أثار صدور كتاب "وعّاظ السلاطين" منذ أول طبعة له عام 1954، جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والدينية، أخذ أشكالاً عدّة في ردود الأفعال. لم يكن مؤلفه عليّ الوردي حينها منشغلاً بظاهرة تاريخية تخص العصور الإسلامية وحدها، بل كان يحاول الكشف عن آلية اجتماعية تتكرر في العلاقة مع السلطة. كان مهتماً بتناول أحداث التاريخ بإطار تحليلي يعتمد فيه مفاهيم علم الاجتماع الحديث.
باختصار، يمكننا تعريف " وعاظ السلاطين" بوصفه مصطلحاً يطلق على رجال الدين الذين يسخّرون علمهم وفتاواهم لخدمة الحكّام لتبرير سياستهم الاستبدادية.
لم ينتقد عالم الاجتماع الوردي "الواعظ" لأنه رجل دين، إنما لأنه يتحول إلى أداة لتبرير العنف، وتزييف الوعي، وإضفاء الشرعية على الظلم. كان صاحب الجواري، يقول الوردي: يحرص كل الحرص على عفاف جواريه، يقيم الأسوار حولهنّ، لئلا يطمع أحد الفقراء فيختطف منهنّ نظرة، كان الوعاظ إلى جانب صاحب الجواري في شدّته على مراقبة المرأة، لأنهم مرتزقة يعيشون على ما ينفقه عليهم. يدعون إلى عدم النظر إلى المرأة، ربما أراد بذلك القول: لا تنظر إلى جواري غيرك. (وعاظ السلاطين ص12).
يروى أن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان يتنزه ذات يوم، فسمع صوتاً يغني من بعيد، كان الصوت رخيماً مطرباً، فغضب الخليفة منه إذ اعدّه خطراً على عفاف النساء وسبباً من أسباب إغرائهن وإفسادهن، فأمر بخصاء المغني، وفعل ذلك بلا تردد.
أحسب أن الوعّاظ يفرحون لهذه القصة ـ كما يقول الوردي ـ فهم يرون هذا غِيرة على الأخلاق، ولعلهم يودّون ان يكون هذا منهجا لـ "حكومتنا الجليلة" فتخصي المغنين (وعاظ ص14).
بعد أكثر من سبعين عاماً على صدور الكتاب، تبدو أفكار الوردي وكأنها تستعيد حياتها في فضاء جديد هو الفضاء الرقمي، حيث لم يعد السلطان يجلس دائماً على العرش، بل أصبح يمتلك جيوشاً الكترونية، ومؤثرين، وصنّاع محتوى، ووعاظاً جدداً يبررون الخراب بلغة حديثة، يصنعون وهماً جماعياً يصعب مقاومته.
كان الوردي يرى أن المجتمع العراقي يعيش صراعاً دائماً بين منظومتين من القيم، الأولى بدوية تمجّد العصبية والجاه والمباهاة، والثانية مدنية تدعو إلى العقل والعمل والنظام. وقد شرح هذه الثنائية في أكثر من مؤلف، ولا سيما في "دراسة طبيعة المجتمع العراقي"، حيث أوضح أن الإنسان العراقي كثيراً ما يتأرجح بين القيم المتناقضة، فيرفع شعارات الفضيلة بينما يمارس نقيضها في الواقع.
غير أن مفهوم الجّاه الاجتماعي الذي تحدث عنه الوردي لم يعد اليوم يقاس بعدد الضيوف في الديوان، أو سعة الولائم، أو عراقة النسب، بل انتقل إلى فضاء افتراضي تحكمه خوارزميات المنصّات الرقمية. أصبح عدد المتابعين والمشاهدات والاعجابات معياراً جديداً للمكانة الاجتماعية، وهكذا تحولت الرغبة القديمة في التفاخر إلى سباق محموم نحو الشهرة الرقمية، حتى لو كان ثمنها تزييف الواقع أو افتعال الفضائح.
ليس الاستعراض الرقمي مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً في بنية القيم الاجتماعية نفسها. فالإنسان لم يعد يكتفي بأن يكون ناجحاً، وإنما أصبح مضطراً إلى عرض "نجاحه" بصورة متواصلة. ولم يعد الجمال قيمة طبيعية، بل مشروع استثماري يخضع لعمليات التجميل، وحقن "الفيلر"، والفلاتر الرقمية، وإعادة تشكيل الملامح بما يتوافق مع ذوق السوق الإلكتروني. إننا أمام ثقافة لا تبيع الجسد وحده، إنما تبيع الوهم أيضاً.
لكن الوجه الآخر لهذا الاستعراض أكثر قتامة. فخلف الصور اللامعة، والابتسامات المصطنعة، يقبع مجتمع شديد القسوة، مستعد لأن يتحول إلى محكمة الكترونية خلال دقائق. فحملات التشهير، والتنمر، والإلغاء، والابتزاز النفسي، وتحطيم السمعة، أصبحت ممارسات يومية في الفضاء الرقمي. وهذا السلوك لا يمكن تفسيره بثنائية البداوة والحضر التي درسها الوردي، لأنه يمثل ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ "الهمجية الإلكترونية"، وهي حالة تتراجع فيها الضوابط الأخلاقية أمام شعور زائف بالإفلات من المسؤولية، فيمارس الفرد عنفاً لفظياً ورمزياً لم يكن ليجرؤ على ممارسته في الواقع المباشر.هذا العنف في أحد أشكاله يتمثل بلغة مشحونة بالعدوانية، والشتيمة أحياناً، واستخدام المفردات البذيئة، تصل إلى حد التباهي بهذه (اللغة) من دون تردد، ما دام هناك جمهور يصفّق للتردي ويمنحه شرعية الحضور، ليكون أداة للتجريح والقمع.
