المقدمة: يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً بنيوياً عميقاً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، يتمثل في انتقال مركز الثقل من إنتاج السلع المادية إلى إنتاج وتداول المعلومات والبيانات. وفي قلب هذا التحول، برز مفهوم "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy) كإطار تحليلي يلتقط جوهر التحولات الرأسمالية المعاصرة. ففي ظل الوفرة غير المسبوقة للمعلومات، لم يعد الانتباه البشري مجرد عملية نفسية فردية، بل أصبح مورداً اقتصادياً نادراً، وسلعة قابلة للتداول، وميداناً للصراع الاجتماعي.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل نقدي موسع لاقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية، باعتبارها منهجاً تحليلياً يربط بين البنى الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية والوعي الفردي والجماعي. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن اقتصاد الانتباه ليس مجرد تطور تقني محايد، بل هو تجسيد معاصر لمنطق رأس المال في استيعاب مجالات جديدة من الحياة البشرية وتحويلها إلى مصادر للقيمة والربح.
وتتوزع الدراسة على ستة محاور رئيسية: أولاً، تعريف اقتصاد الانتباه وتحديد أهميته في سياق الاقتصاد الرقمي الحديث؛ ثانياً، تحليل تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية والرقمية على سلوك المستهلكين؛ ثالثاً، دراسة العلاقة بين الانتباه والموارد الاقتصادية؛ رابعاً، استعراض النظريات الاجتماعية المرتبطة، مع التركيز على المادية التاريخية؛ خامساً، تقديم أمثلة من الدراسات السابقة؛ وأخيراً، مناقشة التحديات الأخلاقية والاجتماعية.
1. الفصل الأول: تعريف اقتصاد الانتباه وأهميته في الاقتصاد الرقمي
النشأة التاريخية للمفهوم
يُعد هربرت أ. سايمون من أبرز المؤسسين الأوائل للإطار النظري الذي أصبح يُعرف لاحقًا باقتصاد الانتباه وهو عالم في السايكولوجيا وفي الاقتصاد وحائز على جائزة نوبل، و طرحه في أواخر الستينيات من القرن العشرين [1]. وقد لاحظ سيمون أن الانتباه يمثل "عنق الزجاجة في الفكر البشري" (the bottleneck of human thought)، إذ يحد من قدرتنا على إدراك البيئات المحفزة وما يمكننا القيام به. وقد صاغ سيمون مقولته الشهيرة: "ثروة من المعلومات تخلق فقراً في الانتباه" (a wealth of information creates a poverty of attention)، وهي المقولة التي لخصت الإشكالية المركزية لعصر المعلومات.
وفي عام 1997، حذر الفيزيائي النظري مايكل غولدهابر (Michael Goldhaber) من أن الاقتصاد الدولي يتحول من اقتصاد قائم على المواد إلى اقتصاد قائم على الانتباه، مشيراً إلى الخدمات العديدة التي تُقدم مجاناً عبر الإنترنت. وقد تطور هذا المفهوم لاحقاً على يد باحثين مثل دافينبرت وبيك (Davenport & Beck) في كتابهما "اقتصاد الانتباه: فهم القيمة الجديدة للأعمال" (2001)، حيث تم تعريفه بأنه "نهج لإدارة المعلومات يتعامل مع الانتباه البشري باعتباره سلعة نادرة، ويطبق النظرية الاقتصادية لحل مشكلات إدارة المعلومات".
التعريف الاصطلاحي والخصائص
يمكن تعريف اقتصاد الانتباه بأنه "نموذج اقتصادي يهدف إلى كسب انتباه متلقي الرسالة الإعلامية والاتصالية لتحقيق مكاسب استراتيجية". ويقوم هذا النموذج على افتراض أساسي مفاده أن الانتباه البشري مورد محدود وشحيح في بيئة تتسم بالوفرة اللانهائية من المحتوى والمعلومات.
ويتميز اقتصاد الانتباه بالخصائص التالية:
الانتباه كسلعة شحيحة. في اقتصاد الانتباه، يُنظر إلى التركيز الذهني البشري باعتباره "سلعة شحيحة وغاية تسعى الممارسات الرقمية للاستحواذ عليها". وخلافاً للموارد المادية التي يمكن زيادتها، فإن الانتباه البشري محدود بطبيعته البيولوجية.
