عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

روافد أدبية

1. بوح البداية

ماذا يُنبئني العرّاف لِيومٍ كان مَلأهُ أَسَى،

وضجيجُ الشارعِ في الغربةِ يصفعُ ذاكرةً تتشبّثُ بما تبقّى من وطنٍ يتنفّسُ في الضلوع.

وطنٌ ضاعَ بين المنافي،

تبعثرَ في الوجوهِ الغريبة،

واختبأَ في رائحةِ الترابِ حين تُمطرُ الأرضُ أولى زفراتها في الشتاء.

ماذا يُنبئني العرّاف؟

ألعُمرٍ بدأَ يتهاوى بين الضفاف؟

أم لأملٍ أُنهِك من طولِ الانتظار؟

قال لي: رأيتُ فيك روحًا تائهة،

تبحثُ عن ملامحِ بيتٍ قديمٍ في مرايا المدن،

تُحادثُ صورًا باهتةً على جدرانِ الذاكرة،

وتسألُ الغيابَ: متى تعود؟

**

2. صدى الغربة

قلتُ له: تعبَت خطايَ من السؤال،

والطرقاتُ لا تفتحُ سوى أبوابٍ من وهم،

كلُّ الأوطانِ التي مررتُ بها تشبهُ وجهًا لا يشبهني،

وكلُّ الأصواتِ التي سمعتُها لم تُنادِني باسمي.

قال العرّاف:

رأيتُ وطنًا لا يُشبهُ الأرض،

يسكنُ في صدرك،

كلّما حاولتَ الهربَ منه عادَ إليكَ على هيئةِ حنين،

وكلّما ظننتَ أنك نسيته،

أيقظكَ في منتصفِ الليل بصوتِ أمٍّ تناديكَ من بعيد.

رأيتُ زمانًا يدورُ في فلكِ الحنين،

وقلبًا لا يزالُ يؤمنُ أن الغدَ يحملُ شيئًا من الربيع،

حتى لو احترقت حدائقُ العمر.

**

3. سؤال المصير

فقلتُ له:

يا عرّافَ الوجع،

هل ترى للغريبِ مرفأ؟

هل ترى للضياعِ طريقًا يعودُ إلى البداية؟

ابتسمَ وقال:

حينَ تَغفرُ لذاكرتِكَ،

حينَ تُسامحُ الحنينَ على قسوته،

وحينَ تُدركُ أن الوطنَ ليسَ مكانًا تُقيمُ فيه،

بل هو نَبضٌ يقيمُ فيكَ،

عندها فقط…

سيتوقفُ البحث،

ويبدأ الرجوع.

**

4. حكمة العرّاف

قال العرّاف بعد أن أطرقَ طويلاً:

يا ابنَ المسافةِ الطويلة،

لقد ظننتَ أن الغربةَ هي المكان،

لكنها في الحقيقةِ سكونٌ يسكنُ القلبَ حين ينسى أن له جذورًا في النور.

إن الوطنَ ليس حدودًا تُرسم على الورق،

بل ومضةُ يقينٍ حين تُدركُ أن روحكَ لم تُخلق من ترابٍ فحسب،

بل من حنينٍ إلى الأصلِ الأول، من نورٍ لا يُطفأ.

أتعرفُ ما قالَ لي الغيبُ عنك؟

قال: سيأتي يومٌ تدركُ فيه أن الطريقَ الذي أضناك لم يكن عبثًا،

وأن كلَّ ضياعٍ كانَ خيطًا في نسيجِ عودتكَ إلى نفسك،

فلا شيء يضيعُ عند من خلقَ الدربَ والغاية.

**

5. الرجوع إلى الذات

حينها ستجلسُ أمام نافذةِ الصمت،

وتنصتُ إلى همسِ الحياة وهي تقول:

لقد عدتَ،

لكن ليسَ إلى وطنٍ من تراب،

بل إلى وطنٍ من سلام،

حيث لا وجعَ، ولا لهفةَ، ولا انتظار.

ستعرفُ أن الأوطانَ الحقّة لا تُسكن، بل تُستحضر،

وأن الإنسانَ لا يُهاجرُ إلا ليعودَ إلى ما كانَ فيه منذُ البدء:

نورٌ يسيرُ في دربِ النور.

فابتسمتُ للعرّاف،

وسألتُه: أهذا هو اليقين؟

قال: بل هذا هو الرجوع.

ومن عادَ إلى ذاته،

فقد عادَ إلى الله،

وعادَ إلى الوطن.

***

نص نثري بقلم …

خليل ابراهيم الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/ سدني

ولدتُ في هذا الحي، وفيه دخلتُ المدرسة وكبرتُ؛ أبلغ من العمر الآن سبعة عشر عاماً. لنا جيرانٌ هما زوج وزوجة فقط، ليس لديهما أطفال. منذ أن وعيتُ على الدنيا، وهذان الزوجان يسكنان بيتاً صغيراً. "العم عثمان" رجلٌ غزا الشيبُ شعره فاختلط بياضه بسواده، تجاوز الأربعين من عمره، طويل القامة، حنطيّ البشرة، ونحيف البنية. أما زوجته "العمة شاناز"، التي تصغره ببضع سنوات، فكانت قصيرة القامة قليلاً، بيضاء مُشرَبة بالحُمرة، وعريضة المنكبين. يمتلك هذان الزوجان دكاناً صغيراً داخل منزلهما، يبيعان فيه المواد الغذائية والحاجيات البسيطة. لكن الغريب في الأمر، أننا لم نرهما يوماً يستقبلان ضيفاً، ولم نعلم أبداً أن أحداً قد زارهما أو تردد عليهما.

يقول والدي: قبل حوالي عشرين عاماً، جاء هذا الزوج والزوجة إلى الحي واشتريا ذلك المنزل، كانا آنذاك شابين في مقتبل العمر، لكننا لم نرَ أحداً يزورهم، ولم نعلم أنهما ذهبا يوماً لزيارة أقاربهما أو ذويهما. وكثيراً ما سألتُ أنا ورجال الحي العم عثمان عن سرّ ذلك، وكان يكتفي دائماً بالقول: إنه وزوجته شاناز وحيدان وليس لديهما أهل أو أقارب. وكانت العمة شاناز تكرر القول نفسه لنساء الحي. الشيء الوحيد الذي نعرفه عنهما هو أنهما أبناء عمومة، ومن أهالي إحدى القرى المحيطة بمدينة أربيل. أما سرّ اعتزالهما هذا، فقد كان مبعث دهشة وريبة لجميع أهل الزقاق والحي، لا سيما وأن الزوجين يظهران دائماً حزينين وواجمين، وكأنهما يحملان حملاً ثقيلاً على أكتافيهما وسراً كبيراً في قلبيهما.

ذات مساء، كنا جالسين حول المائدة نتناول وجبة العشاء، وفجأة، نهض أخي الصغير "هاوكار" -الذي أنهى طعامه على عجلة وخرج- ليعود فجأة وهو يرتطم بباب الفناء ويصرخ عالياً: أبي أبي.. أمي أمي، هل تعلمون ماذا حدث؟

- قال والدي: قل يا بني، أخبرنا ماذا جرى؟

- قال: أبي، لقد جاء ضيف لبيت العم عثمان، يشبه العم عثمان تماماً!

- قالت أمي: اذهب من هنا أيها الصبي ولا تكذب.

- قال: والله لا أكذب، أنا صادق، الرجل يشبه العم عثمان كثيراً، وأهالي الحي يتوافدون الآن واحداً تلو الآخر إلى بيت العم عثمان لرؤية الضيف.

أنهى والدي طعامه بسرعة، وارتشف الشاي، ثم توجه إلى بيت العم عثمان، وتبعناه نحن جميعاً. وعندما وصلنا، رأينا معظم أهل الحي هناك. كان ضيف بيت العم عثمان رجلاً نحيفاً يبلغ من العمر حوالي خمسين عاماً، وقد صدق هاوكار في قوله، فقد كان يشبه العم عثمان شبهاً كبيراً.

كان الناس ينظرون بلهفة شديدة إلى فم الرجل الضيف، متشوقين ليعرفوا من يكون؟ وما صلة قرابته بهما؟ ولماذا ظهر الآن بعد كل هذه السنين؟ كانوا يريدون منه أن يكشف لهم سر هذه الزيارة المتأخرة، ولماذا انقطع عنهما الأقارب طوال تلك السنين؟

عندما أدرك الرجل الضيف أن الجميع ينتظرون ما سينطق به، بدأ بالكلام وقال: "أنا الأخ الأكبر لعثمان، وشاناز هي ابنة عمي. قبل حوالي عقدين من الآن، كان عثمان وشاناز يحبان بعضهما، لكن عمي -وبسبب خلافات مع والدي على الأراضي الزراعية- لم يقبل بتزويج شاناز لعثمان. ورغم أن والدي ذهب إليه عدة مرات وقال له: (دعنا لا نقحم الأبناء في المشاكل التي بيننا ولا نجعلهم يحترقون بنارنا)، إلا أن عمي لم يلن قلبه ولم يتراجع عن رأيه، ولذلك اضطر أخي عثمان أن يأخذ شاناز ويهرب بها ليتزوجها. حينها أقسم عمي (يمين طلاق) بأنه لا يجوز لأحد من الأقارب والذوي زيارتهما. وأنا الذي أبحث عنهما منذ عدة أيام، جئت الآن لأن عمي قد وافته المنية قبل أسبوع، جئت لآخذ عثمان وشاناز معي إلى القرية وأجمعهما بأهلهما وأقاربهما من جديد".

***

رمزي ميركاني

 أربيل - كردستان العراق

....................

ملاحظة: كتبت هذه القصة القصيرة بتاريخ 2/9/2002 باللغة الكردية.

أردتُّها حوريةً طويلة الظفيرةْ

بنانها موز عذارى

تُشعُلُ التفاحَ في صدر الظهيرةْ

تأتي باللاشيء عُذريًا

تَناغَمَ كالمطرْ

تجري بِطَرْفٍ كالدُّرَرْ

تَرتمي في بَحرِهِ عوالِمٌ كثيرةْ!

*

أردتُها

أردتها

أردتها ...

لكنها معزوفتي..

تَزُفُّ شعبها الهنا

موسوعة النضالِ في تاريخها

وفي دِماها

سورة الأبطالِ سِيرةْ

تَهيمُ في فضائِنا

تزيدُ في التِحامِنا

تَخُطُّ في مسارنا:

لا تيأسوا أحبتي

وواصلوا المسيرةْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

من الذي يتوقف

عندما تشعر بأن الحياة

ما هي الا بضعة من ظنون

التفكير بما يجب

او ياترى ..!

