عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ليلى تبّاني: مَفَاعِيلُ المَنْحِ.. رسالتي للأساتذة

حتّى اللّغة أبت إلّا أن تقدّم لنا درسا في العطاء، وفلسفة في التضحية فجعلت فعل المنح يتعدّى إلى أكثر من مفعول، وكأنّها تقول لنا أنّ الخير، متى ما خرج من يد كريمة، لا يعرف مفعولا واحدا ولا يقف عند حدود صاحبه. فما نمنحه لواحد قد يفرح به آخرون، وما نزرعه في قلب قد يثمر في قلوب لا نعرفها، تلك هي معجزة العطاء، أن يتجاوز الممنوح من مُنح له، ويتجاوز المُعطيَ نفسه.

إنّ في اللّغة أفعالا لا ترضى أن تبقى حبيسة فاعلها، كأنّ في بنيتها سرّا يتجاوز حدود النحو إلى رحابة الإنسان ومعاني الانسانية. ومن أجمل هذه الأفعال، أفعالُ المنح والعطاء، فهي أفعال متعدّية بطبيعتها، لا تكتمل دلالتها إلاّ بانتقال شيء من ذات إلى أخرى، أعطى، منح، وهب، أهدى، أسدى... وكأنّ اللّغة، وهي تبني جملتها، كانت تستبطن منذ القدم حقيقة إنسانية عميقة مفادها أنّ ما نمنحه لا يبقى عندنا، وما يخرج من أيدينا قد يواصل سفره عبر أرواح الآخرين. وهنا تكمن المفارقة الجميلة،أن يكون الفعل متعدّيا في النّحو، وأن يمتدّ أثره في الحياة. فالعطاء لا ينتقل من الفاعل إلى مفعوله الأول فحسب، بل قد يتّسع أثره إلى مفعولين وثالث ورابع، وربّما إلى أجيال لا نعرف أسماءها. قد تمنح طفلا كلمة طيّبة، فيمنحها هو يوما لابنه، وقد تفتح لتلميذ نافذة أمل، فيصبح ذلك الأمل بعد سنوات نافذة في حياة إنسان آخر. وهكذا لا يعود المفعول به مجرّد طرف في الجملة، بل يصبح حلقة جديدة في سلسلة الأثر.

ولعل في ذلك شيئا من التورية البلاغية الجميلة، يتساءل أحدكم: كيف تظهر التورية ؟ فأقول على سبيل المثال لا الحصر: منحتُه علما، فإن ظاهر العبارة يدلّ على انتقال المعرفة من المعلّم إلى المتعلم، أمّا باطنها فيقول أنّ المعلم في اللّحظة نفسها، منح نفسه معنى، ومنح المجتمع إنسانا أكثر قدرة على البناء، ومنح المستقبل احتمالا جديدا. فالمفعول به في العطاء ليس واحدا، بل يتعدى إلى أكثر من مفعول لغة، وإلى أكثر من مستفيد معنى. ومن هنا تصبح التربية أرقى صور التعدّي الإنساني.

فالأستاذ لا يدخل القسم وفي يده مذكّرة فقط، ولا يقف أمام التلاميذ ليؤدي ساعات عمل تُحسب بالدقائق والأجور، إنّما يدخل إلى عالم هشّ، تتشكل فيه النفوس قبل أن تكتمل العقول. أمامه طفل، ومراهق، وإنسان في طور التشكّل واكتشاف ذاته والعالم. وقد لا يدرك الأستاذ أنّ جملة قالها عابرا يمكن أن تسكن في ذاكرة تلميذه سنوات، وأنّ ابتسامة صغيرة قد تكون في حياة أحدهم أوّل اعتراف بأنّه جدير بالاهتمام، وأن كلمة تشجيع قد تفعل في مستقبل إنسان ما لا تفعله عشرات الدروس.

لذلك، ونحن نشهد عودة الأستاذات والأساتذة إلى مقاعد الدراسة، فإنّنا لا نريد منهم التعليم وحده، بل نريد منهم فعل المنح في أوسع معانيه، أن يمنحوا المعرفة، والثقة، والأمان، والفضول، والحق في الخطأ، والقدرة على السؤال، والأمل في أن الإنسان يستطيع أن يصبح أفضل ممّا هو عليه. فهم حملة رسالة، والرسالة لا تُقاس دائما بمقابلها المادي. وليس في ذلك انتقاص من حق الأستاذ في التقدير والعيش الكريم، بل على العكس، إن احترام المهنة يبدأ من احترام صاحبها. غير أنّ قيمة ما يمنحه الأستاذ لا يمكن اختزالها في راتب أو ساعة عمل، لأنّ ما يتركه في عقل تلميذ وقلبه قد يتجاوز زمن الحصة ومكان المدرسة وعمر صاحبها.

