيان بمفردات جديدة بل بتوظيف مفردات تصنع عرضا مسرحيا متماسك موضوعيا مدمج المفردات تلقائيا دون زوائد وترهلات واستطرادات لا معنى ولا طائل منها.

أن يكون المخرج مؤلفاً فهذا يعني أن المخرج لم يجد ضالته في أي من النصوص التي قرأها، فهو يمتلك الفكرة والقدرة على إظهارها وإشهارها بالصورة المستقرة في مخيلته، مع بقاء ألمحك الذي يصطدم به الخيال وهو قدرات الممثلين الإبداعية، وتوفر الإمكانات المادية التي تصنع الفضاء والجو العام، إلى جانب الموسيقى والإضاءة … وغيرها من المتطلبات واللوازم. قدم المخرج (حيدر نجم) رؤية واضحة بملامح أسلوبية مبتكرة.

عرض مسرحية (أورا - مائيا) - رغم الإمكانات الفقيرة ماديا - بدا عميق فكريا، واضح الرؤية، والمخرج (حيدر نجم) ممسك بخيوط المعالجة الفنية منذ البداية وحتى اللحظة الأخيرة، التي تكللت بالتصفيق والتهنئة.

***

ا. د. حبيب ظاهر

....................

عرض مسرحية (أورا - مائيا) انتاج دائرة السينما والمسرح  بناية منتدى المسرح ١٦- ١٨/ ٧/ ٢٠٢٦ الساعة السابعة مساء، زمن العرض خمسون دقيقة.

شعرية الإنكسار الوجودي وجماليات المقاومة الداخلية في قصيدة " أجراس صامتة " للشاعرة الفلسطينية ميسون يوسف نزال

مقدمة الدراسة: لا ينبغي النظر إلى قصيدة " أجراس صامتة " باعتبارها نصا غنائيا يرصد تجربة ذاتية عابرة فحسب، بل ينبغي قرائتها بوصفها بناء شعريا بالغ الكثافة، يقوم على شبكة متداخلة من الاستعارات والانزياحات والرموز التي تجعل من الصمت لغة موازية للكلام، ومن الوجع مادة جمالية، ومن المقاومة فعلا داخليا يسبق كل مقاومة خارجية. فمنذ العنوان، تدخل الشاعرة الفلسطينية ميسون يوسف نزال منطقة شعرية حيث تتجاور المتناقضات، ويتحول الصمت إلى أكثر الأصوات ضجيجا، وتغدو اللغة نفسها محاولة لإنقاذ الإنسان من انكساره الوجودي.

ولا تكمن قيمة هذه القصيدة في موضوعها فحسب، وإنما في الطريقة التي أعادت بها الشاعرة تشكيل التجربة الإنسانية عبر صور شعرية خلاقة تنبض بثراء الدلالة وجمال الإيحاء وتتسم بكثافة الرمز وعمق الإيحاء، وعبر رؤية فلسفية تتجاوز المباشرة، ولغة تنتمي إلى الشعر الحديث بكل ما يحمله من تكثيف وإيحاء وانفتاح على التأويل. فالقصيدة لا تحكي الألم، بل تنتج جمالياته، ولا تصف الغياب، بل تجعل القارئ يعيش انكساراته الداخلية وهزاته الوجدانية وقلقه الوجودي من الداخل.

ومن هنا تنبع أهمية هذه القراءة التي تسعى إلى استجلاء البنية العميقة للنص، والكشف عن جمالياته الفنية، وثرائه الرمزي، وآفاقه الإنسانية، من خلال قراءة نقدية تستجلي أعماقه الدلالية والجمالية، من خلال الوقوف عند العتبات النصية، والبناء السيميائي، وشعرية الصورة، والإيقاع الداخلي، والبعد الفلسفي والوجودي الذي يضفي على القصيدة فرادتها وتميزها.

 العنوان باعتباره عتبة سيميائية وشعرية:

إذا كانت العناوين في الشعر الحديث تمثل المدخل الأول إلى عالم النص، فإن عنوان " أجراس صامتة " لا يؤدي وظيفة التعريف فحسب، بل يؤسس منذ اللحظة الأولى لمفارقة شعرية وسيميائية عميقة تجعل القارئ يدخل القصيدة وهو يعيش حالة من التوتر التأويلي. فالجرس في الثقافة الإنسانية ليس مجرد أداة صوتية، بل هو رمز للإعلان، واليقظة، والاحتفال، والإنذار، واستدعاء الذاكرة الجماعية. أما الصمت فهو نقيض تلك الوظيفة، إذ يحيل إلى انكسار القدرة على الإفصاح والعجز ، والقهر ، والكبت.

ومن هنا، لا تبدو عبارة " أجراس صامتة " مجرد تركيب لغوي قائم على الجمع بين المتناقضات، وإنما تتحول إلى استعارة كبرى تختزل التجربة الشعرية كلها. فالصمت هنا ليس غيابا للصوت، بل هو صوت من نوع آخر، هو صوت يعلو كلما عجزت اللغة عن احتواء حجم الألم، حتى يغدو الصمت نفسه أكثر بلاغة من الكلام. وبهذا المعنى، تنجح الشاعرة في تحويل العنوان إلى نواة دلالية تنبثق منها مختلف الصور والرؤى التي ستتوالد داخل النص.

ويكشف العنوان كذلك عن وعي شعري ببلاغة المفارقة، وهي من أهم سمات القصيدة الحديثة، إذ لا يقدم معنى جاهزا، بل يفتح أمام القارئ أفقا واسعا من التأويل. فالجرس الذي فقد صوته لا يعني أنه فقد وجوده، وإنما يوحي بأن هناك قوة ما حالت دون أداء رسالته. ومن هنا يبدأ السؤال المركزي الذي يرافق القصيدة كلها: من الذي أسكت الأجراس ؟ أهو الخذلان؟ أم الغياب؟ أم قسوة الزمن؟ أم انكسارات الذات ؟ أم جراح الوطن؟

وتزداد هذه العتبة غنى وثراء حين نربطها بخاتمة القصيدة؛ فالسؤال الأخير: " كيف يحنو الشريان على القلب دون أن يدفعه للانتحاب؟ " يعيد إنتاج المفارقة نفسها بصورة مغايرة. فكما أن الجرس صامت وهو مخصص للرنين، فإن الشريان والذي من المفروض أنه مصدر الحياة، يصبح نفسه سببا للألم. وهكذا تتحول القصيدة إلى بناء دائري محكم، حيث يبدأ بمفارقة وينتهي كذلك بمفارقة، فيفصح عن هندسة فنية دقيقة لا تقوم على المصادفة، وإنما عن وعي جمالي عميق.

ولا يخفى كذلك أن اختيار الشاعرة لكلمة " أجراس " بصيغة الجمع، بدل "جرس " بالمفرد، لا يبدو اختيارا اعتباطيا، بل يحمل دلالة إيحائية ثرية. فالصمت هنا ليس صمتا فرديا، بل هو صمت جماعي، حيث يمتد إلى الذوات، والأمكنة، والذكريات، والأحلام، بل إن هذا الصمت يمتد إلى وطن بأكمله. وهنا يتجاوز العنوان حدود التجربة الذاتية ليغدو مرآة لإنكسار إنساني وجمعي، وهو ما يمنح النص بعدا كونيا يتخطى حدود الزمان والمكان.

إن الشاعرة ميسون يوسف نزال لم تضع عنوانا يزين القصيدة، بل صنعت شفرة جمالية تختزل رؤيتها الشعرية كاملة. فمن خلال كلمتين فقط استطاعت أن تفتح أمام القارئ فضاء من الأسئلة الوجودية، وأن تؤسس منذ البداية لحوار عميق بين بنيتي الصوت والصمت، والحياة والموت، والأمل والانكسار، والذاكرة والنسيان. وتلك قدرة لا يمتلكها إلا شاعر يدرك أن العنوان ليس هامشا للنص، بل هو بوابته الأولى وأحد مفاتيح تأويله الكبرى، و مركز الثقل الذي تنتظم حوله القصيدة بأكملها.

شعرية الإنكسار الوجودي: حين يتحول الألم إلى مشروع جمالي:

منذ مطلع القصيدة، تدخلنا الشاعرة ميسون يوسف نزال إلى فضاء الحزن لا بوصفه انفعالا عابرا، بل بوصفه حالة وجودية عميقة تتجاوز حدود الذات الفردية لتلامس سؤال الإنسان في مواجهة الزمن والغياب والخذلان.

 ولهذا تبدأ القصيدة بقولها:

" ذاتَ حزنٍ متلكئ

في ساحاتِ الغياب... "

وهنا تتجلى أولى علامات التميز الفني في النص، فالحزن لا يوصف بكونه كبيرا وعميقا، كما هو مألوف في الخطاب الشعري، وإنما تصفه الشاعرة بأنه " متلكئ " . وهذا الاختيار الدقيق يمنح الحزن بعدا زمنيا ونفسيا في آن واحد، فهو ليس ألما عابرا يمر ويزول، وإنما وجع يتباطأ عمدا، ويتخذ من الزمن وسيلة لتعميق أثره في النفس. وكأن الشاعرة تقول إن أقسى أنواع الألم ليست تلك التي تصدم الإنسان، بل تلك التي تقيم فيه طويلا حتى تصبح جزءا من كيانه.

ثم تنتقل مباشرة إلى صورة أكثر كثافة وإيحاء:

" لسعاته تمطر سنابل

تحصدها مناجل العذاب. "

إنها صورة شعرية تعيد تشكيل قوانين الطبيعة وفق منطق الخيال الشعري المغاير، فالسنابل في المخيال الإنساني، ثمرة الخصب والنماء، غير أن الشاعرة تجعلها هنا وليدة اللسعات، ثم لا تلبث أن تسقطها تحت مناجل العذاب. وهكذا يتحول الحقل الذي يمثل عادة رمز الحياة، إلى فضاء للحصاد المأساوي. ولا يعود العذاب نتيجة للألم، بل يصبح هو الحاصد لكل إمكانية في النمو والأمل.

وهذه القدرة على قلب العلاقات الطبيعية بين الأشياء تكشف عن شاعرية عالية، تجعل الصورة لا تكتفي بالوصف، بل تبدع عالما جديدا تتحكم فيه قوانين الإنكسار والألم لا قوانين الواقع.

ويستمر هذا البناء الوجودي حين تقول:

" شمسُ الغروبِ

حفنة أضواء تتلقى العتاب. "

إن الشاعرة لا تكتفي باستدعاء صورة الغروب، وإنما تعيد تشكيلها بصورة مبتكرة. فالشمس، التي اعتادت أن تكون رمزا للنور والقوة والحياة، تتحول هنا إلى حفنة أضواء، أي إلى بقايا ضوء تتعرض بدورها للعتاب، وكأن الضوء نفسه أصبح عاجزا عن إنقاذ الإنسان من عتمته.

إنها لحظة ينهار فيها حتى الرمز التقليدي للأمل، فيصبح النور بحاجة إلى من ينقذه.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المقطع هو أن الشاعرة لا تستسلم لهذا الانهيار، بل تظل تبحث عن معنى وسط الركام، فتطرح سؤالا وجوديا بالغ العمق:

" لست أدري

أكانون يلسع ملامحَ فجري

أم نبضات قلبي

لم تعد تتقن فن الإياب ؟ "

وهنا تبلغ القصيدة ذروة توهجها الدلالي، حيث السؤال لا يبحث عن جواب، وإنما يكشف عن انقسام الذات بين سببين محتملين للانكسار: هل هذا الانكسار وليد العالم الخارجي، ممثلا في قسوة الزمن، أم أنه ينبع من الداخل، حيث فقد القلب القدرة على العودة؟ "

وهذا التردد بين الخارج والداخل هو ما يمنح القصيدة بعدها الفلسفي، حيث لا تعود الأزمة مجرد انعكاس لحدث محدد، بل تتحول إلى سؤال وجودي مفتوح، تتقاطع فيه الذات مع الزمن، والذاكرة مع المصير.

ولعل أجمل ما في هذا البناء الشعري أن الشاعرة لا ترتهن لخطاب الشكوى المباشرة، بل تظل وفية للغة الرمز والإيحاء، فهي لا تصرخ، وإنما تجعل الصور هي التي تصرخ، ولا تبكي، وإنما تترك الاستعارات تبكي نيابة عنها. ولذلك تبدو القصيدة أكثر تأثيرا، لأنها لا تفرض الألم على القارئ، بل تجعله يكتشفه بنفسه عبر شبكة من الصور والانزياحات الموحية.

ومن هنا يمكن القول إن الشاعرة ميسون يوسف نزال لا تكتب قصيدة عن الحزن، وإنما تكتب قصيدة بالحزن، أي إن الإنكسار والوجع ليس موضوع النص، بل هو المادة التي شيّد منها البناء الشعري كله. وهذا ما يمنح القصيدة وحدتها العضوية، ويجعل كل صورة فيها تنتمي إلى رؤية واحدة، ترى أن الألم ليس نهاية الإنسان، بل بداية وعيه العميق بذاته وبالعالم.

 سيميائية الجسد: حين يتحول القلب إلى وطن للجراح، ويصبح الشريان شاهدا على المأساة:

من السمات الفنية اللافتة في قصيدة " أجراس صامتة " أن الشاعرة لا تكتفي ببناء عالمها من عناصر الطبيعة كالغياب، والغروب، والخريف، والضباب، وإنما تنتقل تدريجيا إلى فضاء أكثر عمقا وحميمية، هو فضاء الجسد الإنساني. غير أن هذا الجسد لا يحضر بوصفه مادة بيولوجية، بل يتحول إلى نص مواز، تكتب عليه آثار الذاكرة، وتسجل فيه ندوب الخذلان، وتنبض داخله مقاومة صامتة لا تقل قوة عن صخب الكلمات.

فمنذ قولها:

" تمزق أوردتي

ألسن التيه المتأرجحة خلف الأبواب.»

يتحول الجسد إلى مسرح للتمزق الوجودي. فالأوردة، التي تمثل مجاري الحياة، لا تنهكها جراح مادية، وإنما تمزقها " ألسنة التيه "، وهذه استعارة مركبة بالغة الدقة، إذ تمنح التيه لسانا، وتجعل هذا اللسان أداة للتمزيق، وكأن الضياع لم يعد حالة نفسية، بل صار كائنا مفترسا يتسلل إلى الداخل، ويعبث بمراكز الحياة نفسها.

واللافت أن الشاعرة لا تقول إن التيه يقيم في القلب، بل تجعله "خلف الأبواب "، وهذه الإضافة الصغيرة تفتح أفقا تأويليا واسعا، فالأبواب لا تؤدي وظيفة مكانية فحسب، بل تتحول إلى رمز للحدود الفاصلة بين الداخل والخارج، وبين الحماية والانكشاف، وبين الذات والعالم. وحين يصبح التيه خلفها، فإن الخطر يغدو دائم الترقب، حاضرا على العتبة، مستعدا للتسلل في كل لحظة. وهكذا يتشكل إحساس دائم بالحصار، لا يحتاج إلى وصف مباشر، لأن الصورة الشعرية ذاتها تنقله بكثافة إيحائية عالية، وتحول القلق الداخلي إلى مشهد رمزي نابض بالحضور والتوتر.

ثم تمضي الشاعرة إلى صورة أخرى لا تقل عمقا:

" أم نبضات قلبي

لم تعد تتقن فن الإياب ؟ "

وهنا تبلغ اللغة مستوى رفيعا من الانزياح الشعري. فالنبضات لا تعود ولا ترحل في معناها الحرفي، لكن الشاعرة تمنحها إرادة، وتجعلها عاجزة عن ممارسة " فن الإياب " ، ولم تقل " العودة " بل اختارت كلمة " فن "، وكأن الرجوع إلى الطمأنينة أصبح مهارة مفقودة، أو حكمة لم يعد القلب قادرا على امتلاكها.

إن القلب في هذه القصيدة ليس عضوا بيولوجيا، بل هو رمز للذاكرة والحنين والإيمان بالإنسان. ولذلك فإن اضطراب نبضه يعني اختلال التوازن الوجودي كله، لا مجرد اضطراب عاطفي عابر.

وتبلغ هذه السيميائية ذروتها في خاتمة القصيدة، حين تقول:

" فقط أخبروني

كيف يحنو الشريان على القلب دون أن

 يدفعه للانتحاب! "

إن هذه الخاتمة من أجمل ما في النص، لأنها لا تكتفي بإثارة الدهشة، بل تفتح بابا واسعا للتأويل. فالشريان، في طبيعته، مصدر للحياة، وهو الذي يغذي القلب ليستمر في النبض. غير أن الشاعرة تقلب هذه العلاقة الطبيعية، وتجعل ما يفترض أن يكون سببا في البقاء هو نفسه السبب في الانتحاب.

وهنا يغدو الشريان أكثر من عضو في الجسد، إنه قد يرمز إلى القريب الذي يجرح، أو إلى الذاكرة التي لا تكف عن استدعاء الألم، أو إلى الوطن الذي يمنح أبناءه الحياة والإنكسار في آن واحد. وهذه القدرة على ترك الرمز مفتوحا أمام احتمالات متعددة هي إحدى تجليات النضج الجمالي حيث لا تختزل الدلالة في معنى واحد، بل تظل منفتحة على إمكانات التأويل، بما يجعل النص قادرا على التجدد في وجدان كل قارئ وفق أفقه وتجربته الخاصة.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الجسد في هذه القصيدة بوصفه خريطة للمعاناة. فالأوردة تتمزق، والنبض يتعثر، والقلب يوشك على الانتحاب، لكن الجسد لا ينهار. إنه يتألم، نعم، لكنه يواصل المقاومة. ومن هنا تتحول الأعضاء الجسدية إلى رموز لرحلة الإنسان في مواجهة الانكسار، حيث يصبح الصمود فعلا داخليا يسبق كل انتصار خارجي.

وهذا ما يمنح النص عمقه الإنساني، إذ إن الشاعرة لا تجعل الجسد موضوعا للوصف، بل تحوله إلى لغة ثانية، تترجم ما تعجز الكلمات عن قوله، وتكشف أن أكثر الجراح قسوة ليست تلك التي ترى بالعين، وإنما تلك التي تسكن الأعماق، وتواصل نبضها في صمت.

ولعل هذا الجانب هو أحد أسرار جمال القصيدة؛ فهي لا تستدر عاطفة القارئ بالبكاء أو الشكوى، بل تقوده إلى تأمل هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد، وإلى تلك المفارقة العميقة التي تجعل القلب، بوصفه مركز الحياة ونبضها، يتحمل أثقل أعباء المعاناة الوجودية.

 هندسة الصورة الشعرية والانزياح البلاغي: حين يتحول الخيال إلى رؤية فلسفية:

إذا كان الشعر الحقيقي يقاس بقدرته على إعادة اكتشاف العالم لا بمجرد وصفه، فإن قصيدة "أجراس صامتة" تكشف عن شاعرة تمتلك حسّا تصويريا ناضجا، تدرك أن الصورة الشعرية ليست محض زينة بلاغية تضاف إلى النص، وإنما هي الأداة التي يبنى بها العالم الشعري بأكمله. ولهذا لا نجد في القصيدة صورا منفصلة أو متجاورة، بل نجد منظومة تصويرية متماسكة تتساند فيها الاستعارات والرموز والتشخيصات، لتشكل رؤية شعرية متكاملة للوجود.

فالقصيدة لا تبدأ بوصف الحزن، وإنما تجعل الحزن كائنا حيًا يتحرك في المكان:

" ذات حزنٍ متلكئٍ

في ساحاتِ الغياب... "

إن الحزن هنا لا يقيم في القلب، بل يمشي في " ساحات الغياب " . وهذه النقلة من الداخل إلى الخارج تمنح الشعور بعدا مكانيا، وكأن الغياب مدينة مترامية الأطراف، والحزن يتجول فيها ببطء، لا يريد أن يغادرها. وهكذا يتحول المجرد إلى مشهد بصري، ويغدو الألم شيئا يمكن رؤيته لا مجرد الإحساس به.

ثم تمضي الشاعرة إلى صورة تعد من أكثر صور القصيدة ابتكارا:

" لسعاتُه تمطر سنابل

تحصدها مناجل العذاب. "

هذه الصورة لا تقوم على التشبيه، بل على تفكيك النظام الطبيعي للعالم وإعادة تركيبه. فالمطر في الوعي الجمعي رمز للرحمة والخصب، والسنابل ثمرة الحياة، أما الحصاد فيرتبط عادة بالخير والعطاء. غير أن الشاعرة تقلب هذه العلاقات كلها، فالذي يمطر ليس الغيث بل اللسعات، والذي يحصد ليس الخير بل الألم، حتى تبدو الحياة نفسها وقد انقلبت على قوانينها الأولى.

وهذا التحول في العلاقات المألوفة بين الأشياء هو أحد تجليات الانزياح الدلالي في النقد الحديث، حيث تنفلت اللغة من مألوفها لتعيد بناء العالم وفق رؤية شعرية مغايرة. فالشاعرة لا تكتفي بوصف واقع مألوف، وإنما تعيد إبداعه عبر صورها وانزياحاتها، حتى يبدو العالم ذاته وقد اختل توازنه، وغدت المعاناة قانونا داخليا يتخلل التجربة الإنسانية.

ويتجلى هذا الوعي الجمالي أيضا في قولها:

" شمس الغروبِ

حفنة أضواء تتلقى العتاب. "

إن الشمس، وهي أعظم مصدر للضوء، تختزل فجأة إلى " حفنة أضواء " وكأنها فقدت معظم قدرتها على الإشراق. لكن المفاجأة لا تقف عند هذا الحد، بل تجعل الشاعرة الضوء نفسه موضع لوم وعتاب. وهنا تبلغ الصورة مستوى فلسفيا، إذ يصبح النور عاجزا عن إنقاذ الإنسان، وكأن العالم دخل مرحلة لم تعد فيها الحقائق وحدها كافية لردم هوة الألم.

ويبلغ الخيال الشعري ذروته في صورة أخرى:

" تطاردها ساعات الوشمِ

المطرز على أكف الأصحاب. "

إن الزمن هنا لا يقاس بالدقائق والساعات، بل بالوشم. وهذه صورة شديدة الكثافة؛ فالوشم أثر دائم لا يمحى، وحين يرتبط بالأصحاب، فإنه يحيل إلى ذكريات أو جراح حفرتها العلاقات الإنسانية في الذاكرة. أما التعبير " ساعات الوشم " فيوحي بأن الزمن نفسه أصبح يحمل آثار تلك الجراح، فلا تمر لحظة إلا وتعيد إحياءها.

وهنا ترتقي الصورة من حدود التعبير البلاغي المألوف إلى رحابة الرمز النفسي، حيث تتحول الذاكرة إلى جسد تختزن عليه الذات ندوب تجربتها، ويتحول الزمن إلى وشم أبدي، ليظل الماضي حاضرا في كل نبضة من نبضات العمر.

كما أن الشاعرة تمتلك قدرة لافتة على تشخيص المفاهيم المجردة. فالتيه يمتلك ألسنة، والضباب يسكب الضجيج، والحذر له رائحة تسحق، والسعادة ترفع وتسقط. وهذه التشخيصات ليست لعبا لغويا، وإنما تمنح العالم الداخلي للقصيدة حياة كاملة، بحيث يغدو كل معنى شخصية تتحرك داخل المشهد الشعري.

ومن أبرز مظاهر نضج التجربة الشعرية أن هذه الصور، على كثرتها، لا تبدو متنافرة أو متزاحمة، بل تنتظم داخل نسق جمالي واحد، يقوم على تحويل كل عناصر الكون إلى شركاء في التجربة الإنسانية. فالطبيعة، والزمن، والجسد، والأشياء، كلها تشارك الذات الشاعرة آلامها، حتى تبدو القصيدة كأنها كون شعري كامل يعيد تشكيل نفسه وفق منطق الانكسار.

ولعل ما يمنح هذه الصور قيمتها الفنية هو أنها لا تقدم للقارئ معنى جاهزا، بل تدفعه إلى المشاركة في إنتاج الدلالة. فكل استعارة تفتح بابا جديدا للتأويل، وكل رمز يحمل أكثر من احتمال، مما يجعل النص غنيا وقادرا على تجديد قراءته في كل مرة.

ومن هنا نستطيع القول إن الشاعرة ميسون يوسف نزال لا تعتمد على الصورة بوصفها أداة للتزيين البلاغي، بل تجعل منها بنية معرفية وجمالية تكشف عن رؤية خاصة للعالم؛ إذ يغدو الخيال سبيلا إلى فهم الإنسان وتأمل أعماقه، لا مجرد وسيلة لإثارة الدهشة العابرة. وهذا ما يميز القصيدة الحديثة عن الشعر الذي يكتفي بتسجيل الانفعال فقط، فهي لا تنقل المشاعر كما هي، بل تعيد إبتكارها وإبداعها داخل بنية فنية متماسكة، تجعل القارئ يعيش التجربة ويتأمل أبعادها في آن واحد.

 شعرية الزمن وأثر جدلية الغروب والخريف وكانون ويوم الحساب في بناء التجربة النفسية:

من أهم مكامن التميز في قصيدة " أجراس صامتة " أن الزمن فيها لا يؤدي وظيفة الخلفية التي تتحرك عليها الأحداث، وإنما يتحول إلى أحد الأبطال الرئيسيين في التجربة الشعرية. فالشاعرة لا تتعامل مع الزمن بوصفه تعاقبا ميكانيكيا للساعات والأيام، وإنما بوصفه زمنا نفسيا ووجوديا، تتشكل داخله التحولات الروحية، وتتعاقب فيه لحظات الانكسار والصمود، واليأس والرجاء.

ولهذا لا نجد في القصيدة ترتيبا زمنيا خطيا يبدأ من الماضي وينتهي بالحاضر، وإنما نجد شبكة زمنية متداخلة، تتجاور فيها الفصول، وتتقاطع فيها اللحظات، حتى يصبح الزمن نفسه انعكاسا للحالة النفسية التي تعيشها الذات الشاعرة.

ويبدأ هذا البناء الزمني منذ اختيارها:

" شمس الغروب "

ولم تقل: الشمس، أو النهار، أو الصباح، وإنما اختارت الغروب، وهو أكثر الأزمنة كثافة في الشعر لأنه يمثل لحظة الانتقال بين الضوء والعتمة، وبين الامتلاء والفراغ، وبين الحضور والغياب. فالغروب ليس نهاية النهار فحسب، بل هو استعارة لنهاية مرحلة من العمر، أو لانطفاء حلم، أو لانكسار يقين.

لكن اللافت أن الشاعرة لا تجعل الغروب ظلاما مطلقا، وإنما تقول

" حفنة أضواء تتلقى العتاب."

وهذا التعبير يحمل رؤية دقيقة، إذ إن الضوء لم يختف تماما، بل بقيت منه حفنة، أي مقدار ضئيل يقاوم الفناء. وهنا يتجسد الصراع بين الأمل واليأس في صورة واحدة، فالعتمة لم تنتصر بعد، لكن النور أيضا لم يعد يمتلك قوته الأولى.

ثم تنتقل القصيدة إلى زمن آخر هو:

" أكانون يلسع ملامحَ فجري. "

واختيار كانون ليس اختيارا اعتباطيا، فكانون في الذاكرة العربية والفلسطينية يرتبط بالبرد، والقسوة، والانتظار، وامتحان الصبر. لكنه عند الشاعرة لا يلسع الجسد، بل يلسع ملامح الفجر. وهنا تبلغ الصورة مستوى رفيعا من الابتكار، لأن الفجر، الذي يمثل عادة بداية النور، يتعرض هو نفسه للأذى قبل أن يكتمل.

وكأن القصيدة تقول إن الألم لم يعد يهاجم الإنسان فقط، بل صار يهاجم حتى إمكانية البداية.

ثم تستدعي الشاعرة فصلا آخر:

" إلى أين تمضين.

يا لذعات الخريف الباردة. "

والخريف، في الثقافة الشعرية، فصل الذبول وتساقط الأوراق، لكنه في هذه القصيدة لا يأتي بوصفه مرحلة طبيعية من دورة الحياة، بل يأتي محمّلا باللسعات. فهو لا يعلن نهاية فصل فحسب، بل يعلن استمرار الجرح، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الإنسان محنته.

إن اجتماع الغروب، وكانون، والخريف داخل قصيدة واحدة ليس مجرد تنويع لغوي، بل هو بناء زمني محكم. فالغروب يمثل نهاية اليوم، وكانون يمثل قسوة الزمن، والخريف يمثل ذبول الأشياء، فتتضافر هذه الأزمنة جميعا لتشكل مناخا نفسيا يهيمن عليه الإحساس بالاختبار الوجودي.

غير أن الشاعرة لا تسمح لهذا الزمن الأرضي أن يكون الكلمة الأخيرة، بل تفتح أفقا آخر حين تقول:

" ما زلت أسحق رائحة الحذرِ

تحت راية الثقة بيومِ الحساب."

وهنا يحدث التحول الأكبر في القصيدة. فبعد أن كان الزمن محصورا في الغروب والخريف وكانون، ينفتح فجأة على الزمن الأخروي، أي الزمن الذي تتحقق فيه العدالة المطلقة. وهذا الانتقال يمنح القصيدة بعدا فلسفيا وروحيا عميقا، حيث لم تعد الذات سجينة الزمن الأرضي بكل ما فيه من ظلم وخذلان، بل أصبحت تستند إلى زمن أعلى، لا تضيع فيه الحقوق، ولا يختلط فيه الحق بالباطل.

ومن ثم فإن " يوم الحساب " لا يؤدي وظيفة دينية فحسب، بل يؤدي وظيفة جمالية أيضا، لأنه يعيد التوازن إلى البناء الدلالي للقصيدة. فبعد سلسلة من الصور التي توحي بالانكسار، يظهر هذا الأفق ليمنح النص قوة داخلية تمنع سقوطه في العدمية أو اليأس المطلق.

إن الزمن في هذه القصيدة يتحرك وفق مسار تصاعدي دقيق يبدأ بغروب الضوء، ويمر بلسعات الشتاء، ويعبر ذبول الخريف، ثم ينتهي عند أفق العدالة الإلهية. وبهذا لا يكون الزمن مجرد إطار للأحداث، بل يصبح رحلة روحية تنتقل فيها الذات من اختبار الألم إلى يقين الصمود.

ومن هنا يتأكد أن الشاعرة ميسون يوسف نزال تمتلك وعيا فنيا بجمالية الزمن في القصيدة الحديثة، فهي لا تستخدم المفردات الزمنية بوصفها زينة لغوية، وإنما تجعل منها علامات دلالية تؤسس الرؤية الشعرية كلها. ولذلك يبدو الزمن في هذا النص زمنا نفسيا ورمزيا أكثر منه زمنا تاريخيا، وهو ما يمنح القصيدة عمقها الإنساني وقدرتها على مخاطبة كل قارئ، مهما اختلف زمانه أو مكانه.

 البعد الفلسطيني في القصيدة: الوطن بوصفه رمزا جماليا لا شعارا سياسيا:

من أخصب ما يميز قصيدة " أجراس صامتة " أنها لا تقدم فلسطين بوصفها شعارا سياسيا أو خطابا مباشرا، بل تجعلها تسري في أوصال النص كما يسري الدم في الشريان. وهذه من سمات الشعر الكبير، إذ لا يرفع القضية إلى مستوى الخطابة، وإنما يرتقي بها إلى مستوى الفن، فيغدو الوطن بنية جمالية قبل أن يكون موضوعا للقول.

فالقارئ يدرك منذ الوهلة الأولى أنه أمام نص صادر عن روح فلسطينية، لكنه لا يعثر على اسم فلسطين إلا في توقيع الشاعرة. ومع ذلك، فإن فلسطين حاضرة في كل بيت، وفي كل صورة، وفي كل نبضة من نبضات القصيدة. إنها حضور بالإيحاء لا بالتصريح، وبالرمز لا بالمباشرة.

ويتجلى هذا الحضور في الحقل المعجمي الذي تبنيه الشاعرة، فمفردات مثل: السنابل، المناجل، الغياب، الأغراب، الأبواب، الوشم، الذئاب، الضباب، السراب، الحساب، ليست كلمات متناثرة، وإنما تشكل شبكة دلالية تستدعي، في عمقها، تجربة الاقتلاع، والحصار، والخذلان، والتشبث بالأرض.

فالسنابل، على سبيل المثال، لا تقرأ هنا بوصفها عنصرا زراعيا فحسب، بل تحمل إرثا رمزيا عميقا في الوجدان الفلسطيني؛ فهي علامة الأرض والخصب والاستمرار. غير أن الشاعرة تفاجئنا بقولها:

" لسعاته تمطر سنابل

تحصدها مناجلُ العذاب. "

إن الحصاد، الذي يفترض أن يكون موسم الفرح، يتحول إلى موسم للفقد. وهنا لا يعود العذاب تجربة فردية، بل يصبح قدرا يلاحق الأرض والإنسان معا. إن السنابل تحصد قبل أوانها، كما تقتلع الأحلام قبل اكتمالها، في استعارة تلامس، من بعيد، التجربة الفلسطينية بكل ما فيها من انكسارات متكررة.

ثم تقف الشاعرة عند مفردة أخرى ذات حمولة رمزية كثيفة، وهي " الأغراب " حيث تقول:

 " عقدها صلب

لا تفرطه عناكب الأغراب. "

إن لفظة " الأغراب " ليست مجرد وصف للآخر، وإنما تشير إلى قوة دخيلة تحاول تفكيك ما هو أصيل ومتجذر. ولذلك فإن صورة العقد الصلب تتجاوز بعدها العاطفي، لتغدو رمزا للهوية التي تأبى التفكك، وللانتماء الذي لا تستطيع قوى الغربة أو الاقتلاع أن تمزق أوصاله.

ولعل هذا من أجمل ما في القصيدة، فهي لا تقول إن الهوية قوية، وإنما تجعل القارئ يرى هذه القوة في صورة عقد عصي على التفريط، مهما نسجت العناكب خيوطها الواهية.

وتبلغ رمزية الوطن ذروتها في حضور الذئاب من خلال قول الشاعرة:

" لن أتنازل لسعادة تفرط في رفعي

ثم تسقطني بين أنيابِ الذئاب. "

فالذئب، في التراث الإنساني، رمز للافتراس والغدر، لكنه في هذه القصيدة يكتسب بعدا يتجاوز الحيوان، ليصبح رمزا لكل قوة تسعى إلى سلب الإنسان كرامته أو حريته أو حقه في الحياة. ولذلك فإن رفض الشاعرة ليس رفضا لسعادة عابرة، بل رفض لأي مكسب يتحقق على حساب الكرامة.

وهنا يلتقي الذاتي بالوطني حيث تصبح الكرامة الفردية صورة مصغرة لكرامة الوطن، والرفض الأخلاقي يتحول إلى موقف وجودي لا يقبل المساومة.

كما أن القصيدة، على امتدادها، تعج بمفردات الغياب والتيه والضباب والسراب، وهي كلها صور ارتبطت في الأدب الفلسطيني بتجربة المنفى والاقتلاع والانتظار. غير أن الشاعرة ميسون يوسف نزال لا تستعملها لتوثيق الحدث، وإنما لتحويله إلى تجربة إنسانية مفتوحة، بحيث يستطيع أي قارئ أن يجد نفسه فيها، حتى وإن لم يعش التجربة الفلسطينية نفسها.

وهذا هو سر نجاح النص حيث يتفوق وينجح في توطين الخاص داخل الكوني. ففلسطين لا تظهر هنا بوصفها قضية تخص شعبا بعينه، بل بوصفها صورة مكثفة لمعاناة الإنسان حين يحرم من الطمأنينة، أو يطارد في أحلامه، أو يمتحن في كرامته.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الشاعرة مارست ما يمكن تسميته بالاقتصاد الرمزي، فلم تثقل القصيدة بالشعارات أو الخطابات، ولم تلجأ إلى أسماء المدن أو الوقائع أو الشخصيات، بل تركت الرمز يؤدي وظيفته الجمالية. وهذا الاختيار يكشف عن نضج فني لأن الشعر الحقيقي لا يقاس بارتفاع صوته، وإنما بعمق أثره.

إن الشاعرة ميسون يوسف نزال تثبت في هذه القصيدة أن الانتماء إلى فلسطين لا يحتاج دائما إلى ذكر اسمها، لأن الوطن الحقيقي يسكن اللغة، ويتجلى في طريقة بناء الصورة، وفي أخلاق القصيدة، وفي الإيمان العميق بأن الكرامة لا تقايض، وأن الصمود ليس شعارا، بل أسلوب وجود.

 جماليات اللغة والإيقاع الداخلي: موسيقى الصمت وبلاغة الانزياح في قصيدة " أجراس صامتة "

من أبرز ما يلفت المتلقي في هذه القصيدة أن موسيقاها لا تعتمد على الوزن الخليلي أو القافية الموحدة بقدر ما تعتمد على إيقاع داخلي يتولد من حركة الألفاظ، ومن التوازي التركيبي، ومن تكرار الأصوات، ومن الانسجام الدلالي بين المفردات. ولذلك فإن القارئ يشعر بإيقاع النص قبل أن يحاول تحليله، وكأن القصيدة تعزف نفسها من الداخل.

وهذا ما يميز قصيدة النثر أو القصيدة الحرة حين يكتبها شاعر يمتلك أذنا موسيقية، فالإيقاع لا يصنع بالعروض وحده، وإنما يصنع باللغة ذاتها.

 موسيقى الحروف ودلالتها النفسية:

لو تأملنا الحقل الصوتي للقصيدة لوجدنا أن الشاعرة تميل إلى الأصوات الرخوة والمهموسة، مثل: السين، والشين، والصاد، والهاء، والحاء، وهي أصوات تمنح النص نبرة خافتة تتلاءم مع عالم الصمت والإنكسار.

يكفي أن نتأمل هذا المقطع:

" شمس الغروب

حفنة أضواء تتلقى العتاب. "

إن تكرار حروف الشين والسين والصاد والضاد يحدث إيقاعا داخليا يشبه الهمس، فلا يبدو الألم صراخا، وإنما يبدو أنينا مكتوما. وهذا الاختيار الصوتي ليس مصادفة، بل يتناغم مع العنوان نفسه، فقصيدة عنوانها " أجراس صامتة " لا يمكن أن تعتمد لغة صاخبة، وإنما تحتاج إلى موسيقى تنبع من الصمت ذاته.

وفي المقابل، حين تريد الشاعرة التعبير عن القسوة، تستدعي أصوتا أكثر صلابة، كما في:

" ثم تسقطني بين أنياب الذئاب. "

فالطاء والباء والذال تمنح العبارة إيقاعا صوتيا متوترا، يجعل أثرها السمعي موازيا لقسوة دلالتها. وهكذا تتآلف الأصوات مع المعاني في نسيج فني واحد، وهو ما يكشف عن وعي أسلوبي عميق واقتدار فني في توظيف الإمكانات الإيقاعية للغة لخدمة الرؤية الشعرية.

 التكرار بوصفه بناء إيقاعيا:

لا تلجأ الشاعرة إلى التكرار للتوكيد اللفظي، بل تجعله وسيلة لبناء الإيقاع النفسي.

ويتجلى ذلك في تكرار ألفاظ مثل:

الصمت

التيه

الأنياب

الذئاب

إن هذه المفردات لا تتكرر اعتباطا، وإنما تشكل ما يمكن أن نسميه المحاور الإيقاعية للقصيدة. فكلما عادت إحدى هذه الكلمات عاد معها الإحساس النفسي الذي تحمله، فينشأ نوع من التردد الموسيقي داخل النص.

كما يتكرر حرف الجر " تحت " ، وحروف النفي، وأفعال المضارع، بما يمنح القصيدة إحساسًا بالاستمرار، وكأن المعاناة ليست حدثا منتهيا، بل تجربة لا تزال تتشكل.

 الإيقاع التركيبي:

من مظاهر جمال اللغة كذلك اعتماد الشاعرة على الجمل القصيرة المتتابعة، التي تمنح النص نبضا خاصا.

وهذا واضح وجلي من خلال هذا التدرج حيث تقول الشاعرة:

"أحلامي صامتة...

عقدها صلب

لا تفرطه عناكب الأغراب. "

إن كل جملة تضيف بعدا جديدا إلى المعنى دون أن تثقل الإيقاع، فتأتي العبارات متدرجة، كأنها ضربات متتالية على وتر واحد.

ويظهر الأمر نفسه من خلال قول الشاعرة:

" ما زلتُ أسحقُ رائحةَ الحذرِ

تحت راية الثقة بيومِ الحساب. "

فالفعل المضارع "ما زلت " يمنح الإيقاع حركة متدفقة ومستمرة، بينما تأتي الجملة الثانية امتدادا طبيعيا لها، فينشأ انسجام موسيقي لا يعتمد على الوزن، وإنما على إحكام توزيع الجمل وتآلفها.

 الانزياح اللغوي وبناء الشعرية:

إن أكثر ما يرفع لغة القصيدة إلى مستوى الشعر الحقيقي هو كثافة الانزياح.

فالشاعرة لا تقول:

الأحلام قوية.

بل تقول:

" أحلامي صامتة...

عقدها صلب

 لا تفرطه عناكب الأغراب. "

ولا تقول:

الحذر موجود.

بل تقول:

" رائحة الحذر. "

ولا تقول:

الضباب يملأ المكان.

بل تقول:

" مختبئة خلف أميال من الضجيج

 الذي يسكبه تيه الضباب. "

فهذه الانزياحات لا تهدف إلى الغموض، وإنما إلى توسيع الدلالة. فالحذر يصبح شيئا يشم، والضباب يتحول إلى كائن يسكب الضجيج، والأحلام تغدو عقدا متينا. وهنا تبلغ اللغة مرحلة تتجاوز الوصف إلى إعادة خلق العالم.

 الاقتصاد اللغوي:

ومن الملامح اللافتة أيضا أن الشاعرة لا تسترسل في القول، ولا تستسلم للإطناب أو التزيين اللفظي، بل تنحاز إلى اقتصاد تعبيري محكم، يجعل كل لفظة تؤدي وظيفتها الجمالية والدلالية في آن واحد.

فكل صورة تأتي مشحونة بطاقة إيحائية كبيرة، حتى إن بيتا واحدا يفتح أمام القارئ آفاقا متعددة من التأويل.

وهذه السمة تجعل القصيدة قابلة لإعادة القراءة لأن معناها لا يستنفد من القراءة الأولى.