الانتباه كعملة. في هذا الاقتصاد، لا يُقاس الانتباه كمورد فحسب، بل يُعد "عملة" يتم تداولها. عندما يستهلك المستخدم محتوى "مجانياً"، فإنه في الواقع "يدفع" بانتباهه، ويصبح هو نفسه "المنتج".
المنافسة على الوقت والتركيز. لم تعد المنافسة الاقتصادية تدور حول المال فقط، بل "حول الوقت والتركيز الذهني". وكل ثانية يقضيها المستخدم على منصة ما تمثل قيمة اقتصادية للشركة المالكة لها.
القياس والتنبؤ بالانتباه. مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم يعد الأمر يقتصر على شراء الانتباه، بل أصبحت الشركات قادرة على "قياسه، والتنبؤ به، وتوجيهه، ثم إنتاج المحتوى المصمم خصيصاً" لجذبه.
الأهمية في الاقتصاد الرقمي
تتجلى أهمية اقتصاد الانتباه في كونه يقدم إطاراً تفسيرياً لفهم العديد من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. ففي عصر الوفرة المعلوماتية، لم يعد السؤال الأهم "من يملك المعلومات؟"، بل أصبح السؤال المُلح: "من يستطيع أن يقرر أي جزء من هذه المعلومات سيصل إلى الإنسان، وفي أي لحظة، وبأي ترتيب، وبأي صيغة؟".
وتظهر الأهمية الاقتصادية لاقتصاد الانتباه في حجم الاستثمارات الضخمة التي تخصصها كبرى الشركات الرقمية لتطوير خوارزميات التوصية وتصميم واجهات المستخدم. فقد طورت شركة "ميتا" نموذجاً أساسياً ضخماً لتوصية الإعلانات يعمل على نطاق يقترب من النماذج اللغوية الكبيرة، مستفيداً من تاريخ التفاعل وخصائص المحتوى لتحسين التوصية.
2. الفصل الثاني: تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية والرقمية على سلوك المستهلكين
آليات التأثير الخوارزمي
تعتمد منصات الإعلام الاجتماعي على خوارزميات متطورة تُعطي الأولوية للمحتوى الذي يحقق أعلى معدلات التفاعل. ونتيجة لذلك، "تمنح هذه الخوارزميات المحتوى المثير للجدل أو الصادم فرصاً أكبر للانتشار". وهذا يدفع صناع المحتوى إلى البحث عن أساليب تجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدات، بهدف تحقيق عوائد مالية من الإعلانات والبث المباشر والهدايا الرقمية.
وقد أظهرت الدراسات أن الإفراط في استخدام الشاشات وتعدد المهام المستمر يرتبط بانخفاض دقة الانتباه وبطء الاستجابات الذهنية، خاصة بين الشباب. كما أن المنصات مثل تيك توك تُعرف بتقصير مدى الانتباه وتعزيز أعراض الإدمان مثل الخوف من فوات الشيء (FOMO) والتصفح القهري للأخبار السلبية (doomscrolling).
إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك
يعمل اقتصاد الانتباه على إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك بطرق متعددة. فكلما أطال المستخدم بقاءه على تطبيق ما، زادت فرصة الشركة لتحقيق الأرباح من الإعلانات، وبيع بيانات الاستخدام، والتأثير على القرارات الشرائية. ويشير المختصون إلى أن "التحكم في الانتباه يمثل الحد الفاصل بين النيات والسلوك الفعلي؛ حيث أن ما يشكل فكر الفرد وتوجهاته ليس ما يقول إنه يهتم به، بل ما يمنحه تركيزه ووقته الذهني بانتظام".
وقد أدى التدفق المعرفي المتواصل وسيكولوجية التواصل الاجتماعي إلى تقليص مساحة التركيز الذهني العميق، مما جعل هذا الأخير "ميزة تنافسية نادرة في سوق العمل والاقتصاد الحديث". وتشير الدراسات إلى أن متوسط مدة انتباه الفرد انخفضت إلى ما بين 19 و47 ثانية فقط.
