عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

صادفتني، وأنا أعيد قراءة رواية دوستويفسكي (الليالي البيضاء)، عبارة في صفحتها الأولى لم تلفت انتباهي من قبل، وهي مخاطبة مباشرة للقارئ المفترض (أيها القارئ العزيز). قد تبدو مجرد جملة عابرة، لكن إن توقفنا أمامها قليلاً فسنرى أنها دعوة إلى المشاركة؛ إذ يمد السرد يده خارج عزلته، نحو قارئ يجلس في الجهة الأخرى من الكتاب. لذلك قادتني إلى التفكير في فعل القراءة ومدى براءته، عندما يلتفت إلينا السارد ويدعونا إلى مشاركته. قد تبدو مجرد مجاملة سردية، لكنها أيضاً إعادة توزيع للأدوار؛ فلم يعد السارد وحده يتكلم، ولم نعد كقراء مجرد عين تتلقى، وإنما صار وجودنا جزءاً من المشهد.

لا يخاطب دوستويفسكي، بهذه العبارة، ربما قارئاً محايداً؛ فكلمة (العزيز) نفسها تخلق ألفة متخيلة. لا نعرف السارد، ولا يعرفنا، لكنه يفترض علاقة سابقة بيننا. كأن الرواية لا تبدأ بالحادثة وحدها، وإنما في اللحظة التي تنشأ فيها هذه الألفة الوهمية بين شخص يتكلم وآخر يصغي. وهذا الوهم الذي نعيشه، في ظني، إن كان في هذه التجربة القرائية أو في غيرها، هو أحد أسرار الأدب العظيمة؛ أن شخصاً لا نعرفه، ولم نلتقِ به من قبل، يستطيع بجملة واحدة أن يجعلنا نشعر بأنه يتحدث إلينا وحدنا.

يصبح القارئ، بهذه الطريقة، شخصية غير مرئية في الرواية؛ شخصية لا نسمع صوتها، لكنها حاضرة في الطريقة التي يتكلم بها السارد. فنجد أنفسنا نفكر في السؤال نفسه الذي يشغله، كأن تردده انتقل إلينا دون أن نشعر. حين يقول (وهذا أيضاً، سؤال ساذج، أيها القارئ العزيز، ساذج جداً، ولكنني أسأل الله أن يبعثه في نفسك كلما كان ذلك ممكناً!)، يتحول الخطاب المباشر إلى محاولة لصنع استجابة لدى القارئ؛ يريد السارد بها أن يجد صدى تجربته في تجربة من يقرأه. إنه يعرف، بصورة أو بأخرى، أن القارئ ليس خارج النص تماماً؛ هناك قارئ مفترض يتخيله، ويحادثه، ويستبق اعتراضاته، وربما أثر كلامه فيه.

الكتاب، كما نتصوره غالباً، مكان غريب تلتقي فيه وحدتان؛ وحدة الكاتب الذي كتب ذات يوم، ووحدة القارئ الذي يقرأ بعد سنوات، وتنشأ بينهما محادثة لا تحتاج إلى حضور جسدي. تبدو لي مخاطبة القارئ، أكثر من تقنية سردية؛ إنها استجابة إنسانية للوحدة. حين يعجز الإنسان عن العثور على الآخر. ولهذا السبب ربما لا تكون القراءة فعلاً فردياً تماماً كما تبدو. نحن نقرأ وحدنا، نعم، لكننا ندخل أثناء القراءة في علاقة مع صوت آخر.

يعيش النص بالقارئ الذي يستدعيه، وبما يتركه له من فراغات وأسئلة وانتظارات. فلم يعد مجرد مستقبل، كما لم يعد النص مغلقاً. تقوم عملية القراءة على علاقة تفاعلية بين النص وقارئه؛ ولذلك يمكنني أن أدعي أن استحضار ديستوفيسكي للقارئ داخل خطاب الرواية السردي يعد كشفاً مبكراً عن حقيقة ستصبح تالياً أكثر وضوحاً في نظرية ما وراء السرد (Metafiction)، بما يعرف بـ(القص الواعي لذاته self-conscious fiction).

وما يدهش حقا إنه لا يشرح العلاقة بين السارد والقارئ؛ إنه يمارسها. لا يأتي هذا الاكتشاف بمتن نظري. كما لا يقول لنا، وبصورة صريحة، أن القارئ شريك في إنتاج المعنى، وإنما يفعل ذلك ببساطة. ينادينا، يعترض على ما قد نقوله، يسخر من سذاجة سؤاله، ويخبرنا بأفكاره، ثم يلتفت إلى حياتنا وكأنه يعرف أنها يمكن أن تتقاطع مع حياته.

يخاطب السارد قارئاً مجهولاً، ويصغي القارئ إلى سارد لم يعرفه قط، وفي المسافة بينهما تنشأ تلك العلاقة الغريبة التي نسميها قراءة. تحمل الصفحة الأولى من الرواية، التي نشرت لأول مرة عام 1848، شيئاً مختلفا، فهي تستدعينا لنصغي، لا لنضع إعجاباً أو تعليقاً. وربما لهذا السبب أشعر أنها ليست قديمة على الإطلاق. نعيش عصر الشاشات ووسائل التواصل والخطاب الذي يلاحق المتلقي في كل لحظة، عصراً لم يعد فيه القارئ مجرد قارئ. صار له حضور وصوت وتعليق وموقف، وصارت الكتابة نفسها أكثر وعياً بمن تخاطب. قيمة هذه الصفحة، بالنسبة إليّ على أقل تقدير، أنها جعلتني أفكر في السرد كمحاولة للإصغاء.

تكمن قوة السرد في أنه يمنحنا، ولو مؤقتاً، إمكانية أن نصل إلى الآخر، وأن نصغي إلى شخص لم نلتقِ به، لذلك قد تكون (الليالي البيضاء)، منذ جملتها الأولى تقريباً، حكاية عن الحاجة إلى الآخر، حتى عندما لا يكون حاضراً واقعياً. صوتاً لا نعرفه فعلياً، لكنه يعرف كيف يخاطب شيئاً فينا. وربما لهذا السبب نعود دائماً إلى الروايات التي قرأناها؛ لا لأن الحكايات بقيت كما هي، وإنما لأننا نحن الذين تغيرنا، لتصبح عبارة (أيها القارئ العزيز) التي لم نعرها اهتماماً سابقاً، موجهة إلينا، لا إلى قارئ افتراضي بعيد. حين يقولها لا يكون قد وجد صديقاً بالمعنى الذي يبحث عنه، لكنه وجد شخصاً بعيداً يمكن أن يترك عنده شيئاً من نفسه. وربما لهذا تبدو لي تلك العبارة الآن مختلفة، كما أتصور، عما كانت عليه حين كتبها دوستويفسكي. يجد الرجل الحالم، وهو يتحدث إلى نفسه، شخصاً آخر يخاطبه من وراء الصفحة. المدينة من حوله ممتلئة بالناس، والسماء مرصعة بالنجوم، وكل شيء يبدو صالحاً لأن يكون مشهداً للطمأنينة، إلا إن الإنسان يظل وحيداً ما لم يجد من يصغي إليه.

***

أمجد نجم الزيدي

يسعى بعض الكتّاب العراقيين إلى توظيف الأساطير والرموز اليونانية والرومانية في قصصهم القصيرة ورواياتهم، وأحيانًا بإفراط يجعل حضورها يتجاوز حدود الاستخدام الفني الضروري، ليقترب من نوع من الاستعراض الثقافي.

وليس الاعتراض هنا على استخدام الأسطورة أو الرمز الأجنبي في الأدب؛ فالأدب، بطبيعته، منفتح على مختلف الثقافات الإنسانية، والأسطورة اليونانية، على وجه الخصوص، أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبية العالمية، وقد استلهمها كبار الكتّاب في بلدان وثقافات متعددة.

إن المشكلة تبدأ حين يتحول الرمز إلى عنصر دخيل على النص، لا تفرضه ضرورة فنية، ولا تبرره طبيعة التجربة التي يريد الكاتب التعبير عنها. ففي هذه الحالة، لا يعود الرمز جزءًا عضويًا من العمل الأدبي، بل يبدو وكأنه أُقحم فيه لإظهار المعرفة بالثقافة الكلاسيكية أكثر مما أُدخل لخدمة المعنى أو تعميق التجربة الفنية.

فالقارئ الأوروبي، في الغالب، يدخل إلى عالم الأساطير اليونانية والرومانية من بوابة الثقافة والتعليم. فهو يتعرف منذ سنوات الدراسة الأولى إلى أسماء الآلهة والأبطال والأساطير الكبرى، ويعرف، بدرجات متفاوتة، دلالات شخصيات مثل زيوس وأفروديت وأوديسيوس وسيزيف وإيكاروس ونرسيس، وما ترمز إليه من مفاهيم إنسانية ونفسية وأخلاقية. ولذلك يستطيع الكاتب الأوروبي أن يستدعي شخصية أو حكاية أسطورية في جملة واحدة، فيلتقط القارئ خلفها شبكة واسعة من المعاني والإيحاءات التي لا تحتاج إلى شرح.

أما القارئ العراقي، باستثناء شريحة من الأدباء والمثقفين والمتخصصين، فلا يمتلك بالضرورة المعرفة نفسها بهذا الموروث الأسطوري. وإذا استُخدمت تلك الرموز بكثافة، من دون أن تكون هناك جسور ثقافية أو فنية تمهّد لها، فقد يجد القارئ نفسه أمام إشارات مغلقة أو علامات لا يعرف مفاتيحها. وحينئذ يفقد الرمز جزءًا كبيرًا من طاقته الإيحائية، وقد يتحول من وسيلة لتعميق المعنى إلى عبء يثقل النص ويشتت انتباه القارئ.

وهنا تبرز مسألة أكثر أهمية تتعلق بعلاقة الكاتب العراقي ببيئته الثقافية. فالرمز ليس زينة لغوية، والأسطورة ليست مجرد مخزون من الأسماء الغريبة التي تمنح النص مظهرًا ثقافيًا أو حداثيًا. قيمة الرمز الأدبي تنبع من قدرته على أن يتفاعل مع التجربة الإنسانية التي يطرحها النص، وأن يضيف إليها طبقة جديدة من الدلالة. فإذا كان الرمز اليوناني أو الروماني قادرًا على إضاءة تجربة عراقية أو إنسانية معاصرة، فإنه يصبح جزءًا حيًا من البناء الفني، أما إذا جاء لمجرد إظهار سعة اطلاع الكاتب، فإنه قد يبدو أشبه بقطعة أثرية موضوعة في مكان لا تنتمي إليه.

والأدب العراقي، في المقابل، يمتلك ثراءً أسطوريًا ورمزيًا هائلًا، ربما لا يقل أهمية عن أي موروث أسطوري آخر. فمن بلاد الرافدين خرجت أساطير وقصص وشخصيات تعد من أقدم ما عرفه الإنسان من أشكال السرد، من ملحمة جلجامش إلى أساطير الخلق والموت والانبعاث، مرورًا بعشتار وتموز وغيرها من الرموز التي تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الحضارية للمنطقة. كما أن التراث العربي والإسلامي، والشعبي العراقي، مليء بالشخصيات والحكايات والرموز التي يمكن للكاتب المعاصر إعادة اكتشافها وتوظيفها بطريقة حديثة. وليس المقصود بذلك الدعوة إلى الانغلاق على التراث المحلي، وإنما التذكير بأن الانفتاح الحقيقي على الثقافة العالمية لا يعني التخلي عن الجذور.

فالكاتب المتمكن يستطيع أن يجعل الرمز الوافد جزءًا من نسيج محلي، وأن يمنحه دلالة جديدة من خلال وضعه في سياق عراقي مختلف. وعندها لا يعود الرمز اليوناني أو الروماني مجرد عنصر مستورد، بل يصبح مادة فنية يعيد الكاتب تشكيلها وفق تجربته الخاصة. المشكلة، إذن، ليست في «أجنبية» الرمز، وإنما في طريقة استخدامه، وفي مدى اندماجه في النسيج الداخلي للعمل.

ولا توجد، في العراق اليوم، رقابة رسمية شاملة على المطبوعات بالمعنى الذي كان سائدًا في مراحل تاريخية سابقة؛ لكن ذلك لا يعني غياب كل أشكال الرقابة. فهناك رقابة المجتمع، وما تفرضه منظومة القيم والتقاليد والأعراف، وهناك أيضًا الرقابة الذاتية التي يمارسها الكاتب على نفسه، سواء بدافع أخلاقي أو اجتماعي أو فني. وهذه الرقابة الذاتية، في حد ذاتها، ليست بالضرورة عدوًا للإبداع؛ فقد تكون، لدى الكاتب الواعي، نوعًا من المسؤولية تجاه اللغة والقارئ والمجتمع.

ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول مراعاة المجتمع إلى خوف دائم يشلّ الخيال، ولا أن تتحول الحرية الأدبية إلى ذريعة للاستفزاز المجاني. يستطيع الكاتب الحقيقي أن يحتفظ بحريته الداخلية، وأن يتناول الموضوعات الحساسة والمعقدة، وأن يذهب بعيدًا في مساءلة المسلّمات، من دون أن يتخلى عن حسه الفني أو عن وعيه بالبيئة التي يكتب داخلها. فالحرية الفنية لا تعني بالضرورة كسر كل الحدود، كما أن احترام القارئ والمجتمع لا يعني التضحية بحرية الكاتب.

في النهاية، ليست القضية في أن يكتب الكاتب العراقي عن جلجامش أو أوديسيوس، عن عشتار أو أفروديت، عن سيزيف أو تموز؛ القضية هي: لماذا اختار هذا الرمز تحديدًا؟ وماذا أضاف إلى النص؟ وهل استطاع أن يجعله جزءًا من التجربة، أم أنه اكتفى بإحضاره من قاموس الثقافة العالمية ووضعه على الصفحة؟

فالكاتب الموهوب لا يحتاج إلى الرموز لكي يبدو مثقفًا؛ بل يجعل الرموز، مهما كان مصدرها، تبدو ضرورية لأن النص نفسه كان يحتاج إليها.

***

جودت هوشيار

يبدأ الألمُ في اللحظة التي يتعلَّم فيها الإنسانُ أن يعيش وهو يَعرف أنَّ صوته لن يُغَيِّر شيئًا. القهرُ في جَوهره ليس فِعلًا خارجيًّا يقع على الجسد فقط، وإنما عملية طويلة تتسلَّل إلى الداخل، وطريقةِ التفكير، واللغةِ، والعلاقاتِ بين الناس.

مِن هذه المنطقة المظلمة يمكن أن نقرأ عالَمَ الروائي المصري علاء الأسواني (وُلد 1957) إلى جانب عالَم الروائي الروسي فاسيلي غروسمان (1905- 1964). المسافةُ بين الكاتبَيْن هائلة، زمن مختلف، وبَلَدَان مختلفان، وتجربتان تاريخيتان لا تتطابقان، وأنظمة سياسية واجتماعية لا يمكن وضعها في قالب واحد.

الأسواني يكتب من قلب مصر الحديثة، من المدينةِ والشارع والبيت والجامعة والمقهى والمؤسسة الأمنية والسياسية، ومن التجربة اليومية لمواطن يجد نَفْسَه مُحَاصَرًا بين سُلطة الدولة، وضغطِ المجتمع، والخوفِ، والامتيازِ، والطبقة.

أمَّا غروسمان فيكتب من القرن العشرين الروسي، من قلب التجربة السوفييتية والحرب العالمية الثانية، ومِن عالَم بلغ فيه العنف السياسي والعسكري مستويات تجعل حياةَ الفرد قابلة للمحو باسمِ التاريخ والدولة والحزب والعقيدة.

ومعَ ذلك، فإن المقارنة بينهما تصبح ممكنة حين نتوقف عن النظر إلى القهر باعتباره مُجرَّد موضوع سياسي، ونراه سؤالًا عن الإنسان، ماذا يحدث للفرد حين يصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه؟، وكيف تتغير شخصيته حين يعرف أنَّ الآخرين أقوى منه؟، وماذا يفعل الخوفُ بالعلاقات الإنسانية؟، وهل يستطيع الفردُ أن يحتفظ بِقَدْرٍ من حريته الداخلية حين تُسلَب منه الحرية في الخارج؟. هُنا تحديدًا يلتقي الأسواني وغروسمان.

في الأعمال الروائية التي تتناول الاستبدادَ، هناك خطر دائم يتمثل في تحويل القهر إلى ديكور سياسي، لكن القهر الحقيقي في الأدب أعمق من ذلك. يبدأ الإنسانُ في حساب كلماته قبل أن ينطق بها، ويختار أصدقاءه بناءً على درجة الأمان، ويتعلَّم متى يصمت، ويكذب على نفسه كي يستطيع الاستمرارَ، ويرى الظلمَ ولا يتدخل لأنَّه يعرف ثمنَ التدخُّل، ويصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها الخوفُ جزءًا من شخصيته، وليس مُجرَّد رد فِعل مؤقت على خطر محدد.

عند الأسواني، يظهر هذا القهر في صورة شديدة الالتصاق بالحياة اليومية. السُّلطة لا تكون دائمًا بعيدة ومُجرَّدة، إنها تدخل إلى الشارع والجامعة والعمل والبيت والعلاقة بين الرجل والمرأة، وتعيد ترتيبَ العلاقات بحسب القوة والضعف. الفردُ لا يواجه مؤسسةً ضخمة فقط، بلْ يجد آثارَ المؤسسة في سلوك البشر أنفسهم.

أمَّا عند غروسمان، فإنَّ المسألة تأخذ اتِّساعًا تاريخيًّا هائلًا. الفردُ موجود داخل آلة أكبر مِنه بكثير: الدولة، والحزب، والأيديولوجيا، والأجهزة، والجماعة، والتاريخ.لكن غروسمان، في رواياته، لا يسمح لهذه الضخامة بأن تبتلع الإنسانَ تمامًا. على العكس، كلما كبرت الآلة ازداد إصراره على النظر إلى الإنسان الصغير الموجود داخلها، رَجل خائف، وامرأة تنتظر، وأُم تفكر في ابنها، وجندي لا يعرف إنْ كان سيعود، وسجين يحاول الاحتفاظَ بشيء من كرامته.

الفردُ المقهور لا يفقد حريته دفعةً واحدة، قد يحتفظ باسمه، وعملِه، وبَيته، وأُسرته، وعاداته القديمة، لكنه يفقد شيئًا أكثر خفاءً: إحساسه بأنه قادر على التأثير في العالَم. وهذه النقطة شديدة الأهمية عند الأسواني. في عالَمه الروائي، لا تبدو السُّلطة دائمًا بحاجة إلى أن تعتقل الجميع، يكفي أحيانًا أن يعرف الجميعُ أنها قادرة على الاعتقال. لا يحتاج السوطُ إلى أن يهبط على ظهر كُلِّ شخص، يكفي أن يراه الناسُ مُعَلَّقًا فوق رؤوسهم، وهُنا يصبح الخوفُ وسيلة اقتصادية جدًّا للسيطرة: أقل قَدْر من العنف يمكن أن يُنتج قَدْرًا كبيرًا من الصمت.

الأسواني لا يرسم المقهورَ بوصفه حَمَلًا وديعًا وبريئًا في مواجهة شر مُطْلق، وهذه من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في تجربته الروائية. الإنسانُ الذي يقع تحت القهر قد يمارس بدوره قهرًا على مَن هو أضعف منه. الموظفُ المُهان قد يُهين زوجته، والفقيرُ الذي يتعرض للاحتقار قد يحتقر شخصًا أفقر منه، والمواطنُ الخائف قد يتحوَّل إلى أداة في يد السُّلطة حين يجد فرصةً لحماية نفسه، أو الحصول على امتياز. والقهرُ في هذه الحالة لا يتحرك من الأعلى إلى الأسفل فقط، إنَّه ينتشر أفقيًّا أيضًا. وهذه رُبَّما إحدى أكثر الحقائق قسوة في الرواية السياسية، فالاستبدادُ لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون حاضرًا في كل غرفة، لأن الناس قد يتكفلون أحيانًا بإعادة إنتاجه فيما بينهم.

معَ غروسمان يتخذ القهرُ شكلًا آخَر. الدولةُ الحديثة، حين تمتلك سُلطة مُطْلقة، تستطيع أن تجعل حياةَ الفرد هامشًا في مشروع ضخم لا يُرى فيه الفردُ إلا رقمًا.

لكن غروسمان كان يعرف أنَّ التاريخ، مهما بدا ضخمًا، لا يعيش في الكُتُب وحدها. التاريخُ يدخل المطبخَ، ويجلس إلى مائدة العائلة، ويفصل الابنَ عن أُمِّه، ويجعل الإنسانَ يخاف من جاره، ويجعل الرسالة التي تصل إلى البيت أخطر من الرصاصة. لا يعود القهرُ قضية سياسية مُجرَّدة، بلْ يصبح شبكة هائلة من المصائر الإنسانية المتقاطعة. الحربُ العالمية الثانية، وستالينية الدولة السوفييتية، ومعسكرات الاعتقال، والبيروقراطية، والخوف، والمُراقبة، كُلُّها تمرُّ عبر حياة أفراد لهم وجوه وأصوات وذكريات. وهُنا تكمن قوة غروسمان الروائية، ليس في ضخامة الأحداث وحدها، وإنما في مقاومته لتحويل الإنسان إلى إحصائية.

يمكن أن نتحدث عن ملايين الضحايا، لكن الرقم لا يبكي، الشخصية هي التي تبكي. ويمكن أن نقول إنَّ الحرب أودت بحياة أعداد هائلة من البشر، لكن هذه العبارة لا تخبرنا بشيء عن امرأة جلست وحدها تنتظر ابنًا لن يعود. غروسمان يعود باستمرار إلى هذه المسافة بين الرقم والوجه، التاريخُ يقول: ملايين، والرواية تقول: هذا الإنسان تحديدًا كان هُنا، وكان يُحِب، ويخاف، ويأمل. وأحدُ أشكال القهر التي تكشفها أعمال غروسمان هو محاولة السُّلطة تحويل الإنسان إلى كائن قابل للتصنيف. من أنت؟، وإلى أيَّة طبقة تنتمي؟، وما أصلك؟، وما أفكارك؟، وماذا قرأتَ؟. كُلُّ سؤال من هذه الأسئلة يبدو منفردًا، لكنَّه حين يتراكم يتحوَّل إلى حصار.

وهُنا يقترب غروسمان من الأسواني على نحو لافت، فالفردُ في العالَم الذي يكتبه الأسواني يجد نفسه مُضْطَرًّا إلى تقديم نُسخة اجتماعية مقبولة من نفسه. قد يخفي رأيه السياسي، أو يخفي فقره، أو يبالغ في إظهار تديُّنه أو حداثته، أو يتصرف وفق ما يتوقعه الآخرون منه.

هناك معركة حول حق الإنسان في أن يكون نَفْسَه، والاستبدادُ لا يخاف من الإنسان الذي يصرخ فقط، إنه يخاف أيضًا من الإنسان الذي يحتفظ بمساحته الداخلية. لهذا فإن السيطرة على الإنسان تبدأ أحيانًا من محاولة السيطرة على صورته عن نفسه.

ماذا يحدث عندما يصبح حق الإنسان في أن يكون إنسانًا مشروطًا برضى السُّلطة أو المجتمع؟.

الأسواني يقترب من هذا السؤال عبر تفاصيل الحياة المصرية الحديثة، وعبر الطبقة والجنس والسياسة والمؤسسة والفساد والخوف.

وغروسمان يقترب منه عبر الحرب والدولة الشمولية والمحرقة والسجن والبيروقراطية والقتل الجماعي.

لكنَّهما يعودان في النهاية إلى الفرد، وليس إلى الدولةِ والتاريخِ والأيديولوجيا. يعودان إلى ذلك الإنسان الذي يريد فقط أن يعيش من دون أن يخاف من كل شيء. وهُنا تصبح معاناة المقهور أكثر من قضية سياسية، تصبح قضيةً وجودية. فالإنسانُ يريد أن يعرف أن حياته بكلِّ تفاصيلها تخصُّه. وحين يُنتزَع منه هذا كُله، لا يعود القهر مُجرَّد منع أو عقوبة، بلْ يصبح محاولة لإعادة تعريف الإنسان نفسه. والإنسانُ الذي عاش طويلًا تحت الخوف قدْ يَحمل النظامَ داخله، ويصبح خائفًا حتى حين لا يكون هناك ما يخيفه، ويُراقب نَفْسَه مِن تلقاء نفسه، ويَمنع أبناءه من الكلام، وهُنا يصبح القهرُ إرثًا نَفْسِيًّا.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قصيدة العمود وقصيدة النثر: الشكل وعاءٌ للشعر، لا جوهره

حين يتجاوز السؤالُ القصيدةَ إلى ماهية الشعر

منذ أن أودع العربُ ذاكرتهم في الشعر، وجعلوه ديوان أيامهم، وسجل أنسابهم، ومرآة وجدانهم، لم يكن الشعر عندهم مجرد صناعة لغوية تُحسن الوزن والقافية، بل كان طريقةً في رؤية العالم، واستنطاق الأشياء، وتحويل التجربة الإنسانية إلى لغة قادرة على البقاء. ولذلك فإن السؤال الذي ينهض اليوم حول قصيدة العمود وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ليس، في جوهره، سؤالاً عن الشكل وحده، ولا معركةً بين أنصار القديم وأتباع الحديث، وإنما هو سؤال أعمق: أين تكمن شعرية الشعر؟

هل يولد الشعر من الوزن؟ أم من اللغة؟ أم من الصورة؟ أم من الإيقاع؟ أم من المجاز؟ أم من تلك الطاقة الخفية التي تجعل الكلمات، حين تنتظم في سياق مخصوص، تتجاوز معانيها المعجمية لتصبح رؤيا وتأملاً ودهشة؟

إن اختزال الشعر في الوزن ظلمٌ للشعر، كما أن اختزاله في التحرر من الوزن ظلمٌ آخر. فالوزن نظام موسيقي عظيم، لكنه ليس وحده الشعر؛ والنثر فضاء رحب للحرية، لكنه ليس بمجرد تحرره من العروض شعراً. وبين هذين الطرفين تتشكل المسألة الأكثر أهمية: الشعرية بوصفها جوهراً، والرؤية بوصفها منبعاً، والبنية بوصفها وسيلةً لتحقيق الأثر الجمالي والمعرفي.

ومن هنا فإن التفاضل الحقيقي بين النصوص لا ينبغي أن يقوم على أسمائها التجنيسية، وإنما على قدرتها على إنتاج الشعر، أي على قدرتها على إعادة تشكيل اللغة والعالم والإنسان في آنٍ واحد.

أولاً: من تعريف الشعر إلى سؤال الشعرية

حين عرّف ابن طباطبا العلوي الشعر بأنه كلام موزون مقفى، لم يكن يقصد، في تقديري، أن يحصر القيمة الشعرية في الوزن والقافية، بل كان ينظر إلى الشعر ضمن شروط عصره ومفهومه النوعي. وقد شدد في حديثه عن صناعة الشعر على حسن التأليف، وجودة المعنى، وسلامة السبك، وحسن التصوير، وانسجام أجزاء القصيدة.

وهنا تتكشف نقطة بالغة الأهمية: الوزن شرط في التعريف التقليدي، لكنه ليس بالضرورة شرطاً كافياً في القيمة الجمالية.

أما قدامة بن جعفر فقد جعل الوزن والقافية من مقومات حد الشعر، لكنه لم يجعل القصيدة الجيدة مجرد اجتماع تلك العناصر، وإنما ربط الجودة بحسن الائتلاف بين اللفظ والمعنى، أي إن الشعر لا يصبح شعراً عظيماً بمجرد انتظامه عروضياً، وإنما بما يحدثه ذلك الانتظام من وحدة جمالية بين الدال والمدلول.

ثم جاء عبد القاهر الجرجاني فنقل البحث من حدود المفردة إلى العلاقات التي تنشأ بين الكلمات. وفي نظرية النظم يكمن أحد أعمق المفاتيح التي يمكن أن نعيد من خلالها قراءة الشعر العربي القديم والحديث؛ فالكلمة لا تمتلك قيمتها الجمالية منفردة، وإنما تتحدد قيمتها من خلال موقعها، وعلاقتها بما قبلها وما بعدها، وطريقة انتظامها داخل البنية الكلية.

وهذا يعني أن الشعر ليس مخزناً للمفردات الجميلة، ولا معرضاً للصور البلاغية، بل هو نظام من العلاقات.

أما حازم القرطاجني فقد منح التخييل مكانة مركزية في العملية الشعرية، لأن الشعر لا يكتفي بنقل الواقع، وإنما يعيد تشكيله في المخيلة. ومن هنا يصبح الشاعر قادراً على أن يجعل المألوف غريباً، والعادي مدهشاً، والمادي شفافاً على المعنى.

وهكذا نكتشف أن التراث النقدي العربي، رغم اختلاف مصطلحاته ومناهجه، لم يكن غافلاً عن أن الشعر أكبر من الوزن؛ فقد كان الوزن إطاراً، أما الشعرية فكانت في حسن التأليف والتخييل والتصوير والائتلاف بين اللفظ والمعنى.

ثانياً: الخليل بن أحمد... اكتشاف النظام لا صناعة الشعر

حين وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض، لم يكن بصدد اختراع الشعر العربي، ولا إنشاء سجن إيقاعي للشاعر، وإنما كان يحاول الكشف عن النظام الموسيقي الكامن في الشعر العربي.

وهذه نقطة تستحق التأمل؛ فالعروض وصفٌ لنظام الشعر أكثر مما هو منشئ لجوهر الشعر.

لقد استطاع الخليل أن يكشف عن البحور بوصفها أنساقاً إيقاعية، وأن يمنح الشعر العربي جهازاً علمياً لضبط موسيقاه الخارجية. غير أن البحر لا يكتب القصيدة، كما أن النوتة الموسيقية لا تصنع وحدها الموسيقى.

يمكن لشاعرين أن يكتبا على البحر نفسه، والقافية نفسها، والموضوع نفسه، لكن أحدهما يخلق قصيدة باقية، فيما لا يتجاوز الآخر حدود النظم.

وهنا يتضح الفرق بين الصنعة العروضية والصناعة الشعرية.

فالعروض يمنح الشاعر نظاماً إيقاعياً، لكنه لا يمنحه بالضرورة رؤية. والقافية تمنح النص انتظاماً صوتياً، لكنها لا تمنحه بالضرورة معنى. واللغة الفصيحة تمنح القصيدة سلامةً بيانية، لكنها لا تمنحها بالضرورة روحاً.

ثالثاً: قصيدة العمود... حين يتحول الوزن إلى روح

قصيدة العمود العربي ليست مجرد أبيات موزونة مقفاة؛ إنها، في نماذجها الكبرى، هندسة دقيقة للمعنى والصوت والصورة والإيقاع.

لقد عاش العمود الشعري قروناً طويلة لأنه لم يكن مجرد قالب جامد، بل كان نظاماً قابلاً للتجدد من داخله. واستطاع كبار الشعراء أن يجعلوا البحر الشعري الواحد عوالم مختلفة.

فالمتنبي، وأبو تمام، والبحتري، وأبو العلاء المعري لم يكونوا نسخاً شعرية متشابهة لأنهم كتبوا ضمن منظومة عروضية واحدة؛ بل كان لكل منهم صوته، ونبرته، ورؤيته، وموقفه من الإنسان والوجود والزمن.

لقد كان البحر عندهم آلة موسيقية داخلية يعزفون عليها رؤاهم، لا قيداً يحد حركة الخيال.

وهنا ينبغي أن نميز بين شاعر يمتلك الوزن، وشاعر يمتلك الشعر.

فالأول قد يحسن تركيب التفعيلات، والثاني يحسن تركيب العالم.

رابعاً: التفعيلة... تحرير السطر لا إلغاء الموسيقى

جاء شعر التفعيلة بوصفه تحولاً عميقاً في بنية القصيدة العربية الحديثة، فلم يعد البيت وحدةً مغلقة بالمعنى التقليدي، وإنما أصبحت التفعيلة وحدة إيقاعية قابلة للتنوع والامتداد والانقطاع بحسب حركة التجربة.

وقد منح هذا التحول الشاعر مساحة أوسع لتنظيم النفس الشعري، وتوزيع الدفقة الشعورية، والتحكم في طول السطر وقصره، مع الإبقاء على جذوة الإيقاع.

وهنا تكمن أهمية تجربة نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وغيرهم؛ إذ لم تكن المسألة عندهم مجرد كسر للبيت القديم، بل كانت بحثاً عن صيغة جديدة للتوازن بين الحرية والنظام.

فالشعر الحديث لم يكن يريد قتل الموسيقى، وإنما كان يريد نقل مركزها من انتظام البيت إلى انتظام التجربة.

ومن ثم فإن شعر التفعيلة لم يكن قطيعةً مع الخليل بقدر ما كان إعادة توزيع للعلاقة بين الإيقاع والتجربة.

خامساً: قصيدة النثر... حين أصبح الإيقاع داخلياً

أما قصيدة النثر فقد نقلت السؤال إلى منطقة أكثر حساسية: هل يمكن للنص أن يكون شعرياً من دون الوزن الخليلي؟

هنا انقسم النقد العربي الحديث، وما زال ينقسم.

يرى أنصار الاتجاه التقليدي أن الشعر العربي نشأ في حضن الوزن، وأن التخلي عن الموسيقى الخارجية يهدد أحد أهم مقومات هويته. بينما يرى آخرون أن الشعرية أوسع من الوزن، وأن الإيقاع يمكن أن يتولد من تكرار الأصوات، وتجاور الكلمات، وتواتر الصور، والتوازي التركيبي، والتوتر الدلالي، وتقطيع الجمل، وتنامي المعنى.

ومن هنا جاءت التجارب التي تأثرت بقصيدة النثر الغربية، ولا سيما في مساراتها الحديثة لدى بودلير ورامبو ومالارميه، ثم في تنظيرات سوزان برنار، التي أبرزت الإيجاز والكثافة والوحدة العضوية باعتبارها من أبرز مقومات هذا الشكل.

غير أن المشكلة لا تكمن في وجود قصيدة النثر، وإنما في سوء فهم مفهومها.

فأن يكتب المرء بلا وزن لا يعني أنه كتب قصيدة نثر.

والسطور المتقطعة ليست شعراً.

والغموض ليس شعراً.

والصور الغريبة ليست شعراً.

والعبارات المبتورة ليست شعراً.

والاستعارات المتراكمة بلا ضرورة ليست شعراً.

قصيدة النثر الحقيقية مطالبة بأن تعوض غياب الوزن الخارجي بطاقة إيقاعية ودلالية وجمالية أشد تعقيداً؛ لأن النص حين يتخلى عن نظام جاهز يصبح مطالباً ببناء نظامه الخاص.

وهنا تكمن صعوبة قصيدة النثر لا سهولتها.

سادساً: أدونيس... الشعر بوصفه إعادة خلق للعالم

في المشروع الشعري والفكري لأدونيس، تتقدم الرؤية على القالب، وتتحول القصيدة إلى فعل معرفي يعيد النظر في العلاقة بين اللغة والعالم.

فالشعر، في أفق الحداثة، لا يكتفي بوصف الموجود، وإنما يسعى إلى زحزحة الثابت، وإعادة ترتيب العلاقات بين الأشياء، واكتشاف ما وراء الظاهر.

ولهذا فإن قيمة القصيدة لا تتحدد بمجرد انتمائها إلى الوزن أو النثر، وإنما بما تمتلكه من قدرة على خلق عالم لغوي جديد.

والشاعر الحقيقي لا يستخدم اللغة كما يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، بل يعيد اكتشاف إمكاناتها الخفية، ويستخرج منها ما لم يكن مرئياً.

سابعاً: محمود درويش... الحرية التي لا تستغني عن الموسيقى

تقدم تجربة محمود درويش نموذجاً بالغ الدلالة في هذا الجدل؛ فهو شاعر استطاع أن يتحرك بين العمودي والتفعيلي والنثري، دون أن يفقد جوهره الإيقاعي.

وفي تجربته تتأكد حقيقة مهمة: التحرر من الوزن لا يعني التحرر من الإيقاع.

فالموسيقى الشعرية قد تكون في البحر، لكنها قد تكون أيضاً في الجملة، والتكرار، والتوازي، والتدوير، والتقابل، وتوزيع الأصوات، وتنامي الصورة، وتواتر الحروف.

وقد أدرك درويش أن القصيدة التي تتخلى عن الوزن الخارجي مطالبة بأن تكون أكثر وعياً بإيقاعها الداخلي، وإلا تحولت إلى كلام نثري موزع على أسطر قصيرة.

ومن هنا فإن الحرية الشعرية ليست غياب النظام، وإنما اكتشاف نظام جديد.

ثامناً: نازك الملائكة... الدفاع عن الإيقاع لا عن الجمود

تمثل نازك الملائكة صوتاً نقدياً مهماً في مسألة الإيقاع، فقد أدركت أن الشعر العربي نشأ في بيئة سمعية، وأن الموسيقى ليست عنصراً هامشياً في التجربة الشعرية.

لكن قيمة موقفها لا تكمن في الدفاع عن الوزن فحسب، بل في التنبيه إلى أن الإيقاع يحتاج إلى نظام، وأن الانفلات الكامل قد يقود إلى انهيار الحدود بين الشعر والنثر.

وهذا التخوف لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه رفضاً لكل جديد، وإنما بوصفه سؤالاً مشروعاً عن الحد الأدنى الذي يحفظ للنص هويته الشعرية.

فالحداثة التي لا تمتلك نظاماً تتحول إلى فوضى، والتقليد الذي لا يمتلك روحاً يتحول إلى تكرار.

تاسعاً: صلاح عبد الصبور... الشعر موقفاً من الوجود

في تجربة صلاح عبد الصبور تتقدم التجربة الإنسانية على الزخرف البلاغي، ويصبح الشعر موقفاً من الإنسان والزمن والموت والمدينة والوحدة.

وهنا يتضح أن الشعر ليس مجرد تزيين للغة، وإنما اختبار للوجود باللغة.

فالقصيدة العظيمة لا تقول شيئاً فحسب؛ إنها تجعلنا نرى الشيء بطريقة لم نره بها من قبل.

وهذا هو الفارق بين الشعر الذي يصف الحياة والشعر الذي يعيد خلقها.

عاشراً: النحو والشعر... حين تصبح الضرورة باباً إلى الاحتمال

كان الشعر العربي على الدوام مختبراً حياً للغة. ومنه استقى النحاة كثيراً من شواهدهم، واستطاعوا من خلاله أن يرصدوا اتساع العربية وتنوع استعمالاتها.

ولم تكن الضرورة الشعرية، في جوهرها، فساداً لغوياً، وإنما كانت دليلاً على أن اللغة ليست نظاماً مغلقاً، بل كائن حي قادر على التوسع والتشكيل.

وقد أدرك ابن جني أن للشاعر مساحة من التصرف لا تتاح للمتكلم العادي، لأن الشعر يملك منطقاً جمالياً خاصاً.

وهنا يجب أن نفرق بين الانحراف الواعي الذي ينتج دلالة جمالية، والخطأ الذي ينشأ عن الجهل باللغة.

فليس كل خروج عن القاعدة شعراً، كما أن الالتزام بالقاعدة ليس ضماناً للشعر.

الحادي عشر: ما الشعرية؟

الشعرية ليست وصفة جاهزة، ولا قائمةً مغلقة من الشروط؛ إنها الطاقة التي تجعل النص قادراً على تجاوز مباشرته، وتحويل اللغة من أداة إخبار إلى فضاء للإيحاء والتخييل والكشف.

ويمكن رصد بعض مظاهرها في:

1. كثافة اللغة، بحيث تحمل الكلمة أكثر من طبقة دلالية.

2. الإيحاء، حيث لا يقول النص كل شيء صراحة.

3. الانزياح، حين تنحرف اللغة عن مألوفها لتنتج دلالة جديدة.

4. الصورة الشعرية، بوصفها طريقة في الرؤية لا مجرد زخرفة.

5. الإيقاع، خارجياً كان أم داخلياً.

6. الاقتصاد اللغوي، حيث لا تكون الكلمة زائدة عن ضرورتها.

7. التوتر الدلالي، الذي يمنح النص طاقته وحركته.

8. المفارقة، التي تفتح المعنى على احتمالات متعددة.

9. الوحدة العضوية، بحيث تتساند أجزاء النص في بناء واحد.

. الرؤية، وهي العنصر الذي يمنح القصيدة خصوصيتها وضرورتها.

غير أن هذه العناصر لا تعمل منفردة؛ فالشعرية في النهاية ليست مجموعها الحسابي، وإنما العلاقة الحية التي تنشأ بينها.

الثاني عشر: الرؤية قبل البنية

قد تكون القصيدة موزونة، لكنها بلا رؤية.

وقد تكون قصيدة نثر، لكنها بلا شعرية.

وقد يكون النص مليئاً بالمجاز، لكنه فقير في التجربة.

وقد تكون اللغة فصيحة، لكنها لا تقول شيئاً جديداً.

لذلك فإن السؤال النقدي الأكثر عدلاً ليس: على أي بحر كتبت القصيدة؟

ولا: هل هي موزونة أم منثورة؟

بل:

ماذا أضافت هذه القصيدة إلى اللغة؟

وأي رؤية جديدة منحتها للعالم؟

وهل امتلكت صوتاً لا يمكن استبداله بصوت آخر؟

فالشعر الحقيقي لا يكرر العالم، وإنما يعيد اكتشافه.

والشاعر الحقيقي لا يستعمل اللغة كما وجدها، بل يترك فيها أثره.

وهنا تصبح الرؤية أصل البنية، لأن البنية ليست سوى الشكل الذي تتخذه الرؤية حين تبحث عن جسد لغوي يليق بها.

الثالث عشر: بين النظم والشعر... المسافة التي يصنعها الإبداع

أخطر ما يمكن أن يقع فيه الشعر العربي المعاصر هو أن يتحول الخلاف بين العمود وقصيدة النثر إلى صراع قبلي بين الأشكال.

فالعمود ليس ملكاً للماضويين، وقصيدة النثر ليست ملكاً للحداثيين.

إنهما أداتان من أدوات التعبير، ولكل منهما إمكاناته وحدوده.

وقد يكون الشاعر الحديث أكثر تقليدية من شاعر عمودي إذا كان يكرر الصور القديمة والعبارات المستهلكة.

وقد يكون شاعر العمود أكثر حداثة من شاعر يكتب النثر إذا كان يمتلك رؤية جديدة للعالم، ويعيد تشكيل اللغة، ويجعل الوزن يتنفس داخل تجربة معاصرة.

فالحداثة ليست في شكل السطر، وإنما في نوع الوعي الذي يسكن السطر.

الرابع عشر: ليست المسألة معركة بين القديم والجديد

إن الثنائية التي تقسم الشعر إلى قديم وحديث، موزون ومنثور، تقليدي وتجديدي، ثنائية تحتاج إلى مراجعة.

فالتاريخ الأدبي لا يتحرك بالحذف والإلغاء، وإنما بالتراكم والتحول.

القصيدة العربية الحديثة لم تولد من فراغ، وقصيدة النثر لم تمحُ العمود، كما أن العمود لم يمت بميلاد التفعيلة.

إن الأشكال الشعرية لا تتقاتل؛ الذي يتنافس بينها هو مستوى الإبداع.

ويمكن لشاعر واحد أن يكتب العمود والتفعيلة والنثر، ويظل شاعراً في الحالات الثلاث إذا امتلك الرؤية واللغة والإيقاع.

وهذا هو جوهر القضية: الشاعرية ليست في القالب، وإنما في كيفية ملء القالب بالروح.

خامس عشر: الشعرية معياراً للتفاضل

إذا أردنا أن نضع معياراً أكثر عدلاً للحكم على القصيدة، فعلينا أن ننتقل من سؤال التجنيس إلى سؤال القيمة.

ليس المهم أن تكون القصيدة عمودية إذا كانت مجرد نظم.

وليس مهماً أن تكون نثرية إذا كانت مجرد خواطر.

وليس مهماً أن تكون تفعيليّة إذا كانت مجرد أسطر مقطعة.

المهم أن تمتلك القصيدة ضرورة شعرية؛ أي أن نشعر أن هذا الكلام لم يكن ممكناً أن يُقال بهذه الطريقة إلا شعراً.

وهذه الضرورة هي التي تميز القصيدة عن المقالة، والصورة الشعرية عن التشبيه العابر، والإيقاع عن الموسيقى المصطنعة، والرؤية عن الفكرة المجردة.

إن القصيدة الحقيقية لا تكتفي بأن تكون جميلة؛ إنها تجعل الجمال وسيلة إلى الكشف.

خاتمة: الشعر روحٌ تتعدد أجسادها

في نهاية المطاف، لا ينبغي أن نسأل القصيدة أولاً: ما شكلك؟ بل ينبغي أن نسألها: ماذا فعلت باللغة؟ وماذا فعلت بي؟

فالوزن يمنح الشعر نظاماً موسيقياً عظيماً، لكنه لا يمنحه بالضرورة الرؤيا.

والقافية تمنح الذاكرة نغمتها، لكنها لا تخلق وحدها المعنى.

وقصيدة النثر تمنح الشاعر حرية واسعة، لكنها تحمله في المقابل مسؤولية ابتكار إيقاعه وبنيته ووحدته العضوية.

أما الشعرية فهي ذلك الجوهر الذي يتجاوز القالب إلى الأثر، والوزن إلى الموسيقى، واللغة إلى الرؤيا، والصورة إلى الكشف.

إن قصيدة العمود يمكن أن تكون حديثة إذا كانت رؤيتها حديثة، وقصيدة النثر يمكن أن تكون تقليدية إذا ظلت أسيرة اللغة المستهلكة والرؤية المكررة.

لذلك فليس الشعر وزناً ضد النثر، ولا النثر ثورةً ضد الوزن؛ الشعر أعمق من هذه الثنائية كلها.

إنه ذلك الفعل الخلاق الذي تتحول فيه اللغة من أداة للتعبير إلى كائن حي يعيد تشكيل الوجود.

وقد يكون الشعر في بيت موزون مكتمل القافية، وقد يكون في سطر نثري خاطف، وقد يكون في قصيدة تفعيلة تتنفس بين البحور والتفعيلات؛ لكن المعيار الأخير يظل واحداً:

هل استطاع النص أن يخلق دهشة؟

هل امتلك رؤية؟

هل منح اللغة حياةً أخرى؟

هل ترك في الوعي أثراً يتجاوز لحظة القراءة؟

فإذا فعل، فقد بلغ الشعرية، أياً كان القالب الذي اختاره.

وإذا عجز، فلن ينقذه الوزن، كما لن تنقذه الحداثة الشكلية.

لأن القصيدة لا تصبح شعراً بما ترتديه من شكل، وإنما بما تضمره من روح؛ والشعرية ليست ثوب القصيدة، بل جوهر وجودها

ومن هنا يمكن القول إن الوزن هندسةٌ للموسيقى، والنثر حريةٌ في التشكيل، أما الشعرية فهي القدرة على تحويل اللغة إلى رؤيا.

وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن ينتصر في النقد: الرؤية قبل البنية، والجوهر قبل القالب، والإبداع قبل الانتماء إلى مدرسة أو جنس أو عصر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

من الصورة إلى بناء المشهد

مقدمة: أكتب هذه المقالة بلغة أكثر وضوحاً بعيداً عن التمنهج الأكاديمي الصارم والتعقيدات الفلسفية حرصاً على أن تبقى الفكرة سلسة وأن تصل إليكم بما تحمله من فائدة وتأمل دون حواجز من المصطلحات والتجريد

 وعلى مدّ مساحةٍ لمحاذاة

مصطلح أخذ حضوره يتسع في الدراسات الأدبية المعاصرة مع اتساع العلاقة بين الأدب والفنون البصرية المخيّلة السينماتوغرافية:

يحتاج هذا المصطلح إلى شيء من التحديد حتى يستعمله الباحث في موضعه الدقيق بعيداً عن إطلاق صفة (سينمائي) على كل نص كثيف الصورة أو كثير المشاهد فالمسألة أعمق من حضور صورة بصرية إنها تتصل بالطريقة التي تنظم بها اللغة الرؤية والحركة والزمن والفضاء بحيث يشعر القارئ أنه أمام مشهد يتشكل ويتحرك داخل مخيلته

من هنا تأتي أهمية السؤال:

كيف تتحول اللغة إلى مشهد؟

وكيف يمكن للناقد أن يرصد هذه المخيّلة ويحللها ويقيّم قيمتها داخل النص؟

ما المخيّلة السينماتوغرافية؟

السينماتوغرافيا في أصلها ترتبط بفن صناعة الصورة المتحركة وما يتصل بها من تكوين الكادر وحجم اللقطة وزاوية الرؤية وحركة الكاميرا والإضاءة والانتقال والإيقاع البصري

فحين ينتقل المفهوم إلى الأدب تصبح اللغة هي الوسيط الذي يستدعي هذه الآليات في ذهن القارئ

لذلك يمكن تعريف المخيّلة السينماتوغرافية بأنها قدرة النص على تنظيم اللغة بطريقة تستحضر الحس السينمائي في بناء المشهد فتمنح القارئ إحساساً باللقطة والحركة والزمن والمكان ووجهة النظر مع احتفاظ النص بخصوصيته الأدبية

وهنا تكمن المسافة المهمة بين الصورة والمشهد

الصورة قد تقدم هيئة ثابتة بينما المشهد يمنح هذه الهيئة حركة وزمناً وعلاقات مكانية فإذا كتب الشاعر مثلاً :

(امرأة عند النافذة والشارع غارق في المطر)

نحن أمام صورة بصرية واضحة

أما حين يقول:

(وقفت خلف النافذة فمرّت سيارة مسرعة وانزلق ضوؤها على وجهها ثم ابتلعها المنعطف)

فإن العين المتخيلة تتحرك من المرأة إلى السيارة ومن الضوء إلى المنعطف هنا تتشكل سلسلة من اللقطات ويصبح الزمن جزءا من الصورة

من الوصف إلى الرؤية المخيّلة السينماتوغرافية غير قائمة على كثرة التفاصيل البصرية الوصف قد يكون غزيراً مع بقاء المشهد ساكناً

القيمة تظهر حين تصبح التفاصيل جزءا من حركة المشهد

خذ مثلًا:

(كانت يداه ترتجفان فوق الطاولة)

هذه جملة وصفية تحمل صورة حسية أما:

(كانت يداه فوق الطاولة ارتجفت أصابعه وانزلقت الملعقة إلى الأرض ثم رفع وجهه نحو الباب)

يتدرج المشهد من اليدين إلى الأصابع ثم إلى الملعقة وصولاً إلى الوجه والباب فتنتقل عين القارئ بين تفاصيل متتابعة فينشأ مفعول اللقطة القريبة والحركة البصرية من داخل اللغة نفسها

 هذه الحركة تمنح المشهد بناء قريباً من اللقطة السينمائية

وفي النص الأدبي لا نحتاج إلى ذكر كلمة (كاميرا) حتى تتحقق هذه النتيجة

وهذه نقطة أساسية في الدراسة النقدية: السؤال لا يتوقف عند (ماذا وصف الكاتب؟) وإنما يمتد إلى (كيف جعلني أرى ما وصفه؟)

 فالتنظيم اللغوي ذاته يستطيع إنتاجه

الحركة والمونتاج

تظهر السينماتو غرافيا الأدبية كذلك في حركة العين المتخيلة

أفعال مثل الاقتراب والابتعاد والالتفات والعبور والصعود والانكشاف كلها تمنح اللغة قدرة على تحريك المشهد

أما الانتقال المفاجئ من صورة إلى أخرى فيمكن أن يؤدي وظيفة قريبة من المونتاج

مثلاً:

(أغلق الباب....

