عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

في مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى الاحتفاء بالنبوة

ليست بعض اللحظات في التاريخ محكومةً بمقياس الزمن؛ فالزمن، وإن كان يمرّ على الأشياء جميعاً، لا يستطيع أن يساوي بين لحظةٍ وأخرى، ولا بين مولدٍ ومولد، ولا بين فجرٍ يطلع على مدينة، وفجرٍ يطلع على الإنسانية. ثمة لحظات لا تُقاس بالساعات، لأنها تُقاس بما تُحدثه في الوعي من انقلاب، وفي الروح من يقظة، وفي التاريخ من انتقالٍ من حالٍ إلى حال.

وفي مثل تلك اللحظة، انشقَّ فجر مكة عن نورٍ لم يكن نوراً عابراً في سماء الجزيرة، بل كان إيذاناً بميلاد الرسالة الخاتمة؛ فكان مولد محمد صلى الله عليه وسلم في الوجدان الإسلامي أعمق من أن يُختزل في تاريخ، وأكبر من أن يُحاصر في طقس، وأبقى من أن يكون مجرد ذكرى تُستعاد كل عام ثم تنطفئ أنوارها بانطفاء الاحتفال.

لقد وُلد محمد صلى الله عليه وسلم في بيئةٍ أنهكتها الوثنية، وتنازعتها العصبية، واستبدّت بها القسوة، فجاءت رسالته لتعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه، وبربه، وبالآخر، وبالكون. ولذلك فإن الحديث عن مولده لا ينبغي أن يقف عند لحظة الولادة، بل ينبغي أن يتجاوزها إلى السؤال الأعمق: ما الذي وُلد مع صلى الله عليه وسلم ؟

وُلدت رسالةٌ جعلت التوحيد تحريراً، والعلم عبادةً، والرحمة مبدأً، والعدل ميزاناً، والإنسان مكرّماً لكونه إنساناً. وُلد مشروعٌ أخلاقي وحضاري امتد أثره في التاريخ، وغيّر وجه الجزيرة، ثم تجاوز حدودها إلى آفاق العالم.

وهنا يصبح مولده صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد حادثة في الماضي، بل سؤالاً للحاضر: ماذا بقي فينا من محمد؟ وماذا بقي من رسالته في أخلاقنا، وفي عدالتنا، وفي علاقتنا بالضعفاء، وفي صدقنا، وفي قدرتنا على أن نجعل الدين سلوكاً حيّاً لا مجرد شعار؟

المولد بين الذكرى والرسالة:

قد اختلف المسلمون في مسألة الاحتفاء بذكرى المولد النبوي؛ فمنهم من رأى فيه وسيلةً مشروعة لإظهار المحبة وتعظيم السيرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من رأى أن تخصيص يومٍ بعينه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، فآثر الوقوف عند ما ثبت من الهدي.

وهذا الخلاف، بوصفه خلافاً فقهياً، له مجاله وأدلته ومناهجه، ولا ينبغي أن يتحول إلى ميدانٍ للتبديع المتبادل أو التشاحن أو تمزيق وحدة المسلمين.

لكن ثمة مساحةً أوسع ينبغي أن يلتقي فيها المختلفون جميعاً: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة سيرته، والصلاة عليه، والاقتداء بأخلاقه، وتعظيم القرآن الذي جاء به، والعمل بهديه.

فإذا كان قومٌ يحيون ذكرى مولده، فليكن إحياؤهم قائماً على العلم والسيرة والصلاة عليه وإطعام الطعام والصدقة والأخلاق، بعيداً عن الغلو ومجاوزة ما يليق بمقام النبوة.

وإذا كان آخرون لا يرون تخصيص هذه الذكرى، فليكن رفضهم للطقس مدخلًا إلى مزيدٍ من الاتباع والاقتداء، لا ذريعةً إلى الجفاء أو الانتقاص من محبة الآخرين.

فالاختلاف في صورة الاحتفاء ينبغي ألا يحجب الاتفاق على جوهر المحبة والاتباع.

مولد الإنسان الذي صار ميلاده ميلاد رسالة:

لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم، مجرد شخصية عظيمة ظهرت في التاريخ ثم تركت أثراً وانصرفت؛ وإنما كان نبياً ورسولاً اصطفاه الله لحمل خاتمة الوحي.

ولهذا فإن أعظم ما في مولده ليس أنه وُلد رجلٌ عظيم، بل أنه كان ميلاد الإنسان الذي سيحمل أمانة الرسالة الخاتمة.

قال تعالى:

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

فالنبوة المحمدية ليست مجرد حلقة أخرى في التاريخ الديني؛ إنها خاتمة النبوات، ورسالة موجهة إلى الناس كافة.

ومن هنا لا يكون تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، في تحويله إلى أسطورةٍ خارقة للإنسانية، وإنما في فهم عظمة ما اصطفاه الله له، وفي الاقتداء بكماله الأخلاقي والإنساني في حدود ما شرعه الله.

من «اقرأ» بدأ التحول:

ربما كان من أعمق المفاتيح لفهم الرسالة المحمدية أن أول الوحي بدأ بالأمر:

﴿اقْرَأْ﴾.

لم يبدأ المشروع الحضاري المحمدي بتقديس الجهل، ولا بإلغاء العقل، ولا بإغلاق أبواب السؤال؛ وإنما بدأ بالكلمة التي فتحت أبواب المعرفة.

ولذلك فإن الأمة التي تريد أن تحتفي برسولها حقاً لا ينبغي أن تجعل علاقتها بالقراءة علاقةً موسمية، ولا بالعلم علاقةً هامشية.

إن من مقتضيات الانتساب إلى الرسالة أن نعيد الاعتبار إلى:

العلم، والكتاب، والتفكير، والتدبر، والنقد، والبحث، وإعمال العقل.

فالاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا يليق أن يتحول إلى لحظة عاطفية خالية من المعرفة؛ لأن الرسول الذي جاء بالوحي جاء أيضاً بمنظومةٍ معرفية وأخلاقية أعادت تشكيل الإنسان.

الرسالة المحمدية: تحرير الإنسان من الإنسان:

كان التوحيد في الرسالة المحمدية أكثر من قضية عقدية؛ كان انقلاباً في بنية الوجود الإنساني.

حين يقول الإنسان: لا إله إلا الله، فإنه لا يعلن إيمانه بالله فحسب، بل يتحرر من تأليه البشر، ومن الخضوع المطلق للأصنام، ومن تقديس القوة والثروة والنسب.

ولهذا كان الإسلام، في جوهره، دعوةً إلى تحرير الإنسان من كل عبوديةٍ تُذله لغير الله.

ومن هنا جاءت الرسالة لتعيد تعريف الكرامة:

لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقوي على ضعيف، ولا لغني على فقير بسبب القوة أو المال، وإنما المعيار الأخلاقي هو التقوى والعمل الصالح.

وهذه ليست فكرةً تاريخيةً انتهى زمانها؛ إنها ما تزال سؤالًا ملحاً في عالمٍ تتسع فيه الفوارق، وتتعاظم فيه سلطة المال، ويُختزل الإنسان أحياناً في قدرته الشرائية أو موقعه الاجتماعي.

الرحمة: الوجه الأعمق للرسالة:

قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

ولم يقل: رحمةً للمسلمين وحدهم، وإنما قال: للعالمين.

وهنا تكمن عظمة المفهوم.

فالرحمة المحمدية ليست انفعالًا عابراً، بل أخلاقٌ وممارسةٌ ومسؤولية.

أن ترحم الضعيف.

أن تحفظ حق اليتيم.

أن تصون كرامة المرأة.

أن تحسن إلى الجار.

أن تعفو حين تقدر.

أن تعدل حين تختلف.

أن تكون رحيمًا بالحيوان.

أن ترفض الظلم ولو كان واقعًا على من تخالفه.

وأن تدرك أن قوة الإيمان لا تظهر في ارتفاع الصوت، وإنما في انخفاض الأذى.

ومن أعظم صور الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، أن تتحول سيرته فينا من نصٍّ محفوظ إلى سلوكٍ معاش.

محمد صلى الله عليه وسلم، والإنسان قبل الانتصار

إن قراءة السيرة قراءةً عميقة تكشف أن عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن في الانتصار وحده؛ بل في الطريقة التي تعامل بها مع الإنسان في النصر والهزيمة، في القوة والضعف، في الخلاف والصلح.

لقد كان قادراً على أن يجعل من القوة انتقاماً، لكنه جعلها في مواضع كثيرة عفواً.

وكان يستطيع أن يجعل من الاختلاف ثأراً، لكنه جعل منه في مواضع أخرى باباً للحوار.

وهنا ينبغي أن نعيد اكتشاف السيرة بعيداً عن القراءة التي تختزلها في الغزوات والأحداث العسكرية وحدها؛ فالسيرة أيضاً مدرسة في بناء الإنسان.

كان الرسوم محمد صلى الله عليه وسلم زوجاً، وأباً، وصاحباً، وقائداً، وقاضياً، ومعلّماً، ومصلحاً؛ وفي كل هذه الأدوار كان الإنسان حاضراً في مركز الرسالة.

المولد الحقيقي: حين يولد النبي محمد في أخلاقنا:

إذا أردنا أن نبحث عن المعنى الأعمق للمولد، فلعلنا لا نجده في كثرة الزينة، ولا في ارتفاع أصوات المدائح، ولا في كثرة الكلمات التي تقال عنه، وإنما في سؤال بسيط وقاسٍ:

هل وُلد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في أخلاقنا؟

إذا كنا نذكر رحمته ونحن نقسو على الضعيف، فما الذي بقي من الذكرى؟

إذا كنا نصلي عليه ثم نظلم الناس، فأين أثر المحبة؟

إذا كنا نمدحه ثم نخون الأمانة، فكيف نكون من أهل الاقتداء؟

إذا كنا نرفع اسمه في المجالس ثم نكذب في معاملاتنا، فما قيمة الاحتفاء إذا انفصل عن السلوك؟

المحبة الصادقة ليست صوتًا فقط؛ إنها أثر.

والاقتداء ليس شعارًا؛ إنه اختيار يومي.

ولهذا فإن أعظم مولد يمكن أن يحدث ليس مولداً في التقويم، بل مولداً في الضمير.

من الاحتفال بالمولد إلى الاحتفال بالمعنى

لا بأس أن تفرح القلوب بذكر النبي

صلى الله عليه وسلم، فالإنسان بطبيعته يحتفي بمن يحب، ويستعيد سيرته، ويستحضر فضائله. لكن الأجمل أن يتحول الفرح إلى عمل.

ليكن المولد مناسبةً للعودة إلى السيرة.

ومناسبةً لتعليم الأطفال أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

ومناسبةً لإطعام الفقراء.

ومناسبةً للصدقة.

ومناسبةً لمراجعة علاقتنا بالقرآن.

ومناسبةً للتصالح.

ومناسبةً لرد المظالم.

ومناسبةً لأن يسأل كل واحدٍ منا نفسه:

ماذا أضاف النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إلى حياتي؟

فإذا انتهت المناسبة وبقيت الأخلاق، فقد وصلنا إلى المعنى.

أما إذا انتهت الأنوار وانتهى معها أثر الرسالة، فقد بقي الشكل وغاب الجوهر.

الرسالة التي لا تزال تحتاجها البشرية

لم ينتهِ احتياج الإنسان إلى الرسالة المحمدية بانتهاء القرن الأول، لأن مشكلات الإنسان في جوهرها لم تنتهِ.

قد تغيرت الوسائل، وتبدلت المدن، وتطورت التكنولوجيا، وصار الإنسان يحمل العالم في هاتفه، لكنه ما يزال يبحث عن معنى وجوده، وما يزال يصارع الجشع والكراهية والخوف والوحدة والظلم.

لقد امتلك الإنسان المعاصر وسائل هائلة، لكنه لم يمتلك بالضرورة حكمة استخدام الوسيلة.

ولهذا تظل الأخلاق سؤالًا مركزيًا.

وتظل الرحمة ضرورة.

ويظل العدل ضرورة.

ويظل الإنسان محتاجاً إلى أن يعرف لماذا يعيش، لا كيف يعيش فقط.

وهنا تستمر قيمة الرسالة المحمدية بوصفها مشروعًا للإيمان والأخلاق والمعنى.

الخاتمة: حين ينشق الفجر في داخلنا

ولد النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم في فجرٍ من فجر التاريخ، لكن الرسالة التي جاء بها لا تزال قادرةً على أن تشق فجراً جديداً في الإنسان.

ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى مولده ليس أن نختلف طويلاً حول كيف نحتفل، بل أن نتفق على كيف نقتدي.

فلنجعل من سيرته كتاباً مفتوحاً في بيوتنا.

ومن رحمته منهجاً في علاقاتنا.

ومن صدقه ميزاناً لكلامنا.

ومن عدله معياراً لأحكامنا.

ومن تواضعه علاجاً لغرورنا.

ومن علمه دعوةً إلى المعرفة.

ومن رسالته نوراً يخرج بنا من ظلمات التعصب والكراهية والجهل.

إن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى كثرة الاحتفالات بقدر ما تحتاج أخلاقنا إلى أن تولد من جديد.

وإذا كان الفجر قد انشق يوم مولده عن نور، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحفظ ذلك النور من أن يتحول إلى مجرد ذكرى؛ وأن نجعل منه حياةً في العقل، ورحمةً في القلب، وعدلًا في السلوك، وصدقاً في الكلمة.

فليس أعظم المولد أن نتذكر اليوم الذي وُلد فيه النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، بل أن نولد نحن، في كل يوم، من جديدٍ على هدي الرسالة التي جاء بها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

هندسة الحب وتجلياته في المدونات الدينية المقارنة

على ممر العصور، ظل الحب المحرك الخفي لروح الإنسان والعلة الكبرى في إيجاده، وحين تشرق ذكرى مولد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، تتجدد في الوجدان الإنساني معاني الرحمة المهداة والمحبة الإلهية التي تجلت في أبهى صورها لتخرج البشرية من ظلمات القسوة والتناحر إلى نور الألفة والسكينة. فمنذ اللحظات الأولى لتكوين الوجود، ارتبطت الأديان والشرائع السماوية بهذه الطاقة الروحية العميقة لتكون أساساً لبناء الأسرة والمجتمع واستمرار الحياة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة للغوص في قراءة مقارنة تتأمل كيف نظرت الأديان والمدونات الروحية الكبرى إلى الحب العاطفي؛ تشريعاً وتكويناً، وبوحاً نصياً، ورؤية فلسفية تكشف صراع العاطفة بين الاكتمال الروحي والانسلاخ المادي.

 الحب العاطفي في الأديان الإبراهيمية وباقي العبادات (الرؤية التكوينية والتشريعية)

في الجوهر التكويني للأديان، ينبثق الوجود ذاته من المحبة الإلهية المطلقة؛ فخلق الكون لم يكن محض صدفة مادية، بل كان استجابة لفيض إلهي أراد للحب أن يكون علّة البداية وسبب الإيجاد. ومن رحم هذا الفيض الكوني، جاء تشكيل البشر وظهرت الديانات والعبادات متلاصقة تماماً مع مفهوم الحب العاطفي بوصفه الركيزة البنيوية لاستمرار الحياة الإنسانية وبقائها. وفي هذا السياق، صاغت الأديان الإبراهيمية هذا الارتباط عبر هندسة تشريعية وإلهية تدمج ببراعة بين الاتحاد الروحي السامي والرباط البشري الحي؛ حيث يُقر الإسلام الحب الفطري ويؤطره بـ ميثاق غليظ ومودة ورحمة لتكون الأسرة امتداداً للاستقرار الوجودي، بينما تؤسس المسيحية هذا الارتباط على منظومة سرائرية وعهد روحي أبدي (سر الزيجة(  يربط الروحين والجسدين في كيان واحد لا ينفصم، وفي اليهودية يُنظر إلى هذا الاتحاد من زاوية التشريع التوراتي بوصفه التزاماً تعاقدياً مقدساً يبارك البهجة الأرضية. أما في ديانات القارة الهندية، فتتخذ التشريعات مساراً تنظيمياً يربط الرغبة العاطفية والجسدية المتمثلة في الكاما بنسق الأخلاق الكبرى والكونية المعروف بـ) الدارما (لتبقى طاقة بناء لا هدم، بينما تتجه البوذية نحو التحرر الواعي من أسر التعلق الضيق لتؤسس لفضاء أوسع من الرحمة الكونية الشاملة، ليظل الحب العاطفي في مجمله الخيط الناظم الذي حفظ للبشرية بقاءها ومعناها الروحي معاً.

النصوص الصريحة في الكتب المقدسة والمدونات الروحية وتتبع التعبير عن العاطفة

وعلى مستوى التعبير النصي والبوح الجمالي والوجداني في المدونات المقدسة، تتدفق النصوص بصور بلاغية ورمزية كاشفة عن حرارة الشعور البشري والروحي؛ حيث يزخر القرآن الكريم بتصوير دقيق للوجدان الإنساني في قوله تعالى:

(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) سورة يوسف الآية 30 لدلالة على وصول الحب إلى شغاف القلب وتمكنه التام من كيان الإنسان

 إلى جانب آية السكن والمودة في قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَة) سورة الروم - الآية 21

وفي العهد القديم ، وتحديداً في سفر نشيد الأنشاد، يظهر أجرأ وأصرح نص ديني يتغنى بالجمال الجسدي واللهفة المتبادلة في قول النص

(كُلُّكِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي وَلا عَيْبَ فِيكِ) الكتاب المقدس، سفر نشيد الأنشاد (الإصحاح 4، الآية 7).

وفي موضع آخر (اِجْعَلْنِي كَخَاتِمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَخَاتِمٍ عَلَى سَاعِدِكَ. لأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ. الْغَيْرَةُ قَاسِيَةٌ كَالْهَاوِيَةِ. لَهِيبُهَا لَهِيبُ نَارِ لَظَى الرَّبِّ (سفر نشيد الأنشاد (8 :6) تعبيراً عن الخلود العاطفي.

 وفي المقابل، يتخذ التعبير الرمزي في التراث الآسيوي والهندوسي شكلاً شعرياً صوفياً مشتعلاً في نصوص البهاكتي التي توظف الشوق الحارق لوصف تعلق الروح الإنسانية بالمعشوق الأبدي بصورة حرق الفراشة بنار الشمعة شوقاً واتحاداً، بينما تختتم النصوص البوذية في (ميتا سُوتا) هذا الطيف التعبيري بنداء كوني هادئ يترجم الرحمة المطلقة في نص يدعو لأن يكون غير المحدود قلب المرء تجاه جميع الكائنات كحماية الأم ابنها الوحيد بحياتها لتتجه المشاعر نحو الوجود بأسره بلا قيود ولا تملك.

فلسفة الحب ووظيفته الكونية: بين مدارات الاكتمال الإنساني ومهاوي الانسلاخ المادي

وفي غمرة البحث عن العمق الفلسفي والوظيفي، يتجسد التساؤل الأعمق حول ما إذا كان البشر قد خُلِقوا من أجل الحب أم أن الحب ذاته كان هو السبب في خلق البشر؛ حيث تتقاطع الإجابات الروحية لتؤكد أن المحبة الإلهية المطلقة هي العلّة والغاية من الإيجاد. ففي التراث الصوفي والإسلامي، يُنظر إلى الكون بوصفه تجلياً لسر المحبة الإلهية، وفي التراث المسيحي يُعرّف الخالق بأنه "محبة" بذلت ذاتها ليكون الإنسان كائناً مستحقاً للوجود والشركة. وبما أن الحب هو جوهر الأديان والعبادات، فإننا نجد في المجتمعات الدينية والمؤمنة أن الحب العاطفي يمثل المساحة الأوسع في إدارة مفصلية الحياة وتسييرها؛ فهو يتجاوز الحدود الضيقة ليعبر عن ذاته في أشكال متعددة: من حب الوطن والإخلاص له، وحب العمل والتفاني فيه، إلى العاطفة الفطرية العميقة في بر الوالدين، والعشق الروحي الرفيع لرسل الله وأنيائه.

إن هذه المشاعر في المجتمعات الروحية تتخذ صوراً واضحة وجلية؛ فتارة تبلغ أعلى درجات الالتزام الأخلاقي الكلاسيكي من واجب ورعاية ومسؤولية، وتارة أخرى تتسامى لتصل إلى ذروة العاطفة الرومانسية الوجدانية التي تحرك القلوب وتملأ الروح بالسكينة. ورغم هذا الأمل والاتساع، إلا أن مفهوم الحب يبدأ بالتقاطع والانحراف حين تحتك المفاهيم الروحية النقية بالواقع البشري المادي والغرائزي. وهنا تبدأ نقطة الانسلاخ والتجريد من المعنى الصحيح؛ حيث يُختزل الحب من كونه "رابطة مقدسة وغاية روحية سامية" تشمل الحياة بأسرها، إلى مجرد "أداة تملك وهيمنة واستهلاك أناني" تحكمه النزوات العابرة والمصالح الضيقة. وحين يتسلل الخوف والتعلق المرضي إلى الوجدان البشري، تفقد العشيرة الإنسانية المعنى الحقيقي للمودة، وتتحول النصوص والشرائع التي نزلت لتهذيب العاطفة إلى مجرد طقوس شكلية جافة، ليظل التحدي الأبدي قائماً في كيفية استعادة المعنى الأصيل للحب باعتباره طاقة خلاص واكتمال تنظم حياة الإنسان وعلاقته بالكون والخالق.

***

ئاريان علي

الأفكار الميتة: "هي الأفكار التي فقدت قدرتها على تفسير الواقع أو التأثير فيه، لكنها تظل حاضرة في عقول الناس والمؤسسات والعادات، فتستمر رغم تغير الظروف التي نشأت فيها، وقد تقوم على معلومات قديمة لم تعد صحيحة، وتعجز عن مواكبة التطور الإجتماعي والعلمي، وهي جامدة كمعتقد، وتمنع ظهور أفكار جديدة، وتستخدم لتبرير واقع لم يعد صالحا للحياة المعاصرة، والمتمسكون بها يصرون على إبقائها حية بالقوة، وهي غابرة متفسخة".

فالأفكار الميتة تحقق وجودا ميتا، تلك حقيقة حضارية وحكمة تأريخية، فلكي تكون المجتمعات حية عليها أن تستحضر أفكارا ذات حياة.

فالأفكار الميتة تمتلك طاقات سلبية هائلة ومتنامية، تسعى لتوفير الأسباب اللازمة لصناعة الموت، وما ينجم عنه من تداعيات وتفاعلات ذات إتجاهات قتّالة.

والمجتمعات المتأخرة تزخر بالأفكار الميتة، مما يؤدي إلى إشاعة الكآبة واليأس والبؤس وفقدان الثقة بالذات والموضوع، ويمنع عنها قدرات العطاء والنماء، ويعتقلها في حفر التلاحي والخسران.

إنّ الأفكار الميتة هي التي عفى عليها الزمن وأصبحت في عداد "ما فات مات"، فكل فكرة قادمة من نبش تراب الأزمان، ورفاة لأموات لا قيمة لها في حاضر الحياة.

ذلك أن فهم الأفكار في زمانها ومكانها يختلف من جيل لجيل، فما كانت تعنيه الكلمات التي قيلت قبل قرون لا تستطيع أن تتوافق مع عصور بعدها، مهما توهم المتمسكون بها، لأنها ستكون أما قاتلة أو مقتولة، أو أنها تتحول إلى عدو مدمر لأصحابها الذين أرادوا بها خيرا في حينها، وتحولت إلى شر بعد رحيلهم، لتبنيها من قبل الجهلاء بها، والذين يسقطون رغبات أمّارات السوء التي فيهم عليها، وكأنهم يتخذونها قناعا لتمرير نوازعهم السيئة المطمورة، التي يريدون تغليفها بما لا يمت بصلة إليها.

