عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: «قطرة» بين عطش الروح وبلاغة الغياب

دراسة نقدية في قصيدة د. عائشة الخضر لونا عامر

حين تنبثق القصيدة من أعماق الروح، لا تعود الكلمات مجرد ألفاظ، بل تتحول إلى إشارات تبحث عن معناها في تخوم الغياب. وفي قصيدة «قطرة» للشاعرة د. عائشة الخضر لونا عامر، تتخذ اللغة هيئة ابتهال شعري، وتتداخل الرغبة مع الانتظار، والصمت مع الصراخ، حتى تغدو «القطرة» علامةً على خلاصٍ مؤجل، وارتواءٍ طالما اشتاقت إليه الروح. إنها قصيدة قصيرة في مبناها، واسعة في إيحاءاتها، تستدعي القارئ إلى الإصغاء لما وراء الكلمات.

تنهض قصيدة «قطرة» للشاعرة السورية د. عائشة الخضر لونا عامر على اقتصاد لغوي يقوم على التكثيف والإيحاء، ويحوّل مفردة صغيرة في حجمها، عميقة في دلالتها، إلى مركز جاذبية للنص كله. فالقطرة هنا ليست مجرد عنصر مائي، بل علامة سيميائية تتقاطع فيها دلالات العطش، والانتظار، والخلاص، والرجاء، والاكتمال. ومن ثمّ فإن القصيدة لا تستمد شعريتها من كثافة الصور وحدها، وإنما من قدرتها على تحويل المحسوس إلى مجاز روحي ونفسي.

وتتحرك القصيدة بين قطبين متوترين: الصمت والصراخ، الغياب والحضور، العطش والارتواء، التلاشي والعودة؛ وهو توتر يمنحها بنيتها الدرامية الداخلية. ولعل أهم ما يميز التجربة أنها لا تتكئ على الوزن الخليلي بوصفه شرطاً وحيداً للشعرية، بل تنقل مركز الإيقاع إلى إيقاع المعنى والدلالة والرؤية، مع الاحتفاظ بوشائج واضحة مع الذاكرة الشعرية العربية.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن قصيدة النثر لا تصبح شعرية لمجرد تحررها من الوزن، كما أن غياب التفعيلة لا يعني غياب الموسيقى؛ فالشعرية الحقيقية تتأسس على انتظام داخلي للصوت والصورة والتكرار والانزياح والتوتر الدلالي. وفي «قطرة» نجد محاولة واعية لاستعادة شيء من الصولجان القديم للشعرية العربية، ولكن داخل محراب حداثي تتجاور فيه الروحانية مع النفسية، والرمز مع الإيحاء.

مكانة الشاعرة ودورها الثقافي:

تندرج د. عائشة الخضر لونا عامر في المشهد الثقافي العربي المعاصر بوصفها شاعرة وكاتبة وأكاديمية في الإعلام وفاعلة في المجال الثقافي. ووفق المعطيات المقدمة، أسست وترأست الاتحاد العربي للثقافة، وشغلت أدواراً استشارية وثقافية وإعلامية في مؤسسات واتحادات عربية ودولية، وشاركت في مؤتمرات ودورات وألقت محاضرات متعددة، فضلاً عن نشرها مقالات فكرية وأدبية وثقافية.

كما صدر لها أربعة دواوين شعرية مطبوعة، وترجمت أغلب قصائدها إلى تسع لغات، وهو ما يكشف عن سعي تجربتها إلى تجاوز الجغرافيا المحلية والانفتاح على فضاء ثقافي أوسع. وتكتسب هذه الأدوار أهميتها حين تتحول الثقافة من ممارسة فردية إلى فعل مؤسسي يسهم في تداول الأدب والفكر وتوسيع دوائر التواصل الثقافي العربي.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالقطرة:

لا تقدم الشاعرة مناسبة خارجية مباشرة للقصيدة، ولذلك تبدو «القطرة» وكأنها ولدت من مناسبة داخلية: مناسبة الروح وهي تواجه عطشها الوجودي. فالبدء بـ«تختلج الرؤى» يضعنا في قلب حالة نفسية مضطربة، ثم تتوالى أفعال الحركة: «تتدافع»، «تفتح»، «تطلق»، «ترسل»، «تتمتم». إننا أمام ذات لا تستقر؛ تبحث عن شيء غائب، ولا تعرف كيف تستحضره إلا باللغة.

ومن هنا تصبح القطرة نتيجة لمسار كامل من الانتظار، لا مجرد صورة ختامية. إنها جوهر الغائب الذي طال البحث عنه.