في الجهة الأخرى من المدينة كانت أمه تضع فنجاناً إضافياً على الطاولة)

الجملة الأولى تغلق مشهداً مكانياً والثانية تفتح مشهداً آخر في مكان مختلف لا يشرح النص العلاقة بين الشخصيتين

 إنما يترك للمجاورة مهمة إنتاجها هنا تعمل آلية قريبة من القطع السينمائي حيث ينتقل المتلقي من كادر إلى آخر ويصنع بنفسه الصلة الشعورية بينهما

وفي مثال آخر:

(ضحكت في وجهه

بعد عشرين عاماً كانت الصورة القديمة وحدها تضحك)

إن الانتقال من الحاضر إلى الذاكرة يحدث بصورة خاطفة هنا تتداخل آلية القطع مع الاسترجاع الزمني وتصبح الصورة القديمة معادلاً بصرياً للزمن المفقود

وهنا تظهر أهمية المصطلح:

المونتاج الأدبي لا يعني مجرد الانتقال بين جملتين وإنما قيام المجاورة بين صورتين بإنتاج دلالة جديدة

فالزمن والفضاء

يمنح السينما للصورة زمناً ويمنح الأدب للزمن مرونة واسعة

قد يمدد النص لحظة واحدة حتى تصبح مشهداً كاملاً وقد يختصر سنوات في عبارة واحدة

 لذلك يمكن دراسة الإبطاء والتسريع والاسترجاع والحذف والتوقف باعتبارها عناصر تشارك في بناء المخيّلة السينماتوغرافية

مثال ذلك:

(مدّ يده نحو المقبض

توقفت أصابعه لحظة

سمع صوتها خلف الباب)

ثلاث جمل قصيرة تمدد لحظة واحدة وتمنحها توتراً متصاعداً

 هنا يصبح الإبطاء أداة لصناعة المشهد ويأخذ الزمن وظيفة نفسية فالثواني القليلة تبدو أطول بسبب انتظار الشخصية

وفي المقابل:

(عاش هناك عشرين عاماً ثم غادر ذات صباح)

هنا يحدث ضغط زمني شديد عشرون عاماً تختزل في جملة بينما يأخذ (الصباح) مساحة سردية أكبر

 هذا التفاوت الزمني يمكن أن يكون موضعاً مهماً في دراسة المخيّلة السينماتوغرافية

والفضاء يؤدي دوراً مماثلاً:

(وقف عند الباب وبقيت الغرفة خلفه مضاءة)

الباب هنا عنصر مكاني يحمل معنى الانتقال والانفصال الضوء داخل الغرفة في مقابل الشخصية الواقفة خارجها يصنع تكويناً بصرياً ويمنح المكان وظيفة نفسية ودلالية

الضوء والصوت

للضوء حضور مهم في بناء المشهد: الشمس -العتمة- الوميض- الظلال- انعكاس الضوء على وجه أو جدار

 والناقد يستطيع أن يسأل: ما وظيفة الضوء؟ هل يكشف؟ هل يحجب؟ هل يغيّر الحالة النفسية؟ هل يقسم الفضاء؟

خذ هذا المثال:

(كان وجهها نصفه في الضوء ونصفه الآخر غارقاً في الظل)

لا تكمن أهمية الصورة في جمال المفردات وحده فالانقسام البصري قد يحمل انقساماً داخلياً في الشخصية أو يوحي بترددها أو ازدواج حالتها

 هنا يؤدي الضوء وظيفة دلالية وتصبح السينماتوغرافيا وسيلة للكشف عن الباطن عبر المرئي

كذلك يدخل الصوت والصمت في تشكيل المشهد:

(سمعت خطواته في الممر

اقترب الصوت ثم توقف)

هنا نكاد نرى الشخصية عبر السمع لا يظهر الجسد إنما يحل الصوت محل الصورة وعندما يتوقف الصوت ينشأ فراغ مشهدي مشحون بالإنتظار

كيف نقيّم المخيّلة السينماتوغرافية؟

هنا تظهر إشكالية التقييم

الحكم على نجاح المخيّلة السينماتوغرافية يحتاج إلى تجاوز الإنبهار بالصورة يمكن للناقد أن يسأل:

هل الصورة تخدم التجربة

 أم تستعرض قدرتها البصرية؟

هل الحركة تضيف معنى؟

هل الإنتقالات بين المشاهد ذات ضرورة فنية؟

هل المكان يؤدي وظيفة داخل النص؟

هل الضوء والظل جزء من الرؤية؟

هل الإيقاع البصري منسجم مع الإيقاع اللغوي؟

هل التقنية السينمائية مندمجة في طبيعة النص؟

ولنأخذ مثالاً:

(دخلت الغرفة

كان الكرسي مائلاً النافذة مفتوحة الستارة تتحرك الساعة متوقفة)

يمكن لهذه العناصر أن تبدو مجرد ترتيب لمفردات بصرية

 أما إذا كانت الساعة المتوقفة والنافذة المفتوحة والكرسي المائل تتصل بحالة الشخصية أو بحدث غائب فإن المشهد ينتقل من التوصيف إلى الدلالة

إذن قيمة المخيّلة لا تقاس بكمية الصور وإنما بقدرتها على تحويل الصورة إلى عنصر فاعل في بناء النص

والفارق مهم بين السينمائية التقنية التي تستعير بعض أدوات الصورة والسينمائية العضوية التي يصبح فيها الحس البصري والحركي والزمني جزءا من طريقة النص في التفكير والتعبير

كيف يوظف الباحث المصطلح في دراسته:؟

يمكن للباحث أن يبدأ بتحديد مفهوم المخيّلة السينماتوغرافية ثم يستخرج من النص المقاطع التي تكشف بناء المشهد ويتابع طريقة تشكل اللقطة والحركة والانتقال والزمن والفضاء

بعد ذلك يربط كل ظاهرة بوظيفتها:

1 ماذا صنعت في المعنى؟ 2 ماذا أضافت إلى الشخصية؟ 3 كيف أثرت في الإيقاع؟

 4 كيف غيّرت علاقة القارئ بالمشهد؟

مثلاً: إذا وجد الباحث مقطعاً يقول:

(كانت تمشي في آخر الشارع

ابتعدت

صغر جسدها شيئاً فشيئاً حتى ذابت في الضباب)

يمكنه هنا رصد اللقطة العامة وحركة الإبتعاد وتدرج المسافة ثم يدرس وظيفتها في إنتاج الدلالة فاختفاء الجسد تدريجياً قد يحيل إلى الفقد أو التلاشي أو الانفصال

هنا يصبح التحليل قائماً على ثلاث مراحل واضحة:

1 ينطلق الباحث من الشاهد النصي لتحديد التقنية السينماتوغرافية

2 ثم يتتبع وظيفتها في إنتاج الدلالة

3 ثم ينتقل إلى مرحلة التقييم هل استطاع النص تحويل الحس السينمائي إلى قيمة أدبية؟؟

هذه الطريقة تمنح الدراسة أساساً منهجياً وتحميها من استعمال المصطلح كتوشية نقدية

وتتضح فاعلية هذه المقاربة بصورة خاصة عند تطبيقها على قصيدة النثر حيث تتجاور الصورة والتقطيع والتكثيف والقفزة والتجاور والحركة الداخلية في بناء المشهد

المخيّلة السينماتوغرافية في قصيدة النثر:

تبدو قصيدة النثر مجالاً خصباً لهذه المقاربة لأنها تعتمد على الصورة والتكثيف والتقطيع والقفزة والتجاور والحركة الداخلية وقد تتكون القصيدة من مشاهد قصيرة يترك النص للقارئ مهمة تركيب العلاقة بينها

مثلاً:

(في المرآة امرأة تحدق في وجهها

خلفها باب مفتوح

لا أحد في الغرفة)

يقوم المشهد هنا على ثلاث لقطات متجاورة

المرآة تقدم صورة داخل صورة

 والباب المفتوح يوسع الفضاء

 ثم تأتي الجملة الأخيرة لتحدث مفارقة بين ما تتوقعه العين وما تجده

هنا يمكن للباحث أن يدرس التكوين البصري والمفارقة والقطع بين اللقطات ثم يتتبع الدلالة التي أنتجها هذا الترتيب وهكذا يقترب منطق المونتاج من منطق الصورة الشعرية

 1 فالصورة تمنح المشهد كثافته

2 والتجاور يمنحه حركته

3 والفجوة بين المشاهد تمنح القارئ مساحة للتأويل

وبهذا يصبح المصطلح أداة إجرائية في الدراسة ينتقل بها الباحث من رصد المشهد إلى تحليل تقنياته ثم الكشف عن وظيفتها الجمالية والدلالية وتقييم فاعليتها داخل النص

وهكذا يقترب منطق المونتاج من منطق الصورة الشعرية

الصورة تمنح المشهد كثافته والتجاور يمنحه حركته والفجوة بين المشاهد تمنح القارئ مساحة للتأويل

حدود المصطلح

يحتاج استعمال (المخيّلة السينماتوغرافية) إلى دقة حتى لا يتحول إلى حكم واسع يصف كل كتابة بصرية بأنها سينمائية

وجود كلمات مثل (كاميرا) أو (شاشة) أو (مشهد) لا يصنع وحده مخيّلة سينماتوغرافية

المعيار يكمن في البنية التي تجعل الصورة تتحرك وتحدد زاوية الرؤية وتنظم الزمن والفضاء وتخلق علاقات بين اللقطات المتخيلة

لذلك يحتاج الباحث إلى

الإستدلال من النص نفسه وإلى ربط كل مصطلح بآلية يمكن البرهنة عليها

ختاماً:

حاولت في هذه المقالة أن أقرّب معنى السينماتوغرافيا بأبسط تفسير ممكن وأن أوضح كيف يمكن لهذا المصطلح أن ينتقل من حقل السينما إلى حقل الدراسة الأدبية محافظة على دقته وقيمته النقدية

ولمن يرغب في الدخول إلى النص من هذا المنظور

 إذ يبدأ الناقد من المشهد:

1 أين تضع اللغة عين القارئ؟ 2 كيف تتحرك هذه العين؟

3 ما الذي تقترب منه وما الذي تبتعد عنه؟

4 كيف يتغير المكان والزمن والضوء؟

5 أين يحدث القطع بين صورة وأخرى؟ ثم ينتقل إلى الوظيفة:

6 ماذا صنعت هذه الحركة في المعنى؟ وماذا أضافت إلى التجربة الشعرية؟

فبهذه الطريقة يدخل الناقد إلى النص سينماتوغرافياً فيقرأ الصورة بإعتبارها بناء

وبإعتبار الحركة إختياراً

 والإنتقال بإعتباره تقنية

 ثم يربط هذه العناصر بالدلالة الكلية للنص وهنا يصبح المصطلح وسيلة للقراءة والكشف ويمنح الناقد زاوية إضافية لرؤية النص مع الحفاظ على خصوصية الأدب ولغته

وقد كان المقصود من هذه المقالة أن تمنح المتلقي مدخلاً واضحاً إلى هذا المصطلح وأن تساعده على معرفة موضعه وكيفية توظيفه والأسئلة التي يمكن أن يفتحها داخل الدراسة النقدية

مع التحايا

***

مرشدة جاويش

 

"سباعيات مبعثرة" للشاعر عادل الحنظل

تتحدى قصيدة "سباعيات مبعثرة" كتجربة شعرية، من خلال عتبة العنوان ذاته، منطق الوحدة العضوية التقليدية للقصيدة.

فالعنوان يحمل مفارقته الجوهرية بين "السباعيات "، ذات البناءٌ الموحي بالنظام والعدد المحسوب، وبين "المبعثرة"، وهي نعتٌ ينسف هذا النظام من الداخل.

هذه المفارقة المقصودة هي المفتاح التأويلي الأول لفهم القصيدة بأسرها:

عشرة مقاطع تبدو، للوهلة الأولى، جزرًا منفصلة، لكنها في العمق تنتمي إلى أرخبيلٍ واحد تحكمه لواعج نفسية موحدة، هي جغرافيا الذات المبعثرة والملمومة في كل شيء، كخيط ناظم يلمّ شتات الغربة، والذاكرة، والطقوس، والانتظار، والجسد ذاته.

يعتمد الشاعر بنيةً مقطعية سباعية، بلغة بليغة تقترب من الشعر الحر في تحرره من القافية الموحدة، مع احتفاظه بإيقاع داخلي متوتر تصنعه المفارقات المتلاحقة أكثر مما يصنعه الوزن.

تتجلى براعته الإبداعية في المفارقة الصورية التي تفتتح بها كل مقطع تقريبًا:

" تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى"

في المقطع الأول، ثم انعكاس الصورة إلى ضدها في

" لكنّني كالشَجرِ العاري

لا تَهُزّني الرياحُ..

للصَلاة"،

 حيث يتحول فعل العبادة من حركة إلى سكون، ومن يقين إلى عبثية الانتظار بلا استجابة.

هذه التقنية، أي بناء الصورة ثم تقويضها في السطر التالي مباشرة، هي السمة الأسلوبية الأبرز التي تمنح القصيدة توترها الداخلي، وتجعل من كل مقطع بنيةً درامية مصغّرة، لا وصفًا عاديا.

يدور المحور الفكري للقصيدة حول سؤالٍ فلسفي واحد يتكرر بصياغات متعددة: سؤال الأثر في مواجهة الفناء. ففي المقطع الثالث، يتحول الشاعر إلى حجر ثقيل،

" فصِرتُ كالحَجَرِ الثَقيل

نسيَ الجِبالَ التي أنجَبَته

وهي صورة تحمل عمقًا وجوديًا يذكّر بفلسفة الاغتراب الوجودي حيث ينفصل الكائن عن أصله ويصبح موضوعًا عاجزًا عن الفعل، منتظرًا فقط

تركُلُهُ الريحُ.. والمَطَر...

وأنتظِر.. أنتظِر

ركلةً أُخرى"،

 هذا التحول من الذات الفاعلة إلى المفعول بها يمتد إلى المقطع السادس، حيث

"قصيدة بلهاء"

تُنهك الشاعر بدل أن يمتلكها، في انقلابٍ ساخر لعلاقة الشاعر بأداته الإبداعية ذاتها.

الفلسفة الكامنة هنا أقرب إلى عبثية وجودية مطعّمة بحسٍّ صوفي مُجهَض، حيث يسعى الشاعر إلى تجاوزٍ روحي

" لعَلّي أفتحُ بابًا الى السَماء..."

لكنه يصطدم دائمًا بمادية الجسد وثقل التاريخ الشخصي.

يتخذ البعد الاجتماعي في القصيدة شكل المفارقة بين المكان الجديد

(يوتيبوري، المدينة السويدية التي ترد صراحة في المقطع الثاني) والمكان الأصلي الغائب.

لا يقدَّم المنفى هنا بوصفه جغرافيا بديلة مريحة، بل بوصفه جسرًا " الجِسرُ الذي يًحمِلُني كلّ يوم

في يوتيبوري

لا تَجري تَحتَهُ طُفولَتي"،

أي فضاءً معاديًا للذاكرة، يضطر الشاعر معه إلى انتحال هوية مغايرة:

"فأخلع عن وجهي القناع

لأبتزّ من يعبرون..

بسحنتي"،

في صورة قاسية تكشف كيف يتحول المهاجر أحيانًا إلى سلعةٍ بصرية، هويةٍ مستهلَكة يُقايض بها في سوق ما يدعى بالاندماج.

هذا البعد الاجتماعي يتقاطع مع البعد الإنساني الحميم في مقطعي الجدة والأم (الرابع والثامن)، حيث تنكسر لغة الاغتراب أمام دفء الذاكرة العائلية:

 رائحة الجدة التي

"أشمُّها.. أشمُّني

وحينَ أغرَقَتْني ألسَبعون

ترَكتُ نصفَ الفِراش..

لها"

" وأم "

"غَسَلَتْ أمّي حافةَ الصَباح

بأوراقِ السِدر"

" في تعبيرٍ عميق عن حنين طقوسي إلى طهارة الطفولة الأولى، طهارة يستحيل استعادتها إلا بوصفها فقدانًا.

يتصاعد البعد الديني تدريجيًا من إشارات عابرة "أدعية، صلاة، تبتّل"

"تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى

تُردّدُ كلما دَنَوت

أدعيةَ العُميان"

 إلى تكثيفٍ رمزي في المقطع الأخير، حيث

" كأنّني فارِسٌ من طين

أيبَسَتْهُ الشَمس

في بلَدٍ يَتَبتّلُ فيهِ الظِلّ

كلّ عام

مرّتين"

وهي صورة تُقحم مفردة صوفية خالصة (التبتل) في سياقٍ طبيعي غير متوقع (الظل)، لتخلق التباسًا تأويليًا مقصودًا:

هل الظل هنا هو الروح المنقطعة عن جسدها الأصلي، المتبتلة قسرًا في أرض الغربة؟

ام هو تعبير عن برد الغربة؟

يستدعي هذا المقطع تراث النفري وابن عربي في تعامله مع "الوقفة" و"الظل" كرمزين للحجاب بين الذات والحق، لكن الحنظل يُفرغ الرمز الصوفي من غائيته الروحية التقليدية، ويجعله معلّقًا بلا خلاص، فالتبتل هنا فعلٌ بلا معبود واضح، أقرب إلى طقسٍ فارغ يمارسه الظل قسرًا لا اختيارًا.

كذلك يتردد رمز "باب سليمان" في المقطعين الخامس والثامن،

"للنَهرِ في بابِ سُليمانَ فَمٌ

غنّى للطينِ..

ولي

لا زالَ بابُ سُليمان..

يقطُرُ بين أصابعِها"

وهو رمزٌ يحمل ثقله الخاص والشخصي لأن الشاعر ولد هناك وقضى سني صباه وشبابه فيه، بالرغم من انه قد ينزاح نحو حمولة الرمز تراثيًا (بوابة الحكمة والملك في الموروث الديني)، لكن الشاعر يفرغه هو الآخر من سلطته الأسطورية ليجعله مسرحًا للطفولة ولصمتٍ يُغرق القارب "بلا مياه"، في مفارقة تجمع بين الغرق والجفاف، بين الفيض الأسطوري والجدب الواقعي.

يبقى الخيط الناظم لهذه السباعيات المتناثرة هو الذات الشاعرة نفسها، لا بوصفها كيانًا موحدًا، بل بوصفها مرآة مهشّمة تعكس كل مقطعٍ منها زاوية كسرٍ مختلفة: الذات المصلية العاجزة،

الذات المتنكرة في المنفى،

الذات الحجرية المنسية،

الذات الحاضنة لذاكرة الجدة،

الذات الغارقة في صمت النهر،

الذات المنهكة بقلمها،

الذات المخاطَبة في سبعينها،

الذات المتطهرة بالسدر،

الذات المذنبة في الحانة،

وأخيرًا الذات-الظل المتبتلة.

هذا التكرار البنيوي لضمير المتكلم عبر تنويعات متعددة هو ما يمنح "التبعثر" وحدته الخفية: فالقصيدة لا تروي قصة، بل ترسم بورتريهًا تكعيبيًا لذاتٍ واحدة من زوايا متعددة متزامنة.

تستدعي لغة الحنظل، في تكثيفها الصوري ومقاطعها المفاجئة، تجربة وحساسية شعراء المنفى العراقي والعربي عمومًا، ممن كتبوا الغربة تحديدًا، حيث يتحول المكان البارد في البلد الاسكندنافي حيث يعيش الشاعر إلى مرآة تعكس دفء الذاكرة الغائب لا نقيضًا جغرافيًا فحسب.

 كما يحضر ذلك في صدى بعيد لتجربة محمود درويش المتأخرة في "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، حيث يتحول الشعر إلى مساءلة الذات لذاتها أكثر منه خطابًا موجهًا إلى الآخر.

تبدو "سباعيات مبعثرة" أشبه بطقس عبورٍ لم يكتمل، حيث يقف الشاعر بين ضفتين:

ضفة الأصل التي فقد الاتصال بها "الجسر لا تجري تحته طفولتي"،

وضفة المنفى التي لم يمنحه إياها إلا قناعًا مؤقتًا.

وبين الضفتين، يتحول الشعر ذاته إلى الجسر الوحيد الممكن، وإن كان جسرًا هشًا ابلهًا "بلهاء " كما وصفه الشاعر نفسه، عاجزًا عن الوصول لكنه غير قادرٍ على التوقف عن السعي. هذه هي، في تقديري، الرسالة الأعمق التي تحملها هذه السباعيات:

أن الكتابة، حين تعجز عن أن تكون خلاصًا، تظل مع ذلك الشكل الوحيد الممكن لمقاومة الفناء، ولو بتبعثر.

***

سعاد الراعي

......................

سباعيات مبعثرة

تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى

تُردّدُ كلما دَنَوت

أدعيةَ العُميان

لعَلّي أفتحُ باباً الى السَماء

لكنّني كالشَجرِ العاري

لا تَهُزّني الرياحُ ..

للصَلاة

**

2

الجِسرُ الذي يًحمِلُني كلّ يوم

في درسدن

لا تَجري تَحتَهُ طُفولَتي

كأنّما يمقُتُ آثاري

فأخلَعُ عن وجهيَ القِناع

لأبتَزَّ من يَعبُرون..

بسَحنَتي

**

3

غفَلتُ أن أُزَخرفَ السِنين

ببضعَةِ أسماء.. بضعةِ أيّام

فصِرتُ كالحَجَرِ الثَقيل

نسيَ الجِبالَ التي أنجَبَته

تركُلُهُ الريحُ.. والمَطَر

وأنتظِر.. أنتظِر

ركلةً أُخرى

**

4

ناصَفَتْني جَدّتي السَرير.. في العاشرة

لم يكُن عندَها زُجاجةُ عِطر

لكنّني.. كلّما شَرَطتُ ذاكرَتي

أشمُّها.. أشمُّني

وحينَ أغرَقَتْني ألسَبعون

ترَكتُ نصفَ الفِراش..

لها

**

5

للنَهرِ في بابِ سُليمانَ فَمٌ

غنّى للطينِ ..

ولي

لم أعرفْ أن النَهرَ تعلّمَ الصَمت

منذُ نأَيتْ

فأغرَقَ قاربي..

بلا مياه

**

6

في عَتمَةِ الفَجر

تَصُكُّ يدي على قَلمٍ بَليد

وقِرطاسٍ طَوِيّ

وفي فَمي مَرارةُ الأرَق

أسعىٰ كحالمٍ عَنيد

أجري.. وتُنهِكُني

قصيدةٌ بَلهاء

**

7

أنتَ

حلَلتَ في السَبعين

دَسَستَ في عُمرِكَ مفتاحاً

لا يفتحُ الرَغَبات.. متى أرَدت

دَعهُ على جدارِ الذاكرة.. صَدِئً

واضحك كثيراً.. كثيرا

كبائعِ السِنين

**

8

غَسَلَتْ أمّي حافةَ الصَباح

بأوراقِ السِدر

لا زالَ بابُ سُليمان..

يقطُرُ بين أصابعِها

ليتَكَ لم تزَل ذلكَ الطِفل

الذي تطَهّرَ كلّ صَباح

بالسِدر

**

9

في زاويةِ الحان

أرقُبُ الخُدودَ الحُمر

والأعيَنَ التي تُخجِلُ الضِياء

حتى الهَواء

أحبِسُ عِطرَه

كأنّ بي رَيبَةً.. إذا يَمرُّ الهَواء..

يُنكِرُني

**

10

في ظِلّي..

أُذُنٌ ليسَت لي

كأنّني فارِسٌ من طين

يبّسَتْهُ الشَمس

في بلَدٍ تُشرقُ فيهِ الشَمس

كلّ عام

مرّتين

***

عادل الحنظل

‏قراءة نفسية– وجودية بمنظور ظاهراتي وتأويلي‏

‏ مدخل القراءة: ‏تدخل مجيدة محمدي في «غربة» إلى منطقة لا تقاس فيها المسافات بالجغرافيا، بل بما ينشأ داخل الإنسان من مسافة بينه وبين ذاته. فالنص لا يرصد غيابا عن المكان، وإنما غياب الأنا عن مألوفها الداخلي؛ حيث يبقى العالم كما هو، بينما يتغير موقع الإنسان من نفسه.

‏ومن هذه المفارقة تتشكل حركة النص: ذات تؤدي حياتها باسمها ووجهها وجسدها، لكنها تكتشف تدريجيا أن الهوية ليست ما نحمله من علامات، بل ما نشعر أننا نقيم فيه من ذواتنا.

‏‏1 ـ الغربة حين تبدأ من الداخل‏

‏يفتتح النص بسؤال يحمل نواته الوجودية كلها: «وكان كل شيء في مكانه، إلا أنتم؟». فالخلل لا يقع في العالم، وإنما في موضع الذات من ذاتها. وهذه المفارقة تنقل الغربة منذ البداية من معناها المكاني إلى اغتراب وجودي داخلي.

‏ويعمق النص هذا الإحساس حين يجعل المفقود مجهولا: «شيئا لا تعرفون اسمه، ولكنكم تعلمون غيابه»؛ فالفقد هنا ليس شيئا خارجيا يمكن تحديده، بل تصدع خفي في الإحساس بالهوية. تعرف الذات أنها فقدت شيئا منها، لكنها لم تبلغ بعد القدرة على تسميته.

‏ومن هنا يتأسس السؤال الذي سيقود القراءة كلها:

‏كيف يصبح الإنسان غريبا عن نفسه، فيما لا يزال يحمل اسمها ووجهها وحياتها؟

‏ 2 ـ طقوس المألوف وغياب الذات

‏‏تستدعي الكاتبة تفاصيل شديدة الاعتياد: النهوض من السرير، غسل الوجه، إعداد القهوة، فتح النافذة؛ لكنها لا تستحضرها لوصف يوم عادي، بل لتكشف المفارقة بين ثبات العالم واضطراب الإحساس بالذات. فكل شيء يمارس وظيفته المعتادة، بينما الإنسان وحده لم يعد يشعر أنه يقيم في نفسه كما كان.

‏وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في: «تشعرون أنكم لستم أنتم»؛ وهي العبارة التي تنقل النص من الإحساس الغامض بالفقد إلى أول وعي صريح بالاغتراب.

‏ثم تنفي الكاتبة الحزن والقلق والحيرة، لتمنع اختزال التجربة في انفعال نفسي عابر؛ فما يحدث أعمق: الجسد حاضر، والروح غائبة، والحضور نفسه أصبح موضع شك.

‏وهنا تتضح الرؤية الظاهراتية للنص: العالم لم يتغير، وإنما تغيرت طريقة حضور الذات فيه. وتلك أولى صور الغربة التي يبنيها النص:

‏ {أن يبقى كل شيء مألوفا، إلا الإنسان لنفسه}.

‏3 ـ الاسم حين يصبح قشرة للهوية‏

‏ينتقل النص من الإحساس بالغربة إلى مساءلة الهوية نفسها. فالآخرون ما زالوا يتعرفون إلى الإنسان وينادونه باسمه، لكنه من الداخل يسأل: «من هذا الذي ينادونه باسمي؟». هنا يفقد الاسم وظيفته بوصفه علامة تطابق بين الإنسان وذاته، ويغدو مجرد تعريف خارجي لا يضمن حقيقة من يحمله.

‏وتتكثف الفكرة في الصورة اللافتة: «متى صار اسمي قشرة، وصارت روحي شيئا آخر لا ينادى؟»؛ فثمة انشطار بين هوية يمنحها المجتمع للإنسان، وذات داخلية لم تعد تستجيب لها.

‏وهنا تبلغ الغربة مستوى أعمق: لم يعد الإنسان غريبا عن شعوره فحسب، بل عن الاسم الذي كان يختصر وجوده. وبذلك يفتح النص سؤال الهوية على احتماله الأكثر إرباكا:

‏{ماذا يبقى من «الأنا» حين يصبح الاسم دليلا على شخص لم نعد نشعر أننا هو؟}

‏ 4 ـ التآكل الصامت وتراكم الفقد

‏‏بعد مساءلة الاسم، يعود النص إلى البحث عن منشأ هذا الانفصال، فلا يعزوه إلى صدمة واحدة، بل إلى خسارات صغيرة تتراكم بصمت: «نتعب أكثر مما نقول، ونخسر أكثر مما نعلن». وهنا تتحول الغربة من حالة مباغتة إلى نتيجة لمسار طويل من الاستنزاف الداخلي.

‏ويكشف تتابع الأفعال: «نفقد، نُخيَّب، نودع، ندفن، نبتلع، نغلق، ثم نمضي»

‏عن حركة نفسية تقوم على الاستمرار رغم النقص؛ فالذات لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تترك في كل تجربة جزءا منها ثم تواصل السير.

‏لذلك تأتي صورة إطفاء المصباح مع بقاء الغرفة شديدة الدلالة: البنية الخارجية للإنسان ما تزال قائمة، لكن الضوء الذي كان يمنحها معناها خفت أو غاب.

‏وهنا يلتقط النص أحد أكثر وجوه الاغتراب قسوة:

‏{أننا لا نفقد أنفسنا مرة واحدة؛ بل نترك منها شيئا في كل خسارة، حتى نصل يوما ولا نعرف من الذي وصل}.

‏ 5 ـ البيت بوصفه استعارة للذات

‏‏ينقل النص اغتراب الإنسان عن نفسه إلى صورة مكانية شديدة الكثافة: الغرفة، الأثاث، النافذة، المنزل. كل شيء باق على حاله، لكن «المنزل لم يعد يشبهك». وهنا لا يعود البيت مكانا خارجيا، بل يتحول إلى استعارة للذات التي ما زالت تحتفظ بهيئتها، بينما تبدل ساكنها الداخلي.

‏وتتعمق الصورة حين يقف الإنسان أمام نفسه «كغريب أمام باب مغلق»، قائلا: «أعرف هذا البيت... لكني لا أذكر متى كنت أسكنه». فالاعتراف بالمكان يقابله فقدان الانتماء إليه؛ وهي مفارقة تختصر جوهر الاغتراب: معرفة الذات من الخارج والعجز عن الإقامة فيها من الداخل.

‏بهذا تنتقل الغربة من سؤال «من أنا؟» إلى سؤال أشد قسوة:

‏ {كيف أعود إلى ذات أعرف ملامحها، ولا أعود أشعر أنها بيتي؟}

‏ 6 ـ المرآة وتحول الهوية

‏‏عند هذه النقطة يحدث التحول الأهم في النص؛ فالذات لا ترغب في العودة إلى صورتها القديمة، لأن التجربة لم تتركها كما كانت. فالانكسارات، بحسب النص، لا تعيد الإنسان إلى سابق عهده، بل «تخلع منا شيئا كنا نظنه نحن»؛ وهنا يتحول الفقد من نقصان إلى كشف.

‏وتأتي «المرآة الجديدة» رمزا لهذا التحول؛ فهي لا تعكس وجها مجهولا بقدر ما تواجه الذات بصورة لم تتعلم بعد كيف تتعرف إليها. وبذلك تنتقل المرآة من أداة للتطابق إلى فضاء لمساءلة الهوية: أي الأنا كانت حقيقية؛ التي مضت، أم التي ولدت من انكسارها؟

‏وهنا يبدأ النص بتغيير دلالة الغربة نفسها؛ فما بدا فقدانا للذات قد يكون في عمقه سقوطا لصورة قديمة عنها.

‏{فليست كل ذات نفقدها جديرة بأن نستعيدها؛ أحيانا يكون الفقد أول ما يكشف لنا من كنا نظنه نحن}.

‏ 7 ـ مصادقة الغريب وسقوط الوجوه

‏‏يبلغ النص هنا منعطفه التأويلي؛ فبعد مقاومة الغريب الداخلي ومحاولة فهمه، يدعو إلى مصادقته. وهذه المصالحة لا تعني الاستسلام للاغتراب، بل إعادة النظر في طبيعته: «ربما ليس ذلك الذي فيكم دخيلا كما تظنون».

‏وتأتي العبارة المفصلية: «بعد أن سقطت عنكم كل الوجوه التي ارتديتموها طويلا» لتعيد تأويل ما سبق كله؛ فالوجوه تحيل إلى الصور والأدوار التي تراكمت فوق الذات حتى التبس المكتسب بالأصيل. وحين تسقط، يبدو الوجه المتبقي غريبا، لا لأنه زائف، بل لأنه ظل طويلا محجوبا.

‏وهكذا ينقلب معنى «الغريب»: من علامة على فقد الهوية إلى احتمال لاكتشافها. فالمصالحة معه تصبح مصالحة مع ذات لم تتح لها فرصة الظهور.

‏{وربما أقسى ما في اكتشاف الذات، أن يبدو وجهها الحقيقي غريبا في اللقاء الأول}.

‏ 8 ـ الغربة بوصفها طريقا إلى العودة

‏‏تغلق الكاتبة دائرتها الدلالية بقلب المفهوم الذي انطلق منه النص؛ فالغربة التي بدت في المطلع انفصالا عن الذات تصبح في الخاتمة «أول خطوة في طريق العودة إليها». وهنا تتحول التجربة من فقد إلى معرفة، ومن اغتراب مؤلم إلى إمكان لإعادة اكتشاف الأنا.

‏ولا تعني «العودة» استرجاع الذات القديمة؛ فالنص حسم سابقا عدم الرغبة في الرجوع إلى «ما كنا عليه». إنها عودة من نوع آخر: الوصول إلى الذات بعد سقوط ما تراكم عليها من وجوه وصور وأدوار. ولهذا تصبح الغربة مرحلة عبور بين هوية انقضت وأخرى تتشكل.

‏وبهذه المفارقة تستعيد النهاية سؤال البداية: كان «كل شيء في مكانه إلا أنتم»، ثم ينتهي النص إلى أن فقدان ذلك المكان القديم ربما كان ضروريا لاكتشاف مكان أكثر صدقا داخل الذات.

‏{فبعض الغربة ليست ابتعادا عن النفس؛ بل المسافة التي ينبغي أن نقطعها كي نصل إليها}.

‏‏9 ـ البنية الأسلوبية وحركة الخطاب

‏‏يتكئ النص على ضمير الجمع المخاطب، فيخرج التجربة من خصوصيتها الفردية إلى أفق إنساني مشترك؛ فلا تعود الغربة حكاية ذات بعينها، بل تجربة محتملة لكل قارئ. كما يؤدي الاستفهام منذ المطلع وظيفة تتجاوز السؤال إلى استدراج المتلقي داخل التجربة ليصبح طرفا فيها.

‏ويمنح تكرار الأفعال والجمل القصيرة المتتابعة: «نفقد... نودع... ندفن... نبتلع... نمضي» النص إيقاعا نفسيا يحاكي تراكم الخسارات، فيما تعمل الثنائيات: الحضور/الغياب، الخارج/الداخل، المألوف/الغريب، الوجه/الروح، على بناء توتره الدلالي.

‏أما الصور المركزية ـ القشرة، المصباح، البيت، الباب، المرآة، الوجوه ـ فلا تأتي للزينة البلاغية، بل تتنامى بوصفها شبكة رمزية واحدة تنقل اغتراب الذات من الإحساس المجرد إلى مشهد يمكن رؤيته وتأويله.

‏وهكذا تتآزر اللغة والبنية والصورة لخدمة جوهر النص:

‏{فالأسلوب لا يصف الغربة من خارجها؛ بل يجعل القارئ يعبرها من السؤال إلى المصالحة}.

‏ 10 ـ خلاصة القراءة‏

‏يبني نص «غربة» مساره على مفارقة مركزية: أن يفقد الإنسان ألفته بنفسه دون أن يفقد شيئا ظاهرا من حياته. ومن هذه المفارقة تتوالد تحولات النص: من غموض الفقد، إلى اغتراب الاسم، فتراكم الخسارات، ثم البيت والمرآة وسقوط الوجوه، وصولا إلى مصادقة الذات التي بدت في البدء غريبة.

‏ويمكن اختزال العمود الفقري للنص في مسار دلالي واحد:

‏الغربة > تصدع الهوية > سقوط الوجوه > مصادقة الغريب > استرداد الأنا.

‏ونفسيا، يرصد النص التآكل الهادئ الذي تحدثه التجارب المتراكمة في صورة الإنسان عن نفسه؛ ووجوديا، يطرح سؤال الهوية خارج ثبات الاسم والوجه؛ وظاهراتيا، يكشف تغير الذات من خلال تغير علاقتها بالمألوف؛ وتأويليا، يقلب دلالة الغربة من فقد للذات إلى إمكان لاكتشافها.

‏وبذلك لا تقترح الخاتمة عودة إلى «أنا» سابقة، وإنما ولادة علاقة جديدة مع الذات بعد انكشاف ما كان مستعارا فيها. وهنا تتوحد حركة النص كلها في مفارقته الأعمق:

‏لم تكن الغربة أن تبتعد الذات عن نفسها؛ بل أن تسقط عنها الوجوه التي حسبتها ذاتها، لتبدأ رحلة التعرف إلى الوجه الذي بقي.

‏شذرة أخيرة

‏أقسى المنافي

‏ليست تلك التي تبعدنا عن أوطاننا،

‏بل التي تتركنا داخل أنفسنا

‏ولا تدلنا علينا.

‏وحين تسقط الوجوه كلها،

‏لا تسأل المرآة: من هذا الغريب؟

‏كنت أنت الغريب طوال الوقت

‏وكان هو ينتظر عودتك.

‏***

‏ إبراهيم علي الإدريسي

...............

‏غربة

هَلْ حَدَثَ أَنْ اسْتَيْقَظْتُمْ ذَاتَ صَبَاحٍ، وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ، إِلَّا أَنْتُمْ؟

*

كَأَنَّ اللَّيْلَ، وَهُوَ يُغْلِقُ نَافِذَتَهُ خَلْفَكُمْ، أَخَذَ شَيْئًا مِنْكُمْ وَمَضَى.

*

شَيْئًا لَا تَعْرِفُونَ اسْمَهُ،

وَلَكِنَّكُمْ تَعْلمون غِيَابَهُ.

*

تَقُومُونَ مِنْ سَرِيرِكُمْ كَالْمُعْتَادِ،

تَغْسِلُونَ وُجُوهَكُمْ،

تُعِدُّونَ قَهْوَتَكُمْ،

تَفْتَحُونَ النَّافِذَةَ لِلصَّبَاحِ،

وَتُحَدِّقُونَ فِي الشَّارِعِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ...

*

لَكِنَّكُمْ، لِسَبَبٍ لَا يُفَسَّرُ،

تَشْعُرُونَ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ.

**

لَا حُزْنَ هُنَاكَ لِيُبْكِيكُمْ،

وَلَا قَلَقَ لِيَسْرِقَ مِنْكُمُ النَّوْمَ،

وَلَا حَيْرَةَ تَضَعُكُمْ أَمَامَ طَرِيقَيْنِ.

*

إِنَّهُ شَيْءٌ أَشَدُّ هُدُوءًا مِنَ الْحُزْنِ،

وَأَعْمَقُ مِنَ الْقَلَقِ،

وَأَكْثَرُ غُمُوضًا مِنَ الْحَيْرَةِ.

*

شَيْءٌ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ حَاضِرًا بِجَسَدِكَ،

غَائِبًا بِرُوحِكَ،

وَلَا تَمْلِكُ دَلِيلًا وَاحِدًا عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْكَ الْحضور...

*

تَمْشُونَ بَيْنَ النَّاسِ،

فَيُلْقُونَ عَلَيْكُمْ أَسْمَاءَهُمْ الْمُعْتَادَةَ:

*

«أَنْتَ...»

«أَنْتِ...»

*

وَتَبْتَسِمُونَ.

لَكِنَّكُمْ فِي الدَّاخِلِ تَسْأَلُونَ:

*

مَنْ؟

مَنْ هَذَا الَّذِي يُنَادُونَهُ بِاسْمِي؟

مَتَى صَارَ اسْمِي قشْرَةً، وَصَارَتْ رُوحِي شَيْئًا آخَرَ لَا يُنَادَى؟

*

رُبَّمَا لِأَنَّنَا نَتْعَبُ أَكْثَرَ مِمَّا نَقُولُ،

وَنَخْسَرُ أَكْثَرَ مِمَّا نُعْلِنُ،

وَنَكْبُرُ فِي أَمَاكِنَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا أَحَدٌ.

*

رُبَّمَا تَتْرُكُنَا الْأَيَّامُ، كُلَّ مَرَّةٍ، فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ أَنْفُسِنَا.

نَفْقِدُ شَيْئًا قَلِيلًا،

ثُمَّ نُكْمِلُ.

*

نُخَيَّبُ أكثر من مَرَّةً،

ثُمَّ نَتَظَاهَرُ أَنَّنَا بِخَيْرٍ.

*

نُوَدِّعُ وَجْهًا،

وَنَدْفِنُ كَلِمَةً،

وَنَبْتَلِعُ دَمْعَةً،

وَنُغْلِقُ بَابًا كَأَنَّنَا لَمْ نَكُنْ وَرَاءَهُ يَوْمًا.

*

ثُمَّ نَمْضِي.

نَمْضِي حَتَّى نَصِلَ إِلَى يَوْمٍ نَنْظُرُ فِيهِ إِلَى أَنْفُسِنَا، فَلَا نَجِدُ ذَلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي كَانَ يَضْحَكُ مِنْ قَلْبِهِ.

*

كَأَنَّ أَحَدًا أَطْفَأَ فِي الدَّاخِلِ مِصْبَاحًا،

وَتَرَكَ لَنَا الْغُرْفَةَ كُلَّهَا.

*

وَمَا أَقْسَى أَنْ تَكُونَ الْغُرْفَةُ هِيَ نَفْسُهَا،

وَالْأَثَاثُ هُوَ نَفْسُهُ،

وَالنَّافِذَةُ تَفْتَحُ عَلَى السَّمَاءِ نَفْسِهَا...

*

وَلَكِنَّ الْمَنْزِلَ لَمْ يَعُدْ يَشْبَهُكَ.

أَحْيَانًا،

لَا نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَهْرُبَ مِنَ الْعَالَمِ؛

نَحْنُ فَقَطْ نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَخْرُجَ قَلِيلًا مِنْ أَنْفُسِنَا، لِنَرَاهَا مِنْ بَعِيدٍ.

*

نَنْظُرُ إِلَيْهَا كَغَرِيبٍ يَقِفُ أَمَامَ بَابٍ مُغْلَقٍ،

وَيَقُولُ:

*

«أَعْرِفُ هَذَا الْبَيْتَ...

لَكِنِّي لَا أَذْكُرُ مَتَى كُنْتُ أَسْكُنُهُ».

*

وَلَعَلَّ أَغْرَبَ مَا فِي الْأَمْرِ

أَنَّنَا لَا نَرْغَبُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ.

*

فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ، حِينَ تَكْسِرُنَا،

لَا تُعِيدُنَا إِلَى أَنْفُسِنَا الْقَدِيمَةِ؛

بَلْ تَخْلَعُ مِنَّا شَيْئًا كُنَّا نَظُنُّهُ نَحْنُ،

ثُمَّ تَتْرُكُنَا أَمَامَ مَرْآةٍ جَدِيدَةٍ،

لَا نَعْرِفُ كَيْفَ نَقِفُ أَمَامَهَا.

*

لِذَلِكَ،

لَا تَسْأَلُوا ذَلِكَ الشُّعُورَ عَنْ اسْمِهِ.

بَعْضُ الْمَشَاعِرِ تَفْقِدُ حَقَّهَا فِي اللُّغَةِ،

لِأَنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَحْتَوِيَهَا كَلِمَةٌ.

*

دَعُوهَا تَمُرُّ.

دَعُوا ذَلِكَ الْغَرِيبَ الَّذِي يَسْكُنُكُمْ، يَجْلِسُ قَلِيلًا فِي عَتَمَةِ الرُّوحِ، ثُمَّ يَرْحَلُ.

وَإِنْ لَمْ يَرْحَلْ...

فَتَعَلَّمُوا أَنْ تُصَادِقُوهُ.

*

فَرُبَّمَا لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي فِيكُمْ دَخِيلًا كَمَا تَظُنُّونَ.

رُبَّمَا هُوَ أَنْتُمْ...

بَعْدَ أَنْ سَقَطَتْ عَنْكُمْ كُلُّ الْوُجُوهِ الَّتِي ارْتَدَيْتُمُوهَا طَوِيلًا.

وَرُبَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْغُرْبَةُ الصَّغِيرَةُ عَنْ أَنْفُسِنَا...

هِيَ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا.

***

مجيدة محمدي

 

للروائي الفلسطيني الأسير المُحرر كميل أبو حنيش

عندما تتجسد القضية الأم فلسطين في قلب امرأة تحمل وجعها وتصبرمحافظة على أبنائها وتبثُ فيهم روح الكفاح والأمل فإننا نكون امام رواية "تعويذة الجليلة" الصادرة عن دار الشامل للنشر والتوزيع عام 2023،" وفيها يأخذنا الروائي الفلسطيني والأسير المُحرركميل أبو حنيش لنتعرف على سيرة ومسار الشعب الفلسطيني من خلال يوميات عائلة الجدة /الأم "الجليلة".

لا تنحصر الأحداث في هذه الرواية على حقبة تاريخية معينة ؛ بل تتطرق إلى حقبات متعددة ومتعاقبة من التاريخ الفلسطيني، رواية تعزز في الأجيال ثقافة المقاومة - بكل أشكالها- كما تحافظ على الذاكرة الجمعية.

لا نغالي إذا قُلنا أنّ روايتنا هذه هي رواية المرأة الفلسطينية بامتياز فالشخصية المحورية فيها هي "الجليلة" - من الطفولة إلى الكهولة-، ومن خلال سيرتها يمكننا تصور معظم ما تعرض له الشعب الفلسطيني والتحولات التي عاشها منذ ما سُميَ بالنكبة وما تبعها من تهجيرقسري. ويبدو أن الكاتب أراد منها تسليط الضوء على دور المرأة الفلسطينية المجاهدة والصابرة والرؤيوية.

اعتمد الكاتب في روايته على حضور السارد العليم وتقنية الإسترجاع بحيث ينتقل بالقارىء من الحاضر إلى الماضي ليعيده مجدداً لمواكبة الحدث دون ان يشعره بالتشتت او الضياع . فقد بدأ روايته من لحظة عودة الغائب"عودة" الى منزل الأهل ثم إنتقل بنا إلى الماضي ليسرد يوميات تلك العائلة في ظل الإحتلال البريطاني لفلسطين وما رافقه من تعديات العصابات اليهودية على السكان.

بالعودة إلى الجليلة وكما أسلفنا فهي الشخصية المحورية في العائلة ومركز القرار فيها يخبرنا السارد ان هذه الطفلة تفتح وعيها في قريتها "الخيريّة" القريبة من يافا، على الحوش الكبير الذي يكتظ بحجرات كثيرة حيث تختلط فيها الجدّات بالعمّات والأمهات، والأباء بالأعمام بالأجداد، والإخوة والأخوات ببنات أعمامهن.(10).وتصور الرواية وداعة المجتمع الفلسطيني قبل النكبة بحيث نجد الأسرة بالرغم من كثرة أفرادها متماسكة متآلفة فمع كل صباح يتهيأ الرجال للمغادرة إلى أعمالهم في البيارات والحقول، والنساء والصبايا يتوزعنّ على اعمال منزلية متنوعة من حلب الأبقار والأغنام إلى أعمال التنظيف وغسل الملابس ونشرها أما الجدّات يقمن بتجهيز الطعام والخبز على الطابون او جرش الحبوب كالقمح والعدس(13).

تنتقل جليلة بعد زواجها من مصطفى للعيش في قرية سلمة التي ستضطر لاحقا لهجرتها قسرا والإستقرار في مخيم الفارعة في الضفة الغربية. ولو حاولنا دراسة شخصيتها ربما يمكننا استخراج العناوين التالية:3202 comal

الجليلة رمز البراءة والوفاء:

عندما شاهدت الطفلة جليلة سيارة للإنكليز وأخرى لليهود تمران امامها تسارع لسؤال جدّها عن الفارق بين الانجليز واليهود فيجيبها لا فرق كلهم محتلون جاؤوا ليسرقوا بلادنا، وببراءة الأطفال تسأل "لماذا نقبل نحن أن يقيم اليهود مستعمراتهم على ارضنا؟".(20).

وفي موضع آخر نجد سمة الوفاء بادية في تصرفاتها وقرارتها، فبعد أن أنقذها "أمين" من الحارس اليهودي لم تفارق صورته خيالها حتّى بعد استشهاده، ورفضت الزواج من شقيقه مصطفى لانها كما قالت لجدتها مريومة "انا لا أزال أحلم به منذ أن حملني بين ذراعيه قبل سنوات، لقد استوطن قلبي وصورته لا تفارقني (49)، لكن الجدّة مريومة تمكنت من إقناعها بقبول مصطفى بعد ان شرحت لها عدم التعارض بين الوفاء لذكرى أمين (المتوفى) والزواج من أخيه.

مظهر آخر من مظاهر الوفاء الذي يميزها عندما برَّت بوعدها لتلك العجوز من بلدة "يازور" التي أوصتها بحفيدها اليتيم "بشير" اجابتها "أعدك أن أعامله كما أعامل أولادي"(58). وبالفعل نشأ بشير كواحد من أفراد اسرتها دون أي تمييز.

الجليلة صاحبة النظرة الثاقبة والرأي ألمُطاع:

بعد ان لاحظت الجليلة أن زوجها مصطفى قد تمكن منه الشعور بالهزيمة والإنكسار تتوجه إليه قائلة: علينا ألا نظل منكسرين يتعين علينا النهوض من جديد، أريدك أن تتخلص من شعورك بالإنكسار والذل حتى يكون بوسعك النهوض.(68). ولكي تقرن القول بالفعل تقترح الجليلة على زوجها شراء قطعة أرض وبمساحة كبيرة لتبني عليها بيتهم الجديد في قرية الفارعة وتستثمر باقي المساحة لتنشىء بيارتها التي ستزرعها بالاشجار المثمرة وكافة أنواع الخضار إضافة إلى انشاء زرائب الأغنام والأبقار والدجاج معتبرة ان هذا هو شكل من أشكال الكفاح "فمن قال أن الكفاح يقتصر على حمل السلاح؟ ألا نكافح نحن أيضا؟ أليست هذه الأرض بقعة من أرض الوطن؟(118). ولأنها ذاقت مرارة التهجير الأول من قريتها "سلمة" فإنها تُصر على عدم الإستسلام مرة ثانية للتهجير فتقول: لن نرحل ثانية يكفينا رحيل واحد وحنين واحد.(134).

الجليلة المؤمنة بعدالة قضيتها وضرورة المقاومة:

تبرزالرواية إيمان الجليلة بواجب الدفاع عن الوطن ومقاومة الإحتلال لذا عندما ساور الشك أختها عديلة بأن ابنها ربحي وعودة قد يكونان من الفدائيين تجيبها الجليلة : "دعيهما يفعلان ما يطيب لهما، وإذا كانا يعملان مع الفدائيين فهذا أمر يبعث على الإعتزاز والفخر".(136). وفي موضع آخر نراها تتبرع بقطعتي ذهب ليتمكن حفيدها فادي من شراء مسدس لحمايته. ولم تكتف الجليلة بهذا بل كانت تستقبل العشرات من المفررين وتعد لهم الطعام على مائدتها تحت شجرة البلوط وتقول لهم "أخي وسلفي استشهدا في ثورة ال36، زوجي مصطفى قاتل عام 48،إبني عودة انضم للفدائيين، وانتم الآن ثوار هذه المرحلة اسمكم المفررون، لكل مرحلة ثوارها ومسمياتها".

كما ان الإعتقال لم يخيفها فبقيت صامدة امام المحقق لا بل أكثر من ذلك استطاعت ان تؤثر في حفيدها نزار الذي سبق وان اعترف عليها تحت التعذيب بأنها تعرف مكان البارودة فكان ردها هو التالي: "إلى متى ستظل تكذب يا ولد وإلى متى ستبقى تصدق كل ما يخيّل إليك أو تحلم به؟(173) وهذا ما تنبه إليه نزار فتراجع عن إعترافاته. فأفرج عنها لاحقا وحكم على نزار بعقوبة مخففة.

الجليلة صاحبة رؤية سياسية:

من خلال ظاهرة الشقاق والتنافر التي نشأت بين الأختين صفية ورقية وانعكاس ذلك على تردي العلاقة بين ازواجهن عمر وبشير-أولاد الجليلة- نجدها تتدخل بحزم لتصويب الأمر، وإذا اردنا التمعن في هذا يمكن لنا القول انها تشير إلى التشققات التي اصابت النسيج الفلسطيني سياسيا واجتماعيا وبالتالي فإن الجليلة هنا تدعو إلى وحدة الصف والتضامن وتقول "نحن عائلة صغيرة خرجنا من بلدنا بثيابنا وعانينا الأمرّين، رأس مالنا هو ترابط علاقة أبنائنا وتضامنهم ولا نحمل كعائلة أي شقاق (155).

وفي موضوع ظاهرة حمل السلاح تدلي الجليلة بمفهومها حول البندقية ودورها فتقول لحفيدها نزار "لقد رأيت المئات من الرجال ممن حملوا بنادقهم، منهم من كانوا رجالاً بحق ومنهم من كانوا زائفين"،وليس المهم ان تصبح مقاتلًا ولكن المهم ان تعرف كيف تقاتل،،ومن تقاتل ولماذا تقاتل"(173).

ولأن الجليلة ليست من الذين يبدلون جلودهم ويمحون ذاكرتهم فإن حلم العودة لم يفارقها أبدا، لذا نجدها توصي أبناءها وأحفادها بالوصية الاساس" لا تنسوا سلمة" تلك البلدة التي هجرت مع عائلتها منها.

كما يمكننا الإستدلال على الموقف السياسي للجليلة من خلال موقفها من رجوع إبنها "عودة" بعد غيابه الطويل وعودته الملتبسة وغير المقنعة للكثيرين فكان قرار الجليلة التبروء منه ومن أفعاله حفاظا منها على وحدة بيتها الداخلي، وإذا عرفنا ان آخر محطة قبل رجوعه كانت في تونس وعاد لإستلام وظيفة في وزارة التخطيط في رام الله، عندها يصبح تبرؤ الجليلة من إبنها وكأنه تبرؤ من المسار الذي سلكه عودة وأتى به وهذا المسار قد يكون في أغلب الظن مسار أوسلو.

إذا اردنا التوغل أيضا في محاور الرواية يمكننا أيضا تسجيل الآتي:

تداعيات الهزائم أمام العدو:

تورد الرواية في أكثر من موقف ما يمكن تسميته التخاذل العربي عن نصرة الفلسطيني في محنته يقول مصطفى زوج الجليلة : قاومناهم حتى الرصاصة الأخيرة وكنا نراهن أن نظل نشاغلهم حتى دخول القوات العربية لنجدتنا لكنهم لم يأتوا (61).

أما الجليلة فهي تروي لحفيدها أنها رأت الكثيرين ممن حملوا بنادقهم من العرب سنة النكبة لكنهم لم يحاربوا، ورأت الجنود عام النكسة وهم يلقون بنادقهم في الأودية ويفروا هاربين (173).

وتشير الرواية نتيجة للتراجع العربي أمام المحتل إلى ما يشبه الإحباط لدى مصطفى أدى إلى نوع من الفتور في العلاقة الزوجية مع الجليلة، هذه العلاقة لم يعيدها إلى سابق عهدها سوى الخطب الحماسية للزعيم عبد الناصرالتي تعد بالنصر والتحرير.

ومنذ النكبة أصبح المذياع رفيق مصطفى لمتابعة نشرات الأخبار لكنه بعد حرب تشرين وما نتج عنها من إتفاقية كامب دايفيد اعتزل المذياع وبدأ بالترحم على عبد الناصر قائلا :"عبد الناصر لم يَمُت بل هو خالد فينا بعكس خليفته، ثم يردد عبارته التي بقيت تلازمه حنى وفاته "عاش الإسم وماتت فكرة صاحبها"(166).

الشباب ودورهم في حمل الأمانة:

تبرز الرواية أيضا الدور الطليعي الذي إضطلع به الجيل الشاب (شبان وفتيات)، وإيمانهم بضرورة النضال لإسترجاع ما سُلب منهم، وأصبحت البارودة بمثابة الإرث الذي ورثوه ممن سبقهم وهذا ما اقدم عليه عودة عندما التقط البارودة التي كانت مركونة بجانب والده مصطفى وقال له "انا اولى منك بها الآن لقد جاء دوري"(134)  وقد ساهم عودة مع ابن خالته ربحي في العمل الفدائي ولاحقا كان لإبنه فادي الدور المهم في مقارعة الإحتلال والمشاركة في الإنتفاضة وتنظيف الساحة الداخلية من العملاء والمتعاملين وأصبحت مفردة الإنتفاضة جزءًا من الحياة اليومية في العمل والمدرسة والشارع ودور العبادة.

ولم تكن فعاليات الإنتفاضة تقتصر على الرجال فقط بل كان للمرأة دورها أيضا في المشاركة وهذا الدور جسدته روزا حفيدة الجليلة حيث انخرطت منذ يوم الإنتفاضة بفعالياتها ودأبت على تفعيل دور المرأة ودفعها للمشاركة بالانشطة الثقافية والاجتماعية والسياسية.

ولم تغفل الرواية الإشارة إلى الافخاخ التي ينصبها الإحتلال للإيقاع واستدراج الشباب للتعامل معه والإيقاع بالفتيات واجبارهن على التعامل مع المخابرات كما حصل مع رنا صديقة روزا والتي جرى تصويرها وهي عارية في حضن رجل بتدبير من شبكة عماد وسهام.

ألأسماء الواردة في الرواية ورمزيتها:

لا يمكن قراءة الرواية من دون أن تلفتنا أسماء معظم شخصياتها وما ترمز إليه وسنحاول الإشارة ولو لماما إلى بعضها:

1- التعويذة: من المتعارف عليه ان التعويذة او ما يعرف عنه بالحرز قد يتضمن بعض الأدعية او الآيات يلبسه الفرد لحمايته من الشرور، لكننا هنا أمام حرزٍ او تعويذة من نوع آخر أنه ما روته الجدة الجليلة من ذكريات وما انتهجته من أعمال وأفعال ليكونوا بمثابة الحصن الحصين للأجيال المتعاقبة من ذريتها.

2- الجليلة: فخامة الإسم تكفي للدلالة على أن هذه المرأة لديها من المكانة والمعرفة وحسن الدراية ما يؤهلها للقيادة وفرض إحترامها على الآخرين.

3- عودة: الإسم يدل على أن الفلسطيني لا تغيب عن ذهنه مفردة وحلم العودة.

4- عائد: أيضا وكما ان عودة يمثل الحلم فإن عائد يرمز إلى العودة الحتمية وإن طال البعاد.

5- فادي: وهوالفداء وبذل المهج في سبيل إسترجاع ما سُلب.

6- نصرة: تعببر عن الإنتصار ولو تأخر ألم يطرح شعار"إنها لثورة حتى النصر".

7- نداء: لا بد وان يبرز نداء الواجب لرفع الإحتلال والظلم عن كواهلنا.

