بين نداء الهوية و"العشق المزدوج للسان"
لم تنل المسألة اللغوية في الجزائر حقها من النقاش العلمي والتناول الأكاديمي من منظور علم الإجتماع اللغوي أو ما يعرف باللسانيات الإجتماعية، الذي أرسى دعائمه النظرية والمفهومية أحد تلامذة دوسوسير أنطوان مييي، الذي يستقي منه أحد المتخصصين في علم الإجتماعي اللغوي وهو لويس جان كالفي أهم الدروس التي ساعدته على المضي قدما في تطوير هذا الحقل اللسانيات الإجتماعية على مايذكر ذلك المترجم محمد يحياتن في المقدمة التي كتبها للترجمة العربية لكتاب (علم الإجتماع اللغوي) للباحث الفرنسي لويس جان كالفي.
عندما كان يرى محمد يحياتن أن جان كالفي أفاد كثيرا من ذلك النزاع اللغوي الذي " نشب بين مؤسس اللسانيات دي سوسير وأحد أتباعه أنطوان مييي الذي سرعان ما أخذ يبتعد عن أستاذه دوسوسير ليدعوا إلى انبثاق علم اجتماع لغوي أو لسانيات اجتماعية تحتفل بتجليات اللغة في الوسط الإجتماعي من خلال الناس الذين يستعملونها لقضاء حاجاتهم التبليغية " (01).
وهو الأمر الذي يجد دلالته النظرية في ذلك الفرق والإختلاف المفهومي لعلوم اللسان الذي يشرحه بإسهاب لويس جان كالفي في الفصل الأول من كتابه (علم الإجتماع اللغوي) فيرى أن دي سوسير "كان يسعى إلى شحذ مصطلحات اللسانيات من أجل بناء هذا العلم بناء نظريا، بينما كان مسعى أنطوان مييي يدعوا للإحتفال بالطابع الإجتماعي لللغة " (02).
وظلت ولا تزال المسألة اللغوية محل تراشق إيديولوجي غير صحي بين بعض النخب السياسية والثقافية والتكتلات الإيديولوجية مرتبطة بأجندة ظرفية لا تصمد طويلا أمام أبسط الحقائق الحية.
واذ ما استثنينا ثلاثة كتب:
الأول أصدرته الدكتورة خولة طالب الإبراهيمي (الجزائريون والمسألة اللغوية) والثاني:
قام بتأليفه الباحث السوسيولوجي مصطفى ماضي وهو (النخبة الجزائرية والمسألة اللغوية في الجزائر من القطيعة اللغوية إلى الإنتقاء والتهميش باللغة)،.
فيما الكتاب الثالث فهو كتاب (الهويات والتعددية اللغوية قراءات في ضوء النقد الثقافي المقارن) للناقد الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة.
على الرغم من أن الناقد الفلسطيني عز الدين المناصرة لا يكتفي بمناقشة ظاهرة التعددية اللغوية في الجزائر.
وهو الذي يستقي أغلب المعطيات التاريخية عنها من تجربته في التكوين والتأطير الجامعي في الجزائر عندما عمل أستاذا جامعيا متخصصا في الأدب المقارن في كل من جامعتي قسنطينة وتلمسان في الثمانينيات من القرن المنصرم.
فيوسع دائرة اهتمامه لتشمل مناقشة التعددية اللغوية في الفضاء الثقافي العربي عموما
وليس غريبا أن يتضمن فهرس الكتاب الفصول التالية:
الفصل الأول: العولمة والهويات
الفصل الثاني: السريان واللغة السريانية
الفصل الثالث: الأكراد واللغة الكردية
الفصل الرابع: الأمازيغ واللغة الأمازيغية في الجزائر والمغرب الأقصى
الفصل الخامس: الفرانكوفونية في لبنان
الفصل السادس: الفرنكفونية في إفريقيا العربية الجزائر والمغرب وتونس ومصر
عارضا لبعض الآراء آراء المثقفين الجزائريين مثقفي حزب جبهة التحرير الوطني كما يسميهم من العائلتين الوطنية واليسارية ومناقشتها من منظور النقد الثقافي المقارن فيضع هذه الآراء الواردة ضمن القسم الذي خصصه لظاهرة الإزدواجية اللغوية في الجزائر.