العنوان بوصفه عتبة نصية ومفتاحاً تأويلياً:

عنوان «قطرة» عتبة شديدة الاقتصاد، لكنها شديدة الفاعلية. فالقطرة في معناها المعجمي جزء ضئيل من الماء، غير أن السياق الشعري يرفعها من مستوى المادة إلى مستوى الرمز. إن «قطرة» تختزل القصيدة كلها: العطش في البداية، والمزن في الوسط، والابتهال، ثم اكتشاف القطرة في النهاية.

ولهذا فإن العنوان يعمل بوصفه نواة دلالية مؤجلة؛ إذ لا نفهم أبعاده كاملة إلا عند الوصول إلى خاتمة النص:

«فتهمس برقّة:

أنَّ هناك..

هناك، قطرة...!»

إن التكرار في «هناك.. هناك» يؤجل الوصول، بينما تأتي «قطرة» بوصفها كشفاً نهائياً.

الإيقاع والمعمار الصوتي والموسيقى الداخلية:

تتأسس موسيقى النص على الجملة القصيرة، والفعل المتتابع، والتكرار، والوقفات. نقرأ:

«تختلج الرؤى..

تتدافع...

تفتح فاها عطشى..

تطلق صراخاً مغلفاً بصمت..»

هنا لا تأتي النقاط مجرد علامات ترقيم، بل تؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية؛ فهي تمثل انقطاع النفس، وتردد الذات، وتقطّع الرؤية. ويتعزز ذلك بالتوازي الفعلي: «تختلج - تتدافع- تفتح- تطلق- ترسل - تتمتم».

كما أن الجمع بين المتناقضات في «صراخاً مغلفاً بصمت» يصنع بؤرة توتر بلاغية؛ فالصراخ صوت، والصمت غيابه، والجمع بينهما يولّد مفارقة شعرية تختصر مأزق الذات.

أما التكرار في «أيتها الروح» و«هناك» فيؤدي وظيفة مزدوجة: الاستدعاء من جهة، والتأكيد والإلحاح من جهة أخرى. وتبرز أصوات الهمس واللين في «حفيف»، «تلاشى»، «لملمت»، «خبأتها»، «وجلة»، «بوداعة»، «برقة»، فتمنح النص موسيقى هامسة تتناسب مع طبيعته الروحية.

الأسس اللغوية والبلاغية والأسلوبية:

لغة القصيدة فصيحة، واضحة، تميل إلى الجملة الفعلية الحركية. ويقوم الأسلوب على الانزياح الدلالي، كما في:

«صراخاً مغلفاً بصمت»

وهو تركيب ينقل الصمت من حالة مجردة إلى غلاف يحتضن الصراخ، فينشأ التوتر بين الظاهر والمضمر.

وفي:

«لملمت ترانيمها الملائكية

وخبأتها بين ضلوعي

كحمامة وجلة»

تتضافر الاستعارة والتشبيه؛ فالترانيم تتحول إلى شيء يمكن لملمته وإخفاؤه، ثم تستحيل إلى حمامة خائفة. والحمامة هنا علامة للسلام والروح والوداعة، لكنها موصوفة بـ«وجلة»، فتدخل دلالة الخوف في بنية السلام نفسه.

وتأتي صورة:

«فهناك في تلك الزرقة

تحتشد مزن مرتقبة»

لتجعل السماء فضاءً لاحتمال الخلاص؛ فالمزن لا تمطر بعد، وإنما هي «مرتقبة»، أي إن الماء ما يزال في طور الانتظار، تماماً كما أن القطرة ما تزال مؤجلة.

الرغبة واللاكان: قراءة نفسية:

من منظور القراءة النفسية اللاكانية، تبدو الذات الشعرية أسيرة رغبة لا تكتمل موضوعاتها. فهي لا تمتلك موضوع الرغبة، بل تبحث عنه باستمرار. ولهذا تتكرر أفعال النداء والاستدعاء:

«أيتها الروح...

عودي...

انثري شذرات وجدك..»

الروح الغائبة هي في الوقت نفسه موضوع البحث ومرآة الذات. إنها «الآخر» الذي لا تستغني عنه الذات لكي تتعرف إلى نفسها. وكلما اقتربت منه ظهر في صورة جديدة: أجنحة، ترانيم، حمامة، زرقة، مزن، قطرة.

ومن منظور لاكاني، يمكن قراءة «القطرة» باعتبارها دالاً صغيراً يحيل إلى رغبة أكبر من حجمه؛ فالذات لا تريد الماء وحده، وإنما تريد اكتمالاً لا يتحقق إلا رمزياً. ولذلك تأتي القطرة في النهاية لا بوصفها امتلاكاً نهائياً، وإنما بوصفها وعداً: «هناك... قطرة». إن الرغبة لا تموت بالوصول؛ بل تستمر لأن موضوعها يظل جزئياً ومؤجلاً.

الوقفات والإيقاع النفسي:

تؤدي الوقفات دوراً جوهرياً في تشكيل الحالة النفسية. فالنقاط المتكررة بعد «تتدافع»، و«وجلة»، و«فهناك» توحي بأن المعنى يتقدم ثم يتراجع، كما لو أن الشاعرة تستبدل الإيقاع العروضي بإيقاع التنفس النفسي.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها في النهاية:

«فتهمس برقة:

أنَّ هناك..

هناك، قطرة...!»

فالهمس هنا أبلغ من الصراخ؛ لأن النص انتقل من «صراخ مغلف بصمت» إلى همسة تحمل وعد الكشف.

البنية الفنية والجمالية:

تتحرك القصيدة في مسار شبه دائري: اضطراب - عطش - استدعاء - غياب - ابتهال - انتظار - كشف. وهذا المسار يمنح النص وحدته العضوية.

أما سيميائياً، فتنتظم القصيدة حول شبكة علامات: الروح، الأجنحة، الحمامة، الزرقة، المزن، المجدلية، القطرة. وهي علامات تنتقل من الأرضي إلى السماوي، ومن الحسي إلى الروحي، حتى تصبح القطرة علامة للخلاص.

ويكتسب حضور «مجدلية» دلالة خاصة؛ إذ تستدعي شخصية مريم المجدلية بوصفها رمزاً دينياً وثقافياً مركباً، فتضيف إلى النص طبقة من التطهر والتوبة والبحث عن المقدس.

ملاحظات لغوية وأسلوبية:

النص في مجمله سليم اللغة، مع بعض المواضع التي يمكن صقلها دون المساس برؤيته. والأدق ضبطاً: «تفتح فاها عطشى»؛ لأن «عطشى» حال من الفاعل المؤنث، وهي صيغة مؤنث «عطشان». كما أن «مزن» جمع «مُزنة»، ويصح استعمالها، غير أن السياق يمكن أن يحتمل «مزنٌ» بوصفه جمعاً دالاً على السحب الممطرة.

والأهم ألا يُفرَض على النص ما ليس فيه؛ فشعرية «قطرة» لا تقوم على الزخرفة اللفظية، بل على التكثيف، والمفارقة، والتكرار، والصورة الروحية، والإيقاع النفسي.

تنجح د. عائشة الخضر لونا عامر في «قطرة» في تحويل المفردة البسيطة إلى مركز كوني للرغبة والانتظار والخلاص. فالقطرة ليست ماءً وحسب؛ إنها احتمال ارتواء الروح، ووميض حضور بعد غياب، وإشارة إلى أن ما تبحث عنه الذات قد يكون قريباً، لكنه لا يظهر إلا بعد رحلة من التوتر والابتهال.

ومن ثم فإن القصيدة تستعيد «الصولجان» الشعري لا باستنساخ الماضي، وإنما باستحضار جوهر الشعر العربي: الموسيقى، والرمز، والنداء، والصورة، والتوتر بين الظاهر والمضمر. وإذا كان بعض ما يكتب تحت عنوان قصيدة النثر ينتهي إلى تراصف لغوي أو بوح إنشائي، فإن «قطرة» تمتلك، في مواضعها الأقوى، ما يؤسس شعريتها: بنية داخلية، وإيقاعاً نفسياً، وشبكة رمزية، ومساراً دلالياً ينتهي إلى قطرة واحدة، لكنها قطرة تختصر عطش القصيدة كلها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

قطرة

تختلج ُ الرؤى..

تتدافع...

تفتح فاها عطشى..

تطلق صراخا ً مغلفا ً بصمت..

ترسل ُ نظرات هاجسة.....

تتمتم بصلاة قدسية :

أيتها الروح...

حفيف أجنحتك ِ تلاشى عاليا ً

لملمت ُ ترانيمها الملائكيّة...

وخبّأتها بين ضلوعي

كحمامة ٍ وجلة.....

*

أيتها الروح...

عودي...

انثري شذرات وجدك..

ارقدي بوداعة يمامة..

اهدلي بترنيمة عشق..

فهناك...

هناك في تلك الزرقة

تحتشد ُ مزن ٌ مرتقبة

أبتهل ُ بخشوع مجدلية

وألمس ُ وجنتي...

فتهمس ُ برقّة :

أن َّ هناك..

هناك ،، قطرة...!

***

د. عائشة الخضر لونا عامر

في المثقف اليوم