السلسلة الفضية والصدفة البحرية:

صدفة بحرية إلتقطتها الحاجة عريفة في طفولتها عندما كانت تلهو على شاطىء يافا، وكانت إذا اشتاقت لسماع صوت بحر حيفا تقربها من أذنها، لا يمكن لنا ان نغفل رمزية  هذه السلسلة والصدفة المدلاة منها، تلك السلسلة كانت في عنق الجدة عريفة لتذكيرها دومًا بصوت البحر القادم من يافا وحتى لا تمحى هذه الذكرى أهدتها مع بداية الرواية لحفيدتها الجليلة التي بدورها وهي على فراش الموت تهديها لحفيدتها ابنة عائد التي سميت بالجليلة تيمنا باسم جدّتها تقول الجدة الجليلة : "تعال يا ميمة انتزع السلسة من عنقي" ووضعتها في عنق الطفلة للدلالة على ان المسيرة يجب ان تستمر كما ارادتها الجليلة .

ختاما مبارك للروائي كميل ابو حنيش هذا الإصدار الذي أرخ لحقبات زمنية متعددة من سيرة ومسيرة الشعب الفلسطيني على أمل ان تشكل هذه الرواية قيمة مضافة في المكتبة العربية والفلسطينية.

***

عفيف قاووق- لبنان

دراسةٌ في المخارج والصفات بين الدرس الصوتي القديم واللسانيات الحديثة

 الحرفُ ليس رسماً، بل كائنٌ صوتيّ

ليست الحروف في العربية أشكالاً جامدةً تُرسَم على الورق، ولا علاماتٍ صامتةً تؤدّي وظيفةً كتابيةً فحسب؛ إنّها، في حقيقتها العميقة، أحداثٌ صوتية تنشأ من حركة الهواء في جهاز النطق، ثم تتشكّل بحسب مواضع خروجها، وكيفيات جريان النفس والصوت فيها، فتكتسب شخصيتها الصوتية الخاصة.

وقد أدرك علماء العربية الأوائل هذه الحقيقة إدراكاً بالغ الدقة، فكان الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه وابن جني وغيرهم من علماء العربية روّاداً في تحليل الأصوات وتحقيق مخارجها وصفاتها. ولم يكن اهتمامهم بالحروف ترفاً علمياً، بل كان متصلاً اتصالاً وثيقاً بعلوم القرآن الكريم، والتجويد، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والبلاغة.

والبحث في الحروف العربية يقوم، في جوهره، على محورين كبيرين:

الأول: المخارج، أي المواضع التي تتولد منها الأصوات.

والثاني: الصفات، أي الكيفيات التي تصاحب خروج الصوت من مخرجه.

ومن هنا نشأت تقسيمات الحروف إلى: شديدة ورخوة، ومجهورة ومهموسة، ومستعلية ومستفلة، ومنطبقة ومنفتحة، وذلقية ومصمتة، وشفوية ولسانية وحلقية، إلى غير ذلك من التقسيمات التي تكشف عن ثراء النظام الصوتي العربي ودقته.

أولاً: الحروف الشديدة

الشِّدَّة في الاصطلاح الصوتي القديم تعني انحباس جريان الصوت عند النطق بالحرف بسبب انغلاق المخرج أو تضييقه تضييقاً شديداً.

وحروف الشدة جمعها علماء التجويد في العبارة المشهورة:

«أَجِدْ قَطٍ بَكَتْ»

وهي:

الهمزة، الجيم، الدال، القاف، الطاء، الباء، الكاف، التاء.

فعندما ننطق، مثلاً، بحرف الباء، ينغلق المخرج عند الشفتين، وينحبس الهواء، ثم ينفجر الصوت عند انفتاحهما.

وكذلك الدال والتاء والطاء، حيث يتوقف جريان الصوت لحظةً، ثم يُطلَق.

وفي علم الأصوات الحديث تُقارب هذه الحروف ما يُعرف بالأصوات الانفجارية أو الوقفية، مع اختلافٍ في التفاصيل بين النظام الصوتي العربي والمصطلحات اللسانية الحديثة.

وقد اهتم البصريون، وفي مقدمتهم سيبويه، بكيفية انحباس الصوت وجريانه، وعدّوا ذلك من الخصائص الجوهرية التي تميز الأصوات بعضها من بعض.

ثانياً: الحروف الرخوة

الرَّخاوة هي جريان الصوت عند النطق بالحرف لعدم انغلاق المخرج انغلاقاً تاماً.

وحروف الرخاوة هي الحروف التي يجري معها الصوت، مثل:

س، ش، ص، ض، ظ، ف، ث، ذ، ز، خ، غ، ح، ه، ع وغيرها بحسب التقسيم الصوتي التراثي.

فإذا قلت:

ســـــ، شـــــ، فـــــ

وجدت الصوت قابلاً للامتداد والجريان.

والفرق بين الشدة والرخاوة هو الفرق بين الصوت المحبوس والصوت الجاري.

ومن هنا يظهر أن علماء العربية القدماء لم يكونوا ينظرون إلى الحرف نظرةً شكلية، بل كانوا يراقبون الحركة الفيزيائية للصوت داخل جهاز النطق، وهو ما يجعل الدرس الصوتي العربي القديم قريباً، في كثير من منطلقاته، من مبادئ علم الصوت الحديث.

ثالثاً: الحروف المتوسطة أو البينية

بين الشدة والرخاوة منزلةٌ وسطى، ولذلك سُمّيت حروفها بينية أو متوسطة.

وجمعها القدماء في قولهم:

«لِنْ عُمَر»

وهي:

اللام، النون، العين، الميم، الراء.

فالصوت فيها لا ينحبس انحباساً كاملاً كما في الحروف الشديدة، ولا يجري جرياناً مطلقاً كما في الحروف الرخوة.

ولهذا فهي تمثل منطقةً وسطى بين الطرفين.

رابعاً: الحروف المهموسة

الهمس هو جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف اعتماد الصوت على المخرج وعدم اهتزاز الأوتار الصوتية على النحو الذي يتحقق في الجهر.

وجمع العلماء حروف الهمس في العبارة:

«فَحَثَّهُ شَخْصٌ سَكَتْ»

وهي:

ف، ح، ث، هـ، ش، خ، ص، س، ك، ت.

فعندما تقول:

س، ف، ش

تستطيع أن تشعر بجريان النفس.

وفي المصطلح الصوتي الحديث يرتبط الهمس غالباً بما يسمى عدم الجهر أو الأصوات المهموسة، حيث لا يحدث الاهتزاز الصوتي الذي يميز الأصوات المجهورة.

خامساً: الحروف المجهورة

الجهر هو انحباس النفس أو قلته مع اعتماد الصوت على اهتزاز الأوتار الصوتية.

وحروف الجهر هي ما بقي من الحروف بعد إخراج حروف الهمس.

ومنها:

ب، ج، د، ذ، ر، ز، ض، ظ، ع، غ، ل، م، ن، و، ي وغيرها.

وفي النطق الحديث يمكن التحقق من الجهر بوضع اليد على الحنجرة؛ فإن شعر المتكلم باهتزاز واضح عند نطق الصوت، كان الصوت مجهراً.

وهنا تتجلى دقة الملاحظة عند علماء العربية؛ فقد فرّقوا بين جريان النفس وجريان الصوت، وهما أمران مختلفان في التحليل الصوتي.

سادساً: الجهر والهمس بين التراث واللسانيات الحديثة

يُعَدُّ الجهر والهمس من أهم الصفات الصوتية في العربية.

وقد نظر القدماء إلى المسألة من زاوية:

جريان النفس.

قوة الاعتماد على المخرج.

طبيعة الصوت الخارج.

أما علم الأصوات الحديث فيركّز بصورة أساسية على اهتزاز الوترين الصوتيين.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن المصطلحات القديمة والحديثة ليست متطابقة دائماً تطابقاً كاملاً، وإن كانت تلتقي في كثير من النتائج.

وقد كان ابن جني من أكثر علماء العربية وعياً بالطبيعة الصوتية للغة، إذ نظر إلى اللغة بوصفها نظاماً من الأصوات التي تعبّر عن المعاني، ودرس خصائص الحروف وعلاقاتها ومخارجها دراسةً تكشف عن حسٍّ لساني متقدم.

سابعاً: الحروف المستعلية

الاستعلاء هو ارتفاع جزء من اللسان عند النطق بالحرف نحو الحنك الأعلى.

وحروف الاستعلاء سبعة، جمعها العلماء في:

«خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ»

وهي:

خ، ص، ض، غ، ط، ق، ظ.

وتتميز هذه الحروف بقوة صوتية وتفخيم نسبي، لأن اللسان يرتفع في أثناء النطق بها.

ويُعد الاستعلاء من الصفات التي تمنح العربية جانباً من خصوصيتها الإيقاعية والصوتية.

ثامناً: الحروف المستفلة

الاستفال هو انخفاض اللسان عن الحنك الأعلى عند النطق بالحرف.

وحروفه هي جميع الحروف ما عدا حروف الاستعلاء.

ومنها:

ب، ت، ث، ج، ح، د، ذ، ر، ز، س، ش، ع، ف، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي.

والاستفال في الأصل يقابل الاستعلاء، غير أن بعض الحروف قد تدخل في أحكام صوتية خاصة بحسب السياق.

تاسعاً: الحروف المطبقة

الإطباق من أقوى الصفات الصوتية في العربية، وهو انطباق جزء كبير من اللسان على الحنك الأعلى أو اقترابه منه اقتراباً شديداً.

وحروف الإطباق أربعة:

ص، ض، ط، ظ

وهذه الحروف تتميز بالتفخيم والقوة والامتلاء الصوتي.

فالفرق بين:

س -  ص

ليس فرقاً في الشكل فحسب، بل هو فرق في البناء الصوتي كله.

وكذلك:

ت -  ط

و:

د -  ض

و:

ذ -  ظ

إنّ الإطباق يمنح الصوت العربي بعداً صوتياً عميقاً، ويجعله أكثر امتلاءً ورنيناً.

عاشراً: الحروف المنفتحة

الانفتاح هو مقابل الإطباق، ويعني تجافي اللسان عن الحنك الأعلى بحيث لا يحدث الانطباق الصوتي الموجود في الصاد والضاد والطاء والظاء.

وحروف الانفتاح هي جميع الحروف ما عدا:

ص، ض، ط، ظ.

الحادي عشر: الحروف المقلقلة

ولعل المقصود بعبارة «أحرف القليلة» الواردة في السؤال هو أحرف القلقلة.

والقلقلة صفة صوتية تعني اضطراب المخرج عند النطق بالحرف الساكن حتى يُسمع له نبرة أو صوت زائد خفيف.

وحروفها مجموعة في:

«قُطْبُ جَدّ»

وهي:

ق، ط، ب، ج، د.

وتظهر القلقلة بوضوح في السكون، مثل:

أَحَدْ

الفَلَقْ

يَجْعَلْ

والقلقلة ليست حركةً كاملة، فلا يجوز أن تتحول الباء الساكنة إلى:

بَ أو بِ أو بُ،

بل هي نبرة صوتية ناشئة عن طبيعة الحرف الساكن.

الثاني عشر: الحروف الذلقية أو «المنزلقة»

أما ما يُشار إليه أحياناً بـالأحرف المنزلقة، فالأدق في المصطلح التراثي العربي هو الحروف الذَّلْقِيَّة.

والذلاقة تعني سرعة خروج الحرف وسهولة النطق به، وتُنسب إلى طرف اللسان والشفتين.

وحروف الذلاقة هي:

فَرَّ مِنْ لُبٍّ

أي:

ف، ر، م، ن، ل، ب.

وقد جعل علماء الصرف هذه الصفة ذات أهمية خاصة في دراسة بنية الكلمة العربية.

الثالث عشر: الحروف المصمتة

ويقابل الحروف الذلقية الحروف المصمتة.

وهي جميع الحروف التي ليست من:

فَرَّ مِنْ لُبٍّ.

وقد استثمر علماء الصرف هذا التقسيم في دراسة الأبنية العربية.

ومن القواعد الصرفية المشهورة أن الكلمة الرباعية أو الخماسية العربية الأصيلة لا تخلو غالباً من حرف ذلقي، ولذلك استعمل العلماء هذا المعيار للتمييز بين بعض الألفاظ العربية الأصيلة والدخيلة.

وهنا تتجلى عبقرية الدرس العربي القديم؛ إذ لم يفصل علم الأصوات عن علم الصرف، بل جعل الخصائص الصوتية جزءاً من فهم بنية الكلمة.

الرابع عشر: الحروف المنحرفة

الحروف المنحرفة هي التي ينحرف الصوت عند خروجها عن موضعه الأصلي إلى موضع آخر.

وأشهر حروفها:

اللام والراء.

فاللام ينحرف الصوت فيها إلى جانبي اللسان، والراء لها خصوصية صوتية متعلقة بالتكرير والانحراف.

وهذا التحليل يكشف عن ملاحظة دقيقة لمسار الهواء والصوت داخل الفم.

الخامس عشر: الحروف المستطيلة

ومن الخصائص الفريدة في العربية الاستطالة.

وحرفها المشهور:

الضاد.

وتعني الاستطالة امتداد الصوت على جانب اللسان.

وقد كان القدماء يولون الضاد عناية خاصة لما لها من خصوصية في النظام الصوتي العربي، حتى اشتهرت العربية بأنها:

لغة الضاد

غير أن وصف الضاد القديمة وتحديد مخرجها الدقيق ظل موضوعاً للنقاش بين علماء اللغة والقراءات واللسانيات الحديثة.

السادس عشر: حروف المد

حروف المد ثلاثة:

الألف، والواو، والياء.

ولكنها لا تكون حروف مد إلا بشروط:

الألف ساكنة قبلها فتح.

الواو ساكنة قبلها ضم.

الياء ساكنة قبلها كسر.

مثل:

قَالَ

يَقُولُ

قِيلَ

وحروف المد تمتاز بأن الصوت يمتد فيها بسهولة، ولذلك سميت أصواتاً مدية.

وفي علم الصوت الحديث تقارب ما يسمى الصوائت الطويلة.

وهي عنصر أساسي في الموسيقى الداخلية للغة العربية، وفي الإيقاع الشعري والقرآني.

السابع عشر: الحروف الحلقية

تخرج الحروف الحلقية من الحلق، وقد قسمها علماء العربية إلى ثلاثة مواضع:

أقصى الحلق

الهمزة، والهاء.

وسط الحلق

العين، والحاء.

أدنى الحلق

الغين، والخاء.

وهي:

ء، هـ، ع، ح، غ، خ.

ويمثل هذا التقسيم واحداً من أدق التصورات الصوتية في التراث العربي.

الثامن عشر: الحروف اللسانية

اللسان هو أكثر أعضاء النطق حركةً وتنوعاً في العربية، ولذلك تخرج منه مجموعة كبيرة من الحروف.

ومن الحروف اللسانية:

ق، ك، ج، ش، ي، ض، ل، ن، ر، ط، د، ت، ص، ز، س، ظ، ذ، ث.

وتتوزع هذه الحروف على مناطق متعددة من اللسان:

أقصى اللسان.

وسط اللسان.

حافة اللسان.

طرف اللسان.

ولهذا كان اللسان في التصور الصوتي العربي أشبه بآلة دقيقة تتغير وظائفها بحسب موضع الحرف.

التاسع عشر: الحروف الشفوية

تخرج الحروف الشفوية من الشفتين أو بمشاركتهما.

وأشهرها:

ب، م، و.

أما الفاء فتخرج من بطن الشفة السفلى مع أطراف الثنايا العليا.

ومن هنا يميز علماء الأصوات بين:

الحروف الشفوية الخالصة.

الحروف الشفوية السِّنية.

وهذا التقسيم يتقاطع مع التصنيف اللساني الحديث للأصوات.

العشرون: الحروف المقطعة بين اللغة والبيان

الحروف المقطعة هي الحروف التي جاءت في أوائل بعض سور القرآن الكريم، مثل:

الم

الر

كهيعص

طه

يس

حم

ق

ن

وقد شغلت هذه الحروف المفسرين واللغويين والبلاغيين عبر القرون.

وتعددت الأقوال في تفسيرها، ومن أشهر المواقف العلمية أن علم حقيقتها الكاملة عند الله، مع وجود اجتهادات بلاغية ولغوية متعددة حول وظائفها ودلالاتها.

ومن الوجهة البيانية، تمثل هذه الحروف ظاهرة فريدة؛ لأنها تحول الحرف المفرد إلى موضوع دلالي قائم بذاته.

فاللغة عادةً تجعل الحروف أدوات لبناء الكلمات، أما هنا فإن الحرف نفسه يتقدم إلى واجهة الخطاب.

وهنا تكمن قيمة الحروف المقطعة في الدرس البلاغي: إنها تستدعي الانتباه إلى مادة اللغة الأولى، أي إلى الأصوات والحروف التي يتكون منها الكلام.

البصريون والكوفيون في دراسة الأصوات والحروف

لا ينبغي أن نتصور أن الخلاف بين البصريين والكوفيين كان خلافاً صوتياً مستقلاً بالمعنى الحديث، بل كان جانب كبير من اختلافهم يظهر في:

تفسير الظواهر اللغوية.

القياس والسماع.

الاشتقاق.

بنية الكلمة.

الإعلال والإبدال.

أحكام الحروف في التركيب.

مدرسة البصرة

اتجه البصريون إلى بناء القواعد على القياس والانضباط المنهجي، وكانوا أكثر ميلاً إلى استنباط القوانين العامة.

ويمثل سيبويه قمة هذا الاتجاه، وقد قدّم في كتابه وصفاً بالغ الأهمية لمخارج الحروف وصفاتها.

مدرسة الكوفة

أما الكوفيون فكانوا أكثر اتساعاً في قبول الرواية والسماع وتعدد الاستعمالات، وأظهروا مرونة أكبر في التعامل مع الظواهر اللغوية المسموعة.

ويمثل هذا الاتجاه علماء مثل:

الكسائي والفراء.

ومع أن الخلاف بين المدرستين مشهور في النحو، فإن دراسة الحروف والأصوات ظلت مجالاً تتفاعل فيه المعرفة النحوية والصرفية والقرائية.

ابن جني وعلم فقه اللغة

يحتل ابن جني مكانة استثنائية في تاريخ الدرس اللغوي العربي.

فقد تجاوز النظر إلى الحروف بوصفها وحداتٍ منعزلة، وربط بين:

الصوت والمعنى.

وكان يرى أن للأصوات خصائص قد توحي بطبيعة المعاني، وهو ما يظهر في حديثه عن إمساس الألفاظ أشباه المعاني.

فالحروف عنده ليست أجساداً صوتية خاوية، بل يمكن أن يكون في ترتيبها وصفاتها ما ينسجم مع طبيعة الدلالة.

وهذا المنظور يجعل ابن جني واحداً من أكثر علماء العربية اقتراباً من التفكير اللساني الحديث، مع ضرورة عدم إسقاط مفاهيم اللسانيات المعاصرة عليه إسقاطاً مباشراً.

خاتمة: الحرفُ ذاكرةُ اللغة وصوتُ المعنى

إن دراسة الحروف العربية تكشف لنا أن اللغة العربية لم تكن، في نظر علمائها الكبار، مجرد معجمٍ من الكلمات، بل كانت نظاماً صوتياً بالغ التعقيد والدقة.

فالحرف:

قد يكون شديداً أو رخواً.

مجهـوراً أو مهموساً.

مستعلياً أو مستفلاً.

مطبقاً أو منفتحاً.

ذلقياً أو مصمتاً.

منحرفاً أو مستطيلاً.

حلقياً أو لسانياً أو شفوياً.

مديّاً ممتداً في الزمن.

أو مقطعاً يتجاوز وظيفته الصوتية إلى أفق البيان والرمز.

وهكذا يتبين أن الحرف العربي ليس أصغر عناصر اللغة قيمةً، بل هو بذرتها الأولى؛ فمن اهتزاز الهواء في الحنجرة إلى حركة اللسان والشفتين، ومن المخرج إلى الصفة، ومن الصوت إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى المعنى، تبدأ الرحلة كلها بحرف.

فالحروف ليست صامتةً كما نظن؛ إنها تتكلم قبل الكلمات، وتكشف في صمتها عن هندسة اللغة، وفي مخارجها عن تاريخ الإنسان وهو يحوّل النفس إلى صوت، والصوت إلى معنى، والمعنى إلى عالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

شكلت الكتابة عن المدينة رافدا أساسيا في الأدبين العربي والعالمي. فقد تحولت تيمة المدن من كونها فضاءات جغرافية جامدة إلى كائنات حية تنبض بالروح وتستنهض الذاكرة.

أدب المدينة، هو الأدب الذي يصف المدن، القديمة منها أو الحديثة، المهجورة أو العامرة ويغوص في أعماقها لكشف أسرارها، بحثا عن كنوزها. ويوظّفها كمنصّة جغرافيّة ذات أبعاد تاريخيّة أو رمزيّة، لتتحوّل المدينة في المعمار السردي أو الشعري إلى لوحة فنيّة مدجّجة بالرموز والإيحاءات والاستعارات. لقد كتب أدباء كبار عن المدينة، فاكتسبت رواياتهم وقصائدهم قيمّا فنيّة، ومنحت تلك المدن خلودا في عالم الرواية والشعر - منهم على سبيل المثال لا الحصر – صاحب جائزة نوبل في الرواية العربيّة، الروائي نجيب محفوظ في كتاباته حول القاهرة في ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكّريّة) وو إبراهيم عبد المجيد في ثلاثية الإسكندرية الشهيرة (الإسكندرية في غيمة، كعرّفة التقاء الأرواح) التي تستحضر روح الإسكندرية وتاريخها الإنساني. كما كتبت أحلام مستغانمي عن قسنطينة (سيرتا). وأوهان باموك الذي جعل اسطنبول فضاء لأعماله النابضة بالتاريخ والجنين والصراع بين الشرق والغرب. وعبد الرحمان منيف في خماسيّته التي وثق فيها تحولات كبرى للمدن الصحراوية والمدن النفطيّة (مدن الملح – مدن الرمال) وإيتالو كالفينو في روايته (المدن المخفية) وتشارلز ديكنز في روايته " قصة مدينتين " وغيرهم من الأدباء الذين سحرتهم مدن قديمة، لم يبق من عمرانها سوى مجموعة من الرسوم والأطلال كمعالم تحفظ هويّتها وذاكرتها، فأعادوا بثّ الروح فيها لتصبح رمزا لتحوّلات المجتمع البشري بتعاقب الليل والنهار، وتغيّر الأجيال وتنوّعها واختلافها.

و رواية " ماتريوشكا " = أرواح من قطن = للأديبة الروائيّة عائشة بنور، والصادرة عن دار خيال للنشر والترجمة سنة 2025. جديرة بأن نضيفها إلى لائحة الروايات التي اتّخذت من جغرافيّة المدينة فضاء إبداعيّا حيّا ونابضا وحالما وموشوما بالحنين والذاكرة.

تصدّرها الروائيّة عائشة بنّور بعتبة إهداء جاء فيها: (إلى أولئك الذين فقدوا الحب، وعانقوا أمكنة النسيان...إلى من ماتوا حبّا، وضاعت أرواحهم بين الأمكنة ودهاليز الذاكرة).

و أيضا بعتبة ثانيّة للأديب العالمي " فرانز كافكا "، جاء فيها:

" الأشياء التي تحبها قد تفقدها يوما ما، ولكن في النهاية سيعود الحب بطريقة أخرى، أنا على يقين أنّ الحب الذي أهديناه بقلب مخلص لن يضيع أبدا، سيعود حتما يوما ما. "

كما هو معتاد في الحقل النقدي، يعتبر العنوان الأدبي عتبة النص الأولى ومفتاح معناه، لا شكّ في ذلك، ولا بدّ منه، بل هو روح العمل الموسوم بالإيجاز والجمال. وتختلف العناوين في النص الأدبي في تجسيد مضمون النص السردي أو الشعري من خلال التفاعلات النفسيّة والذهنيّة والوجدانيّة والدلاليّة من خلال إيحائه العميق وإيجازه وجماليته اللغوية وارتباطه العضوي بالنص والابتكار والتجديد والجاذبية. وهو ولون الغلاف وشكله ما يجذب القاريء ويوحي له بالمضمون.

اختارت الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور لروايتها عنوانا رمزيّا كعتبة تأويلية، وهو عنوان سيميائيّ، ذو دلالات ومعاني ومشاعر عميقة، للتعبير عن مواقف أوسع، جاوز معناه الحرفي، ليكتسب عمقا فلسفيّا، بغرض تكثيف المعنى في المتن السردي وإثارة الفضول لدى القاريء من بوابة التلميح والإيحاء.

و " ماتريوشكا " كلمة اصطلاحيّة، مشتقة من كلمة " ماتريونا " المعبّرة عن الأم الصغيرة، الريفيّة، التقليديّة، وترمز إلى الترابط العائلي والتجدّد والخصوبة والأمومة والاستمراريّة. أما رمزيّة القطن في التوظيف الأدبي المجازي فهي عميقة ومتعدّدة الأبعاد والإيحاءات، منها ما يمثّل النقاء والصفاء والبراءة وسلامة القلوب من العلل أو الخير والنماء والخصب المرتبط عضويا بالأرض والوطن أو العمل والكفاح والمعاناة والطبقيّة من خلال قسوة الاستغلال وسلطة الإقطاع ومعاناة الفلاح في رحلة الحرث والحصاد، تحت لسعات البرد وحرارة الشمس.3201 banoor

بين فقدان الحب، وعودة الحب أو موته، حلّقت بنا الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور، في فضاء جغرافي / زمني على بساط من الخيال. في تفاصيل مدن تاريخيّة عريقة ومنمنمات وأوشامها، في أعماقها المعبّأة بالكنوز، في صناديقها المغلقة، التي لا يقدر على فتح أقفالها سوى الذي يملك أسرارها ويفّك شفرات رموزها، وكلمات المرور إلى أعماقها. كغواص باحث عن اللؤلؤ والمرجان في أعماق بحر مظلم. وبين الماضي والحاضر احتدم الصراع في أعماق البطلة كلثوم، وتنازعتها الذكريات والحيرة وابتُليت بالشكّ والقلق " لقد حاصرتني الذكريات، ولا أعرف إلى أيّ مدى يمكن للذاكرة أن تمتدّ في حياتنا، وفي أشيائنا، وذكرياتنا التي طواها النسيان " ص 21. تتأرجح عاطفتها، فهي لا تحبّ المدن الباردة والحارة مدن الضباب وبالمقابل فهي مفتونة بعبق المدن القديمة وتتساءل مشدوهة، " لماذا يفتنني عبق المدن القديمة وتاريخها الحضاري واكتشاف أسرارها في دروبها الضيّقة، وحاراتها وشوارعها وباحاتها، في أحواضها الرخاميّة، ونوافيرها التي ينساب الماء من تماثيلها المرصوصة على حوافها.. كبهو السباع في قصر الحمراء بغرناطة " ص 11. إنّها لا تكتفي بالتعبير عن حبذها وإعجابها وافتتانها بالمدن الغابرة ة، بل تسعى بكلّ أدوات عشقها وشغفها إلى الغوص في أعماق ذاكرتها طلبا للكشف والمعرفة. وهنا تتجلّى الروحانيّة الصوفيّة، حين تتحوّل البطلة كلثوم من امرأة باحثة ان الآثار، منقّبة الذاكرة إلى امرأة صوفيّة، لكنّها ليست صوفية دينيّة، بل صوفيّة تاريخيّة، تحاول من خلالها تفكيك أسرار " الأمكنة المفتوحة على الجمال والسحر " ص 11

كلّ إنسان يحمل في دخيلته صندوق أسرره " كل شخصية تحمل صندوقها في داخلها " ص 20. فالمدن في مرأى البطلة كلثوم الواقعة تحت سطوة القلق والحنين، صناديق معدنيّة مغلقة، تشبه صندوق " باندورا "

في دهاليز الذاكرة (الماضي) والحاضر، وتحلّق بين الأمكنة التي مازالت تحتفظ بذاكرتها العريقة. تنتقل بطلة الرواية (كلثوم)، المرأة المفعمة بالعشق الصوفي، الباحثة والمنقّبة بمصباح عقلها ونور قلبها عن الآثار المنسيّة، عن تلك المدن التي كانت عامرة بنبض الحياة والحب، الحالمة التي " ترنّح في مرابعها الشعراء، وهامت في صحاري القوافي، واشتعلت نيران الحب الخافتة في بواديها، مدن تاه في رمالها وبين وديانها وواحاتها الحيارى، وانتحر على مراعيها وعلى أبواب خيامها وهوادجها العشّاق، مدن عُلقت على مدافئها الحكايات الخالدة لضحايا الحب الموجع من طيّ النسيان، وصرعى عند القبور تبلّل دموع الفراق الشواهد، وعشاق أكمد الحزن قلوبهم.." ص 12 / 13.

بين من قسنطينة " سيرتا "، سيّدة الجسور المعلّقة إلى تيبازة أيقونة الآثار الرومانيّة، وصولا إلى مدينة تنس (كارتينا) الفينيقيّة، الرومانيّة، الأندلسيّة، مدينة الصالحين وابنة البحر وعشيقته الأبديّة، بقصبتها الأندلسيّة ومسجدها سيدي معيزة ومغارات سيدي مروان البحري وتلمسان، وجارتها المرسى الجميلة، إلى تلمسان العريقة، عاصمة الزيّانيين ومدينة العلم والصوفيين وسيدي بومدين الغوثي، إلى هنين عاصمة يوسف بن تاشفين. باحثة عن اليقين، دون كلل أو ملل. يزجي خطواتها إصرارها على بلوغ التفاصيل المنسية.

(المدن صناديق مغلقة، وكم من مدينة نسكنها ونجهل تاريخها، نمرّ عليها مرور العابرين حتى دون مصافحة) ص 121.

(قسنطينة، المدينة التي انتحرت الأحلام على حبالها، وصارعت الزمن والصخر العتيق بسحرها) ص 50

(تلمسان جوهرة الغرب مأوى الأندلسيين المضطهدين الفارين من مدينتي غرناطة وقرطبة وغيرهما)ص 146. هي مدينة الأحلام الورديّة والأحزان. مدينة القائد أحمد باي، التي قدّمت ألاف الشهداء على أسوارها وجسورها المعلّقة. ومازال وادي الرمال وجسر سيدي مسيد، يشهدان على الزمن الأسود الذي تدثّرت وتلحّفت له نساء قسنطينة الملاءة السوداء ألما وحزنا. ومازال العشّاق يمارسون الجنون ولعبة السقوط والانتحار من فوق الجسر المعلّق.

" في تلمسان، المدينة الحبلى بعبق التاريخ " ص 147.

سيميائيّة المدن ورمزيتها في معمار رواية " ماتريوشكا " للروائيّة عائشة بنّور، نجدهما مجسّدين في معالم شخصيّة البطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم، وفي علاقتها بالمدن الأثريّة العريقة. فقيمة الرمز الموظّف في سيّاق تسلسل الأحداث واسترجاعها ودلالته الزمنيّة ومكانته وغايته في سيرورة الأحداث وتطوّرها، كلّها عناصر مُؤَسِّسة له، إمّا أن تمنح الرمز مشروعيّته الوظيفيّة أو تلغيها.

إنّ مفهوم المدينة عند الروائيّة عائشة بنّور، ليست أمكنة جغرافية جامدة، ليست بيوتا وجدرانا وأسقفا وحارات وأزقة وشوارع وساحات، بل لها أبعاد فلسفيّة وتاريخيّة وميتافيزيقيّة وروحية؛ مدينة ما تزال تسكنها أرواح من ولدوا فيه وترعرعوا وعاشوا ومنها رجعت إلى ربّها، يضاف إليها أرواح الذين مرّوا بها ضيوفا كراما.

إنّ المدن العريقة كقسنطينة (سيرتا) وتيبازة وتنس (كارتينا) وتلمسان ومليانة وتيمقاد وشرشال ومازونة وندروما وهنين وغيرها، هي مدن خالدة، مازالت حيّة تُرزق بفضل تاريخها الموشوم بالكنوز، وذاكرتها القويّة، الضاربة بجذورها في الأعماق.

إنّها مدن ذات أرواح (قطنيّة) نقيّة، بريئة، نامية، مكافحة ضدّ الاستغلال والإقطاع والعمل الشاق والمعاناة. إنّ البطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " قد أثثت بينها وبين مدنها العتيقة، علاقة صداقة عميقة، علاقة حبّ صوفيّ صاف وخال من شوائب المتعة الزائلة كعلاقة الحبيب بحبيبته أو علاقة الحبيبة بحبيبها، علاقة حبّ عذريّ، كحبّ المجنون، قيس بن الملوّح لليلى العامريّة أو كحبّ الشاعر الوزير الأندلسي القرطبي ابن زيدون للأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي القرطبيّة وغيرهما من قتلى الحبّ العذري. إنّ مثل هذه العلاقة بين البطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " تمنحها تأشيرة الولوج إلى بواطن الأسرار ومفاتيح أقفال الصناديق المغلقة والكنوز المنسيّة أو المخبأة في الخزائن والدهاليز أو المهملة في رفوف النسيان.

تبوح بطلة الرواية (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " بعلاقاتها بالمدن المتيّمة بحبّها، المتخمة بغيرتها عليها من صروف الدهر وتعاقب النوائب. تلك المدن التي مرّت بها عاشقة لها، باحثة عن سحرها، متأمّلة كنوزها، منقّبة عن أسرارها العجيبة، لم تمرّ بها مرور الكرام أو اللئام، سائحة تبتغي فيها متعة عاجلة أو نزهة عابرة، وكأنّي بها تردّد قول ولادة بنت المستكفي أو حفصة الركونية:

أغار عليك من عيني ومنّي ** ومنك ومن زمانك والمكان

ولو أنّي خبأتك في عيوني ** إلى يوم القيامــة ما كفــاني

كلثوم، امرأة مثقفة، واعيّة، وفيّة، متطلّعة للمستقبل عاشقة للأمكنة التاريخيّة والحضاريّة، العتيقة، وللألوان الساحرة. امرأة لا تعترف بالمستحيل أو اليأس أحبّت تلك المدن وعشقت ناسها الأحياء منهم والأموات بكل جوارحها، وبصدق عذريّ وجنونيّ. فهي تحبّ المدن القديمة، المدن الغابرة، المدن الهشّة، المدن الحالمة، المدن المتربة، المدن المعتّقة، بروائح الذكرى، مدن البحر رغم مآسيها، المدن المغطاة بالأشجار أو المعلّقة خلف السحاب، وبالمقابل لا تحبّ المدن الباردة والحارة ومدن الضباب والمدن الحديثة.

خصّصت لمدينة تنس حيّزا كبيرا من عشقها

و حين تتحدّث عن مدينة تنس (كارتينا)، المدينة العريقة، لؤلؤة البحر الأبيض، التي احتضنت علماء أجّلاء كأبي عبد الله بن عبد الجليل التنسي، ومعالم خالدة كمسجد سيدي معيزة، وقصر المنفي محمد المنصف، باي تونس، وآثار من مختلف الحقب التاريخيّة، وفتحت ذراعيها للموريسكيين الفارين من الجحيم القشتالي. مدينة جمعت بين حضارات مختلفة، كرمز للتعارف والتعايش السلميين. (الأمازيغ والفينيقيّين والرومان والعرب الفاتحين المسلمين والأندلسيّين والأتراك واليهود والفرنسيّين) تتحّدث عنها بعشق وشوق. ولم يثبت عبر هذه الحقب المتعاقبة نشوب حرب أهليّة في المدينة. إنّ تنس، مدينة الصالحين - كما وسمتها الروائيّة عائشة بنّور- وهي بالنسبة للبطلة (الشخصيّة الرئيسة) " كلثوم " هي عروتها الوثقى، واسطة عقدها.

والمتأمّل للمقاطع التالية يدرك ذلك، تعبّر البطلة كلثوم (الشخصية الرئيسة) عن ذلك بقولها:

" لا أعرف لماذا كنت أحب المدن والبحث في دهاليزها عن حياة من سبقونا عن الذين مشوا بتثاقل في الحارات القديمة، أو أولئك الذين خففوا الوطء ومضوا في صمت، عن من تكالبت عليهم هموم الدنيا، أو تكالبوا عليها في ريع الشباب، عن من تحطّمت وتطاحنت أحلامهم على أديم الأرض " ص 16.

" أجهل لماذا كنت أحب ناس المدن المتربة؟ " ص 13

" المدن المعتقة بروائح الذكرى، والحنين للأماكن، وإلى إغراءاتها وعوالم فتنتها النائمة تحت الأتربة " ص 14

" المدن التي تكبر في داخلي، وتتربّع على عرش ذكرياتي، الماضية والحاضرة " ص 15.

" لا أعرف لماذا كنت أحب المدن التي تصدّعت جدرانها، وطلعت رؤوس النباتات من شقوقها مورقة... مدن تفتح أزرار قمصانها للتعايش على الألفة والمودة " ص 15

تحاول بطلة الرواية " كلثوم " أن تنقذ مدنها الجميلة، المحبوبة حتى النخاع من الفوضى وتحررّها من الغرق في النسيان وتعرّي ما خفي منها من كنوز. فالأمكنة ليست حجارة وجدران لا تتغيّر كما أخبرتها من تسكنها بدهشة، بل " الأمكنة أرواح يا كلثوم " كما أدركت البطلة " كلثوم ".

و عندما تسأل بأسى من تسكنها بدهشة: " من أخبرك أنّ الأشياء من حولنا لا تتحرّك، ولا تتكلّم، ولا تتعرّى، ولا تبتسم جروحها؟ أجابت من تسكنها بدهشة: " إنّها ترتعش، في صمت كضياء شمعة في مهب الريح. ترتعد في كلّ الأماكن المغلقة، وفي كلّ غرفة مظلمة، فتيلها يضيء عتمة الليل في دهليز الدار. نسمع هسيس الأشياء، ونشعر بكلامها الخفي الذي لا يُفهم، من حفيف الأشجار التي تعبث الريح بأوراقها، وصفق جناحي طائر إلى حفيف النبات اليابس، ولهيب النار. "

و حين تسأل أخاها مهدي عن المجاهدة صليحة ولد قابلية، يجيبها: (لا أعرفها..) ص 141. (التفتتُ إليه مستغربة) ص 141. أجل إنّ بعض الأمكنة تعري ما كان خافيا، لأنّها مازالت تحتفظ ملامح وسمات أصحابها وزوارها. فالأماكن لا تنسى، ولا تخون، ولا تجامل، ولا تشهد الزور. من طبيعة الأماكن وسماتها، أنّها وفيّة لمن مرّ بها حيّا أو شهيدا أو منفيّا أو مضطهدا. وللأماكن أسرارها تحافظ عليها، كما لو أنّها صناديق من حديد، لا يصيبها الصدأ أبدا، تسلّم مفاتيحها لمن يمنحها عشقا أكثر وحبّا أكبر.

التاريخ، في نظر البطلة (كلثوم)، ليس أحداثا تُروى على ألسنة الرواة، التاريخ هو البحث عن الذات والهويّة بين طبقات الأرض...أو أشعر أنّني أرسم ملامح حياة جديدة من شظايا مجتمعات قديمة، أحيا فيها، أرى ملامحها ترتسم في المنمنمات، وأسمع صوتها في المنحوتات، ألمسها في الأدوات الحجرية، وفي الأواني الفخاريّة التي تشبه أوشام العجائز على الجباه وتحرس ذاكرة البيوت الطينيّة برائحة الجدّات. وفي العظام، في أدوات الصيد، في المعابد والمغارات والكهوف... فكلّ قطعة... تحمل نبضا لم ينطفىء بعد " ص 16.

إنّ بطلة الرواية (الشخصيّة الرئيسة) تقع ضحيّة حاضرها الأسوء من ماضيها.فهي تشعر وتدرك، بوعي عميق، أنّ وباء التخلّف الذي حلّ بأمّتها ومجتمعها، لم يكن قضاء وقدرا من وحي السماء، بل كان ثمرة زقّوم أطلّت برؤوسها من عقول متحجّرة، أصابها اليباب الفكري، عازها العلم النافع إلى حدّ " سداد من عوز "، وقلوب شابتها عواطف من نسل الترّهات والخرافات والأوهام، منذ فترة ما بعد الموحدين. لقد تزلزل المجتمع العربي / الإسلامي وتضعضعت أركانه منذ سقوط بغداد تحت حراب المغول والتتار. وبعد سقوط غرناطة والآستانة وتفكّك الدولة العثمانيّة فقد بوصلته الحضارية، ليسقط سقوطا حرّا تحت أنيار الغزاة الأوربيين.

سيميائية الأسلوب: ما يلفت نظر القاريء، ويجعله شغوفا بمواصلة قراءة الرواية إلى نهايتها، هو لغتها الفصحى، السلسلة، السهلة، الخالية من العاميّة والألفاظ الأعجميّة المعرّبة، عدا (لفظتي باندورا، وماتريوشكا). ولعل ّ الروائيّة تدرك جيّدا أنّ اللغة في المعمار الروائي هي بمثابة اللبنات في المعمار الطيني أو الحجري أو الأسمنتي. إنّ اللغة في السرديّة الروائية، هي شمس الإبداع الأصيل، وغيرها ما هي إلاّ كواكب وأنجم. قال خزانة الأدب، أبو عمرو بن بحر الجاحظ: (المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع.)

إنّ الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور تمتلك ناصيّة اللغة السرديّة، السهلة، الممتنعة، النقيّة، الهادفة، الخاليّة من الألفاظ السوقيّة والعويصة، والتي منحت للمعنى شرفا ورفعة ومشروعيّة لدى القاريء الواعي بمخرجات التوظيف اللغوي والتعبير المجازي والإيحائي في المتن الأدبي، الشعري والسردي معا، ولعمري، هذا راجع إلى امتلاك الروائيّة للرصيد اللغوي وتمتّعها بملكة لغويّة أصيلة ووظيفيّة.

شخصيات الأديبة الروائيّة عائشة بنّور تساروها مشاعر القلق والحزن في كل خطوة تخطوها، وهي مشاعر إيجابيّة، سليلة الوعي والنضج الفكري. شخصيّات – رغم قلقها وحزنها - عاشقة للحريّة، متمسّكة بهويّتها، واعية بماضيها، مستشرفة بمستقبلها، باحثة بإصرار وشغف عن معنى وجوديتها. فالبطلة (الشخصيّة الرئيسة) في الرواية تتّسم بالإيجابيّة والواقعيّة في تصرّفاتها وعلاقاتها مع محيطها الثقافي، في كنف دائرة البحث والتنقيب عن الآثار الماديّة واللاماديّة. شخصيّة مثقّفة، عاشقة للتاريخ، مولعة بالمدن القديمة، الرائعة ولواحقها؛ من حارات وأسوار ومغارات وشوطيء وجسور وصخور وشخصياتها التاريخيّة والدينيّة. إنّها تهفو إلى انتشال تلك المدن الأثريّة من صمتها. تلك المدن الصامتة، لأنّها تؤمن أنّها ليست مدنا خرساء، فهي تتكلّم، تحكي، تروي، تتألّم، تبتسم، تشتكي، تمارس ألوانا من الإغراء والإغواء. كلعبة (نتف بتلات الزهر، ورقة تلو أخرى.. يحبني...لا يحبني..) ص 91. هنا يتحوّل الحبّ من كونه عاطفة ذاتيّة، رومانسيّة إلى وسيلة لمجابهة الوقع المرّ تارة، وتارة أخرى لتغذية الوهم وتصديقه. (نغذي الوهم ونصدّق كذبتنا الجميلة على أنفسنا) ص 91.

الروائيّة عائشة بنّور، رسمت ملامح شخصياتها بمداد الصوفيّ العاشق للمعنى، وبريشة الرسّام الذي أجاد مزج الألوان في رسم لوحاته، فأكسبها بعدا فلسفيّا، تأمّليّا، عبر فضاء تاريخيّ يمتدّ مئات السنين. وهي تؤثث لعلاقة عشق مدهشة، الأسئلة التي تفضي بها إلى مواطن الأسرار. (هذا المكان الأثري قد أشعره أنّه بحاجة إليَّ، أكثر من أيّ وقت مضى، لكن، على مدار السنين، لم يتكلّم، لم يجرؤ أن يفصح عن مكنوناته، خوفا من توجّسه الذي كبّله في أحزانه وذكريات فقدها وذاكرة أسقطتني من دفتر العمر الذي جمعنا.) ص 45.

خاتمة:

في ركحة الكتابة الروائيّة الجزائريّة المعاصرة، تقف الكاتبة الروائيّة عائشة بنّور بكلّ ثقة، تحلّق بالقاريء في دهاليز المدن الأثريّة الصامتة، لمنحها منبرا للجهر بأسرارها وكنوزها وأحلامها. متّئكة على الواقع الموجع والتاريخ المسكون بالأسرار والميثولوجيا الإغريقيّة. إنّها في صراع مرير مع العالم وقلق من المجهول الكامن في الصناديق المغلقة، فصندوقها الخاص يحفظ هويّتها وأسرارها. " صندوقي يحوي أسراري وعرائسي الجميلة، كلّ منها بوجهها ولونها " ص 104. أمّا " صندوق " باندورا " فتسكنه كلّ الشرور التي أذاقت البشر الويلات، حسب الأسطورة الإغريقيّة، يا بدر الزمان " ص 104. " صندوق باندورا أغلق على الآثام ثم أطلقها على العالم " ص 105. " حياتنا كلّها صناديق مغلقة، وأكاذيب كبيرة نختبىء خلفها " ص 105. " المشكلة يا بدر الزمان أنّنا نقدّس الصناديق الفارغة أكثر من العقول المملوءة " ص 105 بهذه الصورة القاتمة ترسم لنا الروائيّة عائشة بنّور، في حوار على لسان شخصيّتي كلثوم وبدر الزمان. إن توظيف أسطورة " باندورا " سيميائيّا، منح للنص بعدا تراجيديا مؤلما للواقع المعيش. لقد انكسرت جرّة الإله زيوس، وانطلقت منها الشرور لتصيب البشريّة لعنة الفضول في فتح صندوق " باندورا "، منذ مأساة هابيل وقابيل. انتشرت الأمراض والجشع والحروب الداميّة والموت بشتى الألوان والوسائل، ولم يبق سوى الأمل.

التاريخ في عرف الكاتبة عائشة بنّور، ليس هو ذلك الكمّ المنسي أو المبتور من جغرافيّة الماضي، الذي تنتجه دواليب تعاقب الليل والنهار، التاريخ - كما جاء على لسان البطلة (الشخصية الرئيسة) - هو رسم (ملامح حياة جديدة من شظايا مجتمعات قديمة، أحيا فيها، أرى ملامحها ترتسم في المنمنمات، وأسمع صوتها في المنحوتات، ألمسها في الأدوات الحجريّة، وفي الأواني الفخاريّة التي تشبه أوشام العجائز على الجباه وتحرس ذاكرة البيوت الطينيّة برائحة الجدات، وفي العظام، في أدوات الصيد، في المعابد والمغارات والكهوف.. فكلّ قطعة تحمل نبضا لم ينطئ بعد.) ص 16.

و روية ماتريوشكا = أرواح كن قطن = إضافة قيّمة للمكتبة الجزائريّة والعربيّة، وللمشهد الثقافي والسردي الجزائري المعاصر بما حملته من رقيّ المضمون والأسلوب؛ لغة سليمة صرفيا ونحويّا، بعيدة كل البعد عن الإسفاف، ومضمون فكريّ وإبداعيّ لا تشوبه شوائب روايات السفهاء والدهماء والمولعين بهمزات الشيطان ولمزاته.

***

بقلم الأستاذ: علي فضيل العربي - روائي وناقد جزائري

البَحْثُ عَنْ شَفْرَةِ النَّصِّ

لا يحتاج الناقد أو القارئ على السواء إلى إطلالة بيبلوغرافية توثيقية للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي قبيل مطالعة قصائدها المتوهجة بالشعر الذي يمكن توصيفه بأنه ديوان العرب، عدم الاحتياج هذا مفاده عدة أسباب وعوامل أبرزها على الإطلاق التزام ناهدة الحلبي بالصورة الرصينة للقصيدة العمودية التي تشترط توافر الوزن والقافية هذا ما استطاعت ناهدة الاكتراث به وتفضيله في مجمل قصائدها، ومن الأسباب أيضا أنها رغم التزامها بصورة شكلية قديمة وتقليدية يمكن توصيفها في الوزن والقافية إلا أنها تحررت مطلقا صوب اللغة التداولية القريبة من القارئ العربي المعاصر الأمر الذي جعل من قصائدها ما يشاكل رغيف الخبز اليومي الذي لا يمكن للمرء الاستغناء عنه، وإن جاز للناقد مدح شاعر فالأحرى أن نمدح لغة الشاعرة ناهدة الحلبي وموضوعاتها الشعرية قريبة الصلة من القلب والتي ابتعدت بها عن لوغاريتمات القصيدة العربية الراهنة الموغلة في الغموض والالتباس والرمزية التي تفقد الشعر العربي الرائق براءته وبريقه.

والسبب الثالث من أسباب تفرد ناهدة الحلبي كونها لبنانية الأصل، ولبنان على الاختصاص موطن استقر في مظاننا التاريخية بأنه وطن الشعر الأكثر مشاكلة للغة القلب والوجدان والأبعد عن القصيدة الفلسفية الضاربة في السردية التي امتاز بها الشعراء المعاصرون الأمر الذي جعل الكثير من قراء الشعر ينأون بعيدا عنهم وعن نصوصهم التي تشبه الأحجية والتعاويذ القديمة.

أبْعَدُ مِنْ وَحْدَتِي.. أقْرَبُ مِن القَلْبِ:

ومنذ أكثر من خمسة أشهر وديوان ” أبعد من وحدتي ” للشاعرة ناهدة الحلبي يعلو مكتبي الخشبي، أتأمل صفحة الغلاف الخارجي، ثم أمر على قصائده الاستثنائية عبر قراءة عابرة متحفظاً الولوج في إحداثياته من أجل اقتناص سويعات تناسب النص الرائق بلغته المعاصرة والتزامه بالشكل الصحيح والسليم والفطري للقصيدة العربية وكأن العنوان نفسه أجبرني على الاحتفاء بالوحدة أو الهروب بالديوان بعيدة عن زحمة الفلسفة والمشاهد السياسية التي غلبت بسطوتها على حياتنا العربية، وجاءت لحظة اقتناص القراءة بفضل حالة اليقين التي تمتلكها ناهدة الحلبي بقصائدها المتوهجة شكلا وموضوعا من خلال نص شعري يحظى بلغة معاصرة وحالات وجدانية لا يمكن للقارئ الفكاك من شراكها. والأجمل والأروع عند تناول قصائد مجموعة أبعد من وحدتي للشاعرة ناهدة الحلبي أنك مضطر للتخلي عن كافة التقنيات النقدية التقليدية المكرورة إذ أنك تتعامل مع نص يستهدف الوجدان أولا ويدفعك للتعاطف مع قضاياه ومضامينه وليس للتفتيش عن زوايا أخرى كامنة.

الكَشْفُ عَنْ التِّيْمَاتِ النَّصِّيَّةِ:

وهناك ثمة ملحوظات تمثل بالفعل إحداثيات لغوية وشعرية تفرض نفسها عند تناول قصائد ديوان ” أبعد من وحدتي ” للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي لعل أبرزها فعل الأمر الذي يغلب على معظم قصائد الديوان، وربما لا يكترث النقاد المعاصرون بدلالات اللغة في قصائد المرأة أو ما يعرف بالأدب النسوي، رغم أن استخدام المرأة الشاعرة أو القاصة أو الروائية لفعل الأمر يحدد ملامح مهمة تكشف عن صاحبة النص دون اللهاث وراء معلومات تاريخية عنها تماما حينما نستقرئ روايا الجزائرية أحلام مستغانمي لاسيما في عابر سرير أو ذاكرة الجسد أو الأسود يليق بك وأخيرا عليك اللهفة.

هذا ما يكشف عنه فعل الأمر الغالب على قصائد ديوان أبعد من وحدتي والذي يدل على أن ناهدة الحلبي شاعرة بدرجة ثائر أو مبدعة تصر على الوصول إلى منصة التتويج عن طريق إطلاق صرحات شعرية تعبر عن مطامح الأنثى المشروعة في مجتمع ذكوري بات مضطربا وقلقا بفضل الشهود السياسي الراهن تارة، وتارة أخرى هذا القلق الأنثوي المصاحب لكافة المشاهد الإنسانية المتعلقة بالحب والوصل والغرام وعلاقة المرأة بالوطن والسفر. استخدامها لفعل الأمر جاء متلازما ومصاحبا عن حالة القصيدة أو المشهد الشعري القائم فحينما نطالع القصائد العاطفية على سبيل الرصد لا الحصر نجدها تستخدم أفعالا مثل ” قل لي أحبك ”، ” خذني إليك ”، ” واكذب عليَّ ”، ” واحضن فمي ”، ” أعني على النسيان ”، ” واستصرخي وجعي ”.

والملمح اللغوي الأخر الذي يطغى في الاستخدام النصي في ديوان ” أبعد من وحدتي ” هو اللغة الاتصالية مع الآخر / الرجل، وهو استخدام يتناسب كثيرا مع الالتزام بالشكل الرصين للقصيدة الشعرية العربية المتمثل في الوزن والقافية، ومن الملفت أيضا أن ناهدة الحلبي وهي تحرص على تيمات لغوية داخل نصوصها على وعي مستدام بتقديم جمل شعرية تقريرية وليست إنشائية وهي بذلك أشبه بحالة البوح الرقيق الذي لا يميل إلى الاستعطاف أو استجداء حالة الحب بقدر ما هي على يقين بأن الذائقة اللغوية تتطلب الجملة الإخبارية عقب استخدام تيمة لغوية راسخة في المظان العقلية العربية ذات الثقافة الذكورية السائدة مثل أيا سيدي، ويا سيدي، ويا سادتي، و نتلمس هذا الملمح من خلال قصيدة “ريشة على خد وجسد ” إذ تقول:

“إني نظرت إليه ذات مرارة

وخصوبة الأشواق طعم خناجر

يا سادتي ما الحب إن أذوى الردى

وجد الحبيب، وجفن غيم ماطر.”

وتقول في قصيدتها ” مسجي على قلب وورق ”:

“يا سيدا حسنت للكون صورته

في قلب سيدة من بارئ النعم

كما البدور إذا ما الحسن كللها

لها الشموس إذا ما القلب في ضرم.”

وتقول في قصيدة ” رعشة زمن ثمل وقداح ”:

“أترعت كأسك بالملذات التي

عتقتها في القلب خوف سراق

يا سيدي، إن ذقت خمرة عاشق

لا تخش من سكر فلست بباق “

غَيْرُ المَسْكُوتِ عَنْه:

لماذا تصر ناهدة الحلبي أن تقول أكثر مما ينبغي السكوت أو الصمت عنه ؟ هذا التساؤل هو إجابة بسيطة وسريعة لملمح أكثر بزوغا في ديوان ” أبعد من وحدتي ” وهو عناوين قصائد الديوان التي تشبه بالمواضعات أكثر منها مجرد عناوين لقصائد تأتي، والملفت للنظر والمسترعي للانتباه هو أن بعض العناوين تتشكل من كلمات تبدو طويلة وهذا يستلزم من القارئ أن يكون على وعي مستدام بأن ناهدة الحلبي أرادت تحقيق مزيتين في قصائدها ؛ الأولى أنها شاعرة عمودية أكثر حرصا على الشكل التقليدي للقصيدة العربية، والثانية أنها شديدة المعاصرة للمشهد الشعري الراهن لاسيما قصيدة النثر التي تمتاز بعناوين متفردة تجبر القارئ وتحثه على متابعة القصيدة رغم سرديتها. فنجد من بين عناوين القصائد ” عطرك على ساعدي والعبق ”، ” برق في دموع حارقة ”، ” جفون عارية وحب مهاجر ”، ” عشق على ضفة وقلق ”، ” شوق إلى سفر ووعد ”.

