قراءة بلاغية وأسلوبية وسيميائية وذرائعية ونفسية في قصيدة الشاعر السوري فايز عزّ الدين
توطئة: حين تستعيد الذاكرةُ صولجانَ القصيدة:
ثَمَّةَ قصائدُ لا تُكتب لأن الشاعر أراد أن يقول شيئاً، بل لأن شيئاً ما في داخله أراد أن يُقال؛ قصائد تبدأ قبل الكلمة، في منطقة غامضة من الذاكرة، حيث يستيقظ وجهٌ غائب، أو يمرُّ طيفٌ عابر، أو تنبعث من قاع الروح رائحةُ حبٍّ ظنّ القلب أنه أودعها في خزائن النسيان. هناك، في تلك المسافة الملتبسة بين الحضور والغياب، تولد القصيدة بوصفها فعلاً لاستعادة ما لا يمكن استعادته إلا باللغة.
ومن هذا الأفق الوجداني تنبثق قصيدة «ذكرتكِ» للشاعر السوري فايز عزّ الدين؛ قصيدةٌ يعود فيها الشعر إلى ينابيعه الأولى: إلى الذكرى، والهيام، والنجوى، والطيف، والوصال، وإلى ذلك المعجم العاطفي الذي جعل من الغزل العربي، منذ امرئ القيس حتى شعراء العصور اللاحقة، أحد أكثر الأجناس الشعرية قدرةً على تحويل التجربة الذاتية إلى ذاكرة جمعية.
غير أن «ذكرتكِ» لا تبدو مجرد استعادة لمفردات الغزل القديم؛ فالشاعر لا يستدعي التراث بوصفه قناعاً، وإنما يستدعيه بوصفه ذاكرةً جمالية قابلة لإعادة التشكل. إن المرأة في هذه القصيدة ليست جسداً وحسب، ولا صورةً خارجية مكتملة الملامح؛ إنها كينونة تتوزع على الحواس: شذاً يُشرب، وطيفاً يُسمع، وروضةً تُرى، وأقحواناً يشتعل، وندًى يهبط، وغدائرَ يرفرف فيها الغرام. وهكذا تتحول المحبوبة من شخص إلى علامة، ومن حضور واقعي إلى فضاء شعري تتقاطع فيه الحواس والذاكرة والخيال.
ولعل كلمة «ذكرتكِ» وحدها تكفي لفتح الباب إلى عالم القصيدة كله؛ فالذكرى هنا ليست استرجاعاً محايداً للماضي، وإنما فعلُ خلقٍ جديد. حين يقول الشاعر: «ذكرتكِ»، فإنه لا يستعيد امرأةً غائبة فحسب، بل يستعيد معها زمناً عاطفياً بأكمله، ويمنح الغياب جسداً جديداً من الكلمات. فالذاكرة في الشعر لا تحفظ الأشياء كما كانت؛ إنها تعيد اختراعها.
ومن هنا تتخذ القصيدة مساراً تصاعدياً لافتاً: تبدأ بالذكرى، ثم تنتقل إلى الوجد، فالشذا والنجوى والوصال، ثم إلى الطيف والمحراب والروضة والأقحوان، لتنتهي بالغرام وهو يرفرف في الغدائر. وكأن الشاعر يصعد بالمحبوبة من مستوى الواقع إلى مستوى الرمز، ومن مستوى الجسد إلى مستوى الاستطيقا؛ فتغدو المرأة فضاءً للجمال لا موضوعاً للوصف وحده.
وفي هذه الحركة تحديداً تكمن قيمة النص؛ إذ يستعيد الشاعر القصيدة العمودية بما لها من جلال موسيقي وصرامة إيقاعية، في زمنٍ غلبت فيه قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر على المشهد الشعري الحديث. لكنه لا يفعل ذلك من موقع الحنين إلى الماضي، بل من موقع الإيمان بأن الشكل التراثي، متى امتلك الشاعر أدواته، يستطيع أن يكون حاضراً في اللحظة الراهنة، وأن الوزن والقافية ليسا بالضرورة قيداً على الحداثة، بل يمكن أن يتحولا إلى طاقة جمالية لإعادة بناء المعنى.