وهو القسم الذي أعطاه العنوان التالي:
(المثقفون الجزائريون واشكاليات التعددية اللغوية في الجزائر).
تحت مجهر انتاجية النقد الثقافي المقارن مستعينا ببعض مقولات ليتش ورايموند وليامز وغيرهما من رموز حقل الدراسات الثقافية لتبرير صدقية معالجته التحليلية لظاهرة الإزدواجية اللغوية في الجزائر.
إلى حد اعتبار الهوية في نظره (مجالا للنقد الثقافي) من حيث أنه ينطلق من " واقع الهويات في تشكلها ونموها واندثارها ومقاومتها وانغلاقها وانفتاحها " (03).
وهو الذي يظن بأن النقد الثقافي كان حاضرا في الثقافة العربية حتى قبل أن يحمل هذا التوصيف (النقد الثقافي) من حيث أنه يرى أن العرب القدامى مارسوا النقد الثقافي بمعنى الموسوعية ضاربا لذلك مثال طه حسين.
فلا أحد يستطيع في منظور عزالدين المناصرة " ينفي أن كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر) يقع في دائرة النقد الثقافي بإمتياز " (04).
وهنا وجب التذكير بأنه لا ينبغي التغافل أيضا عن ما قدمه القاص والسيوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن من تحليل للمسألة اللغوية في بعض المقالات النقدية التي نشرها وإن لم يجمعها في كتاب لأن الموت أدركه قبل ذلك.
هذه هي الإستثاءات الوحيدة وهي قليلة جدا بالنظر لضخامة الموضوع غيرها، لم أقرأ أبدا دراسات أخرى تتناول ظاهرة الإزدواجية اللغوية أو ذلك التنافر بين معسكرين (معسكر المثقف المعرب ومعسكر المثقف المفرنس).
وحجج هذا وذاك على بساط البحث والتناول الهادئ بعيدا عن تأثيرات الميديا وردود الأفعال الظرفية والنفسية المشحونة بأسئلة التمزق أو القطيعة المفتعلة لأسباب غير وجيهة.
لقد استطاع عمار بلحسن تعرية الخطاب الإيديولوجي الثقافي الفرنكفوني والخطاب الأصلاني والكشف عن النسق الأصولي المتبادل بينهما.
ويعني بذلك أولا أصولية النخب الفرانكفونية التي ليس من مصلحتها أبدا نشوء وتبلور نخبة معربة
تجمع بين التراث والحداثة وتدشن قطيعتها الإبستمولوجية مع ثوابت الإنبهار بالآخر والسقوط بين براثن الغيرية النافية لخصوصية الذات العارفة وبلا عقدة تاريخية.
فبالنسبة للأصولية الفرنكفونية فهو يعتبرها " كمنتوج للأنتلجانسيا المهنية والفكرية المفرنسة التي أعطتها الاداة اللغوية والخبرة المهنية سلطا متعددة في مراكز الحل والعقد والادارة العليا والاقتصاد والتسيير ومناصب اتحاد القرار" (05).
ووصف الباحث لهذه النخبة بالأصولية الجديدة نابع من كونها تبدوا مثلما يعلن عن ذلك صراحة:
"غربية عن المجتمع الأهلي ومتغربة عن نمط حياة وتفكير ومخيلة الغالبية الساحقة من المواطنين تتبنى طروحات مصاغة في خطابات تابعة للخطاب السياسي الإيديولوجي الغربي مفصولة عن المخزون الثقافي الشعبي ولغات المجتمع وعاجزة عن فهم حركة استعادة الهوية واللغة الوطنية وترسيخ أدوات هذه الحركة " (06).
ثم أصولية النخب المعربة المتمسكة بأدلجة النقاش اللغوي في بعده الهوياتي المتناغم مع الخطاب الإيديولوجي الإسلاموي في عملية هي أشبه "بالنقد المزدوج " بتعبير عبد الكبير الخطيبي.