التصميم المُدمن والاقتصاد السلوكي
يستند اقتصاد الانتباه إلى مبادئ الاقتصاد السلوكي وعلم النفس المعرفي. فقد طورت شركات التكنولوجيا استراتيجيات "لتشغيل أنظمة المكافآت في الدماغ بغرض التلاعب بالناس لقضاء أكبر وقت ممكن على منصاتها". وتستند هذه الاستراتيجيات إلى حد كبير إلى علم النفس الخاص بالتحيزات المعرفية البشرية.
وتشير شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff) في مفهومها لـ"الرأسمالية السرطانية" (surveillance capitalism) إلى أن "التجارب الإنسانية أصبحت مادة خام مجانية للممارسات التجارية الخفية للاستخراج والتنبؤ والبيع". وهذا يعني أن المنصات لا تكتفي بجذب الانتباه، بل تحوله إلى بيانات تُستخدم للتنبؤ بالسلوك وتوجيهه.
3. الفصل الثالث: العلاقة بين الانتباه والموارد الاقتصادية
الانتباه كمورد نادر
في النظرية الاقتصادية التقليدية، يُعرَّف الاقتصاد بأنه "دراسة كيفية تخصيص الموارد الشحيحة". وفي عصر الوفرة المعلوماتية، يبرز السؤال: ما هو المورد النادر حقاً؟ والجواب الذي يقدمه اقتصاد الانتباه هو أن "المورد الأكثر ندرة قد يكون القدرة البشرية على الانتباه والاختيار وسط وفرة لا نهائية من المحتوى والقرارات".
وهنا يظهر تمييز جوهري: ففي الاقتصاد التقليدي، كانت الندرة تتعلق بالموارد المادية؛ أما في اقتصاد الانتباه، فالندرة تتعلق بالقدرة الإدراكية البشرية. وهذا التحول له implications عميقة على فهمنا للقيمة والتبادل والاستغلال.
تكلفة الفرصة البديلة للانتباه
من المفاهيم الاقتصادية المركزية التي تنطبق على الانتباه مفهوم "تكلفة الفرصة البديلة" (Opportunity Cost). فإذا كانت تكلفة الفرصة البديلة في النظرية الاقتصادية تمثل "قيمة البديل الضائع عند اتخاذ قرار معين"، فإنها في اقتصاد الانتباه "تتمثل في الأنشطة الأخرى التي كان يمكن للمستخدم القيام بها مثل العمل، أو التفاعل الاجتماعي الحقيقي، أو القراءة، أو ممارسة الرياضة".
وقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت في The Economic Journal أن الأفراد يواجهون "مقايضة أساسية بين الاستمتاع بالاستهلاك الحاضر ومعالجة المعلومات"، وكلاهما يتطلب انتباهاً محدوداً. ووجدت الدراسة أن الاستهلاك الحاضر المرتفع يقلل الطلب على المعلومات حول النتائج المستقبلية المحتملة، ويزيد الاستعداد للدفع مقابل تخفيف المخاطر. وهذه النتائج لها دلالات مهمة لفهم "اقتصاد السياسة للتشتيت"، إذ قد يلجأ الفاعلون السياسيون إلى "الخبز والملاهي" لكبت الطلب على المعلومات.
التأثير على القرارات الاقتصادية
يؤثر اقتصاد الانتباه على القرارات الاقتصادية على مستويين: المستوى الفردي والمستوى المؤسسي.
على المستوى الفردي، يعمل التصميم المُدمن للمنصات على تقويض القدرة على اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة. ويشير جيمس ويليامز في كتابه Stand Out of Our Light إلى أن "القصف المستمر للمحفزات والتلاعب يقلل من قدرة المستخدمين على الاستقلالية".
على المستوى المؤسسي، أصبح الانتباه مورداً استراتيجياً للشركات. ففي بيئة العمل الحديثة، لم يعد الحصول على المعلومة يمثل نقطة تفاضل، بل أصبحت "القدرة على التعمق في المعرفة، وطرح الأسئلة الجوهرية، وتحليل التناقضات" هي المقياس الحقيقي للإنتاجية. وقد أظهرت الدراسات أن "التنقل المستمر بين المهام يترك جزءاً من التركيز معلقاً في المهمة السابقة"، وهو ما يُعرف بـ"أثر الانتباه المتبقي"، مما يؤدي إلى تراجع الأداء الذهني.