وحرص الشاعر على استخدامه مواضعات طويلة لقصائده هو هدف يسعى إليه، هذا الهدف يتمثل أولا في البوح عن حالة القصيدة، وثانيا إشراك القارئ في حالة القلق المتزامنة مع الشاعر حينما يختار عنوانا لقصيدته، وربما نجح علماء النفس اللغويون حينما أقروا بأن الشاعر عندما يطيل في عنوان قصيدته فهو يعاني قلقا ويجد صعوبة في اختزال إبداعه العصي على المراس في كلمة واحدة فقط لذلك يلجأ كثير من المبدعين ومنهم ناهدة الحلبي إلى قرار إطالة العنوان تجنبا لاختزال القصيدة في عنوان ضيق وإن كان ضيق العنوان لغة يكشف عن مدى تكثيف القصيدة أيضا.

صُوْرَةُ الأنْثَى العَاشِقَةِ.. بَعِيْدًا عَن الرَّبِيْعِ العَرَبِيِّ:

أعادت الشاعرة ناهدة الحلبي في ديوانها ” أبعد من وحدتي ” الأنثى العربية إلى صورتها الرقيقة البعيدة عن مظاهر الوحشية والتمرد والسفور التي لازمت المرأة المعاصرة تحديدا منذ اشتعال ثورات الربيع العربي التي حولت المرأة العربية إلى ناشطة سياسية وثائرة ومتمردة على الأوضاع السياسية المجتمعية الأمر الذي أغفل الجوانب الرقيقة في المرأة والتي كانت المصدر والرافد الأول والأصيل لإبداع الشعراء على مر العصور.

وصورة الأنثى في ديوان أبعد من وحدتي رقيقة وهادئة الطباع، رصينة بغير جموح، عاقلة بدون جنوح، وهذا ما تكشف عنه ناهدة الحلبي في قصائد ديوانها، إذ تقول في قصيدة ” فوضى الجسد والروح ”:

“كم قال يهواني على مسمعي

ناجيت منه الحسن لم يسمع

يا لحظ جفن كم كواني به

مثل هجاء الشاعر المقذع

إن في ذبول فالهوى مؤرق

كنور وجه نافر المدمع

والقلب من فيض الهوى عاشق

كامنهل الهارب للمنبع”

وتقول ناهدة الحلبي في قصيدتها ” ويقول يحبني …. ”:

“إني عشقتك رد ما حطمت يدي

من أكؤس برضاب ثغرك ترفل

كم لائم في الحب قد برح الهوى

إن القلوب براقع تتبدل

أنسيت نقتسم المغيب ووحدتي

لون الغروب أنين وجدك يحمل”

وصورة الأنثى العاشقة التي تلازم مجمل قصائد الديوان تأتي على موعد دائم بخيبة الحب ولوعة الفراق، بل أحيانا كثيرة تأتي الحالة الوجدانية للأنثى ذات الحضور المشهود في ديوان ” أبعد من وحدتي ” لتعكس ما جناه الرجل بزيفه وخداعه وقصصه التي يعبث بها طامعا في علاقة عابرة مع المرأة، لذا فإن ناهدة الحلبي نجحت بامتيار في توصيف هذه الحالة وتلك العلاقة المنتهية بانتهاء فورة القلب الذي اعتاد على العشق لكنه لم يتمرس في تلقي صدمات غدره.

تقول ناهدة الحلبي في قصيدة ” قلق على جفن وردة ”:

“أحكي لكم يا سادتي عن قصتي

ولسان حالي ناطق بشقائي

فالعمر يمضي كيفما شاء الهوى

ما شئت يوما واستجيب ندائي

ذنبي إليه أن أغللت بضوئه

مستبرقا في ليلتي الظلماء

والدهر في أرزائه سرف بنا

فقذى بعين غير ذات ضياء

وخطيئتي أني أقمت بقلبه

والوصل عندي لا يخط بماء

لم يأت بالبدر المنير غواية

فعلى جبين الشمس شق ردائي”

وتقول الحلبي في قصيدتها المعنونة بـ ” جفون عارية وحب مهاجر ”:

“وكم قال هذا الليل لون ضفائري

وما بين عينيه سواد مضلل

وحين تهاوت خلف ظلي ظلاله

تراءت لعيني وحشة وتوجُّل “.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

على مدى مئات السنين، لم تكن التجارة، أو العلم والتكنولوجيا، أو حتى الدين، في مركز الوعي الجمعي الروسي، بل الأدب في المقام الأول. الأدب الروسي هو الإسهام الروسي الحقيقي في الحضارة العالمية، وتتجلى فيه الروح الروسية في أعمق وأسمى صورها.

الادب الروسي من أكثر آداب العالم تميزًا وثراءً عبر التاريخ، ويتسم بتنوع ألوانه وأساليبه. وقد عكس كتابه الكبار في أعمالهم التجربة الحياتية للشعب الروسي، وقيمه الأخلاقية ونظرته إلى الوجود والعالم. وكان التأثير الذي أحدثه هؤلاء الكتاب في الارتقاء بالوعي المجتمعي، وتشكيل الشخصية الروسية عميقاً.

وما يجعل كبار الكُتاب الروس مميزين للغاية هو القوة، والصدق، والأمانة، و الدقة التي صوروا بها أهم جوانب التجربة الإنسانية. ولهذا ما زلنا نقرأ أعمالهم بمثل هذه المتعة والبهجة. ولم يقتصر أثر الأدب الروسي على مجتمعه وإنما امتد اثره إلى جميع بلاد العالم.

منذ عشرينات القرن الفائت نشطت حركة ترجمة أعمال كبار الكتّاب الروس (غوغول وتورعينيف وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ومكسيم جوركي) إلى اللغة العربية عن طريق اللغتين الإنجليزية والفرنسية. ولعبت دار الهلال المصرية دوراً رائداً في هذا المجال. وفي الستينات بدأت الترجمة المباشرة من اللغة الروسية، وصدرت مئات الأعمال الأدبية الروسية المترجمة إلى العربية من قبل دور النشر السوفيتية المتخصصة في هذا المجال مثل " التقدم " و" رادووغا" و" مير". إضافة إلى الترجمات الممتازة لروائع الأدب الروسي من قبل الأدباء العرب من خريجي الجامعات السوفيتية، الذين لفتوا الأنظار إلى أعمال الكتاب الروس الكلاسيكيين الآخرين مثل أندرييف وبونين وأرتسيباشيف وغيرهم، كما ترجموا أعمال الأدباء والشعراء المغضوب عليهم في العهد السوفيتي مثل بلاتونوف، وزوشينكو، وتسفيتاييفا وأخماتوفا، وماندلشتام

كان الكتاب العرب من أشد المتأثرين بالأدب الروسي. الذي اصبح ملهماً للعديد منهم، ومازال حتى الآن يلهم الكثير من الكُتاب الشباب. ويعترف الكثيرون منهم أن التعرف على الكلاسيكيات الروسية ترك أثراً كبيراً في إبداعهم - من حيث الأسلوب والمحتوى.

ويتجلى هذا التأثير في الأعمال الأدبية لكثير من الأدباء العرب. ونرى أولى بوادر هذا التأثير في نتاجات واحد من أبرز الأدباء العرب مثل ميخائيل نعيمة، الذي كان قد اطلع على أدب روسيا ودرس فيها اللاهوت قبل ثورة اكتوبر 2017، وفيها كتب تأملاته الوجودية وقصيدته الآسرة “النهر المتجمد” على ضفاف الفولغا باللغة الروسية.

يعد محمود طاهر لاشين (1894 – 1954) الرائد الاول لفن القصة القصيرة في مصر. وكما قال الكاتب المصري الراحل يحيى حقي في كتابه "فجر القصة المصرية". فإن الدور الذي لعبه محمود لاشين في تطوير القصة القصيرة المصرية شبيه بدور نيكولاي غوغول في الأدب السردي الروسي. ويؤكد أن كتاب لاشين المعنون" سخرية الناي" الذي يضم مجموعته القصصية الأولى:" سيكون ككتب غوغول في الأدب الروسي من حيث إنها أصدق تمثيل للخطوات الأولى، وللأساس كيف بنى وعلا." ويبدو أن لاشين قد أطلع على قصص تشيخوف الذي مهد له الطريق للتملص من النثر الموروث والنزعة الرومانسية، والزخرفة اللغوية. وأصبحت هذه المجموعة القصصية نقلة مفصلية في فن القصة القصيرة في مصر.ولقد بلغ إعجاب لاشين بتشيخوف ان اقتبس عنه قصة " الانفجار". واقتداءً بتشيخوف استمد لاشين موضوعات قصصه من مشاهداته، ومن واقع حياة المجتمع. ولم يقتصر التأثر بالأدب الروسي على لاشين. فالرواد الأوائل للأدب السردي المصري:" كانوا من المغرمين بالأدب الروسي الزاخر بالمشكلات الروحية." ومنهم الكاتب المصري محمود تيمور الذي استعار من تشيخوف قصة كاملة وقام بتعريبها.

ولعل أشد المتأثرين العرب بالأدب الروسي هو الكاتب المصري الشهير إبراهيم عبد القادر المازني الذي يعترف بهذا التأثير بكل صراحة ووضوح:" على أثر الثورة المصرية في سنة 1919 ذهبت إلى الإسكندرية لأقضي فيها أياماً أو لأتخذ فيها مقامي - حسب الأحوال - وكنت ما أزال سقيم الأعصاب جداً. وكنت لا أكاد أطيق الصهد الذي أحسه. وبقيت أياماً في البيت زارني في خلالها صديقي الأستاذ العقاد وترك لي رواية روسية أتسلى بها، فأكببت عليها وقرأتها في ساعات أحسست بعدها أني صرت أقوى وأصح بدناً وأقدر على المكافحة والنضال في الحياة، وأنه صار في وسعي أن أستخف بما يحدث لي سقم الأعصاب من الوهم. وعدت إلى القاهرة، ومضى عام فطلب مني بعضهم أن أترجم له رواية؛ فقلت لنفسي إني مدين لهذه الرواية الروسية بشفائي بالروح الجديدة التي استولت علي، فيحسن أن أنقلها إلى العربية عسى أن تنفع غيري كما نفعتني."

وكان نجيب محفوظ مطلعاً على أعمال كبار الأدباء الروس وبخاصة أعمال أنطون تشيخوف. وقد تحدث عن إعجابه وتأثره بالأدب الروسي أكثر من مرة. وكتب مقالا تعريفيا بتشيخوف نشره عام 1933 في جريدة " السياسة" وأعادت صحبفة " الأهرام" المصرية نشره في الأول من سبتمبر 2015. وكتب أيضا مقالا آخرعن مسرحية «الخال فانيا»، فى مجلة «المعرفة».ويقول محفوظ في مقاله:

" كان فى طبيعة تشيكوف ما يمنعه عن الإبانة الصريحة عن ذات نفسه، فلم يخلف لنا مذكرات شخصية تنفع المؤرخ النفساني. حقا إن رسائله كثيرة ولكنها فى الغالب ـ تتناول مواضيع عامة أدبية وفلسفية وعلمية، فالمرجع الثقة لمن يريد أن يتعرف الى هذه النفس الأدبية هو مؤلفاته وبعض رسائله الخاصة، ومن الحق علينا أن نتكلم عن إيمانه، فإن إيمان الرجل أو عدمه أدق مقياس يزن أفعاله وتصرفاته، وتشيكوف يقول صراحة إنه فقد الإيمان وهو صغير، وطال عهده بهذه الحرية الدينية، وبقى يلهو ويعبث ويعمل من غير ما يكدر صفو قلبه بأسئلة الايمان الملحة التى قد تبلغ حد العذاب، وكأنك بعد ذلك تحس بالجد فى كتابته، فكأن نظرته إلى الحياة حالت وكأن الحياة فى نظره كبرت، وتتوالى أسئلته عن الحياة والموت. وتكاد تلمس المرارة التى يفيض بها قلبه المرهف الحس، وخرج عن قبة نفسه ليواجه المشاكل الاجتماعية الكثيرة، واستحوذ عليه اهتمام كبير بها، أغراه بالتعرض لأهوال السفر لمجرد التعرف إلى أناس جدد وأخلاق جديدة."

وقال محفوظ في مقابلة صحفية اجراها معه الكاتب محمد سلماوي ونشره في صحيفة الأهرام:" الله علي الأدب الروسي الله!.. (سرد أسماء كتابها بسعادة واضحة) دوستويفسكي وترجنيف وتولستوي وتشيخوف، إن الأدب الروسي أجمل الآداب جميعًا لأنه أقربها لنا أفقًا وموضوعًا وفلسفة."

وتعكس أعمال محفوظ، على نحو واسع وعميق، الأوضاع السياسية والإجتماعية والثقافية في مصر، وما تعانيه الطبقات الكادحة من بؤس وشقاء نتيجة الجهل والتخلف، والتقاليد البالية، ويرتكز على النقد المرير لنمط الحياة المصرية والمظاهر الإجتماعية السلبية المصاحبة له. أبطال محفوظ على غرار أعمال تشيخوف يدركون فداحة الواقع ويحلمون بتغييره إلا أنهم لا يمتلكون أدوات التغيير، ويشعرون بالإحباط والخيبة.

ربما كان يوسف إدريس اشهر كاتب قصة قصيرة في الادب العربي الحديث. وتجسد أعماله الواقع المصري وما يعانيه الانسان البسيط المقهور في حياته القاسية البائسة. وقد اعترف ادريس بأنه تأثر بشدة بأدب تشيخوف؛ ففي حوار أجراه مع غالي شكري ونشر في مجلة "الحوار" في ديسمبر/كانون الأول 1965 قال إدريس "لقد خضت مع تشيخوف بالذات تجربة، فعلا، ذلك يعنى أنك عندما تقرأ تشيخوف، فإنك تصبح شئت أم أبيتت شيخوفياً، ولهذا، فعندما حاولت الكتابة بعد قراءتى لأعماله، أحسست أن رؤيته قد فرضت نفسها عليّ، ولكن برهافة إلى حد أننى كنت الوحيد الذى لاحظ ذلك، وطالما أن الأصالة تستند على الرؤى الأصيلة، كان على أن أناضل لأحرر نفسى من السيطرة القاهرة التى فرضتها رؤيته وأفكاره على أعمالى، لقد كانت معركة شرسة ومريرة كلفتنى عاما كاملا تقريبا هو عام 1955." وعلى غرار أبطال تشيخوف يفشل أبطال يوسف إدريس أيضاً في تغيير الواقع الاجتماعي، أو الدفاع عن أنفسهم.

التأثير الطاغي لأعمال تشيخوف في الأدباء العرب وخاصة كتّاب القصة القصيرة والمسرحية، يمكن تفسيره بأن القضايا التي تطرحهاأعمال الكاتب الروسي وثيقة الصلة، بقضايا الإنسان البسيط المقهور في العالم العربي، ولا تختلف كثيراً عن الصورة التي يقّدمها تشيخوف في معظم أعماله.

وقد تأثر كتّاب المسرح العرب أيضاً بمسرحيات تشيخوف، ولجأوا إلى كتابة مسرحيات تتناول المشكلات ذاتها التي تطرحها مسرحيات الكاتب الروسي. فعلى سبيل المثال، كتب الأديب السوري وليد إخلاصي مسرحية " هذا النهر المجنون"، تحت تأثير مسرحية ( بستان الكرز) لتشيخوف، التي تدور حول السيدة الأرستقراطية ليوبوف أندريفنا رانفسكايا، مالكة أرض روسية أرستقراطية، التي عادت إلى روسيا مع ابنتها أنيا البالغة من العمر سبعة عشر عاماً بعد عدة سنوات من العيش في فرنسا، وتعاني من ضيق مالي شديد، وعرضت الأرض للبيع بما فيها بستان كرز كبير وجميل من أجل سداد الديون، غير مستجيبة لعروض إنقاذ الأرض.

أما الكاتب السوري حنا مينا فقد تأثر على نحو عميق بالأدب الروسي. وفي هذا الشأن يقول مينا: " إنّما نعرف ونحبّ بوشكين وتولستوي ودوستويفسكي وغوركي وماياكوفسكي، وشولوخوف وتيخونوف، واستفدنا من نتاجاتهم التي تُرجِمَت إلى اللغة العربيّة، وتأثّر الكتَّاب السوريون تأثيراً كبيراً بالنتاج الكبير للأدباء السّوفيات وخاصّة بالطّرق الإبداعيّة الغنيّة والصوَر الرائعة، وتأثّرنا إلى أبعد الحدود بمذهب الواقعيّة الاشتراكيّة." ومن يقرأ نتاجات حنا مينا، لا بد أن يلحظ أن عالمه الفني شبيه بعالم غوركي من حيث القضايا المطروحة، ورسم الشخصيات، وأسلوب المعالجة.

كما تأثر الكاتب السعودي عبد الرحمن المنيف برواية "ذكريات من بيت الأموات" لدوستويفسكي؛ وقد ذكر منيف هذه الرواية بالاسم في روايته "شرق المتوسط"، وبعد 25 عاماً من نشر الرواية كتب منيف "كنت اظن ان الإشارة الى ما يحدث في تلك السجون كفيل بأن يقضي عليها" قاصداً تكرار الموقف الروسي ولكن ذلك لم يحدث."

لم يقتصر نأثير الأدب الروسي على بلدان المشرق العربي، بل شمل أيضاً أدباء المغرب العربي، الذين قرأوا الترجمات الفرنسية لـ”دار التقدم” أو الترجمات الفرنسية المباشرة لروائع الأدب الروسي الصادرة في فرنسا.

ومنذ الستينات والسبعينات تسنى للقارئ العربي الأطلاع على الشعر الروسي، والفضل الأكبر في هذا المجال يعود إلى الشاعر العراقي الراحل حسب الشيخ جعفر الذي تخرج في معهد غوركي للأدب العالمي في أواسط القرن الماضي.، فقد ترجم عدداً كبيراً جداً من روائع الشعر الروسي إلى العربية وخاصة قصائد بوشكين وماياكوفسكي ويسينين وآنا أخماتوفا ورسول حمزاتوف الذين يمثلون تجارب مهمة في الشعر العالمي. وقد صدرت تلك الترجمات في كتب متفرقة في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين. ثم جمعها الشاعر في مجلد ضخم يزيد عن 800 صفحة، صدر ضمن منشورات هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. ومن الشعراء العرب الذين قدموا خدمات جليلة في هذا الشأن الشاعر السوري ثائر زين الدين، وشعراء عرب آخرين يصعب حصرهم. كما ترجم كاتب هذه السطور عدداً من الروايات والقصص الروسية، ومختارات من شعر يفغيني يفتوشينكو إلى اللغة العربية.

***

جودت هوشيار

هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعًا سياسيًّا، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخَر يفعل شيئًا أكثر قسوة وأعمق أثرًا، يَجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغةِ، والذاكرةِ، وطريقةِ الأم في النظر إلى ابنها، وارتباكِ الأب وهو يتحدث، والصمتِ الذي يسبق جُملة عادية في غرفة مغلقة.

في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، مِن موقعَيْن مختلفين تمامًا، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر (وُلد 197)، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه (1936 - 2024). كلاهما جاء من بلدٍ عاش تحت نظام سُلطوي طويل، وكلاهما عَرَفَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءًا من المصير الشخصي.

لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكلِّ واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحُب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السُّلطة في مصيره. بينما كاداريه يقترب منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.

وهُنا تحديدًا تكمن قوة المفارقة بينهما، ليس لأنهما يقولون الشيءَ نفسه، وإنما لأنَّ كُلَّ واحد منهما يكشف جانبًا من الشيء الذي يصعب الإمساك به كاملًا.

مطر يراقب النظامَ الشمولي وهو يدخل إلى البَيْت، ويجلس إلى المائدة، ويأخذ الأبَ بعيدًا، ثم يترك الابن سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي، وكيف يمكن للغياب أن يصبح حضورًا يوميًّا أكثر كثافة من حضور الأحياء. وكاداريه يراقبه وهو يتحول إلى مناخ عام يملأ البلاد حتى يصبح من الصعب التمييز بين الجدار والظل.

إنَّ الديكتاتورية، في الرواية الأدبية الحقيقية، لا تكون شخصية سياسية فحسب. إنها شخصية خفيَّة، قد لا تظهر على الصفحة، لكنها تُحرِّك أشياء كثيرة من خلف الستار، وتجعل الناسَ يحسبون الكلمات قبل نطقها، وتجعل الصداقة محفوفة بالشك، والحُب مُعَرَّضًا للتأويل، والذاكرة موضع اتهام.

وفي الأنظمة الشمولية لا يكفي أن يخاف الفردُ من السُّلطة، المطلوب أن يتعلَّم كيف يخاف من نفسه، وذاكرته، والجملةِ التي كادت تخرج من فمه ثم ابتلعها. وهذا تحديدًا ما يجعل الأدب قادرًا على تفكيك الاستبداد بطريقة لا تستطيع التقارير السياسية أن تفعلها.

أعمالُ مطر تضع القارئ أمام عالَمٍ بشري جرى تشويهه من الداخل. النظامُ لا يظهر دائمًا بوصفه آلة ضخمة تتحرك في الشوارع، أحيانًا يظهر في سؤالٍ صغيرٍ، أو مكالمةٍ هاتفية، أو نظرةِ أُمٍّ قلقة، أوْ أبٍ يعرف أن جُملة واحدة قد تكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها.

مطر يعرف أن الاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى أن يرفع صوته، يكفي أن يجعل الجميع يتصرفون كما لو أن هناك أُذُنًا تستمع، وهذه الأُذُن هي شبح من أشباح عالَمه الروائي.

أمَّا عند كاداريه، فإن هذا الخوف يأخذ أحيانًا صورة أكثر اتِّساعًا وغرابة. في أعماله، لا تعود الدولة تراقب الأفعالَ فقط، إنها تريد الوصول إلى الأحلام نفسها. والفكرة تبدو للوهلة الأُولى سريالية أو مستحيلة، لكنها في الحقيقة شديدة الواقعية من ناحية رمزية، ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت السُّلطة مهتمة بما يحدث داخل رأسه قبل أن يحدث في الشارع؟.

هُنا تبلغ الشمولية أقصى طموحها، لا تكتفي بالسيطرة على جسد الإنسان، وإنما تريد السيطرةَ على احتمالاته الداخلية، تريد أن تعرف ما يَحلم به، وما يتخيَّله، وما يخشاه، وما قد يقوله غدًا، فهذا يعني أن السُّلطة لم تعد تراقب المواطن، لقد أصبحت تريد احتلاله.

مطر يُذكِّر القارئ بأنَّ التاريخ السياسي يُعَاش داخل أجساد أشخاص محددين. لا توجد عبارة أكثر اختزالًا لقوة السُّلطة من أن يقول المرء: (اختفى أبي).

فقدان الأب في تجربة مطر ليس مُجرَّد حدث سياسي، إنه فراغ يعيد تشكيل حياة كاملة. وأسئلة مطر ليست سياسية فقط، إنها أسئلة وجودية، لذلك تصل إلى القارئ حتى لو لم يكن ليبيًّا، وحتى لو لم يعش تحت نظام شمولي، لأن فقدان الأب، والخوف، والانتظار، وعدم اليقين، كلها تجارب إنسانية تتجاوز الحدود.

والأدبُ عند مطر يصبح نوعًا من مقاومة المحو. السُّلطةُ تستطيع أن تخفي إنسانًا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمنع ابنه من رواية قصته.

وإذا كان مطر يكتب عن السُّلطة من داخل الجُرح الشخصي، فإن كاداريه يكتب عنها من داخل المتاهة. في عالَمه الروائي، يمكن للدولة أن تكون غامضة، وعبثية، وهائلة، ومخيفة في الوقت نفسه. قد لا تعرف بالضبط أين تبدأ السُّلطة، وأين تنتهي، ومَن يُقَرِّر، ومَن يُراقب، ومَن ينقل الخبر، ومن اخترع التُّهمة، وهذه الضبابية ليست نقصًا في الرواية، إنها جزء من طبيعة النظام الذي يصفه. فالأنظمةُ الشمولية القاسية لا تحتاج إلى أن تكون مفهومة بالكامل لكي تكون فعالة، بلْ رُبَّما يكون غموضها جزءًا من قوتها.

وإذا كان المواطن يعرف بالضبط ما هو الممنوع، فقد يستطيع أن يبحث عن حدود الممنوع، أمَّا إذا أصبحت الحدود متحركة، وإذا كان من الممكن أن تتحول كلمة بريئة إلى جريمة بحسب اللحظة السياسية، فإن الإنسان يبدأ في مراقبة نفسه بنفسه. وهُنا يصبح الخوف أكثر كفاءة.

كاداريه بارع في صناعة هذه المساحات الرمادية، وهو يستخدم السخرية والأسطورة والمُفارَقة والتاريخ كي يكشف عبثَ النظام من الداخل. بدل أن يضع القارئَ دائمًا أمام مشهد مباشر من مشاهد القمع، قد يأخذه إلى مؤسسة بيروقراطية، أو مدينةٍ قديمة، أو حدثٍ تاريخي، ثم يجعله يكتشف أن ما يبدو بعيدًا عنه، هو في الواقع حاضرٌ شديد القُرب.

إنه لا يصرخ في وجه السُّلطة، إنَّه يبتسم لها أحيانًا، وهذه الابتسامة أخطر مِمَّا تبدو، لأن السخرية تسحب من الديكتاتور هالته، والسُّلطة الشمولية تريد أن تبدو قَدَرًا لا يُناقَش، وتريد أن تظهر كأنها ضخمة وأبدية، ولا يمكن تخيُّل العالَم مِن دونها، لكن الروائي يفعل شيئًا بسيطًا ومُدمِّرًا، يجعلها مادة للسخرية، وفجأةً يصبح العملاق كاريكاتيرًا، والطاغية الذي يريد أن يبدو أسطوريًّا، يتحول إلى شخصية بشرية قابلة للرؤية والنقد والتشريح.

قد يبدو الفرقُ بين مطر وكاداريه كبيرًا في الأسلوب. الأولُ يميل إلى الحساسية الاعترافية، والتفاصيلِ الحميمة، والعلاقةِ بين الذاكرة والعائلة، والثاني يميل إلى البناء الرمزي، والمُفارَقةِ التاريخية، وعَالَمٍ يبدو أحيانًا كأنه خرج مِن حُلْمٍ ثقيل، أو كابوس بيروقراطي.

لكن خلف هذا الاختلاف توجد فكرة مشتركة، السُّلطةُ لا تنجح عندما تمنع الإنسانَ من الكلام فقط، بل عندما تجعله غير قادر على معرفة ما إذا كان يحقُّ له الكلام أصلًا.

في عوالم مطر وكاداريه الأدبية، الصمتُ ليس فراغًا، إنَّه لغة. قد يقول الرجل شيئًا، لكن ما لَم يقله يكون أهم، وقد يتحدث الأب عن الطقس بينما يُفَكِّر في شيء آخَر، وقد تجلس الأم إلى المائدة، لكنَّ جسدها يصغي إلى صوت خارج البَيْت، وقد يلتقي صديقان، لكنَّهما يعرفان أن بعض المواضيع لا ينبغي أن تُفْتَح .

إنَّ النظام الشمولي يجعل الإنسانَ يتحدث بطبقتَيْن، طبقة ظاهرة تصل إلى الآخرين، وطبقة داخلية يحتفظ بها لنفسه. ومعَ الوقت، قد تصبح الطبقة الظاهرة أقوى من الطبقة الداخلية. وهُنا تقع الكارثة، لأن الإنسان يبدأ بتقمص الرقابة. لا يعود بحاجة إلى شرطي عند الباب، يصبح الشرطي داخل الرأس. هذه الفكرة حاضرة بقوة في الأدب الذي يكتب عن الاستبداد، وهي واحدة من أهم النقاط التي تجعل روايات مطر وكاداريه تتجاوز الحكاية السياسية المباشرة. كلاهما،بطرق مختلفة، يسأل: (ماذا يفعل النظام بالإنسان بعد أن ينجح في جعله يراقب نفسه؟).

لعلَّ أهم سلاح يمتلكه مطر هو الذاكرة. فالسُّلطةُ قد تكتب تاريخها الرسمي، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بسهولة بذاكرة الفرد، لهذا يصبح التذكر فِعلًا سياسيًّا، حتى عندما لا يبدأ باعتباره كذلك.

حين يتذكر الابنُ أباه، فهو لا يستعيد شخصًا غائبًا فقط، إنه يستعيد نُسخةً مِن التاريخ حاولت السُّلطة أن تدفنها، وهُنا يصبح السردُ مُقاوَمةً، ومُواجَهةً للأنظمة التي تعتمد على المحو، فالقمعُ لا يقتل الأجسادَ فقط، إنه يحاول أحيانًا قتلَ الأثر، ويُريد جعلَ الضحية بلا قصة ولا اسم ولا صورة.

كاداريه يتعامل معَ الذاكرة بصورة مختلفة، إذْ يعود إلى التاريخ والأسطورة والماضي الألباني، ليس هروبًا من الحاضر، وإنما من أجل كشف كيف يتكرر القمع، وكيف تتغير أشكاله. التاريخُ عنده ليس متحفًا مغلقًا، إنه مِرآة مشروخة للحاضر.

وهُنا يلتقي الكاتبان، الماضي ليس وراءنا تمامًا، إنه يعيش في الطريقة التي نتذكر بها أنفسَنا، والوطن يصبح مكانًا محبوبًا ومُخيفًا في آنٍ معًا.

والديكتاتوريات تحاول أن تقنع الناسَ بأنَّ الدولة بدأتْ معها، والتاريخ الحقيقي يبدأ عند وصولها، وما قبلها مُجرَّد فَوضى، وما بعدها مُستحيل. والأدبُ يفعل العكس، يقول: البلاد أقدم من الطاغية، والناس أقدم من النظام، واللغة أقدم من الشعارات، والذاكرة أطول مِن عُمر السُّلطة.

من أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية أنها لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تحاول إدارةَ اللغة التي تصف الواقعَ، فَتُسمِّي القمعَ استقرارًا، والخوفَ يقظةً، والصمتَ انضباطًا، والاختفاءَ إجراءً، والطاعةَ وطنيةً، وهُنا تصبح مهمة الأدب خطيرة للغاية، لأن الروائي يعيد الأشياءَ إلى أسمائها الحقيقية، فالخوفُ يعود خوفًا، والغياب يعود غيابًا، والسجن يعود سجنًا، والفقد يعود فقدًا، والإنسان يعود إنسانًا. في هذا المعنى، الرواية تُفكِّك السُّلطةَ ليس فقط عبر الموضوع، بلْ عبر اللغة نفسها.

حين يصف مطر انتظارَ شخص لأبيه، لا يحتاج إلى أن يقول لنا إنَّ الاعتقال السياسي جريمة ضد الإنسان، نحن نفهم ذلك من الانتظار نفسه.

وحين يُصوِّر كاداريه جهازًا بيروقراطيًّا يبتلع الأحلامَ، لا يحتاج إلى كتابة عشر صفحات عن طبيعة النظام الشمولي، الفكرةُ وصلتْ.

والرواية لا تعطي شعارًا، وإنما تعطي حياةً. وهذه الحياة تجعل الشعارَ أقل ضرورة. السياسة تقول: (هناك آلاف المعتقلين). والروايةُ تقول: (هذا الرجل كان له ابن، وله رائحة في البَيْت، وله عادات، وهُناك امرأة تنتظره، وهُناك طفل لم يفهم لماذا لَم يَعُدْ). هُنا يتحوَّل الرقمُ إلى إنسان، وهذه إحدى أعظم وظائف الأدب.

قد يبدو مطر أكثر التصاقًا بالواقعي المباشر، بينما يذهب كاداريه في كثير من الأحيان إلى الغرائبي والأسطوري والسريالي. لكن الغرائبية عند كاداريه ليست هروبًا من الواقع، أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة لرؤية الواقع بوضوح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تنهض قصيدة (يوفا) للشاعر كريم طباني على مأساة إنسانية شديدة القسوة، لكنها لا تكتفي برثاء طفلة سقطت ضحية للحرب؛ إذ تجعل من هذه الطفلة سؤالًا مفتوحًا في وجه العالم، وفي وجه الأب، وفي وجه المؤسسات التي تدّعي حماية الإنسان، بل وفي وجه السماء نفسها. ومن هنا تأتي قوة النص؛ فـ(يوفا) ليست مجرد شخصية شعرية، وإنما تتحول إلى رمز للطفولة المسحوقة، وللجسد البريء الذي وجد نفسه في مواجهة مصير لم يختره.

تقوم القصيدة على بنية شعرية متصاعدة، تتأسس على حدث مأساوي واحد، هو سقوط طفلة ضحية للحرب، ثم تتفرع منه مجموعة من الانفعالات والأسئلة والمواقف التي تكشف عمق المأساة الإنسانية. ولا تكتفي القصيدة بتقديم رثاء عاطفي للطفلة، وإنما تجعل من موتها نقطة انطلاق لاحتجاج واسع على العالم، وعلى خيارات الإنسان، وصولًا إلى مساءلة السماء. ومن ثم يمكن النظر إلى بنية النص بوصفها مسارًا متدرجًا ينتقل من السقوط إلى الاحتجاج، ومن الاحتجاج إلى السؤال، ومن السؤال إلى المواجهة والرفض.

يبدأ النص بعتبة مهمة تتمثل في الإهداء: (إلى كل الأطفال الذين سقطوا ضحايا في الحروب والنزاعات وبالأخص (يوفا)). ويؤدي هذا الإهداء وظيفة تتجاوز التعريف بالشخصية؛ فهو يضع القصيدة منذ البداية في سياق إنساني عام، فـ(يوفا) ليست مجرد طفلة بعينها، وإنما نموذج لكل الأطفال الذين دفعتهم الحروب إلى الموت. وبذلك ينتقل النص، منذ عتبته الأولى، من الخاص إلى العام، ومن الحكاية الفردية إلى القضية الإنسانية.

بعد ذلك يدخل النص مباشرة في لحظة السقوط، وهي اللحظة التي تؤسس لكل ما يأتي بعدها:

(مذاك

منذ سقطت

وأنا ألعن

كل مقابض هذا العالم).

إن كلمة (مذاك) تحمل وظيفة زمنية ونفسية في آن واحد؛ فهي تشير إلى لحظة فاصلة انقسمت عندها حياة المتكلم إلى ما قبل المأساة وما بعدها. أما فعل (ألعن) فيكشف التحول من الحزن إلى الغضب، ويؤسس للحركة الثانية في النص، وهي حركة الاحتجاج.

ويتسع الاحتجاج ليشمل العالم كله:

(كل الأكف التي تمتد

ولا تمتد).

ويستثمر الشاعر هنا المفارقة والتكرار ليصور عالمًا يبدو قادرًا على النجدة، لكنه يعجز أو يمتنع عن تقديمها. ثم ينتقل إلى الطريق والطبيعة، فيسأل:

(لماذا لم يلفظك الدرب؟

أو تسعفك الريح؟).

وهنا تتسع دائرة السؤال؛ فالطبيعة نفسها تتحول إلى طرف افتراضي في المأساة، وكأن الشاعر يبحث عن أي قوة كان يمكن أن تنقذ الطفلة.

ومن الاحتجاج ينتقل النص إلى مرحلة المساءلة، وهي مرحلة أكثر عمقًا من الناحية الفكرية. وتتكرر الأسئلة: (لماذا لم…) و(ما كان شعور الله…؟). ويكشف هذا الاستفهام المتكرر عن عجز اللغة أمام المأساة؛ فالشاعر لا يجد تفسيرًا مقنعًا لسقوط طفلة بريئة، ولذلك يحوّل القصيدة إلى سلسلة من الأسئلة التي تزداد حدة كلما تقدمت.

وفي هذه المرحلة يحضر الأب والأم، فتأخذ المأساة بعدًا عائليًا وإنسانيًا أكثر وضوحًا. يظهر الأب من خلال (عربة أبيك المبتعدة) و(خيار أبيك)، بينما تظهر الأم في (فجيعة أمك). ويصبح المشهد قائمًا على ثلاثة أطراف: أب اتخذ قرارًا، أو وجد نفسه أمام خيار قاسٍ، وأم تحمل فجيعة الفقد، وطفلة دفعت ثمن صراع لم تختره. ومن هنا يتحول الموت من حادثة فردية إلى نتيجة لشبكة من القرارات والظروف.

وتصل البنية إلى ذروتها حين يتوجه السؤال إلى الله:

(ما كان شعور الله

وهو يراقب…).

إن هذه اللحظة تمثل أعلى درجات التصعيد في النص؛ إذ ينتقل الشاعر من مساءلة الإنسان والطبيعة إلى مساءلة السماء. ويأتي قوله:

(ذاك الذي انحاز وقتها

إلى جنوده…

سيعتذر!!!)

بوصفه ذروة احتجاجية وفكرية؛ إذ يستخدم الشاعر لغة الحرب ليضع الطفلة الأعزل في مواجهة عالم مسلح، ويحوّل المأساة إلى سؤال أخلاقي ووجودي حول العدالة والألم والبراءة.

أما الخاتمة فتقدم تحولًا لافتًا في موقع (يوفا). فالطفلة التي كانت في بداية القصيدة عاجزة أمام الموت تصبح في نهايتها صاحبة موقف:

(أديري ظهرك

ولا تقبلي اعتذاره!!!).

وهنا تستعيد الضحية، على المستوى الرمزي، قدرتها على الاختيار. فإذا كانت قد فقدت في الدنيا حق تقرير مصيرها، فإن الشاعر يمنحها في النهاية حق رفض الاعتذار. ولذلك لا تأتي النهاية بوصفها مصالحة، وإنما بوصفها رفضًا للنسيان والتجاوز السهل للمأساة.

ومن الناحية الزمنية، تتحرك القصيدة بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالماضي يتمثل في لحظة السقوط، والحاضر في استمرار الحزن والأسئلة، أما المستقبل فيظهر في قوله:

(سيأتي يوم

تلاقين فيه الله…).

وهذا التداخل الزمني يؤكد أن موت (يوفا) لم ينتهِ بانتهاء حياتها، بل ظل حاضرًا في ذاكرة المتكلم، وممتدًا إلى المستقبل بوصفه قضية لم تُحسم أخلاقيًا.وعليه، فإن البنية العامة للقصيدة يمكن اختزالها في مسار واضح: السقوط، ثم الاحتجاج، ثم المساءلة، ثم المواجهة، وأخيرًا الرفض. وقد أسهم هذا التصاعد في منح النص وحدته الداخلية، إذ ولّد كل مقطع المقطع الذي يليه بصورة طبيعية. كما أن تكرار (يوفا) و(مذاك)، وكثرة الأسئلة، والجمل القصيرة، وعلامات الحذف، كلها عناصر أسهمت في بناء إيقاع نفسي يتناسب مع طبيعة التجربة.

وتكشف بنية القصيدة كذلك عن تداخل واضح بين السرد والشعر؛ فالنص لا يقدم حدثًا مكتمل التفاصيل بقدر ما يستعيد شظايا منه عبر الذاكرة والأسئلة. هناك طفلة، وأب يبتعد، وأم مفجوعة، وطريق، وعربة، وغبار، وموت، لكن هذه العناصر لا تنتظم في حكاية سردية تقليدية، وإنما تظهر بوصفها ومضات تتجمع تدريجيًا لتكوين المشهد المأساوي.

حيث يبدأ النص من السقوط، لكنه لا ينتهي عنده؛ بل يحوّل السقوط إلى سؤال، والسؤال إلى احتجاج، والاحتجاج إلى موقف. ولعل توصيفي لها ب (السقوط إلى الأعلى)، يختصر هذه المفارقة كلها؛ فالسقوط الجسدي للطفلة يتحول شعريًا إلى صعود رمزي، إذ ترتفع قضيتها من الطريق الذي سقطت عليه إلى مستوى السؤال الأخلاقي والإنساني الأكبر.

إن (يوفا)، في النهاية، ليست فقط طفلة سقطت في الحرب، وإنما ذاكرة تظل واقفة في وجه النسيان، وسؤالًا يرفض أن يجد له العالم إجابة سهلة.

في المحصلة، تقوم بنية (يوفا) على تحويل المأساة من حادثة موت إلى قضية ذاكرة وعدالة.

***

ياسين غالب

الشعر الهلالي، ولا سيما في السيرة الهلالية وما تفرع عنها من أشكال إنشادية، يحتفظ بقدر واضح من المعجم العربي القديم، والصيغ الصرفية، والتراكيب البلاغية، والصور الموروثة من الشعر العربي. لكنه في الوقت نفسه يحمل خصائص اللهجات التي انتقلت بها الرواية الشفوية عبر البيئات العربية المختلفة، فدخل إليه التغيير الصوتي، والتخفيف، والإبدال، واختلاف صيغ الجمع والتصريف، فضلًا عن تفاوت الإعراب.

وهذا أمر طبيعي؛ فاللغة التي تنتقل شفهيًا عبر القرون والقبائل والأقاليم لا تبقى مطابقة للغة النصوص الفصيحة المكتوبة.

ومن هنا يمكن القول إن الشعر الهلالي يمثل منطقة تماس بين الفصحى واللهجة، لا جدارًا يفصل إحداهما عن الأخرى.

وماذا يقول النحاة البصريون والكوفيون؟

هنا تصبح المسألة أكثر إثارة؛ لأن الخلاف بين البصريين والكوفيين نفسه يدل على أن العربية القديمة لم تكن ذات نظام لغوي جامد مغلق.

فالبصريون كانوا أشد احتياطًا في القياس والتقعيد، وأكثر تشددًا في قبول الشاهد اللغوي، ولا سيما حين يخالف القاعدة التي استقر عليها القياس. أما الكوفيون فكانوا أوسع رواية وأقل تضييقًا في قبول المسموع، واستندوا إلى ما ورد عن العرب من لغات ولهجات وشواهد شعرية، حتى لو خالف بعضها القياس البصري.

ولذلك نجد عند الكوفيين ميلًا أكبر إلى الاحتجاج بتعدد اللغات العربية، بينما يميل المنهج البصري إلى بناء نظام معياري أكثر انتظامًا.

وهذا لا يعني أن البصريين كانوا يرفضون اللهجات، أو أن الكوفيين كانوا يقبلون كل شيء؛ وإنما هو اختلاف في منهج التعامل مع المادة اللغوية.

فقهاء اللغة والمسألة الأهم:

أما علماء اللغة وفقهاؤها، فالمسألة عندهم ترتبط بسؤال جوهري:

هل اختلاف العرب في النطق والتصريف والتركيب فسادٌ في العربية، أم هو من لغات العرب؟

والتراث اللغوي العربي يميل، في جملة واسعة من شواهده، إلى الاعتراف بأن العربية الأولى كانت متعددة اللهجات، وأن ما نسميه اليوم «الفصحى» لم يكن بالضرورة لسانًا محكيًا واحدًا متطابقًا عند جميع القبائل.

وهنا تأتي أهمية الشعر؛ لأن الشعر الجاهلي والإسلامي كان أحد أهم الأوعية التي حفظت لنا تنوع الاستعمال العربي.

فقد نجد في العربية:

اختلافًا في الحركات.

اختلافًا في الإبدال الصوتي.

اختلافًا في بعض الأبنية الصرفية.

اختلافًا في التذكير والتأنيث.

اختلافًا في بعض التراكيب.

اختلافًا في الاستعمال المعجمي.

ومع ذلك لا يخرج الاستعمال بالضرورة من دائرة العربية.

الشعر الهلالي بوصفه ذاكرة لغوية:

من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الشعر الهلالي لا باعتباره «عامية مشوهة للفصحى»، وهي عبارة غير علمية، ولا باعتباره «فصحى خالصة» بالمعنى المدرسي، بل بوصفه مستودعًا شفهيًا يحتفظ بطبقات من العربية القديمة، وقد امتزجت فيه عناصر فصيحة بخصائص لهجية لاحقة.

وهذا مهم جدًا؛ لأن بعض الألفاظ والتراكيب التي تبدو لنا اليوم عامية قد يكون لها أصل عربي قديم، ثم تغير نطقها أو وظيفتها الدلالية عبر الزمن.

ومن هنا فإن الباحث في الشعر الهلالي ينبغي ألا يسأل فقط:

 «هل هذه الكلمة فصيحة أم عامية؟»

بل يسأل أسئلة أكثر دقة:

 ما أصلها التاريخي؟

هل وردت في المعاجم القديمة؟

هل لها نظائر في لهجات العرب؟

هل تغير صوتها أم معناها؟

هل التغيير صوتي أم صرفي أم نحوي؟

وهل يمكن تفسيره في ضوء اللهجات العربية القديمة؟

البصريون والكوفيون والشعر الشعبي:

ومن المفيد هنا استحضار قاعدة منهجية مهمة: الاحتجاج بالشعر عند النحاة لم يكن مقصورًا على الشعر الفصيح بمعناه المدرسي الضيق، وإنما كان الشاهد مرتبطًا بسلامة نسبته إلى العربي المحتج بلغته وزمنه وبيئته.

أما الشعر الهلالي المتأخر، فلا يجوز أن نضعه مباشرة في مرتبة الشاهد الجاهلي أو صدر الإسلام؛ لأن المسافة الزمنية والرواية الشفهية والتغير اللهجي تجعل الاحتجاج به على تقعيد النحو العربي القديم أمرًا يحتاج إلى احتراز شديد.

لكن يمكن الاستفادة منه في علم اللهجات التاريخي، والتطور الصوتي والصرفي، ودراسة استمرار المعجم العربي، وتحوّل البنية الشعرية الشعبية.

يمكن صياغة العلاقة في معادلة بسيطة:

العربية القديمة - تعدد لهجات القبائل - الشعر الفصيح - التقعيد النحوي البصري والكوفي  اللهجات العربية المتطورة - الشعر الشعبي، ومنه الهلالي.

ولذلك فالشعر الهلالي ليس قطيعة مع الفصحى، كما أنه ليس نسخةً منها؛ بل هو فرع من الذاكرة العربية الشفوية، يحمل في جسده بقايا فصيحة وتحولات لهجية وتراكمات تاريخية.

والأجمل في المسألة أن الخلاف البصري الكوفي نفسه يتيح لنا مدخلًا لفهم الشعر الهلالي: فلو أخذنا الصرامة القياسية وحدها لضاقت أمامنا مساحة كبيرة من التنوع العربي، ولو أخذنا المسموع وحده بلا نقد تاريخي لوقعنا في الخلط بين القديم والحديث.

ولهذا فإن المنهج الأنسب هو الجمع بين النحو المقارن، وفقه اللغة، وعلم اللهجات، والتاريخ اللغوي، وتحليل الشعر الشفهي؛ لنكتشف أن العربية لم تكن يومًا نهرًا ذا مجرى واحد، وإنما كانت شبكة من الأنهار واللهجات، التقت في فضاء الفصحى، ثم واصلت جريانها في ألسنة العرب إلى يومنا هذا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بغداد بين تاريخين من منظور نسوي

تشكل رواية "عند باب الأزج" (2021) للروائية والقانونية العراقية نيران العبيدي، الصادرة عن دار ضفاف، عملاً روائياً طموحاً يستعيد روح بغداد وتاريخها السياسي والاجتماعي المضطرب، من خلال تكثيف سردي يجعل من محلة "باب الأزج" التاريخية مركزاً للأحداث وفضاءً تتقاطع فيه الأزمنة والذاكرة والهويات. وقد عُرفت المحلة لاحقاً باسم "باب الشيخ". غير أن الرواية تستعيد اسمها القديم لتعيد وصل الحاضر بماضٍ بعيد، ولتؤكد أن المكان ليس مجرد خلفية تجري فوقها الأحداث، وإنما وعاء للذاكرة وفاعل أساسي في تشكيلها.

ومن هنا، لا تبدو "عند باب الأزج" رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة قراءة التاريخ العراقي من خلال الذاكرة الشعبية، وربط التحولات السياسية الكبرى بالتفاصيل اليومية التي عاشها الناس العاديون. فالرواية تشتغل على أكثر من مستوى: التاريخي والسياسي والاجتماعي والديني والجنساني، وتكشف، عبر هذه المستويات المتداخلة، عن طبقات الصراع بين المقدس والسياسي، وبين السلطة والمجتمع، وبين الرواية الرسمية للتاريخ والذاكرة التي يحملها المهمشون والضحايا.

يشكل باب الأزج أكثر من مجرد فضاء جغرافي؛ فهو يكاد يتحول إلى شخصية رئيسية فاعلة في الرواية. فالمكان يحمل إرثاً تاريخياً وثقافياً عميقاً يمتد إلى العصر العباسي، حين كانت المنطقة مرتبطة بالحياة العلمية والدينية والصوفية، وبمدرسة الشيخ عبد القادر الكيلاني، بما تمثله من حضور روحي وعلمي في الذاكرة البغدادية.

وتستثمر الرواية هذا الإرث لتقيم مفارقة حادة بين ماضي المكان وحاضره. فالمكان الذي ارتبط بالعلم والتصوف والفقه يتحول، في مراحل لاحقة، إلى مسرح للعنف السياسي والاضطراب والانقلابات والصراعات الأيديولوجية. وبذلك يصبح باب الأزج شاهداً على التحول العميق الذي أصاب بغداد والعراق، لا على مستوى العمران وحده، وإنما على مستوى القيم والعلاقات الاجتماعية والوعي السياسي أيضاً.

وهذه العلاقة بين المكان والزمن تمنح الرواية بعداً فلسفياً؛ فالأمكنة، في العمل، لا تختفي حين تتغير أسماؤها أو وظائفها، بل تحتفظ بآثار من مروا بها وبما شهدته من أحداث. إن استعادة "باب الأزج" في مقابل "باب الشيخ" تبدو، في هذا السياق، نوعاً من استعادة الذاكرة نفسها، ومحاولة للعودة إلى طبقات المدينة التي غطتها التحولات السياسية والاجتماعية المتعاقبة.3176 neran

ومن هذه الزاوية، تنجح العبيدي في تقديم ما يمكن وصفه بـ "بانوراما بغدادية"، لا تكتفي برصد الأحداث السياسية الكبرى، بل تلتقط الموروث الشعبي والمعالم والأحياء واللهجات والعادات والأغاني والأزياء وأنماط العيش. وهذه التفاصيل تمنح الرواية قيمة تتجاوز الحكاية ذاتها، لأنها تسهم في تعريف الأجيال الجديدة بوجه من وجوه الهوية البغدادية التي أخذت تتعرض للتآكل تحت وطأة الحروب والانقلابات والتحولات الاجتماعية.

تمتد المساحة الزمنية للرواية من عام 1128م وصولاً إلى انقلاب 8 شباط/فبراير 1963، الأمر الذي يجعلها تتحرك بين زمنين تاريخيين متباعدين، لكنها تربط بينهما من خلال المكان والذاكرة. وليس المقصود من هذا الامتداد الزمني تقديم سرد تاريخي متسلسل بقدر ما هو محاولة لاستكشاف أثر الماضي في الحاضر، وكيف تتراكم الأحداث في الذاكرة الجماعية لتصبح جزءاً من هوية المدينة.

وتبدأ الرواية بمقتبس صوفي للشيخ عبد القادر الجيلاني يضع إطعام الجائع ومساعدة الإنسان في مرتبة تتقدم على التدين الشكلي والشعائر المجردة. ويبدو هذا الاستهلال ذا دلالة واضحة، إذ يؤسس منذ البداية لمنظومة قيمية تجعل الإنسان والعدالة الاجتماعية في مركز الرؤية الروائية. فالدين، وفق هذا المنظور، لا يُقاس بالمظاهر والشعارات، وإنما بقدرته على صون كرامة الإنسان وإطعام الجائع وحمايته من الظلم.

ومن هذه العتبة الروحية تنتقل الرواية إلى تاريخ سياسي أكثر عنفاً، لتتوقف عند التحولات التي عرفها العراق في النصف الأول من القرن العشرين، ولا سيما مرحلة ما بعد ثورة 14 تموز وتجربة عبد الكريم قاسم، وصولاً إلى انهيار تلك التجربة في انقلاب 8 شباط 1963.

وتقدم الرواية، من منظورها الخاص، قراءة نقدية حادة للمرحلة القاسمية، فتتناول ما تراه تناقضاً في السياسات والمواقف، وتنتقد الصراعات التي أحاطت بالقوى السياسية، ولا سيما القوى اليسارية، والعجز عن تحويل الشعارات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية إلى مشروع مستقر. كما تتوقف عند الفساد الإداري والصراعات السياسية وآثارها في المجتمع، بما في ذلك انعكاساتها على مشاريع الإصلاح الزراعي.

ولا تقدم الرواية السياسة باعتبارها نشاطاً مجرداً يجري داخل مؤسسات الدولة، وإنما بوصفها قوة تتغلغل في الحياة اليومية للناس، وتعيد تشكيل مصائرهم وعلاقاتهم ومخاوفهم. فالتاريخ السياسي الكبير يظهر في الرواية من خلال أثره على الإنسان البسيط، وهو ما يمنح السرد بعداً اجتماعياً واضحاً.

وتتخذ الرواية من شخصية أحمد مسلماني مثالاً دالاً على إشكالية الهوية والتخبط السياسي والاجتماعي. فكونه يهودياً ويتقمص دور رجل الدين الصوفي يفتح المجال أمام قراءة تتجاوز حدود الشخصية نفسها إلى مساءلة مفهوم الانتماء والهوية في مجتمع متعدد الطوائف والأديان والهويات.

فالهوية في الرواية لا تظهر دائماً بوصفها حقيقة ثابتة ونهائية، وإنما باعتبارها شيئاً قابلاً لإعادة التشكل تحت ضغط الظروف السياسية والاجتماعية. ومن خلال هذه الشخصية، يمكن قراءة الرواية باعتبارها تفكيكاً للحدود الصلبة التي تُرسم بين "نحن" و"هم"، وبين الديني والسياسي، وبين الطائفي والوطني.

كما أن استدعاء الخوف من النشيد النازي، وما يرتبط به من ذاكرة الفرهود ومآسي اليهود العراقيين، يوسع دائرة المأساة في الرواية، ويجعلها لا تتوقف عند ضحية واحدة أو جماعة واحدة. فالتاريخ العراقي، كما تقدمه العبيدي، تاريخ متشابك من الخسارات والاضطرابات، ولا يمكن فهم مآسيه من خلال رواية أحادية الصوت.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الرواية: فهي لا تنظر إلى التاريخ من موقع المنتصر وحده، بل تحاول استعادة أصوات الذين وجدوا أنفسهم في الهامش، أو تحولوا إلى ضحايا للصراعات السياسية والدينية والاجتماعية.

إذا كان التاريخ السياسي يشكل أحد أعمدة الرواية، فإن المرأة تشكل أحد أهم مفاتيح قراءتها النقدية. فمن خلال الشخصيات النسائية، تنتقل الرواية من نقد السلطة السياسية إلى مساءلة البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج العنف وتمنحه شرعية، أو تتسامح معه.

وتبرز في هذا السياق قضية قتل النساء بذريعة "غسل العار"، وهي من أكثر القضايا حساسية في المجتمع العراقي والعربي عموماً. وتجسد شخصية بدرية هذه المأساة بصورة مؤلمة؛ فهي تتعرض للقتل على يد أخيها باسم شرف العائلة، فتتحول إلى ضحية مباشرة لمنظومة أبوية تختزل قيمة المرأة في مفهوم ذكوري للشرف، وتمنح الرجل سلطة تقرير مصيرها وحياتها.