ويبدو أن رافعي لافتات الأفكار المدثرة برميم أصحابها، إنما يبغون المتاجرة وتحقيق أرباح زائفة على حساب مَن إتخذوهم مطية لتمرير ما يدّعون من الضلال والأفك المشين.

عندما نتأمل واقع الأمة تظهر الأفكار أما وكأنها موضوعة في توابيت الشعارات والخطابات الإعلامية والمنبرية، أو أنها تقاتل نفسها وتمحق دلالاتها ومراميها، فما حققت الأمة أيا من الشعارات التي ترددت عبر الأجيال، بل أنها حولتها إلى نيران أجّاجة للفتك بالحاضر والمستقبل وطمر الأجيال في أتون ويلاتها، التي أوجدتها وتفاعلت معها بإنفعالية وإندفاعية ساخنة.

بالفكر يحقق البشر كينونته ويعبّر عن إرادته، ويبني معالم طريق حياته وإطار وجوده.

والكرامة في الفكر وهو أثمن ما يملكه الإنسان!!

ألا ذهبوا وما زالتْ تدورُ

هيَ الأفكارُ في بلدٍ تجورُ

رميمُ وجودنا يَطغى علينا

وإنّ الخلقَ في وَطنٍ نذورُ

تَبارى غابرٌ ورنى لمَجدٍ

لأنّ مَسيْرَها فيهِ الضمورُ

***

د. صادق السامرائي

 

هم يعرفون ما يريدون، ونحن ندور حول ما نريد. يقولون ما يؤمنون به، بينما نتشدق أحيانًا بكلمات قد نحفظها أو نسمعها أو نقولها لإرضاء طرف ما. وفي أغلب الأحيان، يتغير لون الكلمات وطعمها لتتبدل الآراء تبعًا للظروف.

حالفني الحظ، قبل سنوات، بحضور إحدى الورش حول فن الكتابة، قدّمها كاتبان أميركيان في أواسط العمر لطلبة اللغة الإنكليزية في إحدى الجامعات. استمرت الورشة أكثر من ساعتين، وكان بعض الطلبة قد أُجبروا على حضورها، لكن أكثر ما شدني إليها لم يكن موضوعها بقدر ما كان أسلوب الرجلين في إدارتها.

كانا يتناوبان الحديث، وتترابط أفكارهما حتى ليبدو أحدهما وكأنه يكمل الآخر. ينتقلان من فكرة إلى أخرى بسلاسة، ويمهد كل منهما للآخر، ويضعان خطة واضحة للانتقال بين الموضوعات، من دون استعراض أو تعقيد. كانت لغتهما بسيطة وأفكارهما واضحة، ومع مرور الوقت خيّم الصمت على القاعة، وأخذ الجميع يصغي إليهما، حتى أولئك الذين لم يأتوا إلى الورشة طوعًا.

ظللت أفكر في هذا المشهد وأنا أتذكر أغلب التجمعات الثقافية التي حضرتها. في كثير منها، يدب الملل في نفوس الحاضرين، وهم ليسوا طلبة أُجبروا على الحضور، بل نخبة مثقفة جاءت لتستمع إلى تجربة "فلان الفلاني" الإبداعية. فإذا به يغوص في استعراض عضلاته، ويستخدم مفردات ومصطلحات "مفخمة"، ويستطرد، ثم ينتقل بين الأفكار من دون ترتيب أو نظام.

أما إذا اجتمع اثنان أو أكثر، فقد تتحول الجلسة إما إلى تبادل للإطراء والمديح، أو إلى "عركة" مبطنة تحت شعار "الجرأة في الطرح".

ولعل المشكلة الأكبر تظهر حين يتعلق الأمر بتبادل وجهات النظر. فمن لا يتفق مع وجهة نظر فلان يصبح، في بعض الأحيان، عدوًا له. وكأن الاختلاف في الرأي إساءة شخصية. لا بأس أن تسعى إلى إقناعي بوجهة نظرك، وأن أحاول أنا أيضًا إقناعك بوجهة نظري. لكن لا بأس، في المقابل، أن يظل كل منا محتفظًا برأيه، من دون أن نسمع: "مو إنت متفهم الوضع؟ لازم تعرف."

ربما كان أحد الفروق بيننا وبينهم أن ثقافة العمل الجماعي، أو "التيم وورك"، جزء أساسي من طريقة تفكيرهم في كثير من البيئات. كل شخص يكمل الآخر، ويتعلم منه، ويضيف إلى ما لديه من خبرة. أما عندنا، فكثيرًا ما تتحول المبادرة إلى مساحة للسيطرة، وكأن نجاح العمل لا يكتمل إلا إذا كان شخص واحد هو الذي يعرف ويقرر ويدير كل شيء.

والأمر الآخر أنهم، في كثير من الأحيان، لا يجدون حرجًا في التعلم من الآخرين، أو في قول "لا أعرف". أما نحن، فننظر إلى عدم المعرفة أحيانًا بوصفها نقيصة، وكأن على الجميع أن يعرفوا كل شيء. وحتى إذا لم نعرف، يصعب علينا الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا. وعوضًا عن أن نستفيد مما يعرفه، قد نصر على آرائنا، وربما نتجنب الحديث أو العمل معه.

ومن منظور علم الاجتماع، فإن صفات أي مجتمع تنعكس على أفراده، كما أنها تتشكل من خلالهم. والعراقي، في جزء من ثقافته الاجتماعية، اتصف وما زال يتصف بالأنفة، وحب السيطرة والقيادة، وصعوبة تقبل فكرة تفوق الآخر، وعدم الاعتراف بالجهل في أمر ما وكأنها نقيصة.

ومع أن الإنسان، مهما تعلم، يظل عاجزًا عن معرفة كل شيء، فإن الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا ليس هزيمة، كما أن قول "لا أعرف" ليس عيبًا. ربما يكون العيب الحقيقي أن نعرف أننا لا نعرف، ثم نصر على التظاهر بأننا نعرف.

لكن الغريب...

أن العراقي لا يطبق صفاته هذه في التعامل مع السياسيين والوضع السياسي!

*** 

بشرى الهلالي

يقول الفيلسوف اليوناني سقراط : (الإنسانيّة ليست دينا إنما رتبة يصل إليها بعض البشر)، ومن بين الفنانين العالمين الذين وصلوا بإنسانيتهم وفنهم أعلى الرتب الفنان الفرنسي إتيان دينيه الذي أصبح اسمه بعد اعتناقه الإسلام نصرالدين دينيه، والفنان السويسري مارك رودين الذي أصبح اسمه فيما بعد جهاد منصور.

لقد عاش نصر الدين دينيه أغلب سنوات حياته بالجزائر، وبالخصوص مدينة بوسعادة التي استقر فيها مقامه وفتن بسحرها وطبيعتها الصحراوية الخلابة، وفيها اعتنق الإسلام وكانت ملهمة فنه التشكيلي وقد خصها بما يربو عن 139 لوحة تشكيلية تصور جمال بوسعادة، وبيوتها، وطبيعة ساكنيها البسطاء الذين احتك بهم واندمج بوسطهم وبساطتهم .

وفي سنة 1929 وبعد انتهاء موسم الحج في 2 فيفري الذي أدى فريضته، سافر إلى باريس حيث توفي هناك وأوصى قبل وفاته أن يدفن في مدينة بوسعادة التي تحتضن تربتها إلى يومنا هذا قبره وسكنه الذي تحوّل إلى متحف يجمع أعماله الفنية ليكون قبلة للزوار والفنانين التشكيليين من مختلف أنحاء العالم.

لقد جسد الحاج نصرالدين دينيه بفنه وعبقريته مواقفا إنسانية يشهد لها القاصي والداني على المستوى الأخلاقيّ والدينيّ والتربويّ والثقافيّ، وانغماسه في المجتمع الجزائريّ بكل تفاصيله، ومكوناته أثناء فترة الإحتلال، كما جسد بكتاباته ما يجسد الحقائق التي غفل عنها المستشرقون في كتاباتهم حول الشرق والإسلام .

أما الفنان الثاني فهو الفنان السويسريّ مارك رودين، الذي أصبح فلسطينيا كما أصبح نصرالدين دينيه جزائريا، وذلك بفضل مواقفه وأعماله الفنية التي تشهد على إنسانيته وصداقته وحبه للشعب الفلسطني المجاهد.

لقد تعلق الفنان مارك رودين بفلسطين، ونصرة القضية الفلسطينية حيث وضع خلال مساره، نحو مئتي 200 ملصق وعمل فنّي مؤيدا للقضية الفلسطينيّة، وهذه الأعمالٌ سعى من خلالها من أجل إيصال صوت الشعب الفلسطيني وصوت قضيّته العادلة إلى العالَم .

لم يسلم مارك رودين من الملاحقة والمتابعة نتيجة مواقفه الفنية الإنسانية حيث تم محاكمته وسجنه ورغم ذلك لم يستسلم واستمر في نصرة القضية الفلسطينية برمزياتها التي شكّلت الحجارة محور كثير من رسوماته، إلى جانب البرتقال، والزيتون، وتراب الأرض، والكوفية التي تمثل عنصرا من عناصر الهويّة الفلسطينيّة .

لقد استعمل الفنان مارك رودين بما يُعرَف بالفن الاختصاري في التصميم وهذا ما جعله مؤرخا بصريا للنضال الفلسطيني منذ انخراطه ب"الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين" في منتصف سبعينيات القرن الماضي مما استدعى تغيير اسمه باسم ( جهاد منصور)

لقد رحل مارك رودين عن الحياة في 8 أفريل 2023 في مسقط رأسه بعد أن سخر فنه، وحياته مناضلا ومدافعا عن قضايا الشعوب العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينيّة.

ومهما يكن فالإنسانيّة الحقيقية هي رتبة مشرفة يصل إليها بعض البشر بتفانيهم في خدمة البشريّة بغض النظر عن انتماءاتهم الضيقة لمحيط معين،  أو بقعة جغرافيّة معينة بعيدا عن الإنتماءات  الشعوبيّة والإديولوجيّة والمذهبيّة التي تقتل كل ما يمت بصلة للإنسانيّة .

****

بقلم: تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

أضحت وسائل الاِتصال والتواصل من خلال الأنترنات منتشرة بين الناس كبيرهم وصغيرهم غنيّهم و فقيرهم وبين جليل القوم وبسيطهم  حتى أنها غدت المصدر الأساسي للإعلام والوسيلة السهلة والناجعة للتواصل مع الآخرين بلا حواجز في جميع أنحاء العالم وفي جميع المجالات والميادين فاِتخذ منها الشعراء والأدباء منابر لنشر مختلف نصوصهم التي كانت تلقى مصاعب كثيرة في الطباعة والنشر والتوزيع فصارت النصوص الأدبية من شعر وقصة وخواطر وغيرها تمثل ظاهرة جديدة في مسار تاريخ الأدب العربي إذ شاعت كتابة اليوميات على صفحات البعض سواء منهم الأدباء والشعراء والصحافيين أو غيرهم من الذين يرُومون التواصل مع الآخرين في شتّى المواضيع والاِهتمامات ومن بين أولئك الذين دأبوا على النشر اليومي وفي كل حين وآن وعلى مدار الساعات الصديق ـ منير فلّاح ـ الذي اِكتسب قلمه حضورا لافتا بما في نصوصه من طرافة وظرافة وخصائص جديرة بالمتابعة بحيث أعتبرها نوعًا جديدا من الأدب جدير بالاِهتمام جمعا ودراسة وقد اِقترحت عليه مرات عديدة أن ينبري لها ـ مُشمّرا على قلمه ـ أو بالأحرى على ـ لوحة حروفه ـ في هاتفه أو حاسوبه ـ فينشر مختارات منها ليؤلف من شتاتها كتابا أو أكثر وفي ذلك إضافة متميّزة ضمن هذا النوع الطريف من الكتابة التي تجمع بين الإفادة والتسلية وبين الجِدّ والهزل متّبعا أسلوب القدامى فقد جمع الجاحظ طرائف البخلاء والجواري وغيرهم من أصناف الإنسان والحيوان وجمع أبو حيان التوحيدي طرائف المُلَح والنّوادر والأخبار التي سردها في مسامراته فألّف  منها ـ الإمتاع والمؤانسة ــ وعلى نهجه سار القاضي النّعمان في كتابه ـ المجالس والمسايرات ـ فجمع المسائل التي تطارحها مع المعز لدين الله الفاطمي ونقل كذلك ابن الجوزي الفقيه الجليل طرائف الأذكياء والمغفّلين وغيرهم في مصنفات كثيرة  ففي المكتبة العربية عدد لا يُحصى ولا يُعَدّ من العناوين التي تخصّصت في الظرافة والطرافة والنوادر وحتى في المواضيع التي لا تتقيد بالموانع الأخلاقية والعقائدية من بينها كتاب - نزهة الألباب - لأحمد التيفاشي وكتاب ـ زَهر الآداب ـ لعلي الحصري القيرواني صاحب قصيدة ـ يا ليل الصبّ متى غده ـ ولعلّ كتاب ـ النّديم ـ  للأديب التونسي الجيلاني بن الحاج يحي صاحب التآليف التاريخية والأدبية واللّغوية يُعتبر من آخر ما صدر في هذا الصّنف من الأدب الذي ظاهرُه هَزل وفُكاهة وباطنه جِدٌّ ونَقد .

وآخر هذه المصنفات الطريفة كتاب صديقنا منير فلاح ـ فايسبوكيات ـ ويضم ما تيسر لنا جمعه وإعداده من كتاباته اليومية التي دأب على نشرها في صفحته من الفايسبوك لتكون أنموذجا لبقية ما نشر وإن المتأمل فيها يجد فيها الكثير من سيرته الذاتية من حيث النشأة والتربية والدراسة والذكريات المختلفة التي تتراوح من اللعب في الطفولة إلى هوامش المراهقة والشباب وإلى المشاركة في التظاهرات السينمائية والطلابية والسياسية وغيرها من مشاهد حياته اليومية فقارئ هذه اليوميات بما فيها من تفاصيل شخصية دقيقة ووقائع تاريخية وهوامش وذكريات وإشارات ونكت تمثل حقّا أدب الحياة لأنها نصوص حيّة بما فيها من وهج الصدق ولذة المعاناة وهي نصوص يمكن مباشرتها من المداخل الاِجتماعية والنفسية وغيرهما من المناهج المختلفة بما في ذلك الناحية الأدبية سواء من حيث المعجمية أو الأسلوبية فبعض هذه النصوص في شكل الحكمة أو المثل ومن النصوص لها شكل الخاطرة والبعض صيغ في شكل حوار مسرحي أو كأنه تصوير بالكامرا بل إن بعض هذه النصوص يكتسي بُعدا فنيا واضحا إذ نلاحظ في بعضها حذقا لغويا واضحا عندما يعكس المعنى من الضدّ إلى الضدّ مثل قوله  في ـ لازمة ـ

لا يحتاج الإنسان الي شوارع نظيفه ليكون محترماً !!

ولكن الشوارع تحتاج الي اناس محترمه لتكون نظيفه!

 أو عندما يكرّر نفس الكلمة ولكن يتغيّر معناها في سياقها الجديد كقوله  في ـ كحل

غدوة عاشوراء النساء الكل باش تكحل

بالنسبة للرجال بطبيعتهم العام و12 شهر وهم يكحلو

ويعمد أحيانا إلى الجناس حيث يعمد إلى تبديل ترتيب نفس الحروف من كلمة إلى كلمة فيتبدّل المعنى كقوله في - جناس ـ

داخلين لشهر أغسطس وأنا لتوا ما غطسطش

وأحيانا لكأنّك تقرأ نصّا من شعر الومضة أو الهايكو أو من قصائد ـ في غير العمودي والحر ـ كقوله في ـ العشاء ـ الذي اِعتمد فيه على إيقاع الترديد والخاتمة المفاجئة

ﻓﻲ ﺗﻮﻧﺲ ﺃﻛﻬﻮ،

ﺗﻨﺠﺢ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﺸﺮﻱ ﻛﺮﻫﺒﺔ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ

ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻌﻤﻞ ﺑﻴﻬﺎ ﺣﺎﺩﺙ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ

ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﺒﺪا ﺗﺒﻨﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﻳﺘﻠﻤﻮ

ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻮﺻﻞ ﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺴﻘﻒ ﻳﺘﻠﻤﻮ

ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻌﺮﺱ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﺠﻴﺐ ﻭﻟﻴﺪ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻤﻮﺕ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮا ﻋﻨﺪﻙ

ﻭﺇﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﺒﺮﻙ

ﺷﻌﺐ ﺇﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻔﻄﺮﺓ

ﺗﻌﻤﻞ ﺟﺎﻡ ﻧﺠﻲ ﻧﺘﻌﺸﻰ

ﻋﻨﺪﻙ

صاحبنا كثيرا ما يذكر العشاء والطعام والنوم وهو لا يخفي هذه الصفات بل يعتبرها من خصائص

 الشخصية الناجحة وهو معتز بعائلته التي نشأ فيها فيذكر طرائف وقعت له مع والديه وإخوته وأترابه في

 صفاقس التي كثيرا ما يذكر كياسة أهلها في حسن التصرّف ولكن ضمن الاِنتقاد الظريف وهو لا يجد

 حرجا كذلك في كشف وقائع محرجة له تلك التي يخرج منها كالشعرة من العجين مرّة ويكون ضحيتها

 مرات عديدة فيقبل الأمر برحابة صدر

إنّ فايسبوكيات منير فلاح تمثّل سيرة شخصية وصور اِجتماعية إن شئت وهي هزل ومزاح إن أردت 

وهي جِدّ ونقد وتوعية إذا تمعّنت وهي كشف للتونسيين وتصوير لحالهم وأحوالهم إذا غُصت وهي سفر

 بين عديد البلدان والقارات من خلال أمثالها ونوادرها إن رحلت .

فأنت مقبل على أدب فيه إبداع وإمتاع وذوق وشوق

إنه أدب جديد

 هو أدب الفايسبوك!

***

 سُوف عبيد ـ تونس

 

لاريب أن العصرنة باتت اليوم، ظاهرة عصر شاملة، تتفاعل مع كل تفاصيل مفرادت الحياة، لتعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن، والمكان، والمعرفة، والآخر، بل وحتى بذاته أيضاً. فبينما فاضت في بداياتها وعوداً بحياة أكثر رفاهية، وانفتاحاً، إلا أن تداعياتها الصاخبة أفرزت، في الوقت نفسه، مظاهر سلبية من القلق، والضياع، والاستلاب، ومن ثم فإن صخب العصرنة، لم يعد يتجسد في مجرد ضجيج الآلة، والتقنيات وحدها، وحسب، وإنما تمظهر في إيقاع متسارع، فرض نفسه على الإنسان المعاصر، بحيث أصبح لا يكاد يلتقط أنفاسه، حتى يجد نفسه أمام معطى جديد، يتطلب منه، التكيف معه، وملاحقته، وبالتالي أصبح الإنسان يعيش تحت وطأة ضغط دائم، يحتم عليه مواكبة المتغيرات، دون أن بمنحه فرصة للتأمل، والمراجعة.

ولعل من بين أبرز التداعيات السلبية لهذا الصخب، هو أن الإنسان المعاصر، بدأ يفقد الكثير من طمأنينته الداخلية، بحيث أن وفرة المعلومات، لم تعد تمنحه مزيداً من المعرفة، وأن كثرة وسائل التواصل، لم تضمن له دفء العلاقات، كما أن تعدد الخيارات، لم يمنحه مزيدا من الحرية، وانما وجد الإنسان نفسه، وسط هذا الفيض الهائل من التطورات المتتالية، أكثر حيرة، واشد قلقاً، واعمق شعوراً بالضياع.

على ان أبرز ما افرزته العصرنة الصاخبة من تداعيات سلبية، هو الاستلاب، حيث اصبح الإنسان مستهلكاً، لما يتاح له من أفكار، وصور، وأنماط سلوك، دون أن يمنح نفسه فرصة كافية للتفكير، والنقد، والاختيار، حتى باتت خصوصية الفرد، تتراجع تدريجياً، ويصبح التماثل مع الآخرين، معياراً للقبول، والانتماء، مع هيمنة احادية النموذج، في المظهر، والسلوك، والاستهلاك.

وتجدر الاشارة إلى أن الأمر لم يقف عند حدود الفرد، بل امتد ليطال المجتمع أيضاً، حيث أن تسارع تدفق معطيات الحياة الحديثة، أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية، بعد أن أصبح التواصل الافتراضي بديلاً عن اللقاء الإنساني الحي المباشر في حالات كثيرة، إذ قد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، في حين ينصرف كل واحد منهم إلى عالمه الخاص، خلف شاشة صغيرة، فتغيب الأجساد عندئذ عن الحوار، وتتحول المشاركة العائلية، إلى مجرد حضور شكلي جاف.

على إن كل هذا القلق الذي تثيره العصرنة، لا يبرر رفض التقدم، ولا العودة الآلية إلى الماضي، وإنما يبنغي أن يكون قلقا نابعا من خشية أن يتحول التطور من أداة لخدمة الإنسان، إلى أداة تعيد تشكيله وفق مقتضيات السوق، والتقنية، والاستهلاك، ليكون أكثر افتقاراً إلى السكينة، وأكثر حاجة إلى المعنى، الذي يمنح حياته اتزاناً كافيا، ووضوحاً أكبر.

ومن هنا فإن مواجهة تداعيات العصرنة السلبية، لا تكون بالانغلاق، أو رفض الحداثة، وإنما ببناء وعي قادر على التمييز بين ما يضيف من معنى إلى إنسانية الإنسان، وما ينتقص منها، وبذلك فاننا نحتاج عصرنة، تحفظ للإنسان حقه في التطور، دون أن تسلبه حقه في التأمل، وتمنحه أدوات التواصل، دون أن تحرمه دفء اللقاء الحي، وتفتح أمامه آفاق المستقبل، دون أن تقطع صلته بجذوره.

فالعصرنة ليست قدراً ينبغي الاستسلام لكل تداعياته، وإنما يبنغي أن تكون مشروعا إنسانيا، يكون الإنسان غايته بالدرجة الأولى، حتى لا يصبح صخبها بالمحصلة، أكبر من قدرتنا على الإصغاء إلى ذواتنا، ويتحول التقدم عندئذ، من وعد بالتحرر، إلى حالة من القلق، والضياع، والاستلاب.

***

نايف عبوش

عندما تأسست المملكة العراقية عام 1921 بتعيين فيصل الأول ملكا على العراق، تم إرساء دعائم الدولة الدستورية وفقا للرؤية الإنكليزية، ووضع الدستور وأقيمت المنشآت في المدن، إبتداءً من الأقضية والألوية آنذاك.

ومنذ ذلك التأريخ وسامراء قضاء تابع للواء بغداد، فشُيّدت فيها مدرسة سامراء الإبتدائية الأولى، ومكتبة سامراء، ودار العدالة والبلدية والمستشفى ودائرة النفوس والقائممقامية ونادي الموظفين، ومن ثم مدرسة البنات الأولى وثانوية البنات ومَدارس أخرى.

وهذه البنى التحتية أسهمت في تطور المدينة وتقدمها، وأخص بالذكر، مكتبة سامراء، التي رعت أجيالا من المثقفين والمتعلمين، فكانت ملتقى الشباب المولع بالمعرفة والأدب.

