عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: لماذا نحب أن نبدو مثاليين على مواقع التواصل الاجتماعي؟

الوجه الجميل.. والحقيقة المخفية خلف الشاشة وستائرها

في عصر التواصل الرقمي، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى مساحات لعرض الذات، وبناء الهوية، وتشكيل صورة ذهنية إيجابية لدى الآخرين. إذ يحرص المستخدمون على نشر صورهم في أبهى حلة، ومشاركة أكثر لحظاتهم نجاحاً وسعادة، وإبراز إنجازاتهم، متجاهلين في الغالب إخفاقاتهم أو مشاعرهم السلبية؛ وكأن الجميع يعيش حياة مثالية تفيض بالكمال والجمال. ولا يعكس هذا المشهد الرقمي حقيقة الواقع بجميع جوانبه، بل يجسد رغبة إنسانية عميقة في الظهور بأفضل صورة ممكنة.

يرتبط هذا السلوك بحاجات بشرية أساسية، كالسعي للقبول الاجتماعي والانتماء؛ فالإنسان بطبعه يتوق إلى التقدير، وقد وفرت مواقع التواصل مؤشرات مباشرة لذلك عبر الإعجابات والتعليقات. فعندما يحصد الفرد استحسان الآخرين وتفاعلهم، يتعزز لديه الشعور بالقبول وتقدير الذات، مما يمنحه شعوراً بالرضا يدفعه لتكرار السلوك نفسه، مع زيادة العناية بانتقاء ما ينشره ليظل دائماً في صورة مشرقة وجذابة.

إن منح مواقع التواصل الاجتماعي الأفراد قدرة فائقة على إدارة الانطباع الذي يتركونه لدى الآخرين؛ فبينما تتعدد جوانب الشخصية في الحياة اليومية ما بين إيجابي وسلبي، يتيح العالم الرقمي للفرد انتقاء ما يعرضه بدقة وراحة تامة. وبإمكانه تسليط الضوء على لحظات الفرح والإنجاز، متجاهلاً ضغوط الواقع ومشكلاته، ومظهراً الثقة حتى في أوقات الشك. وهكذا، يتحول الحساب الشخصي إلى مساحة مصممة بعناية لتعكس نسخةً مثاليةً من الذات، تختلف عن الواقع المليء بالتفاصيل المعقدة.

وتلعب المقارنة الاجتماعية دوراً محورياً في تعزيز هذا الميل نحو المثالية؛ فالمستخدم يواجه يومياً صوراً لحيوات تبدو مثالية، من سفر وإنجازات وعلاقات ناجحة، ما يدفعه لمقارنة واقعه بما يراه، فيتولد لديه شعور بعدم الكفاءة أو الدونية. وأمام هذا التحدي، يجد الفرد نفسه بين خيارين: إما الانكفاء على الذات والشعور بالمعاناة والأصابة بالإحباط، أو الانخراط في الدائرة ذاتها بمحاكاة تلك الصورة المثالية وإخفاء الجوانب الواقعية أو الصعبة من حياته، مما يخلق حلقة مفرغة من المثالية الزائفة التي يظن كل طرف أنها الحقيقة الكاملة لدى الآخرين.

فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة لتشكيل هوية رقمية قد تختلف عن الواقع؛ إذ يقدم الفرد نفسه بصورةٍ أكثر ثقة ونجاحاً وسعادة، متخذاً من هذه الهوية وسيلة لرسم الصورة التي يطمح إليها. وفي حين قد تكون هذه الهوية امتداداً إيجابياً للذات، فقد تمثل أحياناً محاولة لتعويض شعورٍ داخلي بالنقص أو عدم الرضا. ومع مرور الوقت، قد يتحول الحفاظ على هذه الصورة المثالية إلى عبءٍ نفسي، لا سيما حين تتسع الفجوة بين الواقع والحياة الرقمية التي يتبناها الفرد، متجاهلاً الحقائق القاسية التي يعيشها في داخله.

كما يعزز التفاعل السريع عبر هذه المنصات الميل نحو المثالية؛ فكل إعجاب أو تعليق إيجابي يمنح المستخدم شعوراً فورياً بالرضا، مما يدفعه إلى تكرار هذا النمط ونشر محتوى مشابه لجذب المزيد من التفاعل، لتصبح المثالية الرقمية سلوكاً متكرراً يسعى من خلاله الفرد إلى تعزيز صورته ونيل القبول الاجتماعي.

ورغم أن الظهور بصورة جميلة قد يبدو أمراً طبيعياً، إلا أن الإفراط في المثالية الرقمية قد يؤدي إلى آثار نفسية غير مرغوبة، وقد تكون لها تبعات مؤلمة، وربما تصبح مرضية تشوبها غياب الصدق في الأفكار والمشاعر والمواقف السليمة. فقد يشعر الفرد بضغط مستمر للحفاظ على صورته المثالية، أو بالقلق من انخفاض التفاعل، أو بعدم الرضا عن حياته الواقعية مقارنة بما يعرضه الآخرون. كما قد تتشكل لدى المتابعين تصورات غير واقعية عن الحياة، فيعتقدون أن السعادة الدائمة والنجاح المستمر هما القاعدة، بينما الحقيقة أن الحياة مزيج من لحظات القوة والضعف، النجاح والتعثر والفشل، الفرح والتحدي، الفقر والغنى، الجهل والتعلم، الصواب في الفعل والممارسات والأخطاء التي قد تحدث. فالمرء يعيش ما بين نقيضين لا مفر منهما، لحظات إقبال وإدبار، مد وجزر، وهكذا الحياة الواقعية تحتم علينا الصدق وإظهار المواقف مهما كانت مؤلمة أو جارحة.

إن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعكس الواقع الكامل، بل تعكس جزءاً من الحقيقة والانتقاء بعناية من حياة الأفراد والجماعات. لذلك فإن فهم هذا الأمر يساعد على التعامل مع هذه المنصات بوعي وفهم أكبر، ويخفف من ضغط المثالية الرقمية. فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يكون مثالياً دائماً، بل يحتاج إلى أن يكون صادقاً ومتوازناً وشفافاً وواضحاً مع نفسه وربما غيره في أحيان كثيرة، وربما لو تحدث عن مشكلة يعاني منها أو موقف أخفق فيه أو ضائقة ألمت به، قد يجد من يدعمه ويناصره ويقف في صفه وبجواره، وربما يكون الأجمل في العالم الرقمي ليس الكمال المصطنع، بل الإنسانية الحقيقية التي تعترف بأن الحياة ليست مثالية، لكنها حقيقية بما تحمله من تجارب ومعانٍ مهما كان وزنها ومقدار النجاح أو الإخفاق فيها. فهذه سنة الحياة وطبيعة البشرية ما بين الصواب والخطأ، وما بين التوفيق والنجاح وما بين فقدانه أو الوقوع في المطبات والعثرات.

***

د. أكرم عثمان

13-4-2026