لست أدري لماذا نتعجل الحكم على الكتب والأفكار قبل أن نقرأها. هذه عادة سيئة نراها في كل مكان من حولنا في الندوات، وفي الصحف، وفي أحاديث الأصدقاء. يكفي أن يشيع عنوان كتاب حتى يصبح كل واحد منا خبيراً في مضمونه. والأمثلة كثيرة، وأوضحها في تقديري ما جرى لكتاب فوكوياما "نهاية التاريخ".
منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا أسمع هذه العبارة تتردد على كل لسان. "نهاية التاريخ" قالها فوكوياما، ومعنى ذلك أن التاريخ انتهى، وأن الحروب انتهت، وأن الديمقراطية الليبرالية انتصرت إلى الأبد. وكانت العبارة تسر البعض وتغيظ البعض الآخر، لكن قليلين جداً هم الذين كلفوا أنفسهم عناء قراءة الكتاب نفسه.
كنت واحداً من هؤلاء الذين رددوا العبارة دون أن يقرأوا الأصل، وكنت أظن أنني بذلك أدلي برأي في المسألة. والحقيقة أنني كنت أردد كلاماً لم أفهمه. وهذا، لشد ما أرى، هو حال كثير من المثقفين يتحدثون في كل شيء ولا يقرأون شيئاً.
ثم عدت أخيراً إلى فوكوياما، لا من خلال كتابه القديم، بل من خلال حوار طويل أجرته معه مجلة "بروسبكت" البريطانية. قرأت الحوار من أوله إلى آخره، وعندما فرغت منه شعرت بشيء من الخجل، فقد اكتشفت أنني ظلمت الرجل، وأنني كنت واحداً في جيش من الظالمين.
ما قاله فوكوياما حقاً..
فوكوياما لم يقل إن التاريخ سيتوقف، ولا إن الحروب ستنتهي، ولا إن البشر سيكفون عن القتل. كل ما قاله هو أن الديمقراطية الليبرالية بما تحمله من أفكار الحرية والمساواة والكرامة هي أفضل ما توصل إليه الإنسان حتى الآن لتنظيم أمور مجتمعه. وهذا كلام في الأفضلية لا في النهاية. والفرق بينهما كبير، كالفرق بين من يقول إن الطب الحديث أفضل ما توصلنا إليه لعلاج الأمراض، ومن يقول إن الأمراض ستنتهي من الوجود. فكل صاحب عقل يعرف أن الأمراض لم تنته، وأنها ربما لن تنتهي أبداً.
لكن المفاجأة لم تكن في هذا التصحيح، بل في اكتشافي أن فوكوياما لم يكن ذلك المتفائل الساذج الذي صورناه. حتى في أيام الانتصار الغربي بعد سقوط جدار برلين كان يرى المرض في قلب النظام الليبرالي نفسه، وحذر من أن المجتمع الذي ينعم بالأمن والرخاء قد يصيبه الملل. والملل، كما نعرف جميعاً من حياتنا اليومية، يمكن أن يدفع الإنسان إلى أفعال لا يعقلها عقل. يمل الشاب من البيت المريح فيخرج يبحث عن المخاطرة، لا لأنه محتاج بل لأنه لم يعد يحتمل الراحة.
كنت أظن أن هذا كلام عن المراهقين المدللين لا عن شعوب كاملة، ولكن انظر ما يحدث في الغرب اليوم. ترامب في أمريكا، والبريكست في بريطانيا، وأحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا وإيطاليا. شعوب كاملة تقرر أن تقفز من النافذة، لا لأن أحداً يطاردها، ولكن لأنها سئمت الجلوس على الأريكة.
وأما عندما يتحدث فوكوياما عن ترامب فإنه يفقد هدوءه الأكاديمي، ويتهمه صراحة بأنه يسعى إلى تحويل الولايات المتحدة إلى دولة سلطوية. وهذا كلام ثقيل جداً، لأنه مفكر محافظ ينتمي إلى التقاليد الأكاديمية الرصينة. فإذا وصل الأمر به إلى هذا الحد من القلق فلا بد أن نأخذ الأمر بجدية.
مع ذلك فإنه لا يستسلم لليأس، إذ يرى أن الاعتقاد بحتمية الهزيمة هو أول خطوة نحو تحقيقها. فإذا أقنع الناس أنفسهم بأن المعركة خاسرة فسيستسلمون دون أن يطلق عليهم أحد رصاصة واحدة. فاليأس سلاح خطير يستخدمه الطغاة ضد خصومهم، وليس أقل فتكاً من الرصاص.