ولا أعرف أول مَن كان مديرا لها، لكني ومنذ المرحلة الإبتدائية وحتى الإعدادية كنت أعرف الأستاذ البدري رحمه الله مديرا لها، والذي كان أبا ومُؤدِّبا ومعلما وملهما لرواد المكتبة، وكان بالغ الإهتمام بالشباب، فيتابع ما يقرؤونه، ويستدعيهم إلى مكتبه ويوجههم ويشجعهم كثيرا ويعينهم في البحث والإستقصاء، وكنت أراه يحمل أوراق طلب إستعارة الكتب ويفرزها ويستخلص منها أسماء القرّاء الدؤوبين وروّاد المكتبة اليوميين.

وحظيت بإهتمام كبير ومتواصل منه، فقد أدرك ما أميل إليه وما عندي من هوى المعرفة، فكان يرشدني إلى الكتب التي سأقرأها، وكم مرة دعاني إلى مكتبه وناقشني ووجّهني، وقال لي إخترت لك هذا الكتاب وهذه الرواية أو القصة والديوان.

ومضى يتابعني ويرعاني بالمعرفة والكتب حتى أنهيت الإعدادية وذهبت إلى الكلية الطبية، وكلما زرت المكتبة تكون لنا جلسة وسياحة في عالم المعرفة والفكر والأدب الرفيع، وأتلقى توصياته الطيبة المنيرة.

وبعد ان أصبحت طبيبا أهداني كتابا وقال: هذا أنت!!

ولا يزال الكتاب معي، وهو ديوان شعري لأحد رجالات التجلي والإدراك، أقرأه بين الحين والآخر، وأتساءل كيف إستطاع أن يرى حقيقة ذاتي أو جوهر كينونتي.

هذا أنت!!

وكلما أقرأ الكتاب، أقول صدق رحمه الله!!

وبعد تقاعده، أصاب المكتبة الخراب والهجران فانكمشت خزانتها وتبعثرت، وكانت تحوي كتبا نادرة ومطبوعات قديمة وفريدة، فهي من أولى المكتبات فقد تأسست عام 1923 ميلادية.

وقد تعجبت عندما زرتها ذات مرة بمديرها الجديد، وكيف كانت خاوية خالية وعلائم الإهمال بادية عليها، وتملكتني الدهشة وأخذني الحزن عليها في آخر زيارة لها، فكانت موصدة الأبواب، وكأنها قد تحولت إلى موضع لرمي الأنقاض، وعندما سألت عن مصيرها، قالوا: يرحمها الله، تحولت إلى كذا وكذا، وما عاد في خزائنها إلا الفئران.

وقفت متألما أمام هذا الصرح المعرفي الذي علّم أجيالا من أبناء المدينة وأرشدهم، وأمدّهم بطاقات التفاعل الثقافي مع الآخرين، فهناك الكثير من الأسماء التي برزت في الصحافة والثقافة والمعرفة والعلوم، وقد تخرجت من مكتبة سامراء.

فأدركت أن البلد الذي يحتقر المكتبة إنما يحتقر العقل، وإهمال المكتبة يعني إهمال العقل، وإغلاقها يعني إغلاقه وقتله.

ويبدو أنّ من المسؤولية الوطنية والتاريخية إعادة مكتبة سامراء إلى الحياة، لأنّها إرث ثقافي ومَعلم تأريخي حضاري لا يقدّر بثمن.

فلا أعرف مصير المكتبة بعد هذا الفراق الطويل، لكني كتبت عنها قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، وأحن إليها لأنها علّمتني وأخذتني إلى سوح الآداب والمعارف العالمية والإنسانية.

فتحية لمكتبة سامراء التي وهبتنا أروع ما يمكن أن تعطيه مكتبة لأبنائها.

فهل ذهبت المكتبة أم لازالت باقية، وهل أعيدت الحياة إليها؟

أم قُرِئت الفاتحة عليها، كحال مَعالمنا الثقافية الباهرة؟!

ذلكَ الصَرحُ المُنيرُ المُلهمُ

جَعلَ العقلَ بديعاً يَغْنمُ

فرأى نوراً بَهيجاً واهجاً

ومَضى سوراً مَنيعاً يَعْصِمُ

بؤرةُ الإدراكِ شعَّتْ وذوَتْ

وأساها في الحَنايا يَقضِمُ

***

د. صادق السامرائي

 

رسالة إلى الجيل الجديد

منذ أن بدأ الإنسان يعيش في جماعات، ظهرت الحاجة إلى قواعد تنظم علاقاته بالآخرين، وتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وما له من حقوق وما عليه من واجبات. ومع تطور المجتمعات، تشكلت منظومات من الأعراف والتقاليد والقيم والمعايير الأخلاقية التي ساعدت على تنظيم الحياة المشتركة، ثم جاءت القوانين والتشريعات لتضع إطارًا أكثر تحديدًا وإلزامًا لبعض هذه القواعد.

ومع ظهور الأديان، اكتسبت القيم الأخلاقية والاجتماعية بعدًا روحيًا وإنسانيًا أعمق؛ فلم تعد الأخلاق مجرد أعراف اجتماعية أو قوانين تفرضها السلطة، بل أصبحت أيضًا التزامًا ذاتيًا ورقابة داخلية تقوم على الضمير والإيمان والمسؤولية. وأسهمت الأديان في ترسيخ قيم إنسانية كبرى، كالصدق والعدل والأمانة والرحمة واحترام الإنسان وتحمل المسؤولية.

ومع مرور الزمن، لم تبقَ المنظومات القيمية على حالها؛ فقد تطورت المجتمعات، وتغيرت ظروف الحياة، وتبدلت أنماط العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية. وأصبحت لكل مجتمع، ولكل مرحلة تاريخية، منظومة من القيم والمعايير التي قد لا تكون مكتوبة، لكنها تحظى بقبول اجتماعي واسع وتعمل في كثير من الأحيان كأنها «دستور اجتماعي» غير مكتوب.

غير أن هذه المنظومات لم تكن ثابتة عبر التاريخ. فقد تعرضت باستمرار للمراجعة والاعتراض والتمرد والتغيير، خصوصًا عندما ظهرت تحولات اقتصادية وعلمية واجتماعية كبرى. وكانت الثورة الصناعية، على سبيل المثال، نقطة تحول عميقة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالعمل والأسرة والمجتمع، وغيرت كثيرًا من القيم والعادات وأنماط الحياة التي كانت سائدة قبلها.

أما اليوم، فنحن أمام تحول ربما يفوق في سرعته وتأثيره كثيرًا من التحولات السابقة. فالثورة الرقمية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والتدفق الهائل للمعلومات، ثم دخول الذكاء الاصطناعي إلى التعليم والعمل والإعلام والعلاقات الإنسانية، بدأت تعيد تشكيل بعض مفاهيم الانسان عن الحقيقة، والخصوصية، والحرية، والعمل، والمسؤولية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى عن طبيعة الإنسان ودوره في عالم تستطيع فيه الآلة محاكاة بعض قدراته الفكرية والإبداعية.

وهنا تظهر واحدة من أهم القضايا التي تواجه الأجيال الجديدة: هل نحن أمام انهيار للمنظومة القيمية التي عرفناها، أم أمام مرحلة انتقالية تفرض علينا إعادة بناء هذه المنظومة؟

أكتب هذه الكلمات إليكم لا بصفتي معلّمًا يريد أن يلقي عليكم درسًا في الأخلاق، ولا بصفتي واحدًا من جيل يعتقد أن الماضي كان كاملًا وأن الحاضر سيئ. أكتب إليكم كصديق وأخ أكبر، وربما كأب يخشى على أبنائه، لا من المستقبل، وإنما من أن يدخلوا إليه من دون بوصلة.

أنتم جيل مختلف. نشأتم في عالم لم نعرفه نحن. عالم مفتوح بلا حدود تقريبًا، تتدفق فيه المعلومات والأفكار والصور والتجارب من كل أنحاء العالم إلى هواتفكم في ثوانٍ. ترون أنماطًا مختلفة للحياة، وتتعرفون إلى أفكار وثقافات لم يكن الوصول إليها متاحًا للأجيال السابقة. وهذا في حد ذاته فرصة عظيمة أُتيحت لكم. لكن الفرصة قد تتحول إلى ارتباك عندما نفتح النوافذ كلها ولا نعرف أين يقع بيتنا.

أقول ذلك لأنني أرى، كما يرى كثيرون من أبناء جيلي، حالة من الحيرة وربما الضياع لدى بعض الشباب والطلبة. هناك من يريد أن يرفض كل ما جاء من الماضي لمجرد أنه «قديم»، وكأن القِدَم وحده دليل على الخطأ. وهناك من يندفع في الاتجاه الآخر، فيحاول تقليد كل ما يأتي من الغرب أو الشرق، وكأنه يمثل بالضرورة النموذج الصحيح للحياة. والحقيقة أن كلا الموقفين يحتاج إلى مراجعة؛ فليس كل قديم صالحًا لمجرد أنه قديم، وليس كل جديد صالحًا لمجرد أنه جديد. وبين هذين الاتجاهين، هناك فريق ثالث يعيش حالة من الحيرة، فلا هو قادر على التمسك بما يراه صالحًا من ماضيه، ولا هو يعرف بوضوح ما الذي يريد أن يأخذه من الحاضر والمستقبل. وهذه الحيرة، في رأيي، هي الأخطر؛ لأنها تترك الإنسان بلا مرجعية واضحة، وتجعله عرضة للتأثر بكل ما يحيط به، من دون أن يمتلك القدرة على الاختيار والتمييز.

القيمة الحقيقية لأي فكرة أو سلوك ليست في عمرها ولا في مصدرها غربيا كان ام شرقيا، وإنما في قدرتها على أن تجعل الإنسان أفضل، والمجتمع أكثر عدلًا، والحياة أكثر استقرارًا وإنسانية. نحن لا نريد منكم أن تعودوا إلى الماضي وتعيشوا كما عاش آباؤكم وأجدادكم. هذا غير ممكن، ولا ينبغي أن يكون مطلوبًا. فالمجتمعات تتغير، والتكنولوجيا تغير طريقة تفكيرنا وعملنا وعلاقاتنا، وبعض القيم تحتاج إلى إعادة فهم وتفسير بما يتناسب مع العصر، من دون أن يعني ذلك التخلي عن جوهرها. وهنا يجب أن نفرق بين تطوير القيم والتخلي عنها. فاحترام الوالدين لا يتعارض مع الاستقلالية، والحياء لا يتعارض مع الثقة بالنفس، والوفاء لا يتعارض مع الحرية، واحترام الكبير لا يعني إلغاء شخصية الشاب، والتعاون والتكافل لا يتعارضان مع الطموح الفردي، والانتماء إلى الأسرة والمجتمع والوطن لا يعني الانغلاق عن العالم. هذه قيم يمكن أن تتغير طريقة التعبير عنها، لكن جوهرها الإنساني يمكن أن يبقى صالحًا.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نخاف من كل ما يأتي من الخارج. لقد حققت دول ومجتمعات مختلفة تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا وإداريًا هائلًا، ومن الحكمة أن نتعلم منها. انظروا إلى جامعاتها، ومختبراتها، ونظمها التعليمية، واحترامها للوقت والقانون، وتشجيعها للبحث العلمي والابتكار، واهتمامها بالإنسان والبيئة. خذوا منهم العلم، والنظام، والعمل، والإبداع، واحترام القانون، وحرية البحث، والتفكير. لكن لا تجعلوا الانبهار بالتقدم العلمي يعني أن تتخلوا عن كل ما لديكم. فالحضارة ليست مجموعة ملابس وعادات وسلوكيات تُستورد كما تُستورد الأجهزة. الحضارة الحقيقية هي أن نأخذ من الآخرين ما ينفعنا، ونطوره بما يتناسب مع مجتمعنا وثقافتنا واحتياجاتنا.

وهنا أظن أن جيلكم أمام مهمة أكبر من مهمة الأجيال السابقة: أن يشارك في إعادة بناء منظومته القيمية بنفسه. لا نريد منظومة تقوم على «افعل لأن آباءك كانوا يفعلون»، ولا منظومة أخرى تقوم على «افعل لأن الآخرين يفعلون». نريد منظومة تقوم على السؤال: هل هذا السلوك صحيح؟ هل يحفظ كرامة الإنسان؟ هل يحقق العدالة؟ هل ينفع المجتمع؟ هل يحترم حريتي وحرية الآخرين؟ وهل أستطيع أن أعيش بسلام مع نفسي وأنا أمارسه؟ هذه الأسئلة يمكن أن تكون أساسًا لمنظومة أخلاقية معاصرة، لا تقطع صلتها بالماضي ولا تعيش أسيرة له.

وأعتقد أن من أهم ما نحتاج إليه اليوم إعادة الاعتبار إلى قيم تبدو بسيطة، لكنها أساس كل مجتمع سليم: الصدق، والأمانة، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، والوفاء، والعمل الجاد، واحترام الوقت، وقبول الاختلاف، والرحمة، والتواضع، وحفظ كرامة الإنسان. هذه ليست قيم جيل قديم. إنها قيم إنسانية لا تبطل صلاحيتها بتغير الزمن.

وفي الوقت نفسه، عليكم أن تتعلموا قيمة أخرى لم تكن الأجيال السابقة بارعة فيها دائمًا: الى أن تسألوا وتناقشوا وتختلفوا. لا تقبلوا فكرة لمجرد أن شخصًا كبيرًا قالها، ولا ترفضوها لمجرد أنها قديمة. ناقشوا، وابحثوا، واقرأوا، وقارنوا، ثم اتخذوا موقفكم. فالإنسان الذي يفكر باستقلالية ليس إنسانًا متمردًا، كما أن الإنسان الذي يحترم تراثه ليس إنسانًا متخلفًا.

إنني أخشى على بعض شبابنا من شيء أخطر من المحافظة على الماضي، وهو العيش بلا مرجعية؛ أن يصبح ما يحدد الصواب والخطأ هو ما يراه الآخرون على مواقع التواصل، أو ما يحقق أكبر عدد من المشاهدات والإعجاب، أو ما يبدو «رائجًا» في لحظة معينة. فلا تجعلوا خوارزمية هاتفكم هي التي تحدد أخلاقكم. أنتم أكبر من ذلك.

ولا أقول هذا لأنني أعتقد أن جيلي نجح في كل شيء. على العكس، نحن نتحمل مسؤولية كبيرة عن الأخطاء التي تركناها وراءنا، وعن جوانب القصور التي لم نعالجها، وربما عن أننا لم نقدم لكم دائمًا النموذج الذي كنا نطالبكم باتباعه. ولهذا فإن بناء منظومة قيمية جديدة ليس مسؤوليتكم وحدكم، بل هو مسؤولية مشتركة بين الأجيال. نحن بحاجة إلى أن نسمعكم، كما نطلب منكم أن تسمعونا. وعليكم أن تنتقدوا ما ورثتموه، لكن بعقل لا بردّة فعل؛ وأن تختاروا من الماضي ما يستحق البقاء، ومن الحاضر ما يستحق الأخذ به، وأن تضيفوا أنتم ما سيحتاج إليه المستقبل.

لا أطلب منكم أن تكونوا نسخة منا، ولا أريد أن تكونوا نسخة من الغرب أو الشرق. كونوا أنتم. تعلّموا من الجميع، لكن لا تفقدوا أنفسكم. افتحوا أبوابكم للعالم، لكن لا تهدموا بيتكم. تقدّموا إلى المستقبل، لكن خذوا معكم أجمل ما في ماضيكم. غيّروا ما يحتاج إلى تغيير، وتمسّكوا بما يستحق أن يبقى. فالقيم هي البوصلة التي تساعدكم على معرفة الطريق وليست قيودًا تكبّلكم.

وقد يتغير العالم من حولنا بسرعة مذهلة، لكن الإنسان، رغم كل ما يتغير حوله، سيبقى بحاجة إلى منظومة قيمية وأخلاقية تحكم تصرفاته؛ سيبقى بحاجة إلى الصدق حين يتعامل مع الآخرين، وإلى الأمانة حين يغيب الرقيب، وإلى الرحمة حين يملك القوة، وإلى المسؤولية حين تمنحه الحرية.

وهذه، في النهاية، هي المنظومة التي أتمنى أن نصوغها معًا: منظومة لا تدعكم تخافون من المستقبل، ولا تجعلكم تخجلون من الماضي، ولا تترككم تقلّدون أحدًا بلا تفكير؛ منظومة متكاملة تأخذ من كل تجربة ما ينفعها، وتضع العلم والمعرفة في يد الإنسان، والقيم في قلبه، والعقل والحكمة في رأسه.

داعيًا الله أن يسدّد خطاكم، ويؤازركم، ويوفقكم لما فيه خير أمتنا وعراقنا الحبيب.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

- من المريح للنفس البشرية هو روحانيتها، واطمئنانها وتذوق حلاوة إيمانها.. وفي رحلتها تصادف مئات العوائق الصادة لها محاولة زعزعتها عن إيمانها وزحلقتها عن صواب السلوك المعافى من أدران القبح وأسلاكه الشائكة في السلوكيات الخاطئة المشينة.

 - وللنفس البشرية ورشة عمل تقوم بها للتخلص من شوائب الدناءة التي تُلاحقها وتعلق بها بين الحين والآخر بدناءة صاحبها البذيء ربما واللعان لأبويه والذي لا يؤمن جاره بوائقه و.....

- فالنفس البشرية بلون" الأمارة بالسوء" تكيد صاحبها باستمرار شرارة السوء فيه وتكبده خسائر فادحة في الدين ينجم عنها مئات الآلاف جرحى في العقيدة ومئات الملايين ضحايا التطرفات الدينية والصراعات المذهبية و.. وقس على ذلك.

- والنفس الطيبة المتَّزنة تترك إيجابيات أثرها في مكنون صاحبها فيظهر حسنها ورقة حنانها وصدق مشاعرها في بشاشة صاحبها وطريقة تعامله مع غيره بكل أدب وخلق عظيم جاعلاً نصب عينيه وملء قلبه قوله تعالى" وإنك لعلى خلق عظيم". فلا مجال لهــا - أي النفس الطيبة - أن تبكي على دنيا فانية... وقد علمت مسبقاً أن السلامة فيها ترك ما فيها.. إذ يتمنى الواحد منا عيشة هنيئة بنفس راضية مرضية فى الدنيا تُدخله "جنة عرضها السموات والأرض لا فندقاً خمسة أو سبعة نجوم أو تدخله صالات القمار ومراقص الدمار.. والعياذ بالله.

- علينا قدر ما نستطيع تهذيب أنفسنا و "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"

والعاقبة للمتقين...

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

بقدر ما وفّرت لنا وسائل التواصل الاجتماعي من فسحة للتعارف وتبادل الآراء، وسرعة الوصول إلى المعلومة، فإنها في الوقت نفسه أظهرت لنا العديد من السلوكيات السلبية التي ينتهجها بعض المراهقين الذين جعلوا من هذه المساحة المهمة منبراً للشتائم، وإخراج ما في جوفهم من قيء يعكس دواخلهم المريضة ، حيث تتعرض بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لتعليقات مسيئة لا تقتصر على الألفاظ النابية والتجريح، بل تتجاوز ذلك أحياناً إلى الطعن بالأعراض والتخوين والاتهام بالعمالة، لمجرد أن أصحابها اختلفوا مع مضمون المنشور أو مع رأي كاتبه.

وإيماناً مني بأهمية النقاش البنّاء والحوار، الذي يرى فيه المعلم "سقراط " أفضل وسيلة للتوصل إلى الحقيقة، دعوت مراراً إلى تبادل الأفكار وبلوغ التفاهم المشترك، عبر الإنصات واختيار الألفاظ المناسبة. وكتبت على صفحتي أن التعليق على المنشور يعكس ثقافة وتربية صاحبه ومرجعيته الأخلاقية والفكرية، وعلى كاتب التعليق أن يترفع عن البذاءات، ويتعلم كيف يحاور المختلف معه بهدوء واحترام، ويقابل الحجة بالحجة، والرأي بالرأي، بعيداً عن الانفعال والتجريح والتجاوز على الآخرين.

فالحوار المهذب، حين يخلو من الإساءة والتشنج، قد يكون أكثر تأثيراً من الشتيمة والتخوين؛ إذ ربما تقود كلمة هادئة وحجة مقنعة صاحب المنشور إلى مراجعة موقفه، والاعتراف بخطئه والعدول عنه. وبذلك نكون قد أصلحنا إنساناً كان غافلاً عن حقيقة ما، بدلاً من أن نخسره بالإساءة والتجريح.

فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي، وسُنّة كونية، وجزء من التفاعل البشري، وعليه ينبغي للاختلاف ألّا يفسد للود قضية. أما الإساءة إلى المختلف فليست دليلاً على قوة الحجة، وإنما هي دليل على ضعفها، وغالباً ما تختبئ وراءها الأحقاد والنزعات العدوانية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى ندرك أن الحقيقة ليست ملكاً حصرياً لأحد، وأن إثراء الحوار يساعد على فهم المشكلات وإيجاد الحلول لها ؟ ومتى تسود مجالسنا الحوارات الهادئة البنّاءة، البعيدة عن إثارة الأحقاد وإشاعة الضغينة في النفوس، التي هي بالأساس متعبة نتيجة الضغوط النفسية التي ولّدتها تعقيدات الحياة وعبث السياسيين؟

متى نغادر التعصب، ونؤسس، من خلال الحوار، قاعدة أخلاقية وإنسانية للوصول إلى الحقيقة، تكون مفتاحاً لفك العديد من مشكلاتنا؟

إننا لا نحتاج إلى مزيد من الصراخ، بقدر حاجتنا إلى قدر أكبر من التعقّل؛ ولا نحتاج إلى أن ينتصر أحدنا على الآخر، بقدر حاجتنا إلى أن تنتصر الحقيقة على الجهل، والحجة على الشتيمة، والحوار على الكراهية.

فربما كان أول طريق إصلاح مجتمعنا أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.

***

ثامر الحاج أمين

الكتابة الساخرة ليست مجرد قدرة على إضحاك القارئ، كما أن الطرفة الناجحة ليست غاية بحد بذاتها، وإنما تكمن قيمتها الحقيقية، عندما تتحول إلى وسيلة ذكية، لقول ما قد تعجز اللغة المباشرة عن قوله.  

ومن هنا ببرز أسلوب الكاتب الإعلامي محمد الجبوري الذي استطاع أن يجعل من الظرافة مدخلاً إلى النقد، ومن النكتة جسراً يصل بين الفكرة والقارئ، في أسلوب مرح، يجمع خفة الروح، وعمق الدلالة.

فهو يمتلك قدرة واضحة، ومهارة عالية، على التقاط المفارقة من تفاصيل الحياة اليومية، وإعادة تقديمها في قالب ساخر، يثير الابتسامة، دون أن يتوقف عند حدودها، إذ سرعان ما يقود القارئ إلى التأمل في المعنى الكامن وراءها. وهذه إحدى خصائص الكتابة الساخرة المتمكنة للاعلامي الساخر محمد الجبوري، حيث لا تكتفي بأن تضحك المتلقي، بل تدفعه إلى أن يراجع المشهد الذي يضحك منه، وربما يكتشف فيه شيئاً من واقع الحياة، وتناقضاتها.