ولا تبدو مأساة (بدرية) حادثة فردية معزولة، بل جزءاً من بنية اجتماعية أوسع. فالمرأة هنا لا تُعاقب بالضرورة بسبب فعل ارتكبته، وإنما بسبب الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى جسدها وسلوكها وعلاقاتها. ومن ثم يصبح "الشرف" أداة للسيطرة على المرأة أكثر منه قيمة أخلاقية مجردة.

وتزداد حدة هذا النقد من خلال شخصية (ضحى) التي تتعرض للاغتصاب على يد عناصر من الحرس القومي. وهنا تكشف الرواية عن مفارقة شديدة الدلالة: السلطة السياسية التي تزعم محاربة التخلف والفوضى يمكن أن تتحول هي نفسها إلى ممارسة العنف بأقصى صوره، بما في ذلك العنف الجنسي ضد المرأة.

وبذلك لا تكتفي الرواية بإدانة العنف السياسي بوصفه ممارسة سلطوية، وإنما تربطه بالعنف الاجتماعي والجنساني، لتكشف أن الجسد الأنثوي يمكن أن يصبح أحد ميادين الصراع السياسي والاجتماعي. فالاغتصاب، في هذا السياق، لا يظهر باعتباره اعتداءً فردياً فقط، وإنما بوصفه فعلاً من أفعال إخضاع الجسد والسيطرة عليه وإذلاله.

لهذا السبب تحديداً، تحضر (بدرية) في مساحة واسعة من الرواية، وكأن الكاتبة تستخدم مصيرها لإعادة ترتيب مركزية التاريخ نفسه. فبدلاً من أن يكون التاريخ تاريخ الحكام والانقلابات والأحزاب والقرارات السياسية، يصبح تاريخاً للضحايا أيضاً.

وهذه النقطة تمنح الرواية منظوراً نسوياً واضحاً؛ إذ تحاول أن تنقل المرأة من موقع الهامش إلى موقع الشاهد على التاريخ. فبدرية ليست مجرد شخصية روائية تؤدي وظيفة داخل الحبكة، وإنما تتحول إلى رمز للنساء اللواتي غيبتهن الروايات الرسمية، ولم تُسجل معاناتهن باعتبارها جزءاً من التاريخ العام.

ومن هنا يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها محاولة لـ"كتابة التاريخ من الأسفل"؛ أي استعادة الماضي من منظور الأشخاص الذين لم يمتلكوا سلطة تدوينه. وإذا كانت الرواية السياسية التقليدية تسأل: من حكم؟ ومن انقلب على من؟ ومن انتصر؟ فإن "عند باب الأزج" تضيف أسئلة أخرى: من دفع الثمن؟ من فقد حياته؟ من سُلب صوته؟ ومن بقيت معاناته خارج السجل الرسمي؟

إن هذا التحول في زاوية النظر هو ما يجعل البعد النسوي في الرواية يتجاوز مجرد حضور الشخصيات النسائية؛ فهو يتعلق بطريقة إنتاج المعرفة التاريخية نفسها، ومن يحق له أن يكون موضوعاً للتاريخ ومن يظل خارجه.

على الرغم من الغنى التاريخي الواضح في الرواية، فإن قيمتها لا تنبع من كونها وثيقة تاريخية بالمعنى الأكاديمي. فالكاتبة، كما يتضح من تصورها للعمل، لا تتعامل مع التاريخ باعتباره مادة ينبغي نقلها بحياد، وإنما باعتباره مادة إبداعية يعاد تشكيلها من خلال الخيال الروائي.

وهنا تبرز أهمية التفاصيل التي قد لا تحظى بمكان في كتب التاريخ التقليدية: اللهجات المحلية، والأغاني، والأزياء، والعادات، والأمثال، وطرائق العيش، وتفاصيل الحياة اليومية. فهذه العناصر الصغيرة هي التي تمنح التاريخ ملمسه الإنساني، وتحول الماضي من مجموعة تواريخ وأسماء وأحداث إلى عالم نابض بالحياة.

ومن ثم، فإن "عند باب الأزج" تقدم نوعاً مختلفاً من التوثيق؛ إنه توثيق للذاكرة الشعبية العراقية، في مقابل التوثيق الرسمي الذي غالباً ما يركز على المؤسسات والحكام والأحداث الكبرى. وتستعيد الرواية، من خلال الحكايات الفردية والتفاصيل المحلية، جوانب من تاريخ اجتماعي كان يمكن أن يختفي لو بقيت الذاكرة أسيرة السجلات الرسمية.

وهذا المزج بين الوثيقة والتخييل، وبين التاريخ والذاكرة، وبين السياسي والاجتماعي، يمنح الرواية خصوصيتها. فهي لا تريد أن تكون بديلاً عن كتاب التاريخ، وإنما تسعى إلى الكشف عن الجانب الإنساني الذي لا يستطيع التاريخ الرسمي وحده أن يرويه.

***

جورج منصور

جدلية العشق والخلاص.. قراءة نقدية في قصيدة «على باب النبي» للشاعر محمد المتولي مسلم

مذ عدة أشهر كان اللبنة الأولى لهذه القصيدة العصماء "على باب النبي" للشاعر الأديب محمد متولي مسلم والتي تكونت آنذاك من ثمانية أبيات وظننتها كما ظن القراء؛ هي القصيدة   كاملة، فكانت قراءتي النقدية لها تحت "شعر المديح بين: العشق والروحانية والآن وبعد أن أصبحت ضمن المعلقات وتجاوزت أحد عشر ضعفا لما كانت عليه، رأيت أن أعيد القراءة لها بما يتناسب مع قيمتها الأدبية الجديد، فهي ليست قصيدة في المديح النبوي لمجرد استعادةٍ لخطابٍ شعريٍّ مستقر في الذاكرة العربية، ولا هي محض احتفاءٍ بشخصية دينية جليلة تستمد القصيدة من حضورها شرف الموضوع وسمو المقصد؛ وإنما هي، في أعمق مستوياتها، رحلةٌ داخل الذات قبل أن تكون رحلةً إلى الممدوح. فحين يقف الشاعر «على باب النبي» فإنه لا يقف عند عتبة مكانية فحسب، بل يقف عند الحد الفاصل بين حالين: حالٍ مثقلٍ بالخطايا والانكسارات والتيه، وحالٍ يتطلع إلى الصفاء والهداية والنجاة.

ومن هنا يبدو عنوان القصيدة «على باب النبي» مفتاحًا تأويليًا بالغ الأهمية؛ لأن «الباب» في المخيال الإنساني ليس مجرد منفذٍ إلى مكان، بل هو عتبةٌ رمزية بين الخارج والداخل، بين الحرمان والعطاء، بين السؤال والإجابة، وبين الغربة والأمان. ولعل هذا ما يجعل القصيدة منذ مطلعها تتحرك في فضاءٍ دلالي يتأسس على مفردات الماء والعطش والحياض والورد، ثم ينتقل تدريجيًا إلى فضاءات النور والهداية والمجد والرجاء.

إننا أمام نصٍّ لا يكتفي بأن يقول: أحب النبي، بل يحاول أن يجعل الحب حالة وجودية كاملة، وأن يجعل المديح النبوي مرآةً يرى الشاعر فيها ضعف الإنسان، وأزمته الحضارية، وانكساره الأخلاقي، ورغبته في استعادة الطريق.

أولًا: العنوان بوصفه عتبةً تأويلية وبنيةً مولِّدة للقصيدة

يبدو عنوان «على باب النبي» بسيطًا في تركيبه، لكنه شديد الكثافة من الناحية الدلالية؛ فهو يتكون من شبه جملة لا تكتمل دلالتها إلا بما يختزنه الظرف «على» من معنى الوقوف والانتظار والاقتراب دون الدخول.

واللافت أن الشاعر لم يقل: «في رحاب النبي»، ولم يقل: «إلى النبي»، وإنما اختار «على باب النبي»؛ وكأن المسافة بين الشاعر ومقصده هي جوهر التجربة الشعرية نفسها.

إن «الباب» هنا يتحول إلى علامة سيميائية تتجاوز معناها المعجمي إلى معنى روحي؛ فهو باب الرجاء، وباب التوبة، وباب المحبة، وباب الذاكرة النبوية، وباب الخلاص من التيه. ولذلك فإن الشاعر لا يدخل مباشرة، وإنما يبدأ من العتبة:

إني وقفتُ على باب الهدى أدبًا

حتى سكرتُ عيانًا كالذي شربا

وهنا يحدث التحول من «باب النبي» في العنوان إلى «باب الهدى» في المتن. وهذه النقلة ليست اعتباطية؛ فالذات الشاعرة لا ترى النبي في حدود المديح الشخصي، وإنما تراه مركزًا للهداية ومصدرًا للنور.

ومن منظور نقدي، يمكن القول إن العنوان يقوم بوظيفة التكثيف الدلالي الاستباقي؛ فهو يختصر البنية العميقة للنص قبل أن تبدأ القصيدة في تفصيلها. وإذا كان العنوان في النقد الحديث يمثل ما يسمى بـ«العتبة النصية»، فإن هذا العنوان تحديدًا لا يكتفي بإحالة القارئ إلى موضوع القصيدة، بل يضعه منذ البداية في حالة انتظار: من يقف على الباب؟ ولماذا؟ وهل سيفتح الباب؟ وماذا يريد الطارق؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها النص دفعة واحدة، بل يجعل منها حركة داخلية تتطور عبر القصيدة.

ولهذا نجد الشاعر يعود إلى صورة الباب والحجاب والمنع والاقتراب:

لما أذنتُ لحاديكم أتيتكمُ

لكنَّ حُجّابكم قالوا: الْزَمِ العَتَبا

فالعتبة هنا تصبح عتبةً نفسية قبل أن تكون عتبة مكانية. إن الشاعر يحمل شوقه، لكنه يحمل معه أيضًا شعوره بالذنب والنقص والعجز، ولذلك فإن الحجاب ليس حجابًا ماديًا فقط، وإنما هو حجاب الذات عن الصفاء.

ثم يتضاعف معنى الباب حين يقول:

مرغتُ وجهي وقلبي عند بابكمُ

وبعدُ لم أبترِدْ لم أُدركِ الأربا

فهو لا يطلب مجرد الوصول، بل يبحث عن اكتمال روحي لا يتحقق بمجرد الاقتراب المكاني. إن الوقوف على الباب هو في الحقيقة وقوفٌ على الحد الفاصل بين «الأنا» كما هي، و«الأنا» كما تتمنى أن تكون.

وهنا تتجلى قيمة العنوان في أنه لا يغلق المعنى، بل يفتحه. وهذه من خصائص العنوان الشعري الناجح: أن يكون مفتاحًا لا قفلًا، وإشارةً لا إجابةً نهائية.

ثانيًا: من عطش الماء إلى عطش الروح؛ البنية الصوفية للخطاب

إذا أردنا أن نبحث عن النواة الشعورية الأكثر حضورًا في القصيدة، فلن نجدها في المدح وحده، وإنما في العطش.

فالقصيدة تبدأ:

رُدتُ الحياضَ لأروي الظامئَ التعبا

فالوِردُ في الحيِّ إذ لجَّ الظمأ نضبا

منذ اللحظة الأولى تتأسس العلاقة بين الذات والممدوح عبر ثنائية العطش/الماء.

لكن الماء هنا ليس ماءً ماديًا، والحياض ليست مجرد حياض، والورد ليس مجرد مورد. نحن أمام استعارة كبرى تتخذ من الماء معادلًا موضوعيًا للرحمة والهداية والمحبة.

إن الذات عطشى، لكن عطشها يتجاوز الجسد إلى الروح. ولهذا يقول:

والقلب لا يشتفي من ورد سابلةٍ

تعتاده الهيمُ بل تلقي به الحصبا

فالماء الخارجي لا يكفي القلب؛ لأن العطش الحقيقي هو عطش المعنى.

وهنا يمكن قراءة النص في ضوء ما يسمى في النقد بـالبنية العميقة للخطاب؛ فالمعجم السطحي للماء يقود إلى شبكة دلالية أعمق تتصل بالخلاص والرحمة والهداية. ومن ثم فإن:

الماء = الرحمة

العطش = الحاجة الروحية

الحياض = مورد الهداية

الباب = أفق الوصول

النور = الخلاص.

وهذه الشبكة لا تعمل منفردة، بل تتنامى عبر القصيدة حتى تتحول إلى ما يشبه المعجم الصوفي، دون أن يتحول النص بالضرورة إلى خطاب صوفي اصطلاحي.

ويبلغ هذا التشكيل ذروته حين يقول:

يا صاحب الحوض صرنا من تذكركمُ

وما نسينا سقاةً والمدى جدبا

فـ«الحوض» هنا يحيل إلى الذاكرة الدينية، لكنه في الوقت ذاته يتحول إلى رمز للرحمة التي تبحث عنها الذات في عالمٍ جدب.

ومن هنا يمكن القول إن الشاعر لا يقيم المديح على أساس الوصف الخارجي، وإنما على أساس الحاجة الداخلية. إنه لا يقول: هذا النبي عظيم، ثم يسرد مظاهر العظمة؛ بل يقول ضمنيًا: أنا ضعيف، وأنا عطشان، وأنا تائه، ولذلك أبحث عن مصدر القوة والهداية.

وهذه النقطة تمنح القصيدة صدقها الشعوري.

فالمديح يتحول من خطاب في الممدوح إلى خطاب عن أثر الممدوح في الذات.

وهذا فارق نقدي مهم.

فالقصيدة التي تقول إن الممدوح كريم قد تقدم معنىً تقريريًا، أما القصيدة التي تجعل الكرم قوةً تعيد بناء الذات فهي تنقل المديح من مستوى الخبر إلى مستوى التجربة الشعرية.

ولذلك يقول:

فإن سمحتَ ستنجابُ الخصاصةُ بي

غمضًا بعينك أو همسًا ببرد صبا

إن «الخصاصة» هنا ليست فقر المال فقط، بل يمكن قراءتها باعتبارها فقرًا وجوديًا؛ فالشاعر يطلب أن ينجاب عنه غيم النقص.

وهنا تتقاطع لغة المديح مع لغة المناجاة، وتتجاور البلاغة مع التجربة الروحية.

ثالثًا: الذات بين الاعتراف والانكسار؛ درامية السؤال والرجاء

من أجمل مستويات القصيدة أن الشاعر لا يقدم ذاته بوصفها ذاتًا مكتملة، بل يجعلها في حالة محاكمة داخلية.

إن «الأنا» في النص ليست أنا المتعالي، بل أنا المنكسر، السائل، المعترف، الباحث عن مخرج.

يقول:

بالكاد أعلم ذنبي بل أقرُّ به

وحق عينك أغفل ذلك السببا

ثم يقول:

والنفس قد أخلقت ثوب الحياء خنا

فلا حياء هنا أن ألعق التربا

وهنا تنتقل القصيدة من المديح إلى دراما الاعتراف.

فالذات لا تبحث عن تبرير أخطائها، بل تواجهها. وهذه المواجهة تمنح الخطاب بعدًا نفسيًا وفلسفيًا؛ لأن الإنسان في لحظة الرجوع الحقيقي لا يملك إلا أن يرى نفسه كما هي، بعيدًا عن أقنعة الكبرياء.

ولعل أعمق ما في هذه الذات أنها لا تتوقف عند الاعتراف، وإنما تحول الاعتراف إلى فعل رجاء:

ألْحِفْ بربك يا قلبًا أحاط به

إسرافُ أمّارةٍ بالسوء بل غُلِبا

هنا يخاطب الشاعر قلبه.

وهذه التقنية الخطابية تمثل نوعًا من التشخيص الداخلي؛ فالذات تنقسم إلى مخاطِب ومخاطَب، وكأن الشاعر يقيم حوارًا بين مستويين من وجوده.

«يا قلب» ليست مجرد مناداة، وإنما هي استدعاء للذات العميقة.

إن الشاعر هنا لا يكتب عن قلبه، بل يجعل قلبه شخصية داخل النص.

وهذه من الوسائل التي تمنح القصيدة حيوية درامية؛ لأن الخطاب لا يسير في اتجاه واحد، وإنما يتوزع بين النبي، والقلب، والنفس، والذات، والذاكرة، والتاريخ.

ويقول:

يا قلب أرهقتني عشقًا وضخَّ دمٍ

هوِّن عليك فإن العمر قد هربا

وهنا يظهر الزمن بوصفه قوةً ضاغطة.

فالحب ليس حالة ترف وجداني، وإنما هو سباق مع العمر. والذات تعرف أن الزمن يمضي، وأن فرصة العودة لا ينبغي أن تضيع.

ومن هنا يأتي:

الآن يا قلب ندنو لن يضر بنا

إن جئت حبوًا أو اجتزت المدى خببا

إن كلمة «الآن» تحمل طاقةً زمنيةً واضحة؛ فالشاعر ينتقل من زمن الندم إلى زمن الفعل.

وهكذا تصبح القصيدة رحلة تحوّل: الظمأ → البحث → الوقوف → الاعتراف → الرجاء → الاقتراب → الأمل.

وهذه البنية تمنح القصيدة وحدتها العضوية بشكل ملحوظ.

رابعًا: المعجم الشعري والصورة؛ حين يتحول المديح إلى فضاء من النور

تقوم القصيدة على معجم واسع تتجاور فيه حقول دلالية متعددة، أهمها:

الماء والعطش: الحياض، الورد، الحوض، الرواء، الغيث.

الطريق والحركة: جُزت، أتيتكم، دلفت، أدور، ندنو، اجتزت.

النور: الهدى، النور، أشرق، الظلم، الإظلام.

الحرب والمجد: السيوف، الخيل، الشهب، المجد، الرايات.

الضعف والانكسار: الخصاصة، الذنب، القنوط، الغبن، الوهن، الكرب.

وهذه الحقول لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتداخل لتصنع مسارًا دلاليًا صاعدًا.

فالنص يبدأ من «الظمأ» وينتهي بـ«الرواء»، ويبدأ من «الظلم» وينتهي بـ«النور»، ويبدأ من «الضيق» وينتهي بـ«الرجاء».

وهذه ليست مجرد مفردات متجاورة، بل هي ثنائيات ضدية تشكل العمود الفقري للدلالة:

العطش/الرواء

الظلام/النور

الضياع/الهداية

الذنب/المغفرة

الوهن/القوة

الفرقة/الاجتماع

الماضي المجيد/الحاضر المنكسر.

ومن أجمل الصور التي تكشف عن هذا البناء قوله:

ويا واهبًا وهب الدنيا سماحتهُ

أين السماحة لي يا واهبًا وهبا؟

إن التكرار هنا ليس مجرد تكرار لفظي، بل يتحول إلى آلية إيقاعية ودلالية؛ فالفعل «وهب» يتحول إلى مركز في الجملة، وكأن الشاعر يضع نفسه في موضع السائل عن نصيبه من هذا الفيض.

وكذلك:

يا من مدى الود منكم كالسماء إذا

ألقت بغيثٍ فكل الناس قد شربا

تتضافر هنا الاستعارة والتشبيه والمفارقة بين «السماء» و«الغيث» لتكوين صورة الرحمة الشاملة.

فالسماء لا تختار من يشرب، والغيث لا يفرق بين أرض وأرض.

وهكذا يتحول الممدوح إلى مركز كوني للرحمة.

وفي موضع آخر يقول:

وكيف لا والهدى والنور طلعتكم

أشرقت فالظلم والإظلام قد غربا

الصورة هنا قائمة على التضاد الضوئي؛ فطلوع النبي يقابله غروب الظلام.

والشاعر لا يجعل النور مجرد وصف، بل يجعله فعلًا؛ «أشرقت»، فيصبح النور قوةً فاعلة في العالم.

إننا أمام لغة لا تعتمد على المحسنات البلاغية بوصفها زينة خارجية، وإنما تجعل البلاغة جزءًا من البنية الدلالية.

خامسًا: من المديح إلى استعادة المعنى الحضاري؛ القصيدة بوصفها سؤالًا في الحاضر

وهنا تبلغ القصيدة أوسع دوائرها.

فبعد أن تبدأ من الذات الفردية، تنتقل إلى الجماعة، ثم إلى الأمة، ثم إلى التاريخ.

وهذا الانتقال مهم جدًا؛ لأن الشاعر لا يبقى حبيس التجربة الشخصية، بل يجعل محبته للنبي مدخلًا إلى سؤال حضاري: ماذا حدث للأمة؟

يقول:

يا سيدي غالنا خُلْفٌ وخلّفنا

ركب الترقي وآسي العرب قد تعبا

ثم:

يا سيدي أسنت أنهار عزتنا

وعزنا طغمةٌ كانوا هنا الذنبا

إن صورة «أنهار العزة» التي «أسنت» من الصور اللافتة؛ لأنها تنقل العزة من مفهوم مجرد إلى ماء كان جاريًا ثم أصابه العطن.

وهنا يعود معجم الماء، لكنه يعود بصورة معكوسة.

في بداية القصيدة كان الشاعر يبحث عن الماء ليروي عطشه، وفي هذا المقطع تصبح «أنهار العزة» نفسها آسنة.

إنها مفارقة حضارية: الأمة التي كان يفترض أن تكون صاحبة نهر من المجد، أصبحت تعاني من ركود ذلك النهر.

ثم يستدعي الشاعر الذاكرة التاريخية:

كنا النسور على الأجبال بيرقنا

كانوا فراخًا لدى أوكارهم زغبًا

وهنا يتخذ الخطاب طابعًا مقارنًا بين الماضي والحاضر.

غير أن القيمة الفنية ليست في استحضار الماضي لمجرد التغني به، وإنما في جعله مرآة للحاضر.

فالشاعر يسأل بصورة ضمنية:

كيف تحولت القوة إلى ضعف؟

وكيف تحولت الوحدة إلى فرقة؟

وكيف تحولت العزة إلى خوف؟

ثم يقول:

لكنما الآن من كبواتنا بعثوا

تذأبوا ـ أورثونا الخوف واللَّغَبا

إن الفعل «تذأبوا» شديد الكثافة؛ لأنه ينقل التحول من صورة إلى أخرى، من «الفراخ» إلى «الذئاب». لكن الشاعر لا يقدم هذه المفارقة لمجرد التشنيع، وإنما يستخدمها لإبراز اختلال ميزان القوة.

ومن هنا تصبح القصيدة في مستواها الأخير قصيدة استنهاض واستعادة للوعي.

ولهذا تأتي الدعوة:

فادعُ الغفور لنا حتى نفئ إلى

أبْهاءِ مجدٍ لنا عن يومنا عَزَبا

إن العودة ليست عودةً إلى الماضي بوصفه متحفًا، بل عودة إلى القيم التي صنعت ذلك الماضي.

وهنا يمكن القول إن القصيدة تمارس ما يمكن تسميته بـالتناص الحضاري؛ فهي لا تستدعي السيرة النبوية بوصفها مادة حكائية، وإنما تستدعيها بوصفها نموذجًا قيميًا.

ويظهر ذلك بوضوح حين يقول:

حاد الرماة على أُحدٍ فكيف بنا

ولم نشاربك لا كأسًا ولا حببا

إن استدعاء أُحد هنا يتحول من واقعة تاريخية إلى مرآة أخلاقية للحاضر.

فالمشكلة ليست في مجرد تكرار الحدث، وإنما في السؤال عن معنى الانضباط، والطاعة، والوحدة، والمسؤولية.

وهنا تصبح القصيدة أكثر من مديح نبوي؛ تصبح خطابًا في إصلاح الذات والجماعة.

الإيقاع والقافية: الموسيقى بوصفها حاملًا للوجد

ولا يمكن مقاربة القصيدة دون الوقوف عند موسيقاها؛ فالنص الطويل الذي يتكئ على القافية الواحدة يحتاج إلى قدرة عالية على المحافظة على التنويع الداخلي حتى لا تتحول الموسيقى إلى رتابة.

وقد اختار الشاعر نمطا كلاسيكيا يقوم على وحدة الروي، وهو ما يمنح القصيدة إحساسًا بالتماسك والاستمرار.

واللافت أن تكرار الصوت النهائي لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، وإنما يتحول إلى علامة نفسية؛ فالقافية في كثير من الأبيات تأتي كأنها زفرة في نهاية الجملة الشعورية.

كما أن كثرة النداءات:

يا صاحب الحوض

يا سيدي

يا واهبًا

يا ابن الذبيحين

يا من ترد سلام الوالهين

يا قلب

يا من مسحت على عجفاء

هذا النداءات تخلق إيقاعًا داخليًا قائمًا على التكرار الندائي.

والنداء هنا ليس مجرد أداة نحوية، بل هو بنية نفسية؛ لأن النداء يفترض المسافة، والشاعر طوال القصيدة يحاول تقليص المسافة بينه وبين الممدوح.

ومن ثم يمكن القول إن الإيقاع الخارجي والإيقاع الداخلي يتعاونان على صناعة إيقاع الشوق.

كما أن أختبار بحر البسيط التام أعطى للشاعر مساحة إيقاعية وجدانية شديدة التأثير في المتلقي حيث استشعر أن البنية المعمارية للقصيدة مموسقة داخليا وخارجيا

فالقصيدة لا تتحرك فقط على مستوى البحر والقافية، وإنما على مستوى التوتر بين الاقتراب والابتعاد، وهو توتر يتكرر في بنائها الدلالي كله.

التماسك النصي: القصيدة بوصفها رحلة لا مجموعة أبيات

ومن أهم ما يميز النص أن أبياته، على امتداد طوله، لا تبدو منفصلة عن بعضها، رغم تنوع الموضوعات وانتقال الشاعر من الذات إلى التاريخ ثم إلى الأمة.

ويمكن تفسير ذلك من خلال وجود شبكة من الروابط المعجمية والدلالية.

فالماء الذي يظهر في البداية يعود لاحقًا في صورة الغيث والرواء والحوض.

والباب الذي يبدأ به العنوان يعود في صورة العتبة والحجاب والحِمى.

والنور الذي يظهر في المديح يعود بوصفه نقيضًا للظلام الحضاري.

والقلب الذي يبدأ بوصفه موطن العشق يتحول إلى موطن الرجاء.

وبذلك لا تتكون القصيدة من موضوعات متجاورة، وإنما من دوائر دلالية متداخلة.

وهذه نقطة مهمة في الحكم على النص الطويل؛ إذ إن طول القصيدة ليس عيبًا في ذاته، وإنما العبرة بقدرة النص على إنتاج وحدة عضوية تتجاوز مجرد وحدة الوزن والقافية.

وفي هذه القصيدة نجد أن الوحدة الأعمق هي: البحث عن الخلاص.

فالذات تبحث عن خلاصها من الذنب، والأمة تبحث عن خلاصها من الضعف، والإنسان يبحث عن خلاصه من التيه، وكل ذلك يتجه نحو النموذج النبوي باعتباره مركزًا للهداية والقيم.

القصيدة بين حرارة التجربة وبلاغة الموروث

من اللافت كذلك أن الشاعر يتحرك داخل فضاء المديح النبوي وهو مدرك للتراث الشعري الذي سبقه؛ فقصائد المديح النبوي العربية تمتلك تقاليد طويلة، من قصائد الصحابة في مدح الرسول، إلى البردة وما تفرع عنها من معارضات ومدائح. وهذا يجعل الشاعر المعاصر أمام تحدٍّ مزدوج: كيف يكتب في موضوع مستهلك تاريخيًا دون أن يصبح صوته مجرد صدى؟

والإجابة هنا ليست في مغادرة التراث، وإنما في إعادة إنتاجه من داخل تجربة معاصرة.

فالشاعر يستخدم لغة تراثية واضحة، لكنه لا يجعلها منفصلة عن قلق الحاضر.

حين يقول:

عقدت للعرب للعلياء ألويةً

فنكّسوها ألا ما أضيع العربا

فهو لا يصف الماضي وحده، وإنما يكتب حاضرًا مأزومًا بلسان شاعر يعيش زمنه.

وهنا تتشكل علاقة جدلية بين التراث والحاضر.

فالتراث ليس قيدًا على القصيدة، بل يصبح في هذا السياق طاقة تأويلية تساعد الشاعر على قراءة الحاضر.

وهذه من أهم وظائف التناص في النص؛ فالنص لا يستعير الماضي ليزخرف لغته، وإنما يستدعيه ليمنح الحاضر عمقًا تاريخيًا وأخلاقيًا.

الذات التي تقف على الباب: قراءة فلسفية في معنى الاقتراب

إذا حاولنا أن نقرأ القصيدة من زاوية فلسفية، فإننا سنجد أن «الباب» يمثل سؤالًا وجوديًا بامتياز.

فالإنسان في جوهر تجربته كائن يقف دائمًا أمام أبواب:

باب المعرفة، باب الحب، باب الخلاص، باب المعنى، باب الآخر، وباب الله.

لكن الشاعر هنا يقف على باب النبي بوصفه بابًا رمزيًا إلى منظومة من القيم.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيدخل الشاعر الباب؟

بل:

هل استطاعت الذات أن تصبح جديرة بالدخول؟

وهذا السؤال يتخفى وراء كثير من أبيات الاعتراف والانكسار.

ولهذا يقول:

لا يأنف القلب أن يعنو لطلعتكم

والعين لا تستحي أن تفرش الهدبا

فالذات تتخلى هنا عن كبريائها.

وهذا التخلي ليس ضعفًا، بل هو نوع من التحرر من وهم الأنا.

فالإنسان لا يبدأ رحلة التغيير إلا حين يدرك محدوديته.

ومن هنا تأتي قيمة «الانحناء» و«تمريغ الخد» في القصيدة؛ فهذه الصور لا ينبغي قراءتها على مستوى الحركة الجسدية وحدها، بل على مستوى تفكيك الأنا المتضخمة.

يقول:

ولا أريد سوى تمريغ خدي في

طهر الجناب ويجثو القلب منتَحِبا

إن الجسد هنا يتحول إلى لغة، والقلب يتحول إلى فعل، والبكاء يتحول إلى تطهير.

وبذلك تصبح القصيدة نوعًا من الطقس الشعري لتطهير الذات.

حين يتحول الباب من مكان إلى معنى

في خاتمة القصيدة يصل الشاعر إلى منطقة مختلفة عن بدايتها.

ففي البداية كان عطشانًا، حائرًا، واقفًا على الباب، يحمل ذنبه وشوقه.

وفي النهاية يصبح أكثر قدرة على تصور اللقاء:

نلقى البشارة بالقربى ومغفرةً

وفرجةً والتئام الصف والأربا

ثم يبلغ النص ذروته:

ونجتلي الطلعة الأبها وعترتها

ونلتقي في حمى المختار ذي النُّخبا

ثم يختم بالصلاة:

صلى عليك إله الكون يا علمًا

للحق والخير والسلم الذي احتجب

وهنا تتضح البنية الدائرية للقصيدة.

لقد بدأ الشاعر من العطش وانتهى إلى الرجاء.

بدأ من الباب وانتهى إلى اللقاء.

بدأ من الذنب وانتهى إلى المغفرة.

بدأ من الجدب وانتهى إلى الغيث.

بدأ من الظلام وانتهى إلى النور.

وهذه الثنائيات تمنح القصيدة نظامها الداخلي، وتجعلها أكثر من قصيدة مدح؛ إنها رحلة روحية وحضارية تتخذ من النبي مركزًا رمزيًا للمعنى.

ولعل أجمل ما في تجربة الشاعر محمد المتولي مسلم في هذه القصيدة أن الشاعر لا يكتفي بإقامة مديح خارجي للممدوح، وإنما يجعل من الممدوح مرآةً لذاته، ومقياسًا لضعفها، وأفقًا لتجاوزها.

فالنبي في النص ليس شخصية بعيدة عن الشاعر، بل حضورٌ تتحرك نحوه الذات كلما شعرت بالعطش.

ولهذا فإن عنوان القصيدة «على باب النبي» يظل صالحًا لأن يكون مفتاحًا شاملًا للنص كله؛ لأن الشاعر، في نهاية المطاف، لا يغادر الباب.

إنه يظل هناك، عند العتبة، في حالة شوق دائم؛ لأن الباب في التجربة الشعرية ليس نهاية الرحلة، وإنما هو المعنى الذي يجعل الرحلة ممكنة.

وهنا تكمن شاعرية النص: في أنه يجعل من الوقوف انتظارًا، ومن الانتظار رجاءً، ومن الرجاء معنى، ومن المعنى نورًا.

فالقصيدة في جوهرها ليست سؤالًا عن الوصول إلى النبي بقدر ما هي سؤال عن قدرة الإنسان على الوصول إلى أفضل ما في نفسه.

وحين يقول الشاعر:

ألْحِفْ بربك يا قلبًا أحاط به

إسرافُ أمّارةٍ بالسوء بل غُلِبا

فإنه لا يخاطب قلبه وحده؛ إنه يخاطب الإنسان في ضعفه الأبدي، ذلك الإنسان الذي يعرف الطريق ثم يضل، ويشتاق إلى النور ثم تستهويه العتمة، ويبحث عن الرحمة وهو يحمل في داخله أسباب عثرته.

ومن هنا يمكن القول إن «على باب النبي» قصيدة تتحرك في ثلاثة أفق متداخلة: أفق وجداني يستمد مادته من الشوق والحب، وأفق روحي يقوم على الاعتراف والرجاء والهداية، وأفق حضاري يستدعي المجد النبوي ليضع الحاضر أمام مرآة تاريخه.

وبذلك لا يصبح المديح في القصيدة غايةً نهائية، وإنما يصبح وسيلة لاستعادة المعنى.

فحين يمدح الشاعر النبي، فإنه في العمق يبحث عن الإنسان الذي يمكن أن يكونه، وعن الأمة التي يمكن أن تستعيد توازنها، وعن النور الذي يستطيع أن يبدد هذا القدر من العتمة.

وهكذا يغدو «باب النبي» في النهاية بابًا إلى الذات، وبابًا إلى الذاكرة، وبابًا إلى المعنى، وبابًا إلى الرجاء.

وما أجمل أن تنتهي القصيدة بالصلاة؛ لأن الصلاة هنا لا تبدو خاتمةً شكلية، بل تبدو عودةً إلى الأصل الذي بدأت منه الرحلة كلها: الحب.

فالشاعر الذي وقف أول الأمر عطشانًا على الباب، ينتهي وهو يرفع صوته بالصلاة، وكأن القصيدة كلها لم تكن إلا رحلة قلبٍ طويل من الظمأ إلى الرواء، ومن التيه إلى الهداية، ومن الانكسار إلى الرجاء.

وفي ذلك تتجلى القيمة الجمالية الأعمق للنص: أن المديح النبوي فيه لا يصف النور فحسب، بل يحاول أن يجعل اللغة نفسها واقفةً في حضرته.

وهكذا تتحول القصيدة في نهايتها من قصيدة طلب إلى قصيدة يقين، ومن سؤال عن الوصول إلى إيمان بأن الطريق ما يزال ممكنًا.

إنها، في جوهرها، قصيدة إنسان يقف على الباب؛ لكنه لا يقف مستسلمًا للبعد، بل يقف وفي قلبه ماءٌ من الرجاء، وفي ذاكرته نورٌ من السيرة، وفي روحه يقينٌ بأن الطرق التي تنتهي إلى الرحمة لا تضيع، وأن من عرف كيف يطرق الباب بأدب، لا بد أن يظل في داخله شيء من الأمل.

ولذلك فإن «على باب النبي» ليست مجرد قصيدة في المديح النبوي، وإنما هي قصيدة في استعادة الإنسان لمعناه، وفي استعادة الأمة لذاكرتها، وفي استعادة الروح لقدرتها على الرجاء؛ قصيدة يتجاور فيها صوت العاشق مع صوت الناقد، وصوت الفرد مع صوت الجماعة، وصوت التاريخ مع سؤال الحاضر، حتى يصبح الباب في النهاية رمزًا مفتوحًا على السماء، ويصبح الوقوف عليه شكلًا من أشكال العودة إلى الذات قبل أن يكون انتظارًا للعبور.

فالقصيدة تبدأ بالعطش، لكن العطش فيها ليس خاتمة؛

وتبدأ بالباب، لكن الباب ليس سدًّا؛

وتبدأ بالبعد، لكن البعد ليس قدرًا؛

لأن خلف كل عتبة في النص وعدًا بالوصول، وخلف كل انكسار رجاءً، وخلف كل ظلمة نورًا يستعيد اسمه حين يشرق الحضور النبوي في وجدان الشاعر.

شكرا جزيلا للأديب الشاعر الناقد محمد المتولي مسلم على هذه الدرة العصماء

تقديري الدائم

***

د. سيد فاروق

.........................

على بــاب الـنـبي

ردْتُ الـحياضَ لأروي الـظامِئَ الـتعِـبـا

فَالوِرْدُ في الـحَـيِّ إذْ لَـجَّ الـظمـا نـضبا

*

والـقلب لا يـشتَفِي من وِردِ سابِـلَـةٍ

تـعتاده الهيمُ بل تُلقِي بـه الـحَصَبا

*

فما عليَّ إذا جُـزْتُ الـصُّـوَى أمَـلا

وما عليَّ إذا مـا عاتِـبٌ عَـتَبـا

*

يــاصاحبَ الحوض صرنـا من تَـذكرِكمْ

ــ وما نَـسِيـناــ سُقـاةً والمدى جَدَبـا

*

أدور بـالكاس والـحانـاتُ قد مُـلِـئتْ

وكل جُلاسها قد هام أو طَرِبــا

*

ظنَـنتُني ضَلَّـةً من عُصْبَـةٍ رَشَدتْ

دارتْ بخمرتـكم تَـسقي مَن انجذبـا

*

لكـنما هالني أهلُ الصبابـة في

ساحاتِ حضرتكم قد أَتـبَـعـوا سَبَبـا

*

أنــَّى لِـواهٍ على الـمِنْساةِ تـَحملُـه

على الـهُـوَيْـنا هنا أنْ يُـدرِك الـنُّـجَبَا

*

ياسيدي والهوى يـأبَى انـتسابَ جَـوٍ

للآن في دفتر الـعشاق ما كُـتِـبا

*

على أديـم الـهوى خجلانُ يَـحجبه

طيفُ الذنـوب إذا ما هَمَّ أوْ وثَـبا

**

إني وقفتُ على بـاب الهدى أدبـا

حتى سكِـرتُ عَيانًــا كالـذي شربـا

*

لـمـا أَذِنْـتُ لـِحـاديكمْ أتَـيـتُـكمُ

لكنَّ حُجَّـابكـمْ قالـوا الْـزَمِ الـعَـتَـبـا

*

يـاضَيعة الصبِّ إنْ يُـحجَـبْ وحُسنُكمُ

عن العـوام هنا ما ضَنَّ أو حُجِبا

*

كم ألـفِ نَـوْبـة شَوقٍ قد دَلَـفتُ بها

إلـى حِماكمْ وماعايَـنْتُ ذي الـحُـجُـبا

*

مَرغْتُ وجهـي وقلـبي عند بـابِـكمُ

وبـعدُ لم أبـترِدْ  لـمْ أُدركِ الأرَبــا

*

كأنمـا لـملـمَتْ ريـحُ الـدَّبـورِ نَــوًى

من كلِّ عُسرةِ شوقٍ تُـشبهُ الـنُّـصُبا

*

حتى رأيـتُ كأجبالِ الـنـوى سُتُـرًا

على الـتداني فأبقى لي الـنوى نَـصَبا

*

فـإن سَمحتَ ستَـنْجابُ الـخَصاصةُ بي

غَمْضًا بِـعيْـنِـك أو هَمْسًـا بـبَـرْدِ صَبـا

*

فمـا أُحَـيلَى خيـالا من مشارقِكم

وما أُحَـيْلاه إنْ بَـدرُ الـسما غرَبـا

*

يَنـداح يـشفِي قلـوبَ الآملـين رضًا

إن أوْمـأ الطيفُ لي أو مرةً غَضِبا

*

فلا تـدعْني وزُرنـي ألـتمـسْ أملا

قلـبي وأُفـقُ زماني سيدي قطَـبـا

*

بـالكادِ أعلم ذنـبي بـل أقِـرُّ بــه

وحَقِّ عَينـِكَ أغفِـلْ ذلـك السببا

*

يـامَنْ مَدى الـودِّ منكم كالسماءِ إذا

ألـقتْ بـغيثٍ فكل الناس قد شربـا

*

يــاواهبـًا وهب الـدنـيا سماحتَهُ

أيـن الـسماحةُ لي يـاواهبـًا وهبا.؟

*

الـناسُ تـنهـزُ من فَضفـاض بَسطِكُمو

وكلـهم سيدي قد خاض أو لـِعبا

*

فهـا أنــا أنـهـزُ الـمِرقـاةَ تُـدركـني

وقد تَـدلَّـتْ فضاءتْ والـدجى وَقَبَـا

*

يـا ابـنَ الـذبـيحينِ كم أزجت سماحَـتُـكم

سَمْحَ الوِدادِ إلى الـمطرود فاقتربـا

*

أليس تشفـع لي قُربَى لِـجَدتِـكم

فـإن لـي سيدي من هاجَـرٍ نَـسبا

*

لـمَّا طغَـى الـبعد لم أعثر على سفني

ولا الجواري التي قد أقلَـعَتْ سَرَبـا

*

والـنفسُ قد أخْـلَـقَتْ ثـوبَ الـحَياءِ خَنا

فلا حياءَ هنا أنْ ألـعـقَ الـتُّـرُبـا

*

لا يـأنَـفُ الـقلبُ أن يعنـو لـطلـعتكم

والعينُ لا تَستحي أن تـفرش الـهُـدُبـا

*

ولا أريـد سِوى تـمريـغ خَدِّيَ في

طُهـر الـجَناب ويـجثو الـقلبُ مُنـتَحِبا

*

وكـيف لا والـهدى والـنـورُ طلـعتُـكُم

أشرقْتَ فالظلمُ والإظلام قد غَرَبـا

*

آنَ اكـتَـسيْتَ الـبهـا والـنورَ من كَـثَـبٍ

من سدرة المنتهـى هاثـوبُـنا قَشُبا

*

لكـنما أخلَـقـتْ في الـثوبِ جِدَّتـه

تـنبو السيوفُ ورتْـلُ العاديـاتُ كـبَا

*

ماذا جرى يــامَليحَ الـوجهِ أبعدنــا

عن الـحِمَى فالتزمنا الـهمَّ والـوصَبا

*

على الـمَطَـلّ وقَفْتَ الخيلَ مُسْرَجةً

صُبحًا إلى المجدِ ضَبْحًا تسبقُ الشُّهُبا

*

حتى علـونـابـها صَهـواتِ قرطبةٍ

وفي سَمَـرْقَـنْـدَ تـرعى الـعدلَ والـعُـشُبا

*

لـما استقمنا على منـهاج سيدنـا

جُزنـا الـتُّرابـاتِ كِـنا نَـمتطي السحبا

*

عـقَـدتَ لـلـعُـربِ لـلـعـلياء ألـويـةً

فَـنـكَّسوهـا ألا مـا أضيـعَ الـعَــربــا

*

يــامَن تـردُّ سلامَ الوالـِهيـن رِضا

في وقدَةِ الحَـجِّ ـ هَوْنًـاـ والـزحامُ رَبـا

*

مـا بـين مِنـبرِكُـم والـبيتِ مُـحْـتَدَمٌ

لـلسائـلينَ فتُعطي الكلَّ مـا طَـلَـبا

*

يـا قلبُ أرهقتَـني عِشقًـا وضَخَّ دَمٍ

هَـوِّنْ عليكَ فـإنّ العمر قد هربــا

*

الآن يـاقـلبُ نـدنـو . لن يضرَّ بـنا

إن جئتَ حبوًا أو اجتزتَ المدى خَبَـبَا

*

أنجَزتَ يـاقـلبُ عَوْدًا فـالتمس أملا

سيفُ القُنوط على حد الرجاءِ نَـبا

*

ألـحِـفْ بربـك يــاقـلـبًـا أحاط بـه

إسرافُ أمَّارةٍ بـالـسـوء بـلْ غُلِـبا

*

ألـحِـفْ خلال يـديْ هذا الـنـبي فمن

ألـقى إليه حَثـيثًـا ذنـبُه انـشطَبا

*

يـاواسع الجاه والأحيانُ مُـفرطـةٌ

في الضيق والغَـبْنِ لكـن جاهُكمْ رحُبا

*

يـا أرحم الـناس بالناس الألُـىَ عشقوا

وجهَ الكريمِ.وضَعفًا قارفوا عَطَبا

*

أمْسكْ بذِي الـحُجَزِ الرعناء ما فَتِـئَت

تـهوِي إلـى وهدةٍ قدسُعِّرتْ لهبا

*

يــاسيدي غالـنا خُـلْـفٌ وخلَّـفَـنـا

ركْـبُ الترقِّي وآسِي العُربِ قد تَـعِبا

*

يــاسيـدي أسَنَـتْ أنـهـارُ عِزّتِـنـا

وعَـزَّنــا طُغـمَـةٌ كانـوا هنا الـذنَـبـا

*

ما كان جمعـهمُ أكـفـاءَ أصغرِنــا

والدهر في حينـهـا َكمْ سَطَّر الـكتُـبا

*

أحبار أسفارِهم فاحت بـأنـهمُ

ذيــلُ الـعـفـاء على آثـارهمُ سُحِبا

*

كـنا الـنسورَ على الأجبـالِ بـيرقُـنا

كانوا فِراخًا لـدى أوكارهم  زُغُبا

*

لـكنما الآن مِن كَــبْـواتـنا بُـعِثوا

تَـذأَّبـوا ـ أورثـونــا الـخـوفَ والـلَّـغَـبا

*

أيـامُ نَـعمـائـنا صارت لـفرقتـنا

وفُحـش بَـأسائـنا يـاسيـدي كُـرَبـا

*

فادعُ الغفـورَ لـنا حتى نَـفئ إلـى

أبـهـاءِ مـجـدٍ لـنا عن يـومنا عَزَبـا

*

يـامَن مَسحْتَ على عَجْفـاءَ مُجدبـةٍ

فما تَـشَهَّى الصغارُ الـدَّرَّوالحَلِبا

*

امْنُـنْ علينا فإنـا الـتابـعون لـكم

الـمـؤمنـون غِيابـًـا لم نُطـِلْ رِيَـبا

*

يـامـن تَـفـرق في كل القلـوب هوى

فـلملَمَ الـشملَ حتى وشَّجَ القُـرَبـا

*

أحبـابـُكُـمْ يـارسولَ الله قدْ وهَنوا

فهل يُـتاحُ لـنا من ضعفـنا هَربـا

*

حاد الـرماةُ على أُحْدٍ فكـيف بـنا

ولم نُـشارِبـْكَ لا كأسًا ولا حَـبَبا

*

لـكن نـراك على الرؤيـا ويـُـتْحِـفـنا

طِيبُ الرُّواءِ ونـلقَى الحُسْنَ والـشَّنَبا

*

ــ يـا أمَّ معبدَ قَـبْساتٌ نُدِلُّ بـها

من سِفر مدحكِ في الأحداق قد كُتِبا

*

نـلـقَـى الـبِشـارةَ بـالقربَـى ومغفرةً

وفُرجةً والـتِـئامَ الـصـفِّ . والأرَبــا

*

ونـجْتلـي الـطلـعةَ الأبـهَـى وعِترتَـها

ونلـتقي في حِمَى المختار ذي الـنـُّخَبا

*

صلى عليك إلـهُ الكــون يــاعلـمًا

لـلحق والـخير والـسلْم الـذي احتجـب

***

محمد الـمـتـولـي مسلـم

من صرّة القماش إلى خزان الذاكرة

تأتي قصة «بقشة أمونة» للكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي، الصادرة عن معهد الشارقة للتراث في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفها نصًا سرديًا شديد الالتصاق بالحياة الشعبية، وقادرًا في الوقت نفسه على تجاوز المستوى الفلكلوري الظاهر إلى بناء نقدي أعمق، يجعل من الحارة القديمة مجالًا لاختبار الذاكرة، والسلطة، والعلاقات النسائية، وتداول الخبر، وصناعة السمعة. ومنذ عتبة العنوان، تضعنا القصة أمام شيء صغير في ظاهره، هو البقشة، غير أن هذا الشيء يتحول تدريجيًا إلى مركز دلالي تتحرك حوله الشخصيات والأسرار والبيوت والمجالس، حتى يغدو حاملًا مكثفًا لعالم اجتماعي كامل. فالبقشة هنا ليست مجرد صرة بضائع تحملها امرأة جوالة، وإنما هي خزان متنقل للحكايات، وأداة عبور بين البيوت، ووسيط اجتماعي يجمع بين التجارة والخبر، والفضيحة والحنين والخوف.

تنهض القصة على قدرة واضحة في تحويل الموروث اليومي إلى مادة حكائية حيّة. فاطمة المزروعي لا تستعيد الحارة بوصفها صورة قديمة تستدعي العاطفة والحنين، وإنما تجعلها بنية اجتماعية مكتملة، لها قوانينها الخفية، ومراكزها المؤثرة، ونظامها الخاص في المراقبة والتداول والحكم. الحارة في النص تتحرك كجسد جماعي، يسمع، ويرى، ويتذكر، ويصنف الناس، ويمنحهم مواقعهم داخل شبكة العلاقات. الأبواب، المجالس، الخادمات، القهوة، البخور، الأقمشة، كحل الإثمد، المندوس، واحتفالية حق الليلة، كلها تتحول إلى عناصر فاعلة داخل البناء السردي، حيث تؤدي الأشياء وظيفة اجتماعية تتجاوز حضورها المادي. فالقماش مثلًا ليس قطعة للبيع فقط، وإنما علامة على الذوق والمكانة والرغبة النسائية في الظهور، وكحل الإثمد يتصل بصورة الجسد المؤنث في المجال الشعبي، والمندوس يحتفظ بما تخفيه البيوت من ذاكرة، والبخور يفتح باب الحميمية والضيافة والسر، بينما الفريج يقدّم الإطار الأوسع الذي تتحرك داخله هذه العلامات جميعًا.

وتتجلى مهارة الكاتبة في رسم شخصية أمونة من خلال علاقتها بهذه الأشياء الصغيرة. فهي شخصية مصنوعة من الحركة والعبور والمعرفة. تدخل البيوت محمولة على شرعية البيع، غير أن دخولها لا يتوقف عند المبادلة التجارية؛ فهي تلتقط ما يقال وما لا يقال، وتقرأ الوجوه، وتنتبه إلى تبدل الروائح، وإلى نوع القهوة المقدمة، وإلى صمت امرأة، أو ارتباك خادمة، أو غياب فتاة عن المجلس. ومن هذا التراكم اليومي تصنع أمونة سلطتها. قوتها ليست في المال، ولا في النسب، ولا في المنصب، وإنما في امتلاكها لما يمكن تسميته بالمعرفة الاجتماعية الدقيقة؛ تلك المعرفة التي تتشكل من التفاصيل الصغيرة، وتتحول داخل المجتمعات المحدودة إلى نفوذ ناعم، قادر على التأثير في المصائر، والعلاقات والزواج والسمعة.

من هذه الزاوية، تبدو أمونة أكثر من بائعة جوالة. إنها وسيط اجتماعي، وناقلة أخبار، وخطّابة، ومصلحة بين البيوت، وحافظة أسرار، وصانعة توتر في الوقت نفسه. هذه التركيبة تمنح الشخصية طاقتها الدرامية. فهي تدخل البيوت بوجه مألوف، محبب، قريب من النساء، لكنها تحمل معها سلطة خفية، لأن كل بيت يعرف أنها قد تخرج منه بشيء أكثر من ثمن القماش. ولذلك تصبح البقشة جهازًا سرديًا شديد الذكاء؛ فهي تمنح أمونة حق الحركة، وتمنحها في الوقت نفسه القدرة على جمع الروايات. كل قطعة قماش داخلها تصلح لأن تكون مدخلًا إلى حكاية، وكل طلب شراء قد يفتح بابًا على زواج قادم، أو خصومة مكتومة، أو غيرة نسائية، أو خيبة داخل بيت مغلق.

وتبلغ القصة مستواها النقدي حين تكشف أن المعرفة اليومية يمكن أن تتحول إلى سلطة اجتماعية. الثرثرة في «بقشة أمونة» لا تظهر بوصفها كلامًا زائدًا، وإنما كبنية فاعلة في تنظيم الحارة. الخبر يرفع امرأة ويخفض أخرى، يفتح طريقًا لزواج أو يغلقه، يحمي سمعة بيت أو يعرّيه أمام الآخرين. هنا تقترب القصة من منطقة سوسيولوجية مهمة، حيث تتحول المجتمعات الصغيرة إلى شبكات رقابة متبادلة، ويصبح الكلام مؤسسة غير مكتوبة لإدارة السلوك. فالناس لا يحتاجون دائمًا إلى قانون ظاهر كي ينضبطوا؛ تكفيهم أحيانًا عين الحارة، ولسان الحارة، وذاكرة امرأة تعرف كيف تحفظ الخبر ومتى تطلقه.

وقد أحسنت المزروعي في جعل هذه السلطة ناعمة وغير مباشرة. أمونة لا تبدو شخصية قهرية أو متسلطة بالمعنى الواضح، وإنما تمارس أثرها من خلال القرب، والأنس، والمزاح، والخدمة، وتلبية الحاجات. هذه هي خطورة الشخصية وجمالها الفني في آن واحد. فهي لا تفرض نفسها على البيوت، وإنما تدخل إليها من منطقة الحاجة والرغبة. النساء يحتجن ما تحمله، ويحتجن أيضًا ما تعرفه؛ يحتجن القماش والخبر معًا. ومن هذه الثنائية يتكون موقع أمونة. إنها تحمل سلعة مرئية وسلعة غير مرئية. الأولى تُشترى بالمال، والثانية تُتداول بالحذر والرغبة والفضول.

وتزداد كثافة النص حين تنتقل القصة من وصف الدور الاجتماعي لأمونة إلى كشف شرخها الداخلي. المفارقة الدرامية المركزية في القصة تقوم على أن المرأة التي تقرأ الحارة كلها تعجز عن قراءة بيتها، وأن التي تعرف أسرار الآخرين تقف مرتبكة أمام سر قريب منها، وأن التي رتبت الزيجات، وقرأت الرغبات، وفهمت الهمس، تجد نفسها أمام جرح شخصي يعطل جهازها كله. هذه المفارقة تمنح النهاية بعدها التراجيدي، لأنها تضرب الشخصية في مصدر قوتها ذاته. فالمعرفة التي صنعت نفوذ أمونة تصبح عاجزة أمام المساحة الأكثر قربًا منها. وكلما بدا حضورها في الخارج واسعًا، تكشف النهاية أن الداخل الشخصي ظل منطقة عتمة.

في هذه النقطة تحديدًا تنتقل القصة من حكاية شعبية قائمة على الطرافة والتفصيل إلى بناء تراجيدي يكشف هشاشة السيطرة الاجتماعية. فأمونة التي تمارس نوعًا من الرقابة على الحارة، وتعرف حركة النساء والبيوت، تواجه لحظة لا تكفي فيها خبرتها. الجرح المرتبط بالأمومة، والجسد، والزواج، والخيبة، يجعل الشخصية تنكشف أمام القارئ بوصفها كائنًا هشًا، لا مجرد امرأة نافذة داخل فضاء شعبي. وهنا تتجاوز القصة الرؤية المبسطة للشخصية الشعبية، وتمنحها عمقًا إنسانيًا واضحًا. فالقارئ لا يرى أمونة من الخارج فقط، حاملة البقشة وصانعة الأخبار، وإنما يراها من الداخل أيضًا، امرأة مثقلة بما لم تستطع معرفته أو منعه أو ترميمه.

