نظرية (علامية الحرف) عند الميرزا محمد صادق التبريزي، هو الكتاب السادس الذي يصدر للدكتور عبد القادر لقاح، أستاذ النحو والصرف واللسانيات في جامعة محمد الأول بوجدة، عن دار الولاء ببيروت؛ حاول فيه أن يتناول بالدراسة نظرية (علامية الحرف) عند أحد كبار الأصوليين المسلمين هو الميرزا محمد صادق التبريزي.
انفرد الميرزا محمد صادق التبريزي (1273– 1351 هـ) من بين الأصوليين بنظرية علامية الحرف، وهي نظرية تبدو جديدة بالقياس إلى ما تواضع عليه الجمهور من نحاة وأصوليين.
يذهب الميرزا التبريزي إلى أن النحاة تسامحوا في تعريف الحرف، فجاءت تعاريفهم منقوصة ضعيفة، يقول: "وللناس في تعريفه تقريبات لا تخلو من ضعف وتسامح، والمنطبق على عين الواقع ما قاله الإمام علي (ع) من أن "الحرف ما أوجد معنى في غيره"1 ويعزو السبب في ذلك إلى أنهم لم يستهدوا بالرواية الشريفة عن أمير المؤمنين (ع) مهبط الوحي، ولو أنهم فعلوا لما وقعوا في تلكم الأخطاء، وليس هناك أجمعُ ولا أوفى في تعريف الحرف من قول أمير المؤمنين (ع): "والحرف ما أوجد معنى في غيره"، فهو "البيان الذي فوق بيان كل ذي علم"2
محل النزاع هو: هل يدل الحرف على معنى أولا يدل؟
يذهب الميرزا التبريزي إلى أن الحرف لا معنى له بل هو أشبه بالعلائم المنصوبة على الطريق، وأشبه بالسكين التي تُحْدث القطع أو بالسيف الذي هو آلة لإحداث القتل، وهذا هو ما يمكن أن نسميه بـــــ(فرضية العمل الرئيسة) في نظرية الميرزا التبريزي.
ورأي الجمهور أن الحرف يدل على معنى في غيره، فهو ليس خلوا من المعنى، ولكن معناه ليس مستقلا إذ إنه يحتاج إلى ضميمة حتى يُفهم معناه.
والجمهور وإن اختلفوا في توجيه عبارة: " ما دل على معنى في غيره"3، ولكنهم لم يختلفوا في إثبات دلالة الحرف على المعنى، وذلك بحكم أن الحرف موضوع وليس مهملا، والقول بأنه لا معنى له يجعل منه مهملا.
ولم يشذ عن ذلك نجم الأئمة رضي الدين الاستراباذي (ت 686 هـ) شارح الكافية الذي يحيل عليه كثيرا الميرزا التبريزي والذي يوهم كلامُه أن نجم الأئمة من القائلين بعلامية الحرف.
حول الفرضية والملاحظة
فرضية الميرزا التبريزي إذاً مخالفة لما استقر عليه رأي الجمهور من نحاة وأصوليين، ولا شك أنه من الناحية العلمية لا شيء يمنع -مبدئيا- من افتراض فرضية ما، وهي التي تسمى في الإبستيمولوجيا فرضية العمل التي ترفدها فرضيات مساعدة وتسمى ثانوية من شأنها تقوية فرضية العمل الرئيسة.
على أن الفرضية العلمية تبقى مجرد دعوى ما لم تقم عليها الأدلة والبراهين التي تثبتها وتنهض بها، وقد ثبت في فلسفة العلم أن العلم يبدأ بالفرضية كما قال كارل بوبر (KarlPopper)، على أن علمية فرضية ما تكمن في مقاومتها لتكذيب المعطيات لها، فكلما قاومت الفرضية تكذيب المعطيات لها أثبتت علميتها، وإذا عجزت عن ذلك ثبت فشلها.
والعلم يبدأ بالفرضية، والملاحظة لا يمكن إلا أن تكون موجهة نظريا theoretically oriented.
والفرضية يشترط فيها أن تكون ذات قوة تفسيرية عالية بحيث تكون قادرة على مقاومة تكذيب المعطيات لها، كما يشترط فيها أن تكون قادرة على التنبؤ بالمعطيات، وأن تخلو من التناقض، لأن التناقض دليل على تهافت الفرضية.
و"العالِم يضع قضايا أو أنساقا من القضايا، ثم يختبرها تدريجيا ... وبصفة خاصة يكون فروضا أو أنساقا من نظريات ويُجري عليها اختبارا عن طريق الملاحظة والتجربة"4.