وفي هذا النوع من الكتابة امتاز الكاتب الاعلامي الساخر محمد الجبوري حسا مرهفا باللغة، والموقف معاً، لأن السخرية إذا فقدت توازنها تحولت إلى تهكم عابر، في حين اذا ما نجح الأديب الساخر في أن يمتلك أدواتها، ويتمكن من توظيفها ببراعة، فإنها تصبح فناً محببا، له دلالاته ومراميه.

ومن السمات اللافتة في أسلوبه أيضاً، توظيفه للمصطلحات الفنية والموسيقية المعاصرة، وإدخالها في تشكيلة كتاباته بصورة تبدو طريفة من جهة، وذكية من جهة أخرى. فهو لا يستعير المصطلح لمجرد الغرابة أو الاستعراض، وإنما يوظفه في بناء المفارقة، فيمنح النص إيقاعاً خاصاً، يجعل لغة السخرية عنده أكثر حيوية، واعمق قدرة على ملامسة روح العصر.

ولعل أجمل ما في أسلوبه الساخر، أنه يخفف من وطأة النقد، دون أن يفرغه من مضمونه. فالمتلقي، او الشخص المقصود بالنكتة، قد يبدأ مبتسماً أمام عبارة ساخرة، أو تشبيه طريف، ليجد نفسه بعد لحظات، أمام فكرة تستحق التوقف والتأمل. وهذه حقاً، هي السخرية الراقية، التي لا تجرح، ولا تبتذل، ولا تعتمد الإساءة، وإنما تستخدم الذكاء، واللمحة الخاطفة، والمفارقة الجميلة.

 ومن هنا يمكن النظر إلى أسلوب الاعلامي محمد الجبوري الساخر، باعتباره تجربة ناجحة، تلتقي فيها السمة الإعلامية، مع السرد الأدبي، والظرافة، مع النقد، والمصطلح المعاصر، مع البلاغة. فهو يستثمر خبرته في التواصل مع المتلقي، ليقدم كتابة لا تثقل على القارئ، وتوصل له الفكرة، في نفس الوقت.

وهكذا يستحق الإعلامي محمد الجبوري أن يُقرأ، لا بوصفه صاحب نكتة ظريفة، فحسب، وإنما بوصفه أديباً ساخراً متمكنا، يوظف الظرافة في خدمة الفكرة، ويستخدم المفارقة طريقاً إلى النقد، ويمنح المصطلح الفني والموسيقي، حياة جديدة داخل النص.

***

نايف عبوش

 

طمع: رغبة مطلقة على الإستحواذ، إشتدت رغبته في الحصول على شيء، وهو تعبير عن الحرص والجشع والشره: شهية منفلتة.

ومن عجائب السلوكيات الفاعلة في بعض المجتمعات، أن الدين الذي من المفروض تأكيده على القناعة والرضا والرحمة ومساعدة المحتاجين وعدم أخذ المال الحرام، يبرر السلوكيات العدوانية على حقوق الإنسان، ويسوّغ للطامعين الجشع والإستحواذ على ما يستطيعونه من ثروات البلاد والعباد.

فالفساد في عُرف الفتاوى عمل مشروع، وليس حراما أن يغنم الناس ما يستطيعونه من الثروات لأنها مجهولة الملكية، في بلد أضاع جوهر الوطنية وأحرق الهوية بنيران التبعية، فارتقى بعضهم بأطماعهم إلى مراتب الخيانة والفجور .

"الذل في الطمع"

"ومن طمع ذل وخضع"

"في الطمع فقر"

"كثرة الحرص والطمع تورث كثرة الغم والجزع"

"من طمع أفلس"

فالطمع هو رغبة الإنسان الشديدة  في إمتلاك المال أو المنافع أو الأشياء مما يحتاج إليه، مع عدم القناعة بما يملك، وقد يدفعه ذلك إلى تجاوز الحقوق والقوانين والإمعان في مناهج الفساد، والرغبة في السلطة والنفوذ والمكاسب الشخصية.

ويعبّر عن ضعف القناعة، وحب الدنيا والمظاهر، والخوف من الفقر أو فقدان النعمة، والتربية غير السليمة، والتأثر بالمنافسة المفرطة وحب التملك.

ويتسبب بفقدان راحة النفس والطمأنينة، وإنتشار الظلم والفساد، وتدهور العلاقات الإجتماعية بسبب الأنانية، والوقوع في المشكلات الأخلاقية والقانونية.

ولمعالجته يجب التحلي بالقناعة والرضا، والكرم ومساعدة الآخرين، وبتنمية الأخلاق الحميدة والإبتعاد عن الجشع، فالمال وسيلة لا غاية.

أجل، إن الطمع صفة مذمومة تجعل الإنسان غير راض بما لديه، وتتسبب بأضرار فردية ومجتمعية جسيمة

بينما القناعة والإعتدال من وسائل العيش بسعادة وإستقرار.

تأدْيَنتِ المَساوئُ فاسْتقامتْ

وأبْدتْ شرّها فطغتْ وسادَتْ

تَدحْرَجتِ الفضائلُ من أساها

مُدثرةً بمَرذولٍ فغابَتْ

نفوسُ الخلقِ من طمَعٍ سُداها

فلا تَعْجبْ إذا نَهَمَتْ وحاشَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

في الطب، قد تكون الجلطة لحظة فاصلة بين الحياة والموت، فهي تحدث عندما ينسد شريان يمنع وصول الدم إلى جزء من الجسد، أو عندما يتوقف مسار حيوي عن أداء وظيفته الطبيعية.، وقد تنتهي بوفاة العضو، أو تترك أثرًا دائمًا يتمثل في فقدان القدرة على الحركة، فالخطر لا يكمن دائمًا في توقف الحياة، بل أحيانًا في بقاء الجسد حيًا لكنه عاجز عن أداء وظائفه، وهكذا هي السياسة، فالدول لا تموت دائمًا عندما تصاب بالأزمات، لكنها قد تدخل مرحلة أخطر؛ مرحلة الجلطة السياسية التي تعطل شرايين القرار، ثم تقود إلى الشلل السياسي الذي يفقد الدولة قدرتها على الحركة والتقدم.

فالجلطة السياسية تبدأ عندما تنسد قنوات العمل الطبيعي داخل الدولة، حين يتحول الخلاف السياسي من وسيلة للوصول إلى حلول إلى أداة لتعطيل الحلول، وحين يصبح التنافس بين القوى السياسية صراعًا على النفوذ بدل أن يكون تنافسًا على خدمة المجتمع، عندها تبدأ الشرايين التي يفترض أن تضخ الحياة في مؤسسات الدولة بالانسداد تدريجيًا.

ومن أخطر مسببات الجلطة السياسية تضارب مراكز القرار، فالدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة دون مرجعية واضحة تشبه جسدًا تصل إليه أوامر متناقضة؛ كل عضو يريد الحركة في اتجاه مختلف، فتتعطل حركة الجسد كله، وحين تصبح الأولوية للحفاظ على التوازنات الضيقة بدل بناء القرار الوطني، تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات انتظار لا إلى أدوات إنجاز.

وقد تأتي الجلطة أيضًا من تضخم الإجراءات وتعقيد الإدارة، فحين يخشى المسؤول اتخاذ القرار، وحين تصبح كل خطوة بحاجة إلى سلسلة طويلة من الموافقات، تتحول البيروقراطية من وسيلة لتنظيم العمل إلى عائق يمنع الحركة. وفي هذه الحالة لا يكون غياب القرار نتيجة عدم وجود المؤسسات، بل نتيجة عجز المؤسسات عن استخدام صلاحياتها.

أما الشلل السياسي فهو المرحلة التي تلي الجلطة حين تستمر دون علاج، ففي الشلل لا يختفي الجسد، لكنه يفقد القدرة على الحركة، وهذا ما يحدث لبعض الدول التي تبقى فيها الحكومات والبرلمانات والوزارات قائمة، لكن قدرتها على الإنجاز تتراجع إلى الحد الأدنى، تصدر القرارات ولا تنفذ، تُعلن الخطط ولا تتحقق، وتبقى الأزمات تتكرر لأن الجسد السياسي فقد القدرة على الاستجابة، والأخطر من الشلل المؤقت هو اعتياده، فعندما يصبح التعطيل أمرًا طبيعيًا، ويتحول غياب الإنجاز إلى واقع مقبول، يبدأ المجتمع بالتكيف مع العجز بدل مقاومته، ومع مرور الوقت، تفقد الدولة ثقة مواطنيها، ليس لأنها غائبة، بل لأنها موجودة دون قدرة حقيقية على الفعل.

لكن الطب يعلمنا أن الجلطات لا تعني دائمًا النهاية؛ فالتدخل السريع قد ينقذ الجسد ويعيد إليه بعض وظائفه، والسياسة كذلك؛ فإصلاح المؤسسات، وتحديد الصلاحيات، واحترام القانون، وإنهاء تضارب مراكز النفوذ، وإعادة الاعتبار للكفاءة، كلها وسائل يمكن أن تعيد تدفق الحياة إلى شرايين الدولة، أما إذا تُركت الجلطة دون علاج، فإن الشلل يصبح حالة مزمنة، وتتحول الدولة إلى جسد يستهلك موارده في إدارة أزماته بدل بناء مستقبله، وهنا لا يكون الخطر في غياب الدولة، بل في وجود دولة فقدت قدرتها على الحركة، فالدول لا تسقط فقط عندما تنهار مؤسساتها، بل قد تسقط معنويًا ووظيفيًا عندما تصبح عاجزة عن اتخاذ القرار، وعن الإصلاح، وعن مواكبة تطلعات شعوبها، فالجلطة قد لا تقتل الجسد السياسي، لكنها قد تتركه مشلولًا، قائمًا في مكانه، ينتظر علاجًا قد يأتي متأخرًا، ولهذا فإن أخطر ما ينبغي أن تخشاه الدول ليس الأزمة العابرة، بل التحول من الأزمة إلى حالة دائمة؛ لأن الجسد الذي يفقد القدرة على الحركة، حتى وإن بقي حيًا، يصبح أكثر عرضة لكل الأمراض التي تأتي بعد ذلك.

***

كفاح محمود

للشعر العربي أغراض متعددة يسلكها الشاعر في بناء قصيدته كالوصف، والغزل، والحكمة، والفخر وغيرها من الأغراض حسب مقام المقال، ومن أهم أغراض الشعر العربي الحكمة خاصة عند القدماء من شعراء العربية ومن لهم باع في هذا المضمار فكانوا يلبسون القصيدة أبياتا من الحكمة ويزينونها بها لتنطق عن تجربة الشاعر وخبرته في الحياة

ومهما يكن فإن الشعر العربي لا يزال وإلى يومنا هذا ينطق بالحكمة، حيث راح الكثير من الشعراء يجسدون في أشعارهم من الأمثال والحكمة الشائعة التي تزيد القصيدة حسنا جمالا وتستهوي القاريء.

ومن بين التراكيب اللغوية التي ورد ت في كثير من الأشعار  (إذا) الظرفية المتضمنة معنى الشرط سواء جاء بعدها اسما أو فعلا إلاّ وورد ما بعدها من كلام ناطق بالحكمة وظهرت الحكمة فيه واضحة وممتعة.

قال الشاعر:

إذا قل ماء الوجه قل حياؤه

ولاخير في وجه إذا قل مـاؤه

حياءك فاحفظه عليك وإنما

يدل على فعل الكريم حيـاؤه

وقال المتنبي:

وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ

فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ

وقال الإمام الشافعي:

إذا نطق السفيه فلا تجبه

فخير من إجابته السكوت

فإن كلمته فرجت عنـه

وإن خليته كمـداً يموت

قال الأحنف بن قيس:

إذا المرء أفشى سره بلسانه

ولام عليه غيـره فهو أحمـق

إذا ضاق صدر المرء عن سرنفسه

فصدر الذي يستودع السرأضيق

وقال السمؤل:

إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ

فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ

وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها

فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ

ومهما يكن فإن لغتنا العربية غنية بتراكيبها في الشعر والنثر وأن استعمالها وتوظيفها الجيد في العبارة والجملة لا يزيدها إلاّ روعة و جمالا يدلان على ثرائها وارتقائها على كل اللغات.

***

بقلم: تواتيت نصرالدين

 

في عصر تتداعى فيه الحدود بين الواقع والافتراضي، وتتضاعف فيه مطالب الحياة وتوقعاتها، يطفو على السطح مصطلح ياباني غريب، بدأ يجد طريقه إلى النقاشات النفسية والاجتماعية عالمياً؛ إنه «هيكيكوموري» (Hikikomori). ويعني المصطلح لغوياً «الانسحاب» أو «التقوقع»، تحول إلى ظاهرة تستدعي التأمل، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي تواجه التحول الرقمي والضغوط الاجتماعية ذاتها.

ارتبطت ظاهرة «هيكيكوموري» تاريخياً باليابان، وهي تصف حالة من الانسحاب الاجتماعي الحاد، يبتعد فيها الفرد، غالباً من فئة الشباب، عن الحياة العامة ويتقوقع داخل غرفته أو منزله لفترة تمتد إلى ستة أشهر أو أكثر، مع انقطاع شبه كامل عن الدراسة والعمل والأصدقاء والمحيط الاجتماعي.

غير أن المسألة تتجاوز مجرد حب العزلة أو قضاء وقت طويل في المنزل؛ إذ قد يتحول المكان الخاص إلى ملاذ آمن من واقع يشعر الفرد بالعجز عن مواجهته. وفي بعض الحالات، يصل التجنب إلى درجة الامتناع عن التواصل المباشر حتى مع أفراد الأسرة، ليحل العالم الرقمي بديلاً عن العالم الحقيقي. فتزداد ساعات استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية، ويختل النظام اليومي، من سهر ليلي ونوم نهاري، وقد تتراجع العناية بالنظافة الشخصية والصحة، بينما تتزايد مشاعر القلق والخوف من مواجهة الآخرين.

ولا يمكن إرجاع الظاهرة إلى سبب واحد؛ فهي نتاج تداخل معقد بين عوامل نفسية واجتماعية وأسرية وتكنولوجية. وتبرز الضغوط الاجتماعية والأكاديمية والمهنية، والخوف من الفشل أو التعرض للتنمر، والشعور بالعجز عن مجاراة توقعات الأسرة، بوصفها عوامل قد تدفع إلى الانسحاب. وغالباً ما يشكل الفشل الدراسي، أو فقدان العمل، أو صعوبة بناء العلاقات الاجتماعية والعاطفية، نقطة تحول تدفع بعض الشباب إلى الانسحاب التدريجي.

أما التكنولوجيا، فتؤدي دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة تسهّل هذا الانسحاب، إذ أصبح بإمكان الإنسان الحصول على الطعام والترفيه والتعليم وحتى العمل من داخل غرفته، دون حاجة إلى مواجهة العالم الخارجي. لكنها من جهة أخرى قد تكون النافذة الوحيدة التي يطل منها المنعزل على الحياة. كما قد تؤدي الحماية الأسرية المفرطة إلى تعقيد المشكلة، عندما توفر الأسرة للفرد احتياجاته المادية كاملة، من دون معالجة الجذور النفسية والاجتماعية التي دفعته إلى التقوقع.

ويتطلب التعامل مع هذه الحالات صبراً وتدرجاً، لا إجباراً أو مواجهة عنيفة. ويبدأ المسار عادة بكسر حاجز الصمت وبناء الثقة، وقد يستفيد الفرد من العلاج النفسي بحسب حالته. كما أن إشراك الأسرة في عملية العلاج أمر بالغ الأهمية، لمساعدتها على فهم الحالة والتعامل معها بطريقة متوازنة، بعيداً عن اللوم أو الضغط المفرط. ثم تأتي مرحلة الدمج التدريجي، بدءاً من استعادة التواصل مع المختصين وأفراد الأسرة، وإعادة تنظيم النوم والنشاط اليومي، وصولاً إلى العودة المتأنية إلى الدراسة أو العمل.

ورغم ارتباط الهيكيكوموري باليابان، فإن الظاهرة لم تعد محصورة فيها؛ فقد ظهرت حالات ودراسات حولها في كوريا الجنوبية وتايوان والصين، وكذلك في عدد من الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. ويبدو أن العامل المشترك لا يرتبط بالانتماء إلى ثقافة معينة بقدر ما يرتبط بوجود ظروف تسمح بالانعزال الطويل، مع استمرار القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من داخل المنزل، خصوصاً في المجتمعات الحضرية المتقدمة تكنولوجياً.

وتبرز الولايات المتحدة مثالاً على بعض الظروف التي قد تسهّل هذا النمط من الانسحاب؛ فالفردانية، وضعف بعض الروابط الاجتماعية التقليدية، والضغوط النفسية، إضافة إلى سهولة الحصول على الخدمات عبر الإنترنت، قد تجعل الانسحاب الاجتماعي أكثر سهولة واستدامة. كما يتقاطع الهيكيكوموري في بعض الحالات مع مشكلات نفسية أخرى، كالقلق الاجتماعي والاكتئاب، ما يجعله أحياناً مؤشراً على أزمة أعمق، وليس مجرد حالة من العزلة.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل مجتمعاتنا العربية في منأى عن هذه الظاهرة؟ لقد وثقت بعض الدراسات حالات في عدد من البلدان العربية تتوافق مع بعض معايير الهيكيكوموري، لكن الظاهرة، بحسب المعطيات المتاحة، لم تصل بعد إلى مستوى الانتشار الموثق في شرق آسيا. ولعل طبيعة الأسرة العربية الممتدة والمترابطة توفر نوعاً من الحماية النسبية؛ إذ يصعب أن يختفي أحد أفرادها تماماً داخل غرفته لفترات طويلة دون أن يثير ذلك انتباه المحيطين به، كما أن شبكات الدعم العائلي والاجتماعي قد تحد من استمرار العزلة.

لكن هذا لا يعني أن مجتمعاتنا بمنأى عن الخطر؛ فقد لا تُشخّص بعض الحالات بوصفها «هيكيكوموري»، بل تُفسر على أنها اكتئاب، أو قلق اجتماعي، أو خجل مفرط، أو مجرد عزلة اختيارية، مما قد يجعل الحجم الحقيقي للمشكلة غير واضح. والأمر الذي يستحق الانتباه هو أن بعض الظروف المساعدة على نمو الظاهرة أصبحت موجودة لدينا أيضاً: ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وضغوط التحصيل الدراسي، وصعوبة الحصول على عمل يحقق الطموحات، إضافة إلى سهولة تلبية الاحتياجات اليومية عبر الإنترنت من داخل المنزل.

وما يلفت النظر في ظاهرة الهيكيكوموري أنها تضعنا أمام سؤال وجودي يتجاوز مجرد الاستخدام المفرط للإنترنت أو الألعاب: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح العالم الافتراضي أكثر راحة وأماناً من العالم الحقيقي؟

قد يبدأ الإنسان بالعزلة هرباً من ضغط، أو فشل، أو خوف، ثم تتحول هذه العزلة تدريجياً إلى أسلوب حياة، ويصبح الخروج منها أكثر صعوبة كلما طال بقاؤه داخلها.

وهنا تأتي مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية والاجتماعية في قراءة هذه السلوكيات بوعي، والانتقال من مجرد مراقبة ساعات الجلوس أمام الشاشات إلى فهم ما وراءها: هل يشعر الأبناء بالفشل؟ هل يعانون من التنمر أو الإقصاء؟ هل يجدون في المنزل مساحة آمنة للحديث؟ ولماذا يشعرون بأن العالم قد أغلق أبوابه في وجوههم، أو أنهم عاجزون عن مواجهته؟

إن أفضل وقاية تبدأ قبل العزلة: بالاستماع والاحتواء وبناء الثقة، وإشعار الأبناء بأن الفشل ليس نهاية الطريق، وأن لهم دائماً مكاناً آمناً يعودون إليه، وأن المجتمع، رغم قسوته أحياناً، لا يزال يحمل في طياته مساحات للأمل والاندماج.

وفي النهاية، نسأل الله أن يحمي أبناءنا من كل ما يهدد سلامهم النفسي والاجتماعي، وأن يمنحهم القوة لمواجهة الحياة بثقة وأمل، وأن يحيطهم بأسرٍ واعية ومجتمعاتٍ رحيمة، فلا يجدوا في العزلة ملاذاً، ولا في العالم الافتراضي بديلاً عن الحياة الحقيقية، وأن يحفظهم الله من هذه الظواهر التي قد تعزل الإنسان عن نفسه ومجتمعه، ويهديهم دائماً إلى طريق الأمان والتوازن والاندماج.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

يمكن للإنسان أن يكشف عن مستوى وعيه ومعرفته وثقافته وانشغالاته واهتماماته من خلال موضوعات حديثه في مجالسه؛ فالكلمات ليست مجرد أحاديث عابرة أو أصوات نتحدث بها دون تفسير أو تحليل، وإنما هي مرآة لما يشغل فكرنا وعقولنا وقلوبنا. ومن يتأمل أحاديث الناس يجد تفاوتاً واضحاً وبيناً في اهتماماتهم ونقاط التركيز في حياتهم؛ فمنهم من يعيش في عالم الأشخاص، ويدور في فلكه، ويشغل همه ووقته، ومنهم من يعيش في عالم الأحداث ومجرياتها ومشكلاتها وهمومها التي تكثر يومًا بعد يوم، ومنهم من يرتقي إلى عالم الأفكار والمعرفة والحكمة، فيشغل همه بالأحاديث المفيدة والمعبرة التي تترك بصمة واضحة في صناعة الأثر والإيجابية، وفي المعرفة والمهارات والقيم والتوجهات الإيجابية التي تبني عالماً من النفع والخيرية. وهذا لا يعني أن الناس ثلاثة أصناف جامدة لا تتغير، وإنما هي درجات في الاهتمام وطريقة النظر إلى الحياة.

الصنف الأول: من ينشغل بالأشخاص

هذا الصنف يجعل الناس محور حديثه؛ يتابع أخبارهم وأحوالهم، ويتحدث عن تصرفاتهم وأفعالهم، ويرصد حركاتهم وعلاقاتهم، ويعرف تفاصيل حياتهم كأنه يعيش معهم وبينهم، ثم يحمل ذلك إلى المجالس في صورة نقد أو حكايات أو تعليقات أو روايات. وقد يتحول هذا الانشغال بالناس إلى غيبة ونميمة وسوء ظن وتتبع لعورات الآخرين، ولذلك جاء التحذير القرآني واضحاً: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾  الحجرات: 12]

فالإنسان الذي يجعل حياته مراقبة للآخرين يهدر جزءاً كبيراً من عمره في الانشغال وارتكاب السلبيات والسيئات، فيما يعجز عن تهذيب شخصيته وتنميتها بكل ما فيه الخير والمنفعة له؛ فهو لا يضيف إلى معرفته، بل قد يورطه في حقوق الآخرين وآثام اللسان والجوارح، بل يشعر بالهم والغم والشعور باليأس والاكتئاب النفسي من جراء ما ينشغل به من واقع الناس، يلوك بهم لسانه وينسى نفسه التي تحتاج إلى تهذيب وتربية وتنقية من درن الأفعال السلبية، وتجنب مراقبة الناس والخوض في شؤونهم الخاصة والتطاول عليهم.

فالأولى أن يهذب نفسه، ويلجمها عن الخوض في أعراض الأشخاص، والتحدث عنهم بما لا يليق بهم أو لا يقبله على نفسه. وليس معنى ذلك أن الحديث عن الناس مرفوض دائمًا، فهناك حديث مشروع ونافع تدعو إليه الحاجة، عندما يتحدث شخص بامتداح تصرفات وأفعال أناس آخرين، أو عندما يشعر بمظلمة فمن حقه أن يطلب رد حقه، وينصفه أحد، ويدعمه ويساعده. لكن المشكلة أن يصبح الآخرون مادة الحديث الدائمة، ومحور الاهتمام المستمر، دون طائل من هذه الأفعال والمسلكيات التي تضر ولا تنفع.

