قضايا
عدي عدنان البلداوي: الثقافة العربية المعاصرة.. قضايا وهموم

تحظى ثلاثية الدين والعلم والتطور بإهتمام العقل الإنساني في بحثه عن الإستقرار والتنمية. فقد اعتنت الثقافة العربية المعاصرة عناية كبيرة بالتحول الثقافي الذي حصل في العالم على مدى أكثر من ثلاثة قرون تواصلت فيها الحضارة الغربية في التقدم منذ بدايات النهضة، ثم الحداثة، فالتطور العلمي وصولاً الى التطور التقني الرقمي.
أثّـر التحول الثقافي الغربي من قانون الكنيسة الى قانون العلم، في تفكير العقل العربي الذي أراد الإفادة من هذا التحول لمعالجة الموقف العربي المعاصر، فذهب بعض المثقفين الى إستعارة التجربة الغربية لتطبيقها في الواقع العربي.
جانب مهم من المشكلة يكمن في ان كلمة كنيسة في الغرب تعني ما تعنيه كلمة مسجد عند العرب، وهي الدين، فاذا أخذنا عبارة دين الكنيسة مقابل عبارة دين المسجد سنرى ان دين الكنيسة يمثل مرحلة ما قبل الخاتمية، لأن الدين واحد وحلقاته متعددة، ولكل حلقة نبي أو رسول يمثلها. هذا يعني ان إكتمال الصورة يتحقق في اللمسات الأخيرة، وهذه اللمسات الأخيرة وضعها النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ما يعني إن دين الكنيسة لم يكن ليعطي تصوراً واضحاً ودقيقاً لتفاصيل الرسالة السماوية وأثرها في المشهد الحياتي للناس، الأمر الذي مكّن العقل الغربي منذ عصر النهضة وعصر الصناعة من توجيه إستفهامات كثيرة لم تفلح الكنيسة في تقديم أجوبة كافية ومقنعة لها، أودت بالنهاية الى ترك الناس لقانون الكنيسة والتوجه الى قانون العلم.
في ضوء هذا الحراك الغربي رأى بعض المثقفين العرب ان مضي المجتمع العربي الإسلامي في الطريق ذاته الذي مر به المجتمع الغربي، قد يساعد على تحديث الواقع وتأهيل المجتمع العربي للحاق بركب تطور الحضارة الغربية . المشكلة ان تصورات ورؤى المثقف الغربي تكونت وتبلورت في نطاق تلك المرحلة من الدين الكنيسي، ثم جاء تأثر المثقف العربي المسلم بها بحكم قوة تطور الحضارة الغربية، فأعتمد أفكار وأقوال وبحوث وكتب مفكرين غربيين كمصادر ومراجع لرصيده الثقافي الشخصي، واخذ المثقف العربي المعاصر علاقته بالثقافة الدينية في ضوء ذلك التأثر. الأمر الذي أوقعه في مشكلة مواجهة طبيعة مجتمعه، ومحاولته تغيير تلك الطبيعة، أو إقحام تصوراته الشخصية للثقافية الغربية في تلك الطبيعة، وهو ما جعله في بعض المواقع في حالة من التضاد، وأحياناً في حالة تصادم مع المعمم.
لعل أي حديث عن تطور ثقافي وإجتماعي لا يأخذ بعين الإعتبار الدور المهم للعلم المجرد وتقنية اليوم الرقمية، هو حديث لا يخدم حركة نهضة الواقع، بل لعله حديث مضر بسلامة المجتمع. لذلك علينا أن نأخذ بأسباب ونتائج التطور العلمي الذي نعيشه في عصرنا الحالي ونحن نبحث عن سبل تمكين مجتمعاتنا ثقافياً وتطويرها بما يمكنها من إستيعاب التطور الحاصل في حضارة الغرب بما يضمن سلامة الطبيعة الثقافية والإجتماعية للعالم العربي الإسلامي.
هل يسهم الاستخدام المتزايد للطاقة وللتطبيقات التقنية الرقمية في تشكيل ثقافة مادية جامدة، تصل بالمثقف الى التوقف في نشاطه عند حدود نشر المقال، وطبع الكتاب، وإنشاء صفحة الكترونية تضم عدداً من المعجبين، وشهادات شكر وتقدير. بينما يستغرق الواقع في مشاكل شخصية وأسرية وإجتماعية كثيرة أصبحت مزمنة في حياة الفرد والأسرة والمجتمع ؟.
هل تسهم كثرة السلع الآلية الذكية في السوق في تسليع الأفكار والقيم والعادات..؟
تقدم الصناعة في الغرب، ودخول الإقتصاد مرحلة صنع القرار السياسي حول العالم، هل يؤثر في التكوين الثقافي للشعوب؟
في عصر التسليع الذي تمتد فيه مشاريع الاقتصاد الصناعي والسياسي للنظام العالمي لتشمل كل شيء من سلع وافكار.. هل يؤدي ذلك الى تقييد حركة الثقافة أم الى توسيعها؟
بعد هيمنة الآلة الذكية على المشهد الحياتي لمجتمعات العالم. هل نتوقع إسلاماً جديداً في الشرق الأوسط كالمسيحية الجديدة
الحاصلة في الغرب؟
هنا تصبح الثقافة العربية المعاصرة في محنة حقيقية لا يبدو من واقع الحال انها قادرة على صناعة وعي جمعي في جو تحرك أهواءه سياسة المال والأعمال . خصوصاً وان النظام العالمي الجديد منذ بدايات القرن الواحد والعشرين بدا داعماً لتمكين الشخصيات غير الكفوءة من مواقع القرار.