إن قصيدة «ذكرتكِ» تقف، بهذا المعنى، عند تخوم ثلاثية شديدة الخصوبة: الذاكرة والغياب والحب. والذاكرة تستدعي الغائب، والحب يمنح الاستدعاء حرارته، والشعر يمنح الاثنين وجودهما الأبدي. ولذلك لا يعود السؤال: من تكون المرأة التي يخاطبها الشاعر؟ بقدر ما يصبح السؤال: ماذا تفعل المرأة في المخيلة الشعرية حين تتحول من شخص إلى لغة؟
من هنا تأتي هذه القراءة النقدية محاولةً للدخول إلى النص من أبواب متعددة: من بلاغة الصورة إلى أسلوبية الانزياح، ومن سيميائية العلامة إلى ذرائعية الخطاب وتأثيره في المتلقي، ومن الإيقاع والمعمار الصوتي إلى البنية النفسية التي تحوّل الغياب إلى حضور شعري.
وقبل أن نقارب القصيدة نقدياً، نترك النص أولاً يتكلم بلغته، ويكشف عن موسيقاه وصوره وارتعاشاته؛ إذ إن القصيدة، قبل أن تكون موضوعاً للنقد، هي كائنٌ حيٌّ ينبغي أن يُصغى إليه.
وفي ما يأتي نص القصيدة:
ذَكَرْتُكِ
بقلم: فايز عزّ الدين
ذَكَرْتُكِ شَجْوَ ما ارْتَعَشَ الهِيَامُ
وما عَبَقَتْ على رَشْفٍ مُدامُ
حَبَيْتُ رَفيفَ وَجْدِكِ للتَّأَسِّي
فزالَ الغَمُّ وانقشعَ الغَمامُ
شَرِبْتُ شَذاكِ مِلءَ الكأسِ صَفْوًا
فطابَ بنشوةِ النَّجْوى وِئامُ
فَيا بَرْدَ الفؤادِ بذاتِ وَصْلٍ
وهلْ بَرْدُ الفؤادِ له فِطامُ؟
شَفيفُ الطَّيفِ غَرَّدَ في الحَنايا
وفي مِحْرابِها هَدَلَ الحَمامُ
أُطَوِّفُ روضةً في ناظريكِ
وجَمْرُ الأُقحوانِ بها ضِرامُ
كَما زَهْرُ الأقاحِ عَلاكِ نَدٌّ
وهَلَّ على بَراعِمِكِ الرِّهامُ
طَوَيْتِ القلبَ في وَهَجٍ ولَوْعٍ
ورَفْرَفَ في غَدائِرِكِ الغَرامُ
تأتي قصيدة «ذكرتكِ» للشاعر السوري فايز عزّ الدين بوصفها عودةً واعية إلى منطقة غزلية طالما كانت من أخصب مناطق الشعر العربي: منطقة الذكرى والوجد والطيف والوصال، غير أن هذه العودة لا تبدو استنساخاً للموروث، بل محاولةً لاستعادة صولجان القصيدة العمودية في زمنٍ تراجعت فيه سلطة الوزن والقافية لمصلحة أنماط شعرية أكثر تحرراً.
والشاعر فايز عزّ الدين صاحب تجربة متعددة المشارب؛ فهو شاعر وباحث وكاتب، وُلد في السويداء عام 1946، وحصل على الدكتوراه في التاريخ السياسي المعاصر لسورية، وله دواوين في الشعر الفصيح والشعبي، فضلاً عن مؤلفات ودراسات في السياسة والتربية والتاريخ والثقافة. وتشير مصادر اتحاد الكتاب العرب إلى حضوره الطويل في الحياة الثقافية السورية، كما شارك في مهرجانات شعرية وفعاليات أدبية عربية. وقد تناولت دراسات نقدية منشورة تجربته، ومنها دراسة بعنوان «الخيط السري بين الشعر والسياسة عند د. فايز عز الدين»، بما يؤكد اتساع تجربته خارج المجال الغزلي الخالص.
ومن هذه الخلفية يمكن قراءة «ذكرتكِ» باعتبارها نصاً يعيد بناء الغزل العمودي بوصفه ذاكرةً جمالية، ويجعل من المرأة فضاءً لاستعادة الذات، ومن الذكرى فعلاً شعرياً يعيد ترتيب الداخل النفسي.
