إن نيتشه ليس فيلسوفًا يمكن اختزاله في مفهوم واحد، ولا مفكرًا يسمح لنفسه بأن يُحاصر داخل نسق مغلق. ولعل هذا هو سرّ بقائه حيًّا في الفلسفات التي جاءت بعده؛ إذ لم يرثه الفكر المعاصر بوصفه «مذهبًا» مكتملًا، وإنما استعاد منه إمكانات في التفكير والكتابة والاختلاف والانفلات من مركزية الأصل. ومن هنا تبدو العودة إلى نيتشه، مع دولوز وغاتاري من جهة، ومع دريدا من جهة أخرى، أشبه بمحاولة الإصغاء إلى أثر لا يزال يتحرك تحت سطح النص. فنيتشه لا يقدّم لنا شجرة معرفية ذات جذع وأصل وفروع، بل يترك وراءه كتابة تتشعب، وتلتوي، وتنسلّ، وتعود من مواضع غير متوقعة. ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم العلاقة التأويلية بين الجذمور Rhizome والمهماز Éperon: الأول صورة للانتشار غير الشجري، والثاني صورة للقوة التي تدفع الفكر إلى الأمام من دون أن تمنحه نهاية مستقرة.
غير أن الدقة المفهومية تقتضي التنبيه منذ البداية إلى أن الجذمور ليس مصطلحًا نيتشويًا بالمعنى الاصطلاحي المباشر. إنه مفهوم صاغه دولوز وغاتاري، خصوصًا في ألف هضبة، ليعارضا به النموذج الشجري في الفكر؛ أي النموذج الذي يفترض أصلًا، وجذرًا، ومركزًا، وتسلسلًا هرميًا. فالجذمور لا ينطلق من نقطة أولى لكي ينتهي إلى نتيجة نهائية، وإنما يتحرك في الوسط، ويقيم شبكة من الاتصالات المتعددة. ولهذا يقول دولوز وغاتاري إن الجذمور لا يملك «بداية ولا نهاية»، بل يوجد دائمًا «في الوسط»؛ وهو بذلك ليس صورة نباتية فحسب، وإنما اقتراح لإعادة بناء صورة الفكر ذاته. [1]
إن أهمية هذا المفهوم في سياق نيتشه تكمن في أن فلسفة الأخير كانت قد زعزعت، قبل دولوز وغاتاري، ذلك التصور الذي يجعل الفكر تابعًا لأصل ثابت أو حقيقة نهائية. فنيتشه لا يبدأ من «ماهية» مستقرة، بل من صيرورات القوى، ومن تعدد المنظورات، ومن صراع التأويلات. لذلك لا يعود السؤال: ما الحقيقة في ذاتها؟ بل: من يتكلم؟ ومن أي موقع؟ وتحت أي قوة؟ وبأي منظور؟ إن الحقيقة، في هذا السياق، لا تكون جوهرًا يقيم في مكان ما وراء التاريخ، وإنما حدثًا تأويليًا يتشكل داخل علاقات القوى. ومن هنا يصبح الفكر النيتشوي أحد المداخل الأساسية لفهم الانتقال من فلسفة الأصل إلى فلسفة التعدد.