لقد كان الوردي يهاجم الواعظ الذي يطالب الناس بالزهد بينما يعيش في ظل السلطان ويتمتع بعطاياه. أما اليوم فقد توسعت دائرة الوعظ حتى خرجت من المنابر إلى الشاشات الصغيرة. فهناك وعاظ سياسيون، وإعلاميون، وأكاديميون، ومؤثرون رقميون، يقدمون أنفسهم بوصفهم حراساً للقيم، بينما يقومون فعلياً بتجميل الفساد، وتبرير الفشل، وإقناع الجمهور بأن الخراب إنجاز، والنهب ضرورة، والفساد قدر لا يجوز الاعتراض عليه. هؤلاء يتناسون أن صوت المثقف لا يعلو على أصوات الآخرين، بل يفسح في عقله مكاناً لاحتمال أن يكون الآخر مصيباً. فالحقيقة لا تحتاج إلى الشتيمة كي تدافع عن نفسها، والفكرة الواثقة لا تخشى السؤال.
إن أخطر ما في هؤلاء أنهم لا يكتفون بتبرير الفشل، بل يعيدون تشكيل الوعي الجمعي بحيث يصبح الباطل مقبولاً، ويبدو الاعتراض فعلاً مشبوهاً. وهنا تتجلى راهنية كتاب "وعاظ السلاطين" فالوردي كان يرى أن الواعظ أخطر من الحاكم أحياناً، لأن الحاكم يمارس القوة المادية، أما الواعظ فيمنح تلك القوة شرعية أخلاقية. ومن دون هذا الغطاء الأخلاقي تفقد السلطة كثيراً من قدرتها على الاستمرار.
وإذا كان وعّاظ الأمس يعتمدون على النصوص الدينية والتأويل الانتقائي، فإن وعاظ اليوم يستخدمون أدوات أكثر تأثيراً: الصورة، والمقطع القصير، و"الهاشتاغ"، والخوارزمية، والذباب الألكتروني. إنهم لا يصنعون الرأي العام بالحجّة، بل بالإغراق الإعلامي والتكرار والانفعال، حتى يغدو الكذب أكثر تداولاً من الحقيقة.
من المفارقات المؤلمة، أن المثقف الذي كان الوردي يأسف لضعف تأثيره، أصبح اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى. فالفضاء الرقمي لا يكافئ المعرفة العميقة، بل يكافئ الإثارة والسرعة والانفعال. ولذلك تراجعت مكانة الباحث والأكاديمي والكاتب الجاد، في مقابل صعود مؤثرين لا تنقصهم الثقافة، لكنهم يمتلكون دعماً سياسياً أو مالياً أو إعلامياً ومعنوياً، يجعل أصواتهم أعلى من أصوات أهل الاختصاص.
وهكذا لم يعد الذوق العام يُصنع في الجامعات أو المؤسسات الثقافية، بل في المنصّات الرقمية التي تحددها معايير الانتشار لا معايير القيمة. وسلطة لا تستند إلى المعرفة، وإنما إلى عدد المتابعين، لا تقيس الحقيقة بالبرهان، بل بعدد المعجبين.
الأخطر من ذلك أن بعض وعاظ العصر لا يدافعون عن السلطة بدافع القناعة، وإنما بدافع المنفعة الشخصية، مهما كانت بائسة. إنهم يعرفون الحقيقة، لكنهم يقدمون نقيضها، لا لأنهم مخدوعون، بل لأنهم يدركون أن تزوير الوعي أقصر الطرق إلى النفاق في تحقيق المكاسب والامتيازات الشخصية. قد يكون ثمن هذا الولاء في أحيان كثيرة متواضعاً، أو اللاشئ، الأمر الذي يكشف هشاشة الضمير أكثر مما يكشف قوة السلطان.
العودة إلى علي الوردي اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل إلى منهج نقدي قادر على تفسير تحولات المجتمع. فالوردي علّمنا أن أخطر الأمراض الاجتماعية ليست تلك التي تعيش في الشارع وحده، إنما التي تسكن العقول، وتتخفى وراء الأقنعة الأخلاقية. وإذا كان وعّاظ السلاطين في الماضي قد أسهموا في إدامة الاستبداد، فإن وعّاظ المنصّات يسهمون اليوم في إنتاج استبداد جديد، يقوم على الشهرة الزائفة، وصناعة الوهم. ومصادرة الرأي.
لعل المهمة الأكثر إلحاحاً أمام المثقف المعاصر تتمثل في استعادة وظيفة النقد، وإحياء العقل، وكشف آليات التضليل الجديدة. فالمجتمعات لا تنهار حين ينتصر الجهل فقط، وإنما تنهار عندما يصبح الكذب فضيلة، ويغدو تزييف الحقيقة عملاً بطولياً، ويتعالى التصفيق لمن يزكّي القبح، أكثر من الإصغاء إلى من يكتشفه.
***
د. جمال العتابي