ولأنّ التلميذ ليس عقلا مجرّدا، وجب على الأستاذ أن يتذكّر خصوصية المرحلة التي يقف أمامها. فالطفولة ليست نسخة مصغّرة من الرشد، والمراهقة ليست مرضا ينبغي قمعه، وإنّما هما مرحلتان تتشكّل فيهما الشخصية، وتُبنى فيهما صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. وفي هذه المرحلة تحديدا تكون الكلمة أثقل ممّا نظن، والنظرة أبلغ ممّا نقول، وطريقة المعاملة جزءا من التربية نفسها، بل هي التربية ذاتها.

لذلك أوصيكم أساتذتي الكرام، ألاّ تجعلوا من القسم مكانا لتعويض خسارات الحياة ، وألاّ تحملوا إلى التلميذ غضبكم من الإدارة، ولا خيباتكم من العمل، ولا مشكلاتكم الأسرية، ولا إحباطاتكم الخاصة. لا تجعلوا الطفل يدفع ثمن يوم سيِّئ لم يكن طرفا فيه، ولا تجعلوا المراهق ساحة لتصريف توتّر لا يعرف مصدره. فالتلميذ ليس مسؤولا عن خيبات أستاذه وقد يكون أكثر ما يحتاجه في ذلك اليوم هو أن يجد في المدرسة وجها بشوشا، وصوتا هادئا، وشخصا بالغا بليغا يقول له بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: "أنت تستطيع، أنت مهم، بل انت رائع، وخطؤك لا يجعلك فاشلا ".

إنّني اليوم أصرخ لعلّني أجد من يسمعني: المدرسة لا ينبغي أن تكون مصنعا للمعارف فقط، بل ملاذ الفرد القادم، هي مصنع الإنسان. وإذا أخفقنا في هذه المهمة، فقد ننجح في ملء الذاكرة بالمعلومات ونفشل في بناء الروح. فكم منّا ما زال يحمل في داخله طفلا جرحته عبارة أستاذ، أو أطفأته مقارنة، أو حطّمت ثقته سخرية أمام زملائه. وكم منّا أيضا مازال يخوض في الحياة وفي داخله صوت معلّم قال له يوما: "أنت تستطيع ".

وإنّني اليوم أتوسّل وأتوسم في بناة العقول خيرا، وأحمّلهم رسالة مفادها، أنّنا لا نريد جيلا محمّلا بعقد الآخرين، ولا أطفالا يرثون خيبات الكبار، ولا مراهقين يتعلمون مبكّرا أن المدرسة مكان للخوف والإذلال والتدجين. بل نريد جيلا يتعلّم أنّ المعرفة حرية، وأنّ الخطأ طريق للتعلّم، وأنّ الاختلاف لا يلغي الكرامة، ولا يكرّس الاحتكار، ولا يولّد الخلاف، وأنّ السلطة التربوية لا تحتاج إلى القسوة كي تكون قوية. لتعود لغتنا الجميلة الرشيدة، فتقول حكمتها المتعالية: "المنح فعلٌ متعدٍّ ".

لندرك أنّ العطاء نفسه يعود إلى فاعله، وهذه ربّما إحدى أعظم مفارقات العطاء، إذْ أنك تمنح شيئا من نفسك، فتكتشف بعد زمن أنّك لم تفقده، بل تضاعف وتعدّى إلى أكثر من مفعول. أحبّتي الأساتذة. إنّ السعادة ليست كلها في الأخذ. فقد يشبع الأخذ حاجة، أمّا العطاء فيصنع معنى. والأخذ قد يمنح فرح لحظة، أمّا المنح فيترك أثرا يمتدّ من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل.

باللّه عليك أيّها الأستاذ ! صف لنا شعورك حين ترى فرح تلميذك لأنّه فهم الدرس، أو ثقته لأنّه نجح، أو عينيه وهما تكتشفان للمرّة الأولى أنّه قادر، أليس لك من ذلك الفرح نصيب أكبر ؟ وهنا تتحقّق المعادلة بانّ العطاء فعل متعدّ في اللغة، لكنّه في الحياة يتجاوز حدود التعدي.

أساتذتي الكرام !  إنّ رسالتي لكم ونحن نستقبل عاما دراسيا جديدا آملا مأمولا، هو أن بعض الأفعال لا تكتمل إلا بغيرنا.أعطوا، امنحوا، وهبوا، أسندوا، شجّعوا... فأنتم لا تملؤون مفعولا به في جملة، بل قد تملؤون إنسانا بالحياة، وتملؤون الحياة بالانسانية.وليس أعظم من أن يكون الإنسان في هذه الدنيا فاعل خير يتعدّى أثره إلى الآخرين، ثمّ يعود إليه على هيئة معنى وسعادة ورضا.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

في المثقف اليوم