وخلافا للاتجاه الوضعي يقرر كارل بوبر أن كل ملاحظة لا بد أن تجري في ضوء نظرية ما، بمعنى آخر فإنه لا وجود لملاحظات غير موجهة نظريا.
والعلم من هذا المنظور يتقدم من خلال سلسلة التكذيبات المتعاقبة على النماذج، وهكذا كان مسار العلم عبر التاريخ. أما كيف يبدأ الكشف العلمي، فيرى بوبر أن ذلك يتم عن طريق الحدس، وأغلب الكشوفات العلمية تمت عن طريق الحدس، والمعرفة الحدسية هي التي تتم بإدراك مباشر وبدون مقدمات أو جهد عقلي.5
وعلى النقيض من الاتجاه الوضعي، يرى بوبر أن العلم بحاجة نوعا ما إلى شيء من الميتافيزيقا، يقول الدكتور ماهر عبد القادر محمد علي: " النظرية العلمية عند بوبر لا بد وأن تفترض مسبقا تصورا ميتافيزيقيا محددا للطبيعة، لأن النظريات العلمية تتكون من قضايا كلية، وهذه القضايا هي ما نطلق عليه أحيانا قوانين الطبيعة laws of nature"6
وفي حديثه عن الفروض الفرعية يميز كارل بوبر بين الفروض المساعدة والفروض الموضعية ad hoc، والفروض الموضعية من عيوب الخطاب العلمي، وهي التي تعنى بملاحظة الجزئيات موضعيا أي بمعزل عن النسق الكلي، والعلم يُعنى بالقضايا الكلية لا الجزئيات، والعلوم "معنية باكتشاف القضايا الكلية الصادقة، وهذه العلوم تتقدم ابتداء من اختبار فروض كلية universal hypothesis، أو نظريات في مقابل قضايا شخصية".7
والنظرية العلمية هي القادرة على التنبؤ بفضل صمودها أمام مختلف المعطيات، الأمر الذي يُمَكِّنها من تعميم القانون الكلي على المعطيات المستجدة المماثلة.
هذا التصور جعل بوبر يقرر أن طريق العلم هو الاستنباط لا الاستقراء، وذلك لأن هدف العلم هو الوقوف على القضايا الكلية الصادقة.
وخلاصة القول إن العلم يبدأ بالفرضية لا بالملاحظة، لأن الملاحظة لا يمكن إلا أن تكون موجهة نظريا، والنظرية تتأسس على ما يُسمى فرضية العمل الرئيسة8، ثم عنها تتفرع فرضيات فرعية أو مساعدة تعمل على دعم فرضية العمل الرئيسة، ورفدها بما يمنحها منعة وقوة وقدرة على تفسير المعطيات والتنبؤ بها، كما يشترط فيها أن تسلم من آفة الموضعية وآفة التناقض.
من خلال هذا المنظور يتساءل الدكتور عبد القادر لقاح: هل استطاع الميرزا التبريزي أن يجعل من نظريته عن (علامية الحرف) مستوفية للشروط؟، وماهي فرضية العمل الرئيسة عنده؟ وهل استطاع رفدها بفرضيات مساعدة تقويها؟، وهل خلت نظريته من التناقض وسلمت من آفة الموضعية؟ وهل استطاعت مقاومة تكذيبات المعطيات لها ؟.
وقبل هذا وذاك هل تأويل الميرزا التبريزي لكلام الإمام علي (ع) وحمله على هذه النظرية صحيح لا مطعن فيه؟ ولماذا اختلف معه باقي الأصوليين فحملوه وجوها أخرى مخالفة ؟.
يرى الدكتور عبد القادر لقاح أن هناك احتمالين يفرضان نفسيهما في هذا الشأن:
الاحتمال الأول: أن كلام الإمام علي (ع) عن الحرف من قبيل المتشابه لا المحكم، وبالتالي يحتمل أكثر من وجه، وليس هذا الأمر بغريب، فقد قيل عن كتاب سيبويه إن فيه المحكم والمتشابه، ولهذا اختلف العلماء في تأويل بعض عبارات (الكتاب)9 ، قال أبو جعفر النحاس: " ورأيت عليَّ بن سليمان يذهب إلى غير ما قال ابن كيسان، قال: عمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخُطبِها وبلاغتها، فجعل فيه شيئا مشروحا، وجعل فيه مُشْتبها، ليكون لمن استيقظ ونظر فضل، وعلى هذا خاطبهم الله -عز وجل- بالقرآن"10
الاحتمال الثاني: أن تكون بعض المحامل التأويلية لكلام الإمام علي (ع) مرجوحة وغير سديدة.