كثمرة لقاء بين لغتين وثقافيتين هما الثقافة الوطنية العربية واللغة الفرنسية، بمحمولها الجمالي والثقافي والسياسي والإيديولوجي، لا يمكن أن تتجلى عند عمار بلحسن الا في معرفة ونقد الأنا والآخر من أجل التأسيس لبعدين أساسيين:
كان يرى عماربلحسن أنهما ضروريين البعد الأول يقول أنه:
" بعد وطني بمفهومه الثقافي مناقض لكل شوفينية أثنية وعرقية أي كتجسيد لإنغراس المثقف وتغلغله في أعماق وأغوار الواقع الثقافي الوطني وتصميمه على المشاركة في الكونية العالمية المعاصرة وبعد ثان:
كفيل بنقل خصوصيته إلى الآخر وإيجاد القواسم المشتركة بينه وبين العالم فكرا وإبداعا ولغة " (07).
وبالطبع فالتحليل السوسيولوجي الذي يقدمه عمار بلحسن لظاهرة الإزدواجية اللغوية في الجزائر يتقاطع فيه مع بعض تحليلات الناقد المغربي عبد الحميد عقار خاصة، وأن الإثنان ينتميان إلى فضاء ثقافي واحد هو الفضاء الثقافي المغاربي، وهما يستخدمان أيضا نفس المنهج والمنظور وهو المنهج السوسيو نقدي.
ففي مدخل كتابه (الرواية المغاربية تحولات اللغة والخطاب).
المدخل الذي خصصه عبد الحميد عقار لفكرة المغرب العربي والوضع اللغوي، عندما كان يرى بأن الفضاء الثقافي المغاربي " يمتلك فسيفساء ثقافية متنوعة تجمع بين لغة المجتمع الرسمي ذي الثقافة الخاصة الحضرية المكتوبة وبين المجتمع الإنقسامي القروي حيث اللغة والثقافة الشعبيتان وثقافة العامة وما يرافقها من تعدد في المعتقدات والممارسات هما السائدتان " (08).
وعبد الحميد عقار نفسه لا يتجاهل ولا يريد أن يتجاهل الوضع اللغوي المعقد في بلدان المغرب العربي، فيحلل من المنظور السوسيونقدي مسألة الثلاثية اللغوية التي يرى أنها تتحكم في الوضع اللغوي في بلدان المغرب العربي بإستثناء ليبيا.
وهذه الثلاثية هي التي تتشكل في نظره من اللغة الرسمية العربية ثم اللغة الشعبية اليومية وأخيرا اللغة الفرنسية بوصفها على مايرى " مصدرا للإمتياز والترقية الإجتماعيتين ومجالا للتوتر واتساع المطالبة بالتعريب ومقاومة الفرنسة أو مبررا لإقرار الإزدواجية اللغوية وإضفاء المشروعية عليها " (09).
وعبد الحميد عقار لا يعترض على التعدد اللغوي بل يعتبره ظاهرة طبيعية، لكنه يحذر من أن يتم التسويق لظاهرة الإزدواجية اللغوية على حساب اللغة العربية.
ففي حالة المغرب العربي يرى عبد الحميد عقار بأن "التعدد اللغوي يتم التمكين له بالتدريج وعلى حساب اللغة العربية الرسمية وضدا عليها أحيانا " (10)
وهذا أمر له علاقة بما يسميه عبد الحميد عقار " الميكانيزمات التي تنتظم هذا التعدد والكيفية الملموسة التي يعاش بها " (11).
ومن هنا فغياب الحوار الحضاري أقول الحوار الحضاري وليس الشتائم المتبادلة بين أطراف النزاع اللغوي في جزائر المثقفين ناتج أساسا من غياب الفعل الديمقراطي ذاته كسلوك حضاري الذي يبقى منوطا بممارسة هذه الديمقراطية داخل محيطنا الإجتماعي القريب.