في ما وراء الخير والشر يكتب نيتشه: «لقد بدأنا نتوقف عن التفكير في كل الأشياء التي تُقال لنا...لقد اكتشفت شيئاً فشيئاً ما كانت عليه كلّ فلسفة كبيرة حتى الآن: أعني أنّها اعتراف ذاتي لصاحبها، ونوع من المذكرات من غير أن يقصد أو يلاحظ، وأنا النوايا الأخلاقية (أو اللاأخلاقية) شكّلت في كل فلسفة بذرة الحياة الأصلية التي انبثقت عنها، في كل مرة، النبتة برمتها. وإذا ما أردنا أن نفسِّر كيف أقيمت أبعد المزاعم الميتافيزيقة لفيلسوف ما، فمــن الأحسن (ومن الحكمـة) فعلاً أن نتساءل في البداية دائماً: ما هي الأخلاق التي يُسعى (أو يسعى هو) إليها؟» [2]
من خلال هذا الطرح الفلسفي، نرى أن نيتشه، بطريقة أو بأخرى، يشجعنا على التشكيك في الأفكار السائدة، وبالتالي تفكيك الآلية التي تجبر الفكر على البحث الدائم عن مركز يضمن شرعيته. يريد نيتشه تحرير الفكر من نير "الأصل" ووهم وجود نقطة ثابتة قادرة على استيعاب كل الاختلافات. هذا ما يجده دولوز وغاتاري في أكثر تعبيراته تعقيدًا: الجذمور. فليس هناك أصل واحد، ولا مركز مهيمن، ولا تسلسل هرمي ضروري، بل شبكة من العلاقات والروابط والاختلافات.
ومن هنا يمكن القول إن الجذمور ليس «نيتشه» نفسه، ولكنه أحد الامتدادات الدولوزية الممكنة للنيتشوية. فقد قرأ دولوز نيتشه لا باعتباره فيلسوف إرادة القوة فحسب، وإنما باعتباره مفكرًا غيّر صورة الفلسفة نفسها. ففي نيتشه والفلسفة، يحاول دولوز أن ينقل نيتشه من فضاء الميتافيزيقا إلى فضاء القوى والعلاقات، فيجعل الاختلاف سابقًا على الهوية، والقوة مرتبطة بالتأويل، والقيمة مرتبطة بنمط الحياة الذي ينتجها. [3] ومن هنا يصبح الفكر النيتشوي قابلًا لأن يُقرأ جذموريًا: ليس لأنه يستخدم كلمة «الجذمور»، وإنما لأن حركته الداخلية تقاوم الاختزال في أصل واحد.
الجذمور: الفكر حين يخلع جذره
الجذمور هو، في عمقه الفلسفي، تمرّد على منطق الجذر. والجذر ليس مجرد صورة نباتية؛ إنه استعارة فلسفية كاملة. فالجذر يفترض أصلًا، والأصل يفترض شرعية، والشرعية تفترض مركزًا يوزع المعنى على الفروع. ولذلك كان النموذج الشجري، في قراءة دولوز وغاتاري، صورة للفكر الهرمي الذي يشتق فروعه من مبدأ أول. أما الجذمور فينقل الفكر من العمودية إلى الأفقية، ومن التسلسل إلى التعدد، ومن النسب إلى الاتصالات.
ولهذا يؤكد دولوز وغاتاري أن الجذمور «يوصل نقطة ما بأي نقطة أخرى»، وأن عناصره لا تنتمي بالضرورة إلى الطبيعة نفسها؛ إنه يربط بين سلاسل دلالية، وتنظيمات سلطوية، وأحداث، وفنون، وعلوم، وأشكال من الصراع الاجتماعي. [4] وهنا تتضح المسافة بين الجذمور والجذر: الجذر يؤسس، أما الجذمور فيوصل؛ الجذر يبحث عن الأصل، أما الجذمور فيبحث عن العلاقة؛ الجذر يريد الهوية، أما الجذمور فيفتح المجال أمام الاختلاف.
وهذا المعنى هو الذي يجعل استدعاء نيتشه ضروريًا. فنيتشه نفسه كان يشتغل ضد فكرة الهوية التي تسبق الاختلاف، وضد التصور الذي يجعل الأشياء قابلة للفهم من خلال جوهر ثابت. إن «التعدد» عنده ليس مجرد تعدد في الأشياء، بل تعدد في القوى والمنظورات والقيم. ولهذا فإن دولوز حين يقرأ نيتشه لا يكتفي بشرحه؛ بل يحوّله إلى قوة مولدة لفلسفة جديدة. فنيتشه عند دولوز ليس موضوعًا تاريخيًا، بل آلة لإنتاج الاختلاف.