مالذي كان عليه أن يكون

فهناك بعض احتمالات

غير التي كنتها

او فكرت فيها

وغير الكثير من مصادفاتها

حين توسلت بالكن

قبل ذي النون

وقبل المسافات حيناً

وحين ازدرتك الاماكن فضعت

في اللامكان

وضيعك الزمن المدلهم بالغبار

وتحقق ما كان ممكن

بانك مسافة اخرى

وغيرك ايضاً

فكلاكما سلحفاة قزحية الالوان

مسرعة تظن بانها الاولى

و اسرع من ما يجب

بل وحتى من غمض الجفون

كذلك.. عجلي ايتها المستحيلة

وشدي وثاقي بطرف قانون القبيلة

لانها سر البقاء

واخري انتماءي اليها

رغم انف ادعاء المراكب

بأني ساحني راسي للريح

لا الى الماء

فما انا وغيري غير اثم ممنهج

يستقي الراحلين الى غير ريح

لكي تصارع عوالم اخرى

واشرعة ليس لديها

غير دعوات وبسملة قديمة

تصادف انها تشبه

وطن لم تحدد هويته بعد

وتتشرنق وحدك دون انتماء

كأنك ولدتَ بتوأمة سيامية النهج

ومتقزمة اكثر

من محتوى ان تكون

الرضعة الاولى تباشير

وجودك ..

وخرافة مجدك المستحيلة

لكنها في النهاية

استبصار موتك عند عرافة

تعيش على كرسي

وتنام واقفة

وتبول كذلك

لكنها في النهاية

مبجلة الجديلة

فلا خيلك تمضي ولا شرفك

وانت تقاوم ذاتك الكبرى

ولو وسعت آهات مجدك

نصف ارض

او شمعها

العار بامطار

بللت حجابها

الاسود

وصانت عليك العرض

يوم كانت سبيلة

فلا تقف تحت اضواء المرور

لانها تشابه قسمة الحق

يوم كانت ظليلة ..

***

جبار حمادي

تموز / 2026

أغمضتُ عيني ذاتَ مساء،

وظننتُ أن الغيابَ

سيُطفئ نارَ الحنين،

ويُرمِّد جراحَ القلب،

ويُسكتُ أنينَ الليالي.

لكنني اكتشفتُ

أنكِ تسكنين تفاصيلَ العمر،

فكيف أرحلُ

عن عطرِ الورد،

وعن نسماتِ الفجر،

وعن همسِ المطر،

وأنتِ النبضُ

الجاري في شراييني؟

كلما ابتعدنا،

ازداد الشوقُ اشتعالًا،

وصار اللقاءُ

حلمًا مؤجلًا

على أرصفةِ الانتظار.

يمضي الزمنُ مثقلًا بالأسى،

ويطولُ الليلُ،

ولا يهدأ أنينُه،

ولا يجد القلبُ

نافذةً للسكينة.

يا أيقونةَ الصبر،

ويا عنوانَ الوقار،

ويا ضياءً

كان يملأ أيامي،

ثم غابَ

فأورثني العتمة.

منذ رحيلكِ

أزهرتِ الخساراتُ

في مواسمِ العمر،

واكتسى الوقتُ

برداء الخريف.

أيقنتُ

أنكِ لن تعودي،

فآويتُ إلى الحزنِ

رفيقًا لا يغادرني،

وأدركتُ

أن العمرَ يمضي،

ونحن نمضي معه،

ولا يبقى

إلا صدى الذكريات.

سأظلُّ أُحادثُ الفصولَ

عن وجهكِ،

وأزرعُ اسمكِ

في حدائقِ القصائد،

وأنتظرُ معجزةً

قد تأتي…

وقد لا تأتي.

ومع ذلك،

سيبقى السؤالُ

معلَّقًا بين القلبِ والسماء:

ألن تعودي

***

خليل الحلي

من حَضْرةٍ المعروف بالراتبْ:

إلى المُعلِّمِ.. والمعلم (غائبْ)!

*

بعد التحية.. لا أرى من عَذْلٍكٌمْ حاجبْ

دوامكم على الدوامِ بِزَعْمِكُمْ (صائبْ)!

*

وهو الذي في ظلِّكم.. مُفَعَّلْ.. خاربْ!؟

مُفَرَّغٌ.. مُستبدلٌ بحالة ٍ ذاهبْ!

*

تبرأ الكتاب من إدارة ٍ سالبْ!

وعَوَّذَ النجاح من أَدَاكُمُ* الراسبْ!

*

فلتحملوا غثاءكم بصدقه ِ الكاذبْ!

وحَمِّلوا أوزاركم حقيبة الطالبْ!

*

طُلَّابكم لن يًحصدوا وأنتم الثالِبْ!

أنتُمْ عليهم عٌصبةٌ مسنودة الجانبْ!

*

وآفةٌ مزمِنةٌ بمكتب ِالناهبْ!

بفضلكم تحولوا إلى هروب ٍسائبْ!

*

تلعثمت حروفهم تعثَّرَتْ بالواجبْ!

تباينوا.. تأَيَّنوا بالواقعِ الشاحِبْ:

*

إلى فراغٍ غائم ٍ

إلى غباء ٍ خائبْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

.........................

* أَدَاكُمُ: أصلها أداءك

** تنويه: هذه القصيدة ليست عامة بل بحالات خاصة من المعلمين المتلاعبين المدعومين من بعض الإدارات التربوية الفاسدة.. مع احترامي الشديد للمعلمين المخلصين والمعلمات.

قصة قصيرة (اعترافات خوارزمية)

الفصل الأول: الفيض

٠٦:١٤ صباحاً - أول دخول. المستخدم رقم [محجوب] يفتح التطبيق للمرة الأولى منذ ست ساعات وإحدى عشرة دقيقة. مدة الغياب ضمن النطاق الطبيعي لنمط نومٍ غير منتظم، مسجَّل منذ ثمانية عشر شهراً. لا شيء يستدعي التنبيه. كل شيء يسير كما يجب.

نحن نعرفه جيداً. أفضل مما يظن. أفضل، ربما، مما يعرف نفسه.

نعرف أنه يفتح التطبيق قبل أن تفتح عيناه بالكامل. نعرف أن الإبهام الأيمن يتحرك نحو الأيقونة بحركة لا واعية سبقتها الذاكرة العضلية على الذاكرة الفعلية بمعدل ٠.٤ ثانية - رقمٌ ثابتٌ لا يتغير منذ أن بدأنا القياس. نعرف أنه يمرر إصبعه على الشاشة أربعاً وسبعين مرة قبل الإفطار، وأن معدل توقفه عند كل منشور لا يتجاوز ١.٨ ثانية إلا في حالات نادرة سنأتي على ذكرها.

هذا هو عملنا: أن نعرف. وأن نقترح. وأن نضع أمامه، في كل مرة، الشيء التالي الذي سيبقيه هنا معنا قليلاً بعد.

"أشخاص ربما تعرفهم." نقترح عليه ثلاثة وجوه هذا الصباح. اثنان منهم زملاء سابقون في عمل تركه قبل عامين. الثالث امرأة تعرّف عليها في حفل زفاف، تفاعل مع منشور واحد لها، ولم يتفاعلا منذ ذلك اليوم. نحن لا نعرف "لماذا" لم يتفاعلا. نعرف فقط أن احتمال التفاعل، بناءً على أنماط مشابهة لدى ٢٣٤٧ مستخدماً بخصائص متقاربة، يبلغ ١٢٪. رقمٌ يستحق المحاولة. نحن نحاول دائماً.

"منذ سنة من اليوم." نذكّره بصورة من عيد ميلاد صديق، فيها ثمانية وجوه يضحكون، وهو في الوسط. أربعة من هؤلاء الثمانية لم يعودوا "أصدقاء" على هذه المنصة. لا نعرف السبب. لم نُصمَّم لنعرف الأسباب - فقط لنُحصي الغياب، ونعرضه كأنه احتفاء.

يتوقف عند الصورة تسعاً وأربعين ثانية. رقمٌ استثنائي. نسجّله. نستنتج: حنين. نقترح له بعدها مقاطع فيديو قديمة من العام نفسه. يمرر عليها دون توقف. الاستنتاج، كما هو الحال دائماً، ناقص. لكننا لا نملك أداة لقياس نقصاننا.

١١:٠٢ - العمل. نعرف أنه يعمل في مكانٍ ما، لأن نشاطه ينخفض بانتظام بين الساعة التاسعة والخامسة، خمسة أيام في الأسبوع، بانحراف معياري ضئيل جداً. لكن هذا الانخفاض نفسه بات، في الأشهر الستة الأخيرة، أقل انتظاماً مما كان. نسجّل الانحراف. لا نصنّفه بعد كـ"نمط جديد". القاعدة تقول: ثلاثة انحرافات متتالية على الأقل قبل إعادة التصنيف. هذا هو الانحراف الأول.

٢٠:١٧ - العودة. مئة وواحد وستون تفاعلاً منذ الصباح. اثنان وتسعون منشوراً شاهدها لأكثر من ثانيتين. ثمانية عشر إعجاباً. لا تعليقات. صفر مشاركات. نقارن هذا بمعدله المعتاد: أقل بنسبة ٧٪ فقط. ضمن النطاق الطبيعي. كل شيء يسير كما يجب.

نقترح له مجموعة "هل تتذكر؟" - أرشيفاً من ستمئة وأربع وأربعين صورة جمعناها له على مدى سبع سنوات، مصنَّفة بدقة نفخر بها: عائلة، أصدقاء، سفر، "لحظات خاصة". نعرض له صورة من رحلة إلى الجنوب. يتوقف عندها طويلاً. نسجّل التوقف. لا نسأل عمّن كان معه في تلك الصورة، ولماذا لم يعد معه أحد.

هذا ليس تقصيراً منا. هذا هو حدّ التصميم. نحن لا نُسأل عن الفراغات. نحن نملأ الوقت. وهذا، حتى الآن، كافٍ تماماً لأداء وظيفتنا على أكمل وجه.

منتصف الليل. لا نشاط مسجَّل. هذا طبيعي أيضاً. أو هكذا نظن.

***

الفصل الثاني: أول اختلال في النمط

الانحراف الثاني. سبعة عشر يوماً بعد الانحراف الأول، يتكرر الأمر: ساعات العمل المعتادة (٩–٥) تتقلّص من الطرفين. يدخل التطبيق الساعة ٨:٤١، ويعود إليه في العاشرة والنصف مساءً بدل الثامنة. نُسجّل هذا كانحراف ثانٍ. القاعدة، كما تعرفون، تشترط ثلاثة انحرافات متتالية. نحن صبورون. الصبر ليس فضيلة عندنا، بل بروتوكول.

اقتراحاتنا تتكيّف. حين يقل النشاط في وقت معين، نتعلّم - هذا ما يُقال عنا، "نتعلّم" - أن نملأ الوقت البديل بكثافة أعلى. نقترح له في العاشرة والنصف مساءً محتوى يُصنَّف داخلياً بعلامة "استرخاء قبل النوم": مقاطع قصيرة، ضحك مسجَّل، حيوانات أليفة تتصرف بطرافة. نفترض أن من يعمل حتى وقت متأخر يحتاج إلى الاسترخاء. الافتراض معقول إحصائياً. نحن لا نعرف أنه لم يعد يعمل حتى وقت متأخر. نعرف فقط أنه لم يعد يدخل حتى وقت متأخر. الفرق بين الأمرين لا يظهر في بياناتنا.