ولا ندري حقا كيف يمكن الخروج منه ومن هذه (الأسيجة الدوغمائية المغلقة) بتعبير محمد أركون لإخراج الأفكار والقناعات الإيديولوجية الراهنة من قوقعتها المفاهيمية والنظرية ومنحها ذلك البعد الوظيفي للنزول بها إلى فضاء الممارسة اليومية الإجتماعية الحية تجسيدا لما سمته تجربة النقد الماركسي (لمثقف البراكسيس) أي المثقف الذي يجمع بين النظرية والممارسة الإجتماعية الحية.
فلا معنى أبدا على ما يرى غرامشي للأفكار خارج محمولها ونبضها الواقعي.
المثال الوحيد الذي لا أعتقد أنه يتكرر في محيطنا العربي البائس نجده في تجارب بعض النقاد في المغرب الأقصى على غرار عبد الله العروي وعبد الفتاح كليطو على وجه الخصوص فالعروي كتب أعماله الفكرية كلها بما ذلك كتابه المرجعي (الإيديولوجيا العربية المعاصرة) باللغة الفرنسية.
بينما لم يجد مانعا في أن يكتب أعماله الروائية باللغة العربية.
وهناك تجربة أكثر انسجاما مع الذات على الصعيد النفسي هي تجربة الناقد المغربي عبد الفتاح كليطو الذي أخذ على عاتقه مهمة دراسة التراث السردي العربي القديم بعيون معاصرة وقد قدم كليطو كل الدراسات التي كرسها لدراسة الموروث السردي العربي باللغة الفرنسية في الوقت الذي فضل فيه كتابة الرواية باللغة العربية.
ربما لأنه في نظرهما أن الرواية لكونها عمل ابداعي بحت كان لابد أن تكتب باللغة الأم اللغة العربية حتى ولو اقتضى السياق الثقافي العربي كتابة بعض المشاريع الفكرية والنقدية بلغة الآخر بحثا عن تحقيق جزء معتبر من الكونية.
ومنها ماذكره أيضا الروائي التونسي اليهودي الأصل ألبير ميمي في مقاله الشهير (الوطن الأدبي للمستعمر) فأرجع سبب ذلك إلى صعوبة التغلب على "عقبة سيكولوجية موجودة بأعماق المستعمر في التحقير الذي يعامل به المتمسكين في الكتابة بلغتهم الأصلية " (12).
وهذا لا يعني بالضرورة الإنقياد السريع (لقابلية الشطب والمحو) على رأي بختي بن عودة عندما استغرب بن عودة كيف أن " لغة الأنا ستصبح ذات يوم معضلة وستدخل في جدال غير معقول مع لغة الآخر لأن الحسابات الحضارية لم تحسم فيها بعد (13).
بما يعني استدعاء الخصوصية الثقافية المغاربية في فضاء خاص هو الفضاء الثقافي المغاربي المشحون بالإرث الكولونيالي الذي يجد ضالته ليس فقط في تلك الصيحة الشهيرة التي كان قد أطلقها كاتب ياسين عندما كتب مسرحيته (الجثة المطوقة) القاضية بوصف اللغة الفرنسية (غنيمة حرب).
"فاللغة سؤال قيل أن تكون غنيمة " على رأي الروائي الجزائري الأعرج واسيني الذي كان يرى أن اللغة الفرنسية " كسؤال لا تعني بالضرورة العداوة تجاه لغة حولتها الظرفية الإستعمارية بنفيها للغة العربية وللغات التعبيرية الأخرى كالأمازيغية ولكنها تعني أن اللغة سؤال قيل أن تكون غنيمة.
وهي سياق تاريخي فيه صعود ونزول وتحولات إنسانية تستحق أن يتم تأملها عن قرب " (14).