الصنف الثاني: من ينشغل بالأحداث

وهذا الصنف أكثر اتساعاً في اهتمامه من سابقه، وأكثر إيجابية من الصنف الأول؛ فهو يتابع ما يحدث في المجتمع والعالم، ويتحدث عن الأخبار والوقائع والتغيرات، ويقول: حدث كذا، ووقع كذا، وقالوا كذا، وتغيرت الأمور. ولا شك أن الوعي بالواقع ومعرفة ما يجري أمر مهم، فالإنسان لا ينبغي أن يعيش منفصلًا عن مجتمعه وعصره. إنما الوعي بالأحداث لا يعني أن يتحول الإنسان إلى مجرد ناقل للأخبار دون الاستفادة منها وتوظيفها بشكل جيد ونافع في شؤون الحياة ومواقفها.

فالقرآن الكريم يعلمنا التثبت من الأخبار والتبين منها، مخافة ألا تكون صادقة أو حقيقية، فينقل المرء شائعات تحدث فوضى وبلبلة في واقع المجتمع، وتزيد من الهلع والخوف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]

وقال النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم. فليس المهم أن تعرف كل خبر، وإنما المهم أن تعرف ما يستحق أن تعرفه أو يتم التعرف إليه، وأن تتحقق مما تسمعه من الآخرين، وأن تفهم ما وراء الحدث، وأن تستفيد منه.

أما الصنف الثالث، فهو الصنف الأرقى: من ينشغل بالأفكار والمعرفة

هذه الشخصية لا تتوقف عند الأشخاص، ولا تكتفي بترديد الأحداث، وإنما تتجاوز ذلك إلى السؤال عن المعاني والدروس والحلول. وتتناول الأفكار النافعة والعلوم التي تجلب المنفعة للمجتمع، وتصنع التغيير الملائم الذي يحدث قفزة كبيرة، ويحدث تعديلاً في عقول الناس ونفوسهم. وإذا وقع حدث، لا يكون سؤاله فقط: ماذا حدث؟ بل يسأل: لماذا حدث؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منه؟ وكيف نستفيد من التجربة؟ وما الذي يمكن أن نفعله حتى يكون المستقبل أفضل؟

وهنا يتحول الإنسان من مستهلك للأحداث إلى قارئ ومحلل لها، ومن ناقل للأخبار إلى صاحب رؤية ورسالة، ومن متابع للحياة إلى مشارك في صناعة أثرها وبصمتها الإيجابية. وهذا قريب من المنهج القرآني في النظر إلى الأحداث واستخراج العبرة منها، قال تعالى:﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾[الحشر: 2]

فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يمر على الأحداث مرورًا عابرًا دون هدف أو عبرة، وإنما يريد منه أن ينظر ويتأمل ويتفكر ويعتبر. ومن هنا يمكن القول إن هناك فرقاً بين شخص يتحدث عن الحدث، وشخص يفهم الحدث، وشخص يستخرج من الحدث فكرة ودرسًا يجلب به النفع لنفسه والآخرين من حوله.

إن الشخصية الراقية لا تعني أنها لا تعرف أخبار الناس، ولا تعني أنها لا تتابع الأحداث والمواقف اليومية، وإنما تعني أن هذه الأمور ليست هي عالمها كله. فهي تعرف الناس دون أن تنشغل بعيوبهم، وتتابع الأحداث دون أن تغرق فيها، وتقرأ الواقع بعين مبصرة وواعية، ثم تعود إلى عالم الأفكار والقيم والمعرفة والعمل بها حتى تتحقق الفائدة المرجوة. وقد قال الله تعالى:﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

 [ق: 18] ،،، وقال رسول الله ﷺ:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.

وهنا تكمن عظمة الإنسان: ليس في كثرة كلامه، وإنما في نوعية كلامه.فقد يجلس الإنسان ساعة كاملة ويتحدث عن فلان وفلان، ثم ينصرف من مجلسه دون أن يضيف شيئاً إلى عقل أحد أو قلبه إلا الآثام والمعاصي وارتكاب الأخطاء. وقد يجلس آخر فيتحدث عن حدث من أحداث الحياة، فينقل خبرًا وينتهي الأمر دون أن يكون له حضور وبصمة يتناول آثاره وتأثيره على نفسه والناس من حوله، وقد قيل: «إن لم نعتبر مما حدث، فكيف نصلح شؤوننا وأحوالنا؟»

لكن هناك إنساناً ثالثاً قد يتحدث دقائق معدودة، فيزرع فكرة، أو يقدم معرفة، أو يفتح باباً للأمل والتفكير، أو يوقظ همة ويحفز من حوله ويدفعهم، أو يقدم تجربة فينفع بها غيره، أو يستخرج حكمة من موقف فيصنع شيئاً صالحاً، وهذا هو الإنسان الذي تصبح مجالسه إضافة، وحديثه قيمة، ووجوده أثراً.

إن الرقي الحقيقي لا يظهر فقط في المظهر أو الشهادة أو المنصب، وإنما يظهر في مستوى التركيز والاهتمام، وعمق التفكير، ونوعية الحديث وطريقة تناوله وسرده. فكلما ارتقى الإنسان، انتقل من مراقبة الناس وشؤونهم إلى فهم الحياة والارتقاء بها، ومن متابعة الأحداث إلى تحليلها، ومن نقل المعلومات إلى إنتاج المعرفة، ومن الحديث الذي يستهلك الوقت إلى الحديث الذي يصنع الوعي، فيزيل الجهل والظلمة المستشرية في النفوس والعقول.

ولذلك فلنسأل أنفسنا دائماً: ما أكثر شيء نتحدث عنه؟ هل نلوك أخبار الناس، ونتطاول عليهم، ونتتبع آثارهم وخصوصياتهم وشؤونهم؟ أم نستهلك الأحداث وتستهلكنا المشكلات والهموم؟ أم نتبادل الأفكار والمعارف والتجارب التي تبني الإنسان والمجتمع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف لنا شيئًا مهمًا عن مستوى نضجنا الفكري ومستوى الوعي الذي نمتلكه.

وفي النهاية، ليس المطلوب أن نترك الحديث عن الناس، بل أن نمتدح أجلهم وأفضلهم، ولا أن نهجر الأخبار، بل أن نستلهم منها المواعظ والدروس، وإنما المطلوب أن نرتقي بحديثنا؛ فإذا تحدثنا عن الأشخاص تحدثنا بالخير والعدل، وإذا تحدثنا عن الأحداث تحدثنا بوعي وتثبت دون مبالغة أو تهويل، وإذا وصلنا إلى الأفكار جعلناها وسيلة للمعرفة والبناء والإصلاح.

فطوبى لمن إذا تكلم نفع، وإذا علم أفاد، وإذا رأى حدثاً اعتبر، وإذا حضر مجلسًا أضاف إليه، وكان كالمطر إذا وقع نفع، وإذا غادره ترك وراءه فكرة جميلة، أو كلمة طيبة، أو أثراً حسناً ومميزاً.

فمستوى الإنسان لا يقاس فقط بما يعرف، بل بما يشغله، وبما يتحدث عنه، وبما يتركه من أثر وحضور.

***

د. أكرم عثمان

21-8-2026

العِراك: الخصام، القتال

مصطفى صادق الرافعي الأصم (1887 - 1937) ميلادية، وطه حسين الأعمى (1889 - 1973) ميلادية، إحتدمت المعارك بينهما، فكيف نفسر ذلك السلوك القاضي بالنيل من بعضهما. إنهما يعتركان وفي اللهجة المحلية (يتعاركان).

وفي التأريخ ما جرى بين جرير والفرزدق، وقبلهما وبعدهما الكثير من المواجهات بين نخب الأمة بأنواعهم، وبلغت ذروتها في الصراعات الحزبية والسلطوية بين أعضاء الحزب الواحد، والعقيدة الواحدة، وكم اكلت الحركات والثورات من رجالها، وكم إجتث لاحقها سابقها.

ويبقى القول "وما إجتمعت بأذوادٍ فحول" هو القاسم المشترك بين الحالات العاصفة في كيانات الأمة.

والعجيب أن الرافعي وعباس محمود العقاد (1889 - 1964) ميلادية، على علاقة ما بمي زيادة، التي كانت تطعمهما حليب الأوهام، وسلاف خيالات وردية، وقد إشتدت المعارك بينهما إلى حدٍّ غريب، العقاد كان يكتب ردوده والرافعي يتكلم متشاجرا معه، في بعض الأحيان

وأعود إلى الصراع بين شخص أصم وآخر أعمى، وهما يتفاعلان على صفحات الجرائد والكتب ويسلطان أقصى طاقاتهما الإبداعية للنيل من بعضهما، والحط من إبداع كلٍ منهما، وهو ليس بالنقد بل أشبه بالمصارعة الحرة على حلبات السطور.

أبحث عن تفسيرات لهذه السلوكيات الماضية في كيان الأمة، مما جعلها تتقهقر وتلوذ بماضٍ تجهله، وتغادر حاضرا تنكره، ومستقبلا تخشاه.

لماذا يشتد التناحر بين المبدعين ولا يتحقق التفاعل الإيجابي المتآلف الرفيع الرؤى والمنطلقات؟

ترى كيف ستكون أحوالنا لو تفاعلت عقول الأمة بدلا من تخاصمها، ودخولها أتون حروب بينية إستنزافية مبددة للطاقات الإيجابية؟

تمَعْركَتِ العقولُ بما اعْتراها

إذا قتلتْ نوابغُها أخاها

بأفكارٍ مُعارضةٍ لفِكْرٍ

توطّنتِ المساوئُ مُحْتواها

لسَمعٍ فاقدٌ وبها أديبٌ

يُقارعُ أكْمهاً يَرقى عُلاها

***

د. صادق السامرائي

تبدو الفكرة التقليدية عن "دولة القانون" في فتراتنا الراهنة أشبه بأثر متحفي، فكرة رومانسية صاغها فلاسفة التنوير مثل إيمانويل كانط وجان جاك روسو حين حلموا بعقد اجتماعي يضمن كرامة الإنسان ويحمي الضعيف من تغول القوي. غير أن تتبع مسارات القوانين اليوم، ومنهج تفكيكها سوسيولوجياً، يكشف عن تحول بنيوي خطير يعيد صياغة مفهوم الدولة من أساسه. لم نعد أمام قوانين تهدف إلى تنظيم العيش المشترك وتحقيق العدالة الاجتماعية، بل أمام ترسانة من التشريعات المصممة بدقة لتأمين مصالح الشركات عابرة القارات، وتحويل الدولة إلى مجرد حارس قضائي يحمي التدفقات المالية العولمية. إنها النيوليبرالية في أقصى تجلياتها القانونية، حيث تزيح "دولة القانون" لتفسح المجال أمام "دولة الشركات". في كتابه الرائد "نظام التفاهة" يضعنا الفيلسوف الكندي ألان دينو أمام حقيقة أن النظام الرأسمالي المتأخر لم يعد يكتفي بالسيطرة على الاقتصاد، بل تغلغل في صياغة لغة القانون وجوهره. يوضح دينو كيف استبدل مصطلح "السياسة" بمفهوم "الحوكمة"، وكيف أُزيح "القانون العام" لصالح "القوانين المرنة" ومدونات السلوك الأخلاقية المفصلة على مقاس مجالس إدارة الشركات الكبرى. هذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات الأكاديمية، بل هو عملية تزييف ممنهجة للوعي الجمعي، حيث يعاد تعريف العدالة لتصبح مرادفة للاستقرار المالي، ويتحول القاضي من حام للحقوق الإنسانية إلى ميسر للعقود الاستثمارية ومراقب للالتزام المالي.

تفكيك البنية الاجتماعية لهذه التشريعات النيوليبرالية يكشف عن آليات لشرعنة ما كان يعتبر سابقاً جرائم اقتصادية أو تعديات على الملكية العامة. فالتهرب الضريبي، مثلاً، لم يعد سلوكاً خارجاً عن القانون، بل بات علماً قائماً بذاته يطلق عليه التخطيط الضريبي القانوني، يدرسه خبراء في كبرى كليات الحقوق التي تمولها المصارف والشركات الاحتكارية. ومن هذا المنطلق يتجلى نقد دينو الحاد لدور "الخبير القانوني" الذي حل محل الفقيه الدستوري. الخبير لا يسأل عن أخلاقية القانون أو عدالته، بل يبحث عن الثغرات لتمكين رأس المال من التهرب من مسؤولياته المجتمعية تجاه الصحة والتعليم والبيئة، مما يؤدي إلى تاكل مفهوم الفضاء العام وخصخصة مقدرات الشعوب تحت مسميات "المرونة الاقتصادية" و"جذب الاستثمارات". إن هذه التشريعات لا تصاغ في غرف برلمانية تمثل إرادة الشعوب، بل في مكاتب جماعات الضغط والمؤسسات والشركات المالية الدولية التي تفرض شروطها كحزم إصلاحية ملزمة للدول النامية والمتقدمة على حد سواء. ونتيجة لذلك، يغترب المواطن عن قانونه إذ يكتشف أن هذا القانون الذي يطالبه بالالتزام والانضباط والتقشف، هو نفسه الذي يعفي الشركات الكبرى من الضرائب ويمنحها حصانة ضد المساءلة عن الكوارث البيئية أو استغلال العمالة. يتحول المواطن تدريجياً من شريك في العقد الاجتماعي إلى مجرد زبون مستهلك، تقاس قيمته بمدى ملاءته المالية وقدرته الشرائية، بينما تجرد الفئات الهشة من أية حماية قانونية حقيقية.

كتب الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي يوماً أن درجة حضارة المجتمع يمكن قياسها بالدخول إلى سجونه. ولو كان بيننا اليوم، وبتأمل عميق للمنظومة النيوليبرالية، لربما أضاف أن حضارة المجتمع تقاس بمدى قدرة قوانينه على حماية الإنسان البسيط من جشع الكيانات الكبرى. إن مواجهة هذا التغول المؤسساتي والتشريعي تقتضي منا، قبل كل شيء، نزع القداسة المزيفة عن هذه المنظومة القانونية المعاصرة وتفكيك وظيفتها الطبقية بوعي وجرأة. إن استعادة "دولة القانون" بمعناها الحقيقي والنبيل لا تبدأ من ردهات المحاكم الإدارية، بل تبدأ من إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها شأناً عاماً وحواراً مجتمعياً مفتوحاً، وتخليص القوانين من هيمنة الاحتكارات المالية والشركات العابرة للقارات. يجب أن نعيد طرح التساؤل الفلسفي الأبرز الذي طالما نادت به العقول الحرة عبر التاريخ: هل وُجد القانون لخدمة كرامة الإنسان وحريته، أم لضمان تراكم الثروات في جيوب فئة ضيقة من المتنفذين؟ إنها معركة وعي كبرى معركة لاسترداد المعنى الأخلاقي والاجتماعي للعدالة، بعيداً عن أوراق العقود الجافة ولغة الأرقام الصامتة التي تحاول جاهدة إلغاء إنسانيتنا وتطلعاتنا المشروعة نحو مستقبل أكثر إنصافاً.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

حاولنا ولكن لن نكره

في التدافع اليومي للعلاقات والمواقف، كثيراً ما نواجَه بعباراتٍ محملة بالتناقض التي قد يرميها أحدهم في وجهك" أريدكِ أن تكرهيني" للوهلة الأولى، تبدو هذه العبارة سبيلاً مريحاً لقطع الالتزام، أو رغبة في التحرر من عبء الذنب، أو محاولة لإحداث قطيعة حاسمة تُعفي الطرف الآخر من تأنيب الضمير. لكن السؤال الأخلاقي والفلسفي الذي يفرض نفسه هنا ليس عن دوافع الطلب، بل عن قدرة الذات ذاتها: هل الكراهية عاطفة نملك تشغيلها بقرار، أم إنها خيارٌ يُخالف طبائع بعض النفوس مهما حاولَت؟

حين يطلب منك شخصٌ أن تكرهه، فهو يقول لك أن تستثمر جزءاً من طاقاتك النفسية والذهنية في أذيته أو نفيه. فالكراهية ليست فراغاً أو مجرد غيابٍ للحب، بل هي فعلٌ نَشِط يحتاج إلى تغذية مستمرة، واستحضارٍ دائم لصورة الآخر بوصفه خصماً أو مذنباً. ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته " العجز النبيل" ؛ فحتى عندما حاولنا أن نكره كاستجابةٍ لرغبة الآخر أو تحت ضغط الخيبة، وجدنا أن الامتناع عن الكراهية ليس ضعفاً ولا عجزاً عن مواجهة الجفاء، بل هو رفضٌ واعٍ لدفع هذه التكلفة الوجودية. الروح التي لا تستطيع الكره هي روحٌ ترفض ببساطة أن تبني في داخلها سِجناً مظلماً لمجرد أن الآخر يحتاج إلى هذا السجن كي يستريح من عقدة ذنبه.

إننا نعيش في عالمٍ تتراكم فيه الضغائن، وتتبدل فيه المواقف بسرعة، لكن تغير الود لا يعني بالضرورة. التحول الى النقيض. أن نقول حاولنا ولكن لن نكره، يعني أننا اختبرنا مساحة الوجع، وربما حاولنا الانزلاق إلى نفس منطق البغض، لكننا أدركنا أن الضد الحقيقي للانقطاع أو التخلي ليس البغض، بل الاستغناء والحياد الشفاف. أن تُجيب بأنك لن تكره، يعني أنك تُعلن استقلالك الأخلاقي؛ فأنت لا تسمح لأخطاء الآخرين أو رغباتهم أن تُملي عليك كيف تشعر أو كيف تتشكل روحك.

إن إغلاق الأبواب بوقار، وترك المسافات تتسع بنبل، دون تشويهٍ للماضي أو حقدٍ على الحاضر، هو أسمى صور الوعي بالذات. قد نبتعد، قد ننسحب، وقد يحلّ الصمت والحياد التام محلّ الدفء القديم؛ لكننا لن نكره... لا لأننا نعجز عن التعبير، بل لأننا نختار دائماً ...

***

بقلم: ندى صباح أسد الله

يوظف الادباء (الرمز) للتعبير عن المعاني الكامنة في نفوسهم، حين لا تتمكن اللغة بصورتها الطبيعية الكشف عنها، فتأتي ايحاءات الكلمات وايقاعها وظلالها، لترسم صوراً وتعبيرات مفاجئة، تضع الملتقي في دائرة الشعور الذي يثير فيه الدافعية للتفاعل ومن ثم تأويل معاني تلك الصور بفعل طغيان عنصر الخيال الذي من شأنه أن لا يسمح للعقل والعاطفة إلّا أن يعملا في تشكل الرمز الذي يُعدُّ مألوفاً في التعبير على حالة واحدة لا يخلو منها الرمز والكناية، وهي حالة الإفصاح المباشر.

واللغة سهلت سبل التواصل وأوجزتها بطريقة يسيرة، فحين نقول نخلة: يتبادر الى الذهن شجرة سامقة ذات عسب، وهذه اللفظة تنوب في الدلالة وفي أداء المقصود فيما لو اطلعنا عليها عياناً بالاكتفاء بالإشارة دون النطق.

فالادب العربي لم يعرف الرمز كما هو عند أدباء الغرب، ولكنه عرف (أسلوب الكناية) التي هي احدى الفنون البلاغية من اقسام علم البيان في البلاغة العربية.

حين نصف (فتى رياضياً) نقصد بذلك الكناية عنهُ بقوة عضلاته المشدودة، ولو وضعنا لفظة (أرمز) بدل (أكنّي) فإن المعنى يستقيم في دلالته على المقصود. وللتعبير عن تبدل الحال، أو تغيّر المودة يقول العرب: (قلبتُ لهُ ظهر المجنّ) أي الترس الذي يستعمله المحارب فيصد به السهام والضربات.

فالفكر العربي المُتيقّظ البارع قد سبق الغرب في هذا الأسلوب الجميل الذي يوحي بالفكرة، والدلالة من خلال عبارة قصيرة مكثفة المعنى.

وفي قصيدة مرسلة للأستاذ ألبير أديب بعنوان (حياتنا) يقول:

حياتُنا شبابٌ وفكرٌ أخضر

وعواطف من عملِ الربيع

وقلوبٌ من ندى الفجر

نجمعُها ونغسل ُبها أرضَ الازقة

أو نروي رمال الصحراء

ثم هي ليلى وضحاها

فاذا الزوبعة ُتذهبُ بنا

فنأخذ معنا كلَّ أحلامنا وأمانينا

ونحنُ على قدمٍ من الهاوية أو أقل

مازلنا نؤسسُ، ونبني، ونقيم

تتماهَى خلف ألفاظ القصيدة ايحاءات وشفافية تنمُّ عن فكرة غامضة في دلالتها على المعنى من خلال مبدأ (تراسل الحواس) الذي لجأ اليه الشعراء الرمزيون للتعبير عن معطيات حالة شعورية معينة ؛ لنقل الأثر النفسي، بما يفتح للمتلقى افاقاً رحبة للتخيل والتصور في اللاشعور. فالشاعر حين وصف (الفكر اخضر) منحه لوناً لطيفاً من الطبيعة المملوءة بالحياة، يشعر الانسان من خلاله بالسلام والأمان، وانشراح النفس. والعواطف (من عمل الربيع) الذي تبتسم فيه الدنيا، وتنبسط فيه النفوس. والقلوب (من ندى الفجر) في ظهور معلناً بداية يوم جديد، متخذاً من ذلك كله معادلاً موضوعياً للروح الإنسانية المتفائلة، المتطلّعة إلى المستقبل بضمير نقيّ أصيل.

أما في اسلوب الغرب عند استعمالهم للرمز تتبادر إلى الأذهان عبارة (ذاب بينهم الجليد) إذ تشير العبارة إلى رجوع العلاقات بين طرفين، أو كناية عن عودة أواصر المحبة والتعاون بعد انقطاعها مدة معينة من الزمن يقول (مالارميه: إنَّ شفقاً أبيض يبرد تحت جمجمتي) فيرمز إلى المخ ويُكنّي عنهُ فيصفهُ بهذا الوصف "شفق أبيض" في صورة قصيرة، وعبارة موجزة. إذ تمتد أواصر التواصل إلى الملتقى من خلال التفاعل الحي مع ما يلمّح به الأديب أو الشاعر، بتوالي التراكيب التي تثير العاطفة والخيال، وتثري الفكرة فتزيدها تأكيداً وغنًى في المعنى، وهذا هو المبدأ الذي تبدو عليه ملامح الرمزالقائم على آيديولوجيات بلاغية وفلسفية عميقة التأثير.

***

م. د. بتول أحمد سليم /كلية اللّغات/ جامعة بغداد

هناك أصدقاء تمنحنا الحياة فرصة التعرف إليهم، وهناك آخرون يصبحون جزءًا من ذاكرتنا ووجداننا، فتغدو صداقتهم تاريخًا يمتد مع الزمن، لا تنال منه المسافات ولا تغيره تقلبات الحياة. ومن هؤلاء الصديق والرفيق العزيز الدكتور فاخر جاسم (أبو سلام)، الذي عرفته قبل أكثر من خمسين عامًا، وما زالت تربطني به علاقة تقوم على المودة والاحترام والوفاء.