أولاً: مكانة فايز عزّ الدين في الشعر العربي المعاصر:
لا تستمد تجربة عزّ الدين أهميتها من كثرة الإنتاج وحدها، بل من ازدواجية المثقف والشاعر؛ فهو قادم إلى الشعر من فضاء الفكر والتاريخ والسياسة، الأمر الذي يمنح تجربته حساسية خاصة تجاه اللغة والذاكرة والجماعة. وقد وصفته مصادر ثقافية سورية بأنه «باحث، شاعر»، وذكرت له أربعة دواوين مطبوعة في مرحلة من مراحل سيرته، إلى جانب مؤلفات وأبحاث فكرية وسياسية.
وفي «ذكرتكِ» تحديداً، يبدو الشاعر أكثر اقتراباً من القصيدة الغزلية الكلاسيكية، مستعيداً معجمها، لكن مع إعادة توزيعه في صور حديثة نسبياً: شذاكِ، رفيف وجدكِ، شفيف الطيف، محرابها، الأقحوان، البراعم، الغدائر. وهنا تكمن خصوصية التجربة: الحداثة لا تكون دائماً في هدم القديم، بل قد تكون في إعادة تشغيله جمالياً.
ثانياً: مناسبة القصيدة وعلاقتها بعنوانها «ذكرتكِ»:
لا تتوافر، في النص المعروض، إشارة خارجية موثقة إلى مناسبة كتابته؛ ولذلك لا يصح اختلاق مناسبة تاريخية أو شخصية له. غير أن المناسبة الداخلية واضحة: إنها لحظة استدعاء المحبوبة من غيابها عبر الذاكرة.
فالفعل «ذكرتُ» ليس فعلاً زمنياً فحسب، بل هو الفعل المؤسس للنص كله؛ فالذكرى تتحول من حالة نفسية إلى مولّد شعري. يبدأ النص:
«ذكرتُكِ شجوَ ما ارتعشَ الهيامُ»
وكأن القصيدة لا تُكتب إلا حين تستعيد الذاكرة صورتها الغائبة.
ومن المنظور الذرائعي، فإن النص يؤدي وظيفة وجدانية واتصالية في آن؛ فهو لا يصف الحب فحسب، بل ينقل تجربة وجدانية إلى قارئ يتحول بدوره إلى شريك في استحضار الغائب.
ثالثاً: العتبات النصية والعنوان بوصفه مفتاحاً تأويلياً:
العنوان «ذكرتكِ» عتبة شديدة الاقتصاد، لكنها شديدة الكثافة. فهو جملة فعلية حذف منها المفعول الثاني للذكر، وأبقى على الفاعل والمفعول المباشر: ذكرتُ زائد كِ.
واللافت أن العنوان لا يقول: أحببتكِ، ولا اشتقت إليكِ، ولا طيفكِ؛ بل يقول: «ذكرتكِ». والذكر هنا أسبق من الحب في تشكيل النص؛ لأنه هو الذي يستدعي الحب من الذاكرة.
سيميائياً، تعمل الكاف في «ذكرتكِ» بوصفها علامة إحالة على غائب حاضر؛ فالمخاطبة حاضرة لغوياً، غائبة مكانياً. ومن هنا ينشأ التوتر الأساسي بين الحضور والغياب.
أما ضمير المخاطبة المؤنث، فيمنح القصيدة مركزها الحواري؛ فالنص ليس مناجاة ذاتية مغلقة، بل خطاب موجّه إلى «أنتِ» تتشكل صورتها تدريجياً من خلال الشذا والطيف والعينين والشعر.
رابعاً: الأسس اللغوية والبلاغية
١. سلامة اللغة وفصاحة اللفظ:
تنهض القصيدة على معجم عربي فصيح شديد الصلة بالتراث الغزلي: الهُيام، المدام، الوجد، الغمام، النجوى، الوصال، الطيف، المحراب، الحمام، الأقحوان، الرهام، الغدائر، الغرام.
وهذه الألفاظ لا تؤدي وظائف معجمية فقط، بل تصنع هوية النص الزمنية؛ إذ تجعل القارئ يشعر بأنه أمام قصيدة تستأنف تقاليد عربية عريقة.