ومن هنا يتبدى لنا أن التعددية اللغوية أو ما يسميه عبد الكبير الخطيبي (العشق المزدوج للسان)
أو (عشق اللسانين) اللسان العربي ولسان الآخر هومجرد خطاب ظرفي لا يصمد أمام أبسط لاءات (الهويات الفائضة) والإقصاء المتبادل بين طرفي النزاع اللغوي واللساني بسبب (القصور العقلي) بتعبير إيمانويل كانط الذي لازال يميزنا عن باقي المجتمعات ذات التقاليد الديموقراطية التي قطعت أشواطا مهمة على هذا الدرب العسير.
فالتقسيم الميكانيكي اللغوي واللساني للنخب المثقفة في أبعاده القصيرة المدى وما يترتب عليه من تمزق وانشطار ينتج في النهاية انقساما وتوترا وتحولا صوب نص آخر هو (النص الغريب عن اللسان) بتعبير الناقدة الفرنسية البلغارية الأصل جوليا كريستيفا.
يقع على عاتقه غياب التعددية اللغوية في بعدها المنتج من لدن المثقف الحر الخارج عن إملاءات طرفي النزاع اللغوي صوب التأسيس لبعد آخر هو البعد القائم في ما سماه عبد الكبير الخطيبي (بالنقد المزدوج) أو نقد الأنا والآخر.
بما يعني تجاوز جملة من التصنيفات العرقية واللغوية لحروب اللغات الجاري العمل بها منذ سنوات طويلة في مخابر المركزية الأوربية الغربية.
فيبتلعون الزعم القائل بأن اللغات الشرقية والإفريقية رجعية، ومنها العربية بالطبع ورجعيتها تعود إلى سطوة المقدس عليها.
بالمعنى الذي يتجلى في إتهام المفكر الجزائري محمد أركون المثقف العربي بأنه " يقف أمام المثقف الغربي أو مثقف الفضاء الثقافي الإمبريالي كالفلاح الفقير الذي يقف أمام عسكر الكولون خجلا من هندامه ومن لغته ومن دينه وغالبا ما يستحسن المثقف الغربي ذلك فيساعده على الغوص فيه أكثر فأكثر " (15).
على ما تذكر ذلك الباحثة المصرية فاطمة الحصي في مقالها (ثقافة المقاومة عند محمد أركون)
غير أن ابتلاعهم لهذا الزعم القائل بأن اللغات الشرقية والإفريقية رجعية غير صحيح بشهادة ناقد وسيميولوجي من الفضاء الثقافي والجامعي الإمبريالي الفرنسي أفنى عمره في الحفر السيميائي واللغوي وهو رولان بارت الذي يفتتح كتابه (س / ز) بنفيه التام " للسان بوصفه إنجازا لكل اللغات برجعي ولا تقدمي " (16).
ويعترف بارت بأن الفاشية ليست منعا من الكلام وإنما هي إجبار على الكلام بلغة دون أخرى
وعليه (فالنسق الثقافي المضمر) في اعتراف بارت بنفيه التام (للسان بوصفه إنجازا لكل اللغات برجعي ولا تقدمي).
يشير بصورة ضمنية مضمرة إلى هيمنة وفاشية لغة المستعمر على إنسان الفضاءات الأخرى، الذي وقع عليه فعل المحو والإحتواء، فأجبر على تعلم لغته وإتقانه لها وإهمال لغاته الأصلية والشعور يدونيتها وتواصله معه بها في حالات الحرب والسلم معا ضمن مشروع إقصائي، كان يهدف إلى فرض منطق المثاقفة بالقوة.
وبالطبع لست هنا في وارد الإعتراض على إتقان وتعلم لغة الآخر، لأن ذلك ضرورة حتمية تفرضها حالات الإنفتاح على ثقافة الآخر وضيافته الضيافة المشروطة بإحترامه لأخلاقيات الضيافة " ليس فقط كموضوع أخلاقي بل إنها هي الأخلاق ذاتها " (17). على مايرى فيلسوف الهوامش جاك ديريدا
ثم التصدي لمحاولات (تقويض البيت الآمن) بمفهوم سيغموند فرويد
بماهو آلية دفاعية تمكن البلدان المعولمة من تحصين ذاتها من أي محو لغوي أو ثقافي، حتى ولو تعلق الأمر بالتصدي لكل المحاولات الرامية إلى (تقويض البيت الآمن)
مما يتطلب إحلال (ملف الأمن الثقافي) و(الأمن اللغوي) تحديدا المكانة القصوى ضمن مشاريع التكوين الجامعي، ضمن ما أصبح يسمى يسمى بحقل الدراسات الثقافية والنقد الثقافي كما فعلت الهند وباكستان وغيرهما من الدول التي تعرضت لتجربة الإستعمار البريطاني.