 اللغة بين الرقة والصلابة:

ومن أسرار جمال النص أنه يجمع بين مستويين متقابلين من اللغة.

فحين تتحدث الشاعرة عن القلب، أو الأحلام، أو الفجر، أو الضوء، تأتي الألفاظ رقيقة، شفافة، مفعمة بالهدوء. أما حين تستحضر العذاب، والتيه، والذئاب، والأنياب، والمناجل، فإن اللغة تكتسب نبرة أكثر صلابة وحدّة، بما ينسجم مع طبيعة التجربة الشعورية ويضاعف أثرها الإيحائي.

وهذا التناوب بين الرقة والقوة يمنح القصيدة توازنا فنيا، ويجعل الإيقاع النفسي متحركا، فلا يسقط في رتابة النبرة الواحدة.

ومن هنا يمكن أن نستخلص أن لغة الشاعرة ميسون يوسف نزال في قصيدة " أجراس صامتة " ليست مجرد وسيلة لنقل تجربة شعورية، بل هي بنية جمالية قائمة بذاتها، تتضافر فيها الأصوات والصور والإيقاعات لتشييد رؤية شعرية عميقة تتجاوز حدود التعبير المباشر.. فقد استطاعت الشاعرة أن تجعل الكلمة تحمل أكثر من معناها المعجمي، وأن تحول الإيقاع الداخلي إلى موسيقى خفية تسري في أوصال القصيدة، وأن تبني نصا تتآزر فيه الأصوات، والتراكيب، والاستعارات، والرموز، لتشكل نسيجا شعريا متماسكا.

ومن هنا، فإن القيمة الفنية لهذه القصيدة لا تكمن في عمق موضوعها فحسب، بل في براعة الصياغة التي ارتقت باللغة من مستوى التعبير إلى مستوى الرؤية، ومن مستوى الوصف إلى مستوى الاستبصار، وهو ما يؤكد أن الشاعرة تمتلك صوتا شعريا أصيلا، قادرا على أن يحول التجربة الإنسانية إلى أثر جمالي وإنساني باقٍ.

 الرؤية الفلسفية والبعد الوجودي رع٠: من سؤال الألم إلى يقين المقاومة:

لعل من أهم ما يميز قصيدة " أجراس صامتة " أنها لا تقف عند حدود التعبير عن تجربة نفسية أو عاطفية، وإنما ترتقي بهذه التجربة إلى مستوى التأمل الفلسفي في معنى الوجود الإنساني. فالقصيدة، في جوهرها، ليست قصيدة حزن، بل قصيدة سؤال، والسؤال هنا ليس سؤالا عابرا، بل سؤال وجودي يبحث في معنى الحياة، والكرامة، والخذلان، والمصير.

ولهذا فإن الذات الشاعرة لا تتحدث بوصفها ذاتا مثقلة بالجراح تنشد التعاطف، وإنما بوصفها ذاتا واعية تخوض امتحانا وجوديا عسيرا، لكنها تظل متشبثة بيقينها، ومتمسكة بكرامتها.

ويتجلى ذلك من خلال قولها:

" لم تلتهمْ هدوئي

سكرات الموت القادمة

من يباب السراب. "

إن هذا المقطع يمثل نقطة تحول كبرى في القصيدة. فالموت حاضر، لكنه ليس موتا جسديا فحسب، بل هو موت المعنى، وموت الحلم، وموت الطمأنينة. غير أن الشاعرة لا تقول: لم أخف الموت، وإنما تقول: " لم تلتهم هدوئي " .

إنها عبارة بالغة العمق، لأن الهدوء هنا ليس سكونا نفسيا، بل هو صورة للتوازن الداخلي الذي ظل متماسكا رغم اقتراب الفناء. وكأن الذات تقول إن الهزيمة الحقيقية لا تكون حين يقترب الموت، وإنما حين ينهزم الإنسان من داخله.

وتزداد هذه الرؤية رسوخا حين تعلن:

" ما زلتُ أسحق رائحة الحذر

تحت رايةِ الثقة بيومِ الحساب."

 ومعنى ذلك أن الذات لا تكتفي بمقاومة الخوف، بل تسعى إلى محو آثاره النفسية العالقة في الروح.

وهنا يتحول الإيمان إلى قوة وجودية، لا إلى فكرة وعظية. فالثقة بيوم الحساب ليست استدعاء دينيا عابرا، بل هي الركيزة التي تمنح الذات قدرتها على الاستمرار في عالم يضطرب فيه ميزان العدالة.

ومن ثم، فإن القصيدة لا تؤسس فلسفتها على الانتقام، بل على قيمة العدالة، ولا تستسلم لليأس، بل تستمد قوتها من الصبر، ولا تفضي إلى الانكسار، بل تنتهي إلى ترسيخ الكرامة الإنسانية.

وتبلغ هذه الفلسفة ذروتها في هذا الإعلان الحاسم:

" لن أتنازل لسعادة تفرط في رفعي

ثم تسقطني بين أنياب الذئاب. "

وهنا تنتقل القصيدة من التأمل إلى الموقف الأخلاقي.

فالشاعرة ترفض السعادة إذا كانت ثمنا للتنازل عن الكرامة.

وهذا الموقف يذكرنا بأحد أهم المبادئ التي قامت عليها الفلسفات الإنسانية الكبرى، وهو أن القيمة الأخلاقية للإنسان لا تقاس بما يملكه من راحة، وإنما بما يحافظ عليه من كرامة.

فالذات الشاعرة لا تبحث عن سعادة عابرة، ولا عن انتصار زائف، ولا عن مجد زائل، بل تنشد حياة تظل جديرة باحترام ضميرها، ومنسجمة مع كرامتها الإنسانية

ومن هنا، فإن القصيدة تطرح مفهوما مختلفا للمقاومة.

فالمقاومة هنا ليست حمل السلاح، ولا رفع الشعارات، وإنما القدرة على حماية الذات من الانهيار الأخلاقي.

إنها مقاومة تبدأ من الداخل قبل أن تتجسد في الخارج.

ولهذا جاءت خاتمة القصيدة مفتوحة على سؤال إنساني وجودي يتجاوز حدود الزمان والمكان حيث تقول الشاعرة:

" فقط أخبروني

كيف يحنو الشريان على القلب دون أن

 يدفعه للانتحاب ؟ "

إن هذا السؤال لا يبحث عن إجابة، لأن قيمته تكمن في بقائه سؤالا.

فالشريان رمز للحياة، لكنه قد يصبح أيضا مصدرا للألم.

والقلب رمز للحب، لكنه يحمل في داخله أسباب انكساره.

وهكذا تضعنا الشاعرة أمام واحدة من أعقد مفارقات الوجود وهي أن أكثر الأشياء قربا من الإنسان قد تكون أكثرها قدرة على إيلامه.

وقد يكون الشريان هنا رمزا للحبيب، أو للصديق، أو للوطن، أو للذاكرة، أو حتى للحياة نفسها، ولذلك تظل دلالته مفتوحة، ويظل النص قادرا على استقبال قراءات متعددة.

وهذا الانفتاح التأويلي هو أحد معايير الشعر الحقيفي إذ لا يغلق المعنى داخل تفسير واحد، بل يسمح لكل قارئ بأن يجد في القصيدة شيئا من تجربته الخاصة.

فالجلي أن الشاعرة ميسون يوسف نزال لا تنشغل في قصيدة " أجراس صامتة " بوصف الحزن في ذاته، بقدر ما تنشغل بالكشف عن قدرة الإنسان على صون كرامته وهو يواجه إنكساره وألمه، فالفرق بين الأمرين عميق، إذ قد يستطيع كثير من الشعراء وصف الألم، لكن قلة منهم ينجحون في الارتقاء به إلى أفق رؤية أخلاقية وجمالية تتجاوز حدود التجربة الفردية.

ومن هنا لا يغدو الألم في " أجراس صامتة " نهاية للتجربة، بل يتحول إلى سبيل لاكتشاف الذات، ويغدو الصمت لغة أكثر فصاحة من الصراخ، كما يتحول الإيمان إلى قوة داخلية تعيد إلى الإنسان توازنه، وتمنحه القدرة على مقاومة الانكسار دون أن يفقد كرامته.

ولعل هذا ما يمنح القصيدة فرادتها فهي لا تقدم أجوبة جاهزة، ولا تراهن على استمالة عاطفة القارئ، وإنما تفتح أمامه أفقا رحبا للتأمل، بحيث يغادر النص وهو يحمل أسئلته الخاصة أكثر مما يحمل إجابات نهائية. وهنا تتجلى القيمة الجمالية الحقيقية للقصيدة إذ تظل قابلة لإعادة القراءة، لأن دلالاتها تظل مفتوحة على آفاق متعددة من التأويل، وتتجدد معانيها كلما تجددت تجربة القارئ وتعمقت صلته بالنص.

على سبيل الختام:

تجسد قصيدة " أجراس صامتة " للشاعرة الفلسطينية ميسون يوسف نزال تجربة شعرية راسخة، تمتزج فيها كثافة الصورة بعمق الرؤية، ويتعانق فيها البعد الجمالي مع البعد الإنساني حيث استطاعت أن ترتقي بالتجربة الذاتية من مستوى البوح العاطفي إلى مستوى الرؤية الإنسانية والفلسفية، فجاء النص فضاء شعريا رحبا تتقاطع فيه أسئلة الوجود مع أسئلة الهوية، ويتجاور فيه الألم والأمل، والانكسار والمقاومة، والصمت والصوت، داخل بناء فني متماسك يقوم على كثافة الصورة، وثراء الرمز، وعمق الإيحاء.

وقد نجحت الشاعرة في تشييد عالمها الشعري عبر لغة تمتاز بالاقتصاد التعبيري، والانزياح البلاغي، والطاقة الإيحائية العالية، فغدت الكلمة تؤدي وظائف متعددة في آن واحد، فهي ترسم الصورة، وتبني الإيقاع، وتنتج الرمز، وتفتح أمام القارئ آفاقا واسعة من التأويل. ومن ثم لم تعد اللغة مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت عنصرا جوهريا في صناعة الدلالة والجمال.

كما برهنت القصيدة على قدرة لافتة في توظيف المفارقة الشعرية، منذ العنوان " أجراس صامتة " الذي أسس لرؤية جمالية قائمة على اجتماع المتناقضات، وصولا إلى الخاتمة التي جعلت من الشريان، وهو رمز الحياة، مصدرا للألم والوجع، في مفارقة وجودية عميقة تكشف هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد.

كما بينت الدراسة كذلك أن البنية التصويرية في القصيدة لا تقوم على الصور الجزئية المنفصلة، بل على منظومة رمزية متكاملة تتآزر فيها الطبيعة، والزمن، والجسد، والأشياء، لتكوين عالم شعري شديد التماسك، تتحول فيه السنابل، والمناجل، والضباب، والخريف، والذئاب، والأوردة، والقلب، إلى علامات دلالية تسهم جميعها في بناء رؤية إنسانية تتجاوز حدود التجربة الفردية.

وأظهرت القراءة أن الزمن في القصيدة ليس زمنا كرونولوجيا، بل هو زمن نفسي ووجودي، تتعاقب داخله لحظات الغروب، وكانون، والخريف، ويوم الحساب، لتجسد رحلة الذات من اختبار الألم إلى يقين الصمود، ومن انكسار اللحظة إلى أفق العدالة المطلقة.

كما تبين أن حضور فلسطين في النص لم يأت عبر المباشرة أو الخطابة، وإنما تجسد في البنية الرمزية للقصيدة، وفي الحقول الدلالية التي استحضرت الأرض، والاقتلاع، والكرامة، والصمود، مما منح النص بعدا وطنيا راقيا، ارتقى بالقضية من مستوى الشعار إلى مستوى الفن، وهو ما يعد من أبرز سمات الشعر الحديث.

ولعل من أهم ما يميز هذه القصيدة أنها نجحت في تحويل الألم إلى قيمة جمالية وأخلاقية؛ فالوجع فيها لا يقود إلى الاستسلام، بل يوقظ إرادة المقاومة، والخذلان لا ينتهي بالانكسار، بل يتحول إلى امتحان للكرامة، والإيمان لا يحضر بوصفه خطابا وعظيا، وإنما بوصفه طاقة داخلية تمنح الذات القدرة على الاستمرار في مواجهة قسوة العالم.

إن ميسون يوسف نزال تقدم في " أجراس صامتة " نصا شعريا يمتلك مقومات البقاء لأنه لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يعيد إبداعه عبر رؤية شعرية أصيلة، تستثمر الرمز والاستعارة والانزياح والإيقاع الداخلي في إنتاج تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخاطب الإنسان في جوهر وجوده.

ومن ثم، فإن هذه القصيدة تؤكد أن الشاعرة تمتلك صوتا شعريا متميزا، ورؤية فنية واعية، وحسّا جماليا رفيعا، يجعلها من الأصوات الشعرية الفلسطينية والعربية الجديرة بالقراءة والاحتفاء، لما تقدمه من كتابة تنهض على العمق الفكري، والابتكار الفني، والصدق الإنساني.

نتائج الدراسة:

وقد أسفرت هذه القراءة النقدية عن جملة من النتائج، لعل من أبرزها ما يلي:

أثبتت القصيدة قدرة الشاعرة على بناء نص شعري حديث يقوم على التكثيف والإيحاء والانفتاح التأويلي، بعيدا عن المباشرة والخطابية.

شكّل العنوان " أجراس صامتة " عتبة سيميائية مركزية، اختزلت الرؤية الفكرية والجمالية للنص، وأقامت مفارقة شعرية ظلت فاعلة حتى خاتمة القصيدة.

نجحت الشاعرة في تشييد منظومة رمزية متماسكة، تحولت فيها عناصر الطبيعة والجسد والزمن إلى علامات دلالية تحمل أبعادا نفسية ووجودية ووطنية.

كشف النص عن وعي فني متقدم بجماليات الصورة الشعرية، من خلال اعتماد الاستعارة المركبة، والانزياح البلاغي، والتشخيص، بما أسهم في إنتاج صور مبتكرة ذات طاقة إيحائية عالية.

أسهم الإيقاع الداخلي، القائم على التوازي التركيبي، والتكرار المحكم، والتناغم الصوتي، في منح القصيدة موسيقى خفية تنسجم مع عالمها النفسي.

قدّمت القصيدة رؤية فلسفية للوجود، جعلت من الألم وسيلة لاكتشاف الذات، ومن الصمود قيمة أخلاقية، ومن الإيمان قوة روحية تمنح الإنسان القدرة على مقاومة الخوف والانكسار.

حضر البعد الفلسطيني في النص حضورا رمزيا وجماليا، بعيدا عن المباشرة، مما أكسب القصيدة بعدا إنسانيا يتجاوز حدود التجربة المحلية.

برهنت ميسون يوسف نزال على امتلاكها لغة شعرية رفيعة، تجمع بين الشفافية والعمق، وبين الاقتصاد التعبيري والثراء الدلالي، وهو ما يعكس نضجا فنيا واضحا في تجربتها الشعرية.

تؤكد القصيدة أن الشعر الحقيقي لا يصف الألم، بل يعيد تشكيله في صورة جمالية قادرة على إيقاظ الفكر والوجدان معا، وهو ما حققته الشاعرة باقتدار.

تمثل قصيدة " أجراس صامتة " إضافة نوعية إلى الشعر الفلسطيني المعاصر، لما تنطوي عليه من عمق إنساني، وبناء فني متماسك، ورؤية شعرية تجعل من الصمت لغة، ومن الوجع جمالا، ومن المقاومة أسلوبا في الوجود.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

قراءة في الرؤية الشعرية وبناء اللغة

لم يكن حضور الأب يوسف سعيد في فضاء الشعر الحديث حلماً عابراً، بل كان انطلاقةً شعرية صنعتها الكلمة، وحلقت بها المخيلة والرؤية. ذلك هو الأب يوسف سعيد أحد أبرز شعراء العراق في القرن العشرين، وأحد الشخصيات الأدبية التي استطاعت أن تجمع في تجربتها الشعرية عمق الرؤية الروحية وحداثة التعبير. فقد اتسم شعره بنزعة تأملية فلسفية وروحية عميقة، تجلّت في انشغاله بأسئلة الوجود والإنسان والموت والفناء، إلى جانب ميل واضح إلى التصوف المسيحي. وفي ضوء هذه الرؤية، نجح في توظيف الرموز الدينية والأسطورية ضمن لغة شعرية حداثية ذات أبعاد دلالية وجمالية واسعة، أسهمت في إثراء قصيدة الحداثة العراقية.

وقد اتسمت قصائده بوحدة رؤيتها وبالتأمل الدائم في البحث عن الخلاص والطمأنينة، كما مزّج الشاعر بين رموز التوراة والإنجيل ورموز حضارة بلاد الرافدين، بما يضفي على نصوصه أفقًا ثقافيًا وإنسانيًا رحبًا. أما لغته الشعرية فتتميز بإيقاعها الموسيقي، وكثافة تأملاتها، وثرائها بمشاعر الحنين والاغتراب.

تنفتح عوالمه الشعرية على فضاءاتٍ كونية وأبدية، إذ تتكرر العناصر الطبيعية الكبرى بوصفها ركائز لرؤيته الشعرية، مثل الشمس والماء والتراب والأرض. يمثل الماء أصل الحياة ومنبعها، بينما ترمز الشمس إلى البعد السماوي والنور، في حين يجسد التراب والأرض فضاء الوجود الإنساني ومرجعه الأول والأخير. ومن خلال هذه العناصر يعيد الشاعر بناء علاقة الإنسان بالكون، لتغدو الطبيعة مرآة للذات الإنسانية، ويغدو الموت قوةً كونيةً تتجاوز الفرد لتطال الوجود بأسره.

وعلى الرغم من الحضور اللافت لهذه العناصر الكونية في قصائد الشاعر، فإن الموت يظل المحور العميق الذي تنتظم حوله كثير من قصائده، ويتجلى ذلك في قصيدته (تكهّنة الطاغي). وقد لخص الناقد السوري صبري يوسف هذه السمة بقوله (إن القس يوسف سعيد يبني قصيدته بوصفه شاعراً يسعى إلى نقل أحاسيسه الخفية إلى ومضة من الخيال المفعم بالتأمل).

ويرى الناقد العراقي عبد القادر الجنابي، في كتابه (انفرادات الشعر العراقي) أن ارتباط الأب يوسف سعيد بجماعة كركوك، كان عاملاً كبيراً وحاسماً في تطور تجربته الشعرية، إذ استطاع أن يمزج الترانيم المسيحية بالرؤية الحداثية ليصوغ تجربة شعرية متفردة.

ويصفه الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة بقوله: (لم أرَ في حياتي كلها قسًّا يمتلك هذه الرؤية الشعرية الجميلة والعميقة لمعاني الحياة)، وهذه الشهادة تؤكد المكانة الروحية والفنية التي احتلها يوسف سعيد في الشعر العربي الحديث.

ومن اللافت للنظر أن تجربة الأب يوسف سعيد، على الرغم من أهميتها الفنية، لم تحظَ بالقدر نفسه من الأهتمام النقدي مقارنةً بتجارب عدد من شعراء جماعة كركوك، إذ ظلت الدراسات والبحوث التي تناولت شعره محدودة، سواء داخل مدينة كركوك أم خارجها، وهو ما يدعو إلى إعادة قراءة منجزه الشعري، في ضوء مكانته في الحداثة العراقية.3036 yousif

يُعدّ الأب يوسف سعيد واحداً من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تشيّد عالماً شعرياً خاصاً، يقوم على تفاعل الرؤية الدينية والأسطورية والكونية مع الحسّ الشعري الحديث. وتكشف نصوصه عن مشروع شعري واسع يتجاوز التعبير الوجداني المباشر إلى بناء كونٍ لغويّ متكامل تتفاعل فيه عناصر الخليقة الكبرى: الأرض، الماء، السماء، التراب، والزمن، بوصفها كائنات حيّة تنبض بالروح والمعنى.                 ويمكن إجمال أبرز ملامح تجربته الشعرية في المحاور الآتية:

أولاً: شعرية العناصر وتحويل الطبيعة إلى كائنٍ حي في قصائد «الأرض» و«التراب» و«السماء» و«الماء» لا تؤدي العناصر الطبيعية وظيفة وصفية، بل تتحول إلى شخصيات فاعلة داخل البنية الشعرية.

فالأرض عند الشاعر يوسف سعيد، ليست مساحة جغرافية، بل أمّاً للذاكرة تنبت من ترابها الحكايات، وتستعيد بالحلم ما تبدده الحروب. وتمثل الأرض في شعره كائناً حياً؛ تحفظ ذاكرة الإنسان، وتنهض من جراحها كلما ظنّ العابرون أنها استسلمت للصمت:

(الأرض ترضع بنيها بحليب مستقطر

من أثداء أمهات المحبة...)

بينما نرى أن السماء تتحول إلى كائن يتنفس ويغني ويحلم. وتحضر السماء في تجربته الشعرية بوصفها المعادل الروحي للأرض؛ فإذا كانت الأرض تمثل ذاكرة الجسد، فالسماء تمثل ذاكرة الروح، وبينهما يكتمل أفق الإنسان:

(سماء من وجهها يتدفق نور البركة...)

أما الماء فيكتسب بعداً وجودياً وخلاصياً:

(الماء لغة السماء)

فهنا لا يعود الماء عنصراً طبيعياً فحسب، بل يصبح وسيطاً رمزياً بين العالم السفلي والعالم العلوي، وهو ما يكشف عن النزعة الروحية التي تؤسس لرؤية الشاعر الكونية.

تجعل هذه الأنسنة المستمرة لعناصر الكون كله جسداً حياً يتكلم بلغة روحية واحدة.

ثانياً: المرجعية الكتابية والأسطورية

يمتلئ شعر الأب يوسف سعيد بالإشارات الكتابية والدينية؛ فنجد أسماء مثل:

يشوع بن نون/ أخنوخ/ متوشالح/ يونس/ هابيل/ فرعون/ سليمان...

كما تحضر المدن المقدسة والتاريخية مثل:

أورشليم / بابل/ أورك/ شنعار/ أفسس...

غير أن هذه الرموز لا تُستعمل بوصفها استدعاءً تاريخياً، بل بوصفها أدوات لبناء رؤية كونية. إذ يعيد الشاعر من خلالها تشكيل التراث الكتابي داخل لغة حديثة تجعل الماضي حاضراً في التجربة الإنسانية الراهنة.

ثالثاً: النزعة الرؤيوية

تقترب قصائد الأب يوسف سعيد من الشعر الرؤيوي الذي عرفته الحداثة العربية على نحوٍ يقارب التجارب الرؤيوية لشعراء جماعة كركوك وكذلك عند أدونيس ويوسف الخال من حيث بناء العالم الرمزي، مع احتفاظه بخصوصيته النابعة من ثقافته اللاهوتية.

فالقصيدة ليست وصفاً للواقع، بل محاولة لاكتشاف ما وراء الواقع:

(الأرض هي أنا

هي أنتم

نحن هي)

هنا تتحول الأرض إلى رمز للوجود الإنساني كله، ويغدو الكون مرآة للذات.

رابعاً: اللغة بوصفها طاقةً للخلق

تعتمد قصائد الأب يوسف سعيد على التراكم الصوري الكثيف. حيث تمتد الجملة الشعرية عبر سلاسل طويلة من الاستعارات والصور المتلاحقة:

(الأرض تحمل بين أصابعها فرح الدفوف

ونغمات ساحرة من ذبذبات العود)

(سماء تحمل أحزان مدينة مكة) و

وتجعل هذه التقنية اللغة أقرب إلى تيار متدفق من الرؤى، حيث تتوالد الصورة من الصورة دون توقف.

وفي كثير من الأحيان تتحول المفردة إلى نواة أسطورية تفتح آفاقاً تأويلية واسعة، وهو ما يمنح النص ثراءً دلالياً كبيراً.

خامساً: البنية الإنشادية والترتيلية

تقوم القصائد الكبرى على التكرار الإنشادي، ولا سيما تكرار الكلمات المحورية:

الأرض/ السماء/ التراب/ الماء

يتكرر الاسم في بدايات المقاطع كما لو كان ملازمةً لتراتيل دينية، مما يضفي على النص إيقاعاً احتفالياً قريباً من المزامير.

ويتجلى هذا البعد بوضوح في قوله:

(هلليلويا هلليلويا هلليلويا)

فالشعر هنا يتحول إلى صلاة كونية تحتفي بالخليقة.

سادساً: بين الحداثة والترنيمة الروحية

من أهم خصائص تجربة الأب يوسف سعيد أنها تجمع بين عالمين متباعدين ظاهرياً:

الحداثة الشعرية القائمة على الرمز والانزياح وكثافة الصورة. 1)

الروح الدينية القائمة على التسبيح والتأمل والاحتفاء بالخليقة.  2)

ولهذا لا تبدو قصائده امتداداً للشعر الديني التقليدي، بل هي محاولة لإنتاج شعر كوني يرى في المادة أثراً للروح، وفي الطبيعة تجلياً للمقدس.

خاتمة

تكشف هذه السمات أن تجربة الأب يوسف سعيد تشكل مشروعاً شعرياً متماسكاً يحتل مكانة خاصة في الحداثة الشعرية العراقية، إذ نجح في المزاوجة بين الحس اللاهوتي والبناء الحداثي للقصيدة، وحوّل العناصر الكونية إلى منظومة رمزية تعبّر عن رؤيته للإنسان والوجود. ومن ثم، فإن إعادة قراءة منجز هذا الشاعر تمثل ضرورة نقدية لإبراز إسهامه في تطور الشعر العراقي الحديث وإعادة وضعه في موقعه الذي يستحقه ضمن تجارب الحداثة العراقية.

***

صلاح حمه أمين

........................

المصادر

1) قصائد الأب يوسف سعيد

2) كتاب الروح الحية- جيل الستينات فاضل العزاوي

3) كتاب انفرادات الشعر العراقي عبد القادر الجنابي

4) كتاب شعراء جماعة كركوك هشام القيسي

5) كتاب مدخل تعريفي إلى جماعة كركوك فاروق مصطفى

6) كتاب جماعة كركوك واوراقهم المبعثرة فاروق مصطفى

7) كتاب جماعة كركوك وجيل الستينيات في الأدب العراقي - باللغة الكردية (قيد الطبع) صلاح حمه أمين

 

للأديبة سعاد الراعي

السرد الروائي يستند الى حكاية غريبة في شكلها السريالي العجيب والمدهش، تقول هناك زحف أو غزو من الخنافس الى احدى الاحياء الشعبية، واستغلال سذاجة الاطفال باغرائهم بالحلوى، في رش قطع السكر في زوايا الحي الشعبي في تكاثر هذه الحشرات القذرة والمقززة، من اجل دفع اهل الحي الى الرحيل من ديارهم بالتشريد والهجرة، وهي احد الاساليب الماكرة، لكن معنى الحكاية تحمل ابعاداً رمزية دالة، في المعنى والايحاء، والبعد الفكري، لم يعني هذه الحشرات القذرة بعينها، بل يعني بالخنافس منْ يغمط الحق، منْ يشوه الحياة والانسان والطبيعة والمكان، من يتسلق على السلطة والنفوذ لمآربه المريبة والشريرة، من يسرق رغيف الفقراء وجهد العمر وتعب السنين، من يمارس الاحتيال لمآربه الشخصية، من يعمل على تغييب العقل والوعي لاهداف نفعية ضيقة، من يستخدم السلطة الغاشمة بالإرهاب والاستيلاء، منْ يشرع شريعة الباطل ويغتال شريعة الحق، اي استخدام هذه الحكاية الغريبة منصة في اتجاه الرمزية الواقعية، طالما الحدث السردي يتعامل مع الواقع، وليس التهويم والخيال، ببساطة نحن أمام شفافية الأدب المقاوم أو الادب المكافح، نحن بصدد الصراع بين قوى الخير وقوى الشر، من يلوع ذراع الآخر، البعد الروائي يعتمد على روح الصمود والمقاومة، امام هذا الزحف أو الغزو من الخنافس، الذي يريد يحتل الارض، وطرد السكان من ديارهم (- يريدون طردنا دون ان يطرقوا ابوابنا... لكنهم يجهلون أننا وبيوتنا توأمان.. لا يموت احد التوأمين إلا يموت الآخر) ص25. هذا كنه الصراع القائم من اجل الغزو والاحتلال، طالما يملكون السلطة الغاشمة وصغار الخنافس أدواتهم القمعية (- يأتون بسيارة سوداء، وجوههم محجوبة بالنظارات والكمامات، أكفهم محمية بالقفازات، كأنهم لا يريدون الهواء أن يلمسهم) ص20. هذا الغزو الخبيث والغريب، يمثل آفة ضد الانسان والحياة، يريدون سرقة وجهد العمر وتعب السنين، بحجة ان صاحبها مجهول الهوية، كما يحث في نهب المال العام، بحجة ان صاحبها مجهول الهوية، ولكن دوافعهم الشريرة قتل الأمل، ووضع الإنسان في قفصهم كغنيمة سائبة وسائغة، هذا نذير الشؤم الذي يصيب أهل الحي الشعبي الفقير، ان يقلبوا استقرارهم الحياتي، وشرعية أرض وسكناهم، الى مسألة تجاوز على القانون والشرعية، التي لا تتحقق كما يزعمون إلا بطردهم وتشريدهم، و لذا فأن الصراع الناشب، هو عدالة وقانون وقضاء من يدعم الباطل ويغتال الحقيقية، وبين عدالة السماء وقضائها العادل، وهنا ندخل في جدلية في شأن العدالة، العدالة الاولى تعطي الحق للخنافس في طرد أهل الحي وتشريدهم من ديارهم، والثانية عدالة السماء ومحكمتها، تعيد الحق الى اصحابه الشرعيين، وفي الأخير ينتصر الظلم، طالما هذا يملك السلطة الغاشمة، بدواعي فنتازيا، عدم كفاية الادلة، أو ان اصحاب القضية هم اطفال قاصرين، لا يدركون معنى الحق والحقيقة، لذلك افادتهم مرفوضة، ولكن لم تنتهي قضية شرعية الأرض الى هذا الحد، ولا يمكن للظلم أن يدوم، طالما هناك صمود وتحدي ومقاومة، لان الارض ملك لعشاقها، أو من يعشقها، ولكن (لن ادعهم يسرقون سماءك. لن يقتلعوا ارضك، مادام في عرق ينبض) ص25. ولا يضيع الحق طالما هناك نبض من الأمل ينبض في العروق في مطالبة ارجاع الحق، ولا يمكن لاصحاب الحق ان يستسلموا مهما بلغت درجات الارهاب والظلم، والأرض تظل تنادي لمن يحبها، والقضة الشرعية لا تموت مهما طال الزمن. هذا جوهر الصراع الفكري في بعده في الواقعية الرمزية.

الشخوص المحورية في فصول المتن الروائي:

1 - شخصية ابو عواد: الرجل الطاعن في السن، يملك خبرة طويلة في دروب الكفاح والنضال، زكاتها سنوات زجه في السجون والزنازين، وعندما يخرج يكون أكثر صلابة وتحدي لروح القضايا الشرعية، يخرج اكثر صفاء ونقاء وهمة مضافة في مواصلة الطريق الصعب والشاق، لذا فهو يمثل الإرث النضالي الشعبي، ويملك مكانة محترمة عند سكان الحي، الذي يعتبر القدوة في الدفاع والصمود والمواصلة (تبوأ العم ابو عواد في أفئدة أهل الحي منزلة رفيعة، جبلت من طينة الود الصافي والمهابة المستحقة، اذ ألفوه رجلاً زاهداً في مظهره، تزدحم البساطة في رداءِ كفاحه العنيد) ص 32.

2 - شخصية الشيخ حسين الاسكافي: الكبير في السن يقبع طوال اليوم في حانوته الصغير لبيع وإصلاح الأحذية، في وجهه المحبوب والاليف عند أهل الحي، يطربون لصوته، وهو يغني المقامات التحريضية، التي تدعو الى الدفاع عن الحق والقضية الشرعية، ورفض الظلم بالتحدي، ويقول عن سنوات نضاله (- أنا من زمن كانت فيه الشمس أقرب، والناس اطيب واصدق) ص37. ويقول عن زحف الخنافس (- هذه ليست مجرد حشرات يا ناس.. هذا أمتحان) ص40. وعن الخوف والتردد يقول (- الخوف.. يا أبنائي.. و أول باب يفتحه الظلم، إذا فتحناه، دخل كل شيء بعده)ص41.

3 - شخصية صلاح الاعزب: تخطى العمر الأربعين ولم يتزوج، يملك الوقار واحترام الناس، وهو مدرس اللغة العربية، الطلاب يحبونه ويتعلمون من أدبه الملتزم، فهو المعلم والمربي في الأدب الذي يدافع عن خبز الفقير والأرض، يفتح نوافذ الوعي، ويقف بكل صلابة امام زحف الخنافس، ويدعو الناس الى الوحدة في المجابهة والتحدي، ورفض الزحف الغريب لاهل المحلة، لانها تشوه الحياة والإنسان في قذارتها.

4- شخصية جدعة الخبازة: المرأة المكافحة والطيبة، تملك روح الكبرياء والطيبة، وحب الناس في تقديم الخبز الحار والطازج، وتقول عن مهنتها بشرف ونقاء ووفاء (- بيتي نظيف كقلبي.. لا عندي خنافس، ولا شوائب عندي.. والخبز كما عهدتموه، طاهر من كل آفةٍ) ص51.

5 - شخصية هدى: الصحفية المثابرة في الدفاع عن مشاكل الناس وقضاياهم الشرعية، اهتمت في عملها الصحفي في نقل الحقائق، وتقف بكل عزيمة وارادة امام زحف الخنافس إلى اهل الحي، وتشريدهم دون وجه حق، تقول عن هذا الزحف انه احتلال لا يمكن القبول والرضوخ إليه مهما كانت أدوات الإرهاب والقمع، وتحرض ناس المحلة الى الرفض وعدم المساومة، حتى لو كانت العاقبة السجن وحتى صعود المشنقة.

6 - شخصية الطفلة ياسمين: تمثل براءة الطفولة، والامل الموعود لجيل المستقبل، تقضي أيامها في الاعتناء بزراعة الأشجار والازهار والاعتناء بهما بحب ومثابرة، وتقول (- الآن صار لزاماً علينا أن نزرع شجرة اخرى. كي لا تشعر هذه بالوحدة، فلنزرع شحيرة ياسمين ايضاً) ص24، تستلهم تربية وأخلاق امها الصحفية (هدى).

هذه ملحمة الصمود والصراع، الذي جسده المتن الروائي في الصياغة الشيقة والمتمكنة.

***

جمعة عبد الله

ذاكرةُ المشرق الحيّة وجسرُ التفاعل بين الآرامية والعربية

يُعَدُّ الأدب السرياني واحداً من أعرق المنجزات الأدبية والفكرية التي أنجبتها المشرق القديم، وأحد الفروع الأكثر ثراءً في شجرة الأدب الآرامي الذي نما في بيئة حضارية متعددة اللغات والثقافات والأديان. وليس من الإنصاف النظر إلى السريانية بوصفها مجرد لغة كنسية أو أداة للطقوس الدينية، فهي، في تاريخها الطويل، لغة شعر وفلسفة ولاهوت وتاريخ وطب وفلك وترجمة وموسيقى، ووعاء لذاكرة حضارية امتدت قروناً، وأسهمت في حفظ جانب مهم من التراث الشرقي واليوناني، وفي نقله وإعادة إنتاجه داخل المجال العربي الإسلامي.

والسريانية، في أصلها، إحدى اللهجات الآرامية التي تطورت في شمال بلاد الرافدين وبلاد الشام، ثم غدت لغة أدبية ذات نظام راسخ، وازدهرت خصوصاً في مراكز حضارية كالرها ونصيبين، ثم انتشرت في مدارس ومراكز علمية ودينية امتدت آثارها إلى مناطق واسعة من المشرق. ومن خلال هذا الانتشار تشكل أدب سرياني غني، تداخل فيه الديني بالإنساني، والروحي بالفلسفي، والشعري بالتاريخي، حتى غدا مرآة لروح المشرق في واحدة من أكثر مراحله تعقيداً وخصوبة.

أولًا: الجذور التاريخية للأدب السرياني:

ينتمي الأدب السرياني إلى المجال الآرامي الأوسع، لكنه اكتسب شخصيته المستقلة نتيجة تطور اللغة السريانية وازدهارها بوصفها لغة أدبية وعلمية. وقد كان ظهور المسيحية في المشرق عاملاً مهماً في اتساع مجالها الأدبي، غير أن حصر الأدب السرياني في البعد المسيحي وحده يُفقده كثيراً من قيمته الحضارية؛ إذ إن السريانية كانت أداة للمعرفة، وحاملةً لتراث فكري متنوع، ومجالاً للتفاعل بين الثقافات.

وقد شكلت مدارس الرها ونصيبين، ثم مراكز أخرى، بيئة علمية أسهمت في ازدهار التأليف والترجمة والتعليم. وفي هذه المؤسسات نشأت تقاليد أدبية وفكرية عريقة، كان لها أثر في تكوين الوعي العلمي والفلسفي في المشرق. كما اضطلع السريان بدور بارز في حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ثم من السريانية إلى العربية، ولا سيما في العصر العباسي، حيث شارك علماء ومترجمون سريان في نقل علوم الطب والفلسفة والمنطق والفلك والرياضيات.

ومن هنا، فإن تاريخ الأدب السرياني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تاريخ أدب طائفة أو جماعة فحسب، بل بوصفه جزءاً من التاريخ الثقافي للمشرق، ومن المسار الطويل الذي أسهم في تشكيل الحضارة العربية الإسلامية.

ثانياً: أبرز خصائص الأدب السرياني وميزاته:

يمتلك الأدب السرياني خصائص فنية وجمالية وفكرية متفردة، لعل أبرزها الميل إلى الشعر الروحي والتأمل الفلسفي، وكثافة الرمز، وحضور الطبيعة، واستدعاء الصور الكونية الكبرى: النور والظلمة، الحياة والموت، الصحراء والماء، الجسد والروح، الأرض والسماء.

ويتميز الشعر السرياني، خصوصاً في نماذجه المبكرة والكلاسيكية، بقدر كبير من الموسيقى الداخلية، وباعتماده على التكرار والتناظر والإيقاع، وهو ما جعله قريباً من الإنشاد والترتيل. وقد تطورت فيه أشكال شعرية متعددة، من التراتيل والأناشيد إلى الميامر والمناظرات الشعرية والحِكم والمواعظ المنظومة.

كما يتميز هذا الأدب بقدرته على تحويل الفكرة المجردة إلى صورة حسية، وعلى بناء جدلية شعرية بين المتناقضات. فالزمن، في كثير من نصوصه، ليس مجرد تعاقب للأيام، بل قوة فاعلة في مصير الإنسان؛ والموت ليس نهاية، بل سؤالًا وجودياً؛ والطبيعة ليست خلفية محايدة، بل كائناً حياً يشارك الإنسان قلقه وتأمله.

ومن خصائصه أيضاً التداخل بين الأدب والفكر؛ فالشاعر السرياني كثيراً ما يكون لاهوتياً وفيلسوفاً ومفكراً، ولذلك تتجاوز قصيدته حدود التعبير الجمالي إلى مساءلة الوجود والإنسان والمصير والحقيقة.

ثالثاً: أفرام السرياني ويعقوب السروجي ونرساي

يأتي أفرام السرياني في مقدمة أعلام الأدب السرياني، وقد اشتهر بشعره الديني والروحي، وبقدرته الفائقة على توظيف الإيقاع والصورة والاستعارة والرمز. ويكشف شعره عن حساسية أدبية عالية، وعن معرفة عميقة باللغة وموسيقاها، حتى عُدَّ من أبرز الشعراء الذين أسسوا تقاليد الشعر السرياني الكلاسيكي.

أما يعقوب السروجي، فقد كان من كبار شعراء السريان، واشتهر خصوصاً بالـ«ميمر»، وهو نمط شعري طويل يقوم على السرد والتأمل والحجاج، وقد أتاح له هذا الشكل أن يجمع بين الفكر والشعر، وبين القصص الديني والأسئلة الأخلاقية والوجودية.

ويبرز كذلك نرساي، الذي ارتبط اسمه بالتعليم والشعر والمدرسة الفكرية، وأسهم في تطوير الشعر السرياني التعليمي والتأملي، وفي ترسيخ تقاليد شعرية تقوم على الإيقاع والتناظر والمقابلة.

ولا تقتصر أسماء الأدب السرياني على هؤلاء، بل تمتد إلى عدد كبير من المؤلفين والمؤرخين والفلاسفة والأطباء والمترجمين، الذين أسهموا في بناء ذاكرة ثقافية واسعة، وجعلوا من السريانية إحدى اللغات الكبرى في تاريخ المشرق الوسيط.

رابعاً: الأدب السرياني وعلاقته بالأدب العربي:

العلاقة بين الأدب السرياني والأدب العربي ليست علاقة انفصال، بل علاقة تفاعل تاريخي وحضاري عميق. فاللغتان تنتميان إلى الأسرة السامية، وتلتقيان في كثير من الجذور والأبنية والتراكيب، كما عاشتا قروناً في فضاء جغرافي وثقافي واحد، الأمر الذي جعل التأثير والتأثر بينهما أمراً طبيعياً.

وقد بلغت هذه العلاقة ذروتها في حركة الترجمة خلال العصر العباسي، حيث كان للعلماء السريان دور مهم في نقل علوم اليونان إلى العربية. ويأتي في مقدمة هؤلاء حنين بن إسحاق، الذي كان من أعلام الترجمة والطب، وأسهم في نقل مؤلفات علمية وفلسفية واسعة، كما برز قسطا بن لوقا ويحيى بن عدي وغيرهما من العلماء والمترجمين الذين شاركوا في بناء الجسر المعرفي بين التراث اليوناني والمجال العربي.

ولم يكن هذا التأثير محصوراً في العلوم، بل أسهمت حركة الترجمة في إثراء المصطلح العربي وتوسيع أفق التفكير الفلسفي والعلمي، وفي ترسيخ تقاليد الحوار بين اللغات والثقافات.