٢. بنية الأسلوب:
الأسلوب قائم على الجملة الخبرية حين يريد الشاعر تثبيت التجربة:
«شربتُ شذاكِ ملءَ الكأس صفواً»
وعلى الاستفهام حين ينتقل من التقرير إلى القلق:
«وهل بردُ الفؤادِ له فِطامُ؟»
وعلى النداء حين تبلغ العاطفة ذروة التوهج:
«فيا بردَ الفؤادِ بذاتِ وصلٍ»
وهكذا تتدرج البنية الأسلوبية من الذكر إلى الشرب، ومن الشرب إلى الوصال، ومن الوصال إلى الطيف، ومن الطيف إلى الاحتراق.
٣. الانزياح اللغوي والتركيبي:
من أبرز الانزياحات:
«شربتُ شذاكِ»
فالشذا لا يُشرب حقيقةً، وإنما يُشرب مجازاً؛ وهنا تنتقل الرائحة من حاسة الشم إلى حاسة الذوق.
وكذلك:
«شفيفُ الطيفِ غرّدَ في الحنايا»
فالطيف لا يغرد، لكن الشاعر يمنحه خصائص الطائر، ثم ينقله إلى داخل الجسد.
أما:
«ورفرفَ في غدائركِ الغرامُ»
فهو انزياح حركي بالغ الجمال؛ إذ يجعل الغرام كائناً ذا جناحين، يتحرك في شعر المحبوبة.
٤. البلاغة والصورة:
تتأسس القصيدة على التشخيص والاستعارة والتراسل الحسي. ففي:
«شربتُ شذاكِ»
تتداخل حاسة الشم والذوق.
وفي:
«وجمرُ الأقحوانِ بها ضرامُ»
تتجاور صورة الزهرة الرقيقة مع صورة النار، فينشأ تناقض حراري بين البرودة والاشتعال.
وفي:
«وفي محرابها هدل الحمام»
تتحول الحنايا إلى محراب، والحب إلى تجربة شبه صوفية؛ فتنتقل المرأة من الجسد إلى المقدس الجمالي.
خامساً: الإيقاع والمعمار الصوتي:
القصيدة مكتوبة بروح القصيدة العمودية، وتنتظم أبياتها في وحدات شطرية متوازنة وتنتهي بقافية الميم المضمومة، مع حضور لافت للألف قبل الميم، في أصوات مثل:
الهيامُ، المدامُ، الغمامُ، الوئامُ، الفطامُ، الحمامُ، ضرامُ، الرهامُ، الغرامُ.
وتمنح هذه القافية النص امتداداً صوتياً رخياً؛ فالألف والميم المضمومة يطيلان النفس ويمنحان البيت نبرة غنائية.
أما من الناحية العروضية، فالنص في صورته المرسلة يقترب بوضوح من نظام القصيدة العمودية الخليليّة، مع نزوع إلى إيقاع البحر الكامل في عدد من الأشطر، غير أن بعض الأشطر تحتاج إلى ضبط لغوي وعروضي قبل القطع النهائي بالبحر وتفعيلاته؛ إذ إن بعض الصيغ الأصلية، مثل:
«كما زهر الأقاح علاك ندٌّ»
تحتاج إلى إعادة بناء قبل اعتمادها عروضياً.
وهذا مهم نقدياً؛ لأن الحكم على البحر ينبغي أن يكون على النص المضبوط لا على النص المرسل.
الموسيقى الداخلية:
تنبع الموسيقى الداخلية من تكرار الأصوات الرخوة، خصوصاً الميم واللام والهاء والشين:
شذاكِ – شربتُ – شفيفُ – شجوُ
فالشين تمنح النص همساً، بينما تتكرر الميم في القافية كأنها إغلاق موسيقي حنون.
سادساً: بؤرة التوتر والتكرار والجناس والتوازي
بؤرة التوتر المركزية هي الحضور/الغياب.
المحبوبة غائبة، لكنها حاضرة في:
«ذكرتكِ»
وحاضرة في الشذا:
«شربتُ شذاكِ»
وفي الطيف:
«شفيفُ الطيفِ غرّدَ في الحنايا»
وفي العينين:
«أطوّفُ روضةً في ناظريكِ»
وفي الشعر:
«غدائركِ».