ان المشكلة التي سيواجهها الدين في مستقبل عصر التقنية الذكية لا تتعلق بجوهر الدين قدر تعلقها بالثقافة الدينية للشعوب.
في إحدى المدن المعروفة بوجود مزارات دينية مشرفة، تزامن الإحتفال بعيد رأس السنة الميلادية مع ذكرى وفاة واستشهاد رمز من رموز العقيدة الدينية، فتباين المشهد الإجتماعي ما بين من يطلق الألعاب النارية في الفضاء إبتهاجاً بالعام الميلادي الجديد وبين من يقيم حفلاً تأبيناً في هذه الذكرى التاريخية الحزينة. اذا لم نجد ما يحملنا على التشكيك في الإلتزام الديني للأشخاص الذين أعربوا عن إبتهاجهم بقدوم العام الجديد في الوقت نفسه الذي تمر مدينتهم بذكرى حدث تاريخي أليم، فإن تفسير إقدامهم على سلوك يتناقض مع الحدث الديني التاريخي، مرجعه الى حالة القلق الثقافي والى التراجع الملفت في النضج النفسي لشخصية العربي المسلم، التي تسببت بها الحالة السياسية والإقتصادية والثقافية لمجتمع إنحرفت فيه السياسة عن طبيعة المجتمع، وتجاوز فيه الإقتصاد قدرة شريحة كبيرة من الفقراء على التعاطي مع التطور الإقتصادي وانحسرت الثقافة العامة وتحولت الى نشاط شخصي أو فئوي محدود، وتقلصت مساحة الصبر في صدور المكلومين والفقراء، وأختلت في مواقع القيادة معايير النظر الى مفهوم العدالة، ومفهوم القوة، ومفهوم الحرية التي كان لقاموس الأثرياء والمتنفذين حضوره الفاعل المؤثر في إستحداث تفاسير مبتدعة لهذه المفاهيم في المشهد الحياتي اليومي للمجتمع، وان كان لسان الحكومة يتحدث عن العدالة الإجتماعية وعن تساوي الكل أمام القانون، لكن الواقع مختلف كل الإختلاف عن تلك التصريحات وتلك الإستعراضات التي تقوم بها الماكنة الإعلامية الرسمية. وإذا أردنا ان نستبعد تورط الأنظمة السياسية العربية في تعمد إهمال المجتمع، فإننا لا نستبعد ابداً إخفاقها في إحتواء ظروف المرحلة الصعبة والمعقدة التي يواجهها البناء الإجتماعي، ولكي لا تبدو عاجزة أو فاشلة فإنها تلجأ الى تخدير الجماهير بتلك الإستعراضات الإعلامية.
المواطن العربي مشغول بقضايا التراث والدين والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق، وكيف يحافظ عليها في زمن الآلة الذكية والنظام العالمي الجديد ومشاريع أمركة الثقافة العالمية، ومشروع الإسلام الأمريكي الشرق أوسطي، ومشروع التطبيع مع الكيان الغاصب..
فهو مسكون بالقلق في ظل أنظمة سياسية محلية غير مؤهلة لتحويل هذا القلق الى إستقرار.
بالمقابل ينشغل المواطن الغربي بمخرجات عصر التقنية وبمستقبل الذكاء الإصطناعي، وكيف يستفيد من ذلك في حياته بحيث تصبح ذات معنى أجمل، في ظل مناخ بيئي عالمي متغير ومستقبل يواجه نضوباً في مصادر الطاقة الطبيعية.
المواطن الغربي مشغول بالتطور الصناعي، والمواطن العربي مهموم بالتدهور الإجتماعي.
يدرك المواطن العربي حقيقة واقعه هذا، لكنه لا يملك رؤية معاصرة واضحة لتغيير هذا الواقع الى الأفضل. كما إن المواطن الغربي ليس أكثر وعياً من المواطن العربي بتعقيدات الحياة ومخاطرها، لكن المواطن الغربي عملي أكثر من المواطن العربي، ومعنى كون المواطن الغربي انه إنسان عملي لا يعفيه من إحتمالية وقوعه في حالة عدم الإنتباه للأعراض الجانبية لثقافة العولمة في ظل نظام عالمي يعتمد لغة المال والأعمال في كل انشطته التي ستجعل من الإنسان حول العالم مستهلكاً (بكسر اللام) ومستهلكاً (بفتح اللام) في الوقت ذاته.
نعتقد ان بداية مشروع تحول الثقافة العربية الى قوة لها حضورها الواضح في المشهد الحياتي للمجتمع العربي تبدأ من خروجها من عباءة السياسة الحاكمة وإنفتاحها على طريقة حياة الناس والعمل على تطوير الآلية التي يتعامل بها الناس مع بعضهم، من أجل تمكين المجتمع ثقافياً، ليصبح الوعي الجمعي محركاً يتمتع بقدرة عالية على تحريك الواقع بإتجاه التغيير الإيجابي الذي يتلائم مع طبيعة المجتمع.
***
عدي عدنان البلداوي