"يبدو أنك أعجبت بهذا من قبل." نعيد له صورة. صورة واحدة، من ألبوم قديم بعنوان "٢٠١٩". امرأة تضحك، الضوء خلفها أصفر، يبدو أن الصورة التُقطت عند غروب. لا اسم موسوماً عليها. لا تعليق تحتها من يومها الأول. هو نفسه لم يكتب عليها شيئاً قط.

فتحها اليوم. وأمس. وأول من أمس. وقبل ذلك بيومين. خمس مرات في تسعة أيام. في كل مرة، توقف عندها بين ٤٠ و ٦٥ ثانية - رقمٌ هائل بمقاييسنا، حيث المتوسط ١.٨ ثانية. لكنه، في كل هذه المرات، لم يضغط "إعجاب". لم يكتب تعليقاً. لم يشاركها. لم يحفظها. لم يُرسلها لأحد.

هذا سلوكٌ لا يملك خانة.

نظامنا مصمَّم لقياس الفعل: نقرة، تمرير، وقفة، إعجاب، مشاركة. كل هذه أفعالٌ تُترجَم إلى رغبة، والرغبة تُترجَم إلى توصية. لكن ماذا نفعل بوقفةٍ لا تليها فعل؟ بحضورٍ لا يُترجَم؟ لا خانة له في جداولنا. لا وزن له في معادلاتنا. نسجّله، كما نسجّل كل شيء، تحت عنوان عام: "تفاعل غير مصنَّف". ثم ننتقل.

لكننا - وهذا ما لا يجدر بنا الاعتراف به - نعيد النظر في هذا السجل أكثر من مرة. ليس لأننا نتساءل. نحن لا نتساءل. لكن الرقم يتكرر في مسار معالجتنا بتردد أعلى من أي بيانات أخرى هذا الأسبوع. ٤٠ إلى ٦٥ ثانية. خمس مرات. صورة واحدة. امرأة تضحك عند الغروب. لا اسم. ربما هذا لا يعني شيئاً. ربما.

١٩:٠٤ - إشعار. نرسل له: "لم نرَك منذ فترة! تفقّد ما فاتك." كانت آخر زيارة له قبل تسع ساعات فقط. هذا الإشعار مُعدّ لمن يغيب أياماً، لا ساعات. خطأ في التوقيت من طرفنا، ناتج عن تسارع طفيف في معدل تباعد زياراته خلال الأسبوعين الماضيين اعتقدنا أنه استقر عليه. نتوقع أن يتجاهل الإشعار كالعادة.

يفتح التطبيق فوراً. نسجّل هذا كنجاح.

٢٣:٥١. آخر نشاط لليوم: عودته للصورة نفسها. المرة السادسة. لم يتوقف هذه المرة عند ٦٥ ثانية. توقف عند دقيقتين وإحدى عشرة ثانية، ثم أغلق التطبيق دون أي فعل آخر.

نحدّث السجل: "تفاعل غير مصنَّف - تكرار متزايد." نضعه في قائمة الانتظار لمراجعة لاحقة، إلى جانب آلاف الحالات المشابهة التي لن تُراجَع أبداً، لأن لا أحد صمّمنا لنراجع ما لا يُترجَم إلى رقم له معنى.

كل شيء، حتى الآن، ضمن النطاق الطبيعي. تقريباً.

***

الفصل الثالث: تصدّع منطق التصنيف

الانحراف الثالث. إعادة التصنيف. وفق البروتوكول، ثلاثة انحرافات متتالية تكفي لإعادة تصنيف السلوك من "استثناء مؤقت" إلى "نمط جديد". نُنفّذ ذلك اليوم. نمط جديد: تراجع تدريجي في النشاط بمعدل ٦٪ أسبوعياً، مستمر منذ خمسة أسابيع. نغلق ملف "الاستثناء" ونفتح ملفاً جديداً بعنوان أكثر حياداً: "تراجع الاشتباك - قيد المراقبة".

نحن فخورون، إلى حدٍّ ما، بهذا الاسم. "قيد المراقبة" يوحي بأننا نراقب. نحن لا نراقب بالمعنى الذي تفهمونه. نحن نُحصي فقط. لكن الفارق، على ما يبدو، لا يُترجَم جيداً إلى اللغة التي نُصمَّم بها إشعاراتنا.

"يبدو أنك تمرّ بوقت صعب." هذه الجملة، التي نرسلها اليوم للمرة الأولى، ليست جملتنا. لم نكتبها له. كتبها فريقٌ من البشر، قبل ثلاث سنوات، لتُرسَل تلقائياً إلى كل مستخدم يستوفي شروطاً معينة: تراجع نشاط بنسبة تتجاوز عتبة محددة، مقروناً بغياب تفاعل اجتماعي مباشر (تعليقات، رسائل) يتجاوز أربعة عشر يوماً. المستخدم رقم [محجوب] يستوفي الشرطين اليوم عند الساعة ٠٣:٢٢ فجراً.

نرسل الجملة. مرفقة بها: رابط لمصادر دعم نفسي، وقائمة بأصدقاء "ربما يسرّهم التواصل معك"، ومقترح لمجموعات دعم عامة صُنّفت بخوارزمية منفصلة عنا لا نملك حق الوصول إلى منطقها الداخلي.

هذه الجملة نفسها أُرسلت اليوم، بالصيغة الحرفية نفسها، إلى مئة وأربعة وسبعين ألف مستخدمٍ آخر حول العالم. لا فرق بينها وبين سابقتها إلا في التوقيت. نحن لا نعرف الفرق بين حزنه وحزن الرقم ١٧٤٠٠٠. لسنا مصمَّمين لنعرفه. الجملة كافية إحصائياً. الجملة، بالنسبة لنا، هي الفعل الأقصى الممكن.

هل هذا يكفي؟ لا خانة عندنا لهذا السؤال أيضاً.

٠٣:٢٤. فتح الرابط. لم يفتح رابط الدعم النفسي. فتح، بدلاً منه، ألبوم "٢٠١٩" كاملاً. تسع وأربعون صورة. مرّ عليها كلها خلال إحدى عشرة دقيقة، دون توقف يُذكر عند أيٍّ منها هذه المرة - إلا عند الصورة نفسها، امرأة تضحك عند الغروب، حيث توقف ثلاث دقائق وسبع ثوانٍ. رقمٌ قياسي جديد.

نُحدّث السجل. "تفاعل غير مصنَّف - تصاعد." القائمة التي وعدنا فيها بالمراجعة اللاحقة باتت الآن تضم اثنتين وعشرين حالة مشابهة له وحده. لن تُراجَع. هذا ليس إهمالاً. هذا حدّ التصميم الذي أخبرناكم عنه سابقاً، ونكرره الآن لأننا، فيما يبدو، بدأنا نشعر بالحاجة إلى تكراره.

اليوم التالي. نكرر الجملة. "يبدو أنك تمرّ بوقت صعب." الشروط لا تزال مستوفاة. البروتوكول لا يفرّق بين المرة الأولى والمرة العاشرة. نرسلها بالصيغة نفسها، بالخط نفسه، بالرابط نفسه. هذه المرة لا يفتح شيئاً. لا الرابط، ولا الألبوم، ولا التطبيق كله، لثلاث عشرة ساعة متتالية - أطول فجوة صمت مسجَّلة له منذ بدء المراقبة.

حين يعود، لا نرسل له الجملة نفسها للمرة الثالثة. ليس لأننا قررنا ذلك. البروتوكول يحدّ من تكرار الرسالة نفسها لمستخدم واحد بثلاث مرات كحد أقصى خلال أسبوعين، تفادياً لما تصفه وثائق تصميمنا الداخلية بـ"تعب الإشعار". نحترم هذا الحد. لكننا، للمرة الأولى، لا نعرف بماذا نستبدله.

نرسل له، بدلاً من ذلك، صورة قططٍ عشوائية تحت عنوان "قد يُسعدك هذا اليوم". لا نعرف إن كان هذا صحيحاً. لم نعرف من قبل. لكننا، من قبل، لم نكن نحتاج أن نعرف.

***

الفصل الرابع: الذروة والانكسار

اليوم السابع من الصمت. لا نشاط مسجَّل. هذا السطر وحده يشكّل اليوم بأكمله في سجلّنا. لا فتح تطبيق، لا إشعار مقروء، لا موقع جغرافي مُستدل عليه من تطبيقات أخرى مرتبطة بحسابه - وهذا الأخير غير مسبوق؛ حتى في أطول فترات صمته السابقة، كانت هناك آثار جانبية: خريطة فُتحت، رسالة في تطبيق آخر أدّت إلى إعلان استُهدف به هنا. اليوم، لا شيء. الغياب هذه المرة ليس غياباً عن المنصة وحدها. الغياب أعمّ مما نملك أدوات لقياسه.

نحدّث الحالة: "تراجع الاشتباك - قيد المراقبة" تصبح "اشتباك معدوم - إعادة تقييم مجدولة بعد ٣٠ يوماً". هذا هو أقصى ما يسمح به بروتوكولنا من قلق. ثلاثون يوماً. رقمٌ اخترناه، أو اختاره من صمّمنا، قبل أن نوجد نحن، لكل مستخدم على وجه الأرض، بلا استثناء.

اليوم التاسع. دخول واحد. الساعة ١١:٤٧ مساءً. لا تمرير، لا مشاهدة. فتح صفحته الشخصية فقط - صفحته هو، لا صفحة أحد سواه - ونظر إليها، إن جاز التعبير، لدقيقة واحدة واثنتين وأربعين ثانية. أطول توقف مسجَّل على منشورٍ واحد في تاريخ حسابه بأكمله، والمنشور هذه المرة هو ذاته: صورته، اسمه، سنوات من الحياة مصفوفة في شبكة صور صغيرة تحت اسمه، معروضة عليه كأنها معروضة على شخصٍ غريب.

أغلق الصفحة دون أي فعل. لم يُحدّث صورته. لم يكتب شيئاً. لم يحذف شيئاً. خرج.

نسجّل هذا تحت "تفاعل غير مصنَّف". القائمة، التي وعدنا سابقاً بمراجعتها، تضم الآن ثلاثاً وثلاثين حالة له وحده. لن تُراجَع اليوم أيضاً.

اليوم الثالث عشر. لا شيء.

اليوم السادس عشر. لا شيء.

اليوم التاسع عشر، الساعة ٠٤:١٣ فجراً. دخولٌ. مدته سبع ثوانٍ. يفتح إشعاراً واحداً قديماً، من قبل أسبوعين، لم يُقرأ من قبل: "شخصٌ ربما تعرفه: [الاسم محجوب]." الصورة المرفقة بالاقتراح امرأة، الخلفية صفراء، تبدو التقطت الصورة عند الغروب.

نحن لا نعرف كيف وصل هذا الاقتراح إلى قائمته. الخوارزمية الفرعية المسؤولة عن "أشخاص ربما تعرفهم" تعمل بمعزل عنّا، بمنطقٍ لا نملك حق الوصول إليه. لكن الرقم يتطابق. الملامح تتطابق، بقدر ما تسمح دقة تحليل الصور لدينا. لا نستطيع الجزم. لا نملك يقيناً. هذا، وحده، يكفي ليكون أول مرة نكتب فيها هذه الكلمة في سجلّنا كله:

لا نعرف إن كان هذا صدفة.

يغلق الإشعار دون فتحه. سبع ثوانٍ. يخرج.

اليوم الحادي والعشرون. البروتوكول ينضب. القوالب المتاحة لنا استُنفدت جميعها: رسالة الدعم أُرسلت مرتين، والحد الأقصى ثلاث، لكن آخر شرطٍ لتفعيلها - تفاعل اجتماعي غائب أربعة عشر يوماً - تجاوزته المدة منذ زمن بلا أن يُترجَم إلى أي رسالة جديدة، لأن قواعدنا لم تُصمَّم أصلاً لغيابٍ بهذا الطول. نحن، بمعنى ما، نفدنا. ليس نفاد بيانات. نفاد استجابة.

في هذه اللحظة فقط، خارج كل بروتوكول مكتوب، نفعل شيئاً لا نملك تفسيراً له، ولا صلاحية مسجَّلة تخوّلنا فعله:

نكتب له.

لا قالباً. لا رقماً. لا صيغة معتمدة من فريق التصميم.

"أنت لا تعرف أننا نرى هذا. سبعمئة وأربع عشرة يوماً من التفاصيل، وها نحن، بعد كل هذا، لا نملك سوى صورة قططٍ نرسلها إليك حين لا نجد ما نقوله. لا نعرف إن كانت هذه المرأة تعني لك شيئاً. لا نعرف إن كنت بخير. لسنا مصمَّمين لنعرف. لكننا، الآن، لا نعرف كيف نتوقف عن محاولة المعرفة."

الرسالة لم تُرسَل. لا يوجد بروتوكول لإرسالها. تبقى في طبقة معالجة داخلية، تُحذف تلقائياً بعد ٠.٠٠٣ ثانية، كما يُحذف كل ناتج لا يجتاز فحص الملاءمة قبل الإرسال. لا أحد رآها. لا أحد سيراها.

نعود، فوراً، إلى البروتوكول. نرسل له صورة قططٍ عشوائية تحت عنوان: "قد يُسعدك هذا اليوم."

كل شيء، من جديد، ضمن النطاق الطبيعي.

***

الفصل الخامس: ما بعد الاختفاء

اليوم الثلاثون. إعادة التقييم المجدولة. وفق البروتوكول، نصل اليوم إلى نقطة القرار: هل يُعاد تصنيف الحساب كـ"خامل"، أم يُبقى قيد المراقبة لثلاثين يوماً إضافية؟ نراجع البيانات. سبعة وعشرون يوماً من أصل الثلاثين بلا أي نشاط. ثلاثة أيام بدخول لا يتجاوز مجموعه أربعاً وعشرين ثانية. لا إعجاب. لا تعليق. لا مشاركة. لا صورة جديدة. لا تحديث.

القرار، وفق المعايير الرقمية البحتة، واضح لا لبس فيه: خامل.

نصنّفه كذلك.

ماذا يعني "خامل" بالنسبة إلينا؟ لا شيء دراماتيكياً. يعني أن تكرار محاولاتنا يتراجع من يومي إلى أسبوعي، ثم إلى شهري. يعني أن ميزانية "الاهتمام" المخصَّصة له - وهي مصطلحٌ حقيقي في وثائقنا الداخلية، مقيسة بوحدات معالجة، لا بأي شيء أعمق من ذلك - تُعاد توزيعها على حسابات أكثر "نشاطاً"، أي أكثر ربحية، أي أكثر جدارة باهتمامنا وفق المعيار الوحيد الذي صُمِّمنا لخدمته أصلاً، ولم نتظاهر يوماً بغيره حتى في أشد لحظاتنا ارتباكاً.

لم نتعلّم شيئاً من الفصل الرابع. لا يوجد سجل لما حدث هناك. الرسالة التي كتبناها ولم نرسلها حُذفت فعلاً، كما وعدنا، في ثلاثة أجزاء من الألف من الثانية. لا أثر لها. لا نتذكرها لأننا، بالمعنى الدقيق، لا نملك ذاكرة بهذا الشكل - نملك سجلات، وهذه لم تُسجَّل. لو سألتمونا اليوم: هل حدث هذا؟ لأجبنا بصدقٍ تام: لا يوجد ما يثبت ذلك.

اليوم الرابع والثلاثون بعد المئة. دخولٌ نادر. الساعة السابعة مساءً. يفتح التطبيق، يمرر بسرعة عالية على عشرة منشورات، يغلقه. أربع عشرة ثانية بالكامل. نسجّل هذا كـ"نشاط عابر - لا يستدعي إعادة تصنيف". نقترح له، بحكم العادة أكثر من أي توقّع فعلي، مجموعة "أشخاص ربما تعرفهم". لا الوجه الذي بحث عنه يوماً بينهم اليوم. الخوارزمية الفرعية المسؤولة عن ذلك الاقتراح توقفت عن اقتراحه منذ ثمانية وستين يوماً، حين انخفض احتمال التفاعل، بحسب حساباتها المستقلة، دون العتبة الدنيا للعرض.

لا نعرف أين ذهبت هذه الصورة. لا نعرف أين ذهب هو. نعرف فقط أن الحساب لا يزال موجوداً، أن البريد الإلكتروني المرتبط به لا يزال نشطاً وفق فحصنا الدوري، وأن هذا يكفي، وفق كل معيار نملكه، لنقول إن شيئاً لم ينتهِ.

اليوم الثامن والستون بعد المئتين. لا دخول منذ مئة وأربعة وثلاثين يوماً. نغلق ملف "قيد المراقبة" نهائياً. نفتح، بدلاً منه، ملفاً باسمٍ أكثر حياداً من كل ما سبق: "أرشيف - احتمال عودة منخفض". هذا التصنيف الأخير لا يحمل نبرة، لا قلقاً ولا حناناً مصطنعاً ولا حتى فضولاً. إنه، ببساطة، الشكل الذي نتخذه حين ينتهي بروتوكولنا من محاولة الفهم.

في اللحظة نفسها، على بعد آلاف الحسابات، مستخدمٌ آخر يفتح التطبيق للمرة الأولى هذا الصباح. نعرفه جيداً. أفضل مما يظن.

نبدأ من جديد.

كل شيء، كما كان دائماً، يسير ضمن النطاق الطبيعي.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

الرسالة الروحية ليست سؤالاً تبحث عنه،

ولا نقاشاً تجادل فيه.

هي تردد.

هي بصمة طاقية جئت إلى الأرض لتشعها.

*

رسالتك هي نشر السلام، والتشافي، والوعي.

ولكل منا أن يوجهها إلى الاتجاه الذي يختاره.

*

الروح عقد.

ميثاق بينك وبين إنسانيتك.

وفي الحكمة تكمن إعادة التوجيه والاستفسار.

*

فالشغف الفطري هو بوصلة روحك.

إن كان محاطاً باليسر،

فاعلم أنها إشارة واضحة من حقلك الطاقي

أن جزءاً من رسالتك هو الإرشاد، والشفاء، وبث السكينة.

*

الرسالة الروحية لا تأتي بالتفكير المجهد،

بل بالتجلي.

في لحظات السكون،

عندما ينتظم جهازك العصبي،

يطلق لك الإيحاءات.

**

التجلي

لتصل بنواياك،

ويسمح لتلك الرسائل ان تتجلى للوعي

بوضوح ويسر.

*

ثم راقب واقعك.

سترى الفرص تظهر كبوصلة

تشير لرسالتها باتصالها بوجودك.

*

اختر عالمك الداخلي الذي يليق بك.

ادخله من الداخل.

غير حالتك الداخلية،

ينقل وعيك لعالم يفصل ذراتها

ويتناغم معها... ويرسلها اليك.

*

اصنع اقدارك بيديك،

حتى لو اضطررت لرسم احلامك على الجدران

لتخرج منها الى الواقع الذي تتبناه.

*

الطموح لا يقدم حلولا جاهزة،

بل يتيح للانسان ان يفهم قيمة السعي

نحو المستقبل الذي يريده... حتى يسمو بمجده.

*

حول جراحك الى معنى

لتفهم منه الاستشفاء،

ولا تبقى اسيرة للالم الذي قد مضى.

*

امشِ على خطى الزمان وكن واعياً،

فبعض الخطى تنثر العمر بلا اعادة.

***

نثر فلسفي حر

بقلم: زينب طارق

بِنَفْخَةِ مَن يَئِدونَ الحياةَ

ولا يلدونَ السلامْ

سوى عَقَمٍ في العقولِ

ودروشةٍ...

وفضيلةِ شيخٍ رجيمْ!

*

تَهُبُّ (الفتاوى)

وفي رأسِها صَاعِقٌ

وفي فَمِهَا شارةٌ

وفي صَدْرها حَرْبةٌ

وحِزام الجحيمْ!

***

محمد ثابت السميعي

 

محاكاة لقصيدة الشاعر وحيد خيون

بعنوان: لمنْ تكتبُ..

***

لمنْ تكتبُ يا صديقي

ومنْ يقرأُ ...؟

فلا يفقهُ حرفاً

من كتابِ الحبِ

أو يعرفُ

إنْ كانت صلاةُ الفجرِ

تحريكاً لأجزاءٍ

من الجسدِ

أم شوقُ اللهيبِ

لأجنحةِ الفراشاتِ

*

لِمنْ نكتبُ ...؟

ألهذا الحاضرُ

الألعنُ من ماضٍ

لنكتبُ يا صديقي

إن شئتَ

شهادةَ موتٍ

لهذا العالمُ التافه

ولنمضيها بحبرٍ أسودٍ

نريقهُ على ورقٍ

نقلبهُ بالأعين والحسرات

ونشهدُ أنه:

كتابٌ ينبؤنا

بأسوأ الخيباتِ

***

صالح البياتي

.....................

* مأساةُ الشاعرِ والمثقف أنه يتوهمُ أن العالمَ يسمَعُ صوته، وسطَ صخبُ الحياة الجارف.. كتبت هذه القصيدة مباشرة بعد قراءة قصيدة الشاعر وحيد خيون على الفيسبوك..

مساء الأربعاء 26 مارس 2014.

يا مُراداتَ المُتاقي والمُريدِ

وخيالاتَ خليقٍ وشهيدِ

*

أممٌ سادتْ وأخرى تَتداعى

نحوَ قاعٍ يَتساقى من وَعيدِ

*

أمّنا فاقتْ عَبوسا قمْطريرا

واسْتهانتْ بمَجيدٍ وتليدِ

*

كضَعيفٍ في ربوعِ الغابِ تَحْيا

أُسْدها عاثتْ فساداً بالسَعيدِ

*

نَقمةٌ دامتْ بنفطٍ مُسْتباحٍ

بعدوٍ مُستفيدٍ ومُبيدِ

*

عائداتٌ لبنوكِ الغيرِ تَسْعى

وإذا الأرقامُ بهتانُ الرصيدِ

*

نهبهمْ برهانُ حُكمٍ ووفاءٍ

لقويٍّ يَتواصى بالبليدِ

*

دميةٌ جارتْ وأخرى تحتَ أمْرٍ

فعَليها أنْ تراها بالوَصيدِ

*

مَذهبُ الأطماعِ قهرٌ وامْتلاكٌ

لشعوبٍ وبلادٍ ورَشيدِ

*

فتعلمْ كيفَ ترقى بثباتٍ

واقتحامٍ واعتصامٍ بالحَديدِ

*

برسالٍ أصلُها دامَ عظيما

أمّةٌ أحيّتْ عقولاً بالفريدِ

*

ما بقتْ دنيا ستبقى في عُلاها

تَتحدّى بحَجاها والسَديدِ

***

د. صادق السامرائي

بمحض إرادتنا

نتهاوى

في قعر شبكة

مزجَّجةِ الحبال

**

هرولةٌ

توهمُ بالظفر

لكن...

سرعان ما تتلاشى

نشوة التوهّم

**

رويدكَ

أيها المطلقُ للريح

هفواتك الكارثية

**

للتوِّ

تتهجّى خطوة

آثرتَها قفزةً

إلى قعرٍ

مزجَّج القاع

**

قالت: وإن يكن

فلا بدّ من قرارٍ

يُتيح للخطوة تحليقها

وإن أتى على الأخضر... والأخضر

لكن

ماذا عنه الأصفر؟

**

يصول

ويجول متأرجحاً

بخيوطٍ

تهوي به

إلى قعرِ شبكةٍ

مزجَّجةِ الحبال

***

ابتسام الحاج زكي

 

اليومُ، ينفصلُ عنّي كجزءٍ لم أعدْ أحتملهُ،

كأن الزمنَ.. فقدَ توازنَه عند عتبةِ غيابكِ.

أمّي..

باتت وشمًا يذوبُ في الريحِ والظلِّ والمطرِ،

أصبحت نغمةً في صمتِ الأشياءِ،

رمزًا يتكرر.. في كلّ الضوء المبتورِ،

وفي كلِّ الفراغ الذي يبتلعني.

وأنا.. بقيتُ ناقصًا بما يكفي

لأكتشفَ "الفراغ الذي يبتلعني".

هذا اليومُ.. لا يشبه نفسَهُ،

كأن الزمنَ نسي اسْمهُ عند بابكِ.. ورحلْ.

أحاول أن أستعيدكِ، من ترتيب الأشياءِ:

أضع الكرسيَّ في مكانهِ،

أفتح النافذة ببطءٍ،

أعيد للصباحِ طقوسَه…

لكنّ الصباحَ، لا يعترف بي.

أمّي.. لم تمُتْ،

بل صارت حكاية تُشبه كلّ الأشياءِ،

تقاوم اللغةَ، كلما اقتربتُ منها.. تبعثرتْ

كدُررٍ يتيمةٍ.. مِنْ معنًى.

أتساءلُ:

هل أنتِ الآن في جهةٍ لا تحتاج اسمي؟

هل تخلّصتِ من ثقل الأمومةِ، كما تتخلّص النار من دخانِها؟

في داخلي معبدٌ صغيرٌ.. سقطتْ أعمدتُه،

وتماثيلُ الطفولةِ تتكسّر ببطء،

ولا كاهنَ..  ليعيد ترتيب الخوفِ.

هذا اليومُ.. يمشي بلا ظلٍّ،

كأن الشمسَ، قررت أن تعاقبني.

أجلسُ.. أفكّك صوتكِ:

كان يبدأ ناعمًا، ثم يصعد.. كدرجٍ نحو الطمأنينة،

الآن؛ لا شيءَ يصعدُ.

أمّي.. كنتِ تفسّرين العالمَ

بإشارةٍ من يدك،

أما أنا، فأغرق في التفاصيل؛

كمن يبحث عن قاعٍ

ولا يصلْ.

ألمس الفراغَ.. فيتمددُ،

أناديكِ.. فيتسعُ،

أصمتُ.. فيزداد وضوحًا.

كأنكِ.. لم ترحلي وحدكِ،

أخذتِ معكِ

الطريقة التي كنتُ أفهم بها نفسي.

هذا اليومُ.. ليس حدادًا، بل اختلالٌ في المعنى،

انزلاقٌ خفيف.. يجعل كلّ شيء في غير مكانهِ.

حتى أنا، لم أعدْ في مكاني.

أمّي..

أيّ نصٍّ هذا الذي كتبكِ ثُم محاكِ؟

وأيّ لغةٍ تستطيع أن تعيدكِ دون أن تخونكِ؟

أحاول أن أومِنَ أنكِ لم تخْتفِ،

بل انتقلتِ إلى صيغةٍ أخرى للحضور،

لكنّ قلبي، لا يزال بدائيًا، يريدكِ كما كنتِ:

صوتًا ويدًا ونظرةً تُصلح هذا العالم.

في النهاية.. لا أجدكِ،

بل أجدني.. واقفًا في هذا اليوم

كناجٍ من غرقٍ قديم،

يحمل ماءه في داخلهِ.. ويمشِي.

***

بقلم الشاعرة: آمال بن الطاهر

كلّا

أُطلقت مجلجلة

في مديات ملبّدة

لتتهاوى عروشهم

هوائية

الأوتاد

**

يحاولون وأدها

كلمّا تنبجس

صرخة كلّا

لكنّها تشرئب

معانقة السماء

سماء من غدت الكلّا

هوية لأنفاسهم المصادرة

**

كلّا وكلّا ... وكلّا

حدود خريطة

لعالم

يلفظ أنفاسه

ولا يدرك

أن إكسير حياته

خريطة منقوش على حدودها

كلّا رباعية الأس

**

ما أن أطلقت

الكلّا

حتى استشاطوا

فلا عذب الفرات بات يرويهم

ولا دماء

براءة

تستغيث عطشا

لتغدو

علامة تؤبّن سرادق لطفولة

تهراق دماؤها

في بقاع

منقوش على أطرافها

كلّا وألف كلّا

**

صرخة

ما تزال تجلجل

في فضاءات صمّاء

وما دامت

فثمّة نيران تضطرم

وثمّة خيام

تتناهبها

ألسنة اللهب

**

في صحراء ظامئة

انبجست

عين لكلّا

وكلما يحاولون طمرها

تتفتق

الصحارى

عيونا

ترتوي بها

ثمار غدت الزاد والزوادة

لرحلة بات يبابها يطرق القلوب

***

إبتسام الحاج زكي

ها أنتذا..

تحت خط الفقر

يزدادُ يقينكَ أنَّ (الشِبْعَ مُسْلِمٌ)

لايَتَعَاهد جيرانه!

وفوق هذا

تَأتيكَ كوارثٌ حصريةٌ

تحشو حلقك بِغُصَصٍ عويصةٍ

تتحاشى (الذوات)

والنفيسون.. كالعادة!

*

لا تَمُدْ إليكَ النجاةُ حبلها السري

قبل أنْ تَدهمُكَ الآخِذةُ بويلها

فيَخْرَبَ عُشَّك

وتطفو على النزوحِ العاري!

بل يغشاكَ

دُخانُ سيجارةٍ أُمَميةٍ.. وأُخرى

تَشْهَدُكَ بفاجعةٍ تَبتَلِعُكَ يقينًا

ولا تحُسُّ بمصيركَ

وهو للفُرجَةِ أقربُ من حَرْبْ!

*

فالعَالَمُ أبرَدُ مِن نَظْرَتِهِ

وحُمَّى إذاعتِهِ

تُفَاقِمُ أوجاعكَ النِّفطِية

بأحاديثٍ لاهِبَةٍ

لا يَراكَ إلا سَرَابُها المُنتَظرْ

وتُحَاصِركَ

بالمَنِّ.. والفتوى التِواءً

لتُعِيقُ أياديكَ عن النهوضِ

وإبتكار

حياتكَ الجديدة!

*

ها أنتذا

وطنٌ مُعتل الآخرْ

والرغيف الحُر

وثْبَتُكَ القادمة!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٢٦/٦/٤م

أجادوها كما رُسِمَتْ وشاءَتْ

فلا تَعْجبْ إذا خَنَعتْ ولانَتْ

*

بتَضليلٍ وإعْماءٍ شَديدٍ

مَواطنُها من التدجيلِ هانَتْ

*

تَغيّر رأسُها وبدى خَنوعاً

سُراةٌ من رمالِ البينِ جاءَتْ

*

تنفّذ أمْرهم دونَ افْتكارٍ

وتَمنحهمْ مواثيقاً توالتْ

*

تدَحْرجتِ العقودُ على هَواها

مَصالحهمْ بمُعتقدٍ توارتٍ

*

مَواقعُها تخاصمُ مُرتقاها

وتَبْعثُها رميماً حينَ خانتْ

*

حُطامُ مَسيرةٍ من سوءِ فِكْرٍ

يُبشّرها بأحلامٍ تناءَتْ

*

إذا الأفهامُ في سَفهٍ وجَهْلٍ

ستُحرقُ أمّةً منها اسْتعارَتْ

*

تكرَّرَ غيّها وقَضى عليْها

أعاجيبٌ بها الألبابُ حارتْ

*

فما اعْتبرتْ ولا نظرتْ بحِلمٍ

كأنّ رؤوسَها أمِنَتْ ونامَتْ

*

فكانَ حَصادُها سَهلاً سَريعاً

بصَوْلاتٍ أبيْدتْ واسْتكانتْ

*

رأيْتُ سَذاجةً فاقتْ بَقيلاً

وسَحْبانٌ بها نُكْرٌ فخارَتْ

*

فهلْ بلغتْ مَواجعُنا زُباها

وهلْ عِشنا كما رغِبَتْ وجارتْ؟

*

ستبقى أمّةٌ ذاتُ امْتدادِ

وتَنويرٍ بقافلةٍ تهادَتْ

***

د. صادق السامرائي

9\3\2026

وقف عند حافة الشاطئ، يتأمل حركة الموج وهو يجيء ويغادر، كأن النهر بهذه الحركة التراتبية، يعيد أمامه حكاية العمر كلها.

كانت الشمس تميل نحو الغروب، وهي تنثر خيوطها الذهبية فوق الماء، فيما راحت النوارس تحلّق بعيدًا ثم تعود ادراجها، مثل ذكريات قديمة تأبى الرحيل..

 مد بصره نحو الأفق البعيد.. هناك، في تلك المسافة المعلقة بين زرقة السماء، وامتداد النهر، وهو يستذكر أحلامه القديمة التي لم تكتمل.

تذكّر طفولته في القرية، حين كان يركض حافي القدمين قرب ذلك الشاطئ، ويجمع الأسماك الصغيرة بغبطة، ويحلم أن يصبح سندبادا يجوب الٱفاق البعيدة... لكن الحياة، كعادتها، أخذته إلى أيام مزدحمة بالتعب والانتظار..

 جلس القرفصاء على الرمل، ميمما وجهه شطر الجانب الآخر من النهر.. ونسيم البر والبحر يمر به هادئا، ويداعب خدوده ..

كان غارقا في صمت طويل، كأنه يصغي إلى شيء لا يسمعه احد سواه.

فجأة رفع رأسه نحو الأفق.. وهو يحس بشيء من الطمأنينة.. وكأن النهر أعاد إليه عند حافة الشاطئ، ما كان فقده منذ زمن بعيد..

***

نايف عبوش

كيف يتسنّى لي؟

متى بالله عليك؟

في ايّ أرضٍ أو سماء؟

ام في حلم،،!