الجذمور، إذن، ليس مجرد شبكة من العلاقات؛ إنه طريقة في التفكير لا تعترف بأن الطريق الوحيد إلى الحقيقة يمر عبر مركز واحد. ولهذا يمكن أن يكون الكتاب نفسه جذمورًا، كما حاول دولوز وغاتاري أن يجعلا من ألف هضبة كتابًا غير هرمي، لا يفرض على القارئ بداية واحدة ونهاية واحدة، بل يسمح له بالدخول من أي موضع تقريبًا. وتلك ليست مجرد تقنية في التأليف؛ إنها، في العمق، فلسفة في الكتابة: أن تكون طريقة الكتابة متناسبة مع الفلسفة التي يدافع عنها الكتاب. [5]
من الجذمور إلى المهماز: نيتشه بوصفه أسلوبًا
إذا كان الجذمور يحرر الفكر من الجذر، فإن المهماز يحرره من السكون. وهنا نصل إلى دريدا. فكتاب Éperons. Les styles de Nietzsche لا يقرأ نيتشه بوصفه صاحب «مذهب» فقط، وإنما بوصفه صاحب أساليب. والمصطلح الفرنسي Éperon يحيل إلى المهماز الذي يستعمله الفارس لدفع الحصان، لكنه يحمل أيضًا شبكة من الدلالات المتعلقة بالحركة، والدفع، والحافة، والأثر، والجنس، والكتابة، والاختلاف. وقد صدر النص الفرنسي في سياقات متعددة، وأصبح من النصوص الأساسية في القراءة التفكيكية لنيتشه[6].
المهماز هنا ليس أداة خارجية فحسب؛ إنه صورة لفعل الكتابة ذاته. الكتابة النيتشوية لا تسير بهدوء نحو نتيجة محددة، وإنما تدفع القارئ، تستفزه، تربكه، وتدفعه إلى إعادة السؤال. إنها كتابة ذات حدّ، ذات وخز، ذات حركة. ولذلك لا يستطيع القارئ أن يقرأ نيتشه كما يقرأ نصًا فلسفيًا تقليديًا يبحث عن أطروحة ثم يثبتها بمقدمات ويستخلص منها نتائج.
إن نيتشه يكتب كما لو أنه يضع أمام الفكر مهمازًا: «تحرك!» لا تستقر. لا تجعل من الحقيقة مأوى نهائيًا. لا تحول التأويل إلى عقيدة. لا تحوّل الفيلسوف إلى صاحب نظام. ولذلك فإن دريدا يركز في قراءته على الأسلوب Styles بالجمع، لا على الأسلوب بالمفرد. فالأسلوب النيتشوي متعدد، مراوغ، متشظٍّ، يتخذ هيئة الشذرة والاستعارة والسؤال والمفارقة والأمثولة والضربة الشعرية. [7]
وهنا تظهر إحدى أجمل المفارقات: الجذمور يصف بنية الانتشار، والمهماز يصف قوة الدفع. الأول يجيب عن سؤال: كيف يتوزع الفكر؟ والثاني يجيب عن سؤال: ما الذي يدفع الفكر إلى الحركة؟ الأول أفقي، متعدد، شبكي؛ والثاني حاد، دافع، استفزازي. لكنهما يلتقيان في نقطة عميقة: كلاهما يرفض الفكر الساكن الذي يطلب لنفسه مركزًا نهائيًا.
نيتشه بين الخريطة والمهماز
يمكننا الآن أن نعيد بناء نيتشه من خلال صورتين لم يضعهما هو بالصيغة الاصطلاحية نفسها: الخريطة الجذمورية والمهماز التفكيكي. فالجذمور يجعل الفكر خريطة، لا شجرة نسب؛ والمهماز يجعل الفكر حركة، لا إقامة. وفي الحالتين تسقط فكرة الفلسفة بوصفها بناءً مغلقًا.