4. الفصل الرابع: النظريات الاجتماعية واقتصاد الانتباه: منظور المادية التاريخية
أسس المادية التاريخية
تُعد المادية التاريخية (Historical Materialism) المنهج التحليلي الذي طوره كارل ماركس وفريدريك إنجلز لفهم حركة التاريخ البشري. ويقوم هذا المنهج على فرضية أساسية مفادها أن "الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي"، وأن البنية الاقتصادية (القاعدة) هي التي تحدد إلى حد كبير البنية الفوقية من مؤسسات وقوانين وأفكار.
وينطلق التحليل المادي التاريخي من أن التناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية تنبع من علاقات الإنتاج السائدة. وفي كل مرحلة تاريخية، تظهر قوى إنتاجية جديدة تتصادم مع علاقات الإنتاج القائمة، مما يؤدي إلى تحولات اجتماعية جذرية. ويُعد رأس المال، في هذا التحليل، ليس مجرد كمية من المال، بل "علاقة اجتماعية" تقوم على استغلال العمل المأجور.
قراءة اقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية
من منظور المادية التاريخية، يمكن فهم اقتصاد الانتباه باعتباره امتداداً لمنطق رأس المال في مرحلته الرقمية. ففي "الرأسمالية الرقمية" (digital capitalism)، اندمج المنطق الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة مع التقنيات الرقمية بسرعة، وتحولت وسائل مضاعفة رأس المال من "العمل" الذي يُشترى في السوق المادي إلى "الانتباه" الذي يُجنَّد على المنصات الافتراضية.
وهذا التحول له دلالات عميقة. ففي التحليل الماركسي التقليدي، يبيع العامل قوة عمله مقابل أجر، ويستخرج الرأسمالي فائض القيمة من فرق قيمة العمل المنتَج وقيمة الأجر المدفوع. أما في اقتصاد الانتباه، فإن "العمل" الذي يُستَخرج منه فائض القيمة ليس الجهد العضلي أو الذهني في الإنتاج، بل هو الانتباه ذاته الذي يمنحه المستخدم "مجاناً" مقابل خدمات المنصة. وتحوّل المنصات هذا الانتباه إلى قيمة اقتصادية عبر الإعلانات والبيانات.
الانتباه كمجال للاستغلال الرأسمالي
يطرح الفكر الماركسي المعاصر تحليلاً نقدياً لاقتصاد الانتباه يركز على مفهوم "الاستغلال". ففي ظل الرأسمالية الرقمية، أصبح الانتباه "عنصراً رئيسياً في نظام مضاعفة رأس المال"، وظهر ما يُسمى بـ"الاستغلال الإنتاجي" (Productive Exploitation) للانتباه. ويشير هذا المفهوم إلى أن "نشاط الانتباه هو شكل من أشكال العمل الرقمي الذي يخلق قيمة"، وأن رأس المال الرقمي يستخرج فائض القيمة من هذا "العمل الانتباهي".
وقد طور باحثون ماركسيون مثل كريستيان فوكس (Christian Fuchs) نظريات حول "العمل الاستهلاكي الرقمي" (digital presumption labor)، حيث يُنظر إلى "المشاهدة" أو "النقر" باعتبارها شكلاً من أشكال العمل. ويقول فوكس إنه "إذا كانت السلعة في منصات الإنترنت هي بيانات المستخدم، فإن عملية إنتاج هذه السلعة هي العمل الاستهلاكي الرقمي".
ومن منظور المادية التاريخية، يمكن القول إن اقتصاد الانتباه يُنتج نوعاً جديداً من "البروليتاريا الرقمية" (digital proletariat) — جماهير من المستخدمين الذين يبيعون انتباههم دون وعي، ويعملون بشكل غير مدفوع لصالح المنصات الرأسمالية. وهذه الجماهير، وفقاً للتحليل الماركسي، تشكل قوة اجتماعية قابلة للتنظيم والتحرر من خلال الوعي بموقعها الطبقي.
من المنافسة إلى الاحتكار
يُظهر التحليل المادي التاريخي أن اقتصاد الانتباه يمر بمرحلة انتقالية من "المنافسة على الانتباه" إلى "احتكار الانتباه". فبفعل "منطق رأس المال"، يتحول التنافس بين المنصات تدريجياً إلى تركيز واحتكاري، حيث تُراكم المنصات المهيمنة رأس المال الرمزي والبيانات وتحقق "آثار الشبكة" (network effects) التي تعزز هيمنتها.