وفي الأدب العربي الحديث والمعاصر، يمكن ملاحظة صدى غير مباشر للتراث السرياني والمشرقي في بعض الاتجاهات الشعرية والرمزية، وفي استعادة الأساطير والرموز القديمة، وفي النزعة إلى البحث عن جذور ثقافية تتجاوز الحدود القومية الضيقة. وقد ظهرت هذه الروح بدرجات مختلفة لدى عدد من الأدباء والمفكرين المنتمين إلى المشرق، ومنهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ثم في تجارب شعرية حداثية لاحقة مثل تجربة علي أحمد سعيد إسبر المعروف باسمه المستعار أدونيس ويوسف الخال، مع ضرورة التمييز بين التأثر المباشر المثبت وبين التشابه الحضاري أو التفاعل غير المباشر.

وهنا تكمن أهمية الأدب السرياني بالنسبة إلى الأدب العربي المعاصر: إنه يفتح باباً لاستعادة مفهوم المشرق بوصفه فضاءً حضارياً متعدد اللغات، لا بوصفه وحدة لغوية مغلقة. ومن ثم فإن العودة إلى التراث السرياني ليست عودة إلى الماضي من أجل الماضي، بل محاولة لإعادة اكتشاف طبقات عميقة من الذاكرة الثقافية التي أسهمت في تكوين الشخصية الحضارية العربية.

خامساً: موقف النحاة البصريين والكوفيين وفقهاء اللغة العربية من السريانية واللغات السامية:

ينبغي الحذر هنا من إسقاط مفاهيم علم اللغة الحديث على مواقف النحاة القدماء؛ إذ لم يكن مصطلح «اللغات السامية» معروفًا لديهم بالمعنى العلمي الذي استقر في الدراسات اللغوية الحديثة. ومع ذلك، فإن كتب النحو واللغة والتفسير والتراث العربي تكشف عن وعي واضح بوجود لغات ولهجات متجاورة، وبوقوع التداخل بينها، وبوجود ألفاظ غير عربية الأصل دخلت العربية واستقرت فيها.

وقد اتسمت المدرسة البصرية، في جانب كبير منها، بالميل إلى التقعيد والقياس والاحتجاج باللغة الفصيحة الموثوقة، ولا سيما لغة القرآن والشعر العربي القديم وكلام العرب المحتج بهم. أما المدرسة الكوفية فكانت أوسع نسبياً في قبول الرواية واللغات واللهجات، وأكثر مرونة في الاحتجاج بالشواهد المتعددة. غير أن هذا الفرق لا يعني أن البصريين كانوا ينكرون وجود اللغات الأخرى، أو أن الكوفيين كانوا يرون العربية مجرد خليط من اللغات؛ فالمسألة أعقد من ذلك.

وقد أسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه في تأسيس منظومة دقيقة لدراسة العربية، بينما وسّع الكسائي والفراء دائرة النظر في اختلاف اللهجات والروايات. أما ابن جني، فقد قدم رؤية عميقة لطبيعة اللغة وتطورها، وناقش قضايا الاشتقاق والأصوات والتقارب بين اللغات، في حين تناول ابن فارس قضية أصول اللغة وخصائصها ضمن تصوره لنظام العربية ومادتها.

ومن المهم أن نلاحظ أن التراث العربي القديم لم يكن يجهل ظاهرة الاقتراض اللغوي، وإن لم يستخدم المصطلح الحديث نفسه. فقد عرف العلماء ألفاظاً أعجمية أو معرّبة، وناقشوا ما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر من ألفاظ ذات أصول غير عربية، كما بحثوا في لغات العرب ولهجاتهم. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين العربية والسريانية ضمن سياق أوسع من التفاعل اللغوي بين اللغات السامية.

أما عبد القاهر الجرجاني، فإن أهميته تتجاوز قضية الأصل اللغوي إلى النظر في النظم والعلاقة بين اللفظ والمعنى؛ وهو ما يتيح لنا اليوم أن نقرأ الأدب السرياني والعربي من زاوية جمالية مشتركة، تقوم على أن القيمة الأدبية لا تكمن في المفردة منفردة، بل في طريقة انتظامها داخل السياق، وفي قدرتها على إنتاج المعنى والصورة والإيقاع.

وقد أكد علماء اللغة العرب، بصورة أو بأخرى، أن اللغات تتجاور وتتفاعل، وأن اللغة الحية لا تنمو في عزلة مطلقة. وهذا ما تؤكده الدراسات اللسانية الحديثة التي ترى أن التبادل بين اللغات ظاهرة طبيعية من ظواهر التطور الحضاري.

سادساً: النقد الحديث وإعادة اكتشاف الأدب السرياني:

أعاد النقد الحديث النظر في الأدب السرياني باعتباره جزءاً من التراث الثقافي للمشرق، لا مجرد أدب ديني محدود الوظيفة. وأصبح من الممكن قراءته عبر مناهج متعددة: البنيوية والأسلوبية والسيميائية والتأويلية والمقارنة، فضلًا عن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية.

ومن خلال هذه المناهج يمكن الكشف عن ثراء الرموز السريانية، وعن حضور الأسطورة، والطبيعة، والموت، والقيامة، والرحلة، والبحث عن الخلاص، فضلًا عن بنيته الإيقاعية والصوتية.

كما أن الأدب السرياني يتيح للنقد المقارن أن يعيد التفكير في العلاقات بين الآرامية والعربية واليونانية والفارسية، وأن يدرس كيف تنتقل الأفكار والصور والمصطلحات بين الثقافات، وكيف تعيد كل لغة إنتاج ما تستقبله وفق نظامها الخاص.

خاتمة: السريانية بوصفها ذاكرةً لا هامشاً:

إن الأدب السرياني ليس هامشاً منسياً في تاريخ الأدب الشرقي، ولا أثراً متحجراً في متحف اللغات القديمة؛ إنه ذاكرة حيّة من ذاكرات المشرق، وشاهد على أن الحضارات لا تنمو في جزر معزولة، بل تتكون من التفاعل والتجاور والترجمة والاقتباس وإعادة الخلق.

لقد أسهم السريان في حفظ المعرفة ونقلها، وفي إثراء المجال العربي الإسلامي بالعلوم والفلسفة والطب، كما أسهم أدبهم في تكوين تقاليد شعرية وروحية وفكرية ذات قيمة جمالية وتاريخية كبيرة. ومن ثم فإن دراسة الأدب السرياني ليست مجرد استعادة لتراث لغوي قديم، بل هي إعادة قراءة لتاريخ المشرق نفسه، بوصفه فضاءً تعددياً التقت فيه الآرامية والسريانية والعربية واليونانية والفارسية، وتفاعلت فيه الأديان والثقافات والمدارس الفكرية.

ولعل القيمة الكبرى للأدب السرياني اليوم تكمن في قدرته على تذكيرنا بأن الهوية الثقافية ليست جداراً مغلقاً، بل نسيجاً تتداخل فيه الخيوط، وأن اللغة لا تعيش إلا بالحوار، وأن الأدب، في جوهره الأعمق، هو الذاكرة التي تتجاوز حدود الجماعة لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

ومن هذه الزاوية، فإن استعادة الأدب السرياني في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة ليست ترفاً معرفياً، بل ضرورة لإعادة بناء صورة أكثر اتساعاً وعمقاً للتراث المشرقي؛ صورة لا تُقصي التعدد، ولا تنكر التفاعل، ولا تجعل من اللغة أداة للفصل بين البشر، بل جسراً يعبر عليه التاريخ من ماضٍ متعدد الأصوات إلى مستقبل أكثر رحابة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

حين يختار كاتب جنساً أدبياً في التعبير عن تجربته الإنسانية مثل جمال العتّابي، فإن اختياره لا يأتي استجابة لاعتبارات فنية فحسب، بل يرتبط بطبيعة رؤيته إلى العالم والإنسان والذاكرة. ومن خلال قراءة مجموعته القصصية «ساق تحدّق»، الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2026. يبدو واضحاً أن القصة القصيرة لديه ليست جنساً أدبياً بديلاً عن الرواية أو المقالة، بل هي الصيغة الأقدر على التقاط اللحظة الإنسانية المهددة بالغياب. فيه يخوض العتّابي تجربة جديدة في ميدان السرد بعد أن قدّم روايته الأولى «منازل العطراني» عام 2023، وكانت تجربة ناجحة في رأي أغلب النقاد، الذين تناولوا النص بالدراسة والتحليل.

يقودنا هذا التحول في جنس الكتابة إلى تأكيد ما ذكره الكاتب الكولومبي ماركيز بالقول: إن الرواية تبدأ عندما يكون لديك شيء كثير تريد قوله، أما القصة القصيرة فتبدأ عندما يكون لديك شيء واحد لا يمكنك تجاهله. ربما وجد العتّابي في هذا القول مرجعاً معرفياً استند إليه في كتابة القصة القصيرة. بوصفها تشبه صناعة ساعة دقيقة، تتطلب انضباطاً أشد من الرواية، بينما شبّه ماركيز الرواية ببناء كاتدرائية.. ترتكز قصص المجموعة على ثلاثة أسس هي: الذاكرة والفقد والمكان. فالكاتب لا يروي أحداثاً مكتملة بقدر ما يستدعي آثارها الباقية في النفوس. الأسماء القديمة، دفاتر الهواتف، المقاهي، الأزقة، الرفاق، الجنود، الفلاحون، والأخوة الغائبون، جميعهم يتحولون إلى شواهد على تاريخ اجتماعي وإنساني واسع.  في قصة «دليل الهاتف» يتجسد هذا المنحى بوضوح. فالدفتر الذي يبدو في ظاهره مجرد سجل للأسماء والأرقام يتحول إلى أرشيف للغياب العراقي. كل اسم يفتح باباً على مصير، وكل رقم يستدعي حكاية، حتى يصبح البحث في الدفتر بحثاً في الخراب، الذي أصاب حياة أجيال كاملة. هنا لا يعود الهاتف وسيلة اتصال، بل أداة لاستدعاء الموتى والغائبين والمنفيين من الذاكرة.

سمات قصص المجموعة أن أبطالها ليسوا شخصيات استثنائية. إنهم أناس عاديون: فلاحون، جنود، موظفون، أصدقاء، معلمون، وأبناء أحياء شعبية. لكن الكاتب يمنحهم مكانة رمزية تجعل من كل واحد منهم مرآة لجماعة بشرية كاملة. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص القصة القصيرة الحديثة: تحويل الفردي إلى إنساني عام. لا تبحث قصص العتّابي عن البطولة بقدر بحثها عن أثر الكارثة في الإنسان البسيط. الحروب، التهجير، الخوف، الاستبداد، الفقر، والموت ليست موضوعات مباشرة في النصوص، بل خلفية ثقيلة تحاصر الشخصيات وتعيد تشكيل مصائرها. ولذلك تبدو المجموعة أقرب إلى سجل وجداني للعراق في العقود الأخيرة من تاريخه المعاصر. يمكن فهم سبب لجوء الكاتب إلى القصة القصيرة. فهي بطبيعتها: فن اللحظة المكثفة، والومضة الكاشفة، والذاكرة الخاطفة.

وهي أكثر قدرة من الرواية أحياناً على الإمساك بلحظة إنسانية تحمل داخلها زمناً كاملاً. ولهذا نجد أن كثيراً من القصص تقوم على استحضار مشهد أو ذكرى أو مواجهة عابرة، لكنها تنفتح على دلالات واسعة. إن تجربة جمال العتّابي القصصية تقترب في بعض جوانبها من الرؤية التي عبر عنها أنطوان تشيخوف حين رأى أن مهمة القاص ليست تقديم الحلول، بل الكشف عن جوهر الحياة. كما تلتقي مع يوسف إدريس في اهتمامها بالإنسان العادي، ومع نجيب محفوظ في الإيمان بأن التفاصيل الصغيرة قادرة على تمثيل التحولات الكبرى في المجتمع. والحديث عن السرد في القصة القصيرة، يعني الحديث عن الراوي في الوقت ذاته، وعن وجهات النظر أو ما يسمى بـ(الرؤى) في الحكاية. تلك الظاهرة الفنية التي يعيرها النقد المعاصر، بسبب صلتها الشديدة بمستويات النص، وبالأسلوب الذي يعرض فيه الكاتب أحداثه.  خلاصة القول إن «ساق تحدّق» ليست مجموعة عن الماضي بقدر ما هي محاولة لإنقاذه من النسيان. إنها كتابة تنحاز إلى الإنسان وهو يواجه الفقد، وإلى الذاكرة وهي تقاوم المحو، وإلى الحكاية الصغيرة وهي تحمل أثقال التاريخ الكبير. القاص جمال العتّابي هنا، لا يكتب من موقع الراوي العارف بكل شيء، بل من موقع الشاهد. والشاهد في الأدب أعمق أثراً من المؤرخ، لأنه لا يوثق الوقائع فقط، بل يوثق ما تركته من دلالات اجتماعية وسياسية وثقافية.

***

أديب حسن - كاتب عراقي

 

قراءة في “النصف الفارغ" للمبدع: عادل عرفة

تُعد أقصوصة "النصف الفارغ" للكاتب عادل عرفة نصًا مكثفًا ينتمي إلى أدب الرمز السيكولوجي، حيث يتخفف البناء السردي من الحشو والزوائد لصالح التكثيف، والإيحاء، والرمز، والشعرية. لا تقدم الأقصوصة حكاية تقليدية ذات أحداث خارجية ممتدة، بل تجسد معاينة نقدية وفلسفية لحالة وفاة روحية؛ إنسان يبلغ "خريف العمر"، فيستبد به الشعور بالنقص والندم، ويحاول تعويض ما فاته بالارتداد إلى حب قديم أو حلم مؤجل، غير أن الاصطدام بالواقع يؤدي إلى انهيار منظومته النفسية كليًا.

ومن ثم، فإن النص لا يكتفي برصد أزمة فردية عابرة، بل يكشف مأزقًا إنسانيًا وثقافيًا أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين يختزل حياته كلها في الجزء المفقود منها؟ وكيف يتحول البحث عن الكمال إلى سبب في فقدان ما كان ممتلئًا أصلًا؟

العنوان وفلسفة الفقد: "النصف الفارغ"

يمثل العنوان العتبة النصية الأولى والمفتاح التأويلي للبناء الدرامي كله. فـ "النصف الفارغ" لا يحيل إلى فراغ مطلق، بل إلى وعي جارح بالمفقود. البطل لا يرى حياته بوصفها مجموعًا من الامتلاء والنقص، وإنما يثبت نظره على ما غاب، وما فاته، وما لم يتحقق.

فالفراغ هنا لا يمثل حجم في الكوب فقط، بل منهج رؤية. إنه طريقة مأزومة في إدراك الوجود، تجعل الإنسان يعاف ما يملك لأنه مسكون بما فقد. لذلك يقول البطل:

"شدّني نصف الكوب الفارغ، تأملته، لا يرويني نصفه"

تكشف هذه العبارة أن الأزمة ليست في أن الحياة خالية، بل في أن الموجود لم يعد قادرًا على منحه الإشباع. فالنصف الممتلئ حاضر، لكنه فاقد للفاعلية في وعي الشخصية، لأن الفراغ صار أكثر قوة من الامتلاء.

ويتضاعف ثقل العنوان حين يقترن بـ خريف العمر؛ فالوعي بالنقص في هذه المرحلة لا يأتي بريئًا، بل مشبعًا بإحساس الفوات واستحالة التدارك. الخريف هنا ليس عمرًا زمنيًا فقط، بل حالة نفسية من الذبول والانطفاء.

الأنساق المضمرة

عند قراءة الأقصوصة بأدوات النقد الثقافي، تبدو أزمة البطل أكبر من كونها مرضًا نفسيًا فرديًا؛ إنها نتيجة تصارع أنساق ثقافية واجتماعية ونفسية تحكم الشخصية وتدفعها إلى الانهيار.

نسق الوصمة العمرية في مواجهة التحقق الذاتي

يقع البطل تحت ضغط نسق ثقافي جمعي يفترض أن الإنسان، حين يبلغ خريف العمر، ينبغي أن يمارس الوقار، والزهد، والانسحاب من الرغبات. لذلك فإن محاولته البحث عن ذاته العاطفية من خلال "زجاجة العطر" تبدو خروجًا على المتوقع الاجتماعي.

حين يحاول البطل استعادة شغفه، يصطدم بجدار النسق الأخلاقي الجمعي، الذي يتجسد في صورة:

"أصابها الغليان حين رأتنا"

فالمرأة الغاضبة هنا ليست مجرد شخصية، بل تجسيد لسلطة اجتماعية وثقافية تراقب وتدين وتعاقب. إنها الحاضر الذي يثور في وجه الماضي المعاد، والواقع الذي يرفض محاولة الارتواء المتأخرة.

نسق الفقد الاستهلاكي وثقافة عدم الرضا

تكشف عبارة:

"شدّني نصف الكوب الفارغ"

عن نسق ثقافي حديث يكرس الشعور الدائم بالنقص. فالإنسان في هذا النسق لا يتصالح مع المتاح، بل يظل مأخوذًا بما ينقصه. ومن ثم يتحول النصف الفارغ إلى استعارة عن ثقافة لا تعترف بالاكتفاء، بل تغذي الرغبة المستمرة في الامتلاء المطلق.

بهذا المعنى، يصبح البطل ضحية لوعي استهلاكي عاطفي؛ إذ يعتقد أن الحياة ينبغي أن تمنحه اكتمالًا كاملًا، وحين لا يحدث ذلك، يعاف الموجود ويطارد السراب.

نسق المؤسسة الطبية وسلطة التصنيف

يوحي وجود الممرضة والمكتب والجرس والكرسي بأننا داخل فضاء علاجي أو عيادي. لكن النص لا يقدم المؤسسة الطبية بوصفها خلاصًا كاملًا، بل يكشف حدودها وعجزها. فالراوي/الطبيب يحاول استخدام خطاب ترميمي مألوف:

"ابدأ من جديد"

"الحلم زهرة يرويها الأمل حتى الرمق الأخير"

غير أن هذه العبارات، رغم جمالها، تبدو عاجزة أمام ذات وصلت إلى حافة الانمحاء. وعندما تفشل الكلمات، ينتقل الراوي من موقع المعالج إلى موقع المصنف أو الحاكم، قائلًا:

"فهو ميت مسجل بالخطأ في كشوف الأحياء"

هنا تظهر سلطة المؤسسة في أقسى صورها: الإنسان إما قابل للترميم، وإما يُشطب من دائرة الفاعلية ويصنف بوصفه ميتًا سيكولوجيًا.

 الفضاء المكاني والرمزية العيادية

من جماليات النص أن الكاتب لا يصرح صراحة بطبيعة المكان، لكنه يترك العلامات اللغوية تبني الفضاء:

"ضغط إصبعي... ارتفع صوت الجرس، تحرك مقبض الباب، أشرق وجه الممرضة..."

هذه العلامات تشي بأننا في عيادة أو مكتب علاجي. غير أن المكان يتجاوز دلالته الواقعية ليصبح مسرحًا لتشريح الروح.

العيادة المضمرة

العيادة ليست مكانًا لعلاج الجسد، بل فضاء لكشف العطب الداخلي. فالبطل لا يدخل حاملًا مرضًا عضويًا، بل يدخل ليعلن احتضاره النفسي.

الطبيب/الراوي

يمثل الراوي العقلانية والسلطة الترميمية. إنه يحاول دفع البطل نحو الحياة، لكنه يكتشف أن أدواته عاجزة أمام شخص لم يعد يؤمن بإمكانية البدء.

المريض/الكئيب

البطل ليس مريضًا بمعنى جسدي، بل هو نموذج للانعدام التام للشغف. يدخل العيادة لا ليبحث عن علاج، بل ليشهد الطبيب على موته الداخلي.

البنية الأسلوبية

تتشكل بداية الأقصوصة عبر إيقاع متسارع يعتمد على الجمل القصيرة المتتابعة:

"ضغط إصبعي... ارتفع صوت الجرس، تحرك مقبض الباب، أشرق وجه الممرضة، ظهر خلفها متجهما..."

هذا الإيقاع المتقطع يشبه ضربات متلاحقة، أو لقطات سينمائية سريعة، تمهد لدخول حالة نفسية مضطربة.

ويمكن تقسيم الإيقاع الداخلي إلى ثلاث مراحل:

مرحلة الحركة والتوق

وتظهر في أفعال مثل:

تحركت، ركبنا، التحفنا، ضحكنا، لعبنا، وصلنا

وهي أفعال توهم بالانطلاق والتحرر واستعادة الحياة.

مرحلة الانفجار والارتطام

وتظهر في:

أصابها الغليان، تتساقط، تنتحر، تفلتت، تناثرت

وهنا ينقلب الحلم إلى صدام، والنشوة إلى مأساة.

مرحلة الانكسار والتلاشي

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الانكسار والتلاشي، وتبدأ بعد لحظة الاصطدام بالواقع وتحطم زجاجة العطر. في هذه المرحلة ينتقل النص من عنف الانفجار إلى هدوء مأساوي يشبه الاحتضار، حيث لا تعود الذات قادرة على المقاومة أو الصعود، بل تبدأ في الذوبان التدريجي والانمحاء.

وتتجلى هذه المرحلة في أفعال مثل:

"سرق، تلاشت، انهارت، فشل، اختفى"

فهذه الأفعال لا تحمل حركة صاعدة، ولا توحي بفعل إرادي قوي، بل تكشف عن فقدان السيطرة. فالبطل لم يعد فاعلًا في مصيره، وإنما صار مفعولًا به أمام قوى أكبر منه: الريح، الزمن، الواقع، الفقد، والانهيار الداخلي.

في قوله:

"سرق الريح عطرها"

يتحول الفقد من فقدان الشيء المادي، أي زجاجة العطر، إلى فقدان الأثر نفسه. فالزجاجة تحطمت، والعطر لم يبقَ حتى كرائحة عابرة، بل اختطفته الريح. وهذا يعني أن البطل لم يخسر الحلم فحسب، بل خسر الذاكرة الجميلة التي كانت تمنحه وهم البقاء. فالريح هنا تمحو الأثر الأخير للجمال، وتترك الشخصية عارية أمام خوائها.

ثم تأتي عبارة:

"تلاشت سحب الدخان رويدًا رويدًا"

لتؤكد انتقال النص من لحظة الانفجار إلى لحظة الانطفاء. فالدخان عادة يعقب الحريق أو التحطم، وتلاشيه يعني أن الصدمة انتهت، لكن ما انكشف بعدها أشد قسوة: خراب صامت، وفراغ لا يمكن ملؤه. إن التلاشي هنا ليس راحة بعد العاصفة، بل إعلان بأن الوهم تبدد ولم يترك خلفه إلا الحقيقة العارية.

ويبلغ الانكسار ذروته في قول البطل:

"انهارت أسوار الكوب"

فالأسوار كانت تمثل الحماية النفسية والحدود التي تحفظ ما تبقى من حياة البطل. لكن انهيارها يعني أن الذات فقدت آخر دفاعاتها، وأن الكوب، باعتباره رمزًا للحياة، لم يعد قادرًا على الاحتواء. لم تعد المشكلة أن نصفه فارغ، بل إن بنية الكوب نفسها انهارت. وبذلك يتحول النقص الجزئي إلى خراب كلي.

ثم يقول النص:

"لم يبق في قاعدته سوى القليل، فشل في التسلق والهرب"

وهذه من أقسى الصور في القصة؛ إذ يتحول القليل الباقي في القاع إلى كائن عاجز، يريد الصعود أو الهرب لكنه يفشل. وهنا يبلغ التشخيص البلاغي غايته، فالقليل المتبقي لا يرمز إلى ماء أو سائل فقط، بل إلى ما تبقى من روح البطل: بقية أمل، بقية رغبة، بقية حياة، لكنها محاصرة في القاع، لا تستطيع أن تنهض ولا أن تنقذ صاحبها.

إن القاع هنا لا يمثل مجرد موضع مكاني، بل يمثل أدنى نقطة في الانهيار النفسي. فالبطل الذي بدأ مأخوذًا بالنصف الفارغ انتهى لا يملك إلا بقايا عاجزة في القاع. ولذلك يقول:

"أصبحت غير صالحة، لا تروي ظمأ"

وهذه العبارة تعلن أن الحياة، في وعي البطل، فقدت صلاحيتها. لم تعد قادرة على الإرواء أو المعنى أو الدفع إلى الأمام. فالظمأ هنا ظمأ روحي لا جسدي، والارتواء الذي يبحث عنه لم يعد ممكنًا بعد انهيار الحلم وانسكاب النصف الممتلئ.

وبذلك تكشف مرحلة الانكسار والتلاشي عن التحول الأعمق في الشخصية:

فالبطل لم يعد يبحث عن اكتمال، ولم يعد يحاول ملء النصف الفارغ، بل صار يواجه حقيقة أكثر فداحة، وهي أن الكوب كله قد فقد قدرته على الاحتواء. ومن هنا تمهد هذه المرحلة نفسيًا ودلاليًا للقفلة النهائية:

"فهو ميت مسجل بالخطأ في كشوف الأحياء"

فالموت الذي تعلنه القفلة لم يأتِ فجأة، بل تم التحضير له عبر هذا التدرج: سرقة العطر، تلاشي الدخان، انهيار الأسوار، السقوط إلى القاع، ثم العجز عن الإرواء. إنها رحلة من الفقد إلى الانمحاء، ومن النقص إلى الموت الروحي الكامل.

ومجمل القول: تكشف أقصوصة "النصف الفارغ" عن مأساة إنسان لم يستطع التصالح مع نقص حياته، فظل مشدودًا إلى ما غاب عنه أكثر من التفاته إلى ما بقي لديه. فالكوب في النص لا يمثل مجرد وعاء عابر، بل يرمز إلى الحياة بكل ما فيها من امتلاء وفراغ، ومكاسب وخسارات، وأحلام محققة وأخرى مؤجلة. أما النصف الممتلئ فهو ما كان البطل يملكه بالفعل، لكنه لم يره كافيًا، لأن عينه تعلقت بالنصف الفارغ الذي صار رمزًا للحرمان والندم والفوات.

وتأتي قارورة العطر كرمز لذلك النصف الآخر الذي ظل البطل يفتش عنه في خريف عمره؛ فهي تمثل الحب القديم، أو الحلم المؤجل، أو البهجة التي ظن أنها قادرة على إكمال حياته وردّ رونقها. غير أن هذه القارورة، بما تحمله من جمال هش ورائحة عابرة، لم تكن قادرة على ترميم الكوب كله؛ فحين اصطدمت بمبدأ الواقع والنسق الاجتماعي الحاكم تحطمت وتناثرت، وكأن النص يعلن أن النصف الآخر الذي بحث عنه لم يكن خلاصًا حقيقيًا، بل وهمًا جميلًا لا يصمد أمام سلطة الزمن والحقيقة.

ومن هنا تتعمق مأساة البطل؛ فقد أراد أن يملأ فراغ حياته بقارورة العطر، لكنه انتهى إلى فقدان ما كان ممتلئًا في الكوب أيضًا. فالأقصوصة لا تدين رغبة الإنسان في الحب أو الاكتمال، لكنها تحذر من أن تتحول هذه الرغبة إلى هروب من الواقع، ومن أن يصير البحث عن النصف المفقود سببًا في ضياع النصف الموجود.

وبذلك تصبح الأقصوصة تأملًا إنسانيًا وسيكولوجياً عميقًا في معنى الحياة والرضا والفقد؛ لتأتي القفلة العيادية الحاسمة على لسان الطبيب مجسدةً المآل الأخير لهذا الانهيار: تحول الإنسان من فاعلٍ يبحث عن المعنى إلى مجرد حقيقة ميتة روحياً، ورقم مسجل بالخطأ في كشوف الأحياء.»

***

د. نجلاء نصير

........................

"النصف الفارغ"

ضغط إصبعي....

 ارتفع صوت الجرس، تحرك مقبض الباب، أشرق وجه الممرضة، ظهر خلفها متجهما، خطواته ثقيلة، توقفت أمام مكتبي، أشرت إليها، انصرفت، تأملني لحظات، أسرني الصمت، بدأت حروف الكلمات في الهروب منه:

ـ نظرت لنفسي بعد أن وصلت للخريف، شدَّني نصف الكوب الفارغ، تأملته، لا يرويني نصفه، تحركت خطايا سريعا، درب وراء درب، حائرة، تبحث عن النصف الآخر، كي تعيد لحياتي رونقها، بين ثنايا الزمن وجدتها، زجاجة عطر من الزمن الجميل، ركبنا بساط الريح، التحفنا بالسحاب في طريق العودة، ضحكنا، لعبنا، وصلنا، أصابها الغليان حين رأتنا، ارتفعت فقاعات الهواء، تتساقط قطرات النصف الممتلئ، تنتحر من أعلي أسوار الكوب، أصابتني، صرخت، تفلتت زجاجة العطر، تناثرت شظاياها، سرق الريح عطرها، تلاشت سحب الدخان رويدا رويدا، انهارت أسوار الكوب، لم يبق في قاعدته سوي القليل، فشل في التسلق والهرب، أصبحت غير صالحة، لا تروي ظمأ، فكيف السبيل؟، ومن يدفع روحي للأمام حتي يأتيها اليقين؟،"

ارتطم جسده بالكرسي منهارا، تلاقت عينانا:

- ابدأ من جديد

- لم يعد في العمر بقية

- الحلم زهرة يرويها الأمل حتى الرمق الأخير

- تبخر كل شيء في الهواء

- ستموت

ابتعد شيئا فشيئا، يطلب الرحيل، حروفه لم تتوقف

- سأقتات بابتسامات الآخرين

- سينهار الجبل بعد لحظة أو بعد حين

أكمل مساره حتى اختفى عن ناظري بعد أن أغلق الباب، صدى صوته لازال في الأفق يردد

"سأقتات بابتسامة الآخرين .... سأقتات بابتسامة الآخرين"

لم أبحث عنه، فهو ميت مسجل بالخطأ في كشوف الأحياء .

***

عادل عرفة

 

جدليَّةُ التفاعلِ اللغويِّ ووشائجُ الامتدادِ الحضاري

ليس الأدبُ القبطيُّ هامشاً في التاريخ الثقافيِّ العربي، ولا هو جزيرةٌ معزولةٌ في بحر الحضارات، بل هو أحدُ الروافد الكبرى التي انصهرت في تشكيل الشخصية الثقافية للمشرق، ولا سيما في مصر، حيث تعاقبت اللغاتُ ولم تتصارع، وتعانقت الحضاراتُ ولم تتنافَ، وتوارثت الأممُ ميراثاً رمزيّاً ولغويّاً وروحيّاً أغنى الوعي العربي، وأمدَّه بصورٍ جديدة، ورؤًى أكثر رحابةً، وتجاربَ إنسانيةٍ أكثر عمقاً.

فاللغة ليست مجرد أداةٍ للتفاهم، وإنما هي ــ كما يقول ابن جني في الخصائص ــ: «أصواتٌ يُعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم». وهذا التعريف لا يحصر اللغة في أصواتها، بل يجعلها وعاءً للثقافة، وحاملًا للذاكرة الجمعية، ومن ثم فإن انتقال الأدب القبطي إلى العربية لم يكن انتقال ألفاظٍ فحسب، وإنما انتقالُ رؤىً وأنساقٍ فكريةٍ وأنماطٍ تعبيريةٍ أعادت إنتاج نفسها في سياقاتٍ عربيةٍ جديدة.

لقد أدرك فقهاء العربية منذ وقت مبكر أن اللغات لا تعيش في عزلة. ولذلك لم يجد الخليل بن أحمد الفراهيدي ولا سيبويه ولا المبرِّد غضاضةً في الاعتراف بوجود ألفاظٍ معرَّبةٍ دخلت العربية واستقرت فيها بعد أن خضعت لقوانينها الصوتية والصرفية. ولم يكن هذا الإقرار انتقاصاً من العربية، وإنما دليلاً على قوتها الاستيعابية؛ فاللغة القوية ليست التي تنغلق على نفسها، وإنما التي تهضم الوافد وتعيد إنتاجه في بنيتها الخاصة.

وقد دار بين المدرستين البصرية والكوفية جدلٌ واسعٌ حول قضية السماع والقياس، وهو جدلٌ يضيء طبيعة العلاقة بين العربية وغيرها من اللغات. فقد كان النحاة البصريون، وفي مقدمتهم سيبويه والأخفش والمبرِّد، أكثر ميلًا إلى إحكام القياس وضبط الظواهر اللغوية وفق قوانين عامة، وعدُّوا السماع أصلًا لا يُتجاوز، ولكنهم لم يقبلوا من السماع إلا ما ثبتت فصاحته عن العرب الأقحاح.

أما النحاة الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء وثعلب، فقد كانوا أوسع أفقاً في قبول الروايات واللهجات، وأكثر تسامحاً مع التنوع اللغوي، ولذلك استوعبوا كثيراً من الظواهر التي رفضها البصريون، وأدركوا أن اللغة كائنٌ حيٌّ ينمو بالاستعمال، لا بالنظريات وحدها.

ومن هذه الرؤية يمكن فهم انتقال كثير من الألفاظ والتراكيب ذات الأصول القبطية إلى العربية المصرية، إذ لم تدخل بوصفها عناصر دخيلة، وإنما أصبحت جزءاً من التداول اللغوي بعد أن خضعت لقوانين العربية، شأنها شأن المعربات الفارسية واليونانية والسريانية والحبشية.

وقد أشار ابن فارس في كتابه الصاحبي إلى أن العربية، على سعتها، لم تكن بمنأى عن الأخذ والعطاء، غير أنه شدد على أن ما يدخلها لا يكتسب شرعيته إلا إذا جرى على سنن العرب في النطق والاستعمال. أما السيوطي في المزهر فقد أفرد أبواباً كاملةً للكلام على المعرَّب والدخيل، مؤكداً أن اللغات تتلاقح كما تتلاقح الحضارات، وأن هذا التفاعل سنةٌ من سنن التاريخ.

ومن الناحية الأدبية، فإن الأدب القبطي قدّم إلى الأدب العربي ثروةً من الرموز الروحية، وتجارب الزهد، وسير الشهداء، والحكايات النسكية، والمواعظ الأخلاقية، وهي موضوعاتٌ وجدت طريقها إلى الأدب العربي الوسيط، ثم عادت لتتجدد في الأدب الحديث في صورٍ أكثر رمزيةً وعمقاً.

ولعل طه حسين كان من أوائل من نبهوا إلى ضرورة قراءة الأدب المصري في ضوء جميع مراحله التاريخية، لأن الثقافة المصرية ــ في نظره ــ نهرٌ واحدٌ تعددت منابعه. أما لويس عوض فقد ذهب أبعد من ذلك حين رأى أن الهوية المصرية لا يمكن أن تُفهم بعيداً عن تراثها الفرعوني والقبطي والعربي والإسلامي، وأن كل محاولة لاجتزاء أحد هذه المكونات هي إفقارٌ للوعي الثقافي.

ويرى أمين الخولي أن دراسة النصوص الدينية واللغات القديمة ليست ترفاً أكاديمياً، وإنما هي مدخلٌ لفهم البنية العميقة للبلاغة العربية، لأن البلاغة لا تولد من فراغ، بل من تراكم التجارب التعبيرية عبر القرون.

أما في النقد الحديث، فقد فتح صلاح فضل وعبد الملك مرتاض الباب أمام قراءة النصوص التراثية بوصفها أنظمةً دلاليةً متشابكة، لا مجرد وثائق تاريخية. ومن هذا المنظور يغدو الأدب القبطي نصاً ثقافياً مفتوحاً، تتقاطع فيه الرموز الدينية مع البنى السردية والأساليب البلاغية، مما يثري القراءة العربية المعاصرة.

ويذهب الجاحظ إلى أن البيان هو قوام الحضارة، وأن الأمم تُعرف بما تنتجه من خطاب، لا بما تملكه من سلطان. وإذا كان البيان العربي قد بلغ ذروة نضجه في القرآن الكريم والشعر الجاهلي، فإن انفتاحه على آداب الأمم الأخرى جعله أكثر قدرةً على استيعاب التجارب الإنسانية، دون أن يفقد خصوصيته.

ومن هنا فإن العلاقة بين الأدب القبطي والأدب العربي الحديث ليست علاقة تأثيرٍ أحادي، وإنما علاقة تثاقف وتفاعل وتلاقح حضاري، إذ أسهم الأدب القبطي في تعميق النزعة الرمزية، وإثراء السرد الروحي، وتوسيع أفق التأمل الوجودي، بينما منحت العربية هذا التراث فضاءً أرحب، وجعلته جزءاً من الذاكرة الثقافية للأمة.

إن الأمم العظيمة لا تُبنى على إقصاء طبقاتها الحضارية، بل على استيعابها وتأويلها وإعادة إنتاجها. فالحضارة شجرةٌ ضاربةٌ في الأرض، تمتد جذورها إلى الفرعونية والقبطية واليونانية والعربية والإسلامية، بينما تظل أغصانها وارفةً ما دامت تتغذى من جميع تلك الجذور.

ولذلك فإن الأدب القبطي ليس ماضياً منقطعاً، بل هو حضورٌ حيٌّ في اللغة والرمز والخيال والسرد، وفي وجدان الأدب العربي الحديث والمعاصر. وكل قراءةٍ تنكر هذا الامتداد إنما تُفقر النص العربي وتحرمه من أحد روافده الحضارية الأصيلة، لأن الثقافة الحقّة لا تُقاس بما تستبعده، وإنما بما تستطيع أن تحتضنه وتحوّله إلى طاقةٍ جديدةٍ للإبداع والإنسانية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تُعد آني إرنو واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الفرنسية المعاصرة، وقد استطاعت أن تقدم مشروعًا أدبيًا فريدًا يجمع بين السيرة الذاتية والتحليل الاجتماعي والتأمل التاريخي. حصلت على جائزة نوبل في الأدب عام 2022 تقديرًا لأسلوبها الذي يكشف الجذور الشخصية للذاكرة والاغتراب والقيود الاجتماعية. وقد حولت حياتها وتجاربها الخاصة إلى مادة أدبية تكشف تحولات المجتمع الفرنسي خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، لتصبح أعمالها جسرًا بين التجربة الفردية والتاريخ الجماعي.

لا تنتمي إرنو إلى الرواية الخيالية التقليدية، بل طورت أسلوبًا خاصًا يعرف بالكتابة الذاتية أو السيرة الاجتماعية، حيث لا تكتب عن نفسها بهدف الاعتراف الشخصي فقط، وإنما تستخدم تجربتها لفهم قضايا أوسع مثل الطبقة الاجتماعية، والمرأة، والتعليم، والعادات الثقافية، والتحولات الاجتماعية. لذلك تجاوزت أعمالها حدود السيرة الذاتية لتصبح شهادات أدبية عن حياة أجيال كاملة.

وُلدت آني إرنو باسم آني دوشين عام 1940 في مدينة ليلبون بمنطقة النورماندي في فرنسا، ونشأت في أسرة من الطبقة العاملة كان والداها يديران متجرًا ومقهى صغيرًا. ترك هذا الوسط الاجتماعي أثرًا عميقًا في تكوينها الفكري، إذ عاشت تجربة الانتقال من بيئة شعبية إلى عالم التعليم والثقافة، وهو صراع انعكس لاحقًا في كتاباتها حول الهوية والانتماء والفارق بين الماضي والحاضر.

درست الأدب الحديث في جامعة روان، وعملت مدرسة للغة الفرنسية قبل أن تتفرغ للكتابة. بدأت مسيرتها الأدبية في سبعينيات القرن العشرين، ونشرت أولى رواياتها "الخزائن الفارغة" عام 1974، ثم قدمت أعمالًا مهمة مثل "المكان"، و"امرأة"، و"الحدث"، و"الشغف البسيط"، و"السنوات". وتميزت كتاباتها بقدرتها على تحويل التجارب الشخصية إلى قضايا إنسانية واجتماعية عامة.

تطور مشروعها الإبداعي الفكري والأدبي

تقوم رؤية آني إرنو الأدبية على أن حياة الإنسان لا تنفصل عن الظروف الاجتماعية والتاريخية التي تشكلها. فالذات عندها ليست فردًا منعزلًا، بل جزء من مجتمع يحمل قيمه وطبقاته ولغته وذاكرته. وقد تأثرت بأفكار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول الطبقة والسلطة الرمزية والتعليم، لذلك أصبحت كتاباتها تجمع بين الأدب والتحليل الاجتماعي.

تعتمد إرنو أسلوبًا يقوم على الدقة والوضوح والابتعاد عن الزخرفة العاطفية، فهي لا تسعى إلى تجميل التجربة أو تضخيمها، بل تحاول وصفها بموضوعية، حتى عندما تكون مؤلمة أو شخصية. وترى أن الكتابة وسيلة لفهم الماضي وكشف تأثيره في الحاضر، لذلك تحتل الذاكرة مكانة مركزية في أعمالها.

ويعد كتاب "السنوات" من أهم أعمالها، إذ لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية، بل يرصد حياة جيل كامل عاش التحولات الاجتماعية والثقافية في فرنسا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى بداية القرن الحادي والعشرين. وقد مزجت فيه بين تجربتها الخاصة والتاريخ الجماعي، فجاء العمل نموذجًا بارزًا في الأدب المعاصر.

كما اهتمت إرنو بقضايا المرأة والجسد والحرية الشخصية، وتناولت موضوعات كانت تعد حساسة اجتماعيًا مثل الإجهاض والعلاقات العاطفية والمرض والشيخوخة. ولم تقدم هذه القضايا بوصفها تجارب فردية فقط، بل ربطتها بالقوانين والعادات والظروف الاجتماعية التي تؤثر في حياة الإنسان.

أعمال آني إرنو وخصائصها الفنية

تُعد رواية "المكان" من أبرز أعمال آني إرنو، حيث تناولت علاقتها بوالدها وانتقالها من البيئة الشعبية إلى العالم الثقافي. ولم تجعل الأب شخصية فردية فقط، بل جعلته رمزًا لطبقة اجتماعية كاملة عاشت تحولات فرنسا الاقتصادية والثقافية. ومن خلال هذه العلاقة كشفت عن التوتر الذي قد ينشأ بين الإنسان وجذوره الأولى بعد تغير موقعه الاجتماعي.

أما كتاب "الحدث" فيمثل تجربة أدبية مهمة، إذ تناول تجربة الإجهاض في فترة كان فيها غير قانوني في فرنسا. وقد تجاوزت إرنو السرد الشخصي لتقدم شهادة اجتماعية عن وضع المرأة والقيود التي كانت تواجهها، مما جعل الكتاب من الأعمال المؤثرة في النقاش حول حقوق المرأة والحرية الفردية.