التاريخ يعيد نفسه
وأهم فكرة في الحوار كله، في تقديري، هي أن مسألة نهاية التاريخ قد تكون دورية لا نهائية. بمعنى أن المجتمعات لا تسير في خط مستقيم نحو الحرية، لكنها تدور في حلقات. جيل يعيش في ظل الدكتاتورية فيعرف قيمة الحرية حق المعرفة، ثم يأتي جيل آخر ولد في ظل الحرية فيعتبرها أمراً مسلماً به كالهواء الذي يستنشقه دون أن يشكر أحداً. وهذا الجيل الذي لم يذق طعم القمع قد ينجذب إلى خطاب الشعبوية، لا لأنه يصدقه، لكن لأنه يبحث عن شيء جديد، أو لأنه غاضب من النخبة، أو ببساطة لأنه لا يعرف ماذا تعني الدكتاتورية.
يضرب فوكوياما مثلاً ببولندا. فالجيل البولندي الجديد الذي لم يعش حقبة الحكم الشيوعي ينظر إلى بروكسل والاتحاد الأوروبي كأنهما دكتاتورية جديدة تفرض عليه قيماً غريبة. وهؤلاء الشباب لا يتذكرون أن آباءهم سجنوا وعذبوا من أجل الحرية التي يتنعمون بها اليوم. وهذه هي مشكلة الذاكرة السياسية أن ما يراه الجيل القديم تحرراً يراه الجيل الجديد وصاية.
والنتيجة المنطقية لهذا المعنى قاسية حقاً، إذ قد تحتاج المجتمعات إلى أن تجرب الحلول غير الليبرالية وترى نتائجها الكارثية بعينها قبل أن تعود إلى تقدير الديمقراطية من جديد. إنها دورة مأساوية حرية، ثم نسيان، ثم استبداد، ثم عودة إلى الحرية. والتاريخ لا يعلمنا، لكنه يعيد علينا الدرس حتى نحفظه.
درس العراق
أكثر ما أثار اهتمامي كعربي أن فوكوياما يعترف بخطئه في دعم الحرب الظالمة ضد العراق. حيث يقول إن أطروحته عن نهاية التاريخ كانت في الإطار الفكري الذي شجع على تلك المغامرة. لقد كان مؤيداً لإسقاط صدام حسين في البداية، ثم انفصل عن المحافظين الجدد بعد الكارثة. وهنا يستخلص درساً مهماً، وهو أن الذكاء لا يحمي صاحبه من الخطأ، لكن ربما يسمح للذكي بأن يبني لنفسه من المبررات ما يقنعها بفكرة غير معقولة.
وهذه جملة تستحق أن تُكتب بماء الذهب. فالذكي يستطيع أن يقنع نفسه بأي شيء، يستطيع أن يبني حججاً محكمة لفكرة خاطئة تماماً. وهذا ما حدث في العراق. مجموعة من أذكى الناس في واشنطن أقنعت نفسها بأن غزو العراق سيكون نزهة تنتهي بإقامة ديمقراطية مزدهرة في قلب الشرق الأوسط. ولم تكن المشكلة سوء نية، بل الفشل في التفكير في العواقب غير المقصودة.
وقد تذكرت وأنا أقرأ هذا الحديث مقالات محمد السيد سعيد عن حرب العراق. وكم كان الخطاب الرسمي في واشنطن متماسكاً ومقنعاً، وكم وصف المشككون بالجبن والتردد. واليوم، بعد أكثر من عشرين سنة، نعرف جميعاً من كان على صواب.
وهكذا يخرج القارئ من هذا الحوار بصورة مختلفة تماماً عن الصورة النمطية التي رسمناها لفوكوياما. إنه باحث ليبرالي قلق، لا متفائل ساذج. يؤمن بالديمقراطية الليبرالية، لكنه يعرف أنها ليست مضمونة، ويعرف أن المجتمعات قد تختار طريقاً آخر، ويعرف أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم.
هكذا يعود الباحث الأكثر شهرة في نهاية القرن العشرين، بعد كل هذه السنوات، إلى شيء يشبه التواضع الفكري. كان على يقين في يوم من الأيام، وهو اليوم أكثر حذراً. وقال هو نفسه بعد فوات الأوان: "الذكاء لا يحمي صاحبه من الخطأ".
صدق فوكوياما. وأنا أضيف من عندي أن القراءة المتأنية تحمي القارئ من الظلم في الحكم على الآخرين. ولو أننا قرأناه كما يجب قبل ثلاثين سنة لوفرنا على أنفسنا وعليه الكثير من سوء الفهم.
فلنتذكر هذا الدرس.
***
د. عبد السلام فاروق