لغة فاطمة المزروعي في «بقشة أمونة» تمتلك طاقة تصويرية واعية. فهي تستثمر المفردة الشعبية من دون أن تجعلها معجمًا تراثيًا موضوعًا للزينة. المفردات تنبع من حركة العالم نفسه. حين تظهر البقشة، أو المندوس، أو البخور، أو القهوة، أو الفريج، فإنها تدخل إلى النص بوصفها جزءًا من نظام العيش، ومن علاقة الناس بالمكان، ومن الطريقة التي تتشكل بها الذاكرة داخل البيوت. وهذا يمنح اللغة ملمسًا محليًا واضحًا. المحلية هنا ليست انغلاقًا، وإنما طريق إلى الكوني، لأن القصة كلما توغلت في تفاصيل الفريج الإماراتي اقتربت من أسئلة أوسع تتصل بالسلطة والسمعة والخوف، والحب والخيبة والمعرفة.

ومن الأمثلة اللافتة في النص أن الكاتبة تجعل الشيء الصغير يفتح طبقة اجتماعية كاملة. البقشة، مثلًا، تختصر اقتصاد النساء في الحارة؛ فهي تقيم علاقة بين البائعة والبيت، وبين الرغبة والقدرة، وبين الزينة والمكانة. المجلس النسائي يكشف نظام تداول الخبر، إذ يصبح الكلام وسيلة لتثبيت المكانة أو خلخلتها. الخادمة تفتح زاوية أخرى تتصل بانتقال الخبر بين الداخل والخارج، لأن موقعها داخل البيت يمنحها معرفة قريبة، لكنه يضعها أيضًا في مرتبة اجتماعية هشة. أما حق الليلة فيستدعي طبقة احتفالية من الذاكرة، حيث تتداخل الطفولة والدين والعادة والفرح الجماعي في مشهد واحد. هذه العناصر تمنح النص كثافته، لأنها تجعل التراث يتحرك داخل الحدث، ويتحول إلى جزء من شبكة الفعل، بدل أن يبقى مادة وصفية مستقلة عن السرد.

وتقترب المزروعي في هذه القدرة على بناء العالم من خلال التفاصيل اليومية من حسّ الكاتبة الكندية أليس مونرو، من جهة تحويل الهامشي إلى باب لكشف البنية العميقة للعلاقات. مونرو اشتغلت طويلًا على المدن الصغيرة، والعائلات، والنساء، والأسرار، والذاكرة اليومية، وصنعت من العلاقات العادية مادة لكشف السلطة والرغبة والكبت والخسارات الصغيرة. وفاطمة المزروعي، في «بقشة أمونة»، تتحرك في مجال مختلف ثقافيًا وجغرافيًا، لكنها تلتقي مع هذا الحس السردي في الانتباه إلى أن الحياة الكبرى لا تظهر دائمًا في الوقائع الضخمة، وإنما في النظرة العابرة، وفي الزيارة النسائية، وفي قطعة قماش، وفي خبر ينتقل من بيت إلى بيت، وفي امرأة تبدو هامشية ثم يتضح أنها تمسك بخيوط كثيرة من المجال الاجتماعي.

غير أن خصوصية المزروعي تظل نابعة من محليتها الكثيفة. فهي لا تكتب عن الحارة من الخارج، ولا تقدمها بوصفها مشهدًا تراثيًا مكتملًا وجاهزًا للعرض، وإنما تكتبها من داخل نبضها اليومي. لذلك تبدو أمونة شخصية مصنوعة من اللغة والحركة والأشياء معًا. هي لا تُعرّف عبر الوصف المباشر فقط، وإنما عبر طريقة عبورها بين البيوت، وعبر علاقتها بالنساء، وعبر البقشة التي تحملها، وعبر قدرتها على الإصغاء، وعبر الصمت الذي يسبق الخبر. هذه طريقة فنية ناجحة في بناء الشخصية، لأنها تجعل القارئ يكتشف أمونة من خلال أثرها في الآخرين، ومن خلال الطريقة التي تتحرك بها الحارة حولها.

ومع هذه القوة، يظل النص قابلًا لملاحظة فنية تتصل بالإيقاع. بعض المقاطع التفسيرية تميل إلى إبطاء الحركة الدرامية، خصوصًا حين يطغى الشرح التراثي على توتر الحدث. القصة تكون أكثر قوة حين تترك الشيء يعمل داخل المشهد، وحين تجعل القارئ يفهم وظيفة البقشة أو المندوس أو الفريج من خلال الفعل السردي نفسه. ومع ذلك، فإن هذا الميل التوثيقي لا يضعف مشروع القصة في مجمله، لأن فاطمة المزروعي تكتب ضمن أفق واضح لصيانة الذاكرة الشعبية، وتدرك أن الحكاية هنا تقوم أيضًا بوظيفة حفظ عالم مهدد بالتلاشي. القيمة الفنية تتحقق حين يندمج التوثيق بالشخصية والحدث، وقد نجحت القصة في مواضع كثيرة في تحقيق هذا الاندماج.

إن أهمية «بقشة أمونة» أنها تقدم نموذجًا للسرد الشعبي القادر على الاشتغال النقدي. فهي لا تكتفي باستدعاء ملامح الماضي، ولا تركن إلى حنين سهل إلى الحارة القديمة، وإنما تكشف أن ذلك العالم كان محكومًا بشبكات دقيقة من العلاقات والسلطة والمعرفة. الحارة في القصة ليست مكانًا بريئًا، وإنما مجال اجتماعي له عيونه وذاكرته وأحكامه، والمرأة الشعبية ليست زينة فلكلورية، وإنما فاعلة داخل هذا المجال، تؤثر وتتأثر، تحفظ وتهدد، تصلح وتربك، تعرف وتعجز عن المعرفة.

ومن هنا تبدو أمونة شخصية قابلة للبقاء في ذاكرة القارئ. فهي لا تعيش لأنها تحمل بقشة فقط، وإنما لأنها تحمل مجتمعًا كاملًا فوق كتفها. تحمل اقتصادًا صغيرًا، وذاكرة نسائية، وخرائط بيوت، وأسرار زواج، وخيبات مكتومة، وروائح مجالس، وخوفًا دفينًا من الفضيحة. وبقدر ما تمنحها هذه الحمولة قوة داخل الحارة، فإنها تجعل سقوطها الداخلي أشد إيلامًا. لقد صنعت أمونة حياتها من معرفة الآخرين، ثم كشفت القصة أن الإنسان قد يكون أعمى في أقرب نقطة إليه. في هذه المفارقة تكمن قوة النص، وفيها أيضًا تتجلى مهارة فاطمة المزروعي في تحويل الحارة من فضاء للذكرى إلى مختبر اجتماعي، وتحويل البقشة من غرض عابر إلى بنية سردية تحمل ذاكرة المكان وسلطته وجرحه.

***

غسان علي عثمان

قراءة سيميائية وسردية ونفسية في قصة «جريمة قط» لهدى عزالدين محمد

تبدو قصة «جريمة قط» للكاتبة المصرية هدى عزالدين محمد، للوهلة الأولى، حكايةً بسيطة تتكئ على الخوف من أصوات الحيوانات، وحكايات الجدّة، وخرافات الصديقة، ثم تنتهي بموت جارٍ وشابٍّ عاقّ. غير أن هذه البساطة الظاهرية تخفي بنيةً سردية أكثر تعقيداً؛ إذ تنقل القصة القارئ من فضاء الخوف الغريزي إلى فضاء الشك، ومن الشك إلى التفسير، ومن التفسير إلى وهم امتلاك الحقيقة، قبل أن تقلب النهايةُ جميع الاحتمالات رأسًا على عقب.

فـ«الجريمة» في القصة ليست جريمة قتل بالمعنى الواقعي، وإنما هي جريمة التأويل المتعجل؛ جريمة أن يملأ الإنسان فراغ المعرفة بالظنون، وأن يحوّل الأصوات الغامضة إلى علامات، والعلامات إلى نبوءات، والنبوءات إلى يقين مؤقت.

ومن هنا تتأسس القيمة الدلالية للقصة على سؤال جوهري: هل نحن الذين نكتشف معنى الأحداث، أم أننا نصنع المعنى ثم نجبر الأحداث على أن تنصاع له؟

أولاً: العنوان بوصفه عتبةً مضلِّلة:

يحمل عنوان القصة: «جريمة قط» كثافةً إيحائية واضحة. فالتركيب يضع «الجريمة» في علاقة مباشرة بـ«القط»، فينشأ لدى القارئ منذ البداية انتظارٌ لحدث جنائي.

غير أن القصة لا تمنحنا جريمةً بالمعنى المتعارف عليه، بل تجعل القط مدخلًا إلى عالم من الخوف والتوجس والاعتقاد. وهنا يمارس العنوان وظيفة المراوغة الدلالية؛ إذ يبدو أنه يحيل إلى حادثة، لكنه في العمق يحيل إلى طريقة اشتغال الوعي البشري حين يواجه المجهول.

فالقط لا يرتكب الجريمة، وإنما يصبح متهمًا رمزيًا داخل مخيلة الساردة.

وهذه المفارقة بين العنوان والمتن تجعل العنوان جزءاً من استراتيجية النص في بناء الالتباس؛ فالقطط ليست سوى أصوات في الظلام، لكن المخيلة تمنحها وظيفةً أكبر من حقيقتها.

ثانياً: السارد وعينٌ ترى أكثر مما تعرف

تُروى القصة بضمير المتكلم، الأمر الذي يجعل القارئ أسيراً لحدود معرفة الساردة.

وهذه نقطة فنية مهمة؛ فالساردة لا تعرف الحقيقة كاملة، وإنما تلتقط شذرات من الأصوات والأحاديث والمشاهد، ثم تحاول تركيبها. لذلك فإننا لا نقرأ العالم كما هو، بل كما يصل إلى وعي الساردة.

إنها لا تقول: هذا ما حدث، وإنما تقول، في جوهر تجربتها: سمعت، تخيلت، شككت، تساءلت، انتظرت.

وهذا النوع من السرد يخلق مسافةً بين الواقع وإدراك الواقع؛ وهي المسافة التي تتحرك فيها القصة بأكملها.

فالحدث الخارجي محدود، لكن الحدث النفسي واسع؛ وما يتغير باستمرار ليس العالم، بل تفسير الساردة للعالم.

ثالثاً: الصوت بوصفه علامةً مركزية

من أبرز العناصر الفنية في القصة حضور الصوت.

نسمع:

- مواء القطط.

- عواء الكلب.

- بكاء الرجل المسن.

- سباب الابن.

- صراخ الأب.

- أصوات الجيران.

- الثرثرة والحكايات.

وهكذا تتحول القصة إلى ما يشبه فضاءً سمعياً أكثر منه فضاءً بصرياً.

واللافت أن الساردة لا ترى معظم الأشياء مباشرة؛ إنها تسمعها، ثم تبني صورتها في المخيلة.

لذلك يصبح الصوت في القصة علامةً غير مكتملة، تحتاج إلى تأويل. والإنسان، حين يواجه العلامة الغامضة، يبدأ في إنتاج الاحتمالات.

من هنا يمكن القول إن القصة تبني توترها الأساسي على العلاقة بين:

الصوت - التأويل - الخوف - التوقع.

فالقط لا يقول شيئاً، والكلب لا يعلن الموت، والأب لا يقدّم تفسيرًا، لكن الساردة ومن حولها يمنحون هذه الأصوات معاني تتجاوز طبيعتها.

رابعاً: القط والكلب بين الواقع والخرافة

يمثل القط في القصة علامةً مزدوجة.

إنه في المستوى الواقعي مجرد حيوان يتشاجر مع قط آخر، لكن المخيلة الشعبية تمنحه وظيفةً غيبية. وكذلك الكلب الذي يعوي، فتربط الصديقة عواءه بالموت.

وهنا تدخل القصة إلى منطقة التوتر بين العقل والخرافة.

تقول الساردة إنها ضحكت من كلام صديقتها، لأنها اعتادت سماع الخرافات المتوارثة من البيئة البدوية. لكن المفارقة أن خبر وفاة الجار في الصباح التالي يجعل الخرافة تستعيد حضورها في ذهنها.

غير أن الكاتبة لا تثبت الخرافة ولا تنفيها مباشرة؛ بل تترك القارئ أمام المنطقة الرمادية بين المصادفة والتأويل.

وهذه من أجمل مناطق القصة؛ لأنها لا تقدم إجابة جاهزة، وإنما تجعل القارئ يختبر بنفسه قوة المصادفة على العقل.

خامساً: من الخوف إلى المنطق... ثم العودة إلى الشك

تمر الساردة بتحول نفسي واضح.

في البداية:

«كاد النوم يهرب من عيني»

ثم تتنامى المخاوف، وتتداخل الحكايات بالأصوات.

وبعد وفاة الأستاذ حليم تقول:

«وتعلمت أن أبني كل شيء على المنطق»

لكن القصة لا تسمح لها بالاستقرار في منطقة المنطق؛ إذ سرعان ما يعود الشك مع الرجل المسن وابنه، ثم حادث الشاب، ثم موته.

وهكذا تصبح رحلة الساردة رحلةً بين قطبين:

الخرافة - المنطق - الشك.

وهذه الحركة هي العمود الفقري النفسي للنص.

فالعقل لا يستطيع دائمًا أن يلغي المخيال، كما أن الخرافة لا تستطيع دائماً أن تنتصر على المنطق.

سادساً: المكان بوصفه فضاءً للرعب

المكان في القصة ليس محايدًا.

بيت الجدة، ودورة المياه المظلمة، وسلّم العقار، ونافذة الشك، ومدخل العقار، كلها أمكنة مشحونة نفسياً.

واللافت أن القصة تجعل سلّم العقار مركزاً رمزياً مهماً:

«سُلَّم العقار أصبح وكراً للقطط»

فالسلّم مكان للعبور بين الطوابق، لكنه هنا يتحول إلى منطقة معلقة بين الأعلى والأسفل، بين الخاص والعام، بين الأسرار المنزلية والفضاء المشترك.

إنه مكان تسمع فيه الساردة ولا ترى، وتلتقط منه الأصوات دون أن تمتلك الحقيقة.

وهكذا يصبح المكان امتدادًا للحالة النفسية.

سابعاً: النافذة التي يطل منها الشك

من أجمل الصور الدلالية في القصة قول الساردة:

«والضجيج المنبعث من نافذة الشك»

فالشك هنا لم يعد حالةً نفسية مجردة، بل أصبح نافذة.

وهذه الصورة تمنح الشك وظيفة مزدوجة: فهو من جهة نافذة تطل منها الساردة على العالم، ومن جهة أخرى نافذة لا تمنحها رؤية واضحة.

إنها ترى من خلالها، لكنها لا ترى الحقيقة.

وهنا يتحول الشك من مجرد موقف إلى مكان معرفي تقيم فيه الساردة

ثامنا: الأب والابن... من الحكم الأخلاقي إلى مأساة الفقد

تدخل القصة في مرحلتها الأكثر عمقًا عندما يظهر الأب وابنه.

في البداية يبدو الابن عاقًا:

«ينال عقاب عقوق والده الشيخ المريض؟»

والسؤال نفسه يحمل حكماً أخلاقيًا مسبقاً.

لكن الحادث يغير الصورة؛ فالابن يصبح مشلولًا، ثم يموت، ويظهر الأب في النهاية صارخًا على فراقه.

هنا تنقلب المعادلة:

كان الابن في نظر الساردة عاقاُ، لكنه في لحظة الموت يصبح ابنًا مفقوداً.

وهذه النقلة تكشف إحدى أهم أفكار القصة: الإنسان أكثر تعقيداً من الحكم الذي نصدره عليه من خلف الجدران.

فالساردة كانت تسمع السباب والصراخ، لكنها لم تكن تعرف ما وراءهما.

والموت وحده هو الذي أسقط الحواجز وكشف هشاشة التصنيفات.

تاسعاً: الجريمة الحقيقية

هنا نصل إلى جوهر العنوان.

ما الجريمة التي يتحدث عنها النص؟

ليست جريمة القط، لأن القط لم يرتكب شيئًا.

وليست جريمة الابن، لأن القصة لا تمنحنا دليلًا كافيًا على أن عقوقه هو الحقيقة الكاملة.

إن الجريمة الأعمق هي جريمة الظن.

فالإنسان حين لا يعرف، يميل إلى صناعة تفسير؛ وحين يتكرر التفسير، يتحول إلى اعتقاد؛ وحين يستقر الاعتقاد، يصبح حكمًا.

وهكذا ترتكب المخيلة جريمتها في حق الحقيقة.

إن القصة، بهذا المعنى، ليست عن القطط ولا عن الموت بقدر ما هي عن الإنسان الذي يخاف المجهول فيملؤه بالأساطير.

عاشراً: البعد النفسي:

تتحرك الساردة تحت تأثير خوف قديم، ولذلك فإنها لا تستقبل الأصوات بوصفها أصواتًا فحسب، وإنما تستقبلها باعتبارها إشارات.

فالخوف يسبق الحدث، ولذلك يصبح الحدث قابلًا لأن يوافق الخوف.

وهذه آلية نفسية معروفة: حين يخشى الإنسان شيئاً، يصبح أكثر استعداداً لرؤيته في كل علامة تحيط به.

لذلك نجد الساردة تراقب القطط والكلاب وتنتظر «موعدًا» لما يمر به ظنها.

إنها لا تنتظر الحقيقة فقط؛ إنها تنتظر تأكيدًا لتأويلها.

وهنا تكشف القصة كيف يمكن للوعي أن يصبح سجيناً لفرضياته الخاصة.

حادي عشر: الموت بوصفه قوةً لتعرية الحقيقة

الموت في القصة لا يؤدي وظيفة النهاية فقط، وإنما يعمل بوصفه كاشفًا للحقيقة الإنسانية.

وفاة حليم تضع حدًا لتأويل العواء، لكنها لا تلغي السؤال.

وموت الابن يكشف أن وراء الصراخ علاقةً أبويةً لا يمكن اختزالها في كلمة «عقوق».

أما العبارة الختامية:

««بل إنه عاد إلى حياته الآخرة»»

فتفتح بابًا تأويلياً مهماً.

فالموت هنا لا يعني النهاية فقط، وإنما يغيّر معنى الحياة السابقة نفسها. فالأب الذي كان يبكي وينوح، ثم فقد ابنه، يدخل عالمًا آخر من الوحدة.

إن «الحياة الآخرة» يمكن قراءتها بوصفها حياةً بعد فقد الابن، لا بوصفها إحالةً دينية مباشرة فحسب؛ أي حياةً جديدة يفرضها الموت على من بقي.

ثاني عشر: الزمن وبناء التشويق

تتحرك القصة عبر سلسلة من الأحداث المتتابعة، لكنها لا تعتمد على كثرة الأحداث بقدر اعتمادها على تأجيل المعرفة.

فكل معلومة جديدة لا تغلق السؤال، وإنما تفتح سؤالًا آخر.

صوت القطط - وفاة حليم - صوت الكلب - الشاب العاق - الحادث - الشلل - الموت.

وهذا البناء يجعل القارئ يتحرك مع الساردة داخل دائرة من التوقع.

إن الكاتبة تستخدم تقنية سردية تقوم على إرجاء الكشف؛ فلا تقدم الحقيقة دفعة واحدة، وإنما تجعلها تتشكل تدريجياً من خلال شظايا.

ثالث عشر: اللغة بين الحكي والتأمل

لغة القصة ذات طبيعة سردية مباشرة، لكنها تتخللها تعبيرات ذات كثافة مجازية، مثل:

«جمعت كل ظنوني في بئر الصدفة»

و:

«نافذة الشك»

و:

«كل ما كانت من أثواب الخوف حرقها الموت»

وهذه الصور تنقل اللغة من مجرد نقل الحدث إلى التعبير عن الحالة النفسية.

فالخوف يصبح ثوبًا، والشك يصبح نافذة، والظنون تصبح شيئًا يمكن جمعه في بئر.

وهذه الاستعارات تمنح القصة طبقة شعرية تتجاوز الواقعة.

رابع عشر: السيميائيات اليومية

من أهم ما يميز القصة أنها تبني دلالاتها من أشياء يومية صغيرة:

قط، كلب، سلم، نافذة، مصباح، رائحة، صوت، جنازة، زهور.

لكن هذه الأشياء لا تبقى في مستواها المادي؛ إذ تتحول إلى علامات.

فالزهور، مثلًا، تظهر بعد الجنازة بوصفها بقايا من طقس الموت:

«أشمّ الزهور المتبقية من جنازة حليم»

وهنا تتداخل حاسة الشم مع الذاكرة والموت، فيصبح العطر نفسه أثرًا للحضور الغائب.

خامس عشر: من الخرافة إلى النقد الاجتماعي

لا تقف القصة عند نقد الخرافة، بل تلمح إلى ظاهرة اجتماعية أعمق: فضول الجيران بوصفه آلية لإنتاج الحكاية.

الجدران لا تمنع انتقال الأصوات، والبيوت ليست معزولة تمامًا عن بعضها. ومن خلال هذا التداخل تتكون الحكايات.

لكن الحكاية الشعبية لا تنقل الحقيقة دائمًا؛ إنها تعيد إنتاجها.

وهنا تصبح الجيرة فضاءً لتداول التأويلات، كما تصبح الأذن أداةً لصناعة صورة الآخر.

إننا لا نعرف الجار مباشرة؛ نعرفه من أصواته، ومن حديث الآخرين عنه.

وهذه إحدى أكثر طبقات القصة قربًا من الواقع الاجتماعي.

سادس عشر: دلالة النهاية

النهاية من أكثر مواضع النص إثارةً للتأويل.

بعد موت الابن تقول الساردة إن الصراخ عاد بعد أيام، ثم تتراجع عن تفسيرها الأول:

«لعلَّ الأب رجع إلى عادته القديمة، لا بل إنه عاد إلى حياته الآخرة...»

إن الانتقال من «عاد إلى عادته» إلى «عاد إلى حياته الآخرة» يمثل لحظة نضج في وعي الساردة.

فهي لم تعد تريد أن تفسر الصوت بسرعة.

لقد تعلمت أن وراء كل صوت قصة، وأن وراء كل سلوك عالمًا لا تراه.

وهكذا تتطور الساردة من طفلة تخاف من مواء القطط إلى وعيٍ يدرك أن الحقيقة أوسع من الصوت الذي نسمعه عنها.

القيمة الفنية والفكرية للقصة

تكمن أهمية «جريمة قط» في أنها تجعل من حدث صغير مدخلًا إلى أسئلة أكبر: الخوف، والخرافة، والمصادفة، والقدر، والظن، والموت، والحكم على الآخرين.

والقصة لا تقدم فلسفة جاهزة، بل تجعل القارئ يعيش التجربة نفسها: يسمع صوتًا، يتوقع، يفسر، ثم يكتشف أن تفسيره لم يكن كاملًا.

وهنا تكمن قوتها الأساسية.

إنها قصة عن الإنسان حين يحاول أن يفهم العالم بأدوات ناقصة.

ملاحظات نقدية وتقويمية؛

تملك القصة فكرةً مركزية خصبة، وبناءً يقوم على التشويق وتأجيل المعرفة، كما تمتلك مجموعة من العلامات السيميائية القابلة للتأويل، ولا سيما القطط والكلاب والأصوات والظلام والنافذة والسلم والموت.

غير أن النص، فنياً، يمكن أن يستفيد من مزيد من الاقتصاد اللغوي والتكثيف السردي، ومن ضبط بعض التراكيب اللغوية والنحوية، وتقليل الانتقال المباشر بين بعض الأحداث. كما أن بعض المواضع تخبر القارئ بما يمكن للسرد أن يجعله يكتشفه بنفسه.

ولو اتجهت الكاتبة إلى مزيد من الإضمار، ومنحت القارئ مساحةً أوسع للاستنتاج، فإن القصة ستصبح أكثر توهجًا وأشد قدرة على إنتاج الدهشة.

فالقصة القصيرة، كلما وثقت بذكاء قارئها، ازدادت قدرتها على الإيحاء.

خاتمة:

«جريمة قط» ليست قصةً عن قطٍّ أسود، ولا عن عواء كلب، ولا عن موت جار أو شاب؛ إنها قصة عن العقل حين يخاف من الفراغ المعرفي، فيملؤه بالظنون.

لقد وضعت هدى عزالدين محمد بطلتها أمام عالم لا تستطيع أن تراه كاملًا، فحولت الأصوات إلى علامات، والعلامات إلى أسئلة، والأسئلة إلى احتمالات. وفي النهاية، لم تمنحها الحقيقة كاملة، وإنما منحتها ما هو أعمق من الحقيقة الجاهزة: وعيَ حدود المعرفة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من النص أن الإنسان لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل كما تسمح له مخاوفه وذاكرته وخبرته أن يراه.

فالقط لم يكن مجرمًا، والكلب لم يكن نذير موت، والابن لم يكن مجرد «عاق»، والأب لم يكن مجرد رجل يصرخ.

لقد كانت الجريمة الحقيقية أن نحاكم ما لا نعرفه بما نظنه.

ومن هنا يصبح عنوان القصة مفارقةً كاملة:

«جريمة قط»... حين لا يكون المجرم قطًّا، بل الظنُّ نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

جريمة قط 

بعد أن انتصف الليل وأنا في بيت جدتي كاد النوم يهرب من عيني، أتابع حديث عمتي وجدتي عمّا رأه جارهما الساكن في الدور الأرضي، ومع كل كلمة كنت مع المتبقي من خوفي أرسم مشهداً من خيالي، عندما رأيت تلك القطة السوداء تحاول الشجار مع قطّ تلوّن فراؤه باللونين الأبيض والأسود؛ لكنَّ أصوات القطط تُفزعني وأنا أحاول أن أجد تفسيرا لتلك الاصوات كأنها تعلن عن حدوث جريمة ما، ورجعت بالمتبقي من حديث سمعتُه عن دورة المياه المظلمة دائما أو ربما نجد به مصباحا لا نرى منه كفّ يد؛ لكنني لا أنعى خوفي؛ بل رتبت له خطة ومع كل ليلة أبحث من جديد عن مواء القطط.

كل هذا سابق لتلك الليلة التي كنت مع صديقتي في مكالمة هاتفية، وسمعنا صوت كلب أشبه بصوت ذئب يعوي؛ لكنها قالت في فزع عجيب، هذا العواء دليل على قدوم الموت، هذا اليوم

ضحكت من كلامها وقد اعتدت أن أسمع منها عن الخرافات التي توارثتها من بيئتها البدوية.

في الصباح الباكر استيقظت على خبر وفاة جارنا العزيز الأستاذ حليم، جمعت كل ظنوني في بئر الصدفة، وتعلمت أن أبني كل شيء على المنطق، اختفى صوت القطط، واستبدل بصوت رجل مُسنّ اعتاد البكاء والنحيب كل ليلة وابنه الوحيد يبادله السباب، ومع أول سؤال عن هذه العادة لم ولن أنال إجابة كافية.

  سُلَّم العقار أصبح وكرا للقطط، وأنا مع الحكايات من جدتي وحديث صديقتي أنتظر جديدا لا أصرّح به، وأنفاسي لم تعلن توبتها عن شمّ رائحة الجيران، والضجيج المنبعث من نافدة

الشكّ، لم ألمس يقينا بعد، أتنهّد وأعدّ الأسئلة: هل هذا الشاب، سليط اللسان ينال عقاب عقوق والده الشيخ المريض؟.

تمرّ الأيام سريعا كي أجمع صوت الحقّ، لقد أصيب الشاب في حادث سير مروِّع وأصبح يلعن الجميع، وعلى الرغم من بكاء الأب وصراخ الابن؛ أصيب بجروح خطيرة، وفي عبارة أخرى قالها الطيب: لقد أصيب الشاب بشلل رباعيّ.

كنت أراقب صوت القطط والكلاب لعلّي أعرف موعدا محدّدا لما يمرّ به ظنّي، وهل تضع الدنيا شروطها على رقاب العباد، أو يلعب معه القدر لعبته ويهب له الشفاء؟.

لا تستطيع مخيلتي أن ترسم نهاية ما، أمارس الصمت وفقدان الثرثرة، حمدت الربّ عليه

وأشمّ الزهور المتبيقة من جنازة حليم وأنا أذكره في حديثي،  بمدخل العقار سمعت صوت صراخ ترتجف له الأبدان: لقد مات الشاب منذ دقائق.

الصراخ من قلب الأب على فراق ابنه العاقّ، كل ما كانت من أثواب الخوف حرقها الموت،

وها هو الصراخ مجددا بعد عدة أيام؛ لعلَّ الأب رجع إلى عادته القديمة، لا بل إنه عاد إلى حياته

الآخرة...

***

هدى عزالدين محمد

تجلى بطل الرواية الروسية في القرن الحادي والعشرين ككائن غارق في لجة التأمل الذاتي، ومثقل بالندوب النفسية، وتائه في غيابات عصر تتقاطع فيه الهزات التاريخية العنيفة مع الثورة الرقمية العارمة وأزمات القيم الكونية الكبرى.

لم يعد هذا البطل يحمل ملامح العامل او الكلخوزي المندفع من اجل البناء الاشتراكي، بل غدا في الأغلب مراقباً متوجساً، أو ضحية لظروف قاهرة، أو منقباً في دهاليز الماضي السحيق بحثاً عن هوية ضائعة. وتتبدى أولى تمثلات هذا البطل المعاصر في شخصية "إنسان الذاكرة" الذي ينوء بعبء التاريخ الجماعي أو العائلي، محاولاً فك شفرات صدماته الروحية الخاصة، حيث يرتدي عباءة المؤرخ أو الأرشيفيّ أو الشاهد ليتشبث بأوتاد الماضي حين تمور الأرض تحت قدميه في حاضر متقلب، تماماً كما يتجسد في روايات يفجيني فودولازكين.

صاغ الكاتب الروسي المعاصر يفجيني فودولازكين شخصياته الروائية بأسلوب يمزج بين الروحانية الأرثوذكسية الشرقية والعمق الفلسفي الإنساني، مستفيداً من خلفيته الأكاديمية كباحث في تاريخ روسيا القديم وأدبها القروسطي. هذا المزيج الفريد يجعل شخصياته تبتعد تماماً عن النمطية الاجتماعية المعتادة، لتتحول إلى نماذج إنسانية تبحث عن الخلاص، التكفير عن الذنب، ومفهوم الأبدية في عالم يضج بالتحولات التاريخية والسياسية الصاخبة.

تبدأ رحلة البطل عند فودولازكين في كثير من الأحيان من نقطة انكسار حادة أو خطيئة كبرى غير مقصودة، تضع الشخصية في مواجهة مباشرة مع ضميرها. يتجلى هذا بوضوح في روايته الشهيرة "لافر"، حيث ينطلق البطل "أرسيني" في رحلة تكفيرية طويلة وشاقة لإنقاذ روح حبيبته التي ماتت بسببه دون زواج أو طقوس دينية. هذا السعي نحو الطهارة الروحية يدفع الشخصية إلى التخلي الكامل عن الأنا وعن الممتلكات المادية، وتبني سلوك "المتباله" أو "المجنون المقدس"؛ وهو مفهوم تراثي روسي يظهر فيه الشخص بمظهر الأبله أمام المجتمع بينما يخفي في داخله حكمة وبصيرة روحية فائقة. ولتأكيد هذا التحول الروحي المستمر، لا تعيش الشخصية بهوية واحدة جامدة، بل تتبدل أسماؤها عبر مراحل حياتها المختلفة لتعكس ولادتها الجديدة في كل مرحلة.

وتختلف شخصيات الكاتب الروسي رائد الحداثة المعاصرة فيكتور بيليفين تماماً عن شخصيات فودولازكين الروحية؛ فأبطال بيليفين يعيشون في عوالم سريالية، رقمية، ومابعد حداثية  يمزج بيليفين في بناء شخصياته بين الفلسفة البوذية، السخرية السياسية اللاذعة، وثقافة الإنترنت والذكاء الاصطناعي، ليخلق أبطالاً يجسدون أزمة الإنسان المعاصر في عصر الرأسمالية المتوحشة والتكنولوجيا  يتحرك أبطال فيكتور بيليفين في فضاء روائي فريد يقع عند تقاطع الخيال العلمي، الفلسفة الشرقية (خاصة البوذية)، والواقع الروسي المعقد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إذا كان أبطال الأدب الكلاسيكي يبحثون عن الإيمان أو الهوية، فإن بطل بيليفين يبحث دائماً عن حقيقة وجوده في عالم يراه عبارة عن "وهم كبير" أو محاكاة رقمية مصطنعة. البطل عنده غالباً شخص عادي، أو موظف في مجالات معاصرة مثل الإعلانات، العلاقات العامة، أو البرمجة، يُساق فجأة نحو اكتشاف أن الواقع الذي يعيش فيه ما هو إلا خديعة كبرى تديرها قوى

السمة الأبرز لأبطال بيليفين هي الوعي المشتت والشك في الواقع.

وتُمثل الحقبة السوفياتية، بكل ما حملته من تحولات أيديولوجية هائلة ومآسٍ إنسانية مروعة، مادة خصية وملهمة للأدب الروسي المعاصر. وفي قلب هذا التوجه الأدبي الحديث، تبرز الكاتبة الروسية التتارية "غوزيل ياخينا" كواحدة من أهم الأصوات الروائية التي أعادت صياغة التاريخ السوفياتي بلغة إنسانية آسرة ومفهومة للقارئ العالمي والعربي. تتناول ياخينا في مشروعها الأدبي، ولا سيما في روايتها الشهيرة "زليخة تفتح عينيها" أو "أولادي"، الآثار المدمرة للسياسات الستالينية مثل "نزع ملكية الاراضي" والتهجير القسري إلى غياهب سيبيريا إبان ثلاثينيات القرن الماضي. لكن الخصوصية التي تطرحها ياخينا تكمن في رفضها لتقديم صراع مسطح بين خير مطلق وشر مطلق؛ فهي تمنح شخوصها—سواء كانوا ضحايا مثل القروية التتارية الأمية "زليخة"، أو جلادين مثل القائد السوفياتي "إيغناتوف"—أبعاداً رمادية معقدة تفيض بالضعف الإنساني والصراع الداخلي.

ويمكن القول إن أبطال اتجاه "الواقعية الجديدة" في الرواية الروسية المعاصرة، والذين يتحركون في نصوص زاخار بريليبين ورومان سينتشين وأقرانهم، يمثلون صرخة احتجاجية حادة وضاربة في العمق ضد زيف العصر الاستهلاكي، متحررين تماماً من عباءة ما بعد الحداثة التي أغرقت الأدب العقود الماضية في ألاعيبها اللفظية وتجريدها البارد. إن بطل الواقعية الجديدة هو إنسان الإحباط والصدق العاري في آن واحد، كائن ممزق يعيش على تخوم المجتمع الروسي بعد التفكك، حيث يتنفس هواء مقاطعات روسية منسية أو يضيع في أزقة المدن التي طحنتها الرأسمالية المتوحشة. هؤلاء الأبطال، مثل "سانكيا" عند بريليبين، ليسوا مجرد متمردين سياسيين، بل هم باحثون عن ميتافيزيقيا العدالة المفقودة، مدفوعون برغبة انتحارية تقريباً لتدمير الواقع القائم في سبيل استعادة ناصية الحق والكرامة الإنسانية، حتى وإن قادهم هذا الطموح الروحاني العنيف إلى العدمية أو المواجهة الدامية مع الدولة. وفي المقابل، يتجلى بطل رومان سينتشين، كما في ملحمته العائلية "أولاد يلتشينوف"، كجسد ينهشه الخمول الروحي واليأس الوجودي؛ إنه بطل "الرجل الضائع" الذي لا يملك حتى طاقة التمرد، بل يكتفي بجرّ أذيال الخيبة وسط انهيار الروابط الأسرية وجفاف القرية الروسية، مما يجعله مرآة تراجيدية لواقع لا يرحم الضعفاء.

وقد أفرز هذا الصعود ملامح جديدة صبغت الفانتازيا المعاصرة بطابع مغاير؛ حيث برزت "الواقعية شديدة القسوة" التي تخلت عن ثنائية الخير المطلق والشر المطلق لصالح عوالم رمادية وسوداوية أخلاقياً، وتراجعت الهيمنة الغربية التقليدية أمام "فانتازيا الشعوب" المستوحاة من الأساطير المحلية والأفريقية والآسيوية. كما واكب الخيال العلمي قضايا العصر لينتج "الخيال العلمي المناخي" الذي يركز على كوارث التغير المناخي ونهاية العالم البيئية، ليلتقي هذا كله في النهاية لصناعة مشهد أدبي جديد يوازن بدقة بين مرارة الواقع المعيش وعظمة العوالم الميتافيزيقية والخيالية الخفية.

***

د. فالح الحمـــراني

"المماشي المعتمة" أو ("الدروب الظليلة" كما تُرجمت إلى العربية) هو عنوان مجموعة قصصية رائعة للكاتب الروسي إيفان بونين (1870–1953)، الحائز جائزة نوبل في الأدب عام 1933. وقد أطلق النقاد على هذه المجموعة، التي تُعد من أهم أعماله في مرحلته الأدبية المتأخرة، اسم «موسوعة الحب»، لأنها تقدم، من خلال قصص مكثفة وعميقة، صوراً متعددة للحب الإنساني، ولا سيما الحب المستحيل والعابر والمأساوي، بلغة نثرية تقترب في رهافتها وكثافتها من الشعر.

كتب بونين قصص هذه المجموعة بين عامي 1937 و1945، في باريس وغراس. وقد أمضى سنوات الحرب العالمية الثانية في مدينة غراس جنوب فرنسا، في ظروف مالية بالغة الصعوبة. وهناك، وسط العزلة والقلق، أخذ يتأمل ما فقده في حياته: وطنه، وشبابه، وأحباء غادروا أو رحلوا، وأحلاماً لم يعد تحقيقها ممكناً. ومن هذه الذاكرة الجريحة، ومن إحساسه العميق بمرور الزمن، تشكّل عالم «المماشي المعتمة».

بطلات هذه القصص نساء وفتيات روسيات، مختلفات في طباعهن وظروفهن ومصائرهن، لكنهن جميعاً آسِرات، ويتركن أثراً عميقاً في الذاكرة. وفي معظم هذه الحكايات يظهر الحب فجأة، عارماً ومضيئاً، ثم لا يلبث أن ينطفئ أو يُنتزع من أصحابه بفعل الفراق أو الخيانة أو قسوة الظروف أو الموت. لذلك تكاد قصص بونين تخلو من حب ينتهي بالسعادة والاستقرار. فالحب عنده ليس طريقاً مضموناً إلى السعادة، بل هو لحظة نادرة ومكثفة من اكتمال الحياة، سرعان ما يهددها الزمن بالفناء.

وهنا تتجلى واحدة من أهم الثيمات في إبداع بونين: الحب والموت. فهما ليسا موضوعين منفصلين في عالمه، بل قطبان متداخلان، يكشف كل منهما معنى الآخر. الحب عند بونين أقوى المشاعر الإنسانية وأكثرها قدرة على منح الحياة معناها، لكنه في الوقت نفسه هشّ، محكوم بالفناء، وعاجز في نهاية المطاف عن مقاومة الزمن والموت. ومن هنا يكتسب الحب، في ظل الموت، قيمة استثنائية؛ فالإنسان لا يدرك جمال اللحظة العاطفية كاملاً إلا عندما يشعر بأنها مهددة بالضياع.

ولا يمثل الموت في قصص بونين مجرد نهاية للحياة الجسدية أو خاتمة للأحداث، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى قوة خفية ترافق الشخصيات منذ البداية. إنه حاضر في خلفية الحب، وفي لحظات الفرح، وفي ذكريات الماضي. وقد يكون موتاً خاطفاً ومأساوياً، أو موتاً بطيئاً ومضنياً، لكنه في الحالتين يذكّر الإنسان بأن كل ما هو جميل وعزيز معرض للزوال. ومن هنا يتولد ذلك الحزن الرقيق الذي يميز عالم بونين، حيث تمتزج اللذة بالألم، والذكرى بالفقدان، والحب بالخوف من نهايته.

فأبطال بونين لا يعيشون الحب بوصفه عاطفة رومانسية بسيطة، وإنما بوصفه تجربة تهز أعماق الإنسان وتكشف هشاشته. إنهم يخطئون، ويترددون، ويخونون، ويتألمون، ويفقدون من يحبون، لكن مشاعرهم، رغم تناقضاتها، تظل مشاعر بشرية حقيقية وعميقة. وبونين لا يميل إلى تمجيد الحب أو تجميله، بل يكشف تعقيداته وأوهامه وقوته المدمرة أحياناً، من دون أن يفقد إيمانه بأن الحب الصادق هو إحدى أسمى التجارب التي يمكن للإنسان أن يعيشها.

وعندما يدخل القارئ عالم بونين، يجد نفسه في فضاء حسي نابض بالحياة. يرى الغابات الروسية وبحيراتها، والأشجار الظليلة، والحدائق الصيفية، ويسمع تغريد الطيور، ويشم روائح الأعشاب والزهور، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الشخصيات أحزانها وأفراحها. ويستطيع بونين، بعبارات قليلة، أن يجعل القارئ قريباً جداً من لحظة عاطفية عابرة، لكنها تظل محفورة في الذاكرة إلى الأبد.

ففي «ضربة شمس» مثلاً، ينشأ حب خاطف بين رجل وامرأة على متن باخرة في نهر الفولغا، حب لا يكاد يبدأ حتى يصبح ذكرى مؤلمة. وفي «الفجر طوال الليل» تقضي فتاة مخطوبة لشاب لا تميل إليه ليلة صيفية في حديقة المنزل، وسط جمال الطبيعة وسكون الليل، قبل أن يطلع الفجر حاملاً معه قراراً سيغيّر مصيرها. وفي مثل هذه القصص لا يحتاج بونين إلى المشاهد الصاخبة أو الوصف المبتذل؛ فالإيحاء، والنظرة، والصمت، ورائحة المكان، وتغير الضوء، كلها تصبح أدوات للتعبير عن أعمق الانفعالات.

وتكمن عظمة بونين في أنه يصور الحب الجسدي والعاطفي من دون أن ينزلق إلى الابتذال، ويمنحه بعداً إنسانياً وجمالياً رفيعاً. إنه لا يفصل الجسد عن الروح، ولا الرغبة عن الحزن، ولا السعادة عن احتمال الفقدان. ولذلك تبدو لحظات الحب في قصصه قصيرة، لكنها شديدة الكثافة، كأنها ومضات خاطفة من حياة طويلة.

إن «المماشي المعتمة» ليست، في جوهرها، مجرد مجموعة قصص عن الحب، بل كتاب عن الزمن والذاكرة والفقدان والموت أيضاً. الحب فيها هو الوجه الأكثر إشراقاً للحياة، والموت هو الظل الذي يرافق ذلك الضوء باستمرار. وبينهما يقف الإنسان، مدركاً أن أجمل ما في وجوده هو في الوقت نفسه أكثر الأشياء عرضة للضياع.

ومن خلال أسلوبه الشعري، وقدرته الفائقة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى إشارات ذات دلالة عميقة، يخلق بونين عالماً مفعماً بالحنين والشجن. إنه يجعل القارئ يتأمل في معنى الحب، لا باعتباره وعداً بالسعادة الدائمة، بل باعتباره لحظة نادرة يشعر فيها الإنسان بأنه حيّ تماماً، حتى لو كانت تلك اللحظة محكومة بالنهاية.

وهكذا تصبح «المماشي المعتمة» تأملاً أدبياً وفلسفياً في طبيعة الوجود الإنساني: في الحب الذي يأتي ويذهب، وفي الشباب الذي لا يعود، وفي الوطن الذي قد يتحول إلى ذكرى، وفي السعادة التي لا تستطيع أن تفلت من قبضة الزمن. ولعل سر خلود هذه القصص أن بونين لا يروي لنا حكايات الحب والموت فحسب، بل يذكّرنا، بأسلوب بالغ الصفاء والجمال، بأن كلما نحبه جميل لأنه زائل، وأن الإنسان لا يستطيع أن يحتفظ بالحياة، لكنه يستطيع أن يحفظ لحظاتها العميقة في الذاكرة.

***

جودت هوشيار

ليس العبثُ فكرةً باردةً في كتاب فلسفي تنتظر قارئًا متخصصًا حتى يفككها، وليس مصطلحًا ثقيلًا يمكن اختزاله في القول إنَّ الإنسان يعيش في عالَم بلا معنى. العبثُ في جوهره تجربةٌ إنسانية قاسية، هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسانُ على نَفْسه، فينظر حَوله فلا يجد جوابًا يوازي حجمَ السؤال الذي يُسكنه. هو أن يشعر الإنسانُ بأنَّ حياته تمضي، والموت ينتظره، والعالَم لا يُقَدِّم له تفسيرًا نهائيًّا،ومعَ ذلك يُصِر على أن يعيش، ويبحث، ويُحِب، ويصنع من وجوده شيئًا يستحق أن يُعاش.

ومِن هُنا تأتي أهمية المقارنة بين الكاتب التونسي محمود المسعدي (1911 - 2004) والكاتب الفرنسي ألبير كامو (1913 - 1960). الرَّجلان التقيا، كُلٌّ بطريقته، عند واحدة مِن أعمق مناطق القلق الإنساني: ماذا يفعل الإنسانُ حين يُحَاصَر بين حاجته العارمة إلى المعنى وبين عالَمٍ لا يمنح المعنى جاهزًا؟، وكيف يمكن للحياة أن تستمر حين يصبح الموتُ حاضرًا في كُلِّ لحظة، وحين تبدو الأفعالُ البشرية كُلُّها مُهدَّدة بالسقوط في الفراغ؟.

التشابهُ بين المسعدي وكامو لا يعني التطابقَ. قيمةُ المقارنة الحقيقية في الاختلاف بينهما. يفتح المسعدي الأسئلةَ على آفاق جديدة، تتداخل فيها الإرادةُ والروح والمصير والبحث عن الحقيقة، بينما يضع كامو الإنسانَ أمام صمت العالَم، ويبحث عن إمكانية العيش رغم هذا الصمت.

عند المسعدي، لا يكتفي الإنسانُ بأن يكتشف عبثَ وجوده، بلْ يدخل في مواجهة شاقة معَ نَفْسه والقوى التي تتجاوز ذاته، كأنَّه يريد أن يعرف إلى أيِّ مدى يستطيع الإنسانُ أن يكون إنسانًا.

أمَّا عند كامو فيبدو العبثُ وليد الصدام بين الإنسانِ والعالَم، وهو يَعتبر الإنسانَ ليس مُجرَّد كائن يعيش ثم يموت، إنَّه كائن يعرف أنَّه يعيش وسيموت، وهذه المعرفة هي التي تمنح وجودَه ثقله المأساوي. فالحيوانُ لا يَحمل، بالمعنى نَفْسِه، سؤالَ المصير، أمَّا الإنسان فيستيقظ ذات يوم على حقيقة أنَّه محدود، وأنَّ كُلَّ ما يفعله محكومٌ بحدود الزمن.

المسعدي كاتبٌ لا يمكن قراءته باعتباره مُجرَّد روائي يحكي حكايات، لأنَّ أعماله الكُبرى تبدو كأنَّها مختبرات للوجود الإنساني. شخصياته لا تتحرك ببساطة داخل أحداث متتابعة، وإنما تدخل في امتحانات قاسية. عَالَمُه الروائي لا يجيب عن أسئلة شخصياته بسهولة. شخصياته تُلْقَى في مواجهة أسئلة أكبر منها، وتجد نفسها مضطرة إلى الاختيار، حتى عندما يكون كُلُّ اختيار محفوفًا بالخسارة.

والمسعدي، مِثل كامو، يعرف أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون أن يصطدم بحدوده. يَعرف أنَّ الموت لَيس حدثًا بعيدًا يأتي في نهاية الطريق فقط،بلْ قوة حاضرة في الوعي مُنذ البداية. ويعرف أنَّ الإرادة الإنسانية جميلة ومأساوية في الوقت نَفْسِه، لأنَّ الإنسان يريد بلوغَ ما قدْ يتجاوز قدرته. والمسعدي لا يُقَدِّم تصوُّرًا سهلًا للعبث، فشخصياته لا تقف أمام الفراغ مكتوفة الأيدي، إنَّها تريد أن تفعل، وتتجاوز، وتصنع. وقدْ تكون مأساةُ الإنسان هي أنَّه لا يستطيع التوقفَ عن الرغبة حتى حين يعرف أنَّ النهاية قد تكون الهزيمة.

جاء المسعدي من بيئة ثقافية عربية وإسلامية غنيَّة بالتراث اللغوي والفلسفي والصوفي، واستطاعَ أن يدخل في حِوار عميق معَ هذا التراث دون أن يتحوَّل إلى أسيرٍ له.

أمَّا كامو فقدْ نشأ في سياق فكري وأوروبي محدد، وتشكلت تجربته في ظِل أزمات القرن العشرين، والحربَيْن العالميتَيْن، والانهيارات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، وصعود أنماط من التفكير جعلت الإنسانَ يُواجه سؤالًا حادًّا حول معنى وجوده، وحدودِ العقل والأخلاق.

عند المسعدي، هناك إنسان يخوض معركةً داخلية وخارجية معَ معنى يُريد الوصولَ إليه، وقدْ يكون هذا المعنى قريبًا أوْ بعيدًا، وقد يتحوَّل البحث عنه إلى مأساة. عند كامو، هناك عالَم صامت في مواجهة إنسان متعطش للمعنى. إنها ليست المسألة نفسها، وإنْ كان السؤال الإنساني العميق واحدًا: كيف يستطيع الإنسانُ أن يعيش وهو يعرف أنَّ وجوده هَش ويقينه ناقص؟. اللغة نفسها تصبح جُزءًا مِن المعنى. وما يُميِّز المسعدي أنَّ أفكاره لا تأتي في صورة فلسفة مدرسية جافة. لغته تَحمل القلقَ. والجُملةُ عنده ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الحكاية، إنَّها مساحة للتأمل والتوتر والمواجهة. وكامو أيضًا لَم يكن فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، بلْ كان أديبًا يترك الفكرةَ تتنفس داخل الرواية والمسرحية والمقالة. لَم يُحوِّل الإنسانَ إلى مثال منطقي، وإنما إلى كائن حَي، يُحِب ويخطئ ويتمرَّد ويخاف ويواصل السير.

إنَّ أفضل طريقة لقراءة العبث عند الكاتبَيْن ليست أن نبحث عن تعريف قاموسي له، بلْ أن نراقب الشخصيات وهي تعيشه. العبثُ يُفْهَم من طريقة سير الإنسان أكثر مِمَّا يُفْهَم مِن التعريفات. نراه في اللحظة التي يتساءل فيها البطلُ عن جدوى ما يفعل، ثم يفعله رغم ذلك.

كلاهما ينظر إلى الإنسان في لحظة انكشافه، حين يسقط عنه الاطمئنان السهل، وحين يدرك أنَّ الموت حقيقة، والعالَم لا يُقَدِّم له دائمًا جوابًا. يذهبان إلى تجربة أكثر امتلاءً بالتوتر بين الإرادةِ والمصيرِ، بين الإنسان وما يُريده والحدود التي تصطدم بها رغبته. يصبح السعيُ ذاته امتحانًا، وتصبح محاولة الإنسان تجاوز نَفْسِه جُزءًا مِن مأساته وجَماله.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

دراسة نقدية في قصيدة د. عائشة الخضر لونا عامر

حين تنبثق القصيدة من أعماق الروح، لا تعود الكلمات مجرد ألفاظ، بل تتحول إلى إشارات تبحث عن معناها في تخوم الغياب. وفي قصيدة «قطرة» للشاعرة د. عائشة الخضر لونا عامر، تتخذ اللغة هيئة ابتهال شعري، وتتداخل الرغبة مع الانتظار، والصمت مع الصراخ، حتى تغدو «القطرة» علامةً على خلاصٍ مؤجل، وارتواءٍ طالما اشتاقت إليه الروح. إنها قصيدة قصيرة في مبناها، واسعة في إيحاءاتها، تستدعي القارئ إلى الإصغاء لما وراء الكلمات.

تنهض قصيدة «قطرة» للشاعرة السورية د. عائشة الخضر لونا عامر على اقتصاد لغوي يقوم على التكثيف والإيحاء، ويحوّل مفردة صغيرة في حجمها، عميقة في دلالتها، إلى مركز جاذبية للنص كله. فالقطرة هنا ليست مجرد عنصر مائي، بل علامة سيميائية تتقاطع فيها دلالات العطش، والانتظار، والخلاص، والرجاء، والاكتمال. ومن ثمّ فإن القصيدة لا تستمد شعريتها من كثافة الصور وحدها، وإنما من قدرتها على تحويل المحسوس إلى مجاز روحي ونفسي.

وتتحرك القصيدة بين قطبين متوترين: الصمت والصراخ، الغياب والحضور، العطش والارتواء، التلاشي والعودة؛ وهو توتر يمنحها بنيتها الدرامية الداخلية. ولعل أهم ما يميز التجربة أنها لا تتكئ على الوزن الخليلي بوصفه شرطاً وحيداً للشعرية، بل تنقل مركز الإيقاع إلى إيقاع المعنى والدلالة والرؤية، مع الاحتفاظ بوشائج واضحة مع الذاكرة الشعرية العربية.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن قصيدة النثر لا تصبح شعرية لمجرد تحررها من الوزن، كما أن غياب التفعيلة لا يعني غياب الموسيقى؛ فالشعرية الحقيقية تتأسس على انتظام داخلي للصوت والصورة والتكرار والانزياح والتوتر الدلالي. وفي «قطرة» نجد محاولة واعية لاستعادة شيء من الصولجان القديم للشعرية العربية، ولكن داخل محراب حداثي تتجاور فيه الروحانية مع النفسية، والرمز مع الإيحاء.

مكانة الشاعرة ودورها الثقافي:

تندرج د. عائشة الخضر لونا عامر في المشهد الثقافي العربي المعاصر بوصفها شاعرة وكاتبة وأكاديمية في الإعلام وفاعلة في المجال الثقافي. ووفق المعطيات المقدمة، أسست وترأست الاتحاد العربي للثقافة، وشغلت أدواراً استشارية وثقافية وإعلامية في مؤسسات واتحادات عربية ودولية، وشاركت في مؤتمرات ودورات وألقت محاضرات متعددة، فضلاً عن نشرها مقالات فكرية وأدبية وثقافية.

كما صدر لها أربعة دواوين شعرية مطبوعة، وترجمت أغلب قصائدها إلى تسع لغات، وهو ما يكشف عن سعي تجربتها إلى تجاوز الجغرافيا المحلية والانفتاح على فضاء ثقافي أوسع. وتكتسب هذه الأدوار أهميتها حين تتحول الثقافة من ممارسة فردية إلى فعل مؤسسي يسهم في تداول الأدب والفكر وتوسيع دوائر التواصل الثقافي العربي.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالقطرة:

لا تقدم الشاعرة مناسبة خارجية مباشرة للقصيدة، ولذلك تبدو «القطرة» وكأنها ولدت من مناسبة داخلية: مناسبة الروح وهي تواجه عطشها الوجودي. فالبدء بـ«تختلج الرؤى» يضعنا في قلب حالة نفسية مضطربة، ثم تتوالى أفعال الحركة: «تتدافع»، «تفتح»، «تطلق»، «ترسل»، «تتمتم». إننا أمام ذات لا تستقر؛ تبحث عن شيء غائب، ولا تعرف كيف تستحضره إلا باللغة.