كان لقاؤنا الأول في بغداد عام 1975، في مرحلة كانت البلاد تعيش مخاضًا سياسيًا عسيرًا، حيث جمعنا العمل الوطني السري والنضال من أجل عراق حر، تسوده قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كانت تلك السنوات مدرسةً في التضحية، صنعت صداقات لا تقوم على المصالح العابرة، بل على الإيمان بالمبادئ والالتزام بقضايا الوطن.

لكن رياح السياسة كثيرًا ما تعصف بأحلام المناضلين. فقد جاءت الحملة الشرسة التي تعرضت لها القوى اليسارية عام 1977 لتفرق الرفاق، وينقطع التواصل بين كثير منهم، وكان فاخر واحدًا ممن غيبتهم ظروف تلك المرحلة القاسية عن الأنظار.

غير أن للأقدار طرائقها العجيبة في جمع الأحبة. ففي عام 1979، وبينما كنت أقيم في الجزائر، التقيت فاخر مصادفة في أحد شوارع العاصمة، وكان برفقة زوجته الفاضلة أم سلام. كان لقاءً استثنائيًا أعاد إلينا دفء الرفقة، وكأن السنوات الفاصلة لم تكن سوى أيام قليلة. ومنذ ذلك اللقاء، تشاركنا هموم الغربة، وتقاسمنا تفاصيل الحياة في المنفى، حتى اضطررت إلى مغادرة الجزائر متوجهًا إلى موسكو لإكمال دراستي العليا، لتنقطع بيننا الاتصالات مرة أخرى.

وتوالت السنوات، حاملة معها الكثير من المحطات المؤلمة. فقد انتقلت للإقامة في الأردن، حيث عملت أستاذًا في جامعاتها، قبل أن أحصل على اللجوء السياسي في الدنمارك عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وكانت تلك المرحلة من أصعب مراحل حياتي، إذ فقدت ابنتي الوسطى الحبيبة لينا إثر حادث اعتداء مدبر، وهو جرح ما زال يسكن القلب ولا يندمل بمرور الزمن.

وبعد استقراري في الدنمارك بعام تقريبًا، أخبرني الصديق الراحل عدنان أبو علي أن فاخر يقيم في مدينة قريبة من مالمو السويدية. فبادرت، برفقة الصديق الراحل عدنان فارس، إلى زيارته، وكانت زيارة لا تُنسى، استعدنا خلالها ذكريات بغداد والجزائر، واستحضرنا أسماء الرفاق الذين فرقتهم المنافي، وتحدثنا عن سنوات النضال بما حملته من أفراح وأحزان، وانتصارات وانكسارات.

وفي عام 2007، وبعد تأسيس الأكاديمية، التحق الدكتور فاخر بمنحة دراسية لإكمال الدكتوراه، ليحصل لاحقًا على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وينضم إلى الهيئة الأكاديمية، حيث عملنا معًا لسنوات طويلة، تجمعنا المسؤولية العلمية والاحترام المتبادل، إلى جانب صداقة رسختها عقود من التجارب المشتركة.

وأستطيع، بعد أكثر من نصف قرن من المعرفة، أن أقول بثقة إن فاخر لم يتغير. بقي الإنسان نفسه؛ المثقف الهادئ، والرفيق الوفي، والصديق الصادق، الذي يحمل في قلبه محبةً للناس، وإخلاصًا لرفاق دربه، وتواضعًا يزداد عمقًا كلما ازدادت مكانته العلمية.

واليوم، ونحن نحتفل بترقيته إلى مرتبة الأستاذية (Professor)، فإننا لا نحتفي بمنجز أكاديمي فحسب، بل بمسيرة إنسان كرّس حياته للعلم والفكر، وظل وفيًا لقيمه وأصدقائه، رغم كل ما واجهه من تحديات وتحولات.

أخي العزيز، ورفيق الدرب، الأستاذ الدكتور فاخر جاسم (أبو سلام).. ألف مبارك هذا الاستحقاق العلمي الرفيع. لقد جاءت الأستاذية تتويجًا لمسيرة حافلة بالعطاء والبحث والالتزام، وهي شهادة يستحقها عن جدارة. أسأل الله أن يمنّ عليك بموفور الصحة والعافية، وأن يمد في عطائك العلمي والإنساني، لتبقى كما عرفناك دائمًا: عالمًا متميزًا، وإنسانًا نبيلًا، وصديقًا وفيًا.

***

البروفيسور وليد الحيالي

 

في الصباح، جاءني الخبر. خبر واحد، قصير، بارد، مثل كل الأخبار التي تعلن موت الطيبين في هذه الدنيا. (رضا البهات مات). وقفت أمام الجملة كما يقف الإنسان أمام بيت قديم فجأة يهدم، لا يدري لماذا يشعر بكل هذا الألم، ولماذا يشعر أن شيئاً منه قد انكسر، رغم أنه لم يكن يزوره، ولم يكن يسأل عنه، ولم يكن يقرأ له كثيراً. وهذا هو الألم بعينه.

لم يكن (رضا البهات) كاتباً يصنع ضجيجاً. لم يكن من الذين يقفون على المنابر، ولا من الذين يوزعون الابتسامات على النوافذ، ولا من الذين يتصدرون الصور. كان مبدعا خلاقا أصيلا يجلس في مكانه، ويكتب. يكتب كما تحفر النملة طريقها في الصخر، بصبر لا يعرف اليأس، وبهدوء لا يعرف الادعاء. وحين رحل، اكتشفنا فجأة أننا لم نكن ننظر إليه، وأننا لم نكن نراه أصلاً. كنا نمشي بجانبه كل يوم، فلا نلتفت. كنا نسمع صوته، فلا نسمع. كنا نقرأ اسمه، فلا نقرأ. وهذه هي لعنتنا نحن العرب لا نرى الرجال إلا بعد أن تبتلعهم الأرض!.

لا أكتب تأبيناً. التأبين كلام جاهز يقال في المناسبات، والمناسبات تليق بالموتى لا بالأحياء. أكتب لأن في موت هذا الإنسان شيئاً يخصني، يخصك، يخصنا جميعاً. أكتب لأن رضا البهات كان يكتب لنا، ونحن كنا مشغولين عنه. مشغولين بالضجيج، بالأسواق، بالثرثرة، بالتوافه، بكل شيء إلا بما كان يكتبه هذا الكاتب العظيم بصمت، وبنبل، وبنظافة يد.

كتب روايته «بشاير اليوسفي»، فكانت رواية من ذلك النوع الذي لا يكتب إلا مرة واحدة في العمر. رواية تحمل في داخلها زمناً كاملاً، بكل تعبه، وكل حلمه، وكل خيبته. رواية تشبه مرآة مصقولة، من ينظر فيها يرى وجهه، ويرى تاريخه، ويرى بلاده. لكن من منا وقف أمام هذه المرآة؟ من منا سأل نفسه من هو هذا الرجل الذي يكتب عني بهذا الصدق، وبهذا العمق، وبهذا الجمال؟

لا أحد. هذا هو الجواب الذي يؤلم، لأننا في عصر لا يقرأ. زمن صار فيه الكتاب عبئاً، والكلمة الطويلة ترفاً، والرواية الحقيقية شيئاً يخص الماضي. صرنا نبحث عن الإثارة السريعة، عن الدم المسفوح، عن الفضائح التي تتصدر الصفحات. صرنا جيلاً تربى على ثقافة الضجيج، فأصم آذانه عن أولئك الذين يكتبون بالهمس. والبهات كان من الهمس. كان من الصوت الخافت الذي لا يسمعه إلا أصحاب القلوب النقية، والآذان الصافية. لكن كم واحداً منا بقي قلبه نقياً، وأذنه صافية؟!

عاش (رضا البهات) بيننا سنوات طويلة. كان يكتب، ويبدع، ويحفر في صخر الإبداع بهدوء الحكماء. لكن أحداً لم يلتفت إليه. لا الصحافة الثقافية، التي صارت في غالبيتها أشبه بإدارة إعلانات للناشرين. ولا المجالس الأدبية، التي تحولت إلى سهرات اجتماعية تدور فيها النميمة أكثر مما يدور فيها النقد. ولا وزارة الثقافة، التي تخصص ميزانياتها لتكريم الأسماء البراقة، حتى لو كانت فارغة من كل شيء إلا من البريق. ولا الجامعات، التي تدرس الأدب كما يدرس المرء التاريخ القديم.. مادة للمتحف لا للحياة.

وهنا، اسمحوا لي أن أسأل السؤال الذي يؤرقني كيف نسمح للرداءة أن تتصدر المشهد الثقافي، بينما يموت النبلاء وحدهم في الزوايا؟!

الجواب واضح. واضح جداً لدرجة أنه يوجع. لأن النبل لا يدر ربحاً. والهدوء لا يصنع جمهوراً. والكتابة الصادقة الأصيلة لا تعرف كيف تبيع نفسها في سوق تحكمه العلاقات العامة والتسويق الرقمي. رضا البهات لم يكن يصلح أن يكون نجماً في عالم يقوم على الصورة أكثر مما يقوم على الكلمة، وعلى الظهور أكثر مما يقوم على الإبداع. كان من زمن آخر. زمن كان الكاتب فيه يحترم لأنه كاتب، لا لأنه يجيد التقاط الصور مع المشاهير، أو يطلق التصريحات النارية التي تتصدر الترند.

أعرف أنه لو كان يسمعني الآن، لابتسم. لابتسم ابتسامته الخفيفة الهادئة، وقال: «لا داعي لكل هذا». فقد كان يعرف اللعبة جيداً، وكان راضياً بحكمه، مقتنعاً بأن دوره في هذه الحياة أن يكتب لا أن يتسول الاعتراف. لكنني لست راضياً. ولن أكون. لأن المبدع الصادق لا يملك رفاهية الصمت عن الظلم الثقافي الذي يتعرض له أمثاله. المبدع الحق لا يملك أن يموت بصمت بينما يملأ السفهاء الدنيا ضجيجاً. المبدع الحقيقي لا يملك إلا أن يكون ثائراً على كل ما يجعل من النبل تهمة، ومن الرداءة بطولة.

رحل رضا البهات. ولم يزاحم أحداً. ولم يرفع صوته في وجه أحد. لكن الرحيل نفسه، بهذا الصمت المريب الذي أحاط به، يشبه اتهاماً موجهاً إلينا جميعاً. اتهاماً يقول أين كنتم؟ لماذا لم تحتضنوا موهبته وهو حي بينكم؟ لماذا لم تمنحوه جائزة واحدة تذكر من جوائز الدولة ؟ لماذا لم تدرجوا روايته في المناهج الدراسية؟ لماذا لم تخصصوا له حلقة تلفزيونية واحدة يعرف فيها الناس على عالمه الإبداعي؟

لا أملك الإجابات. ولا أظن أحداً يملكها. لكنني أملك اليقين بأن رحيل (البهات) لن يغير شيئاً في المشهد الثقافي العربي. ستمر أيام قليلة، ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده؛ الصعاليك يتصدرون، والنبلاء يدفنون في مقابر النسيان. هذا هو القانون غير المكتوب لثقافتنا العربية، نحن لا نعرف قيمة الكنز إلا بعد أن نفقده، ثم نبكي عليه بكاء من لا يملك إلا البكاء.

ومع ذلك، أقولها بكل صراحة أنني أرفض أن يكون رضا البهات مجرد اسم في قائمة الراحلين. أرفض أن تكون «بشاير اليوسفي» مجرد رواية على رف بعيد يعلوه الغبار. أرفض أن يمر رحيله كما مرت حياته، بهدوء قاتل يوحي بأن النبلاء لا يستحقون إلا الصمت.

لقد خسرناه في الحياة. لكن لا ينبغي أن نخسره في الذاكرة. وإن كنا عاجزين عن تكريمه وهو حي، فلنكرمه الآن بالطريقة الوحيدة الممكنة، بأن نقرأه. وأن نعلم أبناءنا أن يقرؤه. وأن نقول بوضوح إن روايته كانت من أجمل ما كتب في هذه الأرض.

رحم الله الدكتور رضا البهات الطبيب الذي رحل عن 71 عاما. وأظنه الآن في مكان أفضل من هذا العالم الذي لم يمنحه حقه. لكنني لا أجد في هذا عزاء. فالمبدع الموهوب لا يعوض غيابه إلا حضور إبداعه، ولا يخلد إلا بالذاكرة التي نصنعها له بعد رحيله. فلنصنع له ذاكرة تليق به، ولو بعد فوات الأوان. ولنعترف، ولو متأخرين، بأن الحضارة الحقيقية لا تقاس بما نبنيه من صروح، بل بما نعرفه من أبنائها قبل أن يرحلوا.

*** 

د. عبد السلام فاروق

 

شارلي شابلن هل كان شيوعياً؟

"إن معرفة الإنسان هي أساس كل نجاح" شارلي شابلن

في شهر نيسان من عام 1889 م ولد اثنان من الرجال أولهما أبكى العالم بحروبه ومجازره الدموية هو ادولف هتلر والثاني اضحك العالم بأفلامه ومقالبه وطرائفه هو شارلي شابلن حيث ولد في لندن وقد سخر شابلن من هتلر في احد أفلامه المسمــى (الدكتاتور)، هذا هو الفرق الجوهري بين المولودين في نفس الشهر ونفس السنة والفارق كبير بينهما وصدق قول الشاعر أبي الصيفي حين قال:

فحسبنا هذا للتفاوت بيننا         وكل إناء بالذي فيه ينضح

وشارلي شابلن هذا الذي عاش بين 1889 – 1977 م ممثل ومؤلف ومخرج ومنتج سينمائي انكليزي الأصل أمريكي الجنسية، ومنذ صباه جذبه التمثيل الصامت فعمل في ملاهي لندن وظهرت مواهبه مبكراً ويبدو إن حياة لندن لم ترق له فهاجر الى الولايات المتحدة عام 1913 لعلها تفتح له آفاق جديدة في العمل السينمائي وحينما حط رحاله منها ابتكر شخصيته " شارلو " الهزلية فأصبحت له شهرة كبيرة بعد ان مثل عدة أفلام نالت استحسان الجماهير مثل " المتشرد" و " كارمن " و " المهاجر " وهي أفلام تفصح عما في داخلية نفسه من لواعج وآلام عكسها في أفلامه بشكل هزلي وقد صقلته التجربة فاخذ بعد إعوام قليلة ينتج أفلامه ويخرجها بنفسه فأنتج فيلم " حياة كلب " و " الغلام " وبذلك نال شهرة عالمية إلا انه لم يستقر في الولايات المتحدة ابل غادرها الى سويسرا في عام 1953 . لقد تناولت الصحافة العالمية الأمريكية منها والأوربية أعمال شابلن بالنقد المرير أحياناً وبالإعجاب أحياناً أخرى حسب الأيدلوجيات السياسية والفكرية التي تحملها هذه الصحف، غير إن الناس كانوا يرون فيه حبه لكل البشر بغض النظر عن القومية والدين واللون كما انه لم يكن مجرد مهرج يريد إضحاك الناس فهو ينتصر للفقراء ويدافع عنهم ذلك لأنه نشأ في كنف أسرة فقيرة وقد ذاق في طفولته مرارة الفقر والعوز .

جاء في مجلة العربي الكويتية العدد 231 – 1978 إن الكاتب الانكليزي سومرست موم " ارتكب " تحليلاً لشخصية شابلن زعم بها انه الفقير الدائم مهما أصابه من ثراء فهو يحن الى أيام الفقر ويسعى الى ممارسة مظاهره في تلذذ وقرأ شابلن هذا التحليل السخيف فجاء رده عليه كفنه العظيم حاسماً وبسيطاً وفاضحاً قال.. (ما رأيت قط في حياتي فقيراً يحن الى الفقر..)

ما يميز شابلن انه لم يعتمد على الكلام القبيح أو قضايا الجنس المبتذل، كان يسعى الى خلق المقالب التي يقع فيها هو في كثير من الأحيان وعادة ما تكون هذه المقالب ضد الأثرياء والمجرمين وأنظمة الحكم الفاسدة، وما ميز أفلامه إنها كانت ذات أهداف اجتماعية يسخر فيها الأغنياء الذين يذهبون الى المستشفيات الخاصة لإجراء عمليات تخليصهم من الشحوم المتراكمة في أجسامهم أي ما يسمى اليوم بعمليات ( شفط الشحوم )، لقد اتخذ شابلن بعض الأمور كعلامات لإعماله مثل : السروال العريض والقبعة والعصا والحذاء القديم المتهرئ وهذه العلامات عادة تثير الضحك عند المشاهدين وفي السينما الصامتة تعزف الموسيقى التصويرية من قبل فرقة موسيقية داخل السينما، فان أول فيلم مثله هو " آكل العيش " 1914، وهكذا جمعت أفلامه بين البؤس وحب الإنسانية وقد لاقت نجاحاً كبيراً مثل " الأزمنة الحديثة " " وملك في نيويورك " واجتاحت شخصيته العالم كله وغدت صوره على واجهات السينما وأوراق اللعب حتى تأثر فيه بعض الفنانين العرب واخذوا يقلدونه في حركاته ومنهم الفنان المصري نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وشكوكو .

في احد أفلامه يقوم برفع قطعة حمراء سقطت من سيارة نقل مواد البناء كانت توضع للتحذر وركض خلف السيارة لإعادتها الى مكانها وصادف أن كانت في الشارع مظاهرة لمجموعة من العمال احتجاجاً على ظروف العمل تدخلت الشرطة لتفريقها وبما انه كان يحمل قطعة حمراء ويركض أمام العمال تصور رجال الشرطة انه كان يقود التظاهرة مما أدى الى حجزه .  

والحق يقال إن شابلن كان يمتلك إحساساً طبقياً واضحاً تمثل في أفلامه الصامتة بشكل إيماءات دالة على ذلك الإحساس المرهف الذي تجسد في أعماله المختلفة لذلك كسب حب الجماهير، يقول عن هذا ( إن الناس يحبون الصراع بين الأضداد الصراع بين الخير والشر والقوي والضعيف والغني والفقير، ومن حسن حظي إنني صغير الحجم فالناس تدرك إن الإنسان الصغير الحجم يحظى دائماً بعطفهم وقد استفدت من هذه الظاهرة بضم أكتافي وادلل شفتاي، فلو كنت اكبر من حجمي هذا لفشلت في فهمتي).

محاكمة شارلي شابلن:

بعد انتقاله الى الولايات المتحدة وتحديداً في عام 1948 وجهت الحكومة الأمريكية اتهاماً بأنه ينتمي الى الحزب الشيوعي الأمريكي وكانت الحكومة الأمريكية وقتها تخشى انتقال الأفكار الشيوعية لها خاصة بعد الانتصار على النازية وسطوع نجم الشيوعية في العالم لذلك نشطت المخابرات الأمريكية في رصد تحركات عدد من الشخصيات المهمة كما شكل الكونجرس الأمريكي لجنة لمحاكمة هؤلاء الذين يشتبه في انتمائهم الى الأحزاب الماركسية وكان من بين ضحايا هذه الإجراءات الممثل الكوميدي شابلن فعرض على لجنة التحقيق التي ألفها الكونجرس الأمريكي عام 1948 وقامت هذه اللجنة باستجوابه ووجهت إليه عدة أسئلة نشرتها مجلة (الجيل) اللبنانية في عددها (3) لسمنة 1998 وجاء فيها:

هل شاركت في أنشطة الحزب الشيوعي؟

هل تعتبر نفسك احد أعضاء الحزب الشيوعي؟

هل قدمت أي مساعدات للحزب الشيوعي؟

هل تعتبر نفسك متعاطفاً مع دوافع الحزب الشيوعي الأمريكي؟

هل سبق وان دعوت أحداً من موظفي السفارة الروسية الى منزلك؟

ما رأيك في الحكومة السوفيتية؟

هل تعتقد إن نمط الحياة الشيوعية أفضل من نظيره الأمريكي؟

هل كنت عضواً في جمعية الصداقة الأمريكية – السوفيتية؟

هل تعتبر نفسك تابعاً للخط الشيوعي؟

هل ساهمت في تدعيم نشاط الحزب الشيوعي الأمريكي؟

مسكين شارلي شابلن لقد وقف أمام لجنة التحقيق ساخراً كعادته وأجاب بطريقة عفوية تعبر عن إنسانيته ومرحه وحبه لكل الناس واحترامه للقانون قال مخاطباً لجنة الكونجرس العاتية (أنا مواطن عالمي وانتظر اليوم الذي تسقط فيه الحدود بين بلاد العالم ..) وقال (أنا اكره النازية والفاشية إنني شعرت بالفرح عندما أنجزت فيـــــلم "الدكتاتور" الذي هاجمت فيه هتلر وسخرت منه ..) وأجاب على احد الأسئلة التي وجهت له إنني لست معادياً للاتحاد السوفيتي إلا إذا قام بغزو أمريكا . لقد أدان شابلن في استجوابه الديمقراطية الأمريكية واعتبرها ناقصة، واعترف انه ليس له أي انتماء سياسي أو حزبي لكنه يحب الاتحاد السوفيتي لأنه قام بعمل عظيم أدى الى انهيار النازية وهذه النتيجة هي من مصلحة الروس والأمريكان لان هتلر كان عدوهما المشترك .

وقال في بعض إجاباته: إنني ليبرالي تقدمي وأؤمن بوحدة الشعوب وتحسين مستوى المعيشة للشعب الأمريكي وإنني لا أحب الحرب بل أحب عملي الذي هو صلب اهتمامي الأساسي .

كانت هذه الإجابات كافية لان يكون شابلن بريئاً ونبيلاً وعزيز النفس فغادر الولايات المتحدة الى سويسرا عام 1953 وواصل منها عمله وأفلامه الصامتة التي ضحكت العالم حتى رحيله عامة 1977 م . 

***

غريب دوحي

في نقد المجاملة داخل المنتديات الأدبيّة

لم تعد المشكلة في المنتديات الأدبيّة افتقار النصوص الشعريّة إلى القرّاء، بل ربّما في أنّ كثيرًا منها يفتقر إلى القارئ الذي يقرأ حقّا.

فبمجرّد أن يُنشر نصّ شعريّ، تنهال عبارات الإعجاب: رائع، مبدع، أبدعت، سلمت أناملك، نصّ يلامس الروح...إلخ وكأنّ وظيفة القارئ قد اختُزلت في التصفيق، وكأنّ النصّ لا يحتمل سؤالًا ولا ملاحظة ولا اعتراضًا.

ولا شكّ أنّ التشجيع قيمة إنسانيّة وأدبيّة جميلة، خصوصًا في فضاء المنتديات الذي يجمع الهواة والمحترفين، ويحتاج فيه الكاتب إلى من يساند تجربته.

لكن حين تتحوّل المجاملة إلى موقف نقدي دائم، فإنّها لا تخدم الشاعر، بل تضرّه؛ لأنّها تمنحه شهادة جودة مجانيّة، وتحجبه عن رؤية ما في نصّه من ضعف أو ترهّل أو اضطراب.

الشعر ليس جميلًا لأنّه كُتب بحماسة، ولا لأنّ صاحبه عزيز على قلوبنا، ولا لأنّ اسمه معروف بين الأعضاء.

الشعر جميل حين ينجح في تحويل التجربة إلى لغة، واللغة إلى صورة، والصورة إلى معنى، والمعنى إلى أثر. ومن هنا يصبح من حقّ القارئ أن يسأل: هل الصورة جديدة؟ هل العبارة ضروريّة؟ هل الوزن منضبط؟ هل القافية جاءت طبيعيّة أم جرّت المعنى إليها؟ هل هناك انسجام بين الألفاظ والفكرة؟ وهل يقول النصّ شيئًا يستحقّ أن يُقال، أم أنّه يعيد المألوف بعبارات مزخرفة؟

النقد الحقيقي لا يعني البحث عن العيوب لمجرّد إثبات المعرفة، كما أنّه لا يعني إعدام النصّ تحت سيف المصطلحات.

