ان الهوس بالقوة والنفوذ يوقع الأشخاص في فخ المنظور الاحادي. القوة هي حول المنافسة والربح والخسارة. القيمة هي حول المبادئ الأخلاقية والعقائد التي ترشد السلوك والعلاقات. ان دراسة ديناميكيات القيمة – خلق وحماية القيم – يمكنها ان تغيّر المجتمعات والعوائل.
اما ديناميكيات القوة فقد أصبحت العدسة التي من خلالها يرى المؤلفون والتربويون والمؤيدون والسياسيون والمعالجون وشركاء العلاقة للعالم بشكل عام وللعلاقات بشكل خاص. واذا كان من المفيد إلقاء الضوء على ديناميكيات السلطة، يجب ان نكون واعين بان ذلك الضوء يخلق ظلالا. معظم التفاعلات الإنسانية تحدث في منطقة الظلال بين السلطة والقيمة.
تقليديا، مصطلح "ديناميكيات القوة" يشير الى النفوذ،السلطة، التحكم بالموارد، وتحديد سلوكيات معينة عبر صنع القوانين وتأسيس المعايير. في السنوات الأخيرة، اتّسع مفهوم القوة ليسيطر على ما يفكر ويشعر ويقول به الناس، وهذا يختلف كثيرا عن ديناميكيات القيمة.
تشير القيمة الى المبادئ الأخلاقية والمعتقدات التي ترشد وتوجّه الأفعال الفردية والعلاقات والقرارات. انها بوصلة داخلية تعكس ما يجده المرء هادفا وأخلاقيا وجماليا او هاما. ومع ان معظم الناس استعملوا المصطلح "قيمة" كإسم لكنه يُفهم أفضل كفعل. حين تقيّم يعني انك تعتبر شيئا ما او شخصا ما هاما، جدير بالتقدير، مهما كان الجهد والوقت والتضحية ضروريا للحفاظ عليه وحمايته. ديناميكية القيمة تتعلق بعملية خلق القيمة، والحماية، والتحطيم.
القوة هي حول المنافسة التي يحصل فيها رابحون وخاسرون. القيمة هي حول مبادئ الكرامة الإنسانية والانصاف. السعي نحو القوة عادة يُستغل من جانب الانا مما يؤدي الى تضخم مؤقت في تقدير الذات وتهيئتها الى انخفاض حتمي. الوفاء للقيم يربّي ويصون القيمة الذاتية. ان السعي للقوة يتجذر في الحاجة للآمان والاعتراف والتحكم بظروف الحياة. جانبه القبيح هو الرغبة في الهيمنة، عادة للحصول على الاحترام والاعجاب من الاخرين. الناس الذين يسعون للقوة يميلون الى الحقد اكثر من الرحمة.
في السعي للقيمة، نحن نوائم سلوكنا مع القيم الإنسانية الأساسية – الرعاية جيدة، الأذى سيئ. انها اكثر جوهرية وذاتية. الناس الذين يفضلون القيم هم عادة مندفعون بالشعور بالمسؤولية الأخلاقية، راغبون في المساهمة بالعالم بشكل هادف. هم عاطفيون اكثر مما هم حانقون.
الحفاظ على القوة هو أصعب من تحقيقها. اللاعبون يميلون للحفاظ على نفوذهم عبر بيع قيمهم على المكشوف. هذا لا ينجح ابدا لأن نفس أساليب القوة التي تحمل الأحزاب السياسية الى السلطة هي ذاتها التي تطردهم منها. وبالمثل، علاقات الشركاء عرضة لصراع القوة والذي عادة ما تستمر فيه علاقاتهم الثانية لفترة أقصر مما كانت عليه في علاقتهم الأولى.
التوتر بين القوة والقيمة يصبح واضحا عندما يتعارض السعي نحو احداهما مع السعي للاخرى. السعي نحو القوة يمكن ان يقود الى تنازلات ومساومات أخلاقية وعدم احترام للقيم الأخلاقية الأساسية. يمكن ان يقود الى الفساد والجشع والتباهي الذي يقوّض التقدم المجتمعي ورفاهية العائلة. يمكنه أيضا ان يؤدي الى تآكل الثقة والى انقسام اسري ومجتمعي.