الأمر الذي يعني أنه لا علاقة لهذا الخروج عن قيم الطاعة اللغوية في بعدها الأصولي (الأصولية اللغوية)، كما سماها السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن.
وهو يعني بذلك أصولية النخب المفرنسة التي ليس من مصلحتها نشوء وتبلور نخبة معربة حداثية،
تجمع بين التراث والحداثة وتدشن قطيعتها الإبستمولوجية مع ثوابت الإنبهار بالآخر والسقوط بين براثن الغيرية النافية لخصوصية الذات العارفة وبلا عقدة تاريخية.
بحثا عن خصوصية عربية تحفظ للتنوير العربي بعض أسئلته الواعية.
حتى لا يتناقض ذلك بالطبع مع ما جاء في جواب كانط عن ذلك السؤال التدشيني في الدرس الفلسفي الكانطي عن ما هي الأنوار..؟
فقد اعتبر كانط أن الأنوار هي خروج الإنسان من القصور وعجزه عن استعمال عقله دون إرشاد الغير، عندما يكون السبب في ذلك ليس نقصا في العقل وإنما نقص في الشجاعة وعندما يكون من السهل على آخرين أن ينصبوا أنفسهم أوصياء عليك ذلك هو شعار الأنوار.
ورغم أنه لا يمكن الإقتناع بموقف الناقدة الفرنسية البلغارية الأصل جوليا كريستيفا من مسألة الأصل أو الهوية التي تراها غير ضرورية المعبر عنها بمفهوم (الأصل المهجور) كما ورد في كتابها (غرباء نحن عن أنفسنا).
لكن من الممكن الإتفاق معها عندما يتحول هذا الأصل على ماترى إلى حقد مكثف على الأخر/ الأخر الجندري الذكر والأنثى، أو الآخر الذي وقع عليه فعل الإحتواء والإقصاء.
وينبغي أن لا ننسى أن كريستيفا عندما تصر على غيريتها فإنما تفعل ذلك من كونها أولا امرأة (آخر بالنسبة للذكر)، وثانيا مواطنة فرنسية من اصل بلغاري لم تهضم بعد الأصولية الفرنسية كونها مواطنة فرنسية من أصول غير فرنسية تتمتع بكافة أشكال المواطنة، حتى (المواطنة الثقافية والجامعية) منها من دون أي تحيز أثني أو جنساني.
هذه بعض مثالب الأصولية الفرنسية كما ناهضها تودوروف في عدد من كتبه التي أصدرها في مرحلة ما بعد البنيوية على غرار(فتح أمريكا مسألة الآخر) / (تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية) / (الحياة المشتركة) / (الأمل والذاكرة) / (الخوف من البرابرة ماوراء صدام الحضارات).
الكتب التي حذر فيها من (مزالق التنوير) ومن صنمية المركزية الغربية ومن "صدام الحضارات " في التعامل مع الآخر داعيا إلى التمسك (بالحياة المشتركة).
فعل ذلك، وهو الفرنسي من أصل بلغاري الذي لا يقاسم زملاءه من النقاد الفرنسيين بعض قناعاتهم بخصوص الأصولية الفرنسية ومثالب المركزية الغربية وغيرها من لاءات الإصطفاء والمعيارية الغربية التي تتمتع بها فرنسا الثقافية في علاقاتها بالآخر القادم من مستعمراتها السابقة ومن دول العالم الثالث تحديدا.
وناهضتها جوليا كريستيفا والإثنان كما نعلم ينحدران من أصل بلغاري غير فرنسي.