النقد حوار مع النصّ؛ يبدأ من الاعتراف بما فيه من جمال، ثمّ يتوقّف عندما يحتاج إلى إصلاح.

لذلك يمكن أن نقول للشاعر: هنا صورة موفّقة، وهنا بيت جميل، لكن هذا التركيب غامض، وهذه الكلمة تبدو مقحمة لخدمة القافية، وهذا المعنى يحتاج إلى بناء أعمق.

تلك ليست إساءة إلى الشاعر، بل احترام له وللنصّ الذي بذل فيه من روحه ووقته.

والأخطر من المجاملة أن يتواطأ أعضاء المنتدى، من حيث لا يشعرون، على صناعة وهم أدبيّ جماعيّ: يصفّق الجميع، فيظنّ الشاعر أنّ النصّ مكتمل؛ ثمّ يكرّر الأسلوب نفسه في نصوص لاحقة، وتتحوّل الأخطاء إلى سمات ثابتة في تجربته، وهنا تصبح المجاملة عائقًا أمام التطور؛ لأنّ الكاتب لا يتطوّر بما يسمعه من المديح، وإنّما بما يفهمه من الملاحظات الصادقة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل النقد إلى قسوة أو استعراض.

فهناك فرق بين أن تقول: هذا البيت ضعيف البناء الدلالي، وأن تقول: لا تعرف كيف تكتب.

الأول نقد للنصّ، والثاني حكم على صاحبه.

نحن ننقد ما كُتب، لا من كتب.

وهذه قاعدة أخلاقيّة ينبغي أن تظلّ حاضرة في كلّ نقاش أدبيّ.

كما أنّ القارئ نفسه مسؤول عن الارتقاء بالمشهد وليس مطلوبًا منه أن يكون ناقدًا أكاديميّا حتّى يقدّم قراءة نافعة. يكفي أحيانًا أن يقول: استوقفتني هذه الصورة لأنّها موحية، بينما لم أفهم المقصود من هذا البيت؛ فحتّى هذه الملاحظة البسيطة قد تكون أكثر قيمة من عشر عبارات مديح جاهزة.

إنّ المنتديات الأدبيّة ليست قاعات احتفال بالشعراء، بل يمكن أن تكون مختبرًا حقيقيّا للنصوص، فيها يتعلّم الكاتب من قارئه، ويتعلّم القارئ من النصّ، ويتعلّم الجميع من اختلاف الرؤى. وإذا كان الهدف هو الانتصار للجمال والمعنى، فعلينا أن ننتصر أوّلًا للحقيقة الأدبيّة: ليس كلّ ما نحبّه جميلًا، وليس كلّ ما نختلف معه ضعيفًا، وليس كلّ مديح تقديرًا، وليس كلّ نقد تجريحًا.

ولعلّ أجمل خدمة نقدّمها للشاعر أن نقرأ نصّه كما لو أنّنا لا نعرف صاحبه، عندها فقط سنرى النصّ لا الاسم، والقصيدة لا صاحبها، والجمال لا المجاملة.

فالشاعر لا يحتاج دائمًا إلى من يصفّق له؛ أحيانًا يحتاج إلى قارئ يقول له بصدق: هنا أبدعت، وهنا كان يمكن أن تكون أجمل.

وحين يصبح هذا النوع من الحوار هو السائد، تنتقل المنتديات من فضاء لتبادل المجاملات إلى فضاء يصنع الذائقة، ويهذّب التجربة، وينتصر فعلًا للجمال والمعنى.

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

جربة في 2026/08/17

تشكلت في الغرب موجة تأليف تستهدف تحقيق ما يسمى بالتربية المثالية، سواء من خلال استعراض الأخطاء الواجب تلافيها في تربية الأبناء، أو القواعد التي يجدر اتباعها لتمكين الطفل من تنشئة سليمة.

وبسبب حرصنا على استجداء الغث والسمين، مما أرهق منظوماتنا التربوية بداء التجريب المزمن، نصر على تجاهل التصورات والرؤى الواثقة والمنسجمة مع هويتنا الإسلامية وعطائنا الحضاري.

إن النبي المعلم صلى الله عليه وسلم لم يقف عند حدود التبليغ، بل باشر بنفسه صوغ الحقيقة الإسلامية، وإرساء معالم تربية شاملة تستوعب كافة مناحي الحياة؛ فقد حرص صلى الله عليه وسلم على إدماج الطفولة في مخططه لبناء مجتمع إسلامي جديد، وفق معايير اجتماعية مغايرة بشكل واضح لما كان سائدا من قبل. ويشكل القطع مع المألوف الجاهلي في معاملة الأطفال رهانا حضت جملة من الأحاديث النبوية على كسبه، لتثبيت معادلة حضارية مفادها: إن بناء المجتمعات لا يمكن أن يتحقق في ظل تنشئة عرجاء، أو وضع تربوي مختل. لذا نجد أحاديث عديدة تنص على العدل بين الأبناء، وتكريم الأنثى في صباها.

روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم تدركه ابنتاه فيحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة)

وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).

بيد أن التكريم النبوي للطفولة لم يسلك فقط سبيل الخطب والعظات والوصايا، وإنما نحا منحى واقعيا تم من خلاله تحديد الإطار الذي ينبغي أن يتحرك داخله المسلم في علاقته بهذه المرحلة العمرية الهامة. وهو إطار يستلهم مبادئ الإسلام القائمة على التكريم والتسخير والاستخلاف. لذا فإن استحضارنا لبعض صور معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للطفل يروم في الحقيقة تثوير الحدث أو الموقف، وكشف ما ينطوي عليه من رسائل وتوجيهات عملية، تثبت أن بعض ما يتردد اليوم من مقولات التربية الحديثة ليس سوى رجع للصدى !

كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوما على دابة وهو غلام، فخصه بدرس يعده أهل العلم من أمهات العقيدة الإسلامية: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك. وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رُفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي.

غير أن لهذا الحديث أيضا أبعادا تربوية، تستوقفنا لفرط تطابقها مع بعض ما بلغته التربية الحديثة من فهم أفضل لعالم الطفولة.

 إن أول سؤال يقفز إلى الذهن حين نستعيد الحديث ضمن سياق تربوي محدد هو: لماذا اختص الرسول صلى الله عليه وسلم غلاما صغير السن بدرس مثقل بالقضايا الإيمانية، حتى وإن أوجزت في" كلمات"؟ وهل بمقدور غلام آخر يملك صفات وقدرات عادية أن يستوعب الأصول والكليات الجليلة التي اشتملت عليها هذه الكلمات؟

إن الأمر يتعلق حقيقة بصبي غير عادي، تجلى في ملكاته وصفاته دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". وفي كتب الحديث مواقف أخرى لابن عباس تؤكد تميزه عن سائر أقرانه في التقاط معان وإشارات تفوق سنه، وخصائص مرحلته النمائية. فما الذي تقرره التربية الحديثة في هذا الشأن؟

تخلص الباحثة "ستيفاني ليرنر"، بعد تناولها للسير الذاتية لأكثر من ثلاثين شخصية مشهورة، إلى أن المنظومة المجتمعية تقترف خطأ فادحا حين تسعى لتوحيد المعايير التربوية، دون مراعاة الفروق الواضحة بين الطفل العادي والطفل "المميز"، والذي يحلق خارج السرب ويسعى لفرض إيقاعه الخاص. ومرد هذا الخطأ، برأي الباحثة، إلى الاعتقاد السائد بأن المطلوب من الأطفال هو الاندماج السلس في محيطهم الاجتماعي، والسير على خطى أترابهم وأقرانهم. في حين أن الطفل الذي يتمتع بصفات غير مألوفة، ويمتلك رؤية خاصة وملهمة لتغيير العالم على نحو إيجابي، لا يمكنه أن يتلاءم مع هذا التوجيه. إن ما يبديه الصغار من تحفظ إزاء المواقف الاجتماعية السائدة أمر لا ينبغي أن يثير مخاوف المربين، بل يجدر بهم حفز تلك الرغبة في التميز والتفرد والتفكير على نحو مختلف، لأن الصفات والميزات غير العادية هي حجر الأساس الذي يساعد الطفل على تحقيق ذاته نحو الأفضل، سواء تعلق الأمر بطريقة في التفكير أو موهبة، أو أي عامل آخر يرتقي به فوق مستوى المألوف، ويجعله استثناء عن الجموع ينبض بالحياة والنشاط.

يجب علينا أن نشجع عنصر التفرد والتميز، تقول ليرنر، لدى جميع الأطفال. في واقع الحال نحن نقوم عادة بمكافأة الأطفال العاديين على كونهم متشابهين وغير مختلفين، وهذا بدوره يشكل مفتاح من هم وماهم عليه .مع ذلك، فإن أولئك الأطفال أيضا قد يمتلكون صفات وميزات رائعة ومميزة ولكنها لن تتعزز وتبرز ما لم يتم اكتشافها ورعايتها جيدا.(1) وهي الرعاية التي فطن السلف إلى أهميتها في إمداد عالم الكبار بأفكار ورؤى قد يحجبها التقليل من شأن الطفولة في تغذية أسباب النهوض والتقدم .

 من أبرز صور هذه الرعاية حرص الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على استشارة "الفتيان" في الشؤون العامة، وتخصيص مقعد استشاري لغلام بني العباس إلى جوار أشياخ بدر !

وإذا كان عالم الطفولة خلوا من التكاليف الشرعية إلى حين، فإن الأمر مختلف تماما فيما يتعلق بالتربية على المسؤولية والواجب. لذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يحث على عدم إهمال أي تصرف شاذ بحجة أنه صادر عن طفل غير مدرك لتبعات سلوكه، أو أن المخالفة يسيرة مادام مرتكبها صغيرا لا يعقل.

في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟"

وفي مسند الإمام أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدخل أصبعه في فم الحسن فانتزع التمرة، ثم قال: إنا آل محمد لا نأكل الصدقة.)

إن الحنان الأبوي لا يتعارض مع حمل الطفل على التمسك بالحدود والمبادئ المقررة؛ فالتنشئة السليمة تستلزم قدرا من الحزم والزجر الذي يصون أفعال الصغير عن العبث. غير أن هناك فرقا واضحا بين تنشئة الطفل على الطاعة، وبين تعويده الاحتكام إلى منهاج شخصي للأخلاق، يستمد منه قراراته ومواقفه، ويستضيء به في تفاعله مع محيطه الاجتماعي. وتأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتزع التمرة من فم حفيده فحسب، بل أحاله على الدستور الأخلاقي الذي يحكم آل محمد! مؤكد إذن أن الطفل هنا سيُظهر استجابة واعية لما يتطلبه شرف الانتساب من عدم إخلال بالتوجيهات الأخلاقية.

مؤسف حقا أن عددا من المشاكل التي تواجهها الأسرة المسلمة اليوم وثيق الصلة بالتفريط في الحزم والصرامة الضروريين، لتعويد الطفل الاحتكام إلى مبادئ أخلاقية توجه الفكر والسلوك. ومؤسف أيضا أن عددا من الآباء يفضلون إرجاء الأمر حتى ينضج الطفل ويصبح جاهزا لتحمل المسؤولية، لأن الطفولة برأيهم استمتاع ولعب وعبث لا يقع تحت طائلة المحاسبة !

هل يبدو الأمر كذلك من وجهة نظر التربية الحديثة؟

يؤكد الباحثان آلان وروبرت ديفيدسون على أن الخطر يكمن في تنشئة أطفال مطيعين، يتبنوا في سلبية واستسلام قيم آبائهم وأفكارهم؛ وبمجرد أن تعترضهم إغراءات بانتهاك تلك القيم، لا يملكون القدرة على التصدي لها، لأن المعتقدات الداخلية تعوزهم. فتكون النتيجة عند مواجهتهم لموقف معين هي الاستجابات العشوائية والافتراض المتهور.

غير أن تعويد الطفل على الإحساس بالمسؤولية والانحياز للمبادئ والقيم لا يمكن أن يتحقق عبر إملاء السلوك الأخلاقي، بل ينبغي أن ينبع من الداخل: من بذور الاستقلالية التي يزرعها الآباء والأمهات لحظة تشكيل الهوية الذاتية لصغارهم:" إن الآباء والأمهات الذين يحاولون أن يملوا سلوكا أخلاقيا معينا على أبنائهم يفاجئوا بأن أبناءهم يتمردون على أبسط الأخلاقيات. لابد للإحساس بالمسؤولية أن ينمو داخليا من بذور الاستقلالية التي يزرعها آباء وأمهات على استعداد دائم لأن يجعلوا أبناءهم يشعرون بمشاعرهم الخاصة، ويشكلون هويتهم الذاتية.

يؤمن الآباء والأمهات الناجحين الذين التقينا بهم أن محاولة التأثير على قرارات أبنائهم الخلقية، أو وعظهم بمواعظ معينة هي من أكبر الأخطاء، وهذا لا يعني أنك لا تستطيع أن تشرح وجهة نظرك، بل لابد أن تفعل هذا. هنا يأتي دور الأسلوب المباشر لتعليم الأخلاقيات، لكنه عادة لا يكفي لأن الأبناء بحاجة لمن يعلمهم كيف يعيشون في إطار أخلاقي."(2)

و يكشف لنا حضور النبي صلى الله عليه وسلم في عالم الطفولة بعدا تربويا آخر لا يقل أهمية عما أسلفنا؛ يتعلق الأمر بتوسيع دائرة الشورى والحوار وفضيلة الإنصات، واحترام الرأي الآخر لتشمل الصغار أيضا، مما يُشعرهم بكرامتهم، ويحررهم من عوامل الخوف والقلق، ويعزز ثقتهم في أنفسهم.

روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره. فقال: "يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه".

وكيف لا يفعل وهو الذي بعثه الحق سبحانه لتستعيد البشرية حريتها وكرامتها، ودورها في الإعمار وتحقيق مبدأ الاستخلاف؟ وهل تنهل التعاليم فاعليتها من غير معين حاملها والمبشر بها؟

 إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليبني الشخصية الإنسانية لا ليهدمها، ودعامة البناء هنا هي تعزيز الثقة وبث الروح الإيجابية واحترام الذات.

وكون الحرية شرطا للوجود الإنساني يجعل من استحضار عناصرها ومقوماتها في التنشئة ضرورة لا غنى عنها، لتخريج جيل سوي وقادر على مواجهة أعباء النهوض والتقدم. إن هذا الموقف النبوي إزاء الغلام يستحثنا على مراجعة العديد من تمثلاتنا حول الطفولة، وجاهزية الطفل للاندماج في عالم ناضج. تمثلات تستمد مرجعيتها من تقاليد عشواء وموروث يغلب عليه قصر النظر وسوء الفهم.

يحيلنا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم مع الغلام على مسلك تربوي مهم تلح الأدبيات التربوية الحديثة على مراعاته ضمانا للتوافق النفسي والاجتماعي للطفل. يتعلق الأمر بحاجته للشعور بأنه محبوب ومرغوب فيه من لدن كل من يتعاملون معه، وأن له قيمة ينبغي أن تُحترم وحضورا يجب أن يُصان.

وتغذية الحاجة إلى التقبل والاحترام تُجنب الطفل كل ميل إلى السلبية والانطواء وكراهية الآخر، مما يعزز ثقته بذاته، ويضمن انخراطه على نحو إيجابي في النسيج المجتمعي.

 تقول أخصائية التربية كريستين دورهام:" إذا أردنا لأولادنا أن يتمتعوا باحترام الذات وبثقة عالية بالنفس، علينا أن نشجعهم على إيجاد حلقة مفيدة (وليس حلقة مفرغة)، حيث تؤدي الثقة بالنفس إلى التحفيز، ويؤدي التحفيز إلى طريقة تفكير أفضل وأوسع آفاقا، وتؤدي طريقة التفكير الجيدة إلى الثقة بالنفس " (3).

إن استعراض تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في عالم الطفولة، يكشف الهوة المؤلمة التي خلفها انفصال الفكرة عن السلوك، واحتكام مجتمعاتنا في صوغ سياساتها التعليمية إلى منظومة فكرية متغربة وقلقة، وإلى توجيهات وتوصيات تحيل الجبل الشامخ إلى كومة تراب على حد التعبير الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال !

وما لم تبادر الأمة إلى المصالحة مع ذاتها وهويتها عبر تربية تصل الماضي بالحاضر، فإن كل الوصفات المستوردة لن تحقق ما نطمح إليه من تغيير للمسار، وانتفاع راشد بثمار الحضارة .

***

حميد بن خيبش

......................

1 – ستيفاني ليرنر: الأولاد الذين يفكرون خارج المألوف. مكتبة العبيكان . 2008 . ص 38-39

2 – آلان وروبرت ديفيدسون: كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما. مكتبة جرير. 2004 .ص 255

3 – كريستين دورهام: تنمية الإبداع عند الأولاد. دار الفراشة للتوزيع والنشر. 2009 .ص 29

بتنا نتجه نحو ممارسات طبية بدائية

في القرن الثاني عشر وفي إيطاليا بالتحديد، قدم الأطباء من المدرسة الطبية في ساليرنو توصيفًا للأعراض المرتبطة بحالة طبية تعرف بالبليثورا، والتي تتمثل في زيادة السوائل الدموية داخل الجسم، وقد وصفوها بأن وجه المصاب يظهر محمرًا، وعيناه تبدوان كبيرتين ولامعتين بشكل بارز، كما يتسم الخدان والجسم بالامتلاء.

إذا انتقلنا إلى أغسطس، آب 2025، أشار وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي، (روبرت ف. كينيدي جونيور1954)، إلى أنه يلاحظ حالة الأطفال وهم يسيرون في المطارات أو الشوارع، آذ يعانون من تحديات في (الميتوكوندريا Mitochondria) (1)  والالتهابات، وهذا ينعكس على تعابير وجوههم وحركات أجسادهم ونقص تفاعلهم الاجتماعي.

على الرغم من أن القرن العشرين شهد تقدمات طبية وتكنولوجية جذرية، مثل علاج الأمراض البكتيرية الخطيرة، وفهم بنية الحمض النووي ودراسة حركات القارات، إلا أن القرن الحادي والعشرين يبدو وكأنه يتجه نحو العودة إلى ممارسات طبية بدائية تشبه تلك التي كانت منتشرة في العصور الوسطى، أذ استخدمت وسائل مثل الحجامة والشفاء بالتطهير، والمساج اليدوي. وهذه تعتبر مثيرة للجدل في الطب الحديث وقد يُنظر إليها على أنها مضللة.

دليل الممارسات الطبية في مخطوطة تعود إلى القرن الرابع عشر بيَّن مواقع في جسم الإنسان يجب إخضاعها للنزيف من أجل معالجة أمراض محددة. أما اليوم، فإن بعض المواقع الإلكترونية مثل موقع Etsy : وهو سوق إلكتروني عالمي للتجارة الإلكترونية، يربط بين الحرفيين والفنانين وأصحاب المشاريع الصغيرة المستقلة وبين المشترين الباحثين عن المنتجات الفريدة، اليدوية، المبتكرة، والقطع القديمة (الأنتيك) التي يمر عليها 20 عاماً على الأقل، بعيداً عن السلع المنتجة آلياً وبكميات ضخمة.

وفيه تعرض منتجات مثل "تعويذة تغيير الجسم" التي تعد بفقدان الوزن السريع و"جسم مثالي" بسعر زهيد، ويتم أيضاً تسويق "تعويذة الجمال الفائقة" مع خصومات ملحوظة بينما تُتاح إمكانية الاسترداد في حال عدم تحقيق النتائج المرجوة.

كذلك شهدت فعاليات - مؤتمر العلاج بالطاقة - حضور الآلاف في ولايات يوتا ومونتانا وأيداهو الأمريكية، آذ تجمع مختصو تقنيات التنفس وأساتذة الريكي وعشابين لتبادل المعارف القديمة. وفي نفس السياق، يوجد نقاش على منتدى Reddit في قسم r/astrology حول المواقع الفلكية الأنسب لإجراء "عمليات جراحية اختيارية".

يعود جزء من هذا التوجه إلى فقدان الثقة في المؤسسات العامة، وبصفة خاصة تلك المرتبطة بالصحة العامة، ويتأسس جزء من هذا الانعدام في الثقة على تداعيات جائحة كوفيد- 19 .

 يرى (روي بيرليس)، أستاذ الطب النفسي من (جامعة هارفاردHarvard University) وهي جامعة أبحاث خاصة تقع في مدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية. (أن الجائحة كانت واحدة من المناسبات الأولى التي شهد فيها الناس كيفية تطور العمليات الطبية وما تتضمنه من تعثرات وبدايات غير مستقرة آذ يتعين على العلماء تعلم معلومات جديدة ويمكن ارتكاب الأخطاء).

اتسمت العملية العلمية خلال الأزمات بانعدام الشفافية ما أدى إلى فراغ في الثقة، استغلته شخصيات مؤثرة في مجال الصحة. يوضح بيرليس أن الناس أصبحوا يطرحون العديد من الأسئلة حول صحتهم، لكن المعلومات المتاحة رغم كثرتها تفتقر للدقة وتهدف غالبًا لترويج منتجات أو الانتقاص من مصداقية المؤسسات.

كما يتزايد اعتماد الأمريكيين على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك وبرامج الدردشة الآلية للحصول على نصائح صحية. يشترك ملايين الأشخاص في قنوات مؤثرين صحيين على موقع يوتيوب مثل (إريك بيرغ)، الذي يدعي فوائد الفضة الغروية في علاج التهاب الحلق المصحوب بالبلغم دون دليل علمي حقيقي.

كما تنتشر رسائل مضللة من الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب 1946) ووزيره (روبرت كينيدي جونيور) حول الرعاية الصحية، خاصة فيما يتعلق بتغيير سياسات التطعيم المتبعة لعقود. فقد وصف ترامب جرعات اللقاح للأطفال بأنها "زجاجة مشروب غازي"، بينما هي أصغر بكثير من ملعقة صغيرة في الحقيقة. كما روّج (روبرت ف. كينيدي جونيور) لمزاعم مثيرة للشك حول اللقاحات ومضادات الاكتئاب والفلورايد، بالرغم من ضعف الأدلة الطبية المؤيدة لذلك.

(ميغ ليجا)، أستاذة تاريخ العصور الوسطى الأوروبية في (جامعة بينغهامتون Binghamton-University) (2)، تشير إلى التشابه بين الدعاية الحالية للمنتجات الصحية والمفاهيم الوسطى فيما يتعلق بالتطهير وإزالة السموم.

مواقع الإنترنت التي تروج لمنتجعات (الأياهواسكا ayahuasca) وهي ليست "منتجات" بالمعنى التجاري، بل هي مشروب مخدر ومهلوس تقليدي يُصنع من مزيج نباتي من غابات الأمازون يحتوي على مادة DMT المؤثرة عقلياً ويُستخدم في طقوس روحية وعلاجية.. تعرض تلك المواقع الفوائد العاطفية والروحية للتقيؤ الناتج عن تناول مزيج النبات.