هنا ينطلق الكاتب من مجموعة من الفرضيات:
الأولى: إذا افترضنا مع الميرزا التبريزي أن الحرف لا معنى له، أليس هذا الافتراض يجعل من الحرف مهملا، باعتبار أن اللفظ إما أن يكون دالا بالوضع أو لا، الثاني هو المهمل، وهو نحو (دَيْز: مقلوب زيد)، والمهمل هو الذي لم يوضع بإزائه معنى؟.
والثانية: إذا افترضنا أن الحرف لا يدل على معنى، وإنما يعين جهة استعمال مدخوله فقط -على حد تعبير الميرزا التبريزي-، ألا يفضي ذلك إلى استعمال اللفظ/ المدخول استعمالا مجازيا دائما وفي غير ما وضع له؟
والثالثة: إذا افترضنا مع التبريزي أن الحرف لا يدل على معنى، فكيف نحكم عليه بالجزئية أو الكلية، أليست الكلية والجزئية تابعتين لمعاني الألفاظ لا للألفاظ؟ وعطفا على ذلك كيف يمكن تصنيف الحروف -إذا كانت خلوا من المعنى- من جهة الوضع والموضوع له؟
هذه بعض الإشكالات الواردة على نظرية الميرزا محمد صادق التبريزي. فهل استوفى الميرزا التبريزي الإجابة عنها لتسويغ وجهة نظره، وتكذيب ما يرد عليها من اعتراضات؟
عرض أبواب البحث
قسم الباحث البحث إلى توطئة وأربعة فصول فخاتمة.
أما الفصل الأول فخصصه لعرض نظرية الميرزا التبريزي، ولأن الميرزا التيريزي يؤكد أن نظريته مستفادة من الرواية المأثورة عن أمير المؤمنين (ع) والتي تقسِّم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، فقد أفرد لكل قسم مطلبا خاصا، فكان الفصل تحته ثلاثة مطالب، استهل الباحث كل مطلب بذكر تعريف أمير المؤمنين (ع) ثم تأويل الميرزا التبريزي له بما يوافق نظريته، ولم يكتفِ بعرض آراء الميرزا التبريزي غفلا من التعليق، بل أورد عليها كلما اقتضى الأمر بعض الملاحظات مما يستدعيه المقام.
أما الفصل الثاني فأفرده الباحث للحديث عن أصول نظرية الميرزا التبريزي في التراث اللغوي، وفيه ذكر بعض مذاهب المتقدمين التي تتقاطع جزئيا مع نظرية الميرزا التبريزي، دون أن يعني ذلك أنها مطابقة لها، وقد نبه الباحث على بعض أوجه الشبه بين نظريته و ما ورد عند الشيخ عبدالقاهر الجرجاني، ونجم الأئمة الرضي الاستراباذي الذي يحيل عليه الميرزا التبريزي بوصفه من القائلين ب(علامية الحرف)، وهو أمر فيه نظر، وقد حقق الباحث المسألة، وأثبت خلاف ذلك، ثم عرج على أقاويل علماء الوضع في خصوص المعنى الحرفي، ونبه على أوجه الشبه بينها وبين نظرية الميرزا التبريزي، وكذا أوجه الاختلاف، فكان الفصل تحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول عن الميرزا التبريزي و عبدالقاهر الجرجاني، والمطلب الثاني عن الميرزا التبريزي والرضي الاستراباذي، والمطلب الثالث عن الميرزا التبريزي وعلماء الوضع.
أما الفصل الثالث فتم تخصيصه لإشكالية الوضع في الحروف عند الميرزا التبريزي، فنظريته ترد عليها جملة من الأمور من نحو أن عدَّهُ الحرف فارغا من المعنى يجعل منه داخل المنظومة النحوية من قبيل المهمل، والمهمل لا وضع له، كما أن الميرزا التبريزي يبدو متأرجحا بين رأيين في شأن الوضع في الحروف، فهو يجزم تارة أن الحروف لا وضع لها، ثم يعلن بعد ذلك أن الوضع فيها عام والموضوع له عام، فهل جمع الميرزا التبريزي بين المتناقضين في هذه المسألة أم أن كلامه يحتمل وجها آخر يرتفع معه التناقض؟، وجعل الباحث ضمن الفصل مطلبين: المطلب الأول عن علماء الوضع والوضع في الحروف، والمطلب الثاني عن الميرزا التبريزي والوضع في الحروف.