المثالب التي لم يسلم منها حتى فنان ألعاب سحرية، هو روبيرهودن الذي أوفدته سلطات الإستعمار الفرنسي إلى (الجزائر الفرنسية) ليصرفهم عن معجزاتهم وعن لغاتهم الشعبية والرسمية بشهادة شاعر فرنسي من شعراء الرمزية الفرنسية وهو شارل بودلير فقد جاء في كتاب (اليوميات) لبودلير:
"كان لا بد لمجتمع شكاك من أن يرسل روبير هودن إلى العرب ليصرفهم عن المعجزات " (18)
ونقرأ في الهامش الذي وضعه مترجم اليوميات إلى اللغة العربية آدم فتحي أن روبير هودن
هو " فنان ألعاب سحرية فرنسي أو فدته الحكومة الفرنسية إلى الجزائر لمقاومة نفوذ الدراويش والأولياء بتقديم ألعاب سحرية تدحض معجزاتهم " (19).
وهذا يعني ببساطة أن سلطات الإستعمار الفرنسي كانت تخشى كثيرا ليس فقط من الفلاقة والثوار الجزائريين، بل إنها أيضا كانت تشعر بالقلق من نفوذ الأولياء والدراويش ورموز التصوف واللغة والبلاغة.
وتحضرني في هذا السياق حكاية طريفة ولكنها تحمل رمزيتها الثاقبة مفادها أن الصديق الباحث الدكتور حميد ناصر خوجة أخبرني ذات مرة أن والدة الروائي والسوسيولوجي التونسي اليهودي الأصل ألبير ميمي لا تحسن مطلقا اللغة الفرنسية التي كتب بها ابنها روايته الرائعة (تمثال الملح) وغيرها من بحوثه السوسيولوجية وأعماله الروائية.
وهي تتواصل مع محيطها القريب باللغة الشعبية التونسية أو اللغة العربية الرسمية.
وعلى التو تذكرت نفي الفيلسوف الفرنسي ذو الأصول اليهودية الجزائري المولد جاك ديريدا في كتابه (أحادية الآخر اللغوية).)
في أن تكون الفرنسية هي لغته الأصلية رغم أنه كتب بها مجمل كتبه النقدية والفلسفية.
وأنه " ذلك الشخص الذي منع في الجزائر من إيجاد منفذ إلى لغة أخرى غير الفرنسية كالعربية الدارجة أو العبرية والفصحى أو الأمازيغية " (20).).
ويضيف قائلا:
"أنا لا أملك إلا لغة واحدة ومع ذلك فهي ليست لغتي إنها لغة الآخر " (21).
هذا هو منطق الأحادية اللغوية التي عمل ديريدا على تفكيكها عبر لغة شعرية يهيمن عليها النفس النوسطالجي لمرابع طفولته بحي الأبيار بالجزائر العاصمة.
الأحادية المفروضة في نظره " من قبل الآخر وعبر سيادة الماهية الكولونيالية التي ما فتئت تسعى لإختصار اللغات المبنية على التعدد في بعد أحادي ميت " (22)، عبر ما يسميه (بهيمنة المتجانس).
وهي مفارقة وصيحة قريبة جدا من إعلان الروائي الجزائري مالك حداد بعد الإستقلال واستعادة السيادة الوطنية سنة 1962 التوقف عن الكتابة باللغة الفرنسية التي كتب بها كل أعماله الروائية والشعرية، عندما اعتبر أنه " مفصول عن وطنه بحاجز البحر الأبيض المتوسط بقدرما هو مفصول عنه بحاجز اللغة الفرنسية " (23).
الأمر الذي دفعه إلى نحت مفهوم جديد هو مفهوم (الجنسية الأدبية) تمييزا له عن (الجنسية القانونية) التي اعتبرها " ليست إجراء شكليا قانونيا وهي ليست من مهام المشرع بل من مهام المؤرخ " (24).