وتشير الدراسات إلى أن "تراكم الانتباه لدى الشركات القائمة يعزز هيمنتها من خلال تأثيرات الشبكة والاحتجاز الخوارزمي" (algorithmic lock-in)، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستوى الحوكمة والمساءلة في توزيع الانتباه.
5. الفصل الخامس: أمثلة من الدراسات السابقة
دراسة الأسمري وبكير (2025)
قدم الأسمري وبكير (2025) دراسة بعنوان "اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي"، نشرت في مجلة البحوث والدراسات الإعلامية المصرية. سعت الدراسة إلى "رصد وتحديد طبيعة العلاقة بين اقتصاد الانتباه وصناعة المحتوى المرئي في منصات الإعلام الرقمي وعلاقتها بالعبء الزائد للمعلومات"، مع التركيز بشكل خاص على منصة يوتيوب.
واعتمدت الدراسة على المنهج التأصيلي النظري والمنهج التاريخي النقدي، واستعانت بأداة التحليل من المستوى الثاني (Meta-Analysis). وخلصت إلى أن من أهم التدابير الهادفة لتقليل العبء الزائد للمعلومات هي "إدارة المعلومات عبر الإنترنت، واتباع استراتيجيات المواجهة للتخفيف من الآثار السلبية"، والتي تشمل "التربية الرقمية، والتربية المعلوماتية، والكفاءة الإعلامية والمعلوماتية، وإدارة الذات والوقت".
دراسة كاستيلو وزملائه (2026)
نشرت كاستيلو وزملاؤه (2026) دراسة في Journal of Management Studies بعنوان "من تصميم المنصة إلى حوكمة الانتباه: إعادة التفكير في الآثار الخارجية لوسائل الإعلام الاجتماعية". وتقدم الدراسة تحليلاً متعدد الأبعاد لكيفية عمل المنصات الاجتماعية كبنية تحتية للانتباه، "تشكل الظهور والخطاب والسلطة، وبالتالي تحدد من يتحكم في الانتباه ومن تُضخَّم أصواتهم".
وتشير الدراسة إلى أن "الفشل في تخصيص الانتباه وهندسته وتراكمه يقع في قلب العواقب المجتمعية لمنصات وسائل الإعلام الاجتماعية". كما تحذر من "تحويل قواعد القرار المجتمعية إلى خوارزميات المنصة"، مما يعني نقل سلطة صنع القواعد من المؤسسات العامة إلى الأنظمة الخوارزمية الخاصة.
دراسة روغير براونزورد وديماتيو (2025)
في فصل بعنوان "مشكلات الإدارة التكنولوجية: حول الاستخراج الآلي للسلع الذهنية" من Cambridge Handbook of the Governance of Technology، يقدم براونزورد وديماتيو (2025) تحليلاً نقدياً لكيفية "مقايضة مستخدمي المنصات الاجتماعية لانتباههم وعواطفهم ومواردهم المعرفية" — وهي "سلع ذهنية تستغلها الشركات من خلال أنظمة إدارة تكنولوجية مثل الإعلانات المستهدفة والتصميم المُدمن".
وتؤكد الدراسة أن هذه المعاملات لا تسهلها عقود قانونية، بل "الكود" البرمجي، مما يسمح لشركات الإعلام الاجتماعي باستخراج القيمة بطرق لا تستطيع الأطر القانونية التقليدية التقاطها. وتُصنف الدراسة "الآثار السلبية لهذه المعاملات، مثل الاضطرابات المعرفية ومشكلات الصحة النفسية، باعتبارها نفايات تلوثية لاقتصاد الانتباه".
دراسة زوبوف (2019)
يُعد كتاب شوشانا زوبوف The Age of Surveillance Capitalism (2019) من أهم الأعمال التي ربطت بين اقتصاد الانتباه والرأسمالية السرطانية. وتقدم زوبوف تحليلاً معمقاً لكيفية تحويل التجارب الإنسانية إلى "مادة خام مجانية للممارسات التجارية الخفية للاستخراج والتنبؤ والبيع".