إن مفهوم «القوى» عند نيتشه يسمح بهذا الانتقال. فالقوة ليست جوهرًا ثابتًا، بل علاقة. وما دامت القوة علاقة، فإنها لا توجد في عزلة، وإنما داخل شبكة من القوى. ومن هنا يصبح الوجود نفسه أقرب إلى شبكة من التأثيرات والتوترات والتأويلات. وقد كان دولوز من أكثر من التقطوا هذه النقطة حين قرأوا إرادة القوة باعتبارها عنصرًا تفاضليًا لا مجرد إرادة للسيطرة. [8]
وهنا تتقاطع قراءة دولوز مع قراءة دريدا، رغم اختلاف المشروعين. فدولوز يستخرج من نيتشه إمكان فلسفة الاختلاف والقوى والصيرورة، بينما يستخرج دريدا من نيتشه أزمة الحضور، وعدم استقرار الدلالة، وتعدد الأساليب، واستحالة رد النص إلى معنى واحد نهائي. وكأن نيتشه، في القراءتين، يصبح فيلسوفًا لا ينتهي إلى نفسه؛ إنه يظل مفتوحًا على قراءات أخرى، وهذه القراءات لا تخونه بالضرورة، بل تكشف عن قوة النص الذي لا يستنفد في قراءة واحدة.
المهماز والمرأة والكتابة: الوجه التفكيكي
من أكثر جوانب المهماز إثارة للتأويل أن دريدا يجعل من علاقة نيتشه بالمرأة والأنوثة والكتابة مجالًا لكشف عدم استقرار الدلالة. فالمرأة عند نيتشه ليست مفهومًا يمكن القبض عليه بسهولة؛ إنها في نصوصه استعارة، وقناع، ولغز، وموضوع للرغبة، وأحيانًا صورة للحقيقة ذاتها. ولهذا تصبح محاولة تثبيت «موقف نيتشه من المرأة» في تعريف واحد نوعًا من العنف التأويلي. [9]
وهنا يؤدي المهماز وظيفته: إنه لا يسمح للنص بأن ينام داخل معنى نهائي. فكلما ظن القارئ أنه أمسك بالمعنى، وخزه النص من جديد. وهذا هو جوهر القراءة التفكيكية: المعنى ليس شيئًا موجودًا في النص ثم يأتي القارئ لاستخراجه، وإنما هو أثر يتشكل من شبكة من الاختلافات والإحالات.
ولهذا فإن عبارة نيتشه الشهيرة «لقد نسيت مظلتي*J'ai oublié mon parapluie» تصبح عند دريدا نموذجًا لعدم قابلية الكتابة للإغلاق. فالعبارة موجودة، لكن سياقها النهائي غير متاح، ولا يمكننا أن نضمن ما أراده نيتشه بها على نحو نهائي. لقد حاول جاك دريدا تفسير أسلوب نيتشه من عبارة، قول مأثور: «لقد نسيت مظلتي» لا نعرف من أين أتت هذه العبارة، ولن نعرف أبدًا ما أراد نيتشه أن يفعله أو يقوله بها. إنها معزولة عن سياقها الأصلي، عن أي نية. لا يمكننا أبدًا الكشف عن حقيقتنا أو إفشاء سرّنا. وينطبق الأمر نفسه على هذا الأسلوب: فهو ليس دائمًا قابلًا للفهم، ويجب أن يتكاثر -هذه هي إرادته للهيمنة. لكي يظهر مثل هذا المصطلح، لا يكفي أن يكون هناك "أنا" واحدة؛ بل يجب أن تكون هناك "أنا" أخرى تُقيم علاقة ما بعد الموت مع نفسها. يتناول دريدا هذه المسألة في كتابه "المهماز" كمثال على استحالة امتلاك النية النهائية للنص. [10]
إن «نسيان المظلة» ليس تفصيلًا هامشيًا؛ إنه صورة مذهلة عن النص الذي يترك شيئًا خلفه ولا يمكن للقارئ أن يستعيده كاملًا. هنا تتحول الكتابة إلى أثر، والأثر إلى سؤال، والسؤال إلى تأويل لا ينتهي.