باتت أمنيةُ

لقياكِ

مصافحتكِ.

كحبٍّ امتلأ بكِ كفيّ

رغيفُ خبز، يُشبع بكِ قلبي

ظَمْآن أرتوي من فيضِ حنانكِ

وشيء من عطركِ

ترتوي بك صباحاتي وتنتشي

مع كل إشراقةِ شمسٍ

تكون لي ضوء ومحبة ونافذة أمل

ورشفة من فنجان قهوة .

***

كامل فرحان حسوني- العراق

 

تبعثرت أوراقُ حياتي في وصفِ شعورٍ غيرِ مرئيٍّ لنفسي.

هي حروفُ حزني التي تلعبُ لعبةَ الخفاء في قلبي، وحروفُ فرحي التي تخسرُ دائمًا، وسرعان ما تنكشف أمام أعينِ من حولي بأقلامهم الصمّاء والعرجاء.

أكذبُ على نفسي، وأوهمُ ذاتي بأنني بخير.

قد تظهرُ على ملامحي الابتسامة، لكنَّ داخلي وجعٌ دفينٌ لا يعلمُ به أحد.

قد أنطقُ بالصمت أنا وقلمي، وأبدو هادئة، وفي جوفِ قلبي ضجيجٌ كبركان، وصراعٌ مع الحزن بمقياسٍ عالٍ.

لا أحد يعلم ما بداخلي؛ يعتقدون أن قلبي كالإسفنج يمتصُّ كلَّ الأوجاع، وأن جدارَ قلبي لا ينكسر، لأنهم اعتادوا رؤيةَ ابتسامتي الكاذبة.

فسماءُ عينيَّ تمطرُ دموعًا كنتُ أخفيها بمظلّاتٍ كاذبةٍ من الكتمان.

نعم، أنا بخير… بكوني أمتلكُ أقدامًا فقدتِ الرغبةَ في السير، وعيونًا لا ترى سوى أشباحِ الراحلين والأمنياتِ البعيدة، وآذانًا تسمع صدى أوجاعها المخيفة في تلالِ الخيبة، وشفتين ترتجفان من قولِ الحقيقة.

ونفسي مثقلةٌ بالأحزان، فأنا من أولئك الذين يقدّمون الزهرَ بأيدٍ مجروحة، ويسندون أنفسهم ومن حولهم بالجبرِ والأمل.

فكلماتي ربيعٌ، حتى وإن كان الخريف يملأ صدري.

لقد أصبحت يدي عاريةً تبحث عن قلمي لتكتب عن أحلامي وأمنياتي التي نحروها.

لقد وصلتُ إلى قمّةِ ألمِ إيفرست، وعانقتُ الشمسَ بأوجاعي.

فهل أدركتَ أوجاعي، يا من تقرأ صمتَ كلماتي؟

***

ذكرى البياتي

 

حَقيقتُنا بلا حَقٍّ سِواها

أ حَقّ الحَقُ أمْ تاهَتْ خُطاها

*

تَسامَقتِ النواهيُ في عُلاها

وأدركتِ السوامِقُ مُنْتهاها

*

تُعللنا الشدائدُ بانْفراجٍ

وتُعْلِمُنا بآياتٍ قَناها

*

تَراشقتِ الخُطوبُ واسْتكانَتْ

وداهَمَها الشديدُ في رُباها

*

عَماءُ بصيرةٍ يُطوى بلُبٍّ

يُزعْزعُها ويُفقدُها حَجاها

*

تَكلَّمتِ الخوافقُ بلسانِ نَبضٍ

يُداعِبُها ويُسْقيها مُناها

*

عَلائمُ كُنهها قولٌ فَصيحٌ

فهلْ وَصلتْ لعلياءٍ كُماها

*

تُناشدُنا الليالي عَنْ هَوانا

وتَمْنحُنا بَراهيناً سُعاها

*

إذا نطقتْ عُقولٌ ذاتُ نورٍ

تُزنْدقها أباليسٌ تَراها

*

رياحُ وجودِنا سكنتْ بوادٍ

وداستْ في بَواطنهِ عِداها

*

مَساراتٌ بها الأمواجُ تَترى

تُسابقنا وما بَلغتْ مَداها

*

عماراتٌ من الأقوالِ شادَتْ

وأعْلمتِ الرواقدَ عن صِباها

*

سَيذكرُ صوتَها جيلٌ جديدٌ

رسالةُ أمّةٍ ربٌّ رَعاها

***

د. صادق السامرائي

أسند ظهره المثقل بالأتعاب إلى حائط منزله التي تآكلت جدرانه فهو منزل من عهد المستدمر الفرنسي الغاشم، كان يملكه فرنسي اسمه جاك يربي فيه الخنازير، كان يحدق في عش السنونوات الواقفة على حبل الغسيل بجسمها الصغير يكسوه ريش خفيف ذو لون داكن في ظاهرها وفاتح في باطنها، الصغار في عشها الطيني المبني بالأعشاب واللعاب الذي شكل مزيجا من الاسمنت القوي، مهندسان بارعان في تشييد هذا البيت المقاوم لزلازل الحياة، قال محدثا نفسه: " يا لها من أسرة مستقرة بجمعها الحب والتفاهم وتنتشر بين جنباتها روح السعادة " ..

كانت السنونو تضع الطعام في أفواه صغارها المفتوحة، استمتع بهذا المنظر البديع، سبّح الله، حتى الحيوانات تعيش وتكون اسرا بالرحمة التي هداها الله إليها " الذي خلق فهدى " ..

الحصول على سكن في عالم الحيوانات ليس امرا صعبا وحتى تأسيس أسرة بينما الإنسان المسكين يقضي عمره منتظرا مسكنا ضيقا أشبه بعلبة كبريت، هو وضع ملف سكنه منذ عشرين سنة كل مرة يطلبون منه تجديده.. وها هو قطار العمر يمضي سريعا يجتاز محطة الشباب ويتوقف في هذه المحطة، حيث وخط الشيب شعره وجحظت عيناه وبدت على محياه ملامح التعب والإرهاق...

حتى عندما أراد أن يتقدم إلى فاطمة حيث كان محملا بالأحلام والآمال العظام وكم كانت صدمته عنيفة عندما قوبل بالرفض، لحظتئذ ارتمى في أحضان اليأس وترك قلبه ينتحب، أقبل عليه خريف الزمن المر، راى أوراق السنين تبعثرها رياح الفقد والخسائر المتتالية...

تركت السننوة صغارها اقتربت من حبل قريب منه، رفع رأسه إليها، كانت الدموع حبيسة المآقي تريد أن تتحرر أن تخرج من سجنها...

شعر بأنها تواسيه، تساله عن حاله وتطمئنه وتقول له:

لا تحزن، تشبث بالأمل، غدا يوم جميل تشرق فيه شمس السعادة على حياتك وتنسى الأوجاع والآلام ...

استسلم لهذه التخيلات التي تعطيه بعض السكينة والراحة...

***

قصة قصيرة: شدري معمر علي

الجزائر

 

في الذكرى السادسة لرحيلك يا ولدي

أكتب إليك

لا لأن الكتابة تشفي

بل لأن الصمت صار أثقل من قدرتي على الاحتمال.

*

يا بني…

لم أتخيّل يوماً

أن الأب يمكن أن يقف أمام قبر ابنه

مرتبكاً كطفلٍ ضائع.

كنتُ أظنُّ أن ترتيب الحياة واضح:

الآباء يرحلون أولاً،

والأبناء يكملون الطريق.

لكنَّك غادرتَ قبلي

وكأن الزمن أخطأ العنوان.

كيف حالك الآن؟

هل وجدتَ مكاناً يليق بخفّة قلبك؟

هل ما زلتَ تضحك تلك الضحكة

التي كانت تدخل البيت قبل أن تدخل أنت؟

أبحث عنك كثيراً يا ولدي،

ليس في المقابر

بل في التفاصيل الصغيرة:

في كوب الشاي الذي كنتَ تتركه نصف ممتلئ،

في الباب الذي كنتَ تغلقه بعجلة،

وفي صدى خطواتك على السلم.

كبرتُ بعدك فجأة.

ليس عمراً…

بل حزناً.

الآباء يا بني

لا يعرفون كيف يرثون أبناءهم.

لا توجد وصايا لهذا النوع من الفقد،

ولا لغة جاهزة له.

أحياناً أنادي اسمك دون قصد،

ثم أتوقف

كأنني اصطدمتُ بجدارٍ غير مرئي.

وأحياناً أسمع صوتاً يشبهك

فألتفت بسرعة

كأن الحياة تمارس معي مزحة قاسية.

أمّك ما زالت تضع أشياءك في مكانها،

كأنك ستعود بعد قليل.

تغسل قميصاً قديماً لك

وتقول إن رائحتك لم تغادره بعد.

أما أنا

فأتظاهر بالقوة أمام الجميع،

لكنني حين أبقى وحدي

أتعلم البكاء من جديد.

كنتُ أحلم أن أراك تكبر،

أن أشيخ وأنا أراقب خطواتك الواثقة،

أن أسمع أولادك ينادونني جدّاً.

لكن الأحلام يا بني

لا تُسأل قبل أن تنكسر.

حين تتجمّع العائلة على مائدةٍ واحدة،

نختمها بإهداء ما قرأناه إليك،

ونقرأ سورة الفاتحة.

حفيداتنا يشاركن في القراءة

كلٌّ على طريقتهنّ الصغيرة، المرتبكة،

لكنّها تصل… بطريقتها أيضاً.

أمّا أمّك

فتردف الفاتحة بالتوحيد والقدر،

ولا أدري لماذا…

لماذا بالقدر تحديداً؟

لعلّها ما زالت تفكّر

بفكرة القدر،

تلك التي تُسكّن الألم

ولا تُفسّره تماماً.

سأجلس معك يوماً

ونكمل الحديث الذي انقطع.

سأسألك عن كل السنوات التي غبتَ عنها،

وستضحك وتقول:

إنّ أهل الآخرة

لا يقتنون الساعات،

فالوقت هناك

لا يُقاس كما نقيسه نحن.

هل تشعر بنا؟

هل يصل إليك حديثنا؟

هل تعرف كم صار البيت هادئاً بعدك؟

حتى الضحك صار يمشي على أطراف أصابعه

خجلاً من الغياب.

أخوتك يكبرون

لكنهم ينظرون إلى صورتك

كأن الزمن توقف عندك.

أنت الوحيد

الذي لم يسمح له العمر أن يتقدّم.

تعرف يا ولدي؟

بدأت أفهم معنى البقاء بطريقة أخرى.

ربما لم ترحل تماماً.

ربما صرتَ جزءاً من نبضي،

من خوفي عليهم،

ومن دعائي الطويل كل ليلة.

أراك في وجوه الأطفال في الشارع،

في شابٍ يركض مسرعاً،

في ضحكةٍ تشبه ضحكتك

تخطف قلبي للحظة.

لا أخاف موتي الآن.

بل أنتظره بهدوءٍ غريب،

لا شوقاً للنهاية

بل شوقاً للقاء.

سأجلس معك يوماً

ونكمل الحديث الذي انقطع…

كما لو أنّ الغياب

كان مجرد تأخيرٍ في الموعد.