وفي "الشغف البسيط" تناولت تجربة الحب والرغبة من منظور نفسي واجتماعي، فلم تقدم قصة عاطفية تقليدية، بل درست تأثير التعلق العاطفي في الإنسان وعلاقته بذاته وبالآخر. أما "السنوات" فقد مثل مرحلة نضج كبيرة في مشروعها، لأنه جمع بين السيرة الشخصية والتاريخ الاجتماعي، وجعل حياة الفرد جزءًا من ذاكرة جماعية أوسع.

وتتميز أعمال إرنو بلغة هادئة ومباشرة، تعتمد على الاقتصاد في التعبير والدقة في الوصف. فهي لا تبحث عن الجمال الشكلي بقدر بحثها عن الحقيقة الإنسانية، ولذلك تجمع كتاباتها بين القيمة الأدبية والبعد الوثائقي. كما تعتمد على الانتقال من الخاص إلى العام، حيث تبدأ من تجربة شخصية ثم تحولها إلى سؤال يتعلق بالمجتمع والتاريخ والهوية.

أثرها في الأدب العالمي ومكانتها النقدية

حققت آني إرنو حضورًا عالميًا لأنها استطاعت تحويل التجربة الشخصية إلى أدب يحمل قيمة إنسانية شاملة. فقد أثبتت أن السيرة الذاتية ليست مجرد اعترافات فردية، بل يمكن أن تصبح وسيلة لفهم المجتمع وتحولاته. ولهذا أصبحت أعمالها نموذجًا مهمًا في دراسات الأدب الذاتي والكتابة النسوية والأدب الاجتماعي.

كما أسهمت في توسيع مفهوم الأدب من خلال الربط بين التجربة الشخصية والتحليل التاريخي والاجتماعي. فقد تناولت موضوعات مثل الذاكرة والطبقة والجسد والمرأة بأسلوب جعلها قريبة من قراء مختلف الثقافات، لأن قضاياها تتجاوز حدود المجتمع الفرنسي لتصبح أسئلة إنسانية عامة.

وقد حصلت على جائزة نوبل في الأدب عام 2022 بسبب قدرتها على الجمع بين الصراحة الأدبية والتحليل العميق للذاكرة الفردية والجماعية. فقد رأت الأكاديمية السويدية أنها استطاعت الكشف عن العلاقة بين التجربة الشخصية والقيود الاجتماعية، وتحويل التفاصيل الصغيرة في حياة الإنسان إلى أدب ذي قيمة عالمية.

وتحتل إرنو مكانة بارزة في النقد الأدبي الحديث، إذ ينظر إليها بوصفها من أهم الكاتبات اللواتي جددن مفهوم السيرة الذاتية. ويركز النقاد على مفهوم "الذات الاجتماعية" في أعمالها، حيث تظهر الأنا بوصفها نتاجًا لعوامل تاريخية وثقافية واجتماعية. كما اهتموا بأسلوبها الذي يجمع بين الموضوعية والحميمية، وبين الدقة الأدبية والتحليل الاجتماعي.

لذا، تمثل آني إرنو نموذجًا مميزًا في الأدب العالمي المعاصر، فقد استطاعت أن تجعل من حياتها الشخصية مرآة لتحولات المجتمع والإنسان. ومن خلال كتابتها الصريحة والدقيقة أعادت تعريف العلاقة بين الذات والتاريخ، وأثبتت أن التفاصيل اليومية البسيطة يمكن أن تكشف قضايا كبرى حول الذاكرة والهوية والحرية. لذلك ستظل واحدة من أهم الأصوات الأدبية في القرن الحادي والعشرين، وصاحبة مشروع إبداعي ترك أثرًا واضحًا في الأدب والنقد الحديث.

***

عصام البرّام - القاهرة

سيكولوجية المحو وبنية الاغتراب الوجداني في القصة القصيرة جدا "بئر الأمنيات" نموذجا، للمبدع د. طارق الشناوي

تنتمي قصة "بئر الأمنيات" إلى فن القصة القصيرة جدًا؛ وهو جنس أدبي حديث يقوم على أركان التكثيف الشديد، والاقتصاد اللغوي الصارم، والمفارقة، والدهشة، والانفتاح الدلالي. لا يراهن هذا الفن على مساحات الحكي الممتدة أو تعدد الشخوص، بل يقتنص لحظة خاطفة ومشهدًا مكثفًا، ترتد نهايته الصادمة لتعيد تأويل النص كاملًا بأثر رجعي.

تبدو القصة في ظاهرها مشهدًا عاطفيًا تقليديًا بين رجل وامرأة قرب البحر، في بقعة جغرافية سكندرية تحمل وعاءً فلكلوريًا واجتماعيًا للأحلام والرجاء. غير أن النص لا يستقر طويلًا عند هذه الرومانسية المبدئية، بل ينقلب في نهايته، كبؤرة تنوير، ليمارس كشفًا نفسيًا وفلسفيًا حادًا يعري أزمة التواصل، ويفكك البنية الظاهرية للعلاقة، كاشفًا عن شرخ وجداني عميق ينفصل فيه الحبيبان وجوديًا، رغم تلاحمهما الجسدي الخارجي.

العتبة النصية، العنوان ودلالته

يحمل العنوان "بئر الأمنيات" طابعًا رمزيًا مضللًا، إذ يوجه أفق توقع القارئ نحو الرومانسية، أو نحو الاستسلام للمخيال الشعبي الذي يرى في البئر مستودعًا للأسرار، والعمق، والرجاء، والوعود المستقبلية. والأمنية هنا تعبير سيميائي عن نقص داخلي أو رغبة مؤجلة يراد استدعاؤها عبر وسيط مادي هو العملة النقدية.

لكن جمالية العنوان تكمن في كونه يفقد براءته تمامًا بمجرد ملامسة قفلة النص؛ إذ يعيد الكاتب إنتاج وظيفة البئر، ويفكك دلالته الفلكلورية عبر مستويين. تتجلى أولاهما في الوظيفة الظاهرية القائمة على الإشارة إلى الفضاء المكاني المشترك الذي تنتهي عنده الحركة الجسدية للشخصيتين، بينما تتمثل الثانية في وظيفة رمزية مخفية تحيل البئر من رمز للعطاء وتحقيق الأحلام إلى مرآة للأعماق ومقبرة لوعود الحبيبة. إنه يتحول إلى بئر للخيبات والانكسار، حيث تلتقي العملتان في الجوف المظلم، لكن إحداهما تمحو الأخرى وتنفيها.

السينوغرافيا، الفضاء الزماني والمكاني

تتحرك القصة في فضاء محدد ودقيق للغاية، لا يعمل كخلفية محايدة للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا يسهم في إنتاج الدلالة وتعميق مأزق الشخصيات.

1. الزمان الفاصل: قبل الغروب اختيار توقيت "قبل الغروب" يحمل دلالة سيميائية واضحة على الأفول، وحافة الغياب، والنهايات. إنه ليس شروقًا يعد ببداية متجددة، بل زمن انتقالي تتلاشى فيه الأضواء، لتكشف عتمة العلاقة الداخلية قبل أن يحل ظلام الواقع. فالغروب هنا لا يؤدي وظيفة زمنية فحسب، بل يشارك في بناء المناخ النفسي للقصة. إنه زمن الانطفاء التدريجي، حيث تبدو العلاقة وكأنها واقفة على حافة انكشاف مؤلم، قبل أن تسقط الأمنية في البئر، ومعها يسقط الوهم العاطفي كله.

2. جغرافية المكان: بير مسعود وشاطئ ميامي تحديد المكان الحقيقي في الإسكندرية يمنح النص واقعية وخصوصية محلية حميمة، لكنه في الوقت نفسه توظيف ذكي للأبعاد الرمزية الكامنة في المكان.

أ. الكرسي الخشبي ومواجهة البحر تؤسس عبارة "يواجهان البحر، ويعطيان ظهرهما للعالم" للقطة سينمائية توحي بالاتحاد والانفصال التام عن ضوضاء المجتمع. غير أن هذا الانعزال المشترك سرعان ما يتضح أنه ليس انسجامًا، بل عزل لكل منهما داخل صمته الخاص؛ فالعالم الخارجي لم يكن المشكلة، وإنما الشرخ القائم في صميم العلاقة. إنهما يواجهان البحر معًا، لكنهما لا يواجهان الحقيقة معًا. يعطيان ظهرهما للعالم، لكن أحدهما، في العمق، يعطي ظهره للآخر.

ب. رمزية البحر اللانهائي: الامتداد والهروب والقطيعة الوجدانية يقف البحر في النص شاهدًا على مفارقة الضيق والاتساع، ويتجاوز كونه عنصرًا طبيعيًا جماليًا ليتحول إلى مرآة سيكولوجية للفراغ الداخلي والاتساع المخيف للمسافة النفسية التي تفصل بين قلبين. يتضح ذلك حين يفر الرجل ببصره إليه في قوله: "أما هو، فيتشاغل بالتحديق في البحر اللانهائي". إن "التشاغل" هنا آلية هروب وتجنيب نفسي، يلوذ بها الرجل بالامتداد والغموض، مستعيرًا صمت البحر اللانهائي ليتنصل من تلبية المطلب العاطفي الصغير للمرأة، أي أن يشتري لها شيئًا، أي شيء.

البحر باتساعه وغموضه وأمواجه يخفي أعماقه، تمامًا كما يخفي الرجل نواياه. ومن ثم يصبح الأفق الممتد أمامهما تجسيدًا للمنفى الفاصل بين عالميهما، ومساحة شاسعة من اللاشيء تصد محاولات التواصل العاطفي وتكرس غيابه الوجداني الحاد.

تشريح الشخصيات والشرخ الصامت

يقوم النص على ثنائية ضمير الغائب بدقة ينتقل السرد بين "هو" و"هي" بلا أسماء علم، مما يمنح القصة طابعًا كونيًا عامًا، ويمدها لتصبح نموذجًا إنسانيًا متكررًا للاغتراب داخل الحميمية.

1. شخصية المرأة: الإيجاب، التشبث، والوهم تبدو المرأة في النص حالمة، عاطفية، وأكثر ارتباطًا بتفاصيل اللحظة الحاضرة. يبدأ احتياجها النفسي مبكرًا برغبة بريئة تجاه الباعة اللحوحين في قوله: "تتمنى لو اشترى لها شيئًا، أي شيء". تعكس هذه العبارة، بما تحمله من تلميح درامي، فقر العلاقة إلى الإشارات الصغيرة؛ فالمرأة لا تبحث عن القيمة المادية، بل عن قيمة الالتفات الحسي، وعن إثبات أنها مرئية وحاضرة في وعيه. إنها لا تريد هدية بعينها، ولا تطلب شيئًا محددًا، وإنما تنتظر علامة. وعبارة "أي شيء" تكشف أن قيمة الفعل عندها ليست في الشيء المشترى، بل في الالتفات نفسه. إنها تريد برهانًا صغيرًا على أنها ما زالت موضع اهتمام. وعند البئر، تتجسد طبيعتها المصدقة بالحلم عبر تفاصيل حركية واعية: تبحث، تشبك الأصابع، تغمض عينيها، تهمس للعملة. وكلها أفعال تعكس الاستسلام التام للرجاء، والتشبث بالمستقبل المشترك.

2. شخصية الرجل: الانسحاب، الحذر، والإلغاء يرسم النص شخصية الرجل عبر الصمت، والانسحاب، والتجنب النفسي المحكم. فهو غائب بوجدانه، ومستغرق في الأفق، متفاديًا مبادرتها الأولى. وعندما ينتقل إلى البئر، فإنه ينخرط في الطقس بطريقة مغايرة تفضح وعيه بمسافته الداخلية عنها. فقول السارد: "بدون أن يغمض عينيه" يكشف أنه مستيقظ، حذر، ومحصن ضد الاندماج في الحلم. فهو لا يدخل الطقس العاطفي بالبراءة التي تدخلها المرأة، ولا يمنح الأمنية الإيمان ذاته. أما جملة: "ينظر لها بابتسامة" فتغدو ابتسامة مراوغة تخفي النقيض. ثم يأتي قبضه على العملة بقوة بوصفه دلالة على إصرار نفسي مكبوت، لينتهي بالرغبة الإنكارية المتمثلة في محو أمنيتها. وبذلك لا يبدو الرجل مجرد شخصية صامتة أو باردة، بل شخصية تحمل داخلها رغبة مضادة، لا تعلنها، لكنها تمنحها فعلًا رمزيًا في لحظة إلقاء العملة.

3. ثنائية (قلب المرأة وعقل الرجل): صراع الاندفاع والتحصّن تتجاوز القصة في عمقها النفسي مجرد رصد الخلاف العاطفي العابر، لتقف بنا أمام قضية جوهرية ورمزيّة كبرى تلخص جدلية العلاقة بين "قلب المرأة" و"عقل الرجل"؛ حيث يتجلى في النص تقابل حاد بين نمطين من الوعي بالوجود والمستقبل. إننا أمام "قلب المرأة" الذي يتحرك في السرد مدفوعاً بالبراءة، والعاطفة الحالمة، والاستسلام لليقين الوجداني؛ فالقلب هنا يؤمن بالطقس الفلكلوري، ويمنح الأسطورة فرصة للتحقق، ويبادر بالاشتباك الجسدي والهمس، ملقياً بذاته وأمنياته في غيابة المجهول على أمل الفوز بالتفاتة أو تلاحم مصيري. وفي المقابل، ينتصب "عقل الرجل" ككيان متيقظ، حذر، ومتحصن بالواقعية الباردة والوعي الحسابي الصارم؛ فالعقل لا يغمض عينيه، ولا يستسلم لوهم البئر، بل يظل راصداً للمسافة، متشاغلاً بالأفق، وممارساً للإنكار والرفض الصامت.

هذا التقابل يحول القصة إلى حلبة صراع وجودي بين "اندفاع القلب" الذي يبحث عن الخلود والامتداد في الآخر، و"كبح العقل" الذي يمارس القطيعة ويضع شروطه السلبية للإلغاء والمحو. وبذلك، لا تفضح القصة خذلاناً عاطفياً شخصياً فحسب، بل تعري الأزمة الأزلية لكيفية إدارة المسافة بين العاطفة المندفعة بصدقها، والعقل البارد المحكوم بحذره ومراوغته.

البنية السردية والإيقاع البصري

إن بنية النص تقوم على خطية سردية رشيقة ومحكمة، تنتقل بالقارئ من المظهر العاطفي الخارجي إلى التكشف النفسي الداخلي عبر تتابع الأفعال المتلاحقة: (يلتقيان، يتمشيان، يجلسان، يمر، يعودان، تقف، تشبك، تغمض، تهمس، يلقي). تخلق هذه الجمل الفعلية إيقاعًا سينمائيًا قائمًا على لقطات متلاحقة ومقربة، مع اعتماد واضح على الاقتصاد اللغوي وتجنب الزخرفة الإنشائية الزائدة.

النص يتحرك كما تتحرك الكاميرا: يبدأ بلقطة عامة عند شاطئ ميامي، ثم ينتقل إلى المشي، فالجلوس، فمرور الباعة، ثم يقترب أكثر من اليد، فالعملة، فالعينين، فالهمس، ثم البئر. وكلما ضاقت اللقطة بصريًا، اتسع المعنى نفسيًا. ويتجلى ذكاء البناء السردي في استخدام الكاتب لتقنية الحذف الفني، أو المسكوت عنه؛ فالنص لا يخبرنا مطلقًا ما هي أمنية المرأة، مما يترك للقارئ مساحة تأويلية لتوقع الحلم، بينما يركز السرد بقسوة بالغة على أمنية الإلغاء الصادرة من الرجل، ليصبح المسكوت عنه هو بؤرة المعنى المتفجرة.

اللغة والأسلوب، اقتصاد العبارة وكثافة الدلالة

لقد اتسمت لغة القصة ببساطة ظاهرية تخفي كثافة دلالية واضحة؛ إذ لا يلجأ الكاتب إلى الزخرفة البلاغية أو الاستطراد الوصفي، بل يعتمد على جمل قصيرة وحركات سردية متتابعة تصنع مشهدًا بصريًا مكثفًا. وتبدو اللغة هنا أقرب إلى الكاميرا التي تلتقط التفاصيل الصغيرة: المشي، الجلوس، مرور الباعة، البحث عن العملة، تشابك الأصابع، الهمس، ثم الإلقاء في البئر. غير أن هذه التفاصيل لا تظل في حدود الوصف الخارجي، بل تتحول إلى إشارات نفسية ورمزية تكشف ما لا تقوله الشخصيات صراحة.

وتكمن فاعلية الأسلوب في قدرته على تحويل العادي إلى دال؛ فالجملة البسيطة لا تؤدي وظيفة إخبارية فقط، بل تنطوي على شحنة نفسية ورمزية. فعبارة مثل: "تتمنى لو اشترى لها شيئًا، أي شيء" تكشف احتياجًا عاطفيًا عميقًا من خلال مطلب مادي بالغ البساطة. وكذلك عبارة: "بدون أن يغمض عينيه" لا تصف حركة جسدية فحسب، بل تكشف موقفًا نفسيًا قائمًا على الحذر ورفض الاندماج في الحلم.

ومن ثم فإن لغة النص تحقق واحدًا من أهم شروط القصة القصيرة جدًا، وهو أن تكون كل لفظة ذات وظيفة، وكل حركة قابلة للتأويل. فلا توجد تفاصيل فائضة، بل تتضافر المفردات والإيماءات لتقود القارئ نحو القفلة الصادمة التي تمنح النص طاقته الدلالية الأخيرة. وتتجلى قيمة الاقتصاد اللغوي أيضًا في غياب الحوار المباشر؛ فالشخصيتان لا تتواجهان بالكلام، بل تتواجهان بالإيماء والصمت والأمنيات. وهذا الصمت يمنح اللغة قوة مضاعفة، لأن ما لا يقال يصبح أكثر حضورًا مما يقال.

سابعًا: المفارقة وجوهر صراع الرغبات

1. رمزية تشابك الأصابع: وهم الاتحاد تمثل لقطة "تشبك أصابع يدها في أصابع يده" هندسة جسدية توحي بالالتحام الكامل والثقة المطلقة، وهي المبادرة التي تقودها المرأة لتصهر مصيريهما في حيز أمنية واحدة. إلا أن هذه الحركة تتحول بفعل القفلة إلى رمز صارخ لـ الوهم العاطفي؛ فالأصابع المتصلة ميكانيكيًا تخفي وراءها افتراقًا إراديًا ووجوديًا، مما يبرز التناقض القاسي بين دفء التلامس الخارجي وبرودة النوايا الداخلية. فاليد هنا لا تقول الحقيقة كلها. إنها تقدم صورة حب، لكنها لا تضمن وجود الحب ذاته. ومن ثم يصبح تشابك الأصابع علامة على المسافة بين الشكل والجوهر، وبين الحضور الجسدي والغياب الوجداني.

2. رمزية البئر: قبر الأحلام البئر في النص يعاد صياغته ليتخلى عن ملمحه الفلكلوري كوعاء للعطاء، ويتحول إلى أداة سيكولوجية للتعطيل ومستودع للأعماق المظلمة. هو بئر للخفايا والمستور، تنتهي إليه الأفعال وتكشف عنده الحقائق. وحين تستخدمه المرأة كمنطلق لرجائها العاطفي، يستغله الرجل كساحة لصراع إرادات صامت، محولًا جوف البئر من منبع للتحقق إلى قبر تدفن فيه أمنية شريكته بفعل عملته المضادة. بهذا المعنى، لا يعود البئر مكانًا لتحقيق الأمنيات، بل يصبح مكانًا لتصادمها. العملتان تسقطان في المكان نفسه، لكنهما لا تحملان المعنى نفسه. إحداهما تحمل الرجاء، والأخرى تحمل النفي.

3. القفلة المباغتة: بؤرة التنوير والخلخلة تتفجر المفارقة المركزية في النص عبر الجملة الأخيرة: "ويتمنى ألا تتحقق أمنيتها"، وهي قفلة مباغتة تباغت المتلقي وتنسف أفق توقعه بالكامل، وتجبره على إعادة قراءة الومضة بأكملها بأثر رجعي. فالقارئ، بعد هذه النهاية، يعود إلى كل تفصيل سابق ليفهمه على نحو جديد: تحديق الرجل في البحر، عدم شرائه شيئًا لها، عدم إغماض عينيه، ابتسامته، وقبضه على العملة.

القوة الفنية لهذه القفلة لا تكمن فقط في إحداث الصدمة، بل في كشفها عن طبيعة صراع الرغبات؛ فرغبة الرجل هنا ليست رغبة إيجابية مستقلة تخص ذاته، بل هي رغبة سلبية، تدميرية، شرطها الأساس محو وإلغاء رغبة شريكته. هو يسايرها حركيًا وميكانيكيًا، ويبتسم في وجهها، لكنه يغتال أمنيتها سرًا في غيابة البئر، مما يحول المشهد الرومانسي بأكمله إلى تراجيديا خذلان مغلفة بالصمت.

ثامنًا: البعد الفلسفي والنفسي، العزلة داخل الحب

يرتقي النص من مجرد قصة قصيرة جدًا إلى أطروحة فلسفية وجودية حول الاغتراب الثنائي، أو العزلة تحت سقف الحميمية. فالقصة تسائل فكرة الأمنية، والقدرة على فهم الآخر، وتطرح أسئلة وجودية عميقة حول طبيعة الحب ومعنى المشاركة:

- هل يعني الحب بالضرورة توافق الإرادات والنوايا؟

- أم أن تجاور الأجساد قد يخفي وراءه أعمق المنافي؟

- كيف يمكن للإنسان أن يعيش وحدته القصوى وهو يمسك يد الشخص الذي يظنه الأقرب إليه؟

تثبت اللوحة الإنسانية المتكاملة في "بئر الأمنيات" أن تشابك الأصابع في العلاقات لا يضمن تشابك المصائر، وأن الصمت في القصة كان خطابًا بديلًا ومكثفًا؛ يتوزع بين صمت المرأة المحمل بالانتظار والاحتياج، وصمت الرجل المحمل بالانسحاب والإنكار. فالعزلة هنا ليست عزلة مكانية، لأن الشخصيتين معًا في المكان ذاته، وليست عزلة جسدية، لأن اليدين متشابكتان. إنها عزلة أعمق: عزلة الرغبة، وعزلة المعنى، وعزلة الأمنية التي لا تجد صدى لدى الآخر. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار القصة قصة فلسفية بامتياز، لا لأنها تطرح أفكارًا مجردة مباشرة، بل لأنها تكثف سؤالًا وجوديًا في مشهد بسيط: ماذا يبقى من الحب حين تتجاور الأيدي وتتعارض الأمنيات؟

لقد نجح الكاتب في بناء أيقونة سردية شديدة الكثافة والعمق، تجمع بين الرومانسية الظاهرية المضللة والخذلان الوجداني المضمر. لقد استطاع، عبر لغة بصرية مقتضبة، ومكان واقعي ذي ظلال فلكلورية، ومثلث رمزي محكم يتشكل من البحر بفضائه الهروبي والانسحابي، والبئر بعمقه الكاشف والخافض للأحلام، وتلاحم الأصابع بوهمه الخادع، أن يعري أزمة التواصل الإنساني في واحدة من صورها الأشد قسوة.

ففي هذه القصة لا يموت الحب بالصراخ أو الفراق المعلن، بل يموت في لحظة صامتة، بابتسامة مراوغة، وبأمنية سرية لا يسمعها أحد، لكنها تتردد بوجع عميق في قلب القارئ بفضل قفلتها المباغتة. إن "بئر الأمنيات" ليست حكاية عن أمنية ألقيت في بئر، بل عن علاقة سقطت في عمقها الخاص. وهي نص قصير في مساحته، لكنه واسع في أثره، لأنه يكشف أن أخطر ما في الحب ليس الاختلاف المعلن، بل الأمنية المضادة التي تقال سرًا بينما اليد ما زالت في اليد.

***

د. نجلاء نصير

........................

بئر الأمنيات

يلتقيان قبل الغروب عند (بير مسعود) قرب شاطئ ميامي. يتمشيان قليلاً على شاطئ البحر، يجلسان على أحد الكراسي الخشبية، يواجهان البحر، ويعطيان ظهرهما للعالم. يمر عليهما عدد من الباعة اللحوحين، يعرضون عليهما بضاعتهم. تتمنى لو اشترى لها شيئًا، أي شيء، أما هو، فيتشاغل بالتحديق في البحر اللانهائي. بعد قليل، يعودان باتجاه بئر الأمنيات الشهير. تقف عند البئر، تبحث قليلاً في حقيبتها قبل أن تخرج عملة معدنية، تشبك أصابع يدها في أصابع يده، تنظر له، تغمض عينيها، وتهمس إلى عملتها بأمنيتها، ثم تلقي العملة في البئر. تطلب منه أن يفعل مثلها. يبحث في جيب بنطاله حتى يجد عملة نقدية، يقبض عليها بقوة، ينظر إليها، وبدون أن يغمض عينيه، ينظر لها بابتسامة، يهمس إلى عملته، يلقي بها في البئر، ويتمنى ألا تتحقق أمنيتها.

***

د. طارق الشناوي

قراءة تحليلية في ملامح رفعت إسماعيل

تُعدّ رواية أسطورة آكل البشر واحدة من أبرز نصوص سلسلة ما وراء الطبيعة التي كتبها أحمد خالد توفيق، إذ تتكثف فيها عناصر الرعب النفسي والسخرية الفلسفية في آنٍ واحد، وتبرز من خلالها شخصية الدكتور رفعت إسماعيل بوصفها محور البناء السردي ومركز التجربة الحكائية. إنّ تحليل هذه الشخصية يكشف عن أبعاد فكرية ونفسية عميقة، تتجاوز حدود الرواية البوليسية أو الرعب التقليدي، لتدخل في نطاق التأمل الوجودي والوعي الذاتي.

تُقدَّم شخصية رفعت إسماعيل في هذه الرواية بوصفها نموذجًا فريدًا للبطل المضاد، فهو ليس بطلاً تقليديًا يتمتع بالقوة أو الشجاعة الخارقة، بل رجل ستيني نحيل، مريض، متشائم، يميل إلى السخرية السوداء، فضلًا عن أنَّه يعيش حالة دائمة من الشك تجاه كل ما يحيط به، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هذه الصفات لا تُضعف الشخصية، بل تمنحها واقعية، وتجعلها أكثر قربًا من القارئ، إذ تمثل الإنسان العادي في مواجهة المجهول.

تتجلى مركزية رفعت إسماعيل في الرواية من خلال كونه الراوي الأساس للأحداث، فهو لا ينقل الوقائع فحسب، بل يعيد تشكيلها عبر وعيه الخاص، مما يضفي على السرد طابعًا ذاتيًا. إنّ السرد بضمير المتكلم يجعل القارئ أسيرًا لتجربة الشخصية، حيث تتداخل الحقيقة مع التخييل، ويصبح من الصعب التمييز بين ما هو واقعي وما هو نتاج خوف أو توهم. وهذا ما يعكس إحدى أهم تقنيات الرواية، وهي “ لاوثوقية الراوي”، إذ إنّ رفعت نفسه يشكك في إدراكه، مما ينتج توترًا معرفيًا مستمرًا.

من الناحية النفسية: يمكن قراءة رفعت إسماعيل بوصفه شخصية تعاني من صراع داخلي بين العقل والعاطفة. فهو طبيب متخصص في أمراض الدم، يؤمن بالعلم والمنطق، لكنه في الوقت ذاته يجد نفسه في مواجهة ظواهر لا يمكن تفسيرها علميًا. هذا التناقض يولد حالة من القلق الوجودي، حيث يُجبر على إعادة النظر في منظومته المعرفية. وقد أشار في أكثر من موضع إلى عدم ارتياحه لما يراه، بل ومحاولته الدائمة لتفسيره تفسيرًا عقلانيًا، رغم إدراكه لقصور هذا التفسير.3029 ahmad khalid

أما على المستوى الفكري: فإنّ رفعت إسماعيل يمثل صوت الشك الفلسفي داخل الرواية. فهو لا يقبل المسلمات، ويطرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات، مما يجعله أقرب إلى المفكر منه إلى البطل الروائي. هذا البعد الفكري يتجلى في تعليقاته الساخرة على الأحداث، حيث يستخدم السخرية كآلية دفاعية ضد الخوف، وكوسيلة لتفكيك الواقع. إنّ هذه السخرية ليست مجرد أسلوب لغوي، بل هي رؤية للعالم، تعكس عبثية الوجود وهشاشة اليقين.

وفي سياق الرواية، يظهر رفعت إسماعيل في مواجهة “الآخر الغريب”، المتمثل في أسطورة آكل البشر، وهي كيان مرعب يتحدى الفهم البشري. هنا تتجلى أهمية الشخصية المركزية، إذ إنّ الصراع ليس بين الإنسان والوحش فحسب، بل بين العقل والخرافة، بين المعرفة والجهل. ويُلاحظ أنّ رفعت لا ينتصر على هذا الآخر بالقوة، بل بمحاولة الفهم، حتى وإن كانت هذه المحاولة غير مكتملة.

كما أنّ البعد الزمني يؤدي دورًا مهمًا في تشكيل الشخصية، إذ إنّ رفعت يروي الأحداث من موقع لاحق، أي بعد أن عاش التجربة. هذا التباعد الزمني يمنحه نوعًا من التأمل، لكنه في الوقت ذاته لا يخفف من وطأة الخوف الذي عاشه. بل إنّ استعادته للأحداث تكشف عن أثرها العميق في نفسيته، مما يدل على أنّ التجربة لم تكن عابرة، بل شكلت جزءًا من وعيه.

ومن الناحية الأسلوبية: فإنّ اللغة التي يوظفها رفعت إسماعيل تتميز بالبساطة الممزوجة بالعمق، حيث تتداخل فيها المصطلحات العلمية مع التعبيرات العامية، مما يعكس ازدواجية الشخصية بين العالم الأكاديمي والواقع الشعبي. كما أنّ استعماله للجمل القصيرة والتعليقات الساخرة يمنح النص إيقاعًا خاصًا، ويعزز من حضور الشخصية في ذهن القارئ.

إنّ دراسة شخصية رفعت إسماعيل في هذه الرواية تكشف عن تحول مهم في مفهوم البطل في الأدب العربي الحديث، حيث لم يعد البطل نموذجًا مثاليًا، بل أصبح إنسانًا هشًا، مترددًا، لكنه في الوقت ذاته قادر على التفكير والتساؤل. وهذا التحول يعكس تغيرًا في وعي الكاتب والقارئ معًا، حيث أصبح التركيز على الداخل النفسي أكثر من الخارج الحركي.

وفي الختام، يمكن القول إنّ رفعت إسماعيل ليس مجرد شخصية روائية، بل هو حامل لرؤية فكرية وفلسفية، تجسد صراع الإنسان مع المجهول، ومع ذاته في آنٍ واحد. إنّ مركزيته في رواية أسطورة آكل البشر لا تنبع من دوره في الأحداث فحسب، بل من كونه أداة لفهم العالم، ومرآة تعكس قلق الإنسان الحديث. ولذلك، فإنّ هذه الشخصية تظل من أبرز إنجازات أحمد خالد توفيق في أدب الرعب العربي، لما تحمله من عمق إنساني وتوتر معرفي مستمر.

***

أ. د. نهاد فخري محمود

جامعة الأنبار – كلية الآداب – قسم اللغة العربية

.................

المصدر:

رواية أسطورة آكل البشر، د. أحمد خالد توفيق، سلسلة ما وراء الطبيعة، المؤسسة العربية الحديثة، مصر، 1998.

 

عن منشورات «الاتحاد العام للأدباء والكتاب» في العراق، 2026، صدرت للكاتب جمال العتابي مجموعة قصصية بعنوان «ساق تحدق» في «127» صفحة، تضم 27 قصة قصيرة، تنعكس فيها خبرة العتابي الإبداعية التي تمتد لأكثر من نصف قرن، زاوج فيها بين النقد التشكيلي، والموسيقى، والسرد، وهو ما يفسر الكثافة والعمق البصري في قصصه.

في قصص العتابي هذه، تتحول الذاكرة إلى وسيلة للمقاومة، حيث يوزع الكاتب الأحداث على شكل شذرات دافعاً بالقارئ إلى إعادة تركيبها. يتجلّى هذا في قصة «دليل الهاتف»؛ حيث يعثر البطل «كامل» على دفتر هاتف قديم يتحوّل إلى بوابة لاستعادة تاريخ من الخراب. يقول السارد: «حدق في السجل الذي ظل يبحث عنه طوال تلك المدة التي شهدت موجة من العنف... اضطر بسببها إلى الهرب والإفلات من الجحيم» (المجموعة 5).

تتحول الأرقام الباردة إلى شواهد على حيوات تلاشت. ففي إحدى القصص، يتصل كامل بصديقه «نزار»، فيكتشف أنه أصيب بالشلل وفقد النطق، ومع ذلك يقول نزار: «تحولت إلى نصف رجل الآن... لكن ذاكرتي ما تزال حية» (المجموعة 10). وتختصر هذه اللحظة فكرة المجموعة: «قد ينهار الجسد، لكن الذاكرة تبقى المعقل الأخير لمقاومة الخراب».

وتستمر هذه المقاومة في قصة «بائع الشاي الأخير»، حيث يلتقي الصديقان «حسن وكريم» بعد سنوات من الفراق والقمع، ليكشف كريم أن الخوف جعله ينكر اسمه طويلاً: «كنت أخشى حتى من اسمي يا حسن، صار ظلي يلاحقني». ثم يختم اللقاء بعبارة تفيض بالوجع: «حسن... لو جئت لي غداً، وقلت لي مرحباً كريم مرة، أعدك سأرد... لكن لا تتأخر، فأنا بدأت أنسى شكل الحلم» (ص 32).

لا يتناول العتابي الحرب عبر البيانات العسكرية، بل بوصفها حالة وجودية تتغلغل في حيوات البسطاء. في قصة «ذات صباح»، نعيش حلم الشاب «خالد السلمان» الذي جاء إلى العاصمة ليدرس، وكان يردد بخوف: «أخاف كثيراً... أخاف أموت قبل ما (أوفي) بوعدي لأمي...». لكن حلمه يتبدد بانفجار سيارة مفخخة، وتأتي الصدمة من البرود الإعلامي الذي نقل الكارثة بعبارة: «انتهى الخبر» (ص 19).

وفي قصتي «خط النار»، يرفع الكاتب القناع عن الشعارات السياسية الكبرى التي تحول الحروب إلى مقبرة للفقراء، بينما يجلس صناع القرار خلف مكاتبهم الفارهة، واصفاً أجساد الجنود البسطاء بأنها «تتناثر مثل الطيور الذبيحة» (العتابي 43). وفي «فرصة العمر»، تواجه السلطة الأب بسؤال مخادع: «كيف تقبل تحرم الولد من فرصة العمر في المشاركة لمواجهة العدو؟» (العتابي 45).

وتكتمل المأساة في «إجازة تأجيل الموت»، حيث يقدم الجندي سالم خروفاً رشوةً لضابطه ليشتري أياماً إضافية من الحياة. ويبلغ المشهد ذروته عندما يكتب اسمه باللون الأحمر على ظهر الخروف (ص 53)، فيغدو الخروف معادلاً رمزياً للجندي؛ فكلاهما يُساق إلى الذبح بلا إرادة، ويصبح الاسم المكتوب محاولة أخيرة لإثبات الوجود في مواجهة موتٍ يقترب. وفي قصة «بابا نائم»، تبلغ المفارقة ذروتها عندما تسحب طفلة الغطاء عن جثمان أبيها قائلة: «بابا نائم» (ص 93). وفي «موت جميل»، يفضح الكاتب تجميل القتل بسخرية سوداء؛ إذ توصف الرصاصة بأنها «مغلفة بطبقة ناعمة من مركب زهري» ص 89).

ومن جهة أخرى، تحضر المدينة في المجموعة كائناً حياً يتألم ويشيخ بفعل الحصار؛ إذ تظهر بغداد في «بائع الشاي الأخير»، وهي ترزح تحت وطأة الاغتراب، ويصف الكاتب شارع المتنبي بقوله: «كان شارع المتنبي يتنفس بصعوبة ينوء بثقل الحصار... كانت الكتب كالأشلاء تئن من الجوع معروضة على أرصفة الشارع» (ص 29). إن تشبيه الكتب بالأشلاء يوضح عمق الانهيار الثقافي والاقتصادي.

وفي قصة «أمل في سروال»، يتناول الكاتب التحولات الطبقية عبر سوق الملابس المستعملة (البالة)، حيث «كل قطعة تحمل قصة» (العتابي 48) صاحبها الأول. فيجد المشتري الفقير نفسه مجبراً على ارتداء تاريخ شخص مجهول. وفي مقابل هذا الخراب، يلتفت الكاتب في قصة «فقدان سلسلة» إلى دفء الريف ممثلاً بنهر الغراف ومدرسته القديمة التي «ليست بناية من حجر، إنما روح حية تنبض وسط الطبيعة، على ضفاف نهر لا يعرف التوقف» (ص 100).

يبلغ جمال العتابي ذروة اشتغاله الفني حين يمنح الأشياء والأعضاء المبتورة القدرة على الكلام، فتغدو شخصيات فاعلة تكشف ما عجز الإنسان عن قوله. ففي قصة «ساق تحدق» لا تبقى الساق المبتورة مجرد عضو مفقود، بل تتحول إلى شاهد حي على الخراب العراقي؛ إذ تخاطب الطبيب بقولها: «هذا وطني يتناثر في أبهاء الريح ما بين قتيل في الساحات وبين جريح» (ص 118).

بهذا الخطاب تنتقل الساق من أنَّها جزءٌ من الجسد إلى ضمير جمعي يستحضر الوطن الجريح، ثم تستعيد ذكريات الركض وصعود الجبال لتغدو عيناً ساهرة تحدق في بشاعة الحرب وتدين صُنّاعها.

* كاتب عراقي وتتكرر هذه الأنسنة في قصة «لسان يترنح»، إذ لا ينجح القمع في إسكات الحقيقة رغم بتر اللسان: «أنتم تقطعون اللحم، أما الحقيقة فهي تسكن في العظام» (ص 115). وهنا تتحول الإعاقة الجسدية إلى فعل مقاومة، حين يبتكر الناس لغة بديلة، فيغدو مشهد «صار الناس يشيرون بأصابعهم إلى أفواههم المغلقة، ثم إلى قلوبهم» (ص 115) دالاً على أن التواصل الإنساني أوسع من حدود اللغة المنطوقة، وأن الحقيقة تستطيع أن تجد دائماً وسيلة جديدة للتعبير.

ولا يقتصر هذا الحس الإنساني على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الكائنات الأخرى. ففي قصة «تيمة كلب» يغدو الكلب رمزاً للوفاء، ويصبح غرس شجرة في مكانه بعد موته فعلاً يحفظ الذاكرة ويقاوم الفناء (ص 115).

أما في قصة «اتحاد النمل»، فإن العتابي يمنح النمل صوتاً أخلاقياً يواجه استعلاء الإنسان، حين يعلن: «لسنا ضدك، لكننا لسنا دونك، نحن نعيش على هذه الأرض كما تعيش... لكن لا نملك حذاءً لنسحق به أحداً» (ص 111).

ومن التقنيات البارزة في المجموعة اعتماد النهايات المفتوحة التي تجعل القارئ مشاركاً في إنتاج الدلالة. ففي قصة «الوردة المجففة» لا يحسم السارد معنى الاحتفاظ بالوردة، بل يتركه معلقاً عبر قوله: «ربما لتحتفظ بالرائحة. وربما لتتذكر أن بعض الرسائل تعرف طريقها، حتى في العتمة» (ص 40). إن تكرار لفظة «ربما» يوسع أفق التأويل، ويمنح المتلقي حرية استكمال المعنى وفق خبرته ووعيه.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها في قصة «رفعت الجلسة»؛ إذ لا تنتهي المحاكمة بقرار القاضي، وإنما تنقضها صرخة درويش: «لا... لم ترفع الجلسة، ما زالت مستمرة» (ص 126). وبهذه النهاية يتحول الحكم القضائي إلى محاكمة أخلاقية مفتوحة، ويغدو القارئ طرفاً فيها، مطالباً بإصدار موقفه من الظلم بدل الاكتفاء بمراقبته.

وخلاصة القول: تنحاز مجموعة «ساق تحدق» بوضوح إلى الإنسان المقهور والمهمش؛ فالجندي، وبائع الشاي، والكادح، واليتيم، جميعهم يمثلون وجوهاً لمعاناة واحدة. من خلال المفارقة، والرمز، وأنسنة الأشياء، والنهايات المفتوحة.

***

د. جاسم الخالدي

قراءة في ديوان "فحم أبيض" للشاعر عبود الجابري

منذ النصف الثاني من القرن العشرين أخذت القصيدة الحديثة تنفض عنها كثيرًا من الموضوعات التي طالما عدّها الشعر القديم جديرة بالاحتفاء؛ فلم تعد البطولة، أو المديح، أو الوقائع الكبرى، أو الخطابة الوجدانية، هي المنابع الوحيدة للشعر، بل أخذت القصيدة تلتفت إلى ما كان مهمشًا في الحياة اليومية، حتى غدا الكرسي، والنافذة، والشارع، والحافلة، وعلبة الشاي، والمقهى، أكثر قدرة على تمثيل الإنسان من الشخصيات البطولية نفسها. لقد انتقل مركز الثقل من الحدث إلى الشيء، ومن البطولة إلى التفاصيل، ومن الضجيج إلى الهمس، وقد إزداد هذا التوجه انتشارًا مع ظهور نظريات "ما بعد الحداثة" ومناهجه المتنوعة. ولعل هذا التحول هو ما دفع الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار إلى أن يجعل البيت، والنافذة، والخزانة، والدرج، والزاوية موضوعات للتأمل الفلسفي في كتابه (جماليات المكان)؛ إذ رأى أن الإنسان لا يسكن الأمكنة فحسب، بل تسكنه هي أيضًا، وأن الأشياء اليومية ليست أدوات صامتة، وإنما خزائن للذاكرة والحنين والخيال، فالمكان عند باشلار لا يُقاس بأبعاده الهندسية، وإنما بما يختزنه من حياة داخلية، ولذلك تصبح الأشياء الصغيرة امتدادًا للروح أكثر من كونها امتدادًا للمادة. ومن زاوية أخرى، يرى ميشيل دو سيرتو أن الحياة اليومية ليست مساحة رتيبة كما تبدو، بل هي المجال الذي يمارس فيه الإنسان مقاومته الصامتة للعالم؛ فمن خلال عاداته البسيطة، وطريقته في المشي، واستعماله للأشياء، وإعادة توظيفها، يعيد تشكيل الواقع كل يوم، أما الشاعر الفرنسي فرانسيس بونج فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين جعل الأشياء نفسها موضوعًا للقصيدة، محاولًا أن يمنحها صوتًا خاصًا، لا بوصفها رموزًا جاهزة، بل بوصفها كائنات تمتلك وجودًا شعريًا مستقلًا.