الحقيقة الشائكة
ان العالم الذي يسوده التنافس من غير المرجح ان يزدهر عبر التركيز حصريا على القيم بدون النظر الى الحاجات البراجماتية للقوة. مع ذلك، تكتيكات القوة التي تجلب النجاح في العمل هي مدمرة لحياة العائلة. كلما زاد السعي للقوة في العمل، كلما قلّت القيمة التي نميل للشعور بها في المنزل.
القوانين والقواعد هي وسائل للقوة. انها غير ناجحة عندما تستهدف التفكير والمشاعر والكلام بدلا من السلوك. نحن نميل على الأرجح للامتثال للقوانين والقواعد التي تركز على سلوكيات معينة، حيث اننا ندرك الحاجة المجتمعية لها. محاولة السيطرة على ما يفكر او يشعر او يقوله الناس محكوم عليها بالفشل في المجتمع الحر. تخيّل رد فعلك العفوي عندما يخبرك شخص ما بما يجب ان تفكر او تشعر او تقول، ويحاول إحراجك في دفعك للتفكير والشعور والقول بطريقة أخرى.
فمثلا، في الخمسينات من القرن الماضي، حاول الدعاة والمشرعون في الشمال تغيير المواقف الداعية الى الفصل العنصري لسكان الجنوب. النتيجة كانت زيادة عامة في مواقف الفصل العنصري. ولكن عندما اصبح التكامل والاندماج قانونا، مجبرا السلوك على التغيير، أدى هذا الى تحسين المواقف المتعلقة بالتكامل .
ومؤخرا، كانت برامج التنوع والاندماج والمساواة DEI التي حاولت تغيير التفكير والمشاعر غير ناجحة، مقابل تلك التي اكدت على السلوك النزيه والمحترم. اللجوء الى القيم كان ناجحا في الحالات التي فشل فيها فرض القوة عن طريق الاحراج. التركيز على تغيير السلوك يؤدي الى تغيير في المواقف، ولكن ليس العكس. السعي نحو القيمة ينطوي على احترام حقوق الافراد في التفكير والشعور وقول ما يرغبون، وفي نفس الوقت يعترف بالمسؤولية الأخلاقية للنظر في تأثيرات سلوكنا على الاخرين.
السلوك المؤذي غير مسموح به، بينما حرية التفكير والشعور والكلام هي حقوق غير قابلة للتصرف.
السلطة والمسؤولية
الفايروس المختبئ الذي يصيب امتنا وعلاقاتنا هو فصل السلطة عن المسؤولية. نحن فقط جعلنا الموقف أسوأ عبر التأكيد على المساءلة. المسؤولية هي جوهرية وتحفيزية وجزء حيوي من القيم الاجتماعية والشخصية. انها تقودنا لعمل الشيء الصحيح. المساءلة هي خارجية، تُقاس بواسطة أحكام الاخرين. انها تفيدنا في تجنب القبض علينا.
على الصعيد الشخصي، المساءلة تشبه الانصاف – معيار نطلبه من الاخرين مع قلة الحافز للتمسك بمبادئنا. انه لا يعني اننا منافقون بوعي. بل فقط اننا لدينا ردود فعل خارجية عندما يكون الاخرون غير عادلين او مسؤولين، ولكن تقدير مدى انصافنا بدقة يتطلب تفكيرا معمقا وتقييما ذاتيا. نحن عمليا نحتاج الى رحلة استجمام في نهاية الأسبوع لتقييم مدى انصافنا الذاتي ومقدار المساءلة.
نحن يجب ان نكون قدوة لأطفالنا في عمر مبكر والتأكيد بان السلطة والمسؤولية لا ينفصلان. يمكننا انجاز هذا لو اعترفنا باننا نشعر أفضل حول أنفسنا عندما نكون مسؤولين ونكون قدوة لأطفالنا في تحمّل المسؤولية. السعي للقيمة يمكن ان يغيّر المجتمعات والعوائل. الانشغال بالسلطة يفكك الاسر ويستقطب المجتمعات.
***
حاتم حميد محسن
....................
Psychology today, August 22,2026