ومن هنا تصبح القطرة نتيجة لمسار كامل من الانتظار، لا مجرد صورة ختامية. إنها جوهر الغائب الذي طال البحث عنه.

العنوان بوصفه عتبة نصية ومفتاحاً تأويلياً:

عنوان «قطرة» عتبة شديدة الاقتصاد، لكنها شديدة الفاعلية. فالقطرة في معناها المعجمي جزء ضئيل من الماء، غير أن السياق الشعري يرفعها من مستوى المادة إلى مستوى الرمز. إن «قطرة» تختزل القصيدة كلها: العطش في البداية، والمزن في الوسط، والابتهال، ثم اكتشاف القطرة في النهاية.

ولهذا فإن العنوان يعمل بوصفه نواة دلالية مؤجلة؛ إذ لا نفهم أبعاده كاملة إلا عند الوصول إلى خاتمة النص:

«فتهمس برقّة:

أنَّ هناك..

هناك، قطرة...!»

إن التكرار في «هناك.. هناك» يؤجل الوصول، بينما تأتي «قطرة» بوصفها كشفاً نهائياً.

الإيقاع والمعمار الصوتي والموسيقى الداخلية:

تتأسس موسيقى النص على الجملة القصيرة، والفعل المتتابع، والتكرار، والوقفات. نقرأ:

«تختلج الرؤى..

تتدافع...

تفتح فاها عطشى..

تطلق صراخاً مغلفاً بصمت..»

هنا لا تأتي النقاط مجرد علامات ترقيم، بل تؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية؛ فهي تمثل انقطاع النفس، وتردد الذات، وتقطّع الرؤية. ويتعزز ذلك بالتوازي الفعلي: «تختلج - تتدافع- تفتح- تطلق- ترسل - تتمتم».

كما أن الجمع بين المتناقضات في «صراخاً مغلفاً بصمت» يصنع بؤرة توتر بلاغية؛ فالصراخ صوت، والصمت غيابه، والجمع بينهما يولّد مفارقة شعرية تختصر مأزق الذات.

أما التكرار في «أيتها الروح» و«هناك» فيؤدي وظيفة مزدوجة: الاستدعاء من جهة، والتأكيد والإلحاح من جهة أخرى. وتبرز أصوات الهمس واللين في «حفيف»، «تلاشى»، «لملمت»، «خبأتها»، «وجلة»، «بوداعة»، «برقة»، فتمنح النص موسيقى هامسة تتناسب مع طبيعته الروحية.

الأسس اللغوية والبلاغية والأسلوبية:

لغة القصيدة فصيحة، واضحة، تميل إلى الجملة الفعلية الحركية. ويقوم الأسلوب على الانزياح الدلالي، كما في:

«صراخاً مغلفاً بصمت»

وهو تركيب ينقل الصمت من حالة مجردة إلى غلاف يحتضن الصراخ، فينشأ التوتر بين الظاهر والمضمر.

وفي:

«لملمت ترانيمها الملائكية

وخبأتها بين ضلوعي

كحمامة وجلة»

تتضافر الاستعارة والتشبيه؛ فالترانيم تتحول إلى شيء يمكن لملمته وإخفاؤه، ثم تستحيل إلى حمامة خائفة. والحمامة هنا علامة للسلام والروح والوداعة، لكنها موصوفة بـ«وجلة»، فتدخل دلالة الخوف في بنية السلام نفسه.

وتأتي صورة:

«فهناك في تلك الزرقة

تحتشد مزن مرتقبة»

لتجعل السماء فضاءً لاحتمال الخلاص؛ فالمزن لا تمطر بعد، وإنما هي «مرتقبة»، أي إن الماء ما يزال في طور الانتظار، تماماً كما أن القطرة ما تزال مؤجلة.

الرغبة واللاكان: قراءة نفسية:

من منظور القراءة النفسية اللاكانية، تبدو الذات الشعرية أسيرة رغبة لا تكتمل موضوعاتها. فهي لا تمتلك موضوع الرغبة، بل تبحث عنه باستمرار. ولهذا تتكرر أفعال النداء والاستدعاء:

«أيتها الروح...

عودي...

انثري شذرات وجدك..»

الروح الغائبة هي في الوقت نفسه موضوع البحث ومرآة الذات. إنها «الآخر» الذي لا تستغني عنه الذات لكي تتعرف إلى نفسها. وكلما اقتربت منه ظهر في صورة جديدة: أجنحة، ترانيم، حمامة، زرقة، مزن، قطرة.

ومن منظور لاكاني، يمكن قراءة «القطرة» باعتبارها دالاً صغيراً يحيل إلى رغبة أكبر من حجمه؛ فالذات لا تريد الماء وحده، وإنما تريد اكتمالاً لا يتحقق إلا رمزياً. ولذلك تأتي القطرة في النهاية لا بوصفها امتلاكاً نهائياً، وإنما بوصفها وعداً: «هناك... قطرة». إن الرغبة لا تموت بالوصول؛ بل تستمر لأن موضوعها يظل جزئياً ومؤجلاً.

الوقفات والإيقاع النفسي:

تؤدي الوقفات دوراً جوهرياً في تشكيل الحالة النفسية. فالنقاط المتكررة بعد «تتدافع»، و«وجلة»، و«فهناك» توحي بأن المعنى يتقدم ثم يتراجع، كما لو أن الشاعرة تستبدل الإيقاع العروضي بإيقاع التنفس النفسي.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها في النهاية:

«فتهمس برقة:

أنَّ هناك..

هناك، قطرة...!»

فالهمس هنا أبلغ من الصراخ؛ لأن النص انتقل من «صراخ مغلف بصمت» إلى همسة تحمل وعد الكشف.

البنية الفنية والجمالية:

تتحرك القصيدة في مسار شبه دائري: اضطراب - عطش - استدعاء - غياب - ابتهال - انتظار - كشف. وهذا المسار يمنح النص وحدته العضوية.

أما سيميائياً، فتنتظم القصيدة حول شبكة علامات: الروح، الأجنحة، الحمامة، الزرقة، المزن، المجدلية، القطرة. وهي علامات تنتقل من الأرضي إلى السماوي، ومن الحسي إلى الروحي، حتى تصبح القطرة علامة للخلاص.

ويكتسب حضور «مجدلية» دلالة خاصة؛ إذ تستدعي شخصية مريم المجدلية بوصفها رمزاً دينياً وثقافياً مركباً، فتضيف إلى النص طبقة من التطهر والتوبة والبحث عن المقدس.

ملاحظات لغوية وأسلوبية:

النص في مجمله سليم اللغة، مع بعض المواضع التي يمكن صقلها دون المساس برؤيته. والأدق ضبطاً: «تفتح فاها عطشى»؛ لأن «عطشى» حال من الفاعل المؤنث، وهي صيغة مؤنث «عطشان». كما أن «مزن» جمع «مُزنة»، ويصح استعمالها، غير أن السياق يمكن أن يحتمل «مزنٌ» بوصفه جمعاً دالاً على السحب الممطرة.

والأهم ألا يُفرَض على النص ما ليس فيه؛ فشعرية «قطرة» لا تقوم على الزخرفة اللفظية، بل على التكثيف، والمفارقة، والتكرار، والصورة الروحية، والإيقاع النفسي.

تنجح د. عائشة الخضر لونا عامر في «قطرة» في تحويل المفردة البسيطة إلى مركز كوني للرغبة والانتظار والخلاص. فالقطرة ليست ماءً وحسب؛ إنها احتمال ارتواء الروح، ووميض حضور بعد غياب، وإشارة إلى أن ما تبحث عنه الذات قد يكون قريباً، لكنه لا يظهر إلا بعد رحلة من التوتر والابتهال.

ومن ثم فإن القصيدة تستعيد «الصولجان» الشعري لا باستنساخ الماضي، وإنما باستحضار جوهر الشعر العربي: الموسيقى، والرمز، والنداء، والصورة، والتوتر بين الظاهر والمضمر. وإذا كان بعض ما يكتب تحت عنوان قصيدة النثر ينتهي إلى تراصف لغوي أو بوح إنشائي، فإن «قطرة» تمتلك، في مواضعها الأقوى، ما يؤسس شعريتها: بنية داخلية، وإيقاعاً نفسياً، وشبكة رمزية، ومساراً دلالياً ينتهي إلى قطرة واحدة، لكنها قطرة تختصر عطش القصيدة كلها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

قطرة

تختلج ُ الرؤى..

تتدافع...

تفتح فاها عطشى..

تطلق صراخا ً مغلفا ً بصمت..

ترسل ُ نظرات هاجسة.....

تتمتم بصلاة قدسية :

أيتها الروح...

حفيف أجنحتك ِ تلاشى عاليا ً

لملمت ُ ترانيمها الملائكيّة...

وخبّأتها بين ضلوعي

كحمامة ٍ وجلة.....

*

أيتها الروح...

عودي...

انثري شذرات وجدك..

ارقدي بوداعة يمامة..

اهدلي بترنيمة عشق..

فهناك...

هناك في تلك الزرقة

تحتشد ُ مزن ٌ مرتقبة

أبتهل ُ بخشوع مجدلية

وألمس ُ وجنتي...

فتهمس ُ برقّة :

أن َّ هناك..

هناك ،، قطرة...!

***

د. عائشة الخضر لونا عامر

الحمينية، القصائد والدامغات، جغرافيا القصيدة وذاكرةُ الأدب في اليمن بين حمير والصليحيين والرسوليين والطاهريين والزيدية

ليس «مِخلافُ الشِّعْر» في اليمن مجرد اسمٍ جغرافيٍّ عابر، ولا كلمة «الشِّعْر» فيه مجرد مصادفة لغوية؛ إنما نحن أمام رقعةٍ تاريخية تتقاطع فيها الجغرافيا بالأنساب، والتاريخ بالعلم، واللغة بالشعر، والذاكرة الشعبية بالموروث الفصيح. وهو مخلافٌ مشهور من ناحية النادرة في محافظة إب، وقد ضبطه مؤرخو اليمن بكسر الشين والعين: الشِّعِر، وذكر الحجري أنه كان من أعمال النادرة، وأنه يتصل جغرافياً بمخاليف عمار والعود وخبان، في شبكةٍ من الأودية والحواضر والقرى التي صنعت تاريخ المنطقة الثقافي.

وتشير المصادر المحلية إلى أن اسم المخلاف يُنسب إلى شِعْر بن عدي بن الحارث بن شرحبيل بن مثوب من ذي رعين، أي أن التسمية تستعيد طبقةً حميرية قديمة من التاريخ اليمني. وكان المخلاف يتوزع تاريخياً بين النادرة والسدة وما يعرف اليوم بمديرية الشِّعِر، بما يجعل الحديث عنه حديثاً عن مجال ثقافي أوسع من الحدود الإدارية المعاصرة.

من «الشِّعِر» إلى «الشعر»: حين تحفظ الجغرافيا تاريخ اللغة:

ومن الناحية اللغوية، تثير تسمية الشِّعِر نفسها دلالةً جديرة بالتأمل؛ فاللفظ الذي صار اسماً لموضعٍ جغرافي ارتبط في الذاكرة اليمنية القديمة بذي رعين، يجاور لفظ الشِّعر الذي صار في العربية عنواناً لفن القول الموزون. وليس من الصواب، بالطبع، أن نشتق أحدهما من الآخر لمجرد التشابه الصوتي؛ لكن هذا التجاور اللغوي يمنح المكان مفارقةً ثقافية آسرة: مخلافٌ اسمه الشِّعِر، وفي اليمن نفسه تراث شعري ضخم نشأ في الجبال والأودية والأسواق والموالد والمجالس.

والأدب اليمني لم يكن أدب المدن الكبرى وحدها؛ فقد انتشرت الثقافة في المخاليف والقرى، وحفظت كتب التراجم والجغرافيا أسماء الفقهاء والعلماء والأدباء، وإن كانت المادة المتعلقة بمخلاف الشِّعِر نفسه أقل بكثير من المادة المتوافرة عن صنعاء وزبيد وتعز وصعدة.

وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: لا تتيح المصادر التي أمكن التحقق منها الآن قائمة موثقة طويلة لشعراء كبار نُسبوا صراحةً إلى مخلاف الشِّعِر نفسه في العصور الوسطى، ولا يصح أن ننسب إليه شعراء لمجرد قربهم الجغرافي من إب أو النادرة. وهذه ملاحظة علمية مهمة؛ لأن تاريخ الأدب لا يُبنى على التشابه في أسماء الأماكن، وإنما على النصوص والتراجم والأسانيد.

ومع ذلك، فإن المخلاف لم يكن خارج المجال العلمي والأدبي اليمني، بل كان جزءاً من تلك البيئة التي تداخلت فيها مخاليف ذي رعين، والنادرة، والسدة، ويريم، وخبان، والعود، وبعدان، وهي بيئة أنجبت عبر العصور علماء وأدباء وشعراء وأسهمت في تشكيل الشخصية الثقافية لوسط اليمن.

أولاً: الأدب اليمني في العصر الصليحي:

عند الانتقال من الجغرافيا المحلية إلى التاريخ السياسي، نجد أن الدولة الصليحية (٤٣٩–٥٣٢هـ تقريباً) كانت من أهم المراحل التي تبلورت فيها الحياة العلمية والأدبية في اليمن.

وقد ارتبط الأدب في العصر الصليحي بالثقافة الدينية والسياسية، ولا سيما ثقافة الدعوة الإسماعيلية، وبرز شعراء خدموا الدعوة الصليحية، من بينهم عمرو بن يحيى الهيثمي، والحسين بن علي بن القم، والحسن بن أبي عقامة. وتذكر الدراسات الحديثة أن الهيثمي كان أديباً فصيحاً وشاعراً للداعي علي بن محمد الصليحي، وأن الشعر كان أداةً من أدوات التعبير السياسي والديني في ذلك العصر.

وفي السياق الأوسع للأدب اليمني الوسيط يبرز الحسن بن أحمد الهمداني، صاحب الإكليل وصفة جزيرة العرب، وإن كان سابقاً على الدولة الصليحية؛ فهو من أعظم من جعلوا اليمن موضوعاً للمعرفة واللغة والأنساب والجغرافيا والأدب، ولذلك لا يمكن كتابة تاريخ الثقافة اليمنية من دون استحضاره.

ويظهر كذلك نشوان بن سعيد الحميري، صاحب القصائد والدامغات والاشتغال العميق باللغة والتاريخ الحميري، وهو شاهد على أن الأدب اليمني لم يكن منفصلًا عن سؤال الهوية اليمنية القديمة.

ثانياً: الدولة الرسولية وازدهار الكتابة والشعر:

إذا كان الصليحيون قد أسسوا مرحلة سياسية وثقافية مهمة، فإن الدولة الرسولية (٦٢٦–٨٥٨هـ/١٢٢٩–١٤٥٤م) تمثل واحدة من أكثر العصور اليمنية خصوبة في العلوم والآداب. وقد عُرفت الدولة باهتمامها بديوان الإنشاء والكتابة الرسمية، وكان ذلك مظهراً من مظاهر الاستقرار العلمي والإداري والثقافي.

ومن أبرز أعلام هذا العصر:

محمد بن حُمير الهمداني، شاعر البلاط الرسولي، الذي اتصل بالملك المظفر يوسف بن عمر، ونظم في المديح والوصف والغزل والرثاء والحكمة، وجُمع شعره في ديوان منسوب إليه. ومن أشهر ما وصل من شعره قصائد في المديح النبوي، منها قصيدته التي مطلعها:

«يا صاحبَ القبرِ المقيمَ بيثربِ

عجلاً إلى نقذِ الغريقِ فإنما

يُدعى الكرامُ غداةَ ضيقِ المذهبِ»

وقد كان شعره وثيقة أدبية لعصره، لأنه لم يكن مجرد مدح سلطاني، بل حفظ شيئًا من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في اليمن الوسيط.

ويبرز كذلك أحمد بن علوان، الصوفي الشاعر والفقيه، صاحب الفتوح المصونة والأسرار المخزونة، وله ديوان شعري يغلب عليه التصوف والمديح النبوي. وقد أصبح شعره جزءًا من الذاكرة الروحية اليمنية، لا سيما في منطقة تعز وما حولها.

لكن الأهم في سياقنا هو أحمد بن فليتة، الذي يمثل لحظة فارقة في تاريخ الشعر اليمني؛ فقد كان كاتبًا في الدولة الرسولية، وشاعرًا أديبًا، ونُسب إليه ديوان ضخم في مجلدين: أحدهما للشعر الفصيح، والثاني للشعر الحميني وما يتصل به من ألوان مثل الساحلي والبال بال والدوبيت، وهو ما يكشف أن الأدب اليمني كان يتحرك مبكرًا بين الفصحى واللغة الشعرية الشعبية.

ومن هنا يصبح الشعر الحميني واحداُ من أعظم إنجازات اليمن الأدبية؛ لأنه لم يكن مجرد «شعر عامي»، بل كان تحولًا في بنية القصيدة اليمنية، وانتقالًا من سلطة النموذج الفصيح إلى لغة الغناء والحياة اليومية.

ثالثاً: الطاهريون والشعر بين الفصحى والحمينية:

جاءت الدولة الطاهرية بعد الرسولية، وكان مركز آل طاهر في بلاد رداع وجبن، ثم امتد نفوذهم إلى تعز وعدن ومناطق أخرى. وفي عهدهم استمرت الحركة العلمية والأدبية، وتداخل الشعر الصوفي بالمديح والحياة السياسية.

ومن أبرز الأسماء في هذه المرحلة أبو بكر العيدروس، الذي عاش في الفترة التي بدأ فيها نجم الدولة الطاهرية بالصعود، واتصل بالملك عامر بن عبد الوهاب الطاهري. وتذكر الدراسات أن العيدروس نظم في الفصيح والحميني، وأنه ألقى بين يدي عامر بن عبد الوهاب حمينية مطلعها:

«أجريتَ يا عذبَ دمعي

وأسْهرتَ بالليلِ مقلتي»

كما ارتبطت به نصوص أخرى في الشعر الحميني، منها:

«بروقُ الحِمى أبرقْ يا روقُ

عسى اللهُ يسقي بك المجدين»

وتكشف هذه النصوص عن استمرار التحول الذي بدأ في العصر الرسولي، حيث لم يعد الشعر اليمني حبيس القصيدة العمودية الفصيحة، بل أخذ يفتح أبوابه أمام الغناء واللهجة والإيقاع الشعبي والتجربة الصوفية.

رابعاً: الأدب الزيدي وشعراء الإمامة

أما المجال الزيدي فقد أنتج تقليدًا أدبيًا وعلميًا بالغ الاتساع، ولا سيما في صنعاء وصعدة وكوكبان وما حولها. ومن أعلام الشعر الزيدي شرف الدين محمد بن عبد الله المتوكل، وشرف الدين يحيى بن شمس الدين، ولهما مؤلفات شعرية ومدائح نبوية، كما تذكر المصادر الأمير أحمد بن عبد الله بن حمزة الذي نظم قصائد عدة، منها: لعل الليالي، وأعيذك أن تنافسني مطالا، ويا خليلاً مولعًا بالوفاء. كما يبرز مسلم اللحجي صاحب كتاب الأترجة في شعراء اليمن.

ثم يأتي في مرحلة لاحقة الحسن بن علي الهبل، صاحب ديوان الهبل، الذي عُدّ من كبار شعراء اليمن، ووصف شعره بالرقة واللطافة وجودة السبك، وقد جمع ديوانه القاضي أحمد بن ناصر المخلافي.

وفي العصر المتأخر يبرز عبد الرحمن الآنسي، وأحمد الآنسي، والقاضي العنسي، والأمير الصنعاني، والشوكاني وغيرهم، حتى غدا الشعر اليمني سجلًا طويلًا تتجاور فيه القصيدة الفصيحة، والحمينية، والمديح النبوي، والتصوف، والحكمة، والغزل، والوصف.

مخلاف الشِّعِر في مرآة الأدب الحديث:

أما إذا انتقلنا إلى العصر الحديث، فإن العلاقة بين مخلاف الشِّعِر والأدب تصبح أوضح في بعض الأسماء المعاصرة.

ومن الأسماء التي يمكن توثيق صلتها المباشرة بالمخلاف عفان محمد علي إسماعيل سليم، المولود في مخلاف الشِّعِر، عزلة القابل، قرية الخراف بمحافظة إب، وهو شاعر وكاتب، وله اهتمام بالشعر الفصيح والنبطي، ومن أعماله المنشورة ديوان «أنا العربي».

أما عبد العزيز المقالح، فهو من كبار شعراء اليمن في العصر الحديث، وُلد في إب، ويحتل مكانة مركزية في الأدب اليمني الحديث، لكن ينبغي ألا ننسبه إلى مخلاف الشِّعِر تحديداً من غير سند جغرافي دقيق؛ فالانتماء إلى محافظة إب أوسع من الانتماء إلى المخلاف. وهذا التفريق ضروري في أي دراسة أنطولوجية جادة.

من الديوان السلطاني إلى القصيدة الشعبية:

ولعل أجمل ما يمكن استخلاصه من تاريخ الأدب اليمني أن الشعر لم يكن طبقةً واحدة.

فثمة:

الشعر الفصيح الذي حفظته الدواوين.

وثمة الشعر الحميني الذي خرج من صرامة الفصحى المعيارية إلى فضاء الغناء.

وثمة الشعر الصوفي الذي جعل القصيدة رحلةً في الروح.

وثمة الشعر الشعبي والنبطي الذي حمل ذاكرة القبيلة والقرية والحب والحرب والمطر والزراعة.

وثمة الأدب التاريخي الذي حفظ أسماء الملوك والعلماء والأمكنة.

ومن هنا فإن «مخلاف الشِّعِر» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره هامشًا على متن الأدب اليمني، بل بوصفه جزءًا من الجغرافيا الثقافية التي أنتجت اليمن الأدبي.

إن اليمن لم يكتب تاريخه في القصور وحدها؛ بل كتبته القرية، والمسجد، والسوق، والمجلس، والمدرسة، والطريق، والوادي، والجبل. ولهذا بقي الشعر اليمني قادرًا على عبور القرون، من القصيدة الفصيحة في بلاط الصليحيين والرسوليين، إلى الموشحة والحمينية، ومن ديوان العالم إلى أغنية الفلاح، ومن كتب التراجم إلى الذاكرة الشفوية.

حين يصبح المكان قصيدة:

إن مخلاف الشِّعِر، بما يحمله من امتداد حميري، وبما اتصل به من النادرة والسدة وذي رعين وخبان والعود، يمثل صفحة جديرة بإعادة الكتابة في تاريخ الأدب اليمني.

غير أن الإنصاف العلمي يقتضي القول إن قائمة شعراء المخلاف أنفسهم ما تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل؛ فالمصادر المتاحة لا تمنحنا حتى الآن ديوانًا جامعًا أو أنطولوجيا موثقة لشعرائه القدامى، ولذلك لا ينبغي ملء الفراغ بأسماء منسوبة إليه بلا دليل. وهذه ليست ثغرة في المخلاف، بل ثغرة في تدوين الذاكرة الأدبية اليمنية.

ولعل المشروع الأجدر بالإنجاز هو إعداد «أنطولوجيا مخلاف الشِّعِر الأدبية»، تجمع شعراء المخلاف وقرّاءه وفقهاءه وأدباءه، وتبحث في المخطوطات، وكتب التراجم، وطبقات فقهاء اليمن، والسلوك في طبقات العلماء والملوك، ومجموع بلدان اليمن وقبائلها، والرواية الشعبية، ثم تصل القديم بالحديث.

فالمكان الذي حمل اسم الشِّعِر يستحق أن نبحث فيه عن شعره؛ لا بوصفه لعبةً لفظية بين «الشِّعِر» و«الشِّعر»، وإنما بوصفه بحثًا في كيفية تحوّل الجغرافيا إلى ذاكرة، والذاكرة إلى لغة، واللغة إلى قصيدة.

وهكذا لا يعود مخلاف الشِّعِر هامشًا في الخريطة اليمنية، بل يصبح مجازًا مكثفًا لليمن نفسه: أرضًا حميرية، وذاكرةً عربية، وروحًا صوفية، ولسانًا فصيحًا وشعبيًا، وتراثًا لا يزال ينتظر من ينفض عنه غبار القرون ويعيده إلى ديوان الثقافة العربية.

***

يقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قدمت دائرة السينما والمسرح بالتعاون مع محترف بغداد المسرحي عرض مسرحية (أنا .. أنا) تأليف وإخراج د. عواطف نعيم، على مسرح الرشيد يوم الاربعاء ١٠/ ٨/ ٢٠٢٦.

استند العرض في إطاره الحكائي على مسرحية (لير) لشكسبير المكتوبة عام 1605م. أما مصدر المسرحية الأصلي فهو كتاب تواريخ انجلترا واسكوتلندا لمؤلفه رافائيل هولنشيد.

تتلخص حكاية مسرحية لير لشكسبير بالاتي: يقرر الملك لير تقسيم المملكة وتوزيعها على بناته الثلاثة (الكبرى جونريل والوسطى ريغان والصغرى كورديليا) على أن تكون حصة كل واحدة بمقدار حبها لأبيها، تبرع البنت الكبرى والوسطى في اظهار مدى حب الأب/الملك بمبالغة وتعظيم وتزويق نفاقا ورياء طمعا بالملك، في حين البت الصغرى تعرب عن مشاعرها كأب، يغضب الملك لير، ويقرر نفي ابنته وحرمانها، ومنح المملكة للكبرى والوسطى، اللتان سرعان ما يظهر جحودهن ويطردنه بعيدا في البراري خلال عاصفة قوية.. تبدأ المؤلفة د.عواطف نعيم مسرحيتها من الملك لير في العاصفة. وهذا يتوافق مع ما ذهبت إليه الأستاذة في المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة الناقدة (د. نهاد صليحة) في كتاب (أضواء على المسرح الإنجليزي - ص٦٩) عن مسرحية (لير) "مسرحية تقوم من البداية إلى النهاية على مبدأ التشكيك في جميع الأنظمة والقيم التي تحكم عالم المسرحية، مما جعل ناقدا شهيرا- هو جورج لوكاتش - يصفها بأنها كانت نبوءة مبكرة بانهيار النظام الاقطاعي في إنكلترا. وقد كان (لوكاتش) محقا في ملحوظته هذه. اذ ان المسرحية تعج بالإشارات الى الأوضاع الاقتصادية السيئة للفقراء- خاصة في مشهد العاصفة التي تتحول في المسرحية من عاصفة عادية إلى عاصفة رمزيّة تنذر باقتراب عاصفة من نوع آخر تقتلع النظم القيمية من جذورها "3158 show

تأسس نص العرض على مشهد (العاصفة) تحديدا. وتجسد ذلك منذ بداية العرض بواسطة المنظر والمؤثرات الصوتية من خلال صناعة الجو العام والإسهام في دعم صراع الشخصية الداخلي.

قبل الدخول إلى العرض نقرأ العنوان (أنا .. أنا) تكرار الـ (أنا) يدل على مركزية ذات - سلطة - نرجسية - ثقة مفرطة بالنفس .. جعلت الأمور تؤول إلى عاصفة وسفينة محطمة.

بدأ العرض بإضاءة مسلطة على خلفية خشبة المسرح، لتكشف عن أشرعة ممزقة في الخلفية، وحطام سفينة متناثر يمينا ويسارا، مقود (دفة) مستند على مدرج بثلاث مستويات. لم يتوقف صوت الرياح العاصفة الذي شكل المؤثر الصوتي الأبرز في العرض، إلى جانب الموسيقى الداعمة لاجواء العرض والمعبرة عن مختلف الحالات الانفعالية لصوت شخصية الملك.

العاصفة رافقت العرض منذ البداية وحتى اللحظة الاخيرة حين نزل المطر ليعلن انتهاء اعترافات الملك بأخطائه الكبرى التي مزقت المملكة ودمرت كل شيء، وقد أنشأ السينوغراف (علي السوداني) معادلا عيانيا لهذه المملكة عندما ملأ الفضاء البصري بمكونات حطام السفينة إلى جانب التعبير السمعي ل موسيقى ومؤثرات (ضياء عايد)

تمحورت رؤية المؤلفة/المخرجة على تجسيد شخصية الملك المهزوم نفسياً والمأزوم اجتماعياً والخاسر سياسيا، وهو نفسه بناء الشخصية الشكسبيري، على أنها افترقت عن البناء الدرامي بأنها اعتمدت على صياغة نص قائم على التداعيات النفسية والرجوع إلى استذكار ما حدث بلغة شاعرية مكثفة. صورت صراع الملك مع نفسه في لجة العاصفة على أنقاض سفينة محطمة.

يدور العرض في ثلاثة محاور هي:

1.  فقدان المملكة

2.  جحود البنت الكبرى والوسطى.

3.  عدم تقدير عاطفة البنت الصغرى.

عندما تستذكر الشخصية عملية تقسيم المملكة، يجري حوار مع البنت الكبرى والبنت الوسطى، دون حضورهم المادي/الجسدي، اكتفى الاخراج بحضورهم الصوتي، والاستعاضة عن وجودهم العياني ببقعتي ضوء ابيض يتحرك يمينا ويسارا في خلفية خشبة المسرح. أما ظهور البنت الصغرى فقد بدا ملائكيا، حيث الزي باللون الأبيض والحركات التعبيرية حول أبيها الذي يذكرها بكل محبة وخير يرافقه الندم لأنه لم يفهم مشاعرها النبيلة ولم يهبها حقها.

من أهم جماليات العرض، السرد بصوت عزيز خيون إذ وفر متعة سمعية، وشكل حافزا للمتابعة وغمر المتلقي بأجواء صورة العرض السمعية، وفي الوقت نفسه وجه الانتباه الى بقاء مفردات المنظر ساكنة، وسلط النظر على جمود الصورة البصرية، إلا من حركة الشخصية وتحولات مشاعرها وانفعالاتها المتدفقة المثيرة للتعاطف، إلى جنب صورة العرش الذي ظهر بصورته الافتراضية، متحركا في جميع أنحاء الفضاء، إنه ذلك العرش المغري اللامع كما يصفه الملك.3159 show

ظهر طيف البنت الصغرى ثلاث مرات، بأداء حركات تعبيرية تفصح عن التودد والمواساة لوالدها، عبر شغل مسرحي صامت على أنغام موسيقى برداء ابيض وكانّها تستعيض عن الأخوات الثلاث، وفي المرة الأخيرة أفصحت عن مدى اهمية حضورها عندما قادت الملك الاعمى.

في الدقيقة (٣٥) ينادي الملك على بهلول الذي يفتقد حكمته، يخاطبه قائلا: (كنت محقا وأنا الأحمق). طوال العرض يؤنّب الملك نفسه ويصفها بـ الحماقة والغباء، حتى أن مفردة (الاحمق والحماقة) تكررت كثيرا وشكلت العلامة الأبرز في لغة الحوار، استنادا إلى فكرة العرض المحورية التي أوجزتها المؤلفة بمقولة: (أنا الملك الاحمق الذي قسم المُلك في لحظة ضعف) على لسان شخصية الملك.

الـ 60 دقيقة التي استغرقها زمن العرض يؤنب نفسه، بل وذهب إلى تعنيفها لأنه أضاع الملك بسبب أتباعه للمحيطين به من المتملقين والمصفقين حتى أنه وهبهم كل شيء، ولم يقدر الصادقين بمشاعرهم النبيلة التي لم تستوعبها الكلمات. هؤلاء هم المخلصون وتمثلوا بابنته الصغرى.

ثمة ثنائية مزدوجة في المعالجة الاخراجية لشخصية الملك، فهي تثير تعاطفا واسعا وشفقة على الحال المأساوي الواضح في بناء الشخصية الذي اضطلع بأدائها الممثل (عزيز خيون)، وفي الوقت نفسه، وعند الاحتكام للعقل والتفكير يبدو التعاطف أمرا في غير موضعه لأن الملك أضاع المملكة بسلسلة من الأفعال غير الحكيمة، وبحسب تعبير المؤلفة أفعال (حمقاء) وبالنتيجة (تعاطف مع الملك الأحمق) وقد يفسر الأمر على تعاطف مع (لير الأب الذي يعاني جحود ابنتيه الكبرى والوسطى) وسخط الوعي على (لير الملك الذي أضاع مملكته) وهذه الازدواجية (التعاطف مع الفاعل/شخص الملك والسخط على الفعل/ضياع المملكة) قائمة منذ زمن (لير) الشكسبيري إلى زمن (ملك) عواطف نعيم وعزيز خيون اللذان جسدا هذه الرؤية بسردية درامية إخراجا وتمثيلا محكما، وإن اعتراها شيء من رتابة غالبا ما يملأها صوت ولياقة الممثل المتمكن من أدواته (عزيز خيون) الذي تحكم بإيقاع العرض، فكان الأداء هو مرتكز العرض بتنويعات ما كانت لتظهر لولا هذا الصوت العميق وذاك الجسد المطواع والحضور الذي يملأ الخشبة حتى وإن كان صامتا ساكنا.3160 show

يصعب تحديد انتماء أزياء شخصية الملك إلى عصر محدد. غير أنه يمكن القطع بالقول انها أزياء لا تنتمي إلى العصر الحالي، ومنذ الدقائق الأولى تبدأ الشخصية بالتخلي عن العباءة الواسعة ثم ترمي الصولجان وبعدها تخلع الحذاء. وبهذا تتجرد من مهابة أزياء الملك وتتحول إلى أسمال الناس العوام. وكان المكياج توضيحا لملامح الشخصية، أما تسريحة الشعر ذات الضفائر فيمكن إرجاعها إلى أصول أفريقية. لذا يصعب تحديد هوية شخصية الملك من مظهره. ويفسر ذلك بالذهاب إلى عولمة الشخصية وإمكانية وجود مثيلاتها الذين يدمرون الممالك في كل زمان ومكان.

ثمة تساؤل -اجده مهما- الذين لا يعرفون شكسبير ولم يطلعوا على مسرحية لير، هل يتمكنون من فهم العرض والتواصل معه بمعزل عن المرجعية التي دونتها المؤلفة/المخرجة في الفولدر ونوهت عنها في التقديم قبل بدء العرض؟ لقد كان التدوين والتنويه جزء من الأمانة الفكرية، والارتكاز على النص الشكسبيري جزء الوعي بتاريخ المسرح وإعادة صياغة روائع الدراما المسرحية على وفق متطلبات ومجريات العصر الحالي. مع الأخذ بالاعتبار عدم وجود علامات دالة مباشرة أو موحية بالبيئة المحلية. ولكن ما دام العرض يقدم لهذا المتلقي فلا بد من حدوث اشتباك مع الوعي العام واثارة أسئلة: لماذا اختير هذا النص؟ ما الذي أثارني وجعلني أتواصل مع العرض؟ ما الفكرة المركزية الكامنة؟ وسواء كان التفكر بالعرض تلقائيا أم بقصدية نقدية/بحثية، فإن العرض يترسب في وعي المتلقي، ويشكل جزءا من كيانه الفكري والجمالي، ويشرع بإنشاء عناصر مشتركة في الواقع المعاش، وهذا هو أحد أهداف الفنون والآداب، فهي ليست حدث عابر، بل إنها واقعة تترسخ في الوعي الجمعي وتسهم في تشكيل الفكر العام للمجتمع.

أحكمت المؤلفة/المخرجة والممثل معالجة قكرة العرض ودفعوا الجمهور لمتابعة المجريات بانتظار الآتي الأكثر إثارة وتشويقا، ولكن لا تحولات في مسار ندم الملك على فعلته الحمقاء بتقسيم المملكة، إلا في المشهد الأخير الذي أثار تساؤل على درجة من الاهمية: ففي مسرحية شكسبير جميع الشخصيات تنتهي أما في السجن أو الموت، وينطبق هذا الحال على البنت الصغرى (كورديليا) التي تموت في السجن بعد محاولة انقاذ ابيها ومملكته. أما في رؤية (عواطف نعيم) فإن (البنت الصغرى) تحضر في نهاية العرض. التساؤل: هل أن حضورها واقع ام محض خيال؟ في حال كان حضورها من وحي مخيلة (الملك) وفكره المضطرب، فإن هذا يجعل العرض يميل إلى السوداوية في قراءة الواقع والتسليم بالنظرة التشاؤمية المغلقة. أما اذا كان حضورها واقعا فهي تمثل قوة الأمل والفعل الدائم للتغيير نحو إشراقة أفضل. لقد كان ظهور (البنت الصغرى) النقية يمثل الملاك الحارس وقوة الشباب في قيادة الماضي إلى بيئة الضوء الأزرق الجميل وصناعة الغد. لقد هدأت العاصفة ونزل المطر وظهرت البنت الصغرى الشابة التي لم يفهمها والدها، ولم يسعَ للتفاهم معها عندما باحت له برأيها، تقود الملك -والدها- العجوز، بعد أن انطفأت عيونه ولم يعد يرى شيئا، وتتولى حمل الكتاب، تتحول الاضاءة إلى لون أزرق يغمر الفضاء، وينتهي العرض. انها الضربة الأخيرة - كما يصطلح على تسميتها الدراميون- التي تبقى حاضرة بقوة ويأخذها الجمهور معه إلى خارج قاعة العرض.

مبارك لكم د. عواطف نعيم- الفنان القدير عزيز خيون- السينوغراف علي السوداني - أيار عزيز - لمار محمد - بهاء خيون - والجميع بلا استثناء، والجهات الداعمة، بوركتم وانتم تعملون على إنعاش المسرح بابداعكم، وتثابرون على التواصل مع الجمهور. الجمهور الذي يفتقد البرنامج والموسم المسرحي منذ زمن، ذلك أن العروض المقدمة -خلال النصف الأول من العام الحالي- باتت تعتمد على المبادرات والجهود الفردية أكثر من المؤسسات والمنظمات المجتمعية.

***

ا. د. حبيب ظاهر

للشاعرة روشان علي جان

يُعدّ الغوص في منطقة اللامحدود، بما تنطوي عليه من علاقاتٍ متشعّبة، من الموضوعات المهمّة في الدرس اللغوي من جهةٍ، وفي الدرس الدلالي القائم على تعدّد المعاني من جهةٍ أخرى. لذلك يمتلك التأويل قدرةً على استنطاق المعنى المضمر، واستكشاف العلاقات الكامنة بين الأشياء، وتحويلها إلى عناصر حركيّة داخل البنية النصّية، من خلال ما تنسجه من علاقاتٍ دلاليّة ورمزيّة. فالتأويل لا يقف عند حدود المعنى الظاهر، بل ينفتح على الإمكانات التي يتيحها النصّ، ليكشف عن طبقاتٍ جديدة من الفهم تتجاوز المباشر إلى اللامحدود.

(التأويل في الفلسفة الهرمنيوطيقيّة هو فهمٌ يتحقّق من خلاله امتلاك المعنى المضمر في النصّ، سواء عبر علاقاته الداخليّة أم عبر علاقاته بالعالم والذات؛ كما يُعدّ في هذه الفلسفة لحظةً جوهريّة في الحياة الإنسانيّة، إذ تتميّز الكائنات الإنسانيّة بامتلاكها الفهم ذاته للعالم وللآخرين. – د. محمد ولد سالم الأمين، حجاجيّة التأويل، ط1، 2004م، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا، ص23).

ومن هذا المنطلق، نبحر في جملةٍ من العلاقات التي تتجلّى عبر الأبعاد النصّية، حيث تتفاعل الأبعاد الخمسة في تشكيل بنيتها التكوينيّة: السياق، والتأويل، والرمزيّة، والوجود، وعلاقات الأشياء. وضمن هذا التفاعل تنبثق الكتابة اللامألوفة بوصفها كتابةً تنتمي إلى فضاء اللامألوف، فتتّسع الوحدات الدلاليّة، وتتعدّد إمكانات القراءة، ويغدو النصّ أكثر انفتاحاً على آفاق التأويل.

وندخل إلى المدوّنة الشعريّة للشاعرة روشان علي جان في مجموعتها "قدّاس الورد"، حيث يمثّل العنوان البوّابة الأولى للنصّ، ويُعدّ أعلى درجات الاقتصاد اللغوي، إذ يتصدّر المجموعة بوصفه عتبةً نصّية تؤسّس أفق التلقّي. ومن هنا، يحتلّ العنوان موقعاً محوريّاً في توزيع الوظائف اللغويّة والجماليّة، ليغدو أحد أبرز المنبّهات النصّية التي تستثير القارئ وتوجّه فعل القراءة.

(إنّ العنوان ضرورة كتابيّة، فهو بديل عن غياب سياق الموقف بين طرفي الاتصال، وهذا يعني أنّ العنوان، بإنتاجيّته الدلاليّة، يؤسّس سياقاً دلاليّاً يهيّئ المتلقي لتلقي العمل. وإذا كان العنوان يحتوي على قدرٍ من الشعريّة التي توفّرها لا نحويّته، فإنّ هذا القدر ليس ملزماً للعمل، سواء أكان مقالةً أم كتاباً أم روايةً أم ديواناً. – د. محمد فكري الجزار، العنوان وسيموطيقا الاتصال الأدبي، ط1، 1998م، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، ص45).

وكلّما ارتفعت شعريّة العنوان، ازدادت طاقته الإيحائيّة، وتعاظمت قدرته على توجيه القراءة؛ لأنّه لا يقتصر على وظيفة التسمية، بل يتحوّل إلى منبّهٍ نصّي يوجّه المتلقّي نحو آفاق المعنى، ويؤسّس العلاقة الأولى بين النصّ وقارئه.

ويُضاف العنوان بوصفه بنيةً مستقلّة داخل الهرم البنائي للقصيدة، إذ تنبع خصوصيّته من لزوميّة الموقف الذي يفرضه، بما يتيح تجاوز الصيغة التقليديّة في العنونة، والبحث عن صياغةٍ جديدة تنسجم مع جسد القصيدة ورؤيتها. فالعتبة العنوانيّة لا تقف عند حدود التعريف؛ لأنّها تعلو النصّ كما يعلو التاج الرأس، لتشير إلى محتوياته، وتوجّه مسارات تأويله.

وبذلك تقودنا العنونة، كما صاغتها الشاعرة روشان علي جان، إلى موقفين متكاملين: موقف المرسِل الذي يبثّ رسالته عبر العنوان، وموقف المرسَل إليه الذي يستقبل هذه الرسالة ويشرع في تأويلها. ومن ثمّ تغدو العنونة فعلاً تواصليّاً يؤدّي وظيفةً دلاليّة وجماليّة في آنٍ واحد؛ لأنّها تحمل المنطوق الظاهر، وتستبطن في الوقت نفسه شبكةً من الدلالات التي لا تنكشف إلا عبر القراءة والتأويل.

الماءُ كان سرّي الذي يخبّ من غدقِ الجذور

حين تهجع القطعان تحت فضّة الفجر

أسلك متاهاً لا يحتاج إلى التأويل

أطوّق بأصابعي فكرةً تتلظّى في العراء

خطى أغنيةٍ حائرةٍ ترعف في اشتباك الحنين

وتدور كنحلةٍ غدا العناق ضالّتها

من قصيدة: حلم في كنف السواقي – ص 19

من خلال السياق التفاعلي، الذي يقوم على تداخل الأفعال اللغويّة في تأسيس المعنى وتحريك البنية النصّية، تتجلّى الأفعال الحركيّة، والانتقاليّة، والتموضعيّة بوصفها وحداتٍ تؤدّي وظائف تداوليّة داخل الخطاب. فكلّ فعلٍ يستدعي فعلاً آخر ليدمج معه في سياقٍ لاحق، وبذلك تتشكّل سلسلةٌ من العلاقات بين السابق واللاحق، فتغدو السياقات امتداداتٍ متعاقبة تسهم في بناء الشكل النصّي، وتحديد المسارات التي تتحرّك فيها الدلالة.

الماء كان سرّي الذي يخبّ من غدق الجذور + حين تهجع القطعان تحت فضّة الفجر + أسلك متاهاً لا يحتاج إلى التأويل + أطوّق بأصابعي فكرةً تتلظّى في العراء + خطى أغنيةٍ حائرةٍ ترعف في اشتباك الحنين + وتدور كنحلةٍ غدا العناق ضالّتها.

يفتتح هذا التتابع فضاءً دلاليّاً متدرّجاً؛ إذ لا تقف الوحدات اللغويّة عند حدود التراكم، بل تتفاعل فيما بينها من خلال علاقاتها الداخليّة، فتؤثّر في حركة النصّ وتتابعه الإشاري، وتتنامى لتنتج معاني من طرازٍ جديد.

وتفتتح الشاعرة روشان علي جان مجموعتها الشعريّة قدّاس الورد بقصيدة (حلم في كنف السواقي)، وفيها ترتّب العلامات اللغويّة وفق نظامٍ إجرائي يضبط العلاقات النصّية والقواعد التركيبيّة، لتتّخذ الدلالة مسارها داخل التعبير التتابعي. ومن ثمّ لا تبقى الدلالة ثابتةً في سياقٍ واحد، بل تنتقل من سياقٍ إلى آخر، وتتّسع لتحتضن معاني امتداديّة تتجاوز المعاني الأولى. ولأنّ الحركة الدلاليّة ترتبط بالسياق ارتباطاً وثيقاً، فإنّها تؤثّر في تنظيم العلاقات النصّية، وتسهم في بناء النسق الدلالي للنصّ، بما يحقّق تماسكه وانفتاحه على التأويل.

وتقودنا الشاعرة، من خلال السياق النصّي، إلى فضاء الرمزيّة عبر توظيف الإشارات الدلاليّة المقترنة بحركة الأفعال. ونلاحظ أنّ البنية النصّية تكاد لا تخلو من فعلٍ لغوي، سواء أكان حركيّاً أم انتقاليّاً أم تموضعيّاً، الأمر الذي يجعل الأفعال محاور رئيسة في بناء الدلالة. وتؤدّي هذه الأفعال وظيفةً حركيّة، إلى جانب وظيفتها الدلاليّة والتداوليّة، بما يسهم في توسيع أفق المعنى، وتأسيس شبكةٍ من العلاقات النصّية التي تمنح القصيدة حركتها الداخليّة، وتوجّه المتلقّي نحو تأويلٍ يتجاوز ظاهر الخطاب إلى طبقاته العميقة. ومن خلال ذلك، يمكن الوقوف عند بعض الأفعال التي نسّقتها الشاعرة:

– يخبّ: فعلٌ حركيّ يوحي بالحيويّة والاندفاع.

– تهجع: فعلٌ تموضعيّ يؤدّي إلى حالةٍ من السكون والاستقرار.

– أسلك: فعلٌ انتقاليّ حركيّ، يعلن بداية الرحلة نحو هدفٍ ما، وهذا يعني أنّ الاستدلال يتدخّل في بناء دلالة النصّ.

– أطوّق: فعلٌ حركيّ تموضعيّ، تتحوّل من خلاله الحركة إلى حالةٍ من الإحاطة بالمحسوس.

– ترعف: فعلٌ تصويريّ يمنح الحنين بُعداً جسديّاً.

– تدور: فعلٌ حركيّ دائريّ يكرّس استمراريّة الحركة وعدم توقّفها عند نقطةٍ معيّنة.

ومن خلال هذه الأمثلة، تتحوّل الأفعال، داخل السياق التفاعلي، إلى محرّكاتٍ للحركة الدلاليّة؛ فهي لا تنتج المعنى منفردةً، بل من خلال تتابعها وترابطها داخل النسق النصّي، بما يفضي إلى بناء أثرٍ نصّي يمنح المتلقي فاعليّةً متجدّدة، ويفتح أمامه مساراتٍ متواصلة للفهم والتأويل.

جدليّة السياق واللامحدود

قد يبدو السياق، للوهلة الأولى، نقيضاً للامحدود؛ لأنّه يحدّد المعنى ويضبط مساراته. غير أنّ النصّ الشعري الحديث، من خلال عناصره الحركيّة، يقيم جدليّةً دقيقةً بينهما؛ إذ لا يُلغى السياق، وإنّما يُعاد تشكيله بوصفه فضاءً منتجاً للدلالة، وعاملاً سببيّاً في التفاعلات النصّية. فهو لا يفرض معنىً واحداً، ولا يقيّد فعل القراءة، وإنّما يفتح مساراتٍ متعدّدةً للفهم، بحيث يفضي كلّ سياق إلى إمكانٍ تأويليّ مختلف. ومن ثمّ، لا يُختزل السياق النصّي في زمن إنتاجه، بل يوسّع مساحته الزمنيّة، فيغدو النصّ قابلاً للقراءة في مختلف الأزمنة، بفضل ما يحمله من رموز، وما يتيحه من تفاعلٍ مع الأفق المعرفي والجمالي للمتلقّي. ولهذا يُعدّ السياق أحد أهمّ مصادر اللامحدود؛ لأنّ فاعليّته تتجدّد بتجدّد القراءة، وتختلف باختلاف الزمن والوعي الثقافي.

الليلُ المتكئُ على النافذة

طائرٌ مصطافٌ

غمرته نشوةُ القناديل

فنسي ألقابَ الريشِ في كؤوسِ الصباح

الليلُ الذي جفّف زهورَ قتلاهُ

في ظلالِ الشطوطِ

شرّدته قواربُ التّيهِ

فصار نبعاً يتبعُ حبورَ الماءِ

إلى زهوةِ الشمال

من قصيدة: يراعات من نسل البريق – ص 39

إنّ الغوص في منطقة اللامحدود، بما تنطوي عليه من علاقاتٍ متشابكة، يُعدّ من القضايا الرئيسة في الدرسين اللغوي والدلالي؛ لأنّه يوسّع إمكانات المعنى، ويجعل التأويل قادراً على استنطاق المضمر، والكشف عن العلاقات التي تنتظم من خلالها الوحدات النصّية. ومن خلال هذه العلاقات تتجلّى الكتابة اللامألوفة بوصفها كتابةً تتجاوز المباشر إلى فضاءٍ رمزيّ، فتتّسع الدلالة، وتتعدّد إمكانات الفهم والتأويل.

(التأويل في الفلسفة الهرمنيوطيقيّة هو فهمٌ يتحقّق من خلاله امتلاك المعنى المضمر في النصّ، سواء عبر علاقاته الداخليّة أم عبر علاقاته بالعالم والذات؛ كما يُعدّ في هذه الفلسفة لحظةً جوهريّة في الحياة الإنسانيّة، إذ تتميّز الكائنات الإنسانيّة بامتلاكها الفهمَ ذاته للعالم وللآخرين. – د. محمد ولد سالم الأمين – حجاجيّة التأويل – ط1 لسنة 2004م، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا – ص 23).

الليل المتكئ على النافذة + طائرٌ مصطافٌ + غمرته نشوة القناديل + فنسي ألقاب الريش في كؤوس الصباح + الليل الذي جفّف زهور قتلاه + في ظلال الشطوط + شرّدته قوارب التيه + فصار نبعاً يتبع حبور الماء + إلى زهوة الشمال.

وتقودنا هذه السلسلة إلى ملاحظة أنّ المعاني لا تنتجها الجمل منفردةً، بل تنشأ من العلاقات التي تربط السابق باللاحق. فالجملة الأولى: (الليل المتكئ على النافذة) تفتح المجال أمام سلسلةٍ من التحوّلات الرمزيّة التي تجعل الليل يتحوّل إلى (طائرٍ مصطاف)، ثمّ إلى كائنٍ يكتسب خصائص أخرى بفعل تعاقب الصور. وهكذا تتنامى الدلالة عبر الامتداد السياقي، فينشأ تماسك النصّ من ترابط المقاصد والأغراض، لا من استقلال كلّ جملةٍ بمعناها.

ومن هنا يغدو النصّ رسالةً رمزيّةً موجّهةً إلى المتلقّي، لا تُدرك دلالتها من خلال عبارةٍ واحدة؛ إذ يحضر المؤثّر العلائقي بوصفه عنصراً فاعلاً في بناء شبكة العلاقات التي تنسجها الوحدات القوليّة داخل السياق.

حين اعترتك الهشاشةُ

كنتَ تؤبّن الوردَ على سياج الصباح

متخفّفاً من كمائن الحزن

من نجاةٍ ترتدي ثوب الحداد

كانت أشباحُكَ تتلمّس بهجتها

بين أقماح الطفولة الجريحة

وحناجر اليتامى قبل أن تأكل الحرب

في العبور أحلامهم

من قصيدة: أشجار لاهثة – ص 42

إنّ القول، في جوهره، لا ينعقد إلا لإنتاج المعنى. غير أنّ النصّ الشعري لا يقتصر على القول المباشر، بل يفتح مستوياتٍ قوليّةً متعدّدةً، يتجاور فيها القول الآني، والقول السابق، والقول الذي ما يزال في حيّز الإمكان (المستقبلي). وبهذا تغدو البنية القوليّة نسقاً متكاملاً، تتعاشق فيه التراكيب اللغويّة والعلاقات السياقيّة، لتشكّل بنيةً دلاليّةً تتجاوز حدود الملفوظ إلى فضاءات التأويل.

ومن هذا المنطلق، يظلّ السياق مجالاً مفتوحاً للمقاربة، فلا يبقى النصّ بنيةً مغلقة، بل يصبح قابلاً لاستقبال سياقاتٍ خارجيّة جديدة، تتفاعل مع بنيته الداخليّة، وتوسّع أفق معانيه.

حين اعترتك الهشاشة + كنت تؤبّن الورد على سياج الصباح + متخفّفاً من كمائن الحزن + من نجاةٍ ترتدي ثوب الحداد + كانت أشباحك تتلمّس بهجتها + بين أقماح الطفولة الجريحة + وحناجر اليتامى قبل أن تأكل الحرب أحلامهم.

وتكشف هذه الوحدات عن منظومةٍ رمزيّة تتدرّج من الهشاشة إلى الحداد، ثمّ إلى الطفولة والحرب، ضمن شبكةٍ من العلامات التي تعيد تشكيل الوجود الإنساني داخل النصّ. فتعابير مثل "سياج الصباح"، و"كمائن الحزن"، و"ثوب الحداد"، لا تؤدّي وظيفةً تصويريّة فحسب، بل تتحوّل إلى مراكز دلاليّة تنتظم حولها حركة المعنى.

كما تُقيم الشاعرة وساطةً علائقيّةً بين الذات والموضوع، فتنتقل من التجربة الذاتيّة إلى فضاءٍ إنسانيّ أشمل. وعندما تقولل: "كانت أشباحك تتلمّس بهجتها"، يتجلّى تشابك العلاقات بين القول الآني والقول الماضي والمتقدّم، بما يوسّع أفق التأويل. ومن ثمّ، فإنّها لا تستحضر الماضي بصيغته التقليديّة، كما يحدث في تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) مثلاً، وإنّما تدمجه في البنية الآنيّة للقول، بحيث يصبح الماضي فاعلاً في الحاضر النصّي. فالاندماج الذي يحدث ناتجٌ عن تأثير القول الآني في غيره من المستويات القوليّة، ومن خلال هذا التفاعل يتّسع القول داخل أفق التأويل.

وعندما يصبح المتلقّي شريكاً في بناء الدلالة، فإنّه لا يكتفي باستقبال العلامات، بل يعمل على ربطها بعناصرها الرمزيّة، واستكشاف العلاقة بين الدالّ والمدلول، للكشف عمّا تحمله الجمل الشعريّة من امتداداتٍ دلاليّة. وهكذا تتماسك البنية النصّية، فلا تنفصل جملةٌ عن أخرى، بل يستند التتابع النصّي إلى شبكةٍ من العلاقات المتبادلة التي تسهم في إنتاج أثرٍ نصّي يتجدّد مع كلّ قراءة.