ونجد هذه الرؤية صداها في القصيدة العربية الحديثة؛ إذ لم تعد الأشياء اليومية مجرد ديكور للمشهد الشعري، وإنما أصبحت البنية التي يُبنى عليها المعنى، ولم يعد الشاعر يبحث عن الاستعارة في السماء البعيدة، بل صار يعثر عليها في البيت، والمطبخ، والرصيف، والحافلة، وفي كل ما يمر به الإنسان من دون أن يلتفت إليه.

ولعل أبرز من يمثل هذا التوجه هو الشاعر العراقي عبود الجابري في كل دواوينه الشعرية ولا سيّما ديوانه "فحم أبيض" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب- 2025، فالجابري لا يقدم عالمًا استثنائيًا ومختلفًا بقدر ما يعيد اكتشاف العالم المألوف، لكنه يفعل ذلك عبر تفكيك الوظيفة الاعتيادية للأشياء وإعادة بنائها داخل اللغة، وإضفاء رؤيته الخاصّة عليها، وما يجذب الانتباه منذ الصفحات الأولى من الديوان أن الجابري لا يختار الأشياء لأنها جميلة، بل لأنها مألوفة إلى حد الابتذال؛ غير أن القصيدة تنزع عنها هذا الابتذال، وتعيد إليها دهشتها الأولى ويضع القارئ أمام رؤية مختلفة كليًا.

وأبرز ما يلاحظ على الديوان منذ البداية أن الأشياء لا تُستحضر بوصفها خلفية للمشهد، وإنما بوصفها مركزًا للرؤية، ففي مفتتح الديوان يقول:

اشتعلت الغابة

وتهَاوت القلعة حجرًا، حجرًا

واكتمل القمر

كما لو أنه يحط رحاله على الأرض

بينما كانت المصابيح

تتراقص غبطةً

وتهتف لشرارةٍ لم تنطفئ

عند فرارها من الموقد

فالجابري لا يكتفي بوصف احتراق الغابة أو سقوط القلعة ولا يعيرها اهتمامًا، بقدر ما يجعل المصابيح تحتفي بشرارة هاربة من الموقد، ويتبين أن مركز الصورة عند الجابري ليس الحريق نفسه، وإنما تلك الشرارة الصغيرة التي أفلتت من وظيفتها الأصلية، وكأن الشاعر يعلن منذ بدايته أنه سينحاز إلى التفاصيل الهاربة والصغيرة، لا إلى المشاهد الكبرى، فالحريق حدث، أما الشرارة فهي حكاية. ويتأكد هذا المنحى في قصيدة "فراغ بين فاصلتين"، التي تُعد من أكثر نصوص الديوان تعبيرًا عن شعرية اليومي، إذ تُبنى القصيدة كلها على أفعال اعتيادية لا يكاد الإنسان ينتبه إليها:

يكفي أن تحرك يدك في الشمس

لتلمع ساعتك العاطلة على جدار قريب

في الظاهر نحن أمام حركة عابرة، تفتح الحركة اليومية أفقًا للتأمل في الزمن؛ إذ تتحول الساعة إلى صورة لزمن فقد انتظامه، فيما يغدو الضوء كاشفًا لهذا التعطل، فتغادر الساعة وظيفتها المادية لتستقر في أفق الاستعارة بوصفها تمثيلًا لزمن داخلي متوقف، ثم يواصل الجابري بناء القصيدة بالطريقة نفسها:

يكفي أن تغمض عينيك

لتنساب على خديك دمعتان

يكفي أن تنام

لتسافر إلى بلدان لم ترها

يكفي أن تمشط لحيتك

لتعرف شكل الفضة في المرايا

إن الأفعال هنا (إغماض العين، النوم، تمشيط اللحية) ليست سوى طقوس يومية متكررة، لكنها داخل القصيدة تتحول إلى منافذ يطل منها الإنسان على ذاته. فاللحية ليست علامة على العمر فحسب، بل مرآة لمرور الزمن، والنوم ليس راحةً للجسد، بل وسيلة أخرى للسفر، أما الدموع فلا تأتي نتيجة مأساة معلنة، وإنما تكفيها حركة بسيطة هي إغماض العينين.

ويبلغ هذا الاشتغال ذروته في قوله:

يكفي أن تحاول عبور الشارع

لتكتشف كم أنت واهن

هنا يتحول الشارع إلى فضاء وجودي يختبر فيه الإنسان هشاشته أمام العالم؛ فمشهد العبور يتجاوز دلالته المكانية ليكشف عن تجربة إنسانية أعمق تتصل بالضعف والقلق؛ لذلك يضيف مباشرة:

فاعبر على مهل

وتخيّل صخب الشارع موسيقى

وما يميز شعر الجابري إنه لا يحاول تغيير العالم، بل يغير طريقة النظر إليه؛ وهذا هو جوهر شعرية اليومي عنده. فالشعر لا يخلق أشياء جديدة، وإنما يمنح الأشياء القديمة قدرة جديدة على الكلام. ويتكرر هذا المنهج في أكثر من موضع. ففي قصيدة "وداعات" لا يختار الشاعر مكانًا أسطوريًا، وإنما يقول:

كل صباح

أختار شارعًا

لأقضي نهاري في قلبه

إن الشارع، وهو أكثر الأمكنة اعتيادًا، يتحول إلى رفيق يومي يستحق أن تُكتب له «قصيدة شكر». وليس الشكر موجَّهًا إلى الناس، بل إلى الأرصفة، والمصاطب، والشجيرات التي أخفت الشاعر عن رجل يعرفه. وهنا تغدو الأشياء شريكة في التجربة الإنسانية، لأنها تحفظ أسرار الإنسان أكثر مما يفعل البشر أنفسهم.

ومن الواضح  أن بنية الديوان تقوم على مبدأ التحول الدائم؛ فالأشياء تغادر وظائفها المألوفة لتكتسب دلالات جديدة، ويتحول حضورها المادي إلى حضور رمزي يتسع لطبقات متعددة من المعنى، وهذه النقلة هي التي تمنح الأشياء قيمتها الشعرية؛ إذ لا تعود النافذة نافذة، ولا الشارع شارعًا، ولا الساعة ساعة، وإنما تصبح جميعها علامات على الذاكرة، والزمن، والخوف، والانتظار، والوحدة، أي بمعنى أن هناك ديناميكية تحول مستمرة تحكم الأشياء في الديوان ، تنتقل بموجبها من الاستعمال اليومي إلى المجال الرمزي، فتتجاوز ماديتها لتؤدي وظائف دلالية وجمالية جديدة.

وتكشف هذه الرؤية أن الأشياء تؤدي دور الوسيط الذي تُبنى من خلاله التجربة الشعرية؛ فهي تتحول إلى لغة للتفكير، وإلى منظار يعيد تشكيل صورة العالم، ومن ثم تنطلق قراءة الديوان من شبكة الأشياء المحيطة بالذات، بوصفها الحامل الأعمق لتجربتها الوجودية، ولكونها هي التي تحفظ سيرته، وتتكلم عنه حين يعجز عن الكلام.

ومن جانب آخر، فإذا كان الشعر التقليدي قد منح البطولة للإنسان، فإن «فحم أبيض» يمنحها للأشياء. فالقارئ لا يخرج من الديوان وهو يتذكر أسماء الشخصيات، وإنما يتذكر حبل الغسيل، وعلبة الشاي، والحافلة، والنافذة، والشارع، والمصابيح، والموقد، والعشب، والباب. وهذه ليست مصادفة أسلوبية، بل رؤية شعرية تجعل الأشياء هي الذاكرة البديلة للإنسان، وهي الشاهد الأكثر وفاءً على انكساراته.

إن الشاعر لا يستخدم الأشياء بوصفها زينة تصويرية، وإنما ينتزعها من وظيفتها اليومية، ثم يعيد تشكيلها داخل القصيدة، بحيث تصبح حاملة لمعنى يتجاوز ماديتها. وبهذا تتحقق ما يمكن تسميته بلاغة اليومي؛ أي تحويل المألوف إلى فضاء تأويلي مفتوح، ولعل أول الأشياء التي تكشف هذا التحول هي علبة الشاي في قصيدة "من وصايا للولد الكهل" يقول الشاعر:

"امضِ إلى الرف الثالث من الرفوف الواقعة على الجهة اليسرى في المطبخ... ستجد علبة صفراء... مكتوب عليها شاي الغزالين... حاول أن تصل إليها بشتى الطرق... وحين تقع في يدك قم بإلقائها في سلة النفايات، فهي فارغة منذ أُصيبت أمك بالصداع لنقص في الكافايين"

للوهلة الأولى يبدو النص أقرب إلى تعليمات منزلية، لكنه يخاتل القارئ منذ السطر الأول، فالتفاصيل الدقيقة المتعلقة بمكان العلبة، ولونها، واسمها التجاري، لا تهدف إلى وصفها، وإنما إلى ترسيخها في الذاكرة، كأن القصيدة تخشى أن يبتلعها النسيان. وما إن يصل القارئ إليها حتى يكتشف أنها فارغة؛ غير أن فراغها ليس نقصًا ماديًا، بل فراغٌ أصاب البيت كله منذ مرض الأم، إن الشاعر لا يرثي الأم، ولا يتحدث عن وجعه مباشرة، بل يجعل علبة الشاي تقوم بهذه المهمة، فالأشياء هنا تحفظ أثر الإنسان بعد غيابه، ولذلك تبدو أكثر وفاءً من الذاكرة نفسها، وتتكرر الآلية ذاتها في قصيدة "تهويمات" حين يجعل حبل الغسيل محورًا للصورة:

طرقة واحدة على الباب

كافية لتفزع عصافير نائمة

على حبل الغسيل...

فلا أحد

يفكر بزيارة رجل

تنام العصافير هانئة

على حبل غسيله الفارغ

كان يمكن للشاعر أن يقول: أنا وحيد لكن يشكل صورة الوحدة عبر مشهد حبل الغسيل الخالي من الثياب، والعصافير التي اتخذت منه مأوى آمنًا. ويغدو حبل الغسيل امتدادًا لصاحبه وسجلًا لحياته، بينما يحيل فراغه إلى فراغ الوجود، ويكشف هدوء العصافير فوقه عن عزلة عميقة تستبدل حضور البشر بألفة الكائنات الصغيرة.

ويحتل الباب موقعًا دلاليًا بارزًا في الديوان؛ إذ ينتقل من كونه عنصرًا معماريًا مألوفًا إلى بنية رمزية تستوعب فكرة العبور، وتختزن تحولات الذات في مواجهة الوجود، ففي قصيدة "فحم أبيض" يقول:

أزاحم نفسي

كي أنزل من الحافلة...

وكثيرًا ما حلمت

بأني باب يريد النزول

إن هذه الصورة من أكثر صور الديوان إدهاشًا؛ لأنها لا تجعل الإنسان يشبه الباب فقط ، بل تجعل الباب نفسه راغبًا في النزول، وهنا تبلغ عملية التحول ذروتها؛ إذ تنتقل الرغبة من الإنسان إلى الشيء، فيصبح الباب هو الكائن الحي، بينما يغدو الإنسان جزءًا من آلية الأشياء. فإن الحافلة نفسها ليست وسيلة نقل، وإنما صورة للحياة، أما الباب فهو إمكانية الخروج منها، ولذلك يزاحم الشاعر نفسه لا الآخرين. إنه صراع داخلي يتخفى في هيئة مشهد يومي. ومن الأمثلة الأخرى التي تدل على شعرية الأشياء ما يرد في قصيدة "موقد الورد"، إذ يقول:

تذكر أني أحبك...

كما يسقط فانوس من يد طفلة

فينتشر الضوء والأدعية

ثم يقول:

بيني وبينك ريشة

نطيرها بأنفاسنا تارة

وتارة بإشعال النار في موقد الورد

يفتح تركيب "موقد الورد" أفقًا استعاريًا تتبدل فيه الوظائف المألوفة للأشياء؛ فالورد يتحول إلى طاقة باعثة للدفء، وتكتسب النار دلالة وجدانية تتصل باستمرار الحب أكثر من اتصالها بفعل الاحتراق، فتنبني الصورة على إعادة صياغة الواقع وفق منطق الحساسية الشعرية.

وتكشف هذه النماذج عن رؤية شعرية تجعل الأشياء اليومية نقطة انطلاق لإعادة بناء العالم؛ إذ تتحول إلى علامات دلالية تحتضن التجربة الوجدانية، وتعيد إنتاجها في أفق رمزي مفتوح؛ ولهذا تبدو قصائد «فحم أبيض» وكأنها لا تبحث عن المعنى في الأحداث الكبيرة، بل في التفاصيل التي يمر بها الجميع دون أن ينتبهوا إليها. إنها تعيد إلينا الأشياء التي فقدنا القدرة على رؤيتها، وتكشف أن أكثر الموجودات تواضعًا قد تكون أكثرها احتفاظًا بسر الإنسان.

ليست قيمة الأشياء في «فحم أبيض» كامنة في حضورها وحدها، وإنما في الطريقة التي تُكتب بها، فلو استبدلنا هذه اللغة بلغة تقريرية لفقدت الأشياء قدرتها على الإدهاش، ولعادت إلى وظائفها اليومية. إن ما يصنع شعرية الديوان ليس اختيار الأشياء فحسب، بل اختيار الطريقة التي تُرى بها هذه الأشياء. ولهذا يمكن القول إن الشاعر لا يكتب عن الأشياء، وإنما يجعل اللغة نفسها تفكر بوساطتها.

ولعل أول ما يلفت النظر هو أن القصيدة تكاد تخلو من اللغة الانفعالية المباشرة، فلا نجد إعلانًا صريحًا عن الحزن أو الوحدة أو الخيبة، وإنما تُترك الأشياء لتكشف ذلك عبر حضورها،  ويعتمد هذا الإضمار على آليات بلاغية وأسلوبية متعددة يوظفها الجابري في معظم قصائد الديوان، أولها: الاستبدال؛ أي أن المشاعر لا تُسمى، وإنما تُستبدل بأشياء يومية تحملها نيابة عنها، فبدل أن يتحدث عن الزمن، يمنحنا ساعة عاطلة، وبدل أن يتحدث عن الشيخوخة، يقدم فضة اللحية، وبدل أن يتحدث عن العزلة، يرينا مقهى فارغًا أو حبل غسيل خاليًا، وبدل أن يتحدث عن ضياع الطريق، يجعل الذات تزاحم نفسها عند باب الحافلة؛ ولذلك تبدو القصيدة كما لو أنها تستبدل المعاني المجردة بأجساد مادية يمكن رؤيتها ولمسها، ومن أبرز الأدوات التي تحقق هذا التحول تكرار الصيغة الشرطية في قصيدة "فراغ بين فاصلتين": "يكفي أن تحرك يدك..."، و"يكفي أن تغمض عينيك..."، و"يكفي أن تنام..."، و"يكفي أن تمشط لحيتك..."، و"يكفي أن تحاول عبور الشارع..." فالتكرار ليس مجرد إيقاع لغوي، بل هو آلية بناء دلالي كامل، فعبارة "يكفي أن... " توحي بأن العالم لا يحتاج إلى أحداث استثنائية كي يكشف معناه؛ فكل ما يلزم هو حركة صغيرة، أو التفاتة عابرة، حتى تنفتح طبقة جديدة من الواقع. وهكذا تتحول أبسط الأفعال اليومية إلى بوابات للتأمل الوجودي.

ويعد تكرار عبارة "كما لو" في الديوان سمة أسلوبية، فـ "كما" أداة تشبيه عادة، لكن عند الجابري هي مفتاح لرؤية العالم، ومثال ذلك قوله في مفتتح الديوان: "واكتمل القمر كما لو أنه يحط رحاله على الأرض"، وفي "موقد الورد": "كما يسقط فانوس من يد طفلة..."، وفي "أب عند خط الاستواء": "كما لو أن سكينًا تقسمه نصفين"، إن الشاعر لا يريد تأكيد شيئًا، بل يترك المعنى معلقًا بين الواقع والخيال، ولهذا لا يفرض الشاعر تأويلًا واحدًا على القارئ، وإنما يدعوه إلى المشاركة في إنتاج الدلالة، فالعالم في هذا الديوان عالم احتمالات لا يقين فيه.

ومن هنا تتولد بلاغة أخرى يمكن تسميتها بلاغة الاحتمال؛ إذ تتكرر ألفاظ مثل: (يمكن، ربما، لعله، كما لو، أحسب، قد)، وهذه المفردات تجعل القصيدة تتجنب الأحكام النهائية، وكأنها تؤمن بأن الحقيقة ليست شيئًا يُمتلك، بل أفق يُقترب منه.

وكذلك من الخصائص المميزة أيضًا اعتماد الجابري على الفعل المضارع بوصفه الزمن الغالب في الديوان، فالجابري يمنح القصيدة حالة من الاستمرار، لكي الأحداث منتهية، وإنما تقع الآن، أمام القارئ، وكأن التجربة لا تزال تتشكل، ولم تتحول بعد إلى ذكرى.

أما من الناحية البلاغية، فإن الديوان يقوم على شبكة واسعة من الاستعارات المفهومية التي لا تعمل بوصفها زينة بيانية، بل بوصفها طريقة للتفكير، فالزمن يتحول إلى شيء يمكن أن يتعطل: "ساعتك العاطلة"، واللغة تصبح مادة قابلة للاحتراق: "قصائد ميتة لا بد لها أن تنبعث من رماد اللغة"، والوقت يمتلك أعضاء بشرية: "وضعت أصابعي في آذان الوقت"، والحب يتحول إلى طقس تعبدي: "تذكر أني أحبك يمكن لها أن تكون صلاة"، والأب يصبح قطرة ماء: "كان الأب عند خط الاستواء ليس سوى قطرة من الماء"، وتقوم هذه الاستعارات على نقل بنية مفهومية كاملة من مجال إلى آخر، بحيث يصبح التفكير ذاته استعاريًا لا مجرد مشابهة شكلية.

ومن جهة أخرى، يعتمد الجابري على المفارقة بوصفها وسيلة لإرباك القارئ وإعادة تشكيل توقعاته. فعنوان الديوان نفسه:"فحم أبيض" يقوم على جمع عنصرين متناقضين. وكذلك: "موقد الورد" و"صباح غائب" و"سلامًا أيها اللاشيء" و"بئر ميتة"، إن المفارقة هنا لا تهدف إلى الإدهاش وحده، بل إلى زعزعة العلاقات المألوفة بين الأشياء، حتى يرى القارئ العالم بعين جديدة. ومن الملامح الأسلوبية التي تستحق التوقف أيضًا هيمنة الحقول الطبيعية داخل الديوان. فالعشب، والندى، والغابة، والريح، والقمر، والطين، والماء، والورد، والشرارة، والموقد، والفحم، والعصافير، والغيوم، تتكرر باستمرار، حتى يبدو العالم الطبيعي هو المعجم الذي تُترجم به التجربة الإنسانية. فالذات لا تتكلم بلغتها الخاصة، وإنما تستعير مفردات الطبيعة لتقول بها ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله.

ومن هنا تتضح فرادة هذا الديوان؛ فهو لا يجعل الأشياء موضوعًا للقصيدة، بل يحولها إلى بنية لغوية كاملة، وإلى جهاز إدراكي يرى الإنسان نفسه والعالم من خلاله. لذلك لا تبدو القصائد وكأنها تصف الواقع، وإنما تعيد اختراعه عبر لغة تؤمن بأن أكثر الأشياء تواضعًا يمكن أن تكون أكثرها قدرة على حمل المعنى.

***

عذراء محمد صبحي

جسور الذاكرة واللغة والجمال

ليس الأدب الكلداني صفحةً منسيةً في تاريخ المشرق، بل هو إحدى الطبقات العميقة التي تراكمت فيها خبرات الإنسان الرافديني، وأسهمت في تشكيل الوعي الحضاري الذي سبق ظهور العربية بقرون طويلة. وإذا كانت الكلدانية قد ارتبطت تاريخياً ببلاد بابل وجنوب بلاد الرافدين، فإن الأدب الذي حمله الكلدان عبر العصور لم ينقطع بانتهاء دولتهم السياسية، بل استمر في صور متعددة داخل التراث الآرامي الشرقي والسرياني، ثم في النتاج الأدبي الحديث الذي كتبه الأدباء الكلدان بالعربية والسريانية والكلدانية الحديثة.

ومن ثم فإن الحديث عن الأدب الكلداني لا يعني الوقوف عند حدود التاريخ القديم، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة أثره في الأدب العربي الحديث، من حيث الرؤية الجمالية، واستحضار الذاكرة الحضارية، وتداخل اللغات والثقافات في فضاء المشرق.

الكلدان: هوية حضارية وثقافية:

ينتمي الكلدان إلى إحدى أعرق الجماعات الحضارية في بلاد الرافدين، وقد ارتبط اسمهم بمدينة بابل التي بلغت في عهد الملك نبوخذ نصر الثاني ذروة ازدهارها العلمي والعمراني والثقافي.

وقد عُرف الكلدان بعنايتهم بالعلوم والفلك والرياضيات، حتى أصبح لفظ "الكلداني" في المصادر اليونانية مرادفاً للعالم الفلكي أو الحكيم.

ولئن كانت اللغة الأكدية هي لغة الدولة البابلية القديمة، فإن الآرامية الشرقية أصبحت فيما بعد لغة الحياة اليومية، ومنها تفرعت اللهجات التي يتحدث بها الكلدان المعاصرون، وازدهر بها أدب ديني وشعري واسع.

مفهوم الأدب الكلداني:

يطلق الأدب الكلداني على مجموع النتاج الفكري والإبداعي الذي أنتجه الأدباء الكلدان عبر العصور، سواء كُتب:

١- بالأكدية القديمة،

٢- أو بالآرامية الشرقية،

٣- أو بالسريانية،

٤- أو باللهجة الكلدانية الحديثة،

٥- أو باللغة العربية.

ولهذا فإن الأدب الكلداني يمثل أدباً متعدد اللغات، لكنه موحد في ذاكرته الحضارية والروحية.

خصائص الأدب الكلداني:

يمتاز الأدب الكلداني بجملة من السمات الفنية والفكرية، أبرزها:

أولاً: البعد الروحي:

إذ يحتل الإيمان والابتهال والتسبيح مكانة مركزية، ولا سيما في الشعر الكنسي.

ثانياً: الحنين إلى الوطن:

فالمنفى والهجرة من أبرز الموضوعات التي حضرت في الشعر الكلداني الحديث.

ثالثاً: الاحتفاء بالذاكرة:

يستعيد الشعراء بابل وأور ونينوى والفرات ودجلة بوصفها رموزاً للهوية.

رابعاً: النزعة الإنسانية:

إذ تتجاوز القصائد الانتماء الطائفي لتحتفي بالإنسان بوصفه قيمة عليا.

خامساً: الرمزية الدينية:

فيكثر حضور الصليب، والنور، والقيامة، والحمامة، والزيتونة، والخبز، والماء بوصفها رموزاً شعرية.

سادساً: الموسيقى الداخلية:

يعتمد الشعر الكلداني على الإيقاع الهادئ، والتكرار، والتوازي التركيبي، مما يمنحه نغمة روحية خاصة.

خصائص الشعر الكلداني:

للشعر الكلداني سمات جمالية واضحة، من أهمها:

١- كثافة الصورة الشعرية.

٢- الاقتصاد اللغوي.

٣- الرمزية العميقة.

٤- حضور الطبيعة الرافدينية.

٥- توظيف الأسطورة.

٦- الحوار بين الماضي والحاضر.

٧- النزعة التأملية.

٨- الجمع بين البساطة والعمق.

كما تتجاور فيه القصيدة العمودية مع قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر.

العلاقة بين الأدب الكلداني والأدب العربي الحديث:

ليست العلاقة بين الأدبين علاقة تأثير أحادي، وإنما هي علاقة تفاعل حضاري وثقافي عميق.

ومن أبرز مظاهر هذا التفاعل:

أولاً: الذاكرة الحضارية المشتركة:

استلهم كثير من الشعراء العرب الحضارة البابلية والكلدانية، فجعلوا منها رمزاً للخلود والمقاومة.

ويبرز ذلك في أعمال:

١- بدر شاكر السياب.

٢- عبد الوهاب البياتي.

٣- سعدي يوسف.

٤- أدونيس.

٥- يوسف الخال.

٦- سركون بولص.

حيث تحولت بابل وعشتار وتموز وجلجامش إلى رموز شعرية حديثة.

ثانياً: الأسطورة:

كان الأدب الكلداني القديم غنياً بالأساطير.

وقد انتقلت هذه الأساطير إلى الشعر العربي الحديث، خاصة بعد خمسينيات القرن العشرين.

فأصبحت أسطورة تموز رمزاً للبعث.

وأصبحت عشتار رمزاً للحب والخصب.

وصار جلجامش رمزاً للبحث عن الخلود.

ثالثاً: الرموز الدينية:

أثرت الثقافة الكلدانية المسيحية في الشعر العربي الحديث، ولا سيما في شعر أدباء العراق وسورية ولبنان، الذين أفادوا من لغة الإنجيل والتراث السرياني.

رابعاً: التعدد اللغوي:

يشكل الأدباء الكلدان نموذجاً للمثقف المشرقي الذي يكتب بأكثر من لغة، وهو ما أغنى العربية الحديثة بصور جديدة وأساليب متنوعة.

أبرز الأدباء والشعراء الكلدانيين:

١- الأب أنستاس ماري الكرملي (1866–1947)

من كبار علماء اللغة العربية، جمع بين الثقافة الكلدانية والتراث العربي، وأسهم في خدمة المعاجم وتحقيق التراث، وكان من أبرز دعاة العناية بالفصحى.

٢- يوسف حبي:

شاعر وباحث كلداني اهتم بإحياء التراث الكلداني والسرياني، وكتب في الهوية والتاريخ والأدب.

٣- ألبير أبونا

من كبار المؤرخين والأدباء، ترك مؤلفات مهمة في تاريخ الكنيسة المشرقية والأدب السرياني، وأسهم في التعريف بالتراث الكلداني.

٤- بولص بهنام

شاعر وباحث كتب بالكلدانية والعربية، واهتم بقضايا الهوية واللغة.

٥- سركون بولص (1944–2007)

يُعد من أبرز شعراء الحداثة العربية. وعلى الرغم من أنه يُعرف بوصفه شاعراً عراقياً من أصول مسيحية مشرقية، فإن تجربته تمثل امتداداً للذاكرة الثقافية الرافدينية، وقد مزج بين الأسطورة والمنفى والحداثة بلغة شعرية فريدة.

٦- نزار حنا الديراني:

من الأصوات الأدبية الكلدانية التي اهتمت بالشعر والهوية والتراث.

أهم النصوص المؤسسة:

١. ملحمة جلجامش:

وهي أقدم ملحمة شعرية عرفتها الإنسانية.

تناولت:

الموت.

الصداقة.

الخلود.

الحكمة.

الإنسان.

وقد أثرت تأثيراً بالغاً في الشعر العربي الحديث.

٢. قصيدة نزول عشتار إلى العالم السفلي:

من أعظم النصوص الأسطورية التي تناولت دورة الحياة والموت والانبعاث.

٣. تراتيل الكنيسة الكلدانية:

وتعد من أروع النصوص الشعرية الروحية في التراث المشرقي، وتمتاز بلغتها الإيقاعية وصورها الرمزية.

٤. شعر المهجر الكلداني:

ويتناول:

المنفى.

الهجرة.

فقدان الوطن.

الهوية.

الذاكرة.

الحنين إلى العراق.

أثر الأدب الكلداني في الحداثة العربية:

لقد أسهم الأدب الكلداني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إثراء الحداثة الشعرية العربية عبر:

- توسيع أفق الرمز.

- إحياء الأسطورة.

- عميق البعد الإنساني.

- استثمار الذاكرة الحضارية.

- المزج بين المقدس واليومي.

- ترسيخ مفهوم التعدد الثقافي.

ولهذا أصبح الرافدان، بكل مكوناتهما الحضارية، أحد أهم منابع الشعر العربي الحديث.

خاتمة:

إن الأدب الكلداني ليس تراثاً يخص جماعة بعينها، بل هو ركن أصيل من ذاكرة الحضارة الإنسانية والمشرقية، ومن ثم فهو جزء من الروافد التي أغنت الأدب العربي الحديث، بما حمله من أساطير، ورموز، وتأملات، وأناشيد روحية، وصور تنبض بعبق بابل ودجلة والفرات.

وحين يقرأ القارئ العربي نصوص الأدباء الكلدان، فإنه لا يقرأ أدب أقلية أو لغة هامشية، بل يقرأ وجهاً من وجوه المشرق الكبير، حيث تتجاور العربية والكلدانية والسريانية، وتتآلف الأديان والثقافات، وتلتقي الأزمنة في نهر واحد هو نهر الإبداع. ومن هنا يغدو الأدب الكلداني شريكاً أصيلاً في صياغة الحداثة الأدبية العربية، بما يقدمه من رؤية إنسانية رحبة، وجماليات رمزية، ووفاءٍ استثنائي لذاكرة المكان والإنسان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من الشفاهة إلى الكتابة: جدلية التراث والحداثة في الوجدان العربي

لا يُقاس ازدهار الأمم بما تُنتجه من مؤلفات مكتوبة فحسب، بل بما تحفظه ذاكرتها الشفوية من نصوص استطاعت أن تعبر الزمن دون أن تفقد حيويتها. وإذا كان الشعر العربي الفصيح قد شُيِّد في بطون الدواوين، فإن الشعر الشعبي ظلّ يُشيَّد في صدور الرجال، ويُورَّث بالحفظ والإنشاد جيلاً بعد جيل. ويأتي شعر الزوامل في مقدمة هذه الفنون الشفوية التي حافظت على روح العربية، وأبقت العلاقة بين الإنسان واللغة علاقةً حيّة نابضة، لا تعرف الانقطاع.

ولئن ارتبط الزامل باليمن بوصفه موطنه الأبرز، فإن قيمه الفنية والإنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، لأنه يمثل أحد الامتدادات الأصيلة للشعر العربي القديم، ويكشف أن الإيقاع العربي لم ينقطع منذ المعلقات حتى قصيدة التفعيلة، بل ظل يتجدد بتجدد الحياة.

ولذلك فإن دراسة الزامل ليست دراسة لفن شعبي فحسب، وإنما هي دراسة في استمرارية الحس العربي، وفي قدرة التراث على أن يمدّ الأدب الحديث والمعاصر بمصادر متجددة للجمال والرؤية والهوية.

الزامل... ذاكرة القبيلة ولسان الجماعة:

الزامل في جوهره قصيدة جماعية، لا تُكتب لتُقرأ في عزلة، وإنما تُقال لتُنشد في فضاء الجماعة. فهو شعر يولد من الحدث، ويعيش في الذاكرة، ويكتسب قيمته من تداوله بين الناس.

ومن هنا يختلف الزامل عن القصيدة الفردية؛ إذ لا يتحدث بضمير الذات وحدها، وإنما ينطق بلسان الجماعة، ويجعل من الكلمة عهداً، ومن الشعر وثيقةً أخلاقية واجتماعية.

وهذه السمة تعيده إلى أصول الشعر العربي قبل الإسلام، حين كان الشاعر لسان القبيلة، والمدافع عن شرفها، والناطق باسمها.

الخصائص اللغوية للزامل:

رغم انتمائه إلى البيئة الشعبية، فإن الزامل يحتفظ بكثير من الخصائص العربية الأصيلة، منها:

- قوة الإيجاز.

- جزالة الألفاظ.

- سلامة التراكيب.

- الاعتماد على الإيقاع المنتظم.

- كثافة الصورة الشعرية.

- حضور الحكمة والأمثال.

- الميل إلى المقابلة والتوازي اللفظي.

كما يمتاز بسهولة الحفظ، لأن لغته تقوم على الاقتصاد في التعبير، وهو ما عدّه الجاحظ من علامات البلاغة، حين رأى أن خير الكلام ما قلّ ودلّ.

الزامل والتراث العربي:

تكشف قراءة الزامل عن صلته الوثيقة بالشعر العربي القديم.

فالوقوف على قيم الشجاعة، والكرم، والوفاء، والذود عن الأرض، وتمجيد البطولة، كلها موضوعات عرفتها القصيدة الجاهلية، ثم تطورت في صدر الإسلام والعصور اللاحقة.

ولذلك فإن الزامل ليس انقطاعاً عن التراث، بل استمرار له في صورة شعبية جديدة.

وقد أشار ابن خلدون إلى أن الأشعار الشعبية تحفظ روح الأمة، حتى وإن اختلفت عن الشعر الفصيح في بعض مستوياتها اللغوية، لأنها تمثل وجدان المجتمع أكثر مما تمثل ثقافة النخبة.

الزامل والأدب العربي الحديث:

حين ظهرت النهضة العربية الحديثة، اتجه كثير من الشعراء إلى استلهام التراث الشعبي بوصفه مصدراً لإحياء الهوية.

فلم يعد التراث مادةً للحنين، بل أصبح وسيلةً لبناء المستقبل.

ولهذا وجدنا شعراء كباراً يستلهمون روح الشعر الشعبي، وإن كتبوا بالفصحى.

ومن أبرز هؤلاء:

عبد الله البردوني، الذي نقل الحس الشعبي اليمني إلى القصيدة العربية الحديثة، فجعل من التراث قوةً نقدية تواجه الاستبداد والتخلف.

ومحمد محمود الزبيري، الذي أفاد من روح الزامل في قصائده الوطنية والثورية، فبدت قصيدته قريبة من الناس، نابضة بإيقاعهم، ومشحونة بروح المقاومة.

كما أن شعراء المقاومة العربية، وفي مقدمتهم محمود درويش وسميح القاسم، وإن لم يكتبوا الزامل، فقد التقوا معه في جعل الشعر صوتاً للجماعة، ولساناً للكرامة الوطنية، وأداةً لمقاومة الاحتلال.

الزامل وشعر التفعيلة:

قد يبدو أن الزامل ينتمي إلى عالم مختلف عن الشعر الحر، لكن التأمل يكشف وجود قواسم مشتركة بينهما.

فكلاهما:

- يعتمد الإيقاع الداخلي.

- ينطلق من التجربة الجماعية.

- يوظف الرمز.

- يمنح الكلمة وظيفةً تتجاوز الزينة البلاغية.

غير أن شعر التفعيلة أكثر انفتاحاً على الرمز والأسطورة، بينما يظل الزامل أكثر مباشرةً، وأشد التصاقاً بالحدث.

ولهذا يمكن القول إن العلاقة بينهما علاقة تكامل، لا تعارض.

الزامل والهوية الثقافية:

في عصر العولمة، تتعرض الثقافات المحلية لضغوط كبيرة، غير أن الزامل ما يزال قادراً على أداء دوره بوصفه حاملًا للهوية.

فهو يحفظ الذاكرة الجمعية، ويعيد إنتاج القيم الاجتماعية، ويعزز روح الانتماء.

وقد أكد عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الثقافة الشعبية تمثل أحد أشكال الرأسمال الرمزي الذي يحافظ على تماسك المجتمع، بينما رأى إميل دوركايم أن الطقوس الجماعية، ومنها الإنشاد، تؤدي وظيفة أساسية في تعزيز التضامن الاجتماعي.

ومن هنا لا يكون الزامل مجرد قصيدة، بل مؤسسة ثقافية تؤدي وظيفة اجتماعية وحضارية.

البعد الجمالي:

يمتلك الزامل جماليات خاصة، منها:

- سرعة الإيقاع.

- وحدة الفكرة.

- التوازن الصوتي.

- قوة النداء.

- كثافة الصورة.

- الاعتماد على التكرار الفني.

- حضور الحكمة في خاتمة النص.

وهذه الخصائص جعلته قريباً من الذائقة العربية، وسهلت انتقاله عبر الأجيال.

الزامل بين الشفاهة والكتابة:

أكبر تحدٍّ واجهه الزامل أنه ظل طويلًا فناً شفهياً، فلم تُدوَّن آلاف نصوصه إلا متأخراً.

ومع ذلك فإن هذه الشفاهة كانت سرّ بقائه؛ لأنها جعلته يتجدد مع كل جيل، ويخضع للإضافة والحذف والتطوير، حتى أصبح نصاً حياً لا يعرف الجمود.

واليوم، ومع اتساع وسائل النشر الرقمية، بدأ الزامل ينتقل من فضاء الإنشاد إلى فضاء التوثيق، الأمر الذي يفتح آفاقاً جديدة لدراسته بوصفه جنسًا أدبياً يستحق أن يحتل مكانته في تاريخ الأدب العربي.

نحو قراءة نقدية جديدة:

لم يعد مقبولًا أن يُنظر إلى الزامل بوصفه شعراً شعبياً هامشياً، لأن الدراسات الحديثة في الأدب المقارن، واللسانيات، والأنثروبولوجيا الثقافية، أثبتت أن الآداب الشفوية تمثل جزءاً أصيلًا من هوية الشعوب.

ولذلك فإن إعادة قراءة الزامل في ضوء المناهج الأسلوبية، والسيميائية، ونظرية التلقي، والدراسات الثقافية، ستكشف عن ثراء لغوي وجمالي ظل طويلًا خارج اهتمام النقد العربي.

خاتمة:

إن شعر الزوامل ليس مجرد فن قبلي أو لون من ألوان الشعر الشعبي، بل هو سجل حيّ للذاكرة العربية، وامتداد طبيعي للقصيدة العربية في بعدها الجماعي والوجداني. فقد احتفظ بجزالة العبارة، ونبل القيم، وحرارة الأداء، وظل قادراً على ملامسة الضمير الجمعي في لحظات السلم والحرب، والفرح والحزن.

ولعل أهم ما يمنحه الزامل للأدب العربي الحديث والمعاصر هو تذكيره بأن الشعر، قبل أن يكون صناعةً لغوية، هو فعلُ حياة، وصوتُ مجتمع، ومرآةُ هوية. ومن هنا فإن استلهام الزامل لا يعني العودة إلى الماضي، بل الإفادة من طاقته الإيقاعية والرمزية والإنسانية لبناء قصيدة عربية أكثر التصاقاً بالناس، وأكثر وفاءً لذاكرة المكان، وأكثر قدرةً على التعبير عن قضايا الإنسان العربي في زمن التحولات الكبرى.

وهكذا يبقى الزامل شاهداً على أن التراث الحقيقي لا يعيش في المتاحف، بل في الألسنة، والقلوب، والوجدان؛ وأن القصيدة التي تولد من نبض الناس لا تشيخ، لأنها تظل متجددة ما دام في الأمة صوت ينشد، وقلب يخفق، وذاكرة ترفض النسيان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لم يكن الشعر النسوي في الشرق مجرد انفعال وجداني أو تعبير عن عاطفة شخصية، بل كان في كثير من محطاته التاريخية مشروعًا لمساءلة الواقع، وكشفًا للمشكلات الاجتماعية التي أحاطت بالمرأة.

ومن بين الأصوات التي استطاعت أن تُحوِّل القصيدةَ إلى مساحة للمواجهة الفكرية والوجودية، تبرز الشاعرة اللبنانية جمانة حداد (وُلدت 1970) والشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد ( 1934- 1967) بوصفهما تجربتين مختلفتين في البيئة والثقافة، ومتقاربتين في الجرأة والتمرد والسعي إلى تحرير الذات الأنثوية من القيود الاجتماعية والثقافية.

التمردُ عند الشاعرتين يرتبط بالفوضى، ونقضِ القيم الإنسانية، ويُمثِّل احتجاجًا على كُلِّ سُلطة تصادر حق المرأة في التفكير، والحُب، والإبداع، والاختيار. لقد أرادتا أن تسترد الأنثى صوتها بعد أن ظلَّ طويلًا مُحاصَرًا بخطابات الآخرين، وأن تتحوَّل من موضوع يُكتَب عنه إلى ذات تكتب نفسها بنفسها.

جمانة حداد جاءت من بيئة عربية مختلفة، لكنها اصطدمت بالأسئلة ذاتها. اختارت منذ بداياتها أن تكتب بلغة صادمة لإثارة الجدل، وكسرِ الصمت الذي أحاطَ بالجسد الأنثوي، والرغبةِ، والحريةِ الفكرية. وهي ترى أن الثقافة الذكورية لا تهيمن بالقوة وحدها، وإنما تهيمن أيضًا باللغة، لذلك حاولتْ أن تعيد تشكيلَ اللغة الشعرية بحيث تصبح أكثر قدرة على التعبير عن التجربة النسوية بعيدًا عن القوالب التقليدية.

في قصائد جمانة حداد، لا تبدو المرأة ضحية تنتظر الإنقاذ، بل ذاتًا واعية تعيد تعريفَ نفسها باستمرار. إنها امرأة تبحث عن هُويتها خارج التصنيفات الجاهرة، وترفض أن تكون مرآة لرغبات الآخرين. ومن هُنا جاءت قصيدتها مزيجًا من الحس الفلسفي، والتمردِ الوجودي، والاحتجاجِ الثقافي، حتى أصبحت الكتابة لديها فعلًا من أفعال المقاومة.

أمَّا تجربة فروغ فرخزاد، فهي تُمثِّل واحدة من أكثر التجارب الشعرية إثارةً في الأدب الفارسي الحديث. خرجتْ من مجتمع محافظ يفرض على المرأة أدوارًا محددة، ورفضتْ أن تكون مجرد صورة تقليدية للأم أو الزوجة، وأعلنتْ في قصائدها أن المرأة كائن كامل يمتلك حقه في الحُلْمِ والرغبةِ والألمِ والحرية. لذلك جاءتْ لغتها الشعرية شفافة وعارية من الزخرفة، لكنها مشحونة بآلامِ التجربة الإنسانية. وكانت قصائدها أقرب إلى اعترافات تواجه العالَم بلا أقنعة، وتكشف هشاشتها وقوتها في آن واحد.