إنها إذن حاضرة في الذاكرة والحواس والمخيلة، وغائبة في المكان.
أما التكرار، فيظهر في حضور الألفاظ ذات الجذر الوجداني: الهيام، الوجد، الغرام، النجوى، الوصال، الفؤاد.
وهناك توازيات صوتية ودلالية لافتة:
«زال الغم وانقشع الغمام»
حيث يتجاور الغم/الغمام في جناس اشتقاقي وصوتي، ويصبح انقشاع الغمام صورة لانقشاع الحزن.
وكذلك:
«الطيف... الحنايا - المحراب... الحمام»
فتتشكل مقابلات صوتية تجعل المعنى يتحرك داخل إيقاع متوازٍ.
سابعاً: البنية الفنية والجمالية:
يمكن تقسيم القصيدة إلى أربع حركات شعورية:
الأولى: حركة الاستذكار
«ذكرتكِ شجوَ ما ارتعش الهيام»
وفيها يولد النص من الذاكرة.
الثانية: حركة التماهي الحسي
«شربتُ شذاكِ ملءَ الكأس صفواً»
وهنا يتحول الحب إلى شراب وشذا ونشوة.
الثالثة: حركة التجلي الصوفي
«وفي محرابها هدل الحمام»
فتنتقل المرأة من موضوع غزلي إلى محراب جمالي.
الرابعة: حركة الاشتعال
«وجمر الأقحوان بها ضرام»
«ورفرف في غدائركِ الغرام»
وهنا يبلغ النص ذروته؛ إذ تتحول الزهرة إلى جمر، والغرام إلى كائن يرفرف.
ثامناً: القراءة السيميائية والذرائعية والنفسية:
سيميائياً، تتحول المرأة إلى شبكة من العلامات: الشذا علامة للحضور، الطيف علامة للغياب، العينان فضاء للرؤية، الأقحوان علامة للجمال، الرهام علامة للخصب، والغدائر علامة للأنوثة.
أما ذرائعياً، فإن القصيدة تستهدف استثارة الوجدان الجمالي لدى المتلقي؛ فهي لا تقدم فكرة مجردة، بل تبني تجربة حسية يريد الشاعر أن يجعل القارئ يعيشها.
ونفسياً، يمكن قراءة النص بوصفه آلية لاستعادة موضوع الحب الغائب. فالذات الشاعرة تعوض غياب المحبوبة بتحويلها إلى صور: رائحة، شراب، طيف، محراب، روضة، زهرة، غدائر. وبذلك يتحول الفقد إلى إبداع؛ أي إن النفس لا تستسلم للغياب، بل تعيد إنتاج الغائب داخل اللغة.
وهنا تكمن القيمة النفسية العميقة للقصيدة: الشاعر لا يواجه الغياب بالنسيان، وإنما يقاومه بالذكر.
خاتمة:
«ذكرتكِ» قصيدة تستعيد الصولجان القديم للغزل العربي، لكنها لا تستعيده استعادةً متحفية؛ إنها تعيد تشغيل مفرداته داخل حساسية وجدانية معاصرة. وقد استطاع فايز عزّ الدين أن يجعل من الذكرى فعلاً شعرياً، ومن الغياب حضوراً، ومن المرأة علامةً، ومن اللغة فضاءً للتعويض النفسي والجمالي.
إن أجمل ما في النص أنه لا يقول الحب مباشرة، بل يجعله يتحرك في الأشياء: يُشرب شذاً، ويغرد طيفاً، ويهدل حماماً، ويشتعل أقحواناً، ويرفرف غراماً. وهنا تبلغ القصيدة إحدى وظائف الشعر الكبرى: أن تجعل المجرد محسوساً، والغائب حاضراً، والذاكرة مكاناً، والحنين لغة.
وبذلك تستعيد القصيدة شيئاً من صولجان الشعرية العربية الأصيلة: الوزن، والقافية، والفصاحة، والصورة، والوجدان؛ لكنها تمنح هذه العناصر حياة جديدة، بحيث لا يعود التراث قيداً على القصيدة، بل يصبح ذاكرةً جمالية قادرة على إنتاج الحاضر.
***
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين








