اشتهر تولستوي على نحو خاص بثلاث روايات هي: «الحرب والسلام»، و«آنا كارينينا»، و«البعث». وقد تجلّت في هذه الأعمال بأكمل صورة أفكاره ورؤاه، سواء ما تعلق منها بالمجتمع بوصفه كياناً عاماً، أم بالإنسان الفرد وما يعتمل في نفسه من قضايا وأسئلة. غير أن رواية «البعث» تحتل مكانة خاصة بين هذه الأعمال؛ فهي ثمرة المرحلة الأخيرة من حياة الكاتب، وفيها بلغ انشغاله بالمسائل الأخلاقية والاجتماعية والدينية ذروته. ولم يكتفِ تولستوي فيها بتصوير الواقع أو نقد بعض جوانبه، بل سعى إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها المجتمع كله: العدالة والقانون والعقاب والملكية والدين والعلاقة بين الإنسان وضميره.
ومن خلال قصة الأمير نِخليودوف ومحاولته التكفير عن خطأ ارتكبه في شبابه، تتحول الرواية إلى رحلة طويلة في أعماق النفس البشرية، وإلى لوحة واسعة للمجتمع الروسي في أواخر القرن التاسع عشر، بكل ما فيه من تناقضات وظلم وآمال. ولهذا تبدو «البعث» أكثر من مجرد رواية؛ إنها شهادة أخلاقية وفكرية كتبها تولستوي وهو يقف عند منعطف حاسم من حياته، محاولاً أن يجيب عن السؤال الذي شغله طوال سنواته الأخيرة: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟
القصة التي ألهمت تولستوي
في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، روى رجل القانون الروسي الشهير أناتولي كوني لصديقه ليف تولستوي حادثة واقعية. وقد تأثر تولستوي بها تأثراً بالغاً، واتخذها فيما بعد أساساً لروايته «البعث». كانت بطلة القصة فتاة تُدعى روزاليا، ابنة مستأجر فنلندي أرمل. وبعد وفاة والدها انتقلت إلى منزل أسرة ثرية لتتلقى تربيتها هناك، حيث أغواها شاب نبيل من أسرة عريقة كان ضيفاً على أصحاب الدار، ثم تخلى عنها بعدما حملت منه. طُردت الفتاة من المنزل، وتدهورت حياتها تدريجياً حتى انتهى بها المطاف في عالم الدعارة، قبل أن تُقدَّم إلى المحكمة متهمة في قضية جنائية.
لكن المفارقة المأساوية تمثلت في أن أحد أعضاء هيئة المحلفين الذين نظروا في قضيتها كان ذلك الشاب نفسه. وعندما تعرّف إليها بعد سنوات طويلة، استيقظ ضميره وقرر التكفير عن خطيئته بالزواج منها وهي في السجن. وكان كوني، الذي شغل آنذاك منصب المدعي العام في محكمة بطرسبورغ، شاهداً على هذه الأحداث.
هزّت القصة تولستوي إلى حد أنه كتب في مذكراته في اليوم التالي: «فكرت كثيراً في هذه القصة طوال الليل». بل إنه طلب من كوني أن يحولها إلى عمل أدبي من دون أي إضافات أو اختلاقات. غير أن انشغالات كوني حالت دون تنفيذ الفكرة، وعندما عاد تولستوي بعد أشهر وسأله إن كان مستعداً للتنازل له عن الموضوع، وافق على الفور. وهكذا بدأ الكاتب العمل على ما كان يسميه في رسائله ومذكراته «قصة كوني».
استغرق إنجاز رواية «البعث» ما يقرب من عشر سنوات، غير أن ذلك لا يعني أن تولستوي انصرف إليها طوال هذه المدة دون انقطاع، بل كان يعود إلى مخطوطتها بين حين وآخر، تاركاً إياها أحياناً لأشهر أو سنوات قبل أن يستأنف العمل عليها من جديد. ففي عامي 1889 و1890 وضع المسودات الأولى متخيلاً إياها قصة قصيرة تنتهي بزواج البطلين ونيلهما السعادة. غير أنه لم يقتنع بهذه الخاتمة ولا بالإطار الضيق للقصة، فترك المشروع جانباً.
وعندما عاد إليه بين عامي 1895 و1896، كانت رؤيته قد اتسعت وتعَمّقت. فلم تعد المسألة بالنسبة إليه مجرد حكاية عن خطيئة وتوبة فردية، بل أصبحت وسيلة لكشف أوجه الظلم الاجتماعي والقضائي في روسيا القيصرية. عندئذ تحولت روزاليا إلى كاتيوشا ماسلوفا، وأصبح الشاب النبيل الأمير نيخليودوف، واتسعت القصة تدريجياً لتغدو رواية اجتماعية وفلسفية كبرى.
أما المرحلة الحاسمة فجاءت في عامي 1898 و1899. ففي تلك الفترة انكب تولستوي بحماسة كبيرة على إعادة صياغة العمل وتوسيعه. وخلال هذه المراجعات المتلاحقة تحولت القصة إلى رواية واسعة الأفق، ذات موضوعات سياسية واجتماعية ملحة. فقد رسمت صورة للفلاحين الذين أنهكهم الفقر، وقوافل السجناء في طريقها إلى المنافي، وعالم المجرمين، والطوائف الدينية المنشقة، والمنفى السيبيري وضحاياه من الثوريين. كما تضمنت إدانة صارخة للمحاكم والكنيسة والإدارة الحكومية والطبقة الأرستقراطية العليا، بل وللنظام السياسي والاجتماعي بأسره في روسيا القيصرية.
وفي تلك السنوات نفسها كان تولستوي بحاجة إلى المال للمساهمة في تمويل هجرة جماعة الدوخوبور(1) المضطهدة من روسيا إلى كندا، فباع حقوق نشر الرواية، وهي ما تزال غير مكتملة، إلى مجلة «نيفا». وقد فرض النشر المتسلسل على الكاتب عملاً مرهقاً ومتواصلاً؛ فكان يكتب الفصول الجديدة ويعيد تنقيح الفصول السابقة في الوقت ذاته الذي كانت المجلة تنشرها تباعاً.
ولكي يضفي على روايته أكبر قدر من الصدق والواقعية، زار تولستوي سجن بوتيركا في موسكو، وأجرى أحاديث مطولة مع موظفي السجون، واستمع إلى شهادات السجناء والحراس، ودرس بدقة أوضاع المحكومين بالأشغال الشاقة وطرق نقلهم إلى سيبيريا. وقد انعكست هذه الخبرة المباشرة بوضوح في الصفحات التي تصف عالم السجون والمنفيين، والتي تعد من أكثر أجزاء الرواية قوة وتأثيراً.
وكان من عادته ألا يرضى عن النص مهما بدا مكتملاً. فحتى بعد إرسال الصفحات إلى المطبعة، كان يستعيد البروفات ليواصل تعديلها، مضيفاً فقرات جديدة، ومغيراً الحوارات، ومعمقاً الأبعاد النفسية للشخصيات. ولذلك ظلت الرواية تتطور وتتغير حتى أثناء نشرها المتسلسل.
ومن أبرز ما طرأ على العمل خلال هذه المراجعات المتأخرة تغيير خاتمته نفسها. فالنهاية الأولى، التي كانت تنتهي بزواج نيخليودوف من كاتيوشا، بدت لتولستوي غير مقنعة من الناحية النفسية والفنية. ولهذا استبدلها بخاتمة أكثر واقعية وعمقاً، أظهر فيها البعث الأخلاقي الحقيقي لكاتيوشا، التي اختارت أن توحد مصيرها بمصير أحد الثوريين المنفيين إلى سيبيريا، بينما وجد نيخليودوف خلاصه في تحوله الروحي وإدراكه لمسؤوليته الأخلاقية.
وفي التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1899 وضع تولستوي النقطة الأخيرة في «البعث». وقد بدا هذا الحدث لمعاصريه رمزياً على نحو خاص، إذ جاء عند العتبة الفاصلة بين قرنين. فكتب الناقد فلاديمير ستاسوف: «بهذه الأعمال يختتم القرن التاسع عشر مسيرته ويستقبل القرن العشرون عهده الجديد». أما الشاعر ألكسندر بلوك فقد وصف الرواية لاحقاً بأنها «وصية القرن الراحل إلى القرن الجديد»، وهو وصف يلخص المكانة التي احتلتها «البعث» بوصفها آخر روايات تولستوي الكبرى، وأحد أهم الأعمال التي ودّع بها الأدب الروسي القرن التاسع عشر.
ولم تكن «البعث» مجرد رواية جديدة في مسيرة تولستوي، بل خلاصة تأملاته الأخلاقية والفكرية في الإنسان والمجتمع والدولة والدين. لذلك أثارت منذ صدورها جدلاً واسعاً، فتعرضت بعض فصولها للحذف والمنع في الصحافة الروسية، كما كانت من الأسباب التي دفعت المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى إصدار قراره الشهير عام 1901 بحرمان تولستوي من الانتماء إلى الكنيسة بسبب انتقاداته الحادة للمؤسسة الدينية الرسمية.
ومن المفارقات أن القصة الواقعية التي استلهم منها الرواية انتهت نهاية أكثر مأساوية من العمل الأدبي نفسه؛ إذ توفيت المرأة في السجن بمرض التيفوس قبل أن يتحقق مشروع الزواج والتكفير الذي كان الرجل يحلم به.
لهذا لم تكن «البعث» مجرد حكاية عن سقوط امرأة وندم رجل، بل صرخة أخلاقية مدوية ضد الظلم الاجتماعي والقضائي، وضد النفاق الديني واللامبالاة الإنسانية. وفي صفحاتها خاض تولستوي حواراً عميقاً مع عصره ومع الأجيال المقبلة، مجسداً فكرته الأساسية التي لخصها في إحدى أشهر عبارات الرواية: «ليس الناس مذنبين لأنهم أشرار بطبيعتهم، بل لأنهم لا يعرفون الحقيقة أو يرفضون أن يعيشوا وفقاً لها».
***
د. جودت هوشيار
............
(1) الدُّوخوبوريون (أو الدوخوبور) جماعة دينية روسية منشقة نشأت في القرن الثامن عشر. كانوا يرفضون التسلسل الهرمي الكنسي، والأيقونات، والطقوس الدينية الرسمية، ويدعون إلى نبذ العنف والإيمان بوجود الشرارة الإلهية في كل إنسان. وبسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له من الحكومة القيصرية، انتقل قسم منهم إلى القوقاز، ثم هاجر لاحقاً إلى كندا بدعم من ليف تولستوي