الجذمور والمهماز: نحو قراءة واحدة للاختلاف
إذا جمعنا المفهومين، أمكننا أن نقول إن الجذمور يمنحنا جغرافيا نيتشه، والمهماز يمنحنا ديناميته. الجذمور يقول إن الفكر لا يملك مركزًا واحدًا؛ والمهماز يقول إن الفكر لا ينبغي أن يستقر في مركز. الجذمور يفتح شبكة الاتصالات، والمهماز يدفع إلى الحركة داخلها.
وبهذا المعنى يمكن قراءة نيتشه باعتباره فيلسوفًا سبق المفهومين دون أن يكون قد صاغهما اصطلاحيًا. فقد فكك منطق الأصل، وأربك ثنائية الحقيقة والخطأ، ونقل الفكر من البحث عن الجوهر إلى تحليل القوى، ومن اليقين إلى المنظور، ومن النظام إلى الصيرورة. ثم جاء دولوز وغاتاري ليمنحا هذا الإرث صورة نباتية-أنطولوجية هي الجذمور، وجاء دريدا ليمنحه صورة أسلوبية-تفكيكية هي المهماز.
إن الفارق بينهما مهم: دولوز يريد أن يجعل من نيتشة. [11] قوة إيجابية لإنتاج فلسفة الاختلاف؛ دريدا يريد أن يكشف في نيتشه قوة النص التي تقاوم كل محاولة لإغلاقها. الأول يقرأ نيتشه من جهة القوى والصيرورات، والثاني يقرأه من جهة الكتابة والأسلوب والأثر. لكن كليهما يرفض تحويل نيتشه إلى تمثال فلسفي.
وهذا هو سرّ نيتشه: أنه كلما حاولنا أن نضعه في مركز، تحرك؛ وكلما حاولنا أن نمنحه تعريفًا نهائيًا، انفلت؛ وكلما جعلناه أصلًا، أنتج فروعًا جديدة. إنه، بلغة تأويلية، فيلسوف لا يسكن في مفهومه، بل يسكن في إمكانات المفهوم.
خاتمة: نيتشه الذي لا يتجذّر
لعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من الجذمور والمهماز هو أن نيتشه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره «جذرًا» لفلسفات ما بعده، لأن تحويله إلى أصل مؤسس يعيد إنتاج النموذج الذي كان نيتشه نفسه يعمل على خلخلته. الأفضل أن نفهمه بوصفه جذمورًا من حيث الأثر، ومهمازًا من حيث الدفع: جذمورًا لأن أفكاره لا تنمو من مركز واحد، ومهمازًا لأنها لا تسمح للفكر بالبقاء في موضعه.
وهكذا لا يكون نيتشه بداية خطية لدولوز ودريدا، بل حقلًا مفتوحًا تتقاطع فيه مسارات متعددة. دولوز يأخذ منه الاختلاف والقوة والصيرورة، ودريدا يأخذ منه الأسلوب والقناع والتأويل وعدم انغلاق الدلالة. وبين الاثنين يبقى نيتشه حاضرًا لا كأبٍ فلسفي، بل كقوة إزاحة.
إن الجذمور يقول لنا: لا تبحث عن الجذر، بل عن الاتصالات. والمهماز يقول: لا تستقر في المعنى، بل دع النص يدفعك إلى معنى آخر. وبينهما تتشكل نيتشوية تأويلية جديدة: فلسفة لا تبحث عن أرض نهائية للمعنى، بل عن إمكانات جديدة للعبور.
ولعل هذا هو الدرس النيتشوي الأعمق: أن الفكر لا يكون حيًا حين يمتلك الحقيقة، بل حين يمتلك القدرة على إعادة خلق السؤال.
***
بقلــم: د. معروفي العيد
.........................