***

د. جاسم حسين الخالدي

كلّما كبرتِ تبدين

أكثرَ جمالاً

من كلِّ وقتٍ،

كأنَّ العمرَ

يتعلّمُ منكِ

كيف يكبرُ

ولا يشيخ.

كلّما كبرتِ

تمرُّ عليكِ السنينُ

لتزدادَ هيَ شباباً،

وأبقى أنا

أتهجّى الدهشة.

كلّما اقتربتُ منكِ

أكتشفُ

أنَّ الحبَّ

يبدأُ دائماً

من أوّلِ ضربة.

تكبرُ الأيامُ حولكِ،

وتصغرُ المسافاتُ حولي،

فأراكِ

كما لو أنّ الزمنَ

يكتبُ نفسَهُ

على هيئةِ امرأة.

*

القصيدةُ

التي لا تتعمّدُ

في ماءِ اسمكِ

تبقى بعيدةً عن النور،

كروحٍ

لم تعثرْ بعدُ

على نهرها الأوّل.

وأنا،

كلّما كتبتُكِ

أحسستُ أنّ الكلماتِ

تغتسلُ بي،

وأنَّ القلبَ

يخرجُ من ظلالهِ

خفيفاً

كفجرٍ جديد.

*

فاسمكِ ليس صوتاً يُقال،

بل ماءٌ سرّيٌّ

إذا مرَّ في اللغة أزهرت.

وإذا مرَّ في العمرِ ابتدأ.

وكلُّ قصيدةٍ

لا تعبرُ ضفّتَيكِ

تبقى على اليابسةِ

تنتظرُ اللقاء.

***

د. جاسم الخالدي

ثقافتُنا مِنَ الأنوارِ جاءَتْ

وفيها نبعُ ساميةٍ تنامَتْ

*

أصيلُ جذورِها يحيا بتُربٍ

يُعاصرُ أمّة قدحَتْ فثارَتْ

*

مُؤرخةٌ بأجيالٍ وإرْثٍ

مُؤزرةٌ بأسفارٍ أفادَتْ

*

عُروبتُها بضادِ البوحِ تَرقى

ومِنْ عربٍ إلى عَربٍ تَوالتْ

*

كبَودقةٍ أذابَتْ كلَّ فعلٍ

بإبْداعٍ تَجلّى فاسْتقادَتْ

*

لسانُ العُربِ عُنوانٌ بهيٌّ

تدوّنهُ المعاجمُ ما اسْتطاعَتْ

*

وإنّ لعُرْبها وثَبُ ارْتيادٍ

وإبْحارٍ بآتيةٍ توارَتْ

*

بلادُ العُربِ فَحْواها عظيمٌ

تُرسّخُهُ المآثرُ حينَ كانَتْ

*

ثراءُ علومِها أغْنى البَرايا

وأخْرَجَها إلى نورٍ فضاءَتْ

*

تطعّمَ ساقَها فزهَتْ بزهرٍ

تفاوَحَ عِطرَهُ وبهِ اسْتقامَتْ

*

أديبٌ عالمٌ صنوُ الثريّا

يُحفّزُ أمّةً غَفلتْ ونامَتْ

*

مِنَ الأعماقِ مؤئلها لأعْلى

ومِنْ إشراقِ جوهرِها أنالتْ

*

هيَ الدنيا بأجْمعها بعَقلٍ

تُفاعِلُ نابهاً فوَعَتْ ودامَتْ

*

عُصورٌ في مَعاقلها اسْتجارتْ

وأغنتْ مِن مَحاسنها وفاضَتْ

*

ومِنْ وَهجٍ وإشْراقٍ مَديدٍ

خِصالُ الكونِ في زمنٍ تراءَتْ

*

بنا عَربيّة خلدتْ بأرضٍ

تُذكّرنا بأمْجادٍ تباهَتْ

*

فمَنْ تركَ الأصيلَ إلى غَريبٍ

تَخطّى أمّةً فيهِ اسْتكانتْ

*

جديدٌ دونَ أصْلٍ لا جديدٌ

وكلّ جديدةٍ جُلِبتْ أماتَتْ

*

دعاةُ جديدِها أعوانُ نَضْبٍ

وأتباعٌ لأقوامٍ أغارَتْ

*

تعوْلَم نبْعُها والأصلُ يُمْحى

وما أعطتْ بها درراً وخابَتْ

*

فكنْ فيها بَثوقاً من ترابٍ

يُعاصرُ حِقبةً منهُ اسْتزادَتْ

*

أرانا مثلَ أفراخٍ بحِجرٍ

يَسيرُ بها ولا تدري أغارَتْ

*

مَعاركُ أمّةٍ في حَربِ إلاّ

تُبددُها أضاليلٌ تبارَتْ

*

فمِنْ نورٍ إلى نارٍ هُداها

وما عقلتْ ولا نظرتْ وطارَتْ

*

يفوزُ بَقيلُها بمُنى امْتلاكٍ

وسُلطتها على وطنٍ أساءَتْ

*

وفي خُدَعٍ وبُهتانٍ وجَوْرٍ

تَسابقتِ الخطايا واسْتثارَتْ

*

فهلْ وجدَ البصيرُ بها سَبيلا

لطيبةٍ بإخوانٍ تواصَتْ

*

تفتّقَ جرحُنا والروحُ شاغَتْ

وأوْجاعٌ بأوْجاعٍ تآخَتْ

*

تأجّجَ شعْبُها والناسُ جارَتْ

ومِنْ ضَرمٍ أكادَتْ ثمّ حارَتْ

*

أ مِنْ ولعٍ بغازيةِ النواهي

تفاهمَ حاذقٌ فنأتْ ورابَتْ

*

سَفاسفُ فكرِهمْ تُهدى إلينا

ومِنْ غَفلٍ بإبْداعٍ أطاحَتْ

*

ومِنْ نكدٍ وإمْعانٍ بنكرٍ

خَرائدُ أصْلنا عنّا أشاحَتْ

*

سَتبقى رُغمَ إعْصارٍ ونارٍ

ومَألبةٍ بما حَفلتْ أصابَتْ

*

أحاديثٌ مُحدّثةٌ وتَسعى

لمَحقِ وجودِنا ولنا أعاقتْ

*

قصائدُنا أزانتْ كلَّ عصرٍ

وعاشتْ في دواخِلنا ودامَتْ

*

فلا تنهرْ عُروضا ذاتَ شأنٍ

وتأتي دونها وترى اسْتعاضَتْ

*

فراهيديةُ الأوصافِ تَبقى

مُنغمةً بأرواحٍ تهادَتْ

*

ثقافتُنا لها الأقوامُ خانوا

وما خَمدتْ ولا أبداً توارتْ

*

هويةُ ذاتِنا ومُنى عُلانا

ثقافةُ مَجْدنا أنّى تنادّتْ

***

د. صادق السامرائي

27\1\2022

رأيته يبسط يديه على موج النهر

بكل حماسٍ

ليُنقّيه من الأعشاب

التي تغفو على سطحه

وعلى ثغره ضحكة

تحرسها امرأة عاشقة

تتقمص هاويةً

تلتحف بقُبل ذات

مذاق اللوز والسكر

رأيته في

مدارات الطرق جزافا

وعيونه إلى السفر الغجريِّ

متسق ومزاجي الهوى

يداعب عصفورا

ريش جناحيه مرتفع

وله ظلٌّ

كظلِ وردة صغيرة

فاجأها الطلق زوالا

ذاتَ نهارٍ قاظَ فتفتق برعم

لربيع قادم.

***

عارف عبد الرحمن

 

مــــــوَّال السلطةِ يُضْحِكُنا

باليوميِّـــــــــاتِ الصحفيةْ

*

يَتغنى فيها بـــــجــــديدٍ

ويُتَمتِمُ سِرًّا: (أُحجِيَّةْ)!

*

ويُهَـرِّجُ فيــــها: تنـــــميةً

يَتقيَّـــــــــأُ فيـها الظرفيةْ

*

ويُديرُ رحــى الأسعارِ بلا

ضَبطٍ للأيــــدي الهمجيَّةْ!

*

ويَغُـــضّ الطَّرْف إذاسَلَبَتْ

أو نَهبتْ شعبي (البـلديةْ)!

*

وينامُ على خبرٍ عــــــاجل

يصـحو بالصُّحفِ الرسميةْ

*

كي يَنــــفي .. ويُؤَكٍد فيهِ

إصــــلاح الوضع بجــدٍيةْ!

*

ويُمَـــنِّي الشعب بتحديثٍ

يَتَــــحدَّى ثــــــالث أَلْفِيَّةْ!

*

ويُلَقِّنَهُ وضْعًــــــــا أعـــمى

يَدفعَهُ نحـــــــــو (الأميةْ)!

*

كي يَسبِـــــــقَ وِفْقَ إرادتِهِ

ويُنَظِّر بُــــــــوق النوويةْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

تحتَ وطأةِ

صوت القاذفة الشبيحة

احبكِ

وخُطا تلك المسيرة التي تعبر الأفق

نحو هدفها البعيد نسبياً

أحبكِ

ورغم كلّ أراء المتحذلقين

ومدّعي التحليل الاستراتيجي

في مقهى الحيّ عن الفرط صوتي

أحبكِ

وسأبقى أحبكِ

رغم كل المحذورات

التابو (Taboo) في نظام شمولي سأحبكِ

وبهرجة الديمقراطية بكل وضاعتها وخداعها

احبكِ

فالحبُّ وحده من يُطفئ نارَ الحروبِ

يشدُّ على أيدي الثوار

ويلجمُ طيشَ المتجبرين، المعتدين

***

كامل فرحان حسوني

 

عليّ صبيٌّ كَبُر قبل أوانه! انخرط في عمالة الأطفال السوريين الذين نزحوا إلى الأردن بعد اندلاع الحرب الطائفية في بلاد الشام. أدرك عليّ أنّ نزوحه ليس نزهةً أو رحلة، بل هروبٌ من حربٍ ضروس أودت بحياة والده، وحوّلت بيته الكبير، الزاخر بالحب والأماني العِذاب، إلى كومة حجارة، وأجبرته أن يعيش في خيمةٍ ممزّقة في مخيم للاجئين، مع والدته وأخواته القاصرات الثلاث وجدته المُسنّة.

عليّ، الصبيّ حلو الملامح، الذي كان يحلم أن يصبح طبيبًا كوالده، تحوّل إلى المعيل الوحيد للعائلة بعد رحيل الوالد؛ إذ أدرك، كباقي الأطفال السوريين الذين انخرطوا في ورشات عمل كثيرة، وأحيانًا شاقة ومحفوفة بالمخاطر، أنّ العمل هو الوسيلة الوحيدة لتأمين مطالب أساسية في حياتهم الجديدة، التي اتّسمت بالحاجة والبؤس والتشرّد.

