عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: الطفوله ومأزق الوعي

من ترويض الطفل إلى تحرير الإنسان

من أخطر ما يمكن أن نفعله بعقل طفل أن نجعل الخوف لغته الأولى، وأن نضع الموت والعذاب والنار في قلب أسئلته قبل أن نعلمه كيف يحب الحياة.

الطفل لا يحتاج في بدايات وعيه إلى عالم يطارده بالتهديد، بقدر ما يحتاج إلى عالم يفتح له نوافذه.

حدثوه عن جمال الشجرة، وعن دهشة السماء، وعن الموسيقى حين تتحول الأصوات إلى معنى، وعن الرسم حين يصبح اللون لغة، وعن الكتاب حين يصير نافذة إلى عوالم لم نعرفها بعد.

حدثوه عن الحب، لا بوصفه امتلاكا، وإنما باعتباره قدرة على أن يرى الإنسان إنسانا آخر دون أن يحاول ابتلاعه أو إلغاءه.

حدثوه عن التسامح والعفو، لأن الإنسان لا يصبح عظيما بعدد الذين يخافونه، وإنما بعدد الذين يستطيع أن يسامحهم دون أن يفقد كرامته.

حدثوه عن الصدق، لا لأن الكذب يجلب العقاب، بل لأن الحقيقة هي الطريق الأقصر إلى إنسان يستطيع أن يحترم نفسه.

حدثوه عن العدل، لأن العدل ليس مجرد قاعدة اجتماعية، بل هو الاعتراف بأن للآخر حقا في الوجود والكرامة مثلما لنا.

علموه كيف يرسم لوحة.. لا ليحفظ شكل الاشياء كما يراها الآخرون، بل ليكتشف كيف يراها هو. اتركوا يده حرة أمام الورقة، ودعوه يختار اللون الذي يشبه شعوره، والخط الذي يشبه خياله، والشكل الذي لم يوجد بعد إلا في ذهنه. لا تسألوه لماذا جعل السماء بنفسجية، أو لماذا رسم الشمس بلون غريب؛ فالفن يبدأ في اللحظة التي نكف فيها عن إجبار الخيال على تقليد الواقع. علموه أن اللوحة ليست اختبارا له إجابة صحيحة وأخرى خاطئة، وإنما مساحة حرة يمكن أن يخطئ فيها، ويمحو، ويعيد، ويجرب، ويكتشف

وعلموه أن الاختلاف ليس خطرا.

فأن يكون الآخر مختلفا في أفكاره أو ثقافته أو معتقده أو طريقته في الحياة، لا يعني أنه عدو، بل يعني أن العالم أوسع من زاوية نظر واحدة. الطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام الاختلاف، يكبر بعقل أكثر رحابة وأقل قابلية للتعصب.

أما حين يتحول الخطاب الموجه إليه إلى قائمة طويلة من الموت والعذاب والجحيم والنار الأبدية، فإننا لا نبني بالضرورة إنسانا أخلاقيا، وإنما قد نبني إنسانا يراقب خطواته خوفا من العقوبة، ويبحث عن النجاة أكثر مما يبحث عن الحقيقة.

والأخلاق التي تقوم على الخوف تظل أخلاقا هشة؛ لأن الإنسان قد يفعل الخير خشية العقاب، لكنه لا يصبح إنسانا أخلاقيا بالمعنى العميق إلا حين يحب الخير لذاته، ويرى في الرحمة قيمة، وفي العدل ضرورة، وفي الحرية مسؤولية.

ليس المقصود أن نخفي عن الطفل حقيقة الموت، فالموت جزء من الوجود، ولا يمكن بناء وعي ناضج على إنكار الحقيقة. لكن ثمة فرقا هائلا بين أن نعلم الطفل أن الموت حقيقة من حقائق الحياة، وأن نجعل الموت شبحا يطارده في كل لحظة.

فالطفل الذي يعيش محاصرا بالخوف قد يتعلم الطاعة لكنه قد يفقد السؤال.

وقد يتجنب الخطأ، لكنه قد يخاف التجربة.

وقد يبحث عن رضا الآخرين، لكنه لا يتعلم كيف يصنع ذاته.

والإبداع في جوهره يحتاج إلى مساحة آمنة للخطأ والتجريب والدهشة. ولا يمكن لعقل يرتجف باستمرار أمام العقوبة أن يحلق بعيدا في سماء الخيال.

لا تجعلوا الجحيم أول صورة يرسمها الطفل عن العالم، ولا تجعلوا الموت أول درس يتعلمه عن الحياة.

ازرعوا في روحه سؤالا، وفي قلبه محبة، وفي عقله حرية، وفي وجدانه جمالا.

علموه أن الحياة ليست امتحانا للرعب، وإنما فرصة للمعرفة والحب والإبداع؛ وأن قيمة الإنسان لا تقاس بحجم خوفه، بل بقدرته على أن يعيش بضمير حي، وأن يمنح العالم شيئا من النور الذي وجده في داخله.

لا تقتلوا في الطفل الإنسان باسم تربيته، ولا تطفئوا دهشة العالم في عينيه باسم الخوف من الآخرة.

لا نريد جيلا يرتجف أمام الحياة، بل جيلا يجرؤ على أن يسألها. لا نريد إنسانا تحركه السياط الخفية، بل إنسانا يقوده ضميره. لا نريد عقولا مغلقة أمام المختلف، بل أرواحا تتسع للإنسان أيا كان اختلافه.

لا تجعلوا الطفل يكبر وهو يظن أن الله يراقبه ليعاقبه، أو أن الحياة فخ، أو أن الآخر خطر، أو أن جسده عورة، أو أن عقله عدو يجب إسكات صوته. علموه بدلا من ذلك أن الضمير أعمق من الخوف، وأن الرحمة أسمى من العقوبة، وأن الإنسان أكبر من انتمائه، وأن قيمة الفكرة لا تأتي من قِدمها، وأن الحقيقة لا تخشى السؤال.

فإذا أردتم أن تبنوا إنسانا صالحا، فلا تبدأوا معه بالجحيم... ابدأوا معه بالحب. لا تعلموه كيف يخاف من النار، بل علموه كيف يكون نورا.

***

ابتهال عبد الوهاب

في المثقف اليوم