الهوامش والمراجع:
[1] جيل دولوز وفليكس غاتاري، ألف سطِيحة: الرأسمالية والفصام 2، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي، منشورات الجمل/ العراق بغدد، الشارقة/ الإمارات العربية المتحدةط1 20223 في ترجمة «الجذمور»، وانظر خصوصًا المقدمة المعنونة «الجذمور». والنص الفرنسي: Gilles Deleuze et Félix Guattari, Mille plateaux. Capitalisme et schizophrénie 2, Paris, Les Éditions de Minuit, 1980, pp. 9–37. وتؤكد المصادر الفرنسية أن «Rhizome» ظهر أولًا في نص مستقل سنة 1976 ثم صار مقدمة Mille plateaux.
[2] فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر : تباشير فلسفة للمستقبل، ترجمة : جيزيلا فالور حجّار، مراجعة: موسى وهبة، دار الفارابي،2003، ص. 27 وما يليها؛ وانظر الأصل الفرنسي : Friedrich Nietzsche, Par-delà bien et mal, trad. Patrick Wotling, Paris, Flammarion, 2000.
[3] Gilles Deleuze, Nietzsche et la philosophie, Paris, Presses Universitaires de France, 1962, notamment pp. 7–15.
[4] Deleuze et Guattari, Mille plateaux, op. cit., pp. 13–14، حيث يقدمان الجذمور بوصفه نظامًا يربط نقطة بأي نقطة، ويعارضان به النموذج الشجري. وتؤكد المصادر المتاحة صيغة «connecte un point quelconque avec un autre point quelconque».
[5] المرجع نفسه، ص. 33 بالطبعة الفرنسية؛ وتظهر في النص العبارة التي يربط فيها المؤلفان بين شكل الكتاب وطبيعة الجذمور، إذ يؤكدان أنهما باشرا كتابة الكتاب «كجذمور.
[6] Jacques Derrida, Éperons. Les styles de Nietzsche, Paris, Flammarion, 1978. وقد ظهرت للكتاب ترجمات عربية، منها: ترجمة، عزيز توما وتقديم ومشاركة في الترجمة ابراهيم محمود، بعنوان المهماز: أساليب نيتشه، دار الحوار للنشر والتوزيع-سوريا_ اللاذقية، ط١ ٢٠١٠.
[7] Jacques Derrida, Éperons. Les styles de Nietzsche, op. cit.، ولا سيما الصفحات التي يشتغل فيها دريدا على تعدد «الأساليب» وعلاقة الكتابة بالاختلاف الجنسي والاستعارة والقناع. ويمكن الرجوع إلى الطبعة الفرنسية المنشورة لدى Flammarion.
[8] Gilles Deleuze, Nietzsche et la philosophie, op. cit., pp. 49–57، حيث يطور دولوز قراءته لإرادة القوة باعتبارها علاقة بين قوى متمايزة لا مجرد إرادة سيطرة بالمعنى المبسط.
[9] جاك دريدا المهماز أساليب نيتشه : ترجمة، عزيز توما وإبراهيم محمود، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا ـــــــ اللاذقية ـــــ ط 1 2010، ص، 128. يقول في هذا السياق جاك دريدا:" إن جميع النعوت والسمات والجاذبية التي عرفها نيتشه عن المرأة كالمسافة المضللة، كالمنيعة التي تجذب الأنظار، كالوعــد المتخفي وراء الحجاب، كالتعالي الذي يصنـع الرغبة، كالــــ Enferung تنتمي إلى تاريخ الحقيقة بوصفه تاريخ عثرة. " الصفحة ذاتها.
[10] المرجع ذاته، ص، 163-173.
[11] Frédéric Porcher, La question-Nietzsche. Les normes au carrefour du vital et du social, Paris, Vrin, 2023. وتفيد الدراسة في تأكيد المكانة التي احتلها نيتشه في الفكر الفرنسي المعاصر، ولا سيما عند فوكو ودولوز وغاتاري.