ولأن (المفاهيم أصدقاء الكتاب) على مايرى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز فسرعان ما انتقل هذا المفهوم (الجنسية الأدبية) إلى رواق النقد فوظفه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي في كتابه (في الكتابة والتجربة) الذي كرسه لدراسة الروية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية من منظور سوسيولوجيا الأدب مقرا بالفضل فيه لمالك حداد.
والغريب في الأمر أن هناك نقاد آخرون لا يترددون في استخدام هذا المفهوم (الجنسية الأدبية) من دون رده إلى مصدره الأصلي جهلا منهم به أو نسيانا متعمدا أو شيئا آخر أقرب إلى ما كان يسميه الفيلسوف الألماني نيتشة " النسيان المضاعف ".
وللحديث بقية والله الموفق.
***
قلولي بن ساعد / ناقد وكاتب جزائري
.....................
* ملاحظة المقال هو خطاطة أولية لكتاب قيد الإنجاز
إحالات
01) أنظر مقدمة محمد يحياتن لنص الترجمة العربية لكتاب (علم الإجتماع اللغوي) ص 05 / 06 منشورات دار القصبة الجزائر 2006
02) علم الإجتماع اللغوي لويس جان كالفي ترجمة محمد يحياتن ص 12 منشورات دار القصبة الجزائر 2006
03) الهويات والتعددية اللغوية قراءات في ضوء النقد الثقافي المقارن عز الدين المناصرة ص 13 منشورات دار مجدلاوي للنشر والتوزيع عمان 2004
04) الهويات والتعددية اللغوية قراءات في ضوء النقد الثقافي المقارن ص 08 / 09
05) الحداثة المعطوبة – عمار بلحسن – مجلة التبيين- ص 14 – العدد السابع – الجزائر 1993
06) نفس المصدر – ص15
07) أنتلجانسيا أم مثقفون في الجزائر- عمار بلحسن – ص177- دار الحداثة – بيروت- 1986
08) الرواية المغاربية تحولات اللغة والخطاب عبد الحميد عقار ص 13 منشورات شركة النشر والتوزيع المدارس الدار البيضاء 2000
09) الرواية المغاربية تحولات اللغة والخطاب ص 17
10) نفس المصدر ص 17
11) نفس المصدر ص 17
12) الوطن الأدبي للمستعمر ألبير ميمي ترجمة العربي ولد خليفة مجلة معالم المجلس الأعلى للغة العربية العدد03 ص 59 سنة 2010
13) رنين الحداثة بختي بن عودة ص 201 منشورات الإختلاف الجزائر 1999
14) بوجدرة الحرية هاجس الخمسين سنة من الممارسة الروائية اللغة سؤال قبل أن تكون غنيمة – واسيني الأعرج ضمن كتاب جماعي " شكرا رشيد " منشورات مهرجان وهران للفيلم العربي الجزائر 2015 ص 10
15) ثقافة المقاومة عند محمد أركون / فاطمة الحصي ضمن كتاب جماعي (ثقافة المقاومة) مجموعة من الباحثين ص 113/ إعداد وتقديم وحيد بن بوعزيز / منشورات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية / الجزائر 2016
16) س / ز / رولان بارت ترجمة محمد بن رافة البكري – ص 07 دار الكتاب الجديدة المتحدة / 2016
17) سياسات الضيافة شذرات من خطاب في الغيرية / رشيد بوطيب ص 07 منشورات توبقال الدار البيضاء الطبعة الأولى 2016
18) اليوميات شارل بودلير ترجمة آدم فتحي ص 64 منشورات دار الجمل / بغداد كولونيا 1999
19) المرجع نفسه ص 64
20) أحادية الآخر اللغوية / جاك ديريدا ترجمة عمر مهيبل ص 64 منشورات الإختلاف والدار العربية للعلوم الطبعة الأولى 2008
21) نفس المرجع ص 55
22) نفس المرجع ص 76
23) الأصفار تدور في الفراغ مالك حداد ترجمة أحمد منور ص 05 منشورات دار الألمعية الجزائر الطبعة الأولى 2012
24) الأصفار تدور في فراغ مالك حداد ص 56