لم يكن تمرد فروغ فرخزاد على المجتمع وحده، بل كان تمردًا على الخوف نفسه. آمنتْ بأن الإنسان لا يولد حُرًّا إلا عندما يتصالح معَ صوته الداخلي، لذلك حمل شعرُها بُعدًا وجوديًّا عميقًا تجاوزَ قضيةَ المرأة، ليصبح سؤالًا عن الإنسان في مواجهة العزلة والموت والزمن. لهذا بقي شعرُها حيًّا رغم رحيلها المبكر، لأن القضايا التي طرحتها لم تكن آنية، وإنما كانت تمس جوهرَ الإنسانِ.

وعلى الرغم من اختلاف المرجعيتين الثقافيتين بين الشاعرتين، إلا أنهما تلتقيان عند نقطة مركزية، وهي أن الحرية تبدأ من الكلمة. الكلمةُ بالنسبة إليهما ليست وسيلة للتعبير فقط، وإنما هي فعل وجود، ووسيلة لاستعادة الذات. لذلك تحوَّلت القصيدةُ إلى مساحة للمساءلة، وكسرِ المحرمات، ومحاولةِ إعادة بناء صورة المرأة بعيدًا عن الصور النمطية التي رسختها الثقافة التقليدية.

يختلف أسلوبُ التمرد بين الشاعرتين في بعض الجوانب. تعتمد جمانة حداد خطابًا أكثر مباشرة وصدامية، يستخدم المفارقةَ والرمز واللغة المكثفة لإحداث صدمة فكرية لدى القارئ. بينما تميل فروغ فرخزاد إلى البوح الهادئ الذي يخفي تحت بساطته عاصفةً من الأسئلة الوجودية. ومعَ ذلك، فالهدف النهائي يبقى واحدًا: تحرير الإنسان، والمرأة خصوصًا، من كل أشكال الوصاية.

كما أن صورة الحُب عندهما تتجاوز المفهومَ الرومانسي التقليدي. الحب ليس نهاية الحكاية، بل بداية لاكتشاف الذات، وهو تجربة وجودية تكشف للمرأة قدرتها على الاختيار، وتحمُّلِ المسؤولية. لذلك لم يكن الحُب في شعرهما خضوعًا للرجل، وإنما علاقة بين ذاتَيْن حُرَّتَيْن بلا هيمنة.

ولعلَّ أكثر ما يُميِّز تجربتيهما أن التمرد لم يكن شعارًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا مجردًا، بل كان تجربة شخصية عاشتها كُلُّ واحدة منهما بكل ما فيها من ألم وعزلة ونقد ومواجهة.

تعرَّضت جمانة حداد لكثير من الانتقادات بسبب أفكارها الفوضوية وكتاباتها الحادة، ودفعتْ فروغ فرخزاد ثمنَ جُرأتها وتهوُّرها من حياتها الخاصة، ونظرةِ المجتمع إليها.

إن التمرد والتجربة الاحتجاجية لدى الشاعرتين، مَثَّلا حالةً صارخة من الصدام معَ الموروث الاجتماعي والديني والثقافي. كما أن مشروعهما الاحتجاجي عبارة عن أداة للاغتراب والقطيعة، بدلًا من كَونه وسيلة للتغيير والتنويرِ الفَعَّال.

اتخذ تمرُّد جمانة حداد طابعًا هجوميًّا مباشرًا، ولكنه سقط في فخاخ معرفية وأسلوبية واضحة: تغليب الاستفزاز على العمق الفكري، والتقليدِ الأعمى، والتبعيةِ الحرفية للنموذج الغربي.

ورغم القوة العاطفية في لغة فروغ فرخزاد، إلا أن تمردها الفكري عانى من نقاط ضعف جوهرية حدَّت من فاعليته: الانكفاء على الذات، والغرق في المأساوية، والقطيعة، والنخبوية، والاغتراب التام عن واقع المرأة الشرقية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

إنضَم الى المكتبة العربية والتركمانية في العراق منجز أدبي مهم باللغة العربية للدكتور فاروق فائق كوبرلو حمل اسم " الشعر التركماني العراقي بين الموروث القديم والمذاهب الحديثة “ - دار رؤى ٢٠٢٥ م - والذي يأتي ضمن 54 مؤلفاً له في مختلف الفنون الأدبية

الكتاب يضم ستة مباحث تناول المؤلف فيها 12 مذهباً أدبياً مثل المذاهب التقليدية كالكلاسيكية والرومانسية والرمزية والواقعية والسريالية والوجودية.. وغيرها، وقد صنف المؤلف كماً كبيراً من نتاجات ونصوص الشعر التركماني وفق هذه المذاهب وهو أمر لم يسبق التطرق إليه في الأدبيات التركمانية، كما انه أقرّ بتنوع اسهامات النتاج الإبداعي التركماني عبر تأريخه في توظيف المذاهب الأدبية للتعبير والإبداع الأدبي.

ريادة الشعر الحر في العراق تركمانية

من المدهش فعلاً أن يتناول الدكتور كوبرلو العمق التاريخي للشعر التركماني ليشير بهذا الصدد الى مثنوية (ده ده قورت) وهي الملحمة التي تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي الى جانب عشرات الشعراء التركمان الذين نظموا قصائدا كلاسيكية تقليدية كشعر الديوان والهجا كما واستشهد بمقولة الباحث العلامة التركماني الكبير عطا ترزي باشي (بأن التركمان هم أصحاب الريادة في قول الشعر الحر في العراق وذلك من خلال قصيدة (الحياة) للسيد عزيز سامي (1987-1897م) والمنشورة في جريدة (حوادث) الإسبوعية في عددها الصادر في تشرين الثاني من العام 1915م. والتي نشرت تحت عنوان (النظم الحر). ثم يضيف العلامة ترزي باشي أن (قصيدة عزيز سامي ستبقى الأثر الأول للشعر الحر التركماني في العراق حتى يظهر دليل جديد يخالف ذلك. وبهذا الدليل تقطع جهيزة كل خطيب في الخلاف الحاصل حول هذه الريادة بين السياب ونازك الملائكة).

الشعر التركماني وَمذهبا البرناسية والسريالية

لقد تناول كوبرلو في الكتاب عشرات النصوص الشعرية للشعراء التركمان من الرواد وجيل الشباب المتأثرين بمختلف المذاهب الأدبية التقليدية الشائعة، لكن القارئ يتوقف ليتمعن ملياً في شعر عدد من الشعراء التركمان الذين ادرج المؤلف نتاجاتهم الشعرية تحت مسمى المذهب البرناسي ! وأتذكر بهذا الصدد انني قرأت مؤخرا مقالة للدكتورة يسري عبدالغني في العدد الأخير من مجلة دراسات نقدية تحت عنوان (المذاهب الأدبية الغربية والأدب العربي الحديث) قالت فيها: يحكى أن أحد النقاد قابل واحداً من الأدباء فقال له في حماس شديد: لقد قرأت عملك الأخير، إنك أفضل من عبر عن البرناسية !!، فنظر إليه الأديب بدهشة تعبر عن عدم فهمه لما يقول، قائلاً له: أرجو أن تحدثني باللغة العربية.. !!).3023 faroq

للتعريف بالمذهب البرناسي يقول الدكتور كوبرلو: انه بعد أفول مذهب الرومانيكية في الآداب الكبرى الأوروبية لأسباب فلسفية أو اجتماعية ظهر المذهب البرناسي في منتصف القرن التاسع عشر، والبرئاسية نسبة الى جبل (بارناس) باليونان وقد قامت هذه المدرسة على أساس فلسفي مزدوج بين الفلسفة المثالية الجمالية والفلسفة الواقعية التجريبية، وهذا المذهب يهمه الفرد والذات، ويدعو الى الوصف الموضوعي الشفاف، ويعتني بالصورة الشعرية وصياغتها مع ضرورة توافر الموضوعية التوصيفية في تلك الصورة…) ويضيف: (وهو مذهب قديم، عبّر عن ذاته في القرن التاسع عشر على يد (بودلير) و( الوكونت) و(بيتو) قبل (جوت). وأشار الى أنه ثمة شعراء تركمان مارسوا كتابة قصائدهم وفق هذا المذهب وخير من مثله الشاعر قاسم عزیز آق بايراق (۱۹۵۹م) والذي تلونت قصائده بتيارات فكرية حديثة مطرزة أحيانا بشيء من الغموض والترميز والتغريب بحيث تخرج مفرداته بما يشبه اللحن الجنائزي والمحتوى الانفعالي ومما يمكن تمثيله في هذا الصدد بجزء من قصيدته (نحن الموجودين):

نغمة تالفة وفي حضرتها

أنشطر إلى ملايين الذرات

وأعود الى التراب

وإلى أصلي الأزلي

الأوساخ كالأشباح

كذلك يدرج كوبرلو بعض نصوص الشاعر (قره وهاب) البرناسية المليئة بالصور الشعرية ذات الوحدة العضوية في مشهده الشعري حيث تنتعش به المفردات مع الرموز الى جانب الإيقاع الغنائي الداخلي:

الحسرة … تتوالى على مخالب الموت

بعدما غرستُ على مشارفه

جنبدة.. مغتثاً

تداهم مخيلة الإنسان

يحط في حدقة الكون !

اما في الشعر السوريالي فيتناول الكتاب الشاعر التركماني الشهيد جاسم محمد فرج (1970- 2013م) والذي يراه متأثراً بنهج شعراء من أمثال (بلزاك) و (آلان جان بؤ) مقتفياً أساليب المذهب والخروج عن المألوف بصبغة حدثاوية مبهرة وبالخاصة في ديوانه المطبوع (بوابة الورد). يقول في قصيدته (أكشن):

صوروني أنا واقف مثل نخلة تركمانية

الهارب من مدينة العسل

إلى حزب الذباب

صوروني قبل أن تتقطع عظامي

وتتغير خارطة وجهي !

الحركة الإحيائية في الأدب التركماني

كذلك تناول الكتاب نماذج عديدة من الشعر التركماني الصوفي والرمزي والعبثي فيما افرد بحثاً للحركة الإحيائية في الأدبين العربي والتركماني والتي أولت إهتماماً واضحا بالتراث وتجديد وسائل التعبير وخاصة على أيدي احمد شوقي والبارودي في الشعر العربي الحديث والشاعر التركماني الدكتور عبد الخالق البياتي (١٩٣٠ كركوك) وفيما يلي جزء من قصيدته (قريتنا):

ولدت في قرية اسمها (ينكيجة)

كانت أمي كل مساء تستقبل العشاء

إنا بالخبز وكده

وإما بالخبز واللبن

كانت طيور السنونَو تطير الى مكان قريب

وتهبط في مكان قريب

(أسطة حسن الليلاني،

كان باسلاً قد حارب في القفقاس!

ورغم فرادة وثراء الكتاب واضافته النوعية الى المكتبة العربية والتركمانية إلاّ انه يفتقر الى التصميم الجمالي الاحترافي كما انه يحتاج إلى مراجعة طباعية ولغوية لكي يستقيم المقصد.

يرى الناقد الكبير عز الدين إسماعيل (أن التجربة الشعرية رغم تباين الأساليب فهي بالنهاية تجمع بين البعد الجمالي والبعد القومي، وأن الوعي الوطني يمثل أحد أهم منابع الإبداع) وهذا ما أراد الدكتور فاروق فائق كوبرلو التأكيد عليه عبر إيراد اسماء العشرات من الشعراء التركمان قديمهم وحديثهم مع إنتقاء نماذج ونصوص َمختارة من اشعارهم وفق مختلف الأساليب والمذاهب الأدبية وذلك بقصد التعبير في النهاية عن قضية شعبهم التركماني وإنتمائهم الوطني للعراق.

***

محمد حسين الداغستاني

أنقرة

للكاتبة صابرين الصباغ.. جدلية أنسنة الجماد وتشيئ المرأة

تبدأ قصة «امرأة بلا روح» للكاتبة صابرين الصباغ من عنوان مكثف ومراوغ، لا يؤدي وظيفة التسمية فقط، بل يفتح الباب على عالم النص كله. فالعنوان يجمع بين لفظتين متوترتين: «امرأة» بما تحمله من دلالات الحياة والأنوثة والحس والوجود الإنساني، و«بلا روح» بما توحي به من جمود وموت وفراغ داخلي. ومن هذا التصادم تنشأ المفارقة المركزية التي ستظل تحكم القصة حتى نهايتها: هل المرأة المقصودة بلا روح فعلًا، أم أن العالم الذي يحدق فيها هو الذي فقد روحه؟

في ظاهر المعنى، تبدو العبارة مناسبة لدمية عرض، أو مانيكان، فهي جسد صناعي لا يتحرك ولا يتكلم. غير أن القصة تقلب هذا المعنى رأسًا على عقب؛ فالدمية التي يظنها القارئ بلا روح تكشف عن وعي داخلي حاد، فهي تخجل، وتحزن، وتغضب، وتشتهي الستر، وتتألم من عيون المارة. وهنا يتحول العنوان من وصف مباشر إلى مفارقة درامية: الكائن الجامد يبدو أكثر حياة من البشر الذين يتحركون أمامه.

ومن ثم فإن رمزية العنوان لا تقف عند حدود الدمية، بل تمتد إلى معاناة المرأة في المجتمع حين تُختزل في جسدها وصورتها وزينتها. فاختيار كلمة «امرأة» بدلًا من «دمية» أو «مانيكان» يجعل النص منذ البداية يتجاوز الحكاية الجزئية إلى دلالة أوسع: نحن أمام صورة للمرأة حين تُعامَل كشيء معروض لا كذات حرة. أما عبارة «بلا روح» فلا تعني أن المرأة فاقدة للروح في ذاتها، بل تكشف أن المجتمع يتعامل معها كما لو أنها بلا روح.

بهذا المعنى يصبح العنوان مفتاحًا لموضوع التشييء؛ فهو يجمع بين لفظة إنسانية وعبارة نازعة للإنسانية. إن المرأة حاضرة بوصفها جسدًا، لكنها غائبة بوصفها إرادة وصوتًا وكرامة. وهي مرئية أمام الجميع، لكنها غير معترف بها كذات شاعرة. ومن هنا يتولد التوتر الدرامي منذ العنوان: القارئ يدخل النص وهو يتساءل: كيف تكون امرأة وبلا روح؟ وهل غياب الروح صفة في البطلة، أم اتهام للعالم الذي يراها ولا يشعر بها؟

كما يوحي العنوان بتأنيب ضمير خفي. فهو يدفع القارئ أولًا إلى قبول الحكم الظاهري: إنها دمية بلا روح. لكنه بعد القراءة يكتشف أن هذا الحكم كان قاصرًا، وأن الدمية تمتلك من الحس ما لا يمتلكه المارة. وهكذا يجعل العنوان القارئ يراجع نظرته، كأنه يسأله: هل رأيت الجسد فقط كما رآه المارة؟ هل صدقت أنها بلا روح لأنك لم تسمع صوتها؟ من هنا يعمل العنوان كأداة جمالية لتأنيب الضمير، لا عبر الوعظ المباشر، بل عبر المفارقة والاكتشاف.

جماليات السرد

أولًا: أنسنة الجماد ومفارقة الروح والجسد

تقوم القصة على تقنية فنية أساسية هي أنسنة الجماد؛ إذ تمنح الساردة صوتًا داخليًا لكائن جامد هو دمية العرض. هذه تقنية لا تأتي لخلق غرابة شكلية فقط، بل لتوليد صدمة شعورية لدى القارئ. فالذي يُفترض أنه شيء صامت يصبح ذاتًا ناطقة من الداخل، والذي يُفترض أنه إنسان حي يبدو في النص فاقدًا للحس.

تقول الساردة في مفتتح النص:

«خلف ساتر لا يسترني أقف بلا حراك صامتة حزينة دومًا»

هنا تتأسس الشخصية عبر ثلاث علامات: الوقوف، والصمت، والحزن. الوقوف يدل على الجمود، والصمت يدل على العجز، أما الحزن فيكشف أن هذا الجماد ليس خاليًا من الشعور. ومنذ هذه الجملة تتشكل مفارقة النص الكبرى: الجسد ثابت، لكن الداخل مضطرب؛ الصوت ممنوع، لكن الشعور حاضر.

وتزداد المفارقة عمقًا حين تنظر البطلة إلى المارة فتراهم:

«كالنعوش التي تحمل جثثًا تتحرك»

بهذه الصورة ينقلب ميزان الحياة والموت؛ فالمانيكان الجامدة أكثر امتلاءً بالروح من بشر يتحركون آليًا. إن القصة لا ترثي دمية فقط، بل تكشف موتًا روحيًا في عالم البشر، حيث تندمج مكونات الفضاء الرمزي والزمن والوصف لتأسيس واقع موازٍ يُعرّي الواقع الحقيقي للماشين في الطرقات.

ثانيًا: الكتابة بضمير المتكلم واستعادة الصوت المسلوب

من أهم عناصر القوة في قصة «امرأة بلا روح» اعتمادها على ضمير المتكلم. فالساردة لا تُروى من الخارج، بل تتحدث بنفسها عن ألمها وخجلها وعجزها. وهذا الاختيار ليس تقنيًا فقط، بل هو اختيار دلالي عميق؛ لأنه يمنح الكائن الصامت صوتًا داخليًا.

لو كُتبت القصة بضمير الغائب، لبقيت الدمية مجرد موضوع للوصف: دمية تقف في واجهة، ترتدي ثيابًا، ينظر إليها المارة، ثم تتحطم. لكن ضمير المتكلم يحوّلها من شيء منظور إليه إلى ذات ناظرة وواعية. فهي لا تعود جسدًا معروضًا أمامنا، بل تصبح كائنًا يحكي تجربته من الداخل.

تقول الساردة:

«أقف بلا حراك صامتة حزينة»

«أرى خوفه مني»

«أبكي بلا دمع، أنوح بلا صوت»

هذه العبارات تجعل القارئ يدخل إلى المساحة الخفية التي لا يراها المارة. فالمارة يرون فستانًا وجسدًا متناسقًا، أما القارئ، بفضل ضمير المتكلم، فيرى الخجل والحزن والصراخ الداخلي.

ويؤدي ضمير المتكلم وظائف عدة في النص. فهو أولًا يستعيد الصوت المسلوب؛ فالمانيكان في الواقع لا صوت لها، لكن القصة تمنحها صوتًا سرديًا. وهي لا تستطيع أن تتكلم داخل الحدث، لكنها تتكلم داخل السرد. لا يسمعها المارة، لكن يسمعها القارئ.

وهو ثانيًا يعمد إلى تعميق الإحساس بالقهر. فحين تقول الساردة: «لم أختر يومًا ثيابي»، يكون وقع العبارة أقوى لأنها صادرة منها هي، لا من راوٍ خارجي. القارئ هنا لا يسمع تحليلًا عن القهر، بل يسمع اعترافًا مباشرًا من ضحية القهر.

وهو ثالثًا يقلب علاقة النظر. ففي ظاهر القصة، المارة هم الذين ينظرون إلى الدمية. لكن حين تتكلم بضمير المتكلم، يحدث انقلاب مهم: الدمية أيضًا تنظر إليهم وتحكم عليهم. فهي ترى ملامحهم جامدة، وتشبههم بالنعوش التي تحمل جثثًا تتحرك. وبذلك لا تعود الدمية موضوعًا للنظر فقط، بل تصبح ذاتًا تمتلك عينًا ناقدة.

وهكذا يكشف ضمير المتكلم التناقض بين الخارج والداخل: الخارج يقول إن هذه دمية بلا روح، أما السرد بضمير المتكلم فيكشف أن هناك داخلًا يشعر ويتألم ويخجل. ومن خلال هذا الضمير نكتشف أن الروح التي ينفيها العنوان موجودة في اللغة نفسها.

ثالثًا: «الساتر الذي لا يستر» واغتراب المرأة

تبدأ القصة بعبارة شديدة الكثافة:

«خلف ساتر لا يسترني»

وهذه العبارة تصلح أن تكون مفتاحًا للاغتراب كله. فالساتر في المعنى المباشر هو زجاج واجهة العرض، لكنه في المعنى الرمزي حماية زائفة. إنه يفصل الدمية عن الناس، لكنه لا يحجبها عن عيونهم. فهو حاجز مادي، لا حاجز أخلاقي أو إنساني.

ومن هنا يتولد اغتراب المرأة في النص على مستويات عدة. فهي قريبة من الناس مكانيًا، بعيدة عنهم إنسانيًا؛ يمرون أمامها، يحدقون فيها، يبتسمون لها، لكنهم لا ينفذون إلى ألمها الداخلي. إنها حاضرة في الواجهة حضورًا بصريًا صارخًا، لكنها غائبة حضورًا إنسانيًا وروحيًا. يراها الجميع، ولا يسمعها أحد؛ تُعرض أمام العيون، لكنها تُحرم من حق الكلام والحركة والاختيار.

وبذلك يصبح الاغتراب في القصة اغترابًا مركبًا: اغترابًا عن الذات، واغترابًا عن الجسد، واغترابًا عن المجتمع، واغترابًا عن المصير. فالمرأة/المانيكان لا تنتمي تمامًا إلى عالم الأشياء، لأنها تشعر وتتألم وتخجل، ولا تنتمي تمامًا إلى عالم البشر، لأنها لا تتحرك ولا تتكلم ولا يراها الآخرون إلا جسدًا معروضًا. ومن هذا الموقع البيني يتشكل توتر القصة كله: إنها كائن معلق بين الحياة والموت، بين الروح والجماد، بين الرغبة في الستر والعجز عن الدفاع عن الذات.

هذا الاغتراب يتضح في كونها مرئية وغير مسموعة. والمجتمع حولها لا يعرف عنها سوى صورتها الخارجية: الثوب، الجسد، التناسق، الأناقة. أما خجلها وحزنها وصراخها الداخلي فلا يصل إلى أحد. لذلك فإن «الساتر الذي لا يستر» يرمز إلى وضع المرأة في مجتمع قد يدعي حمايتها، لكنه في الحقيقة يتركها مكشوفة أمام الحكم والنظر والتقييم، حيث تعمل الفضاءات الشفافة والمغلقة في الأدب كأداة سيكولوجية تضاعف الإحساس بالمراقبة والعرى التام.

رابعًا: الجسد المتناسق وسجن الجمال

تقول الساردة:

«كل يوم أزهو بفستان جديد يرتديه جسدي المتناسق الذي صنع بمهارة»

تبدو العبارة في ظاهرها احتفاءً بالجمال، لكنها في عمقها تكشف مأساة الجسد المصنوع. فالجسد هنا متناسق، رشيق، كامل، لكنه ليس جسدًا حرًا. إنه جسد معد للعرض، لا للحياة. جسد بلا اختيار، وبلا حركة، وبلا قدرة على حماية نفسه.

الجمال في القصة ليس نعمة خالصة، بل يتحول إلى قيد. فالنساء يحسدنها على جسدها الرشيق، والمارة يبتسمون لها، والأثواب تزداد بها جاذبية. لكنها، رغم ذلك كله، تعيش تعاسة عميقة، لأن هذا الجمال لا يمنحها روحًا معترفًا بها، ولا صوتًا مسموعًا، ولا كرامة مصونة.

ومن هنا يتصل الجسد بفكرة التشييء. فالبطلة لا تُرى بوصفها ذاتًا، بل بوصفها جسدًا مثاليًا. والمرأة هنا تتحول إلى صورة صامتة، إلى واجهة، إلى وسيلة لتسويق الثياب. وهذا هو جوهر التشييء والسلعية: أن يُختزل الكائن في وظيفته وشكله النفعي، وأن يمحى جوهره  لصالح مظهره وقوانين العرض البصري.

خامسًا: الثياب باعتبارها أدوارًا مفروضة

تقول البطلة:

«فلم أختر يومًا ثيابي، ولم أرتدها بمفردي»

هذه الجملة من أهم مفاتيح القصة. فالملابس هنا لا تعني الثياب وحدها، بل ترمز إلى الأدوار الاجتماعية والأقنعة الجاهزة المفروضة على الكيان الإنساني من الخارج. فكما تُلبس الدمية ما لا تختاره، تُفرض الصور والقوالب المسبقة عن الجمال والأنوثة والحضور الاجتماعي.

الثوب في القصة قناع مفروض. إنه يصنع صورتها أمام الآخرين، لكنه لا يعبر عن ذاتها. ومن هنا فإن تغيّر الثياب كل يوم لا يعني حرية أو تنوعًا، بل يعني تبدلًا في أشكال الاستعمال والتسليع، فالدمية تُعاد صياغتها باستمرار حسب رغبة الآخرين وحاجة المشهد. ومن خلال هذه الرمزية تصبح الثياب حلقة متصلة بالعنوان، فالمرأة التي تُغطى بالثياب وتُجرد من الاختيار، تصبح الأناقة الخارجية بالنسبة لها مجرد أداة مصقولة لإخفاء القهر الداخلي.

سادسًا: «العيون الجائعة» وعنف النظرة

تبلغ رمزية النظر ذروتها في عبارة:

«تأكلني العيون الجائعة التي لا تفرق بين حي وميت»

هذه من أقوى صور القصة؛ لأنها تحول العين من أداة رؤية ومعرفة وتواصل إلى أداة افتراس واستهلاك مادي ومحو للروح. العيون الجائعة ترمز إلى مجتمع يراقب الكائن بوصفه بضاعة معروضة. هذه العيون لا تسأل عن الألم أو الخجل أو الرغبة في الستر، إنها ترى القشرة والشكل فقط، ولذلك فهي «لا تفرق بين حي وميت» لفقر حسها الإنساني والتعاطفي البسيط.

وفي النص، لا تكتفي العيون بالجوع، بل تتحول أدوات النظر الاستهلاكية إلى أسلحة حادة:

«ترشق أعين المارة جسدي كسيوف حادة»

وهنا يتحول النظر إلى عنف واعتداء بصري صامت. القصة تقول ضمنيًا إن الانتهاك لا يكون باليد أو الفعل المادي المباشر فقط، بل يقع بالعين أيضاً حين تختزل الذات الإنسانية وتجرد من خصوصيتها لتصبح مشاعاً للفرجة والتقييم السطحي.

سابعًا: الطفل وفزع الفطرة

من أكثر مشاهد القصة رقة وإيلامًا مشهد الطفل. تقول الساردة إنها تسعد حين تداعب طفلًا صغيرًا، لكنها ترى خوفه يتراقص على وجهه، وتحاول أن تبتسم له فلا تستطيع، فيرحل حاملًا ذكرى مؤلمة.

الطفل هنا يمثل الفطرة النقية وبراءة البصيرة التي لم تفسدها بعد ثقافة المظاهر وعادات الاستهلاك. فهو لا يرى الدمية كما يراها الكبار (ثوباً جذاباً أو شكلاً منسقاً)، بل يستشعر غرابتها الوجودية؛ إنها كائن يقف في المنطقة الرمادية الملتبسة بين الحياة والموت، يمتلك هيئة الإنسان لكنه يفتقد حرارته وحركته الفطرية، مما يثير في نفس الطفل خوفاً طبيعياً وهروباً من هذا الجمود المريب.

ثامنًا: «يوم الذبح» والعري القسري

تقول الساردة:

«يوم ذبحي هو يوم يغيرون ثيابي»

إنها جملة صادمة؛ لأنها تحول فعلًا تجارياً عادياً في محل ملابس إلى طقس ذبح وانتهاك وإذلال رمزي. وتبلغ الصورة ذروتها المأساوية حين تقول:

«تتركني الفتاة عارية ترشق أعين المارة جسدي كسيوف حادة، يداي المصلوبتان لأعلى لا أستطيع تحريكهما لأخصف بهما على سوأتي»

هذه العبارة تجمع بكثافة بين العري، والنظر، والصلب، والعجز. فالدمية تمتلك إحساس الخجل الفطري والنزوع نحو الاحتشام، لكنها لا تملك أداة الحركة للدفاع عن نفسها أو حماية جسدها، مما يجعل العري القسري هنا تجريداً كاملاً للكرامة تحت وطأة شروط السوق واستمرارية العرض.

تاسعًا: رمزية اليدين المصلوبتين

تتخذ صورة اليدين المصلوبتين دلالة مركزية في مشهد الانكشاف؛ فاليدان بوصفهما أداتي الفعل، والستر، والدفاع عن الذات، تتحولان هنا إلى علامتين على الشلل المطلق. الإنسان يستر بيديه عورته، ويدفع الأذى، ويختار، ويفعل، لكن البطلة تمتلك مظهر اليدين دون طاقتهما الوظيفية.

ووصف اليدين بأنهما «مصلوبتان» يضفي بعداً مأساوياً عميقاً يحيل إلى التثبيت العقابي والعذاب العلني، فالجسد موضوع في هيئة الضحية المعلقة للفرجة. وقولها «لأخصف بهما على سوأتي» يكشف أن المأساة لا تكمن في انعدام الشعور، بل في غياب القدرة على تحويل هذا الشعور الداخلي المشتعل إلى فعل واقعي يحمي الذات.

كما يمكن تأويل اليدين المرفوعتين قسراً بوصفهما جناحين عاجزين عن التحليق؛ فإذا كانت الأجنحة في المخيال الإنساني علامة الانعتاق والنجاة وتجاوز الحصار، فإن صلب الأطراف يمثل انكسار آخر احتمال للخلاص، لتظل مقيدة عاجزة حتى عن الحلم بالحركة.

عاشرًا: البنية الأسلوبية: الطباق والمقابلة

من الناحية الأسلوبية، تقوم القصة على شبكة محكمة من الثنائيات الضدية والمحسنات البلاغية التي تجاوزت وظيفتها التزيينية التقليدية لتتحول إلى أداة رؤيوية تقسم الفضاء إلى عالمين متناحرين:

الحركة / الجمود،الصوت / الصمت، الجسد / الروح، الستر / الانكشاف، الحياة / الموت الواجهة، / الغرفة المظلمة

تقول البطلة في مقابلة أسلوبية مكثفة تعكس الفجوة بين الإحساس والتعبير عنه:

«أبكي بلا دمع، أنوح بلا صوت»

الألم الداخلي حاضر بكامل ثقله، لكن العلامات الفيزيائية الخارجية مصادرة ومحبوسة، تماماً كطباق السلب والإيجاب الذي يحكم علاقتها بالبشر؛ فهي جامدة وتشعر، وهم متحركون بلا حس، مما يثبت أن الصخب الخارجي وحركة المارة لست سوى قناع يخفي فراغاً روحياً مطبقاً.

حادي عشر: السقوط والتحطم وانهيار الصورة

تصل القصة إلى ذروتها الدرامية حين تسقط الدمية من يد الفتاة وتتناثر أشلاؤها:

«أقع من يديها صارخة... وقبل أن أكمل تتناثر أشلائي»

السقوط والتهشيم هنا ليس حادثاً مادياً عابراً، بل هو انهيار رمزي لصورة الجمال المصنوع والمثالي الذي لا يشوبه بروز أو انخفاض. هذا التحطم يكشف هشاشة القيمة المبنية على المظهر والشكل؛ فما دامت الدمية سليمة وجذابة وصالحة للتسويق حظيت بضوء الواجهة، وما إن انكسرت حتى عوملت كنفايات أُلقيت في كيس كباقي حطام الفخار.

ويمثل الانتقال المكاني هنا تحولاً دلالياً حاداً من الظهور الصاخب إلى المحو والإهمال والنسيان؛ فالجمال الخارجي والكمال الشكلي لا يمنحان صاحبهما قيمة ثابتة أو حماية حقيقية في عالم استهلاكي يلفظ الكائن بمجرد زوال وظيفته النفعية والجمالية.

ثاني عشر: تحطم الأجنحة باعتباره تأويلًا للحرية المكسورة

رغم أن النص لا يذكر الأجنحة بلفظها الصريح، إلا أن الهيئة الحركية لليدين المصلوبتين لأعلى تفتح أفقاً لتأويلهما كأجنحة مهيضة ومثبتة قسراً على خشبة المسرح الاجتماعي. ومن ثم، فإن سقوط الجسد وتناثر أجزائه على الأرض يرمز إلى التدمير النهائي لفكرة الانعتاق والنجاة.

إن تحطم هذه الأطراف المرفوعة هو انكسار للحرية في أقصى تجلياتها النفسية؛ فالشخصية لم تعد عاجزة عن الفعل المادي في الواجهة فحسب، بل تحطمت حتى قدرتها على تخيل الخلاص أو التطلع إلى فضاء مظلم ومستور يحمي بقايا كرامتها.

ثالث عشر: «ثرثرة العيون» وإدمان الاعتراف المؤلم

تأتي العبارة الأخيرة في النص لتمنح الخاتمة تعقيداً سيكولوجياً لافتاً:

«لأفقد هناك جمالي، ثرثرة العيون التي أدمنتها»

العيون التي كانت مصدر خجل وافترس واعتداء بصري، أصبحت في نفس الوقت الضمانة الوحيدة التي تمنح الدمية شعوراً بوجودها وحضورها في هذا العالم. «ثرثرة العيون» استعارة مبتكرة تجعل للنظر لغة وخطاباً واجتماعاً صامتاً يحكم ويقيم، واعتراف البطلة بإدمان هذه الثرثرة يكشف عن مفارقة نفسية أليمة: إن الكائن قد يحتمل عذاب التقييم المشوه والنظرات الجارحة، لكنه يرتعب من المحو التام والنسيان في الغرفة المظلمة، حيث يعادل الصمت التام غياب الاعتراف الاجتماعي والموت الوجودي الفعلي.

رابع عشر: العنوان والتوتر الدرامي

بعد تفكيك هذه العناصر، يتضح كيف يعمل العنوان كخيط ناظم ومحرك للتوتر الدرامي عبر ثلاث مراحل أساسية تقلب توقعات المتلقي:

1. الإيهام الأول: يظن القارئ أن عبارة «امرأة بلا روح» وصف مباشر لجماد مصنوع من البلاستيك أو الفخار (المانيكان).

2. الانقلاب الدرامي: يكشف السرد الداخلي أن هذا الجماد يفيض بمشاعر الخجل والحزن والرغبة في الستر، مما يثبت وجود "الروح" داخل اللغة وفي عمق المعاناة.

3. الإدانة النهائية: يكتشف المتلقي أن صفة "فقدان الروح" تنزاح في نهاية النص لتصبح اتهاماً مباشراً للمجتمع والمارة الذين يملكون أجساداً حية تتحرك كنعوش وجثث آلية فاقدة للحس والتعاطف.

خامس عشر: العنوان واغتراب المرأة في المجتمع

يرمز العنوان وشبكة علاقاته البصرية بوضوح إلى فضاء الاغتراب الذي يحيط بالمرأة في البنية الاجتماعية الحديثة؛ حيث تُختزل كينونتها في مظهر خارجي يُعرض ويُستهلك دون الالتفات إلى صوتها أو إرادتها الحرة. ويمكن تركيز مظاهر هذا الاغتراب في القصة عبر محاور متصلة:

- اغتراب الجسد: خضوعه لعمليات التعرية والكساء والعرض القسري دون امتلاك حق الاختيار.

- اغتراب الصوت: الصراخ الداخلي والنواح الصامت الذي لا يجد صدى أو أذناً سامعة في عالم صاخب.

- اغتراب المصير: التبعية الكاملة لقرارات فتاة العرض وحركة السوق، والانتقال الإجباري من الضوء والزينة إلى عتمة الصناديق والمخازن.

وتكشف لنا القصة أننا أمام نقد اجتماعي ورد على لسان دمية بلا روح إلى مجتمع فاقد الروح

تكشف القصة في نتيجتها الكلية أن مأساة الدمية المكسورة ليست سوى مرآة عاكسة لخلل روحي وأخلاقي أصاب المجتمع بأكمله. فالدمية الصامتة كانت الكائن الوحيد الذي يملك ملامح إنسانية فطرية كالحزن والخجل، بينما تحول البشر المتحركون إلى أدوات آلية تمارس النظر الافتراسي بلا وعي أو رحمة.

لقد نجح النص عبر لغة شاعرية كثيفة تعتمد الاستعارة المكنية والتشخيص وبناء المفارقات الضدية في صياغة صرخة احتجاجية ضد التشييء وسلب الإرادة، محولاً لحظة تحطم دمية واجهة إلى وثيقة أدبية تدين عالم المظاهر الذي يقدس الأشكال المعروضة ويلقي بالذات الإنسانية في الظلام بمجرد انكسار صورتها الاستهلاكية.

***

د. نجلاء نصير

........................

امْرَأَةٌ بِلَا رُوحٍ

خَلْفَ ساترٍ لا يَسترُنِي أَقِفُ بِلا حِراكٍ صامتةً حزينةً دومًا؛ فلمْ أخترْ يومًا ثِيابِي، ولمْ أرتدِها بِمفردِي!

يُحدِّق فيَّ المارةُ.. أرَاهمْ فَأُخفِيَ خجلِي الذِي لَا يرَونَهُ.. همْ لا يَشعرُونَ إلَّا بِمَنْ يَتحركُ ويَتكلمُ، لكنَّهم ينظرُونَ إليَّ مُبتسمِينَ. أُحدِّقُ فِي ملامحِهم الحيةِ، أرَاها جامدةً كأنَّها صُلِبَتْ هُناكَ، بعدَما فَقدتْ الكثيرَ مِن حياتِها فَأصبحَتْ كَالنُّعوشِ التِي تحملُ جُثثًا تتحركُ.

ابْتساماتٌ لا تَنمُ عنْ سعادةٍ، قطَراتُ دمعٍ لا تُرسلُ إشاراتِ حزنٍ؛ كأنَّ العينَ تغسلُ مقلتَها.

كُلَّ يومٍ أزهُو بِفُستانٍ جديدٍ يرتديِهِ جسدِي المتناسقُ الذِي صُنعَ بِمهارةٍ فَلا بُروزَ يُشوهُهُ ولا انْخفاضَ يُزرِي بِهِ.

كُلُّ النِّساءِ كُنَّ يَحسدْنَنِي علَى هذَا الجسدِ الرَّشيقِ. تَعلمْتُ كيفَ أكونُ أنيقةً، فَتداعبُ أناقَتي مَشاعرَ كلِّ النِّساءِ، حتَّى كُنَّ يتمنَّيْنَ أنْ يرتدِينَ ما أَرتدِيهِ!

جُلُّ سَعادَتي عندَما أُداعبُ طِفلًا صغِيرًا. أرَى خوفَهُ مِنِّي يَتراقصُ علَى وجهِهِ.. أَغضبُ، أُحاولُ أَنْ أَبْتسمَ لهُ لِتمتصَّ ابْتسامَتِي خوفَهُ، لكنَّهُ يرحلُ حاملًا معَهُ ذِكرَى مؤلمةً!

يَومَ ذبحِي هوَ يومَ يغيرُونَ ثيابِي، تتركُنِي الفتاةُ عاريةً ترشقُ أعينُ المارةِ جسدِي كَسيوفٍ حَادةٍ، يدايَ المصلوبتَانِ لِأعلَى لا أستطيعُ تحريكَهما لِأخصفَ بِهما علَى سَوأتِي.

أَبْكي بِلا دَمعٍ، أَنوحُ بِلا صَوتٍ باحثةً عنْ هواءٍ مُظلمٍ يَسترُنِي!

لَكنْ هيهاتَ: تَأكلُنِي العيونُ الجائعةُ التِي لا تُفرِّقُ بينَ حيٍّ وميتٍ!

تَأتِي الفتاةُ بِثوبٍ جديدٍ تُلْبسُنِي إيَّاهُ معَ اسْتعجالِي لِتسترَنِي، أَقعُ مِن يديْها صارخةً: انتبهي إنني وقبل أن أكمل تتناثرَ أَشلائِي، تتركني عالى الأرض كجرة ٍمن فخارٍ سقطتْ لِتُحضرَ كِيسًا كَبيرًا تَجمعُنِي وحُطامِي!

أَصْرخُ.. لا تسمعُنِي، تقذِفُ بِي إلَى غرفةٍ صامتةٍ مظلمةٍ لَأفقدَ هُناكَ جمالِي، ثرثرةَ العيُونِ الَّتِي أَدمنْتُها...

*** 

للكاتبة صابرين الصباغ

 

 

قراءة نقدية في ثلاثية التفاعل الشعري بين عبد الرحمن بوطيب وهيام العاصي وبن عزوز زهرة

مقدمة الدراسة: تشكل ظاهرة التفاعل الأدبي واحدة من أكثر الظواهر ثراء في تاريخ الإبداع الإنساني، لأنها تكشف قدرة النص الشعري على تجاوز حدوده الخاصة ليصبح فضاء للحوار والتلاقح وإنتاج المعاني الجديدة. فالنص العميق لا ينتهي عند لحظة كتابته، بل يواصل حياته داخل نصوص أخرى تستلهمه أو تحاوره أو تعيد تأويله من زوايا مغايرة. ومن هنا تنبع أهمية قصيدة "صباحا " للشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب، التي لم تكتف بإثارة أسئلة الذاكرة والحنين والزمن داخل بنيتها الداخلية، بل استطاعت أن تفتح أفقا إبداعيا جديدا تجسد في تفاعلين شعريين لكل من الأديبة الأردنية هيام العاصي والأديبة الجزائرية بن عزوز زهرة.

وتكتسب هذه النصوص الثلاثة أهمية خاصة لأنها لا تمثل مجرد ردود شعرية متفرقة، بل تؤسس ما يمكن تسميته بـ " ثلاثية شعرية " تتخذ من الزمن محورها المركزي. فبين زمن الحنين والانكسار عند عبد الرحمن بوطيب، وزمن المواساة وإعادة الإشراق عند هيام العاصي، وزمن التجدد والانبعاث عند بن عزوز زهرة، تتشكل رؤية شعرية متعددة الأبعاد تكشف ثراء التجربة الإنسانية أمام سؤال الزمن.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من التساؤل الآتي:

كيف تمثل مفهوم الزمن في القصائد الثلاث؟ وكيف تحول الزمن من ذاكرة حزينة عند عبد الرحمن بوطيب إلى زمن للمواساة الشعرية عند هيام العاصي، ثم إلى زمن للبعث والتجدد عند بن عزوز زهرة؟

الزمن عند عبد الرحمن بوطيب زمن الذاكرة والحنين وانكسار الحلم:

يقوم البناء الشعري في قصيدة " صباحا "على استعادة زمن مفقود. فالصباح الذي يفترض أن يكون رمزا للإشراق لا يأتي كاملا، والشمس لا تشرق، والقهوة باردة، والفنجان مقلوب، والسندباد لا يعود.