انفلات المعنى في مساحة اللامحدود

إنّ المعنيين الأساسي والسياقي لا يتطابقان؛ إذ يُعدّ المعنى السياقي المجال الأوسع الذي تتجلّى فيه مساحة اللامحدود. غير أنّ هذا المعنى لا يستقرّ على صورةٍ واحدة، بل يظلّ قابلاً للتحوّل والانفتاح؛ لأنّ كلّ حزمةٍ من الدلالات تمتلك قابليّة الانفلات نحو آفاقٍ جديدة من التأويل. ومن ثمّ، فإنّ اللامحدود في النصّ الشعري الحديث لا يهدف إلى تقديم معنىً مكتملٍ ونهائيّ، بل يترك إمكانات المعنى مؤجّلةً ومفتوحة، ويفسح المجال أمام تعدّد القراءات وتجدّدها.

وتتجلّى القيمة الفنيّة للألفاظ من خلال السياق الذي تنتظم فيه؛ لأنّ اللفظة لا تستمدّ أثرها من معناها المعجمي وحده، بل من شبكة العلاقات التي تربطها بسائر الوحدات النصّية. ومن هنا، تغدو مساحة اللامحدود إدراكاً فلسفيّاً؛ إذ لا تبلغ الدلالة نهايتها الأخيرة، لأنّ اللغة، بطبيعتها، حركة انزلاقٍ مستمرّ بين العلامات، وتحوّلٍ دائم في العلاقات بين الدوالّ ومدلولاتها.

بحرٌ كالفجاءة يسبي الغروب

ولا يهاب زحمة الأنفاس

ومراكب استعصى عليها البكاء

تركن تحت قنطرة الدمع

ثمّة أجنحة تغادر مبتغاها

وسراب يطالع نضوب القدر

مناسك الاحتضار محاريث تسرق الفرح

والطحالب قصائد مالحة مرعوبة من الموت

فجيعة ترثي الزنابق بقسوة الزبد

من قصيدة: طفولة تتبرّأ من المدائح – ص 64

تغادر الذات الشاعرة اللغة العاديّة التي يتداولها الناس في حياتهم اليوميّة، لتنتمي إلى لغةٍ شعريّة تُبنى على شبكةٍ من العلاقات الدلاليّة والرمزيّة. لذلك فإنّ الحديث عن انفلات المعنى في فضاء اللامحدود يستلزم، قبل كلّ شيء، انفلات اللغة من أنماطها المألوفة؛ لأنّ التحوّلات التي تصيبها تمثّل خروجاً على القواعد التعبيريّة التقليديّة، وانتماءً إلى فضاء اللامألوف. ومن هنا تتأسّس القيمة الجماليّة للنصّ، إذ تتحوّل اللغة إلى وسيلةٍ لإعادة تشكيل الواقع، لا إلى نقله بصورةٍ مباشرة.

بحرٌ كالفجاءة يسبي الغروب + ولا يهاب زحمة الأنفاس + ومراكب استعصى عليها البكاء + تركن تحت قنطرة الدمع + ثمّة أجنحة تغادر مبتغاها + وسراب يطالع نضوب القدر + مناسك الاحتضار محاريث تسرق الفرح + والطحالب قصائد مالحة مرعوبة من الموت + فجيعة ترثي الزنابق بقسوة الزبد.

لا يقف السياق عند حدود تنظيم هذه الصور، بل إنّ إعادة تشكيل نسقها بصيغةٍ رمزيّة تؤدّي إلى إنتاج معانٍ جديدة؛ لأنّ السياق يهيّئ لها إمكانات التوسّع والانفتاح، ولا يحاصر الدلالة أو يقيّدها، بحيث يفضي كلّ انتقالٍ بين صورةٍ وأخرى إلى أفقٍ تأويلي جديد. ومن ثمّ، لا يُلغى السياق، وإنّما يُعاد بناؤه من خلال الإيحاء، والرمز، والتأويل، والاختلافات اللغويّة، ليصبح منتجاً للحركة الدلاليّة، لا حاجزاً أمامها.

وتستمدّ الشاعرة روشان علي جان رموزها من الواقع المرئي تارةً، ومن الخيال الشعري تارةً أخرى. ويغدو البحر أحد المراكز الرمزيّة في هذا المقطع، إذ تتكاثر حوله الصور والدلالات، ولا يبقى محصوراً في وجوده الطبيعي المباشر. وبهذا الانتقال من الواقع إلى التجريد، يتحوّل العنصر الطبيعي إلى بنيةٍ جماليّة تستدعي التأويل، وتتيح للدلالة أن تتجاوز حدود المرجع الحسّي.

(قد تتصل بعض عواطفنا بمناظر أو أشياء ماديّة معيّنة نتيجة لموقفٍ لنا معها، أو واقعة ارتبطت بها.. وحينذاك تتحوّل هذه الأشياء والمناظر إلى مثيرات تذكّرنا بمضمون تلك المواقف والوقائع.. وهذه أبسط أنواع الرموز. د. محمد فتوح أحمد – الرمز والرمزيّة في الشعر المعاصر – ط3 لسنة 1984م، دار المعارف، مصر – ص 136).

أيّتها الشجرة

لماذا لم تجيبي على رسائلي؟

لماذا ضيّعتِ بريد المطر؟

هل تشابهت عليك الجهات؟

فراهنتِ على بياض القلب

هل ما زالت الزرازير

تنقر فروتك بكلّ بهاء القلب؟

أيّتها الشجرة

هذه الأصداف أمنيات مستحيلة

طفولة حلم يرتجف على الهوامش

من قصيدة: شجرة لا عالم أوسع من قلبها – ص 79

قد تلجأ الشاعرة إلى التعبير عن الأشياء بوصفها رموزاً تتجاوز حضورها المادّي، فتغدو الكتابة نقطة التقاءٍ بين الشيء وتمثّله داخل النصّ. ومن هنا تنتمي اللغة إلى فضاء الرمزيّة، سعياً إلى إعادة تشكيل الواقع في صورةٍ أكثر كثافةً وإيحاءً. وبذلك تتراجع الحالات المباشرة لصالح لغةٍ مختلفة تستدعي التأويل، وتمنح المتلقّي فرصة المشاركة في بناء الدلالة.

أيّتها الشجرة + لماذا لم تجيبي على رسائلي؟ + لماذا ضيّعت بريد المطر؟ + هل تشابهت عليك الجهات؟ + فراهنت على بياض القلب + هل ما زالت الزرازير + تنقر فروتك بكلّ بهاء القلب؟ + أيّتها الشجرة + هذه الأصداف أمنيات مستحيلة + طفولة حلم يرتجف على الهوامش.

وحين ينتظم النصّ في صيغةٍ استفهاميّة، فإنّه لا يبحث بالضرورة عن جوابٍ مباشر، وهذا يعني أنّنا نقترب من أفقٍ فلسفيّ يظلّ فيه السؤال منتجاً للمعنى؛ لأنّ الإجابة الحاسمة قد تغلق بعض إمكانات التأويل، في حين يظلّ السؤال مفتوحاً على احتمالاتٍ متعدّدة. ولذلك، فإنّ اعتماد الشاعرة على البنية الاستفهاميّة لا يهدف إلى التقرير، بل إلى توسيع فضاء الدلالة وربط السياقات بعضها ببعض، بحيث يتفاعل السابق مع اللاحق، ويمهّد كلّ سؤالٍ لمساراتٍ جديدة من القراءة والتأويل.

ومن هذا المنظور، تتحوّل الشجرة إلى رمزٍ للعطاء، والبراءة، والاستمرار، بينما تغدو الرسائل و"بريد المطر" وسائلَ للتواصل الإنساني والوجداني. ولا تكمن أهميّة هذه الرموز في مدلولاتها المباشرة وحدها، بل في قدرتها على بناء رؤيةٍ شعريّة جديدة تتداخل فيها اللذّة، والدهشة، والعجائبيّة، والغرائبيّة، لتنتج أثراً نصّيّاً يظلّ قابلاً للتجدّد مع كلّ قراءة.

وفي ضوء ذلك، تقدّم مجموعة (قدّاس الورد)، الصادرة عن منشورات كناية في ستٍّ وتسعين صفحة من القطع المتوسّط، تجربةً شعريّة تتّسم بثراء رموزها وتنوّع بنياتها الدلاليّة؛ إذ تقود الشاعرة المتلقي من أفقٍ نصّي إلى آخر عبر حركةٍ مستمرّة من التأويل، بما يجعل المعنى في حالة انفتاحٍ دائم، ويجعل انفلات الدلالة أحد مظاهر حيويّة النصّ وفاعليّته الجماليّة. وهكذا تجمعنا الشاعرة في مدوّنة اللامحدود، وتنقلنا بين أنماطٍ متعدّدة من المعاني وأساليب إنتاجها.

***

كتابة: علاء حمد

الاستفهام في العربية ليس مجرد أداةٍ تُلقى في صدر الجملة طلبًا لجواب، ولا صيغةً نحويةً جامدةً تستنفد دلالتها بمجرد حضور «هل» أو «الهمزة» أو إحدى أخواتهما؛ بل هو بنيةٌ لغويةٌ نابضة، تتداخل فيها الصناعة النحوية مع مقتضيات المقام، وتتجاور فيها الدلالة الأصلية مع الدلالة البلاغية، حتى يغدو السياق هو المفتاح الذي يكشف الغرض المستتر وراء السؤال.

فإذا كان الاستفهام في أصل وضعه طلبَ العلم بشيء مجهول، فإن المتكلم قد يعدل عنه إلى أغراض أخرى تفرضها حال الخطاب، فيصبح السؤال ـجواباً مستتراً، أو نفياً، أو إنكاراً، أو تقريراً، أو توبيخاً، أو تعجبًا، أو تحسرًا، أو تهويلًا، أو تشويقًا، أو غير ذلك من المقاصد التي لا تستبين بمجرد النظر إلى الأداة.

ومن هنا فإن العبارة: «كل استفهام فيه غرض، ونضعه في سياقه» تصلح أن تكون قاعدةً منهجية في قراءة العربية؛ إذ لا يجوز اقتلاع الاستفهام من بيئته النصية، ثم إلصاق غرض بلاغي به إلصاقًا تعسفيًا.

الاستفهام في ميزان النحو:

عرّف النحاة الاستفهام بوصفه طلبًا للفهم أو العلم بأمرٍ مجهول، وجعلوا له أدواتٍ مخصوصة، منها الهمزة، و«هل»، و«من»، و«ما»، و«متى»، و«أين»، و«كيف»، و«كم»، و«أيّ»، و«أنّى»، وغيرها.

غير أن النحو العربي لم يكن غافلًا عن تفاوت هذه الأدوات في الوظيفة والدلالة؛ فالهمزة، مثلًا، أوسع أدوات الاستفهام تصرفًا، تدخل على الجمل الاسمية والفعلية، ويكون الاستفهام بها عن التصديق أو التصور، في حين تختص «هل» بطلب التصديق في المشهور.

فحين نقول:

أجاءَ المسافر؟

فالسؤال عن وقوع المجيء أو عدم وقوعه، وهذا استفهام حقيقي.

أما حين نقول:

أليس الصبحُ بقريب؟

فالمتكلم لا يطلب علمًا يجهله، وإنما يحمل المخاطب على الإقرار بحقيقة مقررة؛ فانتقل الاستفهام من طلب المعرفة إلى التقرير.

وحين نقول:

أتهينُ من أكرمك؟

فليس المقصود الاستعلام عن فعل الإهانة، بل الإنكار والتوبيخ.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المعنى النحوي والمعنى البلاغي: فالنحو يصف البناء، أما البلاغة فتستجلي الغاية التي تحرك هذا البناء داخل المقام.

البصريون والكوفيون: بين الصناعة والسماع:

لم يكن الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية في أبواب الاستفهام منفصلًا عن منهجهما العام في النظر إلى العربية.

فـالبصريون مالوا إلى إحكام القياس، وضبط القواعد، وردّ الظواهر إلى أصول كلية، مع عناية بالاستعمال الفصيح والشواهد الموثوقة. ولذلك نظروا إلى أدوات الاستفهام من حيث خصائصها النحوية، وعملها، ومواقعها، وما تختص به كل أداة من دلالة.

أما الكوفيون فكانوا أوسع احتفاءً بالمسموع والمنقول عن العرب، وأكثر تسامحًا في الاحتجاج بالشواهد المختلفة، ولذلك اتسعت عندهم دائرة التأويل والتخريج في بعض المسائل التي ضيّقها القياس البصري.

غير أن الإنصاف العلمي يقتضي ألا نجعل الخلاف بين المدرستين خصومةً مطلقة؛ فكلاهما أسهم في بناء النظرية النحوية العربية، وكلاهما احتكم إلى العربية المروية، وإن اختلفت طرائق الترجيح بين القياس والسماع، والأصل والفرع، والقلة والكثرة.

ومن ثم فإن دراسة الاستفهام لا تستقيم بالنظر إلى العامل الإعرابي وحده، ولا بالسماع وحده؛ لأن السؤال قد يكون صحيح البناء نحويًا، ثم يحمل في السياق معنى يتجاوز وظيفته الأصلية.

فقهاء اللغة والسياق:

كان فقهاء اللغة أكثر حساسيةً تجاه الفروق الدقيقة بين الألفاظ والتراكيب؛ لأنهم لم ينظروا إلى اللغة بوصفها مجموعة قواعد فحسب، بل بوصفها نظامًا دلاليًا يتشكل داخل الاستعمال.

ومن هنا تبرز أهمية ما قرره علماء العربية من أن المعاني تتغير باختلاف المقامات، وأن اللفظ الواحد قد تتعدد وظائفه بحسب السياق.

فالاستفهام في:

من هذا؟

قد يكون سؤالًا حقيقيًا إذا كان المتكلم يجهل الشخص.

وقد يكون تعظيماً إذا قيل:

ومن هذا الذي أقبلَ مرفوعَ الرأس؟

وقد يكون تحقيراً إذا حمل السياق على الاستنكار من شأنه.

وقد يكون إنكاراً إذا كان المقصود نفي استحقاقه للمنزلة التي ادعاها.

إذن ليست «من» هي التي قررت المعنى النهائي، وإنما من زائد التركيب زائد المقام زائد حال المتكلم زائد حال المخاطب زائد القرينة.

وهذه هي روح فقه اللغة: أن المعنى لا يسكن في المفردة منعزلًا، وإنما يولد في شبكة العلاقات التي تنشأ بينها وبين ما يجاورها.

الاستفهام البلاغي: حين يسأل المتكلم وهو يعرف الجواب:

هنا تبلغ اللغة أوج شعريتها.

فالشاعر لا يسأل دائمًا لأنه يجهل، وإنما قد يسأل لأنه يعرف أكثر مما يستطيع أن يقوله مباشرة.

حين يقول:

فهل بعد هذا الليل من فجر؟

قد لا يريد جوابًا؛ لأنه لا يبحث عن معلومة، وإنما يسكب في السؤال مرارة الانتظار، ويحوّل الاستفهام إلى تحسر واستبطاء ورجاء مستتر.

وحين يقول:

أأتركُ أرضي والحنينُ يجرّني؟

فالسؤال ليس طلبًا للمشورة، وإنما هو صراع داخلي، واستفهام خرج إلى الحيرة والتردد والاستحالة النفسية.

وحين يقول:

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟

فالمتكلم لا ينتظر جوابًا مجهولًا، لأن بنية الخطاب نفسها تقود إلى النفي؛ ولذلك يؤدي الاستفهام وظيفة التقرير والنفي معًا.

وهكذا يصبح الاستفهام أحد أكثر الأساليب قدرةً على إشراك المتلقي في إنتاج المعنى؛ إذ لا يقدم له النتيجة جاهزة، بل يدفعه إلى استحضارها بنفسه.

السياق هو الحَكَم:

يمكن أن تتكرر أداة واحدة في ثلاثة نصوص، فتؤدي ثلاثة أغراض مختلفة.

فـ:

أين تسكن؟

استفهام حقيقي.

و:

أين العدل؟

قد يكون سؤالًا إنكاريًا لا ينتظر جوابًا.

و:

أين أنت من شجاعة الأبطال؟

قد يحمل معنى التوبيخ والتحقير.

والأداة واحدة، لكن المقام غيّر الوظيفة.

ومن الخطأ المنهجي أن نضع قائمة مغلقة تقول: «الهمزة للإنكار»، أو «هل للتقرير»، أو «كيف للتعجب»؛ لأن هذه الأحكام، إذا أطلقت بلا قيد، تفسد القراءة. فالهمزة قد تكون للاستفهام الحقيقي، وقد تكون للتقرير أو الإنكار أو التعجب أو التوبيخ، و«كيف» قد تسأل عن الحال حقيقة، وقد تتحول إلى التعجب أو التهويل أو الاستبعاد.

ولهذا فإن القرينة هي التي تنقل الاستفهام من معناه الأصلي إلى معناه البلاغي.

بين الإعراب وتأويل النص:

الإعراب يجيب عن سؤال: ما موقع هذه الكلمة؟

أما البلاغة فتسأل: لماذا اختار المتكلم هذه الصيغة؟

والنحو يسأل: كيف بُني التركيب؟

أما النقد الأدبي فيسأل: ماذا صنع هذا التركيب في وجدان المتلقي؟

ومن هنا لا ينبغي أن يتصارع النحو والبلاغة، بل ينبغي أن يتكاملا. فالإعراب يضبط الهيكل، والبلاغة تكشف الوظيفة، والسياق يحدد المقصد، والنقد الأدبي يستكشف الأثر الجمالي والنفسي والفكري.

فالقول مثلًا:

أتبكي على وطنٍ لم يبقَ منه سوى الذاكرة؟

لا يكفي أن نعرب الهمزة و«تبكي» و«على وطن»؛ لأن القيمة الحقيقية للنص تكمن في السؤال الأعمق: هل هو استفهام حقيقي؟ أم إنكار؟ أم تحسر؟ أم توبيخ؟ أم احتجاج على خراب الوطن؟

ولا يمكن حسم ذلك إلا بقراءة النص كله.

إن الاستفهام في العربية بنيةٌ مفتوحة على المعنى؛ يبدأ نحويًا طلبًا للفهم، لكنه قد يرتقي بلاغيًا إلى فضاء واسع من المقاصد. وما يحدد انتقاله من الحقيقة إلى المجاز ليس الأداة وحدها، بل السياق والقرينة والمقام.

ولهذا فإن القراءة العربية الرصينة لا تسأل عن «أداة الاستفهام» فقط، وإنما تسأل:

من يسأل؟ ومن يُسأل؟ ولماذا يسأل؟ وفي أي مقام؟ وهل ينتظر جوابًا؟ وما الذي يريد أن يقوله بالسؤال ولا يستطيع ــ أو لا يريد ــ أن يقوله بالخبر؟

وهنا تحديدًا تتحول اللغة من قواعد إلى فكر، ومن تراكيب إلى دلالة، ومن سؤالٍ ظاهري إلى خطابٍ عميق؛ إذ قد يكون السؤال في ظاهره طلبًا للجواب، بينما يكون في باطنه نفيًا أو احتجاجًا أو دهشةً أو وجعًا أو حبًا أو خوفًا أو ثورةً على الواقع.

ومن ثم يمكن صياغة القاعدة الذهبية في قراءة الاستفهام العربي هكذا:

ليس كل استفهامٍ سؤالًا، وليس كل سؤالٍ طلبًا للجواب؛ فبعض الأسئلة أجوبةٌ مستترة، وبعضها احتجاجٌ في هيئة سؤال، وبعضها وجعٌ يتعذر عليه أن يتكلم إلا بصيغة الاستفهام. والسياق وحده تقريبًا هو الذي يرفع الستار عن الغرض.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ليس الاستعمارُ مُجرَّد جندي يهبط من سفينة، أو موظف أجنبي يجلس خلف مكتب، أو علم غريب يُرفَع فوق مبنى حكومي. الاستعمارُ يبدأ حين ينجح الغريبُ في إقناع صاحب الأرض بأنَّ صورته عن نَفْسِه ناقصة، ولُغته متأخرة، وذاكرته لا تستحق الثقة، وأنَّ ما جاء به القادمُ من وراء البحر هو وحده مِعيار العقل والحضارة والمدنية والجَمال. عِند تلك النقطة يتحوَّل الاحتلالُ من سيطرة على الجغرافيا إلى مُحاولة للاستيلاء على الخيال، ومِن إخضاع الجسد إلى إعادة تشكيل الوعي. لهذا كان الأدب، في المجتمعات التي خرجتْ من التجربة الاستعمارية، أكثر مِن ترف ثقافي أو لعبة لغوية. كان محاولة لاسترداد الصوت، وبحثًا عن الإنسان الذي كاد أن يختفي خلف الرواية التي كتبها الآخرون عنه. والكاتبُ في أحيان كثيرة يقف في منطقة شديدة الحساسية، بين ذاكرة محلية مثقلة بالجراح، وصورة استعمارية حاولتْ أن تُقَدِّم تلك الذاكرة باعتبارها ظلامًا كاملًا لا يستحق إلا أن يُستبدَل.

مِن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الموريتاني أحمد ولد عبد القادر (وُلد 1941) إلى جانب تجربة الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي (1930 - 2013)، ليس لأنَّ الرَّجُلَيْن متطابقان في المشروع أو الأسلوب أو السياق، فلكلِّ واحد منهما عالَمه الخاص، وإنما لأنهما يلتقيان عند سؤال عميق: كيف يستعيد الإنسانُ الذي مَرَّ عليه الاستعمارُ حَقَّه في أن يرى نَفْسَه بعينيه، ولَيس بالمِرآة التي صنعها له المُستعمِر؟.

إنَّها مواجهة لا تجري بالسلاح، وإنما باللغة والذاكرة والصورة الأدبية. مواجهة بين مَن يريد أن يجعل الماضي صفحة بيضاء لا قيمة لِمَا قبلها، ومَن يُصِر على أنَّ الأُمَّة لا تستطيع أن تبدأ من الصفر، وبين مَن يختزل الشعوبَ في عاداتها التي يصفها بالغريبة والمتخلفة، ومَن يعيد إلى تِلك العادات سياقها الإنساني والتاريخي، وبين كتابةٍ تُريد أن تجعل العالَمَ الاستعماري مركزًا وحيدًا للمعنى، وكتابةٍ تحاول أن تقول: نحنُ هُنا، ولنا حكايتنا أيضًا.

مِن أخطر ما فعله الاستعمارُ أنَّه لَم يكتفِ بالسيطرة السياسية والاقتصادية، بلْ أنتجَ خطابًا كاملًا عن الشعوب التي استعمرها، ووصفها، وصنَّفها، ودرسها، وكَتَبَ تاريخَها، وحدَّد في كثير مِن الأحيان ما ينبغي أن يُقَال عنها. وحين تتكرر هذه الصورة بما يكفي، فإنَّها قدْ تتسلل إلى وعي أبناء المجتمع نَفْسِه ، فيبدأ الإنسانُ بالنظر إلى ذاته من الخارج.

هُنا يصبح التغريبُ الاستعماري أعمق مِن مُجرَّد تقليد بعض مظاهر الحياة الأوروبية. إنَّه اغتراب عن الذات، واللغةِ، والذاكرةِ، والإحساسِ الطبيعي بأنَّ للمجتمع حقًّا في أنْ يُعرِّف نَفْسَه بِنَفْسِه. لذلك فإنَّ مقاومة التغريب لَيست دعوة ساذجة إلى إغلاق الأبواب أمام العالَم، ولَيست رفضًا لكلِّ ما يأتي مِن الآخَر. الإنسانُ لا يعيش في جزيرة معزولة، والثقافاتُ لا تنمو في عُزلة مُطْلقة، إنما القضية هي الفرق بين التبادل الحُر والهيمنة، وبين أن تختار مِن الآخَر ما يثري تجربتك، وبين أن يُفْرَض عليك الاعتقاد بأنَّ الآخَر هو الأصل وأنك هامشٌ عابرٌ ليس لك وزن ولا قيمة.

في السياق الموريتاني، تتخذ هذه المسألة خصوصية واضحة. موريتانيا بلد تشكَّلت هُويته مِن الإسلام واللغة العربية والصحراء والقبيلة والترحال والمدن والذاكرة الشفوية، ثم دخلتْ عليه الدولة الاستعمارية الفرنسية بمنظومة مختلفة في تصوُّرها للسُّلطة والمعرفة والمجتمع.

مِن داخل هذا الترابط، تأتي تجربة أحمد ولد عبد القادر بوصفها تجربة أدبية مشدودة إلى سؤال الإنسان الموريتاني ومكانه في التحوُّلات الكُبرى. الكتابةُ عنده لا تبدو منفصلة عن سؤال الذاكرة، ومحاولةِ الإمساك بذلك الخيط الذي يصل الحاضرَ بماضٍ لَم يكن مُجرَّد زمن منقضٍ، وإنما كان عالَمًا كاملًا له قِيَمه وأحلامه وتناقضاته.

مقاومةُ التغريب في هذا السياق لا تعني تمجيدَ الماضي بصورة عمياء. الأدبُ الحقيقي لا يتحوَّل إلى منشور دعائي للماضي، ولا ينظر إلى المجتمع القديم باعتباره فِردوسًا لَم يكن فيه ظُلم ولا فقر ولا تناقض. قوةُ الكتابة تكمن تحديدًا في قُدرتها على أن ترى الماضي بعيون مُحِبَّة وناقدة في آنٍ معًا. والكاتبُ الذي يستعيد ذاكرةَ مجتمعه لا يفعل ذلك لِكَي يَمنع النقدَ، بلْ لِكَي يَمنع الإلغاءَ، وهُنا تتَّضح قيمة الذاكرة الأدبية.

إنَّ ما لا تحفظه الكُتب الرسمية قدْ تحفظه الرواية، وما لا تقوله الوثائق قدْ تقوله الحكاية، وما يختفي من التاريخ السياسي قدْ يبقى في صورة إنسان، أو مجلس، أو صحراء، أو بيت، أو كلمة دارجة، أو نبرة صوت. الأدبُ يمنح هذه التفاصيل حياةً ثانية، ويقول إنَّ التاريخ لَيس ما تُسجِّله السُّلطة فَحَسْب، بلْ أيضًا ما يبقى في وجدان الناس.

في تجربة أحمد ولد عبد القادر، تبدو الكتابة محاولة للعودة إلى الإنسان الموريتاني بوصفه كائنًا تاريخيًّا وثقافيًّا، ولَيس مُجرَّد موضوع في سِجل إداري، أو صورة فولكلورية في عين المستشرق.

أمَّا تشينوا أتشيبي، فقدْ خاض معركة أكثر مباشرة معَ الصورة الاستعمارية عن أفريقيا. كان يدرك أنَّ الأدب الأوروبي لَم يكن دائمًا بريئًا حين تَحَدَّثَ عن القارة الأفريقية. في بعض الكتابات الاستعمارية ظهرتْ أفريقيا وكأنها مكان بلا تاريخ، ولا ترابط إنساني حقيقي، ولا أصوات داخلية قادرة على إنتاج المعنى.

ومِن هُنا جاءت أهمية روايته " الأشياء تتداعى"، التي لم تكن مُجرَّد حكاية عن مجتمع أفريقي في لحظة التحول الاستعماري، وإنما كانت إعادة ترتيب للمشهد كُلِّه.

قبل دخول الرجل الأبيض، هناك مجتمع يعيش، ويختلف، ويتصالح، ويتخاصم، ويُحِب، ويَكره، ويُخطئ، ويُصيب، وقوانين وعادات ومعتقدات وعلاقات اجتماعية، وبشرٌ لا يحتاجون إلى وصول أوروبا لكي تبدأ حياتهم. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنَّها شديدة الأهمية: أفريقيا لَم تكن تنتظر مَن يكتشف إنسانيتها.

أتشيبي لَم يكتب عن المجتمع الأفريقي باعتباره مثاليًّا. على العكس، كان يعرف عيوبه وقسوته وتناقضاته، لكنَّه رفض أن تكون هذه العيوب ذريعة لمحو إنسانيته، لذلك كانت مقاومته أكثر نُضجًا مِن مُجرَّد قلب الأدوار، أي استبدال صورة المُستعمِر بصورة مُضادة تُمجِّد كُلَّ ما هو محلي.

أرادَ أن يقول إنَّ المجتمع الأفريقي يستحق أن يُفْهَم في سياقه، ويُروَى مِن الداخل، وتُرى تناقضاته باعتبارها تناقضات بشرية، ولَيست دليلًا على أنَّ أهله أقل إنسانية مِن غَيرهم.

عبد القادر وأتشيبي يرفضان أن يكون المجتمع المحلي مُجرَّد مادَّة خام في قصة يكتبها الآخَر. كلاهما يعيد الاعتبارَ إلى الداخل، والإنسانِ الذي يتكلم من موقعه، والذاكرةِ التي لا تريد أن تموت، والثقافةِ التي لا ينبغي أن تُخْتَزَل في صورة سياحية أو استعمارية. لكنَّ الأهم أنَّ مقاومة التغريب عندهما لَيست مُجرَّد عودة إلى الماضي، وإنما هي استعادة لحق النظر، أن تنظر إلى نفسك بعينيك، ولَيس بعيون الآخرين، وتعرف أنك تستطيع أن تأخذ مِن العالَم دون أن تفقك اسمك، وتتعلَّم لغةَ الآخَر دون أن تشعر أن لغتك عار، وتستفيد من الحداثة دون أن تتعامل معَ تاريخك بوصفه عبئًا يجب التخلص منه، وتنتقد مجتمعك لأنك تُحِبُّه وتريد إصلاحه، ولَيس لأنك تُردِّد حُكمًا جاهزًا عليه. هذه هي المسافة الدقيقة بين التحرر والاستلاب.

عبد القادر يتحرَّك في فضاء موريتاني عربي صحراوي له حساسيته التاريخية والثقافية، وأتشيبي يتحرَّك في فضاء نيجيري أفريقي متعدد الأعراق واللغات، شهدَ الصدامَ العنيف بين البنى المحلية والاستعمار.

ولَيست القضية أن عبد القادر هو أتشيبي، ولا أنَّ موريتانيا هي نيجيريا. إنَّ وضع التجربتين في إطار واحد لا يلغي خصوصية أيٍّ مِنهما، بل يكشف عن سؤال مشترك يمرُّ عبر تجارب كثيرة للشعوب التي عرفت الاستعمارَ: كيف نستعيد حَقَّنا في تعريف أنفسنا؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست اللغة كائناً منعزلاً يعيش في جزيرة صوتية مغلقة، بل هي كائن تاريخي تتحرك مفرداته في الزمن، وتتجاور أنظمته مع أنظمة اللغات التي تشاركه الجغرافيا أو الأصل أو طرق التجارة والهجرة والتثاقف. ومن هذه الزاوية تكتسب العلاقة بين العربية والأمهرية والتغرينية أهمية استثنائية؛ فاللغات الثلاث تنتمي إلى الأسرة السامية، وإن كانت كل واحدة منها قد شقّت لنفسها مساراً تاريخياً وصوتياً وصرفياً ونحوياً مستقلاً.

وإذا كانت العربية قد احتفظت بتراث نحوي وصرفي بالغ الاتساع، فإن الأمهرية والتغرينية تمثلان فرعين مهمين من اللغات السامية الإثيوبية، وقد حملتا في بنيتهما آثاراً عميقة من التاريخ السامي القديم، ثم أعادت كل منهما تشكيل هذا الإرث وفق بيئتها الإفريقية وتطورها الداخلي.

ومن هنا فإن المقارنة بينها لا ينبغي أن تنطلق من فكرة أن الأمهرية أو التغرينية "لهجات عربية"، فهذا غير صحيح علمياً، وإنما من حقيقة أكثر دقة: إنها لغات سامية شقيقة، تلتقي مع العربية في أصول وبنى وخصائص، وتختلف عنها في مسارات تطورها التاريخي.

أولاً: من شجرة واحدة إلى أغصان متعددة:

تنتمي العربية إلى اللغات السامية، وكذلك الأمهرية والتغرينية. وتشكل اللغات السامية الإثيوبية فرعاً مهماً من هذه الأسرة، نشأ وتطور في القرن الإفريقي، بعد انتقال جماعات سامية إلى جنوب البحر الأحمر وتفاعلها مع اللغات والثقافات الإفريقية المحلية.

ومن ثم يمكن أن نتخيل هذه اللغات لا بوصفها نسخاً من بعضها، وإنما باعتبارها أغصاناً خرجت من جذع سامي تاريخي أقدم.

فالعربية تقول:

مَلِك، مَلَكَ، مِلْك، مَمْلَكَة

وتقوم هذه الكلمات على شبكة اشتقاقية واضحة.

وفي الأمهرية نجد .

 ملك يساوي مملكة -  دولة

وفي التغرينيةنجد.

 ملك يساوي دولة -  مملكة.

وهنا لا يعني التشابه أن الأمهرية أو التغرينية مأخوذتان من العربية، بل يكشف عن طبقة تاريخية وثقافية ولغوية أوسع، مع ملاحظة أن بعض الألفاظ انتقلت بين اللغات عبر التاريخ، وبعضها يرجع إلى أصول سامية مشتركة.

ثانياً: الجذر السامي والذاكرة المشتركة:

من أهم المفاتيح التي تتيح المقارنة بين العربية والأمهرية والتغرينية مفهوم الجذر.

فالعربية عرفت نظاماً اشتقاقياً يقوم في جانب كبير منه على الجذور الصامتة، ولا سيما الثلاثية، مثل:

ك ـ ت ـ ب

ومنها:

كَتَبَ، كاتِب، مكتوب، كتاب، مكتبة، كتابة.

وتحتفظ اللغات السامية الأخرى بآثار واضحة من هذه الآلية، وإن كانت قد طورتها بطرائقها الخاصة.

ومن الأمثلة التي تستوقف الباحث:

العربية:

ملك

الأمهرية:

ملك

التغرينية:

ملك

وكذلك:

العربية:

سلام

الأمهرية:

سلام

التغرينية:

سلام

والتقارب هنا بالغ الدلالة؛ فكلمة سلام في العربية تقابلها صيغة قريبة جداً في الأمهرية والتغرينية من حيث الصوت والدلالة.

ومن النماذج كذلك:

العربية: كتاب

الأمهرية: مصحف

التغرينية: مصحف

وهذا المثال مهم؛ لأن لفظة

مصحف

 ذات تاريخ سامي قديم، وأصبحت في التراث الإثيوبي المسيحي ذات دلالة على الكتاب أو المخطوط، وهي ترتبط أيضاً تاريخياً بالمصطلح العربي مُصْحَف. وهذا نموذج ممتاز لدراسة حركة المصطلح الديني والكتابي بين البيئات السامية.

ثالثاً: العربية والأمهرية: والتغرينية: التشابه ليس تطابقاً

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الباحث هو تحويل التشابه إلى تطابق.

فالأمهرية ليست عربية، والتغرينية ليست عربية، كما أن العربية ليست أماً مباشرة لهاتين اللغتين بالمعنى التاريخي البسيط. إنما هي لغات متجاورة في شجرة النسب السامي، ثم دخلت في علاقات تماس طويلة مع العربية وغيرها.

وقد أنتج هذا التفاعل ظواهر لغوية شديدة التعقيد؛ فبعض الكلمات قد تكون من أصل سامي مشترك، وبعضها قد يكون انتقل من لغة إلى أخرى، وبعضها قد يكون نتيجة تطور صوتي مستقل.

ولهذا فإن المنهج المقارن الحديث يميز بين:

الموروث المشترك، والاقتراض اللغوي، والتطور الداخلي، والتشابه العرضي.

وهذه التفرقة هي التي تجعل البحث العلمي أكثر صرامة وأبعد عن الأحكام الانطباعية.

رابعاً: البحر الأحمر بوصفه مختبراً لغوياً:

لا يمكن فهم العلاقة بين العربية واللغات السامية الإثيوبية من دون استحضار البحر الأحمر.

فالبحر لم يكن في التاريخ القديم فاصلاً بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي، بل كان طريقاً للتجارة والهجرة والحرب والرحلة والدين.

وقد أدى هذا الاتصال إلى انتقال البشر، ومع البشر انتقلت الأسماء والمصطلحات والعادات والعبارات.

ومن هنا يمكن النظر إلى البحر الأحمر بوصفه مختبراً لغوياً عابراً للحدود؛ حيث التقت العربية بلغات إفريقية سامية وكوشية وغيرها، فتبادلت التأثيرات، واحتفظت كل لغة في الوقت نفسه بخصوصيتها.

خامساً: ماذا قال النحاة البصريون والكوفيون؟

عندما ننتقل إلى التراث النحوي العربي، ينبغي أن نتحفظ تاريخياً: فالنحاة البصريون والكوفيون لم يدرسوا الأمهرية والتغرينية بالمفهوم المقارن الذي نعرفه اليوم، ولم تكن لديهم أدوات اللسانيات التاريخية الحديثة التي تمكّننا من إعادة بناء العلاقات بين اللغات السامية.

لكن آراءهم في نشأة العربية، والاشتقاق، والسماع، والقياس، واللغات واللهجات، والتعريب، واللغات الأجنبية توفر أرضية فكرية مهمة لفهم كيفية نظر التراث العربي إلى ظاهرة التعدد اللغوي.

المدرسة البصرية:

مال البصريون إلى التشدد في القياس وإقامة القواعد على ما ثبت عندهم من كلام العرب الفصحاء، مع عناية كبيرة بالاطراد والعلل والتعليل.

وكان مفهوم القياس عندهم أداة مركزية في بناء النظام النحوي.

ومن ثم فإن الظواهر اللغوية القادمة من خارج العربية لم تكن تُدرَس لديهم وفق مفهوم "العائلة اللغوية" الحديث، وإنما وفق قضايا مثل:

- السماع.

- القياس.

- الشاذ.

- المعرّب.

- الدخيل.

- اختلاف اللغات.

- الاشتقاق.

المدرسة الكوفية:

أما الكوفيون فكانوا، في الجملة، أوسع في الأخذ بالرواية والشواهد واختلاف لهجات العرب، وأقل تضييقاً في بعض مسائل القياس.

وقد جعلهم هذا أكثر احتفاءً بتعدد الاستعمالات اللغوية والروايات، وهو أمر مهم عند دراسة تاريخ العربية وصلتها بالبيئات المجاورة.

لكن ينبغي التأكيد مرة أخرى أن البصريين والكوفيين لم يقولوا، بالمعنى العلمي الحديث، إن الأمهرية والتغرينية فرعان من العربية؛ فإسقاط التصنيف اللساني الحديث على أقوالهم سيكون نوعاً من إسقاط الحاضر على الماضي.

سادساً: فقهاء اللغة ومسألة المعرّب:

كان علماء العربية أكثر وعياً من النحاة بقضية انتقال الألفاظ بين اللغات، ولذلك نشأت مباحث مهمة حول المعرّب والدخيل والألفاظ الأعجمية.

ونجد عند علماء مثل الجوهري، والخليل بن أحمد، وابن دريد، وابن فارس، والجَواليقي، والسيوطي مادة واسعة يمكن الإفادة منها في دراسة العلاقة بين العربية واللغات الأخرى.

وقد بلغ النقاش ذروته في السؤال القديم:

هل في العربية ألفاظ غير عربية الأصل؟

فذهب فريق إلى التشديد في عربية القرآن وألفاظه، بينما أثبت آخرون وجود ألفاظ أصلها غير عربي لكنها دخلت العربية قبل نزول القرآن، فصارت عربية بالاستعمال.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين أصل الكلمة وهوية الكلمة في اللغة.

فالكلمة قد تكون وافدة في أصلها، لكنها تصبح عربية حين تستقر في النظام الصوتي والصرفي والدلالي للعربية.

سابعاً: نموذج "المصحف" و"مَصْحَف" بين العربية واللغات الإثيوبية:

من أجمل النماذج التي تستحق دراسة مقارنة لفظ:

العربية: مُصْحَف

وفي الجعزية والأمهرية والتغرينية تظهر صيغ مرتبطة بالجذر والمفهوم الكتابي:

الأمهرية:مصحف 

التغرينية: مصحف

ويكشف هذا النموذج عن أن المصطلحات الدينية والكتابية تستطيع أن تعبر الحدود اللغوية، خصوصاً في البيئات التي ترتبط تاريخياً بالكتاب والترجمة والمؤسسة الدينية.

والأهم أن هذا التقارب يفتح سؤالاً أعمق:

هل نحن أمام اقتراض لغوي متبادل، أم أمام ميراث سامي مشترك، أم أمام طبقات متعاقبة من التأثير؟

والجواب العلمي قد يكون مختلفاً من كلمة إلى أخرى، ولذلك لا يجوز تعميم حكم واحد على جميع المفردات.

ثامناً: نماذج لغوية مقارنة:

العربية| الأمهرية| التغرينية| المعنى

سلام

ملك - نغوس

مملكة- دولة

مصحف- كتاب

مخطوط

أرض

ميدري

بيت

 بِت

وتبرز في المثال الأخير بِتْ، وهي صيغة سامية شائعة تقابل العربية بيت، بما يتيح للباحث أن يضعها ضمن المقارنات السامية الأوسع.

تاسعاً: الأبجدية والكتابة:

ومن المسائل التي تستحق عناية خاصة علاقة الكتابة بالتاريخ اللغوي.

فالجعزية طورت نظام كتابة خاصاً بها، ومنه تطورت الكتابة المستخدمة في الأمهرية والتغرينية. وهذا النظام يختلف عن الأبجدية العربية في بنيته وطريقة تمثيله للأصوات.

فالكتابة الجعزية وما تفرع عنها تقوم على نظام مقطعي

- أبوجيدا؛ إذ ترتبط العلامة الأساسية بالصامت، وتتغير هيئتها للدلالة على الحركة.

أما العربية فطورت نظامها الأبجدي الخاص، الذي أصبح من أكثر نظم الكتابة انتشاراً في العالم.

وهكذا نرى أن وحدة الأصل اللغوي لا تستلزم وحدة الكتابة؛ فاللغات قد تتشارك جذوراً تاريخية عميقة، ثم تبني لكل منها نظاماً كتابياً مغايراً.

عاشراً: نحو رؤية مقارنة جديدة:

إن إعادة دراسة العربية في علاقتها بالأمهرية والتغرينية يمكن أن تفتح باباً مهماً في اللسانيات العربية المقارنة.

فالتراث النحوي العربي منحنا أدوات دقيقة في وصف اللغة، واللسانيات الحديثة منحتنا أدوات أخرى لإعادة بناء تاريخ اللغات وصلاتها. وإذا جمعنا بين التراثين أمكننا أن نعيد قراءة كثير من القضايا القديمة بعيداً عن الأحكام القطعية.

فالسؤال لم يعد:

أيهما أقدم؟ وأيهما أخذ من الآخر؟

بل أصبح:

ما الطبقات التاريخية التي صنعت هذا التشابه؟ وما الذي بقي من السامي المشترك في كل لغة؟ وما الذي أضافته القرون من تطورات صوتية وصرفية ودلالية؟

وهنا تتحول المقارنة اللغوية من بحث عن "الأصل" إلى بحث في ذاكرة اللغة.

 اللغة ذاكرة الإنسان:

العربية والأمهرية والتغرينية ليست ثلاث جزر لغوية متباعدة، كما أنها ليست لغة واحدة بأسماء مختلفة؛ إنها ثلاث تجليات تاريخية لعائلة لغوية واسعة، تفرعت أغصانها عبر الزمن، وعاشت في بيئات مختلفة، وتفاعلت مع شعوب وثقافات متعددة.

ولعل أعظم ما تكشفه هذه المقارنة أن اللغة لا تحفظ الكلمات وحدها؛ إنها تحفظ مسارات الهجرة، وخرائط التجارة، وذاكرة الأديان، وأصداء الحروب، وعبور الكتب، وحركة البشر بين الضفاف.

لقد جعل البحر الأحمر العربية في حوار طويل مع القرن الإفريقي، وجعلت الأسرة السامية هذه اللغات تتجاور في أعماق بعيدة من التاريخ. أما النحاة البصريون والكوفيون وفقهاء اللغة، فقد تركوا لنا تراثاً ثرياً في السماع والقياس والاشتقاق والتعريب، وإن لم يمتلكوا مفهوم اللسانيات المقارنة بصورته الحديثة.

ومن هنا فإن المشروع الأجدر بالباحث المعاصر ليس أن يبحث عن انتصار لغة على أخرى، بل أن يصغي إلى القرابة العميقة المختبئة خلف الاختلاف؛ فحين نقارن "سلام" العربية  الأمهرية والتغرينية، و"بيت" ، و"مصحف" ، فإننا لا نقارن كلمات فحسب، بل نضع أيدينا على شظايا من ذاكرة سامية قديمة، عبرت القرون والبحار، ثم أعادت كل لغة صياغتها بصوتها الخاص.

إن دراسة العربية والأمهرية والتغرينية، بهذا المعنى، ليست بحثاً في اللغة وحدها؛ إنها بحث في أنطولوجيا التواصل الإنساني: كيف يسافر اللفظ، وكيف تتغير الدلالة، وكيف تحفظ اللغة آثار الذين عبروا من مكان إلى مكان، وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تكون شاهداً صغيراً على تاريخ حضاري كامل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة في جغرافية بدر شاكر السياب الشعرية

لا يتفاعل الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926 ــ 1964م) مع المكان (البصرة) بوصفه مركزًا جغرافيًا ورمزيًا في تجربته الشعرية، كما لا يتعامل مع المكان بوصفه معطًى خارجيًا، بل يعيد إنتاجه داخل النص الشعري، بحيث يتحول من واقع جغرافي إلى بنية رمزية، ثم إلى أفق أسطوري، إذ لم يعد المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يغدو عنصرًا بنيويًا في إنتاج الدلالة، وقد أسهمت دراسات مثل أعمال غاستون باشلار في "جماليات المكان"، في تحليله للرمز والأسطورة، في إعادة النظر إلى المكان بوصفه حاملاً للذاكرة والرمزية، وليس مجرد حيز مادي.

وتبرز تجربة بدر شاكر السياب بوصفها واحدة من أهم التجارب التي أعادت تشكيل المكان داخل القصيدة العربية الحديثة، إذ تتجاوز البصرة عنده حدودها الجغرافية، لتتحول إلى بنية دلالية مركبة، تتداخل فيها الذاكرة الفردية مع الوعي الجمعي، والواقع مع الأسطورة.

ففي المرحلة الأولى من تجربة السياب، تظهر البصرة بوصفها فضاءً للطفولة، حيث تتشكل العلاقة الأولى بين الذات والعالم. غير أن هذا الحضور لا يأتي في صورة وصف واقعي مباشر، بل يتجلى من خلال استدعاء عناصر الطبيعة المرتبطة بالجنوب، ولا سيما قرية جيكور، وتتحول هذه العناصر – النخيل، الأنهار، الطين – إلى شفرات تختزن زمنًا مفقودًا. فالسياب لا يستعيد المكان كما هو، بل يعيد بناءه عبر الذاكرة، بحيث يغدو المكان تمثيلاً للبراءة الأولى وهنا، يتقاطع المكان مع ما يسميه باشلار "البيت الحميم"، حيث يصبح الفضاء الخارجي امتدادًا للداخل النفسي. 

ومع نضج التجربة الشعرية، يبدأ المكان في التحول من معطى حسي إلى بنية رمزية. في قصائد مثل "أنشودة المطر"، إذ تتحول مفردات البيئة الجنوبية إلى علامات دلالية تتجاوز معناها المباشر، فالمطر، على سبيل المثال، يحمل دلالة  مزدوجة: فهو من جهة يدل على الخصب، ومن جهة أخرى يكشف عن مفارقة الفقر والجوع:

وفي العراق جوع

وينثر الغلال فيه موسم الحصاد

هنا يتحول المكان إلى خطاب نقدي، يكشف اختلال العلاقة بين الإنسان وبيئته. كما أن النخيل، بوصفها عنصرًا مركزيًا في جغرافية الجنوب، يغدو رمزًا للاستمرار، في حين يعكس النهر – كما في استحضار بويب – فكرة الزمن المتدفق، بهذا المعنى، لم يعد المكان إطارًا للأحداث، بل صار أداة لإنتاج المعنى.

وفي مرحلة أكثر عمقًا، يتجاوز السياب الرمز إلى الأسطورة، حيث تتداخل جغرافية البصرة مع أنماط كونية من التفكير. يتجلى ذلك في استدعاء بنية أسطورة تموز، التي تقوم على دورة الموت والانبعاث، و يتحول المطر إلى عنصر أسطوري، يعيد إنتاج فكرة البعث. ولا يعود المكان مجرد فضاء محلي، بل يصبح مسرحًا لدراما كونية، تتكرر فيها ثنائية الحياة والموت.

إن هذا التداخل بين المحلي والأسطوري يتيح للسياب نقل تجربته من مستوى ذاتي إلى مستوى إنساني شامل، حيث تصبح البصرة رمزًا للوجود الإنساني في صراعه مع الفناء، وتبلغ تجربة المكان ذروتها في لحظة المنفى، كما في "غريب على الخليج". هنا تتحول البصرة من حضور إلى غياب، ومن واقع إلى ذاكرة،و يكتسب المكان بعدًا عاطفيًا مكثفًا، حيث يُعاد تشكيله من خلال الحنين. يقول السياب:

الشمس أجمل في بلادي من سواها

حتى الظلام هناك اجمل فهو يحتضن العراق

لا يتعلق الأمر بمقارنة موضوعية، بل بإعادة إنتاج المكان داخل الوعي. فالمكان في المنفى لا يُعاش، بل يُتخيّل، وهو ما يمنحه طابعًا مثاليًا، وبهذا المعنى، يتحول المنفى إلى شرط لإعادة اكتشاف المكان، حيث تتضاعف دلالاته، ويتحول إلى رمز للهوية المفقودة.

إن البصرة في شعر بدر شاكر السياب تمر بثلاثة تحولات أساسية: من الذاكرة إلى الرمز، ومن الرمز إلى الأسطورة. وفي كل مرحلة، يعاد تشكيل المكان داخل النص، بحيث يفقد طابعه الواقعي، ويكتسب أبعادًا دلالية جديدة، كما يتضح أن المكان عند السياب ليس ثابتًا، بل يتغير تبعًا لموقع الذات: فهو في الوطن يصبح أسطورة، وفي المنفى يتحول إلى حنين. وهذا ما يجعل جغرافية السياب جغرافية ديناميكية، تتشكل داخل اللغة، لا خارجها.

إن قراءة جغرافية بدر شاكر السياب تكشف أن البصرة ليست مجرد مكان، بل هي بنية رمزية معقدة، تتداخل فيها الذاكرة، والهوية، والأسطورة. ومن خلال هذا التحويل، ينجح السياب في تجاوز حدود الجغرافيا، ليؤسس مكانًا شعريًا جديدًا، يعيش في النص، ويستمر في الذاكرة الثقافية.

 وتبدو في هذه الآفاق جيكور، القرية التي تمثل "الأم الكبرى" في شعر السياب، فهي  ر ليست مجرد مسقط رأس، بل الحلم الأول، والبراءة، والينبوع الذي كلما ابتعد عنه عاد إليه شعريًا. في قصائده، وتتحول جيكور إلى فضاء أسطوري تتداخل فيه الطفولة مع الحنين، حتى تبدو وكأنها فردوس مفقود، فالنخيل، اولسواقي، والطين، والبيوت البسيطة… كلها عناصر بوصفها رموزا لزمن نقيّ ضاع تحت وطأة التحولات.

ومن جيكور يتفرع نهر صغير لكنه بالغ الأثر: بويب. هذا النهر، الذي يبدو هامشيًا في الجغرافيا، ولكنه يحتل مركزًا في المخيلة السيابية. في قصيدته الشهيرة "أنشودة المطر"، يتجاوز بويب كونه مجرى ماء، ليصبح إيقاعًا داخليًا، وصوتًا كونيًا يربط بين الخصوبة والموت، بين الانتظار والانبعاث. بويب هو الزمن الذي يجري، والذاكرة التي لا تنضب.

أما البصرة، فهي الفضاء الأوسع، لكنها ليست بريئة تمامًا كما جيكورإذ  يبدأ التوتر: بين الريف والمدينة، بين الصفاء الأولي والتعقيد الاجتماعي. تظهر البصرة في شعره بمكانًا مزدوجًا؛ فيها دفء الانتماء، لكنها تحمل بذور الغربة. هي نقطة التحول من الطفولة إلى الوعي، من الطبيعة إلى التاريخ.

ما يميز تجربة السياب أن هذه الأماكن لا تبقى خارج النص، بل يعيد تشكيلها عبر الأسطورة والرمز. جيكور تتحول إلى "أرض الخصب"، وبويب إلى "نهر الحياة"، والمطر إلى علامة كونية للبعث، في تداخل واضح مع أساطير مثل تموز. هنا يتحول المكان الواقعي إلى بنية تخييلية، تتجاوز الجغرافيا إلى ما يشبه الميتافيزيقا الشعرية.

ففي قصيدة انشودة المطر تبدأ القصيدة برؤية مشبعة بالايحاء،

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

فالنخيل رغم كونها عنصرا طبيعيا في بيئة جيكور، فإنه يصبح صورة بصرية-وجدانية تختزن الحنين والخصب معًا. النخلة عند السياب ليست شجرة، بل ذاكرة عمودية، تربط الأرض بالسماء.

ثم يبدأ المطر بالتحول إلى إيقاع كوني:

مطر… مطر… مطر…

هذا التكرار ليس زخرفة صوتية، بل هو استدعاء طقسي، يكاد يحاكي أناشيد الخصب القديمة. المطر هنا يتجاوز الطبيعة ليصبح علامة على البعث، في توازٍ عميق مع أسطورة تموز (الإله الذي يموت ويعود).

وحين يقول:

وفي العِرَاقِ جُوعْ

وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ

لتشبعَ الغِرْبَان والجراد

وتطحن الشّوان والحَجَر

رِحَىً تَدُورُ في الحقول حولها بَشَرْ

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر

نلاحظ أن المكان (العراق) ينقلب من فضاء خصب إلى مفارقة مأساوية، فالأرض تعطي، لكن الإنسان جائع. هنا تتداخل الجغرافيا مع السياسة، والطبيعة مع التاريخ. البصرة، جيكور، العراق كله… تتحول إلى فضاء مأزوم، حيث الخصب الطبيعي لا يمنع القحط الإنساني.

أما بويب، وإن لم يُذكر صراحة في كل مقطع، فهو حاضر كإيقاع خفي، كأن صوت الماء ينساب داخل بنية القصيدة. السياب يعيد تشكيل جغرافيا طفولته لتصبح جغرافيا كونية، حيث المطر ليس فقط مطر الجنوب العراقي، بل مطر الإنسانية كلها.

وفي غريب على الخليج: يتحول المكان إلى فقد، إذ تنتقل القصيدة، من الأسطورة إلى المنفى، المكان هنا ليس مصدر خصب، بل مصدر قلق واغتراب.

في "أنشودة المطر"، المكان يُبنى وعدًا كونيًا بالبعث، حتى لو كان مشوبًا بالمأساة، ويشتمل على الدلالة المكانية العميقة (جيكور البصرة) اذ يتحول المكان الواقعي الى اسطورة، وهنا تكمن عبقريته: المكان عنده ليس ثابتًا، بل يتحول بحسب موقع الذات. فإذا كانت الذات في الوطن، يصبح المكان أسطورة. وإذا كانت في المنفى، يصبح المكان ذكرى موجعة.

***

د. كريم الوائلي - جامعة الكوت

في المثقف اليوم