وتشرح زوبوف كيف أن "الرأسمالية السرطانية لا تحتاج إلى أسلحة أو سلاسل — إنها تحتاج فقط إلى وقتك، ونقراتك، وانتباهك". وتُقدم تحليلاً للآليات التي تستخدمها الشركات لمراقبة سلوك المستخدمين وأرشفته وتحليله وتسويقه، بهدف استخراج القيمة منه.
6. الفصل السادس: التحديات الأخلاقية والاجتماعية
التحديات الأخلاقية
انتهاك الاستقلالية الفردية. يعمل التصميم المُدمن للمنصات على تقويض القدرة على اتخاذ قرارات حرة ومستنيرة. ويشير النقاد إلى أن فلسفات اقتصاد الانتباه "تصور مستخدمي التكنولوجيا كضحايا — انتباههم مختطف، وإرادتهم مستنزفة، واستقلاليتهم مُلغاة".
التلاعب بالسلوك. تستخدم المنصات تقنيات الإقناع الخفي والتحفيز المستمر لتشكيل أنماط السلوك. وتثير هذه الممارسات تساؤلات أخلاقية حول حدود التلاعب التجاري المشروع، خاصة عندما يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأطفال والمراهقين.
انتهاك الخصوصية. تقوم الرأسمالية السرطانية على جمع كميات هائلة من البيانات الشخصية دون موافقة مستنيرة، وتحويلها إلى "مادة خام" للتنبؤ والتحكم.
تآكل الديمقراطية. يشير الباحثون إلى أن "اقتصاد الانتباه يقوض القيم الديمقراطية الأساسية، ويقوض الاستقلالية المعرفية، والتفكير التأملي، والمواطنة المستنيرة الضرورية لمجتمعات ديمقراطية سليمة".
التحديات الاجتماعية
الأضرار الصحية النفسية. يرتبط الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية بزيادة معدلات القلق، ونقص الانتباه، والإرهاق الذهني (burnout). وتشير الدراسات إلى ارتفاع تشخيصات الصحة النفسية بين الشباب منذ عام 2010، بالتزامن مع انتشار اقتصاد الانتباه.
تآكل القدرة على التفكير العميق. يؤدي التدفق المستمر للمعلومات السريعة والمقتضبة إلى تآكل القدرة على القراءة الطويلة والتفكير النقدي والتركيز العميق. وقد أشارت دراسة صوفي ليروي إلى أن التنقل المستمر بين المهام يترك "جزءاً من التركيز معلقاً في المهمة السابقة".
تفاقم عدم المساواة المعرفية. يُنشئ اقتصاد الانتباه نوعاً جديداً من عدم المساواة: "عدم المساواة المعرفية" (Cognitive Inequality). فبينما يتمكن بعض الأفراد من حماية انتباههم واستخدامه بفعالية، يجد آخرون أنفسهم عرضة للاستغلال المستمر لانتباههم دون وعي أو قدرة على المقاومة.
تدمير الصحافة الجادة. يفضل اقتصاد الانتباه "المحتوى المثير أو العاطفي، مما قد يزاحم التقارير الاستقصائية الجادة في خلاصات الجمهور". وهذا يهدد دور الصحافة كرقيب على السلطة ومصدر للمعلومات الموثوقة.
استراتيجيات المواجهة
التنظيم القانوني. يجادل الباحثون بضرورة "تنظيم شفافية الخوارزميات، وتقرير المصير المعلوماتي، والحماية من التلاعب السلوكي"، إلى جانب "تعزيز السيادة الرقمية كدفاع ضد تركيز السلطة المعلوماتية في أيدي قلة من الشركات".
التعليم الرقمي النقدي. يُعد "التربية الرقمية والتربية المعلوماتية والكفاءة الإعلامية والمعلوماتية" من الأدوات الأساسية لتمكين المستخدمين من إدارة انتباههم بفعالية. ويتضمن ذلك "تنظيم نطاق المعلومات المطلوبة، والتقدير النقدي لقيمة المعلومات ومصداقية المصادر".
لتصميم الأخلاقي. يدعو الباحثون إلى "التصميم الأخلاقي" للمنصات، بحيث لا تستند واجهات المستخدم إلى مبادئ الإدمان والاستغلال، بل إلى احترام الاستقلالية وتعزيز الرفاهية.
