روافد أدبية

سارة الحيجي: غربة الروح

- قلت لك يا عمران لن يتم هذا الزواج الآن!
- لماذا يا أبي، ما الذي سيتغير؟!
- ها قد مضى على تخرجي من كلية الهندسة ثلاث سنوات ولازلت أعمل في بقالية صغيرة أجرها لا يكفيني حتى لسد احتياجاتي الشهرية
لقد ضاع تعبي في الدراسة هباء منثورا
- وأنت قلتها؛ أجر عملك لا يكفيك أنت فكيف إن أصبح لديك زوجة؟! انتظر يابني انتظر فلابد من قدوم الفرج
- أبي أرجوك افهمني، أنا أريد أن أتزوج لا تجعلوا حتى هذا أحد أحلامنا التي لا نستطيع تحقيقها، سأعمل ليل نهار سأجد عملا إضافياً بعد الزواج
- عمراااان! كفى جدالا، تعرف أن سبب اعتراضي الرئيس هو أنك لم تنه خدمتك الإلزامية بعد، أين ستبقى زوجتك بعد ذهابك؟
- لا أعلم، لا أعلم يا أبي
لقد تعبت كثيراً، كل شيء يذهب بنا للمجهول
إلى متى سنبقى ننتظر
دمعت عينا ام عمران على حال ابنها وحال الكثير من الشبان في بلده
قبل ابنها رأسها ومسح دموعها ثم خرج من الغرفة منهيا حديث والده.
أفاق من شروده على صوت صديقه يناديه: تعال ياعمران لدينا الكثير من العمل اليوم
حاول مسح تلك الذكرى من رأسه بدمعة شقت طريقا على وجنته رغماً عنه.
مضى على مغادرته منزله ومدينته عدة أشهر وقد بدأ العمل في شركة يتقاضى فيها أجرا محترماً، طموحه كبير تمنى العمل بمجال تخصصه وبما لديه من خبرات وها قد تحقق ما تمناه، لكن لا شيء يعوض وجود الأهل ورضاهم. تنهد بحرقة وأجاب نداء صديقه:
- سآتي حالا، حضّر لي الملفات اللازمة.
دخل لمكتب مديره واستلم ملفات العمل الجديد وبدأ بحماس، لكن سرعان ما فتر هذا الحماس عندما انتابته شكوك غريبة، هناك أمر ما في هذه الملفات ثم أن مديره منعه من الزيارات الميدانية بعد تسلمه العمل الجديد، وهذا ما فاقم من شكوكه
- هذه عقوبة الخائنين هذا أول ما سمعه بعد إحضاره إلى هذا المكان
هدر صوت غاضب:
- تعالي أنت، تعالي وإلا قتلتك، هذه عقوبة لك على ما فعلته ليلة أمس، رفضك لطلب ذاك الرجل أضاع من أيدينا فرصة كبيرة، ستعاقبين لأنك لم تنفذي مهمتك.
عيناها تتنقلان بين الملثم الذي يملأ صراخه المكان وجسده الساكن أمامها، دموعها تتسابق كشلال على خديها الذابلين
شعر بدوار يهز كيانه مسترجعا ذكرى آخر لقاء لهما قبل مغادرته وطنه، يوم وعدها وهو يمسك يديها بيد ويمسح دموعها باليد الأخرى أنه سيعود ومعه الخاتم الذي سيتوج علاقتهما بالزواج، هي صامتة لا تجد ما تنطق به. وهو لا يجد ما يساعده على الصمود عند رؤيتها تبكي تلك التي وجد فيها وطنا وملاذا وملجأ من كل ما حوله
صوت طلقة في الهواء، وصمت أخلى المكان من كل شيء عدا دقات قلبه المنتفضة بقوة.
هو السبب، هذا ما شغل فكره وقلبه طيلة الشهور الماضية حتى هذه اللحظة وهو متجه نحو المطار، عله يبتعد عن كهف وحدته بعد وفاتها
لم ترض أن يراها وهي بهذا الحال، تتساءل ماذا يظن بها الآن وهي التي أجبرت على المجيء إلى هنا بعد اختطافها، ماتت وهي لا تعلم أنه يعمل مع نفس الجهة التي قامت بخطفها.
لا تفارقه صورة جثتها الممددة أمامه وعيناها الشاخصتان في عينيه وهو يجثو على ركبتيه تحت أشعة الشمس الحارقة عند إحضاره إلى هذه الساحة بعد اكتشافهم أنه يساعد الفتيات على الهروب.
بعد أن أبلغ عن الشركة التي لم تكن سوى غطاء لجهة تقوم باختطاف الفتيات والمتاجرة بهن.
أمام قسم المغادرين، توقف والدوار يعصف برأسه:
أيهما سيسبب وجعا أقل لقلبه، البقاء أم المغادرة؟!
***
قصة قصيرة.
سارة الحيجي - سوريّة – ديرالزور.

في نصوص اليوم