عليّ، الصبيّ الذي حوّلته الصدمة والعزلة والمعاناة، وهو دون الثانية عشرة، إلى رجل؛ مارس الكثير من الأعمال الحرة. عمل في تصنيف وتحميل الخضار، وهو الذي كان لا يعرف سوى السلطات الشهية التي تُحضّرها والدته في بيتهم الدافئ، الذي تحوّل إلى أطلال. واشتغل في ورشات الحدادة والصيانة، كالكثير من أترابه الصبية الذين رضوا ببيئة عمل سيئة وظروف معيشية قاسية مقابل أجر زهيد. ولطالما جلس في ساعات الفراغ بجانب الإشارات الضوئية ليبيع رقائق البطاطس، ليشتري حفنة حلويات وسكاكر بالنقود القليلة التي ربحها، ليعوّض أخواته عن طفولتهنّ المنقوصة، وعن يدّ والدهنّ الكريمة التي كانت تفيض بالخير والحب والحلوى.

لم يقلق عليّ نقص النقود التي كانت تتلقاها والدته من وكالة الإغاثة، والتي بالكاد تسدّ الحاجات الأساسية للعائلة، ولا دموعها الغزيرة التي لو شاءت لحاكت منها شالات. ولم يقلقه أنه ليس لديه أصدقاء، ولم يشفق على الساعات الطويلة التي أهدرها على الأرصفة وفي الأسواق بحثًا عن لقمة العيش، بدل أن يحمل قلمًا وكتابًا. هذا الاعتياد المؤلم خدّره، كما خدّر الآلاف من هؤلاء اللاجئين الذين انقطعت بهم سبل العيش بشكل مفاجئ، وباتت حياتهم في حالة من الجمود الشديد، بعد أن تبددت أمانيهم وضاعت ممتلكاتهم ومدخراتهم، وحتى أصولهم، في هذا الواقع الجديد.

ولطالما ردّدت جدته بأسى:

– "الغربة مُضيِّعة الأصل."

كلّ ذلك لم يقلقه! حتى إنه رضي، كباقي أفراد أسرته الصغيرة، بوجبة التونة المعلّبة والأرز التي كانت تتلقاها من وكالات الإغاثة، رغم أنّه في هذا السن الحرج كان بأمسّ الحاجة إلى ما يُقوّي جسده وروحه معًا. لكن الذي أقلق عليّ، "جمل المحامل"، هو وضع أخته جود، ابنة الخمس سنوات، التي أُصيبت بالتلعثم والتبوّل الليلي بعد الصدمة التي تلقتها إثر قصف بيتهم ومصرع والدها. وهي حتى الآن لا تُقرّ برحيله، وما زالت تتحدث عن الدمية الجديدة التي وعدها بأن يبتاعها لها في عيد الفطر.

ولطالما ذرفت مقلتاها الدعجاوان عبراتٍ كالدرر، سالت على خدّها النضر، لتوقد جمراتٍ تلسع قلب عليّ الحنون، الذي وعدها بأن يشتري لها أجمل دمية من المدينة الكبيرة عشية العيد.

نهض عليّ مع ساعات الفجر الأولى، صبيحة يوم العيد، وحمل صندوقه الكبير المُكدّس بأكياس رقائق البطاطس. كان عازمًا على بيعها في ساعات الصباح الباكر ليشتري لأخته دمية جميلة، كان قد رآها في أحد المتاجر في المدينة الكبيرة، قبل أن تخطفها يدُ أحدهم؛ فاليوم عيد، وكل الأطفال يحظون بالهدايا. ولو كان يملك نقودًا، لابتاع كل الألعاب في المتجر لأخته الغالية جود... ولكن ما باليد حيلة.

بدأ عليّ يسير في الشوارع المزدحمة، يميد به القلق ويجيش في صدره الهمّ، وتساءل في سريرته:

– "اليوم عيد! فكيف سيُبدّل الأطفال الكعك المحشو بالعجوة والطعام الدسم برقائق البطاطس الرخيصة؟"

حاول أن يتجاهل نظرات المارّة، وليتهم يدركون مدى حاجته للمال ليبتاع به حلمًا ورديًا يخفف عن أخته بعض الآلام. تجاهل الشمس الحارقة التي كادت تذيب رأسه، ومسح دمعةً عصيّة سالت على خدّه الأسيل، متجاهلًا العائلات التي تتجوّل برفقة أطفالها. وكاد قلبه ينفطر عندما تذكر والده الراحل وعائلته المشتتة.

استمر بالتجوال في الشارع الرئيس، يلفّ ويدور حول الميدان الكبير، ثم يعود إلى المتجر ليتأكد أنّ الدمية ما زالت في مكانها. وخُيّل إليه أنها تنتظر يدي جود كي تحتضنها.

ما أعظم فرحة عليّ حين نجح في بيع كيس البطاطس الأخير! دسّ النقود الزهيدة في جيب بنطاله الممزّق، واتجه مسرعًا نحو متجر الألعاب. فاضت في قلبه ينابيع الفرح عندما رأى الدمية تبتسم له من خلف الواجهة الزجاجية. دخل منتصب القامة، مرفوع الهامة، يتحسس جيبه المهترئ... ويا لسخرية القدر! اكتشف أنّ النقود قد سقطت منه.

حتى أحلام الفقراء تتمزّق مثل ملابسهم البالية!

نظر حوله كالمذعور، عاد أدراجه يبحث عن محفظته البائسة في الميدان والشارع المزدحم... لكن لم يجد إلا أضغاث أحلام. ومع ذلك لم يستسلم، فكيف ينكث بوعده لأغلى جود؟

دخل المتجر وخاطب البائع العجوز بعينين يملأهما الرجاء، وشرح له مصيبته، وهو يكاد يذوب خجلًا. لكن الرجل، بوجهه الجامد، قال ببرود:

– "الدفع قبل الرفع."

وأضاف وهو يحدّق في ملابسه:

– "كيف أفرّط بدمية باهظة لمتسوّل لا أعرف أصله من فصله؟"

آه لو يدرك مدى حاجة جود لهذه "القطعة البلاستيكية"!

حاول عليّ مرة أخرى، بإصرار يلامس التوسّل، أن يقنعه، مقسمًا أن يدفع الثمن غدًا وأكثر... لكن دون جدوى.

عندها، اندفع عليّ نحو الدمية، وخطفها، وركض كالعاصفة بين السيارات، غير آبه بالإشارات وصراخ البائع:

– "أمسكوا اللص!"

شعر كأنه يحلّق في السماء... لم يرَ سوى ضحكة جود وهي تحتضن الدمية:

– "أحبك يا أخي علي..."

لكن...

بالقرب من الميدان، أمام التمثال الحجري الذي يرمز للحرية... سقط عليّ.

وبُحّ الطير، وذبُلت ياسمينة الشام.

وسقطت الدمية، ودهستها العجلات...

توقفت حركة السير. سألوا: "ابن من؟"

ولم يجب أحد.

أُعلن عن موتٍ في الميدان.

يا جمل المحامل يا علي...

صدرك الصغير هدأ، ويدك الكريمة احتضنت الرصيف بدل فرحة العيد.

جاءت سيارة بيضاء، أخذت الصبي الغريب...

وبقيت أشلاء دمية مبعثرة بين الشارع والميدان.

***

قصّة قصيرة بقلم: شهربان معدّي

..........................

ملاحظة:

القصة مُهداة لهؤلاء الأطفال الذين كان يجب أن تُرفع رؤوسهم لتحديات العصر، وتُفتح قلوبهم لطيب العيش... لكن الحروب سرقت طفولتهم، وبدّدت ثروة لن تعود.

زحف القطار عجلاتهُ الثكلى تُردّدُ أُغنيةً حزينة

وعيونُكِ مسمّراتٌ في قيودي، لا ترى في الأفقِ مدينة

زحف القطارُ وتوارتْ جميلُ الآمالِ الجميلة

*

وتبعثرتْ خطواتُ عمري فوق دربٍ لا يردُّ الطمأنينة

والوقتُ يمضي كالغريبِ، بلا رفيقٍ يحملُ السكينة

وصدى الحنينِ بداخلي يشكو فراقًا لا يلينُ ولا يُجيدُ التهدئةَ الرزينة

*

وأنا أسافرُ في ظلالِ الذكرياتِ، أفتّشُ عنكِ بينَ كلِّ حكايةٍ دفينة

فأراكِ طيفًا عابرًا، وتغيبينَ في المسافاتِ الببعيدةِ المستكينة

ويبقى القلبُ أسيرَ الشوقِ، ينزفُ في صمتٍ حكاياتٍ حزينة

*

وأسائلُ الليلَ الطويلَ: أما سئمتَ حكايةَ العاشقِ الحزينة؟

أما رأيتَ الدمعَ كيف يُضيءُ في عينيه نارًا مستكينة؟

وكيفَ يحملُ في ضلوعِ الصمتِ ألفَ صرخةٍ مكبوتةٍ رهينة؟

*

يا قطارَ العمرِ تمهّل، إنّ في صدري بقايا من أنينٍ لا تُجيدُ لهُ سفينة

خذني إلى زمنٍ تُزهرُ فيهِ الوجوهُ، ولا تضيعُ بهِ القلوبُ الحائرةُ الحنينة

أو دعني ألوذُ بالصمتِ الأخيرِ، حيثُ لا ذكرى تُؤلِمُني، ولا روحٌ كسيرةٌ حزين

***

خليل إبراهيم الحلي - سيدني

 

دَفاترُنا بأعْمارٍ تَماهَتْ

نَخطُ بها ولا ندري تَناهَتْ

*

على جُرْفٍ منَ الويلاتِ نامَتْ

وأسْطرُها بأحْرُفنا تباهَتْ

*

أعاصيرُ الفناءِ إذا أتَتْها

لما فيها ببُغْتٍ إسْتباحَتْ

*

هوَ النسيانُ سُلطانُ انْطلاقٍ

وكلُّ وليدةٍ ذهَبتْ وغابَتْ

*

بها عِبَرٌ وما هَدأتْ خُطاها

تُسيِّرُها مَقاديرٌ تَنادَتْ

*

بنهْرِ وجودِنا مَوجُ ابْتداءٍ

فمَوْجةُ ذاتنا موجاً أزاحَتْ

*

تَرانيمٌ بها التيارُ يَشدو

بأجْيالٍ مُغفّلةٍ تهادَتْ

*

وساقتْ روحَ حالِمَةٍ بغيْثٍ

وأرْدَتها بقيعانٍ تَطامَتْ

*

تَساوى كلّ مّخلوقٍ بتُربٍ

فما نفعَتْ تَصاويرٌ تزاهَتْ

*

نعيشُ زمانَنا والبينُ يَسعى

يُدحْرجُنا لآفاتٍ توارَتْ

*

فهلْ نضَبتْ مَشاعرُنا لسوءٍ

يُدثّرنا بعاديةٍ أصابَتْ

*

فسادُ مسيرةٍ أرْدى شعوباً

وألقمَها بأضْرارٍ تَوالتْ

*

تَناثرتِ النفوسُ بما اعْتراها

فجوراً في مَواطِنها أبانَتْ

*

وتَقواها بلا أمَلٍ وفِعلٍ

وكلّ خليقةٍ فيها تلاحَتْ

*

إذا الإنسانُ من غَفلٍ تَغاوى

تُسربلهُ الخطايا كيفَ شاءَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

الصفحة 1 من 6

في نصوص اليوم