إننا أمام زمن يتجه إلى الخلف أكثر مما يتجه إلى الأمام. إنه زمن الذاكرة التي تحاول مقاومة النسيان واستعادة عالم الطفولة والقرية والجدة والأحلام الأولى.

ويبدو الزمن في النص زمنا تأمليا وجوديا، حيث يصبح الماضي أكثر حضورا من الحاضر، ويتحول الحنين إلى أداة لمساءلة الواقع. ولذلك لا يظهر الصباح بوصفه لحظة زمنية، بل باعتباره حلما مؤجلا، ورمزا لما فقده الإنسان من صفاء وبراءة.

وهنا تتجلى قوة التجربة الشعرية لعبد الرحمن بوطيب، إذ استطاع أن يجعل من الزمن مادة شعرية عميقة، وأن يحول الحنين إلى رؤية فلسفية تتجاوز التجربة الذاتية نحو أفق إنساني أرحب.

الزمن عند هيام العاصي زمن المواساة وإعادة تأويل الغياب:

إذا كان عبد الرحمن بوطيب ينطلق من غياب الشمس، فإن هيام العاصي تعيد تفسير هذا الغياب بقولها:

" لم تكن الشمس غائبة بل استترت الشمس كي يغفو الحنين "

وهنا يتحول الزمن من زمن فقد إلى زمن انتظار إيجابي.

فالغياب ليس نهاية، بل مرحلة مؤقتة تسبق عودة النور، كما أن القهوة الباردة التي كانت عند بوطيب علامة على انطفاء الدفء الإنساني، تصبح عند هيام العاصي خزانا للذكريات الجميلة:

" فالقهوة حين تبرد يشتد طعم الذكريات فيها "

وتقدم الشاعرة قراءة مضادة للحزن دون أن تلغيه، فتجعل من الزمن مجالا للمصالحة مع الذاكرة لا للصراع معها.

إنها لا تنقض رؤية بوطيب، بل تحتضنها وتعيد توجيهها نحو أفق أكثر إشراقا. ومن هنا يبدو الزمن عند هيام العاصي زمنا علاجيا، يعيد ترميم الكسور الروحية التي خلفها الغياب.

الزمن عند بن عزوز زهرة زمن التجدد والانبعاث:

تتخذ الشاعرة الجزائرية بن عزوز زهرة موقفا أكثر تفاؤلا من الزمن.

فهي لا تكتفي بمواساة الذات الشاعرة، بل تعيد كتابة المشهد كله وفق منطق الانبعاث والتجدد.

تقول:

" " أما الأميرة الصغيرة فكبرت... صارت شاعرة "

وتقول:

"وتموز ما رحل"

وتقول:

"كل قصيدة تلد قصيدة" "

إن الزمن هنا لم يعد زمنا للفقد أو الانتظار، بل أصبح زمنا للإبداع المستمر والتجدد الدائم، فما اعتبره النص الأول نهاية، يتحول عند بن عزوز زهرة إلى بداية جديدة.

وما بدا غيابا يصبح شكلا آخر من أشكال الحضور.

ومن ثم تتأسس رؤية شعرية تؤمن بأن الزمن لا يقتل الجمال، بل يمنحه أشكالا جديدة من الوجود.

جدلية الزمن بين القصائد الثلاث:

تكشف المقارنة بين النصوص الثلاثة عن مسار جمالي متدرج:

في قصيدة عبد الرحمن بوطيب نجد زمن الذاكرة والحنين واستعادة العالم المفقود.

وفي قصيدة هيام العاصي نجد زمن المواساة وإعادة تأويل الغياب.

أما في قصيدة بن عزوز زهرة فنجد زمن التجدد والانبعاث واستمرار الحكاية.

وبذلك تتشكل حركة زمنية متكاملة تبدأ بالحزن، وتمر عبر التأمل، وتنتهي بالأمل.

وهذه الحركة ليست مجرد تطور في المعنى، بل تمثل حوارا شعريا حقيقيا بين ثلاثة أصوات عربية تنتمي إلى المغرب والأردن والجزائر، لكنها تلتقي جميعا حول الإيمان بقوة الشعر وقدرته على مقاومة الفقد والنسيان.

القيمة الفنية والجمالية للحوار الشعري:

تكشف هذه التجربة عن نجاح قصيدة عبد الرحمن بوطيب في تجاوز حدود النص الفردي لتصبح منطلقا لحوار شعري عربي واسع.

فالنص الأصلي لم يبق مغلقا على ذاته، بل تحول إلى فضاء إبداعي استقطب أصواتا شعرية أخرى وجعلها تشارك في إعادة إنتاج المعنى.

كما تؤكد هذه التجربة أن الشعر الحقيقي هو الشعر القادر على استدعاء نصوص أخرى والدخول معها في حوار جمالي خلاق هذا من جهة، ومن جهة أخرى أظهرت قصيدتا هيام العاصي وبن عزوز زهرة قدرة عالية على التفاعل الإبداعي، حيث لم تكتفيا بالتعليق على النص الأصلي، بل أعادتا بناء عالمه الشعري وفق رؤيتين مختلفتين، مما منح التجربة ثراء جماليا ودلاليا كبيرا وعميقا.

خاتمة الدراسة:

تظهر هذه القراءة أن القصائد الثلاث لا تمثل نصوصا منفصلة، بل تشكل مشروعا حواريا واحدا حول الزمن والذاكرة والحلم.

فعبد الرحمن بوطيب يكتب زمن الحنين والأسئلة المفتوحة.

وهيام العاصي تكتب زمن المواساة واستعادة الضوء الكامن خلف الغياب.

في حين تكتب بن عزوز زهرة زمن الانبعاث والتجدد واستمرار الحكاية.

ومن خلال هذا الحوار الشعري الراقي تتجلى قدرة الشعر العربي المعاصر على بناء جسور إبداعية تتجاوز الحدود الجغرافية، وتؤكد أن الكلمة الجميلة قادرة على أن تولد كلمات أجمل، وأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي عند كاتبها الأول، بل تواصل رحلتها داخل وجدان المبدعين الآخرين.

وتبقى قصيدة " صباحا " لعبد الرحمن بوطيب نقطة الانطلاق التي أطلقت هذا الحوار الجمالي الخصب، مؤكدة حضور شاعر يمتلك قدرة لافتة على تحويل الذاكرة إلى شعر، والحنين إلى رؤية، والصباح إلى سؤال جمالي مفتوح على احتمالات لا تنتهي من القراءة والتأويل والإبداع.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

 

في قصيدة "تعليقُ مغارةٍ في العالم" للشاعرة التونسية أفراح الجبالي

تندرج قصيدة «تعليقُ مغارةٍ في العالم» ضمن التجارب الشعرية العربية الحديثة التي تجاوزت حدود التعبير المباشر إلى بناء منظومة رمزية كثيفة تستدعي الذاكرة الإنسانية الأولى، وتستثمر اللغة بوصفها أداةً للكشف لا للوصف. فالنص لا يسعى إلى رواية حدث، وإنما إلى تشييد عالم شعري تتداخل فيه الأسطورة بالطبيعة، والوجود بالتاريخ، والذات بالمطلق، فتغدو القصيدة فضاءً تأويلياً مفتوحاً على احتمالات متعددة.

وتُعدّ الشاعرة التونسية أفراح الجبالي من الأصوات التي راهنت على قصيدة الرؤيا، حيث تتجاوز اللغة وظيفتها الإخبارية لتصبح طاقةً رمزيةً تولّد المعنى عبر الانزياح والإيحاء. لذلك يغدو عنوان القصيدة «تعليقُ مغارةٍ في العالم» مفتاحاً سيميائياً أساسياً؛ فالمغارة ليست مكاناً جغرافياً، بل رحم الوجود، وذاكرة الإنسان الأولى، وفضاء الحماية والتكوين، بينما يوحي فعل «التعليق» بحالة بينية معلّقة بين الولادة والعدم، وبين الماضي والمستقبل، فيتحول النص إلى سؤال أنطولوجي حول مصير الإنسان وعلاقته بالطبيعة الأولى.

مكانة أفراح الجبالي في الشعر العربي المعاصر:

تنتمي أفراح الجبالي إلى جيلٍ شعريٍّ يكتب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر برؤية حداثية تستثمر الرمز والأسطورة والتشكيل اللغوي المركب. ولا تقوم تجربتها على البلاغة التقليدية، بل على اقتصاد العبارة وكثافة الصورة، مما يجعل نصوصها أقرب إلى القصيدة المفتوحة التي تستدعي قارئاً منتجاً للمعنى، لا متلقياً سلبياً.

وفي هذه القصيدة تؤكد الشاعرة انحيازها إلى الشعر بوصفه فعلاً معرفياً، حيث تتحول المفردات اليومية إلى علامات حضارية وإنسانية تتجاوز مدلولها المباشر.

مناسبة القصيدة وعلاقة العنوان بالنص:

لا يصف النص حدثاً بعينه، بل يؤسس لرؤية شعرية تستعيد بدايات الإنسان الأولى. ويتجلى ذلك منذ المطلع:

««مازال بإمكاننا

سحب ذلك الوحش الصغير، قبل أن يبدأ صراخه في القاموس.»»

فالوحش هنا ليس كائناً مادياً، بل استعارة للغرائز الأولى قبل أن تؤطرها اللغة، بينما يصبح القاموس رمزاً للحضارة التي تروّض الفطرة.

أما المغارة فتتكرر دلالياً عبر مفردات: الكهف، الجدران، الحجر، البيضة، الطين، العناصر، بما يجعلها مركز البنية الرمزية للنص، أي المكان الذي تنبثق منه الحياة واللغة معاً.

الأسس اللغوية والبلاغية:

تمتاز لغة القصيدة بسلامة نحوية واضحة، رغم اعتمادها على التركيب المفتوح والحذف والانقطاع، وهي سمات تنتمي إلى الكتابة الشعرية الحداثية.

وتقوم بنية الأسلوب على الجملة الفعلية التي تمنح النص حركةً دائمة:

««مازال بإمكاننا...»

«يمكننا...»

«يدفع بجناحيه...»

«نتذوق البياض...»»

ويتجلى الانزياح اللغوي في إسناد الأفعال إلى غير مألوفها، مثل:

««النور يحاول أن يقول الاختباء.»»

فالقول فعل إنساني، لكنه يُمنح للنور، فيتحول الضوء إلى كائن واعٍ، وهو انزياح يفتح المجال لتعدد التأويلات.

كما تظهر بلاغة الاستعارة في قولها:

««نحته هنا في السمكة، في المشط، في القوارب.»»

إذ تتحول الأشياء اليومية إلى خزائن للذاكرة الجمعية.

أما فصاحة اللفظ فتنبع من انتقاء ألفاظ ذات جذور عربية أصيلة: الطراوة، الصدفيات، الملوحة، الكهف، العناصر، الجدران، البياض، وهي مفردات تمنح النص عمقاً معجمياً وتناسقاً دلالياً.

الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتمي القصيدة إلى الشعر الحر الذي لا يلتزم بحراً عروضياً واحداً، بل يقوم على تفعيلات متجاورة تتفاوت أطوالها، مع المحافظة على إيقاع داخلي متماسك.

وتنهض الموسيقى الداخلية على وسائل متعددة، أهمها:

- التكرار، ولا سيما العبارة المحورية:

««مازال بإمكاننا...»»

التي تتكرر لتؤسس إيقاع الرجاء والإمكان في مواجهة الانطفاء.

كما يتكرر الضمير الثنائي:

««أنا... أنت...»»

فيتحول إلى إيقاع نفسي يؤكد وحدة المصير.

ويبرز التوازي التركيبي في قولها:

««أنا

أنت»»

ثم:

««أنت

أنا»»

وهو توازٍ يعكس اندماج الذات بالآخر.

وتقوم الموسيقى أيضاً على هيمنة أصوات الميم والنون واللام، وهي حروف رخوة ذات امتداد زمني، تضفي على النص نبرة تأملية هادئة، بينما تمنح القاف والكاف والحاء بعداً صخرياً ينسجم مع فضاء الكهف والحجر.

أما الوقفات الشعرية القصيرة فتخلق إيقاعاً نفسياً متقطعاً، يوحي بأن المعنى يولد على دفعات، كما في:

««أنا

أنت

مازلنا نحترق نظيفين.»»

البنية الفنية والجمالية:

تعتمد القصيدة وحدة عضوية متماسكة، إذ تتنامى الصور حول محور واحد هو المغارة باعتبارها أصل التكوين.

وتتحرك الحقول الدلالية بين الطبيعة:

««السمكة، القوارب، الطين، البيضة، الحجر، المياه.»»

والجسد:

««الملوحة، الريش، المخلب، اللحوم.»»

والنور:

««البياض، النور، العناصر.»»

وهذا التشابك يمنح النص بعداً كونياً.

أما الصورة الشعرية فتقوم على التراسل الحسي، كما في:

««نتذوق البياض.»»

فالبياض يُرى ولا يُذاق، غير أن الشاعرة تنقل الإدراك من البصر إلى الذوق، فيتولد انزياح جمالي بالغ التأثير.

وتبلغ الصورة ذروتها في خاتمة القصيدة:

««كهفنا

ينصت

وحسب.

الجميل يثغو.»»

فالجميل لا يُعرَّف، بل يُجسَّد في صوت الحمل، ليصبح الجمال ولادةً وبراءةً في آن واحد.

القراءة السيميائية:

ينهض النص على شبكة من العلامات المركزية:

- المغارة: الرحم الكوني والذاكرة الأولى.

- الوحش الصغير: الغريزة قبل التهذيب الثقافي.

- البيضة: أصل الخلق والخصوبة.

- البياض: النقاء والبعث.

- الحجر: التاريخ والرسوخ.

- النعامة: الانبعاث والحياة في البيئات القاسية.

- الكهف: العزلة الخلاقة، لا الانغلاق.

وتتكامل هذه العلامات لتنتج خطاباً شعرياً عن ميلاد الإنسان من رحم الطبيعة.

القراءة الذرائعية:

وفق المنهج الذرائعي، لا يكتفي النص بجماليته، بل يؤدي وظيفة فكرية واضحة؛ إذ يدعو إلى استعادة الإنسان لبراءته الأولى، وإلى إعادة بناء العلاقة بين الذات والطبيعة بعيداً عن اغتراب الحضارة الحديثة. لذلك فإن تكرار عبارة «مازال بإمكاننا» يمثل دعوة إلى المقاومة الروحية، وإلى عدم الاستسلام لخراب العالم.

القراءة النفسية:

تكشف القصيدة عن لاوعي جمعي يستدعي رموز الطفولة الأولى والأم الكبرى والكهف بوصفه مكان الحماية. فالذات الشعرية تبدو منشطرة بين الخوف والرجاء، لكنها تنتهي إلى المصالحة مع العالم عبر صورة البياض، بما يجعل النص رحلة علاجية نحو استعادة التوازن النفسي.

خاتمة:

تُعدّ «تعليقُ مغارةٍ في العالم» نصاً شعرياً بالغ الكثافة، يجمع بين عمق الرؤية وجمال التشكيل اللغوي، ويبرهن على قدرة أفراح الجبالي على بناء عالم شعري تتضافر فيه البلاغة والأسلوبية والسيميائيات في نسيج واحد. وقد نجحت الشاعرة في تحويل المغارة من فضاء مكاني إلى رمز وجودي جامع، وفي تشييد قصيدة تجعل اللغة نفسها كهفاً للمعنى، يظل مفتوحاً على قراءات لا تنتهي. ومن هنا تنتمي هذه القصيدة إلى النماذج الحداثية التي لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاود كشف أسرارها كلما أُعيد الإصغاء إلى نبضها الداخلي وإلى صمتها المضيء.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

........................

تَعلِيقُ مَغَارةٍ في العالَم

مازال بإِمْكاننا

سَحْب ذلك الوحْشِ الصَّغير، قبل أن يَبْدأ

صُراخَه في القامُوس.

*

مُعلَّقيْن

و مُهْمَليْن

مازال يمكننا نحْتُـه هُنا في السَّمَكة، في المُشط، يمكننا

في القوارب أيضا

الحمراء، الطِّينِيّة،

فهذا النّحت الجَبليُّ مَخزوناتُنا، لشتاء جِبال الشَّمال.

*

مازال بإمكانه التحَقُّق

في هذه الطّراوة، والنورُ يحاول أن يقول الإختباء،

في الكهْف الأشْهى

و في قِدْر الأشباح عند التأهُّب لحياتِها - الطَّراوة -، على الجُدران،

أقول كلماتٍ طقْسِّيَّة صغيرة

بالأمان ذاتِه

الذي تأخُذُه العناصر .

*

أنا

أنت

مازلْنا نَحْترق نظيفيْن

كالمياه

في سفْح

و كمِخْلَب في اللُّحوم النَّجْميَّة

*

مازال يمكن للنَّفْس

أن تَزْحف

تحْت صَدفيّات المُلُوحة

و تحت خوْف ريشِنا الرَّماديّ وهو يجْري.

*

يدفَعُ بجناحيْه

كمعنى الشُّكْر والرَّحمة

و مِثْل المَدى في خُلودِه القويِّ، الآن وقدْ أعْطانا بياضَهُ المُدوَّر

الآنَ، نتَذوَّقُ البيَاض

ونتقوَّس

و سأرْسُم النَّعامَة .

*

مازال للعَوْدةِ إمكانُها

مثلما صرْنا ذات يوم : عَجِيبيْن

وقَبْلَ الإنْسان

أنت

أنا

مازال يمكننا سَماعُ الإِيجَاز

*

حين، البطْنُ، نعتَصرُها

ونأخُذُ مِن البيْضةِ الأرْض

حين، تضرِب حجَرةٌ حَجَرة

فرَحَها البطيء،

مِثْلما في كهْفِنا،

فِكْرة.

*

كهفُنا

يُنصِت

وحسْب.

{الجميلُ يَثْـغـو}

***

أفراح الجبالي - تونس

لمحة عن سردية رواية.. «سرّ الأسرار» لدان براون

يعود الروائي الأمريكي دان براون (Dan Brown) في روايته السادسة من سلسلة روبرت لانغدون، "سرّ الأسرار"، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت سنة 2025، في عملٍ ضخم يقارب السبعمائة صفحة، يقتحم أعقد سؤالٍ شغل الفكر المعاصر: طبيعة الوعي الإنساني، والرواية في جوهرها، لا تكتفي بتقديم مطاردةٍ بوليسية أو لغزٍ مثير، بل تتقدم بوصفها محاولةً لجرّ القارئ إلى تخوم الفلسفة وعلم الأعصاب والميتافيزيقا، حيث يتداخل المشوّق مع التأملي، ويتجاور الشعبي مع المعرفي.

تستدرجنا رواية دان براون «سرّ الأسرار» إلى فضاءٍ سرديٍّ يعشق المفاجأة ويحبّ الطرح الكبير؛ كما أنها ليست ذلك البحث الفلسفي المغلق، ولا المسرحية العلمية المحكمة، بل نصٌّ شعبيٌّ يطلب من قارئه أن يستعيد فاعلية الدهشة أمام أسئلة الوجود. عبر مطاردةٍ براغيةٍ (نسبة لمدينة براغ التشيكية) تقليدية، يحوّل براون موضوع الوعي من مسألةٍ تقنيّةٍ معزولة إلى محركٍ ذي جاذبية درامية: سؤالٌ عتيقٌ يعود ليطرح نفسه في زمنٍ تتلاحق فيه الواجهات العصبية والذكاء الاصطناعي، ويبدو أن الأدب الجماهيري صار المكان الذي تُعاد فيه صياغة هذه الأسئلة للعامة.

 الوعي بوصفه إشارة أم صناعة؟

الفكرة المركزية في الرواية مجرّدة وبسيطة في آنٍ واحد: الوعي ليس شيئًا يُصنع في الدماغ فحسب؛ بل قد يكون إشارةً يستقبَلُها الدماغ. هذه الاستعارة —الدماغ كمستقبل— تنقل القارئ من حقل المصطلحات العلمية إلى حقلٍ ميتافيزيقيٍّ مفتوح، فتلتقي عند نقطةٍ ما مع تراثٍ روحي وفلسفي قديم. لكن ما ينجح فيه براون بوصفه روائيًا لا ينجح دائمًا بوصفه مؤلفًا علميًا: فالاختزال والسرد السريع يتركان الفكرة بحالة تأكيدٍ جذاب أكثر من حالة برهانٍ دقيق.

 أحداث الرواية تدور في براغ، المدينة التي تبدو عند دان براون كأنها صُممت أصلًا لتكون مسرحًا للأسرار، بما تملكه من عمارةٍ قوطية1، وأزقةٍ متشابكة، وحمولةٍ رمزية كثيفة تغري بالمطاردات والشيفرات الخفية والرموز المطموسة، في هذا الفضاء، تظهر كاثرين سولومون، عالمة النويطيقا2 وحبيبة لانغدون – شخصيته الروائية المعروفة بسلسلة رواياته أستاذ علم الرموز بجامعة هارفارد، ظهر لأول مرة في رواية "ملائكة وشياطين" عام 2000-، هذه العالمة وهي على وشك نشر كتابٍ يَعِدُ بإعلان اكتشافاتٍ صادمة حول طبيعة الوعي، قبل أن تقع ضحية الاختطاف، فينطلق لانغدون في سباقٍ محموم لاستعادتها وفكّ خيوط المؤامرة، لكن العجيب أن هذا البناء لا يخرج عن البنية المألوفة في روايات دان براون: مخطوطةٌ أو اكتشافٌ مهدَّد، قوى خفية تسعى إلى إخفائه، ورجلٌ مثقفٌ يتنقل بين القاعات التاريخية والأقبية السرية في سباقٍ مع الزمن، غير أن الجديد هنا ليس في الحبكة ذاتها، بل في مركز الثقل الذي تنتقل إليه الرواية: الوعي البشري بوصفه لغزًا فلسفيًا وعلميًا معًا، لا مجرد موضوعٍ ثانوي يزيّن السرد.3033 dan brown

ماهية الوعي في عمق الرواية

الفرضية المركزية في الرواية جريئة إلى حدّ الإغواء: الدماغ لا يصنع الوعي، بل يستقبله، إنها فكرةٌ تُقدَّم عبر استعارةٍ لافتة؛ فالعقل الإنساني يشبه جهاز استقبالٍ لا يُنتج الإشارة، بل يلتقطها من حقلٍ أوسع وأسبق من الفرد نفسه، هنا يستعير براون منطق “الاستقبال” بدل “الإنتاج”، وكأنه يريد أن يهزّ التصور العصبي التقليدي الذي يردّ الوعي إلى تفاعلات المادة وحدها، كما تتصل هذه الفرضية بأفكارٍ مستمدة من علوم الوعي الحديثة، ولا سيما النزعات النويطيقية التي تنظر إلى الوعي بوصفه ظاهرةً تتجاوز حدود الدماغ المادي، بل تستند الرواية إلى إشاراتٍ فلسفية وروحية متفرقة، من بينها التصورات الفيدانتية3 عن الوعي الكوني، وبعض اللمحات المستلهمة من نيكولا تسلا4، في محاولةٍ لنسج حوارٍ بين العلم والروح، وبين المختبر والأسطورة، غير أن هذا الطموح، مهما بدا براقًا، يظلّ محفوفًا بمشكلةٍ جوهرية: الرواية تُبسط الأسئلة الكبرى أكثر مما تناقشها، وتحوّل المعضلة الفلسفية إلى جهازٍ سرديّ يخدم التشويق في المقام الأول.

 تشظّي الوعي في صورة خصم

من أكثر عناصر الرواية إثارةً للانتباه شخصيةُ "الغولم"5، والتي تعمل  كرمزٍ محوريٍّ في الرواية؛ ليست مجرد خصمٍ يعرقل المسار، بل استعارةٌ للذات المتشرذِمة، للوعي المشتت، هذا الكائن - المتوضع في فضاءٍ تراثيّ براغي - يجعل من مسألة وحدة التجربة الداخلية سؤالًا سرديًّا ذا أبعاد نفسية وثقافية، بدل أن يبقى مجرد مفهومٍ نظري، القراءة التي تقرأ الغولم بهذه الطريقة تكسب الرواية بعدًا تأويليًا يتجاوز حدّ التشويق البحت، و"الغولم" هي شخصيةٌ لا تؤدي وظيفة الخصم فحسب، بل تحمل في بنيتها دلالةً رمزية عميقة، فالغولم، كما يُقدَّم في النص، ليس مجرد مطاردٍ غامض، بل كائنٌ متصدع الهوية، مشطور الوعي، يبدو كأنه يجسّد الوجه المظلم لفكرة الوحدة الداخلية التي تبحث عنها الرواية.

هنا تظهر المفارقة الجمالية الأهم: فإذا كان براون يقدّم الوعي بوصفه حقلًا كونيًا متصلًا، فإن شخصية "الغولم" تكشف عن نقيضٍ مأساوي، هو التمزق الداخلي والهوية المجروحة، ومن هذا التوتر تنشأ قيمةٌ تأويلية حقيقية، لأن الشخصية تتحول من مجرد أداة في الحبكة إلى استعارةٍ عن الإنسان المعاصر حين يفقد تماسكه النفسي والروحي.

وفي هذا المستوى، تلامس الرواية أسئلةً أبعد وأخطر من مجرد المطاردة: كيف تتشكل الذات؟ ما الذي يجعل التجربة الداخلية متماسكة؟ وهل الوعي فعلُ حضورٍ أم أثرُ انقسامٍ دائم؟

 بين السرد والبساطة المعرفية

على الرغم من هذا الثراء الظاهري، لا تخلو الرواية من مشكلاتٍ بنيوية واضحة، فدان براون، كما هي عادته، يكتب وفق إيقاعٍ سردي شديد السرعة، يجعل الفصول قصيرة، والانتقالات حادة، والمفاجآت متتالية إلى حدّ الإرهاق أحيانًا، هذه السرعة تمنح النص قدرةً عالية على الجذب، لكنها في المقابل تُضعف العمق التأملي، تُعوِّض سرعة الحبكة وقصر الفصول عن غياب العمق التأملي، كون براون يسرّع الإيقاع ليحافظ على شدّ القارئ، فيُضحي أحيانًا بفرصٍ كانت ممكنةً لتفخيخ السؤال وتفكيك مصطلحاته. النتيجة: جمهور واسع يُقدّم إليه سؤالًا مركزيًا بصورة جذابة وسهلة، لكن القارئ الناقد سيلاحظ فقدانًا في الدقّة العلمية والتدرّج الفلسفي، حيث الفكرة الفلسفية لا تجد الوقت الكافي لتتبلور داخل السرد بوصفها سؤالًا مفتوحًا، بل تُقدَّم غالبًا في صيغةٍ تقريرية أو شبه تعليمية.

هذا الاختطاف يزجّ بلانغدون، أستاذ علم الرموز في هارفارد، في سباقٍ محموم يمتزج فيه فتح الأقفال وتبادل إطلاق النار والممرات السرية، إلى جانب شخصية الخصم المسمى "الغولم"، ذاك الكائن المضطرب المنشطر الذي يخيّم حضوره على النص بأكمله في شخصية ساشا فسنا، وشخصيتها الغولمية، كأليجوريا6 للثنائية بين العقل المتكامل والعقل المنكسر، بين الوحدة التي تنشدها النظرية النويطيقية والتشظي الصدمي الذي يعيشه بعض الأفراد. يدور كل هذا حول برنامجٍ سريّ يحمل اسم "ثريشولد"7 (العتبة)، يقدَّم في الرواية كـ"مشروع مانهاتن8" الخاص بعلوم الدماغ، يمزج بين الرهانات العلمية والانحراف الأمني والمصالح الخفية لوكالة الاستخبارات المركزية.

ولهذا السبب، تتردد بعض القراءات النقدية في منح الرواية قيمةً فكريةً حقيقية، إذ ترى أنها تستعير لغة العلم والفلسفة من دون أن تنخرط فعلًا في صعوبتهما،وهنا تتحول المعرفة إلى ديكورٍ سردي، والوعي إلى شعارٍ جذاب، والجدل العلمي إلى سلسلةٍ من التوضيحات السريعة التي لا تسمح للقارئ بأن يختبر تعقيد المسألة، ومع ذلك، فإن هذا النقص نفسه هو ما يمنح الرواية مكانتها ضمن الأدب الجماهيري رائج الاستهلاك، كونها لا تطلب من القارئ أن ينجز تفكيرًا فلسفيًا عميقًا، بل تدعوه إلى التلذذ بإحساس الاقتراب من المجهول.

أي قيمة للرواية؟

 تكمن قيمة الرواية الحقيقية في كونها فتحت بابًا شعبياً لأسئلة كانت لأمدٍ طويـل حكرًا على المختصين: ما الوعي؟ هل نتجاوز حدود الدماغ؟ وما الخطر الأخلاقي لتسليع المعرفة النفسية؟ بوصفها ظاهرة ثقافية، تجعل الرواية السؤال متاحًا للنقاش العام، حتى وإن قدّمت عن السؤال إجاباتٍ روائيةً أكثر منها علمية، كما أثارت الرواية، بطبيعة موضوعها، نقاشًا نقديًا واسعًا بشأن دقتها العلمية، حيث بعض المؤشرات التي تعتمد عليها في رسم تصورها عن الوعي، مثل ربطه بمادة كيميائية بعينها أو التلميح إلى آليات دماغية تعمل كـ“مصفاة” للخبرة، بدت لكثير من المختصين مبالغًا فيها أو غير مثبتة تجريبيًا، وهذا ليس جديدًا في أدب دان براون؛ إذ اعتاد الكاتب أن يتحرك على تخوم الحقيقة التاريخية والعلمية، مستفيدًا من الهالة التي تمنحها المعرفة العلمية حتى حين تُستخدم بصورةٍ تخييلية, كما في رواياته الخطيرة ثقافياً  "الرمز المفقود" و"شيفرة دافنشي" و"الأصل".. بينما الأهم ثقافيًا هو أن هذه الرواية تكشف عن توقٍ معاصر إلى إعادة طرح السؤال القديم: هل الإنسان أكثر من كونه دماغًا؟ هذا السؤال، وإن صيغ هنا داخل قالبٍ تجاريّ سريع، يظلّ سؤالًا بالغ الأهمية في زمنٍ تتسارع فيه علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي وتقنيات قراءة الدماغ والتلاعب بالإدراك. ومن ثمّ، فإن "سرّ الأسرار" لا تهمّنا فقط بوصفها روايةً مثيرة، بل بوصفها عرضًا ثقافيًا لحيرة الإنسان الحديث أمام ذاته.

هذا بشكل عام ، لكننا إذا نظرنا إلى الرواية من زاويةٍ أدبية خالصة، وجدنا أنها لا تُقاس بمعايير الرواية الفلسفية العميقة، ولا تُماثل الأعمال التي تبني تأملها على البطء والتكثيف والالتباس المنتج، غير أنها تملك قدرةً نادرة على تحويل المفهوم المجرد إلى مشهدٍ حيّ، وتحويل السؤال النظري إلى مطاردةٍ محسوسة، وهذا بحدّ ذاته نوعٌ من الفعالية الأدبية، ولو كان على حساب الدقة، كما أن الرواية تطرح، من حيث لا تريد ربما، مسألة العلاقة بين المعرفة الجماهيرية والنخبوية، فهي تُقدّم لفئةٍ واسعة من القراء موضوعًا شديد التعقيد، لكن ضمن قوالب سهلة التلقي، وهنا تتجلى قوتها وضعفها معًا: إنها تُوسّع دائرة الاهتمام بالأسئلة الكبرى، لكنها لا تمنحها دائمًا ما يكفي من الصرامة أو العمق.

السرديات والاختزال المعرفي

وظّف دان براون في "سر الأسرار" آليات السرد الكلاسيكي البراوني — التشويق المُتسارع، البطل-الدليل، الزمكان الأسطوري، الفصل المنتهي بمفصلة معلّقة — بوصفها بنيةً مُغلَقة تَنطوي على إيحاءٍ بـ"الكمال المرجعي"، حيث يَبدو كلّ تفصيل سردي وكأنّه مدعومٌ بمرجعية تاريخية أو علمية موثوقة. لكنّ الخطورة السردية تكمن في أنّ براون يُحوِّل براغ من مجرَّد فضاء درامي إلى "شخصية سرديّة" فاعلة، تحمل مكنوناتها اليهودية-الماسونية — الغولم، الكابالا9، المقبرة اليهودية، اللغة الإينوكيانية10 — فيتداخل المكان مع الرمز مع المعرفة في وحدةٍ لا تَسمح للقارئ بالمسافة النقدية اللازمة لفصل الخيال عن الواقع، تَعتمد هذه البنية ما يُمكن تسميته "الواقعية المُغرِقة": تفاصيل دقيقة عن شوارع براغ ومبانِيها وكنائسها تُمنَح للقارئ بوصفها "حقائق" جغرافية، بينما تُحقَن في ثناياها المُسبَقات الباطنية الكابالية بوصفها امتدادًا طبيعيًّا للمعرفة الإنسانية. وتُلجئ هذه التقنية — المعروفة في نظرية الاستقبال بـ"أثر الحضور" (Presence Effect) — القارئَ إلى استهلاك المعلومة الباطنية مُغلَّفةً بسلطة الحبكة وجاذبية التشويق، فيذوب الحدّ الفاصل بين التخييل والمعرفة، وتُصبح الكابالا والغولم لا رموزًا فنيّة، بل "حقائق" يُعيد السردُ تثبيتها في الوعي؛ إنّ براون، كما أشار في مدونته أحد النقاد، "يتسلَّل لعقل القارئ من الباب الخلفي ويغرس فكرته بهدوء تامٍّ ويظلّ حولها يغذّيها حتى تنبت وتستقرّ" ، وهو ما يَفوق خطورةً كلَّ تحذير مباشر، لأنّ القارئ لا يَشعر بأنّه يُعاد تأطيره معرفيًّا، بل يَشعر بأنّه يُساءل ويُستثار فكريًّا. وتتجاوز هذه الخطورة مجرَّد التداول التجاري للرواية التي تُرجمت إلى أكثر من 16 لغة في وقت واحد، إلى كونها تُسهم — في إطار ما يمكن تسميته "الهندسة الرمزية للمركزية الأوروبية-اليهودية" — في إعادة تشكيل خيال القارئ عبر العالم عامة والقارئ العربي حول معنى "المعرفة" و"السرّ" و"الوعي" و" الوحدة"، بحيث يُصبح التراث اليهودي-الباطني هو "المنبع" و"المرجع" و"الأصل"، لقد وظف دان براون كلاً من الكابالا والإينوكيانية بوصفهما "مفاتيح" لفكّ شيفرة الوعي الإنساني وما بعد الموت. فالغولم — الكائن الكابالي بامتياز — يُجسَّد في الرواية بوصفه الخصم الذي يُطارد لانغدون، بينما تُستعمل اللغة الإينوكيانية في الرسائل المُشفّرة التي يجب على لانغدون فكّ شفرتها. وبهذا الدمج بين الكابالا والإينوكيانية، تُقدِّم الرواية التراث الباطني اليهودي-الغنوصي بوصفه "مفتاحًا" للأسئلة الكبرى عن الوعي والموت، في غيابٍ شبه تامٍّ لأيّ مرجعيةٍ معرفيةٍ إسلاميةٍ أو عربيةٍ أو مسيحية أو هندوسية أو زرادشتية أو حتى كونفوشيوسية مضادّة.

 هكذا يُزاح التراث الإسلامي — بثروته في علم الكلام الأشعري والماتريدي، والتصوُّف السنّي، العرفان الشيعي وفلسفة الروح عند ابن سينا والغزالي— إلى هامش لا يَملك أدوات حضوره.

 إنّ الخطورة الأعمق تكمن في أنّ هذا كلَّه يحدث في سياق ثقافي عربي يُعاني أصلًا من أزمة في إنتاج خطاب معرفي ذاتي قادر على منافسة السرديات الكونية المهيمنة، وفي لحظة يتقاطع فيها الانكسار المعرفي مع التوسُّع الاستهلاكي للرواية ذات السردية القاتلة للوعي العربي والاسلامي، فيتحوَّل القارئ العربي-الإسلامي — الذي كان يومًا فاعلًا في إنتاج المعرفة وتداولها — إلى متلقٍّ سلبي لسرديات تُعيد تعريف علاقته بأقدس ما يَملك: وعيه بذاته وبربّه وبمصيره، وهو ما يَستدعي — لا مجرَّد القراءة النقدية، بل — الردَّ المعرفي والإنتاج الأدبي البديل الذي يَستعيد الأسئلة الكبرى من موقعه الحضاري الخاصّ.

وبهذا، تَتجاوز الرواية كونها مجرَّد عملٍ ترفيهي إلى أن تَغدو أداةَ "هندسةٍ رمزية" تُعيد تشكيل علاقة القارئ بالأسئلة الكبرى — الوعي، الموت، الروح — وفق مُسبَقاتٍ تراثيةٍ مُحدَّدة، في غيابٍ شبه تامٍّ لخطابٍ سرديٍّ مضادٍّ يَستعيد هذه الأسئلة من موقعه الحضاري الخاصّ.

ناهيك  عن القابلية للسرديات المهيمنة، يبرز عبر ثنائيةُ المنع الممنهج للروايات العربية ذات المرجعية التنويرية الاسلامية، مقابل الترجمة الواسعة والترويج المُريب للروايات الحاملة للسردية الصهيونية-الماسونية، ما يشكل آليةً ناعمةً لـ"الهندسة الرمزية" الثقافية للقراء العرب والمسلمين؛ إذ يُحوّل الفضاء النشري العربي — عبر فلترةٍ اختياريةٍ تُقصي الخطاب الذاتي وتُدخِل الوافد الغربي بلا سؤال أو نقد — الأجيالَ الجديدةَ إلى مستهلكين سلبيين للأساطير التلمودية والرموز الكابالية، ما يُهيّئ الوعي الجمعي للخضوع والخنوع، ويُسهّل استقبال مشروع التطبيع بوصفه "حداثةً" و"انفتاحًا"، لا استلابًا ثقافيًا مُمنهجًا يُفضي إلى تدمير الذاكرة الجمعية وتشويه الهوية وإعادة إنتاج عقلية الخضوع للمركزية الغربية.

مستخلص

 "سرّ الأسرار" نص يثير السؤال أكثر مما يمنحه جوابًا نهائيًا؛ إنها مناسبة لإيقاظ دهشة السؤال في قارئٍ عربي معاصرٍ يتعرّض يوميًا لأخبار تقدّم علمي سريع وتحوّلات تقنيةٍ تحدث في طيّ العالم اليومي، إن قيمة العمل ليست بالضرورة في صحة أطروحته العلمية، بل في قدرته على إعادة إطلاق السؤال، على جعل العالم الأدبي موضعَ مواجهةٍ مع أسرار الذات والوعي التي لا تزال تقف عند حدود استطلاعنا.

هذا النوع من الروايات لا يقدّم جوابًا نهائيًا، لكنه ينجح في شيءٍ آخر لا يقل أهمية: إنه يعيد إلى القارئ دهشة السؤال، ويوقظ فيه شعورًا قديمًا بأن الإنسان، مهما تقدّم علمه، لا يزال كائنًا واقفًا على حافة لغزٍ لم يُكشف بعد.

يبقى أن السبب الأدبي عند دان براون  بسيط، استحضار الموروث التوراتي واليهودي، في المجال الروائي العالمي، عبر تقديم ثلاثية شديدة الجاذبية: أثر قديم، سرّ دفين، وتأويل لا ينتهي، هذه العناصر تتيح لروائي مثل براون أن يربط بين المخطوطات، والطقوس، والرموز، والمدن العتيقة، والهيئات المغلقة، في شبكة سردية تبدو للقارئ كأنها تمسّ الحقيقة من مسافةٍ قريبة، ومن هنا تنشأ “الهالة”  عبر الرمز،  وتفسيرها الأقرب هو أن دان براون يشتغل على أرشيف الخوف الجماهيري: الكنيسة السرية، الدولة العميقة، المختبر العسكري، الجماعات الغامضة، والرموز القديمة، الغيتو اليهودي، التي تبدو كأنها تحكم العالم من الظل، ولذلك فإن قراءته  بوصفه كاتبًا يوظف التراث اليهودي ضمن اقتصاد التشويق العالمي، فهذه قراءة أقرب إلى النص وإلى منطق اشتغاله الروائي عموما منذ الحصن الرقمي ونقطة الخداع وصولا إلى شيفرة دافنشي.

 في النهاية، يبدو أن عنوان "سرّ الأسرار" يملك مزاجًا غريبًا؛ فهو يغيّر جلده عبر القرون، مرةً يظهر في هيئة كتابٍ قديم يهمس للملوك بكيفية تدبير العرش، ومرةً أخرى يرتدي معطف الإثارة الحديثة ليركض بك بين براغ والمختبرات والأسرار المخبأة تحت عباءة العلم، كأن الفكرة نفسها تقول للقارئ: لا تثق بما تراه، فكل سرٍّ محترمٍ في هذا العالم يخبئ وراءه سرًّا أكثر غموضًا، وبعضها — على ما يبدو — يحب أن يعود إلى الحياة بأسماء جديدة ونسخ أكثر صخبًا!

ولعل الطريف في الأمر أن أرسططاليس كان يعلّم الإسكندر كيف يحكم، بينما دان براون يبدو كأنه يعلّمنا نحن كيف نُطارد المعنى ونحن نلهث وراءه، هناك من يقدّم سرّ الأسرار بوصفه دستورًا للحكمة، وهناك من يحوّله إلى سباقٍ محموم بين الرموز والمطاردات والهلوسات المعرفية الأنيقة عبر سردية متسلطة منغلقة.

النتيجة؟ قارئٌ يدخل باحثًا عن رواية، فيخرج وهو يتساءل: هل كنت أقرأ قصة أم كنت أُدرَّب على فنّ الشكّ نفسه؟

إذا أردت عملًا يبدأ كخدعةٍ ذكية وينتهي كسؤالٍ لا يهدأ، فـ"سرّ الأسرار" هو ذلك الباب الذي يبتسم لك أولًا، ثم يتركك تتساءل طويلًا عمّا إذا كان ما وجدته خلفه معرفةً... أم مجرد مسرحية كونية متقنة الصناعة تحاكي كوميديا دانتي بأسلوب حداثي...