وأما الفصل الرابع فخصص لآراء الأصوليين النقدية في نظرية الميرزا التبريزي، فقد قوبلت نظريته بالرفض ورُمِيت بالضعف والفساد والتناقض، وانفرد من بينهم العلامة الفيلسوف الكبير محمد باقر الصدر الذي حملها وجهين: وجها باطلا، ووجها سديدا.
أخيرا ختم الباحث كتابه بالإشارة إلى أهم نتائج البحث وهي:
أن الميرزا التبريزي اقترح نظرية جديدة في الحروف مخالفة لما استقر عند النحاة وكذا عند الأصوليين، ولا غرابة بعد هذا أن يقول السيد محمد تقي الحكيم إن القول بأن الحرف لا معنى له لا نعرف له قائلا.
ولكن عدم ثبوت هذا الرأي عند المتقدمين ليس في حد ذاته مطعنا ونقيصة، فليست المزية للقديم من حيث هو قديم ولا للجديد من حيث هو جديد، بل المزية في الفكر من حيث اتصافه بالنسقية والانسجام والقوة التفسيرية والقدرة على التنبؤ بالمعطيات، وعدم الوقوع في التناقض.
إن نظرية الميرزا التبريزي بوصفها نظرية لا بد أنها تقوم على فرضية عمل رئيسة وفرضيات مساعدة تقوي فرضية العمل الرئيسة.
أما فرضية العمل الرئيسة عنده فهي أن الحروف لا معنى لها وإنما جيء بها لمجرد كشف وجوه وكيفيات مدخولاتها.
وأما الفرضيات الفرعية المساعدة فهي:
- أن الوضع يكون لما بإزائه معنى أي لما يحكي عن معانٍ ويحضرها، والحروف لا تحكي عن معان فلا وضع لها.
- أن ما يستقل بالمفهومية له وضع، وما لا يستقل بالمفهومية لا وضع له.
- أن الكلية والجزئية لا تجريان إلا على ما بإزائه معنى.
- أن الأسماء مفردة تكون مبهمة ومهملة، وأنها تحتاج لإتمام معانيها إلى الأدوات التي تنقلها من الإبهام إلى التخصيص، والأدوات صنفان: صنف له سنخ لفظي (وهو الحروف)، وصنف ليس له سنخ لفظي وهو (الإعراب والصيغ الاشتقاقية...)
- أن الحروف تقاس على السيف مثلا، فالسيف آلة لإحداث القتل، وكذلك الحروف آلات لإحداث خصوصية في مدخولاتها، فكما أنه لا يجوز أن يقال إن السيف معناه القتل، فكذلك لا يستقيم أن يقال إن (من) مثلا معناها الابتداء، وإنَّ (إلى) معناها الانتهاء، وإن (على) معناها الاستعلاء.
هذه أهم الفرضيات الفرعية المساعدة لفرضية العمل الرئيسة عند الميرزا التبريزي.
يقول الباحث إن الميرزا التبريزي وُفِّق على الأقل من الناحية المنهجية لأن يأتي بما يعضد نظريته ويدعمها؛ ويرى أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا هو:
هل استطاع الميرزا التبريزي أن يمنح نظريته قوة تفسيرية عالية بحيث تقاوم ما يرد عليها من تكذيب؟
أول ما يلاحظ على هذه النظرية أن ثمة ما يشبه التناقض فيها:
فهو يقول تارة إن الحروف لا معنى لها ولا توصف لا بالكلية ولا بالجزئية، لأن مدار الكلية والجزئية هو في ما بإزائه معنى يحكي عنه، ولأن الحروف ليس بإزائها معانٍ، فهي لا توصف لا بالكلية ولا بالجزئية، وإذا به تارة أخرى يقرر أن الوضع في الحروف من باب الوضع العام لموضوع له عام كما قال المتقدمون؟ وقد حاول الباحث أن يجد تخريجا لذلك بحيث يرتفع التناقض الظاهر بين قوله إن الحروف لا وضع لها وقوله إنها موضوعة وضعا عاما لموضوع له عام، ولكنه تأويل لا يخلو من ضعف وتحكم، لأن أقوال الميرزا لا تساعد على ذلك، فهو توجيه ظني، ولا سبيل لأن يرتفع معه التناقض المشار إليه بالضرورة، وهو: أن الحروف لا توصف بالكلية والجزئية ولا وضع لها، وأنها في نفس الوقت كلية وضعا وكلية من حيث الموضوع له، وجزئية استعمالا.
ثم إن تأويله لكلام أمير المؤمنين علي (ع): الحرف ما أوجد معنى في غيره، يبدو بعيدا ومتكلَّفا، فالإمام -سلام الله عليه- لم ينفِ المعنى عن الحرف، بل أثبته له، فالحرف ليس خلوا من المعنى في قول أمير المؤمنين (ع) لأنه يوجد المعنى في غيره، وإيجاد المعنى في غيره دليل على أنه يفيد معنى لا أنه فارغ من المعنى، يقول الدكتور مصطفى جمال الدين إن تعريف الإمام علي (ع) يتضمن أن للحرف معنى أيضا.
ثم إن قول الميرزا التبريزي إن الحرف فارغ من المعنى يجعل منه مهملا لا موضوعا، والمهمل ليس موضوع البحث العلمي، لأنه لا وضع له، والمهملات هذيانات على حد تعبير نجم الأئمة الرضي الاستراباذي.
وقد سلك الميرزا التبريزي لدعم نظريته مسلكا خاطئا عندما تصرف في كلام نجم الأئمة الرضي الاستراباذي بأن حذف منه كلمة (وحده) ليستقيم له الاستدلال بكلامه، ولا جرم أن حذف كلمة (وحده) يغير المعنى رأسا.
والقول إن الحرف يكشف عن وجه استعمال الاسم فقط لا بد مُفْضٍ إلى أن الأسماء لا تستعمل إلا مجازا، وهذا لا يقول به أحد، فإذا قيل إن كلمة (الدار) لها معنى عيني وتتضمن معنى الظرفية الذي يشير إليه الحرف(في)، فهذا معناه أنها استعملت مجازا، وهذا قول فيه ما فيه، وما قال به الرضي، لأن الرضي قال إن معنى الحرف مضمون لفظ غيره، فيكون اللفظ متضمنا للمعنى الذي أحدث فيه الحرف، مع دلالته على معناه الأصلي، على أن الرضي أردف قائلا إن هذا التضمُّن هو تضمن معنى لا يدل عليه لفظ المتضمن، بل الدال عليه لفظ آخر وهو الحرف، خلافا لتضمن لفظ (البيت) لمعنى الجدار.
ثم إن الميرزا التبريزي استعمل في كتابه (المقالات الغرية) عبارة معاني الحروف في أكثر من مورد في الكتاب، وهذا يناقض فرضية العمل الرئيسة التي بنى على أساسها نظريته وهي أن الحروف لا معنى لها، وقد حاول درء هذا التناقض بأنه من باب الاضطرار.
أخيرا يمكن القول إنَّ نظرية الميرزا التبريزي نظرية جديدة وجريئة، وحسبه أنها أثارت كثيرا من النقاش في الأوساط العلمية، وحفزت عددا من الباحثين على التنقيب والتحقيق.
***
عرض: ميلود لقـاح
.................
هوامش:
* دار الولاء، بيروت – 2023
1- المقالات الغرية ص:235
2- نفس المرجع ص: 252. اختلفت الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والرواية المشهورة التي تناقلتها مختلف المصادر القديمة هي قوله (ع) :" والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل"، والرواية الأخرى ذكرها الشريف الرضي في كتاب (الفصول المختارة من العيون والمحاسن ، ص:91 ونصها :"والحرف ما أوجد معنى في غيره"، وواضح أن الأصوليين الإمامية اعتمدوا الرواية الثانية، وإن تعددت تأويلاتهم لها.
3- راجع تفصيل ذلك في الباب الثاني من كتاب المؤلِّف (إشكالية المعنى الحرفي (الوجود الرابط) -
4- the logic of scientific discovery p 27 (نقلا عن " نظرية المعرفة العلمية ص:33)
5- نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصرين ص:184
6- نظرية المعرفة العلمية ص:34
7- -نظرية المعرفة العلمية ص: 34
8- فرضية العمل الرئيسة موجودة في كل النظريات الكبرى، ومنها مثلا فرضية بيولوجية اللغة ووجود نحو كلي مركوز فطرة في دماغ الإنسان عند شومسكي، وكل الفرضيات الأخرى فرضيات فرعية مساعدة الغرض منها تقوية فرضية العمل الرئيسة.
9- أثبتنا في كتابنا (إشكالية المعنى الحرفي: الوجود الرابط...) أن تعريف سيبويه للحرف متشابه وحمال أوجه، ولهذا وقع الخلاف في توجيه كلامه.
10- حواشي كتاب سيبويه (1/24)