البدائل الاقتصادية. يطرح بعض النقاد ضرورة تجاوز اقتصاد الانتباه نحو "بيئة انتباه" (ecology of attending)، تقوم على قيم مختلفة: "الاحترام المتبادل، والحدود المعرفية، والاستدامة الذهنية".
الضرائب والتحويلات. يطرح بعض الاقتصاديين فكرة "ضريبة بيغوفية على احتجاز الانتباه" (Pigouvian Tax on Attention Capture)، بحيث تُفرض على المنصات التي تستخرج الانتباه المفرط ضرائب تعكس التكاليف الاجتماعية الخارجية لهذه الممارسات.
الخاتمة
قدمت هذه الدراسة تحليلاً موسعاً لاقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية، ساعية إلى تجاوز الوصف الظاهري للظاهرة نحو فهم جذورها البنيوية في منطق رأس المال المعاصر. وخلصت الدراسة إلى أن اقتصاد الانتباه ليس مجرد تطور تقني محايد، بل هو تجسيد لمرحلة جديدة من مراحل استيعاب رأس المال لمجالات الحياة البشرية، حيث يتحول الانتباه ذاته إلى سلعة ومورداً للاستغلال.
ومن منظور المادية التاريخية، يمكن القول إن اقتصاد الانتباه يمثل تكثيفاً للتناقض الأساسي في الرأسمالية: بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للملكية. فالمستخدمون، بأدمغة انتباههم، ينتجون القيمة بشكل جماعي، بينما يستحوذ عدد محدود من الشركات على هذه القيمة. وهذا التناقض، وفقاً للتحليل الماركسي، يحمل في طياته بذور تحوله.
وتواجه مجتمعاتنا تحديات أخلاقية واجتماعية جسيمة في مواجهة اقتصاد الانتباه، تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التنظيم القانوني، والتعليم النقدي، والتصميم الأخلاقي، والبحث عن بدائل اقتصادية. وتبقى الحاجة ملحة إلى تطوير وعي جماعي بموقعنا كفاعلين في هذا الاقتصاد، لا كمجرد ضحايا له، وقادرين على استعادة السيطرة على انتباهنا — وهو أثمن ما نملك في عصر الوفرة المعلوماتية.
***
خليل إبراهيم كاظم الحمداني - باحث
.....................
المراجع
1. الأسمري، محمد بن عوض & بكير، محمد محمد عبده. (2025). اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي. مجلة البحوث والدراسات الإعلامية، مج. 2025.
2. Capra, M., Tasoff, J., & Xu, J. (2025). To Savour Consumption or To Confront Dread: The Hedonic Opportunity Cost of Attention. The Economic Journal, ueaf091.
3. Castelló et al. (2026). From Platform Design to Attention Governance: Rethinking Social Media Externalities. Journal of Management Studies.
4. Davenport, T. H., & Beck, J. C. (2001). The Attention Economy: Understanding the New Currency of Business. Harvard Business School Press.
5. Fuchs, C. (2023). Digital Labor and the Attention Economy. Chinese Social Sciences Net.
6. Goldhaber, M. H. (1997). The Attention Economy and the Net. First Monday, 2(4).
7. Liu, Y., & Ge, T. (2024). A Critique of the Attention Crisis from Historical Materialism and its Implications. Teaching and Research, 58(11), 34.
8. Simon, H. A. (1971). Designing Organizations for an Information-Rich World. In M. Greenberger (Ed.), Computers, Communication, and the Public Interest. Johns Hopkins University Press.
9. Williams, J. (2018). Stand Out of Our Light: Freedom and Resistance in the Attention Economy. Cambridge University Press.
10. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism. Public Affairs.
11. Brownsword, R., & DiMatteo, L. A. (2025). Problems of Technological Management: On Automated Extraction of Mental Goods. In Cambridge Handbook of the Governance of Technology. Cambridge University Press.
12. Webster, J. G. (2014). The Marketplace of Attention: How Audiences Take Shape in a Digital Age. MIT Press.
[1] Simon, Herbert A. “Designing Organizations for an Information-Rich World.” In Computers, Communications, and the Public Interest, edited by Martin Greenberger, 37–72. Baltimore: Johns Hopkins Press, 1971.