***

مراد غريبي

.....................

الهوامش

1- من القوطية بوصفها عمارةً للرهبة، إلى القوطية بوصفها سردًا للمتاهة، يصنع دان براون من المكان نصًا، ومن الحجر لغزًا، ومن التاريخ مسرحًا دائماً لانكشاف السرّ.

2- نويطيقا (Noetics): حقل بحثي يهتمّ بدراسة الوعي والعلوم النفسية التي تدّعي إمكانات إدراكية أو ظواهر معرفية لا تُحتوَى دومًا في الإطار العصبي التقليدي؛ في الرواية تُستخدم كمصدرٍ فكرِيّ يحشد مصطلحاتٍ علمية ومدعاوى مفاجئة حول الوعي.

3- الفيدانتية هي مدرسة فلسفية وروحية هندية تنتمي إلى تقاليد الهندوسية، واسمها يدلّ على “نهاية الفيدا” أو خلاصة المعرفة الفيدية، تركز على سؤالين كبيرين: ما طبيعة الواقع النهائي؟ وما طبيعة الذات الإنسانية وعلاقتها بالمطلق ؟ الفيدانتية تقول إن وراء العالم المتغيّر حقيقةً أعمق وأبقى، تُسمّى غالبًا براهمان، وإن معرفة هذه الحقيقة تقود إلى التحرر الروحي. وفي هذا الإطار، تُفهم الذات الفردية، أو آتمان، بوصفها مرتبطة بتلك الحقيقة العليا أو غير منفصلة عنها في بعض مدارس فيدانتا.

4- تسلا عند دان براون ليس “معلومة” فقط، بل أيقونة سردية: اسمٌ يلمّع الفكرة العلمية ويمنحها لمسة أسطورية، ويجعل القارئ يشعر أن وراء الاختراع بابًا آخر إلى السرّ

5- الغولم (Golem): في التراث البراغي واليهودي، مخلوقٌ مصنع يُستدعى غالبًا لحماية أو تنفيذ أمر ما؛ في الرواية يتحوّل إلى رمز للذات المتشظّية وللتصدعات النفسية التي تتحدى فرضية وحدة الوعي، لذلك ترتبط براغ بواحد  من أشهر أساطير التراث اليهودي: أسطورة "الغولم" (Golem)، وهو كائن طيني صنعه الحاخام يهودا لوئ (Rabbi Judah Loew) في القرن السادس عشر لحماية الحي اليهودي من الهجمات.

6- الأليجوريا هي التمثيل الرمزي لفكرةٍ مجردة داخل صورةٍ محسوسة أو قصةٍ أو شخصية، بحيث يكون للنص مستوى ظاهر وآخر أعمق يُفهم بالتأويل، وعند دان براون، الأليجوريا ليست مجرد زخرفة بلاغية، بل طريقة لبناء العالم نفسه: الغولم يمكن أن يُقرأ كأليجوريا للذات المتشظية، وتسلا كأليجوريا للعبقرية التي صارت أسطورة، والمنظمة السرية كأليجوريا للمعرفة حين تُدار خلف الستار.

7- ثريشولد (Threshold): اسم برنامجٍ سريّ في الرواية يُستخدم لتمرير فكرة استغلال المعرفة عن الوعي من قبل مؤسساتٍ أمنية؛ يرمز إلى القلق الأخلاقي من توظيف العلوم لصالح السيطرة.

8- إذا كان مشروع مانهاتن قد صنع القنبلة النووية، فإن دان براون يوظف صورته ليصنع في الرواية قنبلة سردية؛ مفاجأةً معرفيةً توهم القارئ بأن الحقيقة مخبأة في مختبر، أو ملف، أو غرفة مغلقة، تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار.

9- مذهبٌ يهوديٌّ باطنيٌّ (غنوصي) في تفسير الكتاب المقدّس، يقوم على افتراض أنّ لكلّ كلمة ولكلّ حرفٍ معنىً خفيًّا، ويتضمّن تأويلاً رمزيًّا للنصّ الدينيّ. الكلمة نفسها تعني بالآرامية "القَبول" أو "تلقّي الرواية الشفهية من غير اعتراض"، ممّا يَكشف عن طابعها التلقيني السرّي الذي يَحصر المعرفة في دائرة المُنتسبين.

10- لغةٌ اصطناعيةٌ (constructed language) يُقال إنّها أُنزلت من الملائكة على العالِم والفيلسوف الباطني الإنجليزي جون دي (John Dee) ووسيطه الروحاني إدوارد كيلي (Edward Kelley) في أواخر القرن السادس عشر، اعتقد جون دي أنّ هذه اللغة هي الأصل الذي انبثقت منه العبرانية، وأنّها اللغة التي خلق الله بها العالم، ثمّ استعملها آدم لتسمية الأشياء، فلمّا طُرد من الجنّة فقدها وبقي منه نسخةٌ باهتة هي العبرية!! وقد طوّر دي وكيلي من خلالها منظومةً سحريةً كاملة تُعرف بـ"السحر الإينوكياني"، تُستعمل فيها المفاتيح الملائكية لـ"فتح أبواب السماء والتواصل المباشر مع الله"،غير أنّ اللغويين المعاصرين يُشكّكون في أصالة هذه اللغة، إذ يُلاحظون أنّها تُشبه الإنجليزية في فونولوجيتها (نظامها الصوتي) ونحوها، وأنّها تَفتقر إلى الاتساق اللغوي المميّز للغات الطبيعية، ممّا يُرجّح أنها نتاجٌ لما يُسمّى "اللسانيات الذهنية" (glossolalia) لا لغةً حقيقية، ومع ذلك، تُستعمل الإينوكيانية حتى اليوم في طقوس بعض الجماعات الباطنية الغربية.

 

قراءة في الفضاء الرمزي لقصة «حذاء إنجليزي» لسمير لوبه

تتكئ قصة «حذاء إنجليزي» لسمير لوبه على بنية سردية تبدو، في ظاهرها، بسيطة ومباشرة: فلاح فقير يرى حذاءً في أقدام جنود إنجليز، فيشتهيه، ويدخر ثمنه، ويشتريه، ثم يُقتل بسببه، ليتحول الحذاء بعد موته إلى لعنة تطارد القرية. غير أن هذه البساطة الحكائية تخفي وراءها شبكة واسعة من الرموز والدلالات الاجتماعية، والنفسية، والسياسية، والشعبية.

فالقصة ليست حكاية عن حذاء فحسب، بل هي حكاية عن الحلم حين يولد في بيئة فقيرة وقاسية، وعن الشيء المادي حين يتحول إلى نقد اجتماعي، وعن الاستعمار بوصفه حضورًا رمزيًا في وعي المقهورين، وعن المجتمع الذي يحاصر أحلام أفراده بالشائعة والحسد والخوف.

ومن ثم، يمكن قراءة النص قراءة رمزية وبنيوية وسيمائية تكشف كيف تتحول الأشياء والشخصيات والأماكن إلى علامات دالة، وكيف تعمل عناصر القصة معًا لإنتاج معناها العميق.

أولًا: سيمائية العنوان “حذاء إنجليزي"

يمثل العنوان العتبة الأولى للنص، ومن خلاله يدخل القارئ إلى العالم الحكائي. وقد جاء عنوان القصة «حذاء إنجليزي» عنوانًا مكثفًا، يتكون من كلمتين فقط، لكنه يحمل حمولة دلالية واسعة.

- الحذاء كبؤرة مركزية

تحيل كلمة "حذاء"، في معناها المباشر، إلى شيء مادي بسيط يُلبس في القدم ويحميها من خشونة وحرارة وبرودة الطريق. غير أن الحذاء داخل النص يتجاوز وظيفته الواقعية ليغدو علامة رمزية مركبة.

فهو يدل على الحماية من الأرض القاسية، والستر من الحفاء، والوجاهة الاجتماعية، والكرامة المفقودة، والحلم الفردي، والرغبة في الصعود، ثم اللعنة بعد الجريمة.

وهكذا يتحول الحذاء من مجرد أداة لحماية القدم إلى بؤرة دلالية تتحرك حولها أحداث القصة كلها.

- دلالة دالة "إنجليزي"

لم يكتفِ الكاتب بعنوان «حذاء»، بل أضاف إليه صفة "إنجليزي"، وهي صفة تمنح العنوان بعدًا تاريخيًا وسياسيًا واضحًا. فالحذاء مرتبط في بداية القصة بالعساكر الإنجليز، أي بالقوة العسكرية والهيمنة الاستعمارية.

إن إنجليزية الحذاء لا تعني فقط أنه مصنوع في إنجلترا أو منسوب إلى الجنود الإنجليز، بل تعني أنه قادم من عالم القوة والسيطرة والانضباط والهيبة. لذلك لا ينبهر حمدان بالبندقية أو الزي العسكري، وإنما ينبهر بالحذاء؛ لأنه يرى فيه علامة القوة التي يفتقدها.

وبذلك يقوم العنوان على مفارقة دالة:

شيء صغير وبسيط، لكنه يحمل ظل إمبراطورية كاملة.

- العنوان اختزال لمضمون القصة

يعكس العنوان مسار القصة كله؛ ففي البداية يكون الحذاء حلمًا، وفي الوسط يتحول إلى امتلاك ونشوة، ثم يصير سببًا للحسد والجريمة، وفي النهاية يغدو لعنة وعدالة رمزية.

ولذلك لا يصف العنوان شيئًا داخل القصة فحسب، بل يختصر بنيتها الكاملة. فالقصة كلها تدور حول هذا الحذاء: ظهوره، اشتهاؤه، شراؤه، الدفاع عنه، موت صاحبه بسببه، ثم تحوله إلى شبح ولعنة.

ثانيًا: البنية السردية للقصة

تتأسس القصة على بنية دائرية محكمة، تبدأ بالحفاء وتنتهي بالحفاء، لكنها لا تعود إلى النقطة الأولى بالمعنى ذاته.

- البداية: الحفاء رمزًا للفقر والقهر

تبدأ القصة بفلاح فقير ممدد تحت شجرة، حافي القدمين، في قرية مصرية نائية. والحفاء هنا ليس مجرد غياب للحذاء، بل علامة على الفقر والانكشاف والهوان.

فالقدم الحافية تلامس الأرض مباشرة، بما فيها من شوك وحصى وطين. وهذا يعني أن حمدان يعيش بلا حماية، جسدًا وروحًا ومكانة.

التحول: ظهور الحذاء كحلم

حين يرى حمدان أحذية العساكر الإنجليز، يحدث التحول الأول في النص. يصبح الحذاء حلمًا يسكنه، ثم يتحول الحلم إلى هاجس يستولي عليه، ومن هذه اللحظة تتحرك الحبكة كلها باتجاه امتلاك هذا الشيء.

- الصعود الزائف: امتلاك الحذاء

بعد الجوع والحرمان والادخار، يشتري حمدان الحذاء. في هذه اللحظة يصل إلى ذروة حلمه، غير أن هذا الصعود صعود ظاهري لا حقيقي؛ فهو امتلك الرمز، لكنه لم يغير واقعه الاجتماعي.

لقد صار يملك حذاءً إنجليزيًا، لكنه ظل فقيرًا وغريبًا عن عالم القوة الذي يمثله هذا الحذاء.

رمزية الجلباب والملابس الرثة

رغم أن الجلباب ليس رمزًا مركزيًا مثل الحذاء، فإن حضوره مهم في بناء الدلالة.

الجلباب رمز للفقر والهوية الريفية يذهب حمدان إلى متجر الأحذية بملابس رثة. هذه الملابس تكشف طبقته قبل أن يتكلم؛ إنها علامة اجتماعية على الفقر والانتماء إلى القرية.

كان الجلباب مخبأ وحارس الحلمحين يُخرج حمدان المال من تحت جلبابه، يصبح الجلباب مكانًا رمزيًا لإخفاء الحلم. فالمال الذي جمعه من الجوع والحرمان ظل مستترًا تحت ثيابه، كما ظل حلمه مستترًا في داخله.

المفارقة بين الحذاء الجديد والثياب الرثة

الحذاء الجديد يلمع بوصفه رمزًا للحلم، بينما الملابس الرثة تكشف أن الواقع لم يتغير. وهذه المفارقة تؤكد وهم الصعود الاجتماعي؛ فحمدان امتلك علامة واحدة من علامات الوجاهة، لكنه ظل محاطًا بمظاهر الفقر.

- الانهيار: الحسد والجريمة

بمجرد أن يعود حمدان إلى القرية بالحذاء، تبدأ الشائعات ويتحرك الحسد. هنا يتحول الحذاء من حلم شخصي إلى موضوع اجتماعي خطير. فهو يثير دهشة الجماعة وريبة الفقراء، حتى يبلغ الصراع نهايته بمقتل حمدان على يد عليوة.

- النهاية: الحفاء وميثولوجيا اللعنة

تنتهي القصة بأن القرية كلها تمشي حافية خوفًا من لعنة الحذاء. وهذه نهاية دائرية؛ لأن القصة بدأت بحفاء حمدان وانتهت بحفاء القرية كلها.

لكن الفرق جوهري؛ فحفاء البداية كان فقرًا وحرمانًا، أما حفاء النهاية فهو خوف وذنب جماعي. وبذلك تتحول مأساة الفرد إلى مصير جماعي.

رمزية الحذاء: هو الرمز المركزي في القصة، بل يمكن عدّه الشخصية الرمزية الأقوى. ومن خلاله تتكشف أغلب دلالات النص. الحذاء رمز للحلم، كما يمثل الحذاء حلم حمدان الأكبر. ورغم بساطة هذا الحلم، فإن الفقر يمنحه ضخامة مأساوية. فحمدان لا يحلم بقصر أو ثروة أو سلطة، بل بحذاء. وهذا يكشف شدة الحرمان الذي يجعل أبسط الأشياء غاية كبرى.

كما يرمز للكرامة، فالحفاء في القصة علامة على الذل والفقر، ولذلك يصبح الحذاء رمزًا للكرامة. حين يرتديه حمدان يشعر أنه دخل عالمًا جديدًا؛ عالم الذين يمشون بثقة ورؤوسهم مرفوعة.

إن الحذاء يمنحه إحساسًا بوجوده، وبأنه صار مرئيًا في مجتمع كان يمر فوق فقره بلا اكتراث.

فالحذاء رمز للسلطة الاستعمارية لأنه إنجليزي، ولأن حمدان رآه أول مرة في أقدام الجنود، فهو يحمل دلالة استعمارية واضحة. إنه علامة القوة الأجنبية التي تسير فوق أرض القرية بثقة، بينما يسير أهلها حفاة.

وهنا تصبح العلاقة بين الحذاء والأرض علاقة سياسية رمزية:

الإنجليزي يدوس الأرض بحذاء قوي، والفلاح يلامسها بقدم عارية.

كما أن الحذاء رمز لوهم الصعود الاجتماعي يظن حمدان أن امتلاك الحذاء سيغير صورته أمام نفسه وأمام الناس، لكنه يكتشف، بطريقة مأساوية، أن الرمز لا يغير الواقع. فامتلاك علامة القوة لا يمنح القوة نفسها.

وهنا تكمن مأساة القصة: امتلك حمدان المظهر، لكنه لم يمتلك شروط القوة الاجتماعية التي يمثلها هذا المظهر. كما يرمز للحسد والفتنة، فبعد عودة حمدان إلى القرية، يتحول الحذاء إلى مصدر للشائعة والحسد. فالناس لا يصدقون أن فقيرًا مثله اشتراه بمال ادخره من جوعه، لذلك يتهمونه ضمنيًا بالسرقة أو القتل أو العثور على دفينة.

وهكذا يصبح الحذاء علامة اختلاف لا يحتملها المجتمع الفقير، فضلا عن ذلك يرمز للعنةبعد مقتل حمدان، يتحول الحذاء من حلم إلى لعنة. لم يعد شيئًا جميلًا، بل صار شاهدًا على الدم. وكل من يقترب من رمزيته يشعر بالخوف. وبذلك يمر الحذاء بثلاث مراحل دلالية كبرى:

الحلم/الجريمة/اللعنة.

رمزية شخصية حمدان: هو الشخصية المركزية في القصة، لكنه ليس فردًا معزولًا فقط، بل يمثل نموذجًا اجتماعيًا وإنسانيًا. حيث يمثل الإنسان الريفي المسحوق، ابن القرية الطينية، الذي يعيش على هامش الحياة. فجسده المنهك، وقدماه الحافيتان، وملابسه الرثة، كلها علامات على طبقته وموقعه الاجتماعي.

إنه شخصية تنتمي إلى أسفل السلم الاجتماعي، ولذلك يصبح حلمه بالحذاء حلمًا بالخروج الرمزي من هذا القاع.

كما يرمز للحلم البسيط المستحيل تحول لمصدر مأساته . فهو لا يريد شيئًا عظيمًا في نظر الناس، لكنه عظيم بالنسبة إليه. وهنا تكشف القصة قسوة الفقر؛ إذ تجعل الحصول على حذاء مشروع عمر كامل سببا في نهاية البطل لقد جاع حمدان، وصبر، وسار إلى المدينة، وتحمل الألم، وكل ذلك من أجل حذاء. وهذه التفاصيل تجعل الحلم الصغير كبيرًا من الناحية الإنسانية.

إن َّمأساة حمدان أنه لم يشتر حذاءً فحسب، بل اشترى المعنى الذي تخيله فيه. لقد ظن أنه سيحصل على القوة والكرامة والارتفاع الاجتماعي بمجرد امتلاكه، لكنه في الحقيقة كان يمتلك علامة القوة، لا القوة ذاتها.

وهذا يجعله شخصية مأساوية؛ لأنه يطارد رمزًا ظنه خلاصًا.

وبعد مقتله يتحول لأسطورة ، لا يبقى حمدان مجرد ضحية، بل يتحول إلى شبح، ثم إلى ذاكرة، ثم إلى أسطورة شعبية. إن موته يرفعه من مستوى الفرد الفقير إلى مستوى الرمز الجماعي.

فهو يمثل المظلوم الذي لم يأخذ حقه، والحلم المسروق، والضمير المعذب للقرية، والذاكرة التي ترفض النسيان.

ثانيًا رمزية شخصية عليوة هو الشخصية المضادة لحمدان، ويمثل قوة الهدم في النص.

فهو رمز للحسد لا يقتل عليوة من أجل ثروة، بل من أجل حذاء. وهذا يكشف أن الحسد في المجتمعات الفقيرة قد يتعلق بأبسط الأشياء؛ فالفقر لا ينتج الحاجة فقط، بل قد ينتج الحقد على من ينجح في امتلاك شيء مختلف.

ورمز للعنف الداخلي وجود الإنجليز في بداية القصة يوحي بسلطة خارجية قاهرة، لكن القاتل في النهاية ليس إنجليزيًا، بل ابن القرية. وهذه مفارقة مهمة؛ لأنها تكشف أن القهر الخارجي قد يتحول إلى عنف داخلي بين أبناء المجتمع الواحد.

فبدل أن يتجه الوعي إلى مصدر القهر الأكبر، ينقلب الفقير على فقير مثله.

- ورمز لسارق الحلم حين يريد عليوة الحذاء، فهو لا يريد الجلد والنعال فقط، بل يريد المعنى الذي منحه الحذاء لحمدان. لكنه لا يستطيع أن يحصل على هذا المعنى؛ لأن الحلم لا يُسرق. لذلك يتحول الحذاء في يده من غنيمة إلى لعنة.

سقوط عليوة بالترعة يعد عدالة رمزية: موت عليوة غارقًا وهو يحتضن الحذاء يحقق مبدأ القصاص الرمزي. فقد قتل من أجل الحذاء، فمات متعلقًا به. والشيء الذي أراد إخفاءه صار علامة هلاكه.

وهنا تقول القصة إن الجريمة لا تمنح صاحبها ما يريد، بل تعيده إلى ذنبه بصورة أكثر رعبًا.

المكان في القصة

القرية في القصة ليست مكانًا فقط، بل شخصية جماعية لها سلوك ووعي وخوف.

- القرية وإطلاق الشائعات عندما يعود حمدان بالحذاء، لا تسأل القرية عن تعبه أو جوعه أو رحلته، بل تنتج الشائعات: ربما قتل إنجليزيًا، وربما سرق الحذاء، وربما وجد دفينة.

وهذا يكشف عقلًا جماعيًا لا يصدق أن الفقير يستطيع تحقيق حلمه بطرق مشروعة.

كما تحولت القرية لأرض التناقضات التي لا يفبل أهلها الآخر بعد تغيير طارئ فقد كان حمدان مقبولًا حين كان فقيرًا حافيًا مثل الآخرين، لكنه حين امتلك الحذاء صار مختلفًا. وهذا الاختلاف استفز الجماعة، وكشف خوفها من الفرد حين يخرج عن صورته المألوفة.

كما أن القرية شريكة غير مباشرة في المأساة الظاهر لنا عليوة هو القاتل المباشر، لكن القرية كلها صنعت المناخ النفسي للجريمة من خلال الشائعة والحسد والريبة لذلك جاءت النهاية عقابًا جماعيًا: القرية كلها تمشي حافية. ومن ثم، فإن هذا الحفاء الجماعي يكشف الذنب الجماعي.

رمزية الترعة

الترعة من أهم الرموز المكانية في القصة، وتظهر خصوصًا في لحظة إخفاء الحذاء ثم عودته. الترعة رمز لإخفاء الجريمة

يلقي عليوة الحذاء في الترعة مربوطًا بحجر ثقيل. وهنا تتحول الترعة إلى مكان لدفن الدليل، وتمثل محاولة القاتل محو أثر جريمته.

كما ترمز الترعة رمز للسر المدفون الحذاء في قاع الترعة ليس حذاءً فقط، بل هو سر الجريمة وحلم حمدان المسلوب. لذلك تصبح الترعة مخزنًا للذاكرة المخفية.

فضلا عن ذلك فالترعة رمز للعقاب المفارقة أن عليوة يغرق في المكان نفسه الذي ألقى فيه الحذاء. فالترعة التي أرادها قبرًا للدليل صارت قبرًا له. وهذا يمنح المكان وظيفة عدلية رمزية.

وتبدو الترعة كحد فاصل بين الواقعي والغرائبي

فالقصة قبل فضاء الترعة تتحرك في مناخ واقعي: فقر، حلم، شراء، حسد، قتل. وبعدها تدخل في مناخ غرائبي: شبح، لعنة، آثار أقدام، ورعب جماعيومن ثم، تمثل الترعة الحد الفاصل بين الواقع والأسطورة.

لا حظنا رمزية الشبح في القصة ليس مجرد عنصر لإثارة الرعب، بل يحمل وظيفة دلالية عميقة.

كما يرمزالشبح للظلم الذي لا يموت: حمدان يُقتل، لكن حضوره لا يختفي. يظهر في الطرقات، وفي الهمس، وفي آثار الأقدام، وفي خوف الناس. وهذا يعني أن الظلم لا يُدفن بدفن الجسد. ، كما يرمز للضمير الجمعي يمكن قراءة شبح حمدان بوصفه تجسيدًا لضمير القرية. فالجماعة التي سمحت بالمأساة لا تستطيع نسيانها، لذلك يعود حمدان كظل يطارد الجميع كما يعد أداة للعدالة الشعبية

في غياب القانون والمحكمة، يحقق الشبح نوعًا من العدالة الشعبية. إنه يعاقب القاتل نفسيًا ورمزيًا، ويدفع المجتمع كله إلى الاعتراف بالخوف.

القدم الحافية ترمز إلى الفقر والهشاشة والانكشاف أمام قسوة الحياة. وهي نقيض الحذاء، ومن خلال هذا التضاد تبني القصة معناها المركزي/العساكر الإنجليز يمثلون السلطة الأجنبية والقوة المنظمة. وظهورهم القصير في البداية يترك أثرًا طويلًا في حياة حمدان، مما يدل على قوة الرمز الاستعماري في تشكيل رغبات المقهورين.. الطريق إلى المدينة يرمز إلى رحلة الحلم. فحمدان يمشي يومين كاملين، وقدماه المتشققتان تتألمان. الطريق هنا اختبار للحرمان والصبر/ المدينةترمز إلى عالم السلعة والإغراء. ففي المدينة يمكن شراء الحذاء، لكنها لا تمنح الخلاص الحقيقي. إنها تعطي الرمز ولا تغير المصير/الفأس

ترمز إلى العنف الريفي البدائي. فهي أداة عمل في الأصل، لكنها تتحول إلى أداة قتل، في إشارة إلى انقلاب أدوات الحياة إلى أدوات موت عندما يسيطر الحسد/الحجر الثقيليرمز إلى محاولة طمس الحقيقة. فربط الحذاء بالحجر يعني إرادة إغراق الدليل والحلم والذنب معًا. لكن الرمز يعود في النهاية، وكأن الحقيقة أثقل من أن تغرق.

كما تزخر القصة بمجموعة من الثنائيات الضدية التي تمنحها تماسكًا بنيويًا.

الحفاء / الحذاء: الحفاء يرمز إلى الفقر، والحذاء يرمز إلى الحلم والكرامة. لكن الحذاء يتحول لاحقًا إلى لعنة، فينهار التضاد البسيط بينهما.

القرية / المدينة القرية: هي مكان الفقر والحسد والشائعة، والمدينة هي مكان الشراء وتحقيق الرغبة. غير أن المدينة لا تمنح خلاصًا، بل تعيد الحلم إلى القرية ليُقتل هناك.

الواقع / الأسطورة: تبدأ القصة واقعية وتنتهي غرائبية. وهذا الانتقال يعكس تحول الجريمة من حادثة اجتماعية إلى أسطورة شعبية.

الفرد / الجماعة: حلم حمدان فردي، لكن نتائجه جماعية. يموت فرد واحد، لكن القرية كلها تُعاقب بالخوف.

الحلم / اللعنة الحذاء يبدأ حلمًا وينتهي لعنة. وهذه الثنائية هي جوهر القصة ومحورها الدلالي الأعمق.

النهاية ومفهوم العدالة تعكس النهاية مفهومًا خاصًا للعدالة، يمكن تسميته العدالة الرمزية أو العدالة الشعبية.

غياب العدالة القانونية: لا تظهر في القصة سلطة قانونية تحقق في مقتل حمدان أو تعاقب عليوة. وهذا الغياب ينسجم مع طبيعة العالم الريفي الهامشي، حيث قد تضيع الجرائم أو تتحول إلى حكايات.

حضور العدالة الغرائبية: بدل المحكمة يظهر الشبح، وبدل الحكم القضائي يأتي الغرق، وبدل الاعتراف القانوني تأتي اللعنة.

وهنا تحقق القصة عدالة من نوع آخر: المظلوم لا يختفي، والقاتل لا ينجو، والقرية لا تنسى.

الجزاء من جنس العمل: قتل عليوة من أجل الحذاء، ثم مات محتضنًا الحذاء. وهذه صورة رمزية شديدة القوة؛ لأنها تجعل أداة الطمع نفسها علامة العقاب.

العقاب الجماعي: لا تكتفي النهاية بموت عليوة، بل تجعل القرية كلها تمشي حافية. وهذا يعني أن الجريمة لم تكن فردية تمامًا، بل نتيجة مناخ اجتماعي كامل.

ومن ثم، فالعدالة في القصة لا تعاقب القاتل وحده، بل تكشف مرض الجماعة كلها.

ومجمل القول إن قصة "حذاء إنجليزي" تعد نصًا رمزيًا كثيفًا، يستثمر شيئًا بسيطًا هو الحذاء ليكشف شبكة معقدة من العلاقات بين الفقر والحلم، والاستعمار والهيبة، والقرية والشائعة، والحسد والجريمة، والواقع والأسطورة.

فالعنوان يختصر مأساة النص، والحذاء يتحول إلى علامة كبرى تتدرج من الحلم إلى اللعنة، وحمدان يصبح رمزًا للفقير الذي أراد كرامة بسيطة فدفع حياته ثمنًا لها، أما عليوة فيجسد الحسد والعنف الداخلي في مجتمع مسحوق. وتتحول الترعة من مكان لإخفاء الدليل إلى مكان لكشف الحقيقة والعقاب، بينما يمثل الشبح ذاكرة المظلوم وضمير الجماعة.

إن القيمة الفنية للقصة تكمن في قدرتها على تحويل الحكاية الشعبية البسيطة إلى بنية رمزية وسيميائية متعددة الطبقات. فهي تبدأ من حفاء فرد واحد، وتنتهي بحفاء قرية كاملة، لتؤكد أن المجتمع الذي يقتل أحلام أفراده لا يبقى آمنًا، بل يتحول كله إلى كائن خائف، يمشي على الأرض عاري القدمين، مطاردًا بما اقترفه أو صمت عنه.

وبذلك فالقصة ليست عن حذاء، بل عن حلم فقير صار علامة طبقية وسياسية، ثم تحول، بفعل الحسد والقتل، إلى لعنة وذاكرة وعدالة رمزية.

***

د. نجلاء نصير

........................

حذاء إنجليزي

يتثاءب النهار في قريةٍ مصريةٍ نائيةٍ، تتمدد البيوت الطينية على الأرض تئن تحت ثقل السنين، وتتراكم فوق جدرانها ندوب الشتاء القاسي والصيف القائظ، في ظل شجرةٍ عجوزٍ على أطراف القرية، فلاحٌ فقيرٌ ممدد تحتها، حافي القدمين، يحدق في الأفق بعينين أنهكهما الجوع والحلم، وفجأةً تمرُّ أورطة من عساكر الإنجليز، وخطوات العساكر ترسم على التراب إيقاعًا صارمًا، لكن ما خطف بصره لم تكن البنادق ولا الأزياء العسكرية، إنما تلك الأحذية ذات الرقبة العالية، المصنوعة من جلدٍ متينٍ، التي تدوس الأرض بكل ثقةٍ.

منذ تلك اللحظة، صار ذاك الحذاء الإنجليزي حلمًا يسكنه مثل عفريت من الجن، أو كبذرةٍ انغرست في قلبه لا تكفّ عن النمو، يطارده حلم امتلاك الحذاء الإنجليزي في نومه، يوقظه في منتصف الليل وهو يتحسس قدميه العاريتين، فيشعر بوخز الحصى والأشواك حتى في الأحلام.

قرر حمدان أن يحصل على الحذاء، ولو كان الثمن جوعه وعريه، بدأ يقتصد في طعامه، يكتفي بوجبة واحدة، وأيامًا كثيرة كان يصوم أو يقتات من خشاش الأرض، يلتقط ما يجده من بقايا الحقول، غرفته الطينية التي لم تكن أكثر من أربعة جدران متداعية وسقف متآكل ينفذ منه البرد كطعن خنجر زادت قسوة، لكن عينيه تلمعان بالأمل كلما تحسس بيديه القطع النقدية التي خبأها تحت جلده.

مرَّ عامٌ وأكثر، والمال يلتصق بجسده، يتعرق معه في حر الصيف، ويبرد معه في زمهرير الشتاء. وأخيرًا، حانت اللحظة المنتظرة.

حمل حمدان ماله، وسار بمحاذاة قضبان القطار، متجهًا إلى المدينة التي لم يرها إلا في قصص العائدين منها، مشى يومين كاملين، قدماه المشققتان تئنّان تحت وطأة الطريق، وعيناه مشدودتان إلى الأفق حيث يتراءى له حلمه كوميضٍ لامعٍ.

تبهره المدينة يتلفت حوله يتحسس ماله حتى وصل إلى متجر أحذيةٍ، وقف حمدان أمام البائع بملابسه الرثة ووجهه الذي خطَّ عليه الزمن أخاديده، أخرج المال من تحت جلبابه، فتراجعت يد البائع للحظة متعجبًا، لكنه عدَّ النقود، ولفَّ له الحذاء بعناية، كأنما يسلمه كنزًا ثمينًا.

خرج حمدان من المتجر، والحذاء بين يديه، يضغط عليها كأنما يخشى أن يفلت منه، قلبه يخفق بسرعة من فرط الفرح، لم يجرؤ على ارتدائه، خشية أن تتسخ نعاله قبل أن يصل إلى القرية، فعاد ماشيًا رغم إرهاقه، كأنما يريد أن يجعل الرحلة جزءًا من بهجة الإنجاز.

عندما وصل إلى قريته، جلس على الأرض، وسط العيون التي اتسعت دهشة، وأخرج الحذاء، أصابعه التي اعتادت ملمس الطين والتراب ارتجفت أثناء ارتداء الحذاء، لأول مرة يرتدي حذاءً يشعر بعالمٍ آخر، عالم من النشوة والقوة، عالم الذين يمشون ورؤوسهم مرفوعة.

لم يصدق الناس ما يرون، وتطايرت الشائعات حول حمدان؛ يقول بعضهم قتل إنجليزيًّا وأخذ حذاءه، ويقسم آخرون أنه سرقه من أحد الأغنياء، بينما يصيح آخرون لعله وجد دفينة، أما هو، فلم يكن يسمع شيئًا، فقط يمشي وحذاؤه يدق على الأرض، تروي خطاه لتراب الأرض قصة انتصاره، لم يدرك أن تحقيق الحلم له ثمنٌ أغلى من المال، وفي ليلةٍ حالكةٍ عند أطراف القرية انقضَّ عليه عليوة بفأسٍ، بعد أن رفض حمدان أن يعيره الحذاء، ولم يكن مستعدًّا لأن يتركه له مهما حدث، دافع حمدان بكل قوته، دفاعًا عن حذائه، تشبث بحلمه كما تشبث بروحه، لكن الفأس سقطت على رأسه مرةً وأخرى فخمدت أنفاسه، حتى لحظاته الأخيرة لم يفلت الحذاء من يده، وقف عليوة يلهث، ينظر إلى الجثة ثم إلى الحذاء، يعلم أن الجميع يعرف حذاء حمدان، وأن هذا الحذاء لا شك سيقوده إلى المشنقة؛ أخذ الحذاء، وربطه بحجرٍ ثقيلٍ، ثم ألقى به في الترعة؛ ليغوص إلى القاع، وترك الجثة لتراب الطريق..

منذ تلك الليلة المشؤومة، لم تعد القرية كما كانت، رفضت روح حمدان المدفون في التراب أن تهدأ، أهل القرية يتهامسون في الخفاء، تؤكد حكاياتهم أن شبحه لا يزال يجوب الطرقات، يبحث عن حذائه المسروق، لم يجرؤ أحدٌ على الحديث بينما انتشرت القصص كالنار في الهشيم، أي شخصٍ يرتدي حذاءً، أي حذاءٍ، يشعر بخطواتٍ تتبعه ليلًا، يسمع همسًا خلفه، وأحيانًا يرى ظلًا شاحبًا عند أطراف القرية، يقترب ثم يختفي بين الأشجار، البعض يقسم أنه سمع أنينًا حزينًا في الليالي الباردة، وآخرون يؤكدون أنهم رأوا آثار أقدامٍ حافيةٍ تظهر فجأةً في الطين، رغم عدم وجود إنسانٍ في المكان، يزعجهم صراخ عليوة الذي صار بين ليلةٍ وضحاها شاحب الوجه، يجري حافيًا في طرقات القرية، مذعور العينين، ينام ويستيقظ فزعًا، وفي ليلةٍ لم يطلع عليها فجرٌ، وجدوه غارقًا في الترعة، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، كأنما رأى شيئًا أفقده عقله، يحتضن حذاء حمدان الإنجليزي، ومنذ ذلك الحين صارت القرية كلها تمشي حافية القدمين خوفًا من لعنة الحذاء.

***

سمير لوبه

 

مقدمة: لم تعد الرواية المعاصرة فضاء حكائيا يكتفي بنقل الوقائع أو إعادة تمثيل الواقع وفق منطق خطي واضح، بل أصبحت بنية دلالية معقدة، تتخفى فيها المعاني خلف شبكات من العلامات والإحالات والفراغات النصية. ومن هنا يمكن الحديث عن النص الروائي الملغوم بوصفه نصا يزرع في مساره السردي "ألغاما" دلالية وجمالية، لا تنفجر إلا عند القراءة المتأنية. وهذه الألغام ليست عيوبا في البناء الروائي، وإنما هي استراتيجيات واعية تستهدف زعزعة يقين القارئ، وإشراكه في إنتاج المعنى، وتحويل القراءة من عملية استهلاك للنص إلى مغامرة تأويلية مفتوحة.

إن مفهوم "التلغيم" هنا استعارة نقدية تشير إلى كثافة الإشارات والرموز، وإلى تعمد الكاتب إخفاء المفاتيح الدلالية داخل البنية السردية، بحيث يغدو النص أشبه بمتاهة لا تمنح أسرارها إلا لقارئ يمتلك أدوات القراءة العميقة.

أولا: مفهوم النص الروائي الملغوم

يمكن تعريف النص الروائي الملغوم بأنه نص يتعمد إرباك آليات التلقي التقليدية، ويؤسس لمعمار سردي يقوم على الإخفاء أكثر مما يقوم على التصريح. إنه نص يراهن على الغموض المنتج، وعلى تعدد الدلالات، وعلى مقاومة القراءة الأحادية.

ولا يرتبط هذا المفهوم بدرجة صعوبة النص فحسب، بل يتعلق أساسا بطريقة تنظيم المعرفة داخله؛ إذ تتوزع الحقائق بين الشخصيات، ويتأخر الكشف عن المعلومات، وتتداخل الأزمنة، وتتشابك الأصوات السردية، فيصبح الوصول إلى المعنى عملية تراكمية تستدعي إعادة القراءة وربط العناصر المتباعدة.

ثانيا: آليات التلغيم داخل البنية الروائية

يتحقق التلغيم عبر مجموعة من التقنيات السردية التي تجعل النص قابلاً لقراءات متعددة، ومن أبرزها:

- الإخفاء السردي: حيث يمتنع الراوي عن تقديم المعلومات كاملة، ويترك فجوات تدفع القارئ إلى ملئها.

- التشظي الزمني: من خلال كسر التسلسل الكرونولوجي للأحداث، والانتقال بين الماضي والحاضر والاستشراف دون إشارات مباشرة.

- تعدد الأصوات والرواة: بما يفضي إلى تضارب وجهات النظر، ويجعل الحقيقة نسبية لا مطلقة.

- الرمزية والإحالة الثقافية: إذ يحيل النص إلى أساطير أو نصوص دينية أو فلسفية أو تاريخية، مما يوسع دائرة التأويل.

- النهايات المفتوحة: التي ترفض الحسم، وتترك للقارئ مسؤولية استكمال البناء الدلالي.

وهكذا يتحول السرد إلى منظومة من العلامات التي تتفاعل فيما بينها، ولا تكشف عن وظائفها إلا في ضوء القراءة الكلية للنص.

ثالثاً: القارئ بوصفه مفككا للألغامم

في النص الروائي التقليدي يؤدي القارئ دور المتلقي، أما في النص الملغوم فإنه يتحول إلى شريك في إنتاج الدلالة. فكل إشارة مهملة، وكل صمت سردي، وكل انزياح لغوي، يمكن أن يكون مفتاحالطبقة جديدة من المعنى.

لقد أكدت نظريات التلقي أن النص لا يكتمل إلا بقراءته، غير أن النص الملغوم يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يجعل القارئ مطالبابإعادة ترتيب الأحداث، واستحضار مرجعيات ثقافية متنوعة، وربط العلاقات الخفية بين الشخصيات والرموز. لذلك تصبح القراءة عملية تفكيك وإعادة تركيب في الآن نفسه..

رابعا: التلغيم بين الجمالية والرهان الفكري

إن التلغيم يعكس رؤية فكرية للعالم. فالعالم المعاصر لم يعد بسيطا أو قابلاللتفسير الأحادي، ولذلك جاءت الرواية لتعبر عن هذا التعقيد عبر بنية سردية تعكس تشظي الواقع، وتعدد الحقائق، وانهيار اليقين...

إن الرواية الملغومة ترفض الخطابات الجاهزة، وتقاوم التبسيط، وتؤسس لوعي نقدي يجعل القارئ يعيد مساءلة المسلمات. ومن هنا تكتسب هذه الكتابة بعدا فلسفيا يتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة المعرفة والسلطة والهوية والذاكرة.

خامسا: تجليات النص الروائي الملغوم في الرواية العربية

عرفت الرواية العربية المعاصرة نماذج عديدة وظفت استراتيجيات التلغيم بدرجات متفاوتة. فقد اتجه عدد من الروائيين إلى بناء نصوص تقوم على التداخل بين الواقعي والمتخيل، وبين التاريخي والأسطوري، مع توظيف الراوي غير الموثوق، وكسر التسلسل الزمني، والاعتماد على الوثائق والرسائل والأحلام والهوامش.

وقد ساهم هذا التحول في انتقال الرواية العربية من نموذج الحكاية الواضحة إلى نموذج النص المفتوح الذي يفرض على القارئ امتلاك كفايات معرفية وثقافية متعددة، ويجعله مشاركا في إعادة بناء العالم الروائي.

سادسا: حدود مفهوم التلغيم

على الرغم من القيمة الجمالية للنص الملغوم، فإن الإفراط في التعقيد قد يؤدي إلى انغلاق النص وتحوله إلى فضاء نخبوي يصعب اختراقه. فالغموض المنتج يختلف عن الإبهام المجاني؛ الأول يثري التجربة القرائية، بينما الثاني قد يفضي إلى قطيعة بين النص وجمهوره.

ولهذا ينبغي أن يظل التلغيم أداة فنية تخدم الرؤية الروائية، لا غاية مستقلة تستعرض براعة الكاتب على حساب التواصل الجمالي.

خاتمة

إن النص الروائي الملغوم يمثل أحد أبرز تجليات الحداثة السردية، لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ. فهو لا يقدم المعنى جاهزا، وإنما يوزعه في ثنايا البنية السردية، ويجعل اكتشافه رهيناً بقدرة القارئ على التأويل والتفكيك وإعادة البناء. ومن ثم فإن قيمة هذا النص لا تكمن في غموضه، بل في قدرته على إنتاج معانٍ متجددة مع كل قراءة، ليغدو عملا مفتوحا على احتمالات لا تنتهي، ويؤكد أن الرواية الحديثة أصبحت فضاء معرفيا وجماليا يمتحن ذكاء القارئ، ويستفز خبرته، ويمنحه متعة الاكتشاف المستمر..

***

حسن لمين - كاتب مغربي

في المثقف اليوم