 ترى ليجا أن بروتوكولات "تنظيف الجسم بالعصائر" اليوم تعكس النهج الذي كان سائداً قبل ألف عام بسبب نقص المعرفة الطبية في تلك الحقبة. آنذاك، اعتمد الناس على أمور يمكنهم مراقبتها مثل دورات القمر أو الدورة الشهرية بسبب عدم توفر تكنولوجيا التحليل المعاصرة.

ترى ليجا أن مقارنة الأوضاع الحديثة بالمجتمعات القديمة ليست دقيقة. ما نفعله اليوم لا يتماشى مع فهمنا الطبي الحالي، حتى لو بدا متشابهًا ظاهريًا مع ممارسات - العصور الوسطى - التي شملت الفصد والحقن الشرجية، والتي كانت تبدو منطقية ضمن الإطار العلمي آنذاك.

والفصد + الحقنة الشرجية هما طريقتان طبيتان لعلاج أو تنظيف الجسم، الفصد هو إخراج كمية من الدم من الوريد (ويُعرف حديثاً بالفصد العلاجي لبعض الأمراض مثل زيادة الحديد)، بينما الحقنة الشرجية هي إدخال سائل أو دواء عبر فتحة الشرج إلى المستقيم لتنظيف الأمعاء أو علاج الإمساك.

ورغم أنّ سلطة الأطباء كانت محورية في العصور الوسطى وإن بدت بعض العلاجات آنذاك غير فعالة وقاسية لنا اليوم، إلا أنّهم أيضاً شهدوا انهياراً في الثقة المؤسسية مشابهًا لما حدث بعد جائحة كوفيد-19، مشابهًا للحالة التي واجهوها مع الطاعون الأسود.

(روبن إس. رايش)، أستاذ التاريخ بـ (جامعة سياتل(Seattle-University، وهي جامعة يسوعية كاثوليكية خاصة تأسست عام 1891، وتقع في حي فيرست هيل بمدينة سياتل في ولاية واشنطن الأمريكية.. أشار إلى تجربة الأطباء الأوروبيين الذين لم يفلحوا في علاج المرض بأدويتهم.

لكن على عكس ذلك، لم يواجه العالم الإسلامي أزمة ثقة مماثلة بفضل سياسات صحية عامة متماسكة. الممارسات الطبية كانت متشابهة إلى حد كبير عبر العالم، لكن التماسك في الرسائل ساعد على بناء مستوى من الثقة لم يكن موجودًا في أماكن أخرى.

كان لدى العالم الإسلامي فهم قوي لمفهوم الحجر الصحي كما أشارت الأحاديث النبوية إلى ذلك بإجراءات ورؤية واضحة أسهمت في تعزيز التدابير الصحية.

كانت - نظرية الأخلاط Humor theory  - التي تتعلق بسوائل الجسم الحيوية مثل الدم والبلغم والصفراء والسوداء قد نشأت في اليونان القديمة واعتمدها الأطباء لقرون عديدة في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا كجزء من نظرياتهم الطبية الأساسية.

تعود جذور نظرية الأخلاط الأربعة، أو ما يعرف بالسوائل الحيوية للجسم - الدم والبلغم والصفراء والسوداء - إلى اليونان القديمة، واستمرت تأثيراتها لقرون في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.

سلّطت الباحثة رايش الضوء على بعض الأوجه المشتركة بين تلك الحضارات الفائتة والعصر الحديث، إذ نعيش اليوم في فترة يبحث فيها الناس عن تفسيرات للحياة الصحية ولا يعتمدون كثيرًا على آراء الخبراء. هذا الاتجاه نحو الطب العشبي والعلاج الشعبي يعكس حاجة ملحة للعودة إلى بساطة السابق، آذ بدت حياتنا الحالية معقدة بسبب النظم القاسية.

يشعر الناس بالإحباط من نظام الرعاية الصحية بشكل عام، خاصة مع ارتفاع تكلفة الأدوية. يدرك بيرليس أن نظام الرعاية الصحية الحالي لا يخلو من العيوب، مشيرًا إلى النفوذ الكبير الذي مارسته صناعة الأدوية لأجيال. وكان تأخير الأطباء في تحديد المخاطر أحد أسباب هذا الاستياء. انتقاد الأفراد الذين يأتون بخلاصات خاطئة هو أحد الإشكاليات في مجال الصحة العامة.

فعلى سبيل المثال، قد يكون ولي الأمر الباحث عن علاج عاجل لطفله أكثر عرضة لتصديق أي إجابة تُقدّم له تلقائيًا، حتى وأن كانت قراءة دعاء الشفاء عليه من قبل مؤذن بجامع أو شخص ينتسب للدوحة الهاشمية، أو حتى أخذه لعرافة تكويه بالنار.

الفهم المتعمق لطبيعة الجسم البشري كان دائمًا محل اهتمام الإنسانية، حتى قبل تأسيس الطب الحديث. مع تطور الإدراك البشري للعالم المحيط به، تطور فهم الناس لأجسامهم أيضًا. لم تكن نظريات الطب في العصور الوسطى خاطئة تمامًا لكنها لم تقدم صورة شاملة لبيولوجيا الإنسان.

كان تحليل البول، رغم بساطته وعدم قدرته على تقديم تفاصيل دقيقة عن المرض، شائعًا جدًا في تلك الفترات. لكن مع تطورات القرن التاسع عشر، أصبح تحليل البول جزءًا مهمًا من فهم صحة المريض بشكل شامل.

نظرية المياسما Miasma theory : مثال آخر على المعتقدات القديمة التي صمدت لفترة طويلة، آذ اعتقد الناس بأن الهواء الفاسد من الجثث أو المياه الراكدة يحمل أمراضًا. رغم عدم دقتها الكاملة، إلا أن هناك بالفعل ارتباط بين التعرض للملوثات الصحية والنتائج الصحية السلبية. لكن بعض المعتقدات لا تزال بلا أساس علمي مثل تلك المتعلقة بإشعاعات الجيل الخامس.

شهد التاريخ تحولات ملحوظة في كيفية تقبل الناس للعلوم الطبية البديلة، ومع كل تحول يأتي الابتعاد عن الخرافات والاقتراب نحو العلم الموثوق.

الأطباء في - العصور الوسطى - اكتسبوا مكانة سياسية ودينية ولم تعد الأمور مجرد مسلمات تتحكم فيها الآلهة. لكن يبدو أن العصر الحديث يشهد تراجعًا عن هذا الدرس المهم، فنجد الناس يعتمدون على حدسهم بدلاً من الأدلة العلمية المعتمدة للعناية بأنفسهم.

ويميل العراقيون إلى استخدام الأعشاب والكتب المتعلقة بالطب التقليدي، مثل الطب الشعبي الذي يُنسب إلى أهل البيت، لأسباب تتعلق بالموروث الثقافي والديني العميق، وسهولة الحصول عليها، وانخفاض تكاليفها مقارنة بالعلاج الحديث.

كما أن ضعف الثقة أحياناً في الخدمات الصحية الحكومية، وانتشار المستشفيات الأهلية الباهظة الثمن، يساهم في تفضيل هذه العلاجات، بالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأنها آمنة لكونها طبيعية ومنسوبة إلى مصادر دينية.

أما من منظور الأسباب الثقافية والدينية، فإن التراث الديني يلعب دورًا محوريًا، آذ توجد نصوص ومرويات منسوبة للأئمة في التراث الإسلامي الشيعي تدعم القناعة بفعالية العلاج بمواد مثل العسل والحبة السوداء والأعشاب المحددة. كما أن الاعتماد التاريخي على العطارين والطب الشعبي يعتبر جزءًا من الهوية الاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال. هذا الأسلوب العلاجي الذي يمزج بين الاستشفاء الجسدي والراحة النفسية يقوي العلاقة الروحية بين الفرد ودينه.

ومن الناحية الاقتصادية والخدمية، نجد أن ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات والأدوية الأهلية يعزز من مكانة الأعشاب كخيار اقتصادي أقل تكلفة. مع ضعف الثقة في المؤسسات الصحية الحكومية ونقص الأدوية المتوفرة فيها يدفع العديد من الناس للبحث عن بدائل. وبالإضافة إلى ذلك، تتميز محلات العطارة بتوفرها الدائم وسهولة الوصول إليها بدون الحاجة للانتظار في طوابير طويلة.

على الصعيد النفسي والاجتماعي، يوجد اعتقاد خاطئ شائع أن الأدوية العشبية "إذا لم تنفع، فهي لا تضر" نظراً لكونها طبيعية. كما يلعب تأثير النصائح العائلية وتجارب الأقارب دوراً في تعزيز الاعتقاد بفاعلية هذه العلاجات.

***

شاكر عبد موسى/ باحث وكاتب/ العراق

.................

(1) الميتوكوندريا (أو المتقدرة) Mitochondria   : هي أجزاء صغار داخل خلايا الجسم، وتُعرف باسم "مصانع الطاقة" لأنها تحول الطعام والأكسجين إلى طاقة يحتاجها الجسم ليعمل ويبقى حياً.

(2) جامعة بينغهامتون (Binghamton-University) هي جامعة بحثية عامة متميزة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتُعد واحدة من المراكز الجامعية الأربعة الكبرى التابعة لنظام جامعة ولاية نيويورك (SUNY). تضم الجامعة أكثر من 18،000 طالب، وتُعرف بقوة برامجها الأكاديمية والبحثية حتى أُطلق عليها لقب "آيفي العامة" (Public Ivy).

https://edition.cnn.com/2026/08/16/us/modern-wellness-medieval-middle-ages-cec?utm_source=cnn_ICYMI+-+no+video&bt_ee=KZ2wQykkTK3Jik4F3kFUlx%2BW

لم يكن الكتاب بعيدًا عن الذائقة البغدادية منذ العهد العباسي، إذ كانت بغداد وقتها زاهرة ومتمدنة مقارنةً بمدن أخرى غيرها، بل ومن الممكن أنها كانت أكثر مدنية مما هي عليه اليوم، إذا ما قارنا وضعها بين مثيلاتها من المدن وقتها ووضعها بين الكثير من المدن اليوم. وقتها كان العراق واحدا من أهم مراكز نسخ الكتب، وكانت عملية النسخ تجري يدويا، اما مكتباتها فكانت عامرة بالمئات من كتب الفلسفة والطب والفقه والنحو وغيرها من حقول العلم والأدب. وكان تداول الكتب يتم عبر من كانوا يُسمّون بالوراقين، الذين كانوا يستنسخون الكتب ويجلّدونها في منطقة كانت تسمى (ربض وضّاح) كما ذكر اليعقوبي في كتابه البلدان، وقد عرف (ربض وضّاح) بوجود عدد كبير من حوانيت هؤلاء الوراقين، علما أن أغلب شوارع بغداد وقتها كانت تبيع الكتب وفق بعض المؤرخين. وقد ازدهرت دكاكين الوراقين لا سيما مع نشاط ترجمة أمهات الكتب، وذكر اليعقوبي ان عدد حوانيتهم تجاوزت المئة حانوت، وكانت هذه الدكاكين أشبه بدور النشر والمكتبات التي نعرفها اليوم. والمفارقة التاريخية أن (درب زاخا) كان أيضا من المواضع المرتبطة بالكتب والوراقين، وتقول بعض المصادر التاريخية من دون تأكيد إنه كان يقع في "موضع شارع المتنبي الحالي أو قريبا منه".

وفي بغداد العباسية وقتها برز علماء كبار ممن برعوا في مجالات أو أختصاصات عملهم، كحنين بن إسحاق في الطب والترجمة، وثابت بن قرة في الرياضيات والفلك، والخوارزمي في علم الجبر والخوارزميات (Algorithm)، التي اشتق اسمها من اسمه، وأصبحت الخوارزميات اليوم اساس للبرمجة والذكاء الاصطناعي. كما برز الكندي والفارابي وغيرهما من الفلاسفة والأدباء والشعراء والعلماء، إلى جانب رجال دين تبحّروا في الفقه الإسلامي وكان لهم دور كبير في تطور المذاهب الفقهية.

انتكس الكتاب ومعه حقول العلم والثقافة والأدب بعد دخول المغول بقيادة هولاكو بغداد عام 1258 م، إذ دمرت المكتبات والمدارس العلمية، وأُحرقت آلاف الكتب والمخطوطات، ورمي مثلها في نهر دجلة، ليدخل العراق مرحلة التصحر الفكري لقرون طويلة. أما في فترة الحكم العثماني للبلاد، فتحولت بغداد التي كانت يوما مدرسة ومنارا للعلوم والآداب إلى عاصمة مهملة نادرا ما تجد فيها مكتبة أو دار نشر.

بعد الاحتلال البريطاني للبلاد بدأت الحركة الثقافية تتطور شيئا فشيئا، فافتتحت سنة 1920 مكتبة مكنزي من قبل الأسكتلندي كينيث مكنزي في رأس القرية بشارع الرشيد. وانتشرت بعد افتتاحها العديد من المكتبات التي كان لها دور كبير في تعزيز حقول الثقافة والمعرفة، بعد أن وفرت كتب عالمية مترجمة للعربية وبلغات أخرى للجمهور، مع الأخذ بنظر الاعتبار المكتبات الدينية في النجف ودورها في تعزيز حقل الثقافة خصوصا في ميدان الشعر والنثر، علاوة على الكتب الدينية. ومع انتشار الكتاب كجزء أساس من المعرفة، وتعدد الأحزاب والمنظمات السياسية العلنية منها والسرية، وإصدارها لصحفها ومجلاتها، وافتتاح المدارس والكليات ودخول المرأة ميدان العلم والدراسة بدأ الوعي بالانتشار بين فئات مختلفة من العراقيين.

لم يصل العراق في عهد ما بعد تأسيس الدولة في مجال القراءة وانتشار الكتاب، ونشاط الحركة الثقافية والفنية، إلى ما وصل إليه سبعينيات القرن الماضي. ويعود ذلك النشاط الثقافي والمعرفي وانتشار المكتبات، كمكتبة التحرير ومكتبة الطريق (تابعة للحزب الشيوعي العراقي) ومكتبة النهضة والمكتبة العالمية، وغيرها من تلك التي يزخر بها شارع المتنبي، ومثيلاتها في مدن وبلدات العراق المختلفة، ناهيك عن أكشاك بيع الصحف التي كانت توفر المجلات العراقية والعربية وأعداد من الكتب المختلفة، إلى استقرار الوضع السياسي بالبلاد سنوات 1973-1979. ووقتها انتشرت مقولة تقول: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ. فهل هذه المقولة لا تزال موجود عند جيل ما بعد الاحتلال، أو تلك الأجيال التي عاشت حروب النظام المدمرة وقسوة الحصار الاقتصادي، الذي حرم العراقيين نتيجة الفاقة والعوز من أبسط مقومات الحياة، حتى أصبح الكتاب منذ ذلك التاريخ إلى اليوم ترف فكري، لا مكان له في مجتمع يشد خطاه وبسرعة لافتة نحو مزيد من الأنحدار الثقافي والتخلف.

بعد انتهاء عصر الهواتف الأرضية وعدم الحاجة لوجود هواتف عمومية في أكثر بلدان العالم، انتهت مظاهر مشاهدة أكشاك الهاتف في شوارع مدن العالم المختلفة، وتم جمعها وإتلافها أو وضع بعض منها في متاحف خاصة. لكن هناك دول نهجت نهجا مختلفا مع هذه الأكشاك، ومن هذه الدول تشيكيا وعاصمتها براغ.

للشعب التشيكي حضور كبير في المكتبات العامة، كما تظهر الإحصائيات أن جمهورية التشيك "تضم إحدى أكثر شبكات المكتبات في العالم نسبة إلى عدد السكان". وعوضا عن أن تنتهي أكشاك الهاتف في براغ كما حدث في مدن أخرى بأن تتلف، جرى تحويل أعداد منها وبمبادرات من ناشطين مدنيين وبمساعدة مؤسسات مختلفة، الى مكتبات صغيرة توفر مختلف عناوين الكتب للجمهور. والمثير هو أن المواطن يتبرع بنفسه لهذه الأكشاك بما لا يحتاجه من كتب، ليأتي مواطن آخر ليستعير كتاب منها دون وجود موظف أو مراقب. والأكثر إثارة هو أن المواطن يستطيع الاحتفاظ بالكتاب الذي استعاره إن أراد، أو يعيده إلى نفس الكشك أو غيره بعد إتمام قراءته!

لقد وصلت الحالة الثقافية بالعراق اليوم مقارنة بما كانت عليه البلاد سنوات السبعينيات وقبلها، إلى مستوى متدنٍ جدا، وفشلت الدولة وقد يكون عن عمد، في إعادة الحياة لحقل الثقافة والمعرفة، وأصبح الكتاب ترف فكري بين اوساط ملايين الشباب العاطل وشبه الأمي. وبالمقابل ازدهرت "ثقافة" الغيبيات، فترى كتب لا علاقة لها مطلقا بالثقافة التي يعمل العالم على ترسيخها في مجتمعاته، منتشرة على أرصفة الكتب في شارع المتنبي وغيره، كما أصبحت القراءة ومنها قراءة الصحف، حالة غريبة إن لم تكن شاذة على الرغم من تراجع الصحافة الورقية! وشخصيا تعرضت لموقف أشارك به القارئ ليتعرف إلى ما وصلنا إليه اليوم من تخلف فكري وثقافي كنا نتميز بها قبل عقود. بداية عام 2024 ووسط العاصمة بغداد اشتريت ثلاث صحف من أحد الأكشاك، وذهبت إلى مقهى قريب لأشرب الشاي منتظرا صديقا كنت على موعد معه، وأثناء شربي للشاي أخرجت احدى الصحف لقراءتها، وبعد لحظات وأنا أرفع رأسي، شاهدت عددا لا بأس به من رواد المقهى ينظرون إليّ بتعجب، فما كان مني إلا أن أضع الصحيفة في حقيبتي حرجا وأغادر المقهى، عائدا بذاكرتي إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما كان جميع رواد المقاهي تقريبا يقرأون كتابا أو صحيفة أو مجلة، ويبدأ بينهم حوار في مختلف مجالات الحياة اليومية.

الاسلام السياسي يروّج اليوم لعراق الاسلام والمقدسات لكنه لا يعمل بأول كلمة جاء بها الوحي لمحمد قائلا: إقرأ، بل هدف هؤلاء الظلاميين اليوم هو: لا تقرأ، وهذا ما نشاهده من محاربتهم لمهرجانات القراءة بغض النظر عن دوافع المنع الواهية، كما حدث في مهرجان الناصرية مؤخرا. فكلما إزداد أعداد جيش الأميين وأنصاف الأميين زادت قوة هذه الجماعات، كون غياب الكلمة والكتاب والثقافة والوعي على علاقة طردية بهم، والثقافة والكتاب والوعي على علاقة عكسية بهم، لذا تراهم يعملون على زيادة رقعة الجهل والتخلف بالمجتمع.

***

زكي رضا - الدنمارك

16/8/2026

الشرع: البيان والإظهار، وفقهيا يعني سن القوانين

وفقا للشرع لا يوجد فساد ولا فشل، لأن الحكم يتوافق مع الضوابط الشرعية، المنصوص عليها قبل قرون وعليها أن تطبق في عصرنا المرهون.

أما شعبيا فالفساد سائد والفشل قائد.

وهذا تناقض في مفاهيم الحكم، بين الحرام والحلال شرعيا، وبين الظالم والمظلوم فقهيا، وكل نظام حكم لا يطبق مفردات الشرع لا يُعترف به، والحكم الشرعي هو الأصدق والأصلح ولو كره الكارهون.

الحكم الشرعي لا يعترف بالديمقراطية ولا بالسيادة ولا بالوطن وينكر حقوق الإنسان، وهو سيف بتار لا يقبل المساءلة والمعارضة ويفني الرأي الآخر.

فالحكم القائم في الدول التي تهيمن عليها الأحزاب المؤدينة، صالح شرعيا وموافق للتعليمات المنصوص عليها في كتب الفقه المعتقة في دياجير القرون، ومعبر عن آراء فردية لأشخاص إكتسبوا القدسية وصاروا يمثلون رب العالمين في الحكم والقيادة.

هذا المفهوم رافق البشرية منذ البداية، وما شذ عنه نظام حكم عبر العصور، ومنذ فجر التأريخ، ولا فرق بين كافة الأديان في هذا السلوك.

فالكراسي تفرض إرادتها، وأمّارة السوء تطلق رغباتها، وترفع راياتها.

في الغرب الكنيسة كانت على حق لأنها تطبق النصوص اللازمة في شرائعها، فلكل خطيئة ما يسوغها ويربطها بالرب، فالذي يقرر ليس الفرد فهو أداة لتنفيذ إرادة الرب.

وعلى هذا المنوال سارت الأديان بأنواعها، وما شذ دين عن مفهوم النيل من البشر بإسم القوة الإلهية التي خولته بما يفعل.

فلماذا يتم تداول مفردة "فساد"، وهي لا وجود لها شرعيا، ومتوافقة مع المعتقد القائد، ومعبرة عن إرادة مقدسة، ذات تطلعات غيبية، ورؤى أسطورية، وتصورات خرافية، فالباطل حق، والحق باطل، ودع عنك أوهام القول بالفساد، وتوصيف الفاسدين، فالغنيمة حق شرعي، ومن مفردات الأنفلة السعيدة.

أ بشرعٍ دونَ شَعبٍ حُكْمُنا

قالتِ الأشباحُ قولاً ضُدّنا

شرْعُها أدْرى بفِعلٍ حاصِلٍ

أمْرُها فرضٌ وجوبٌ عِندنا

فلماذا ندّعي ما نَشتهي

خنعَ الجَمعُ فخابَتْ أمُّنا

***

د. صادق السامرائي

 

لا تُعدّ ظاهرة التطبيع نتاجاً طارئاً للمرحلة المعاصرة، ولا اختراعاً سياسياً حديثاً، بل هي سلوك تاريخي عميق الجذور، ارتبط، في سياقاته الأولى، بمحاولات التكيّف القسري مع حضارات متفوّقة. فقد عرف اليهود أشكالاً مبكرة من التطبيع كلّما وجدوا أنفسهم إزاء قوة حضارية غالبة، كما حدث إبّان السبي البابلي، حيث جرى امتصاص الصدمة عبر إعادة إنتاج الهوية داخل منظومة الغالب. غير أنّ التطبيع الذي طالما تمنّته الصهيونية، ولم يتحقق تاريخياً، بدأ يتبلور فعلياً مع نهاية القرن الثامن عشر، في ظل التحولات البنيوية الكبرى التي أفرزها الانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب، وما رافقه من صعود الدولة القومية الحديثة، وتفكك البنى التقليدية.

ومن هنا، لا يُعدّ التطبيع مفهوماً سياسياً فحسب، بل يشكّل أحد الأعمدة المركزية في الفـكر الصهيوني، فهو العملية التي يُفترض أن يتخلّص اليهودي من خلالها من أمراض المنفى وعُقدة الشتات، عبر السيطرة على المصيرين السياسي والاقتصادي، والانتقال من موقع الضحية التاريخيّة إلى موقع الفاعل المهيمن. وبهذا المعنى، يصبح التطبيع مرادفاً للتغريب؛ أي إعادة إدماج الكيان الصهيوني في الفضاء الغربي بوصفه امتداداً طبيعياً له داخل الشرق.

ومع توقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، شاعت كلمة التطبيع في الخطاب السياسي العربي، ولا سيما في مصر، للدلالة على جعل العلاقات مع الكيان الصهيوني علاقات طبيعية، شبيهة بالعلاقات بين أي دولتين متجاورتين. غير أنّ هذا الفهم العربي للمصطلح يختلف جذرياً عن دلالاته في الأدبيات الصهيونية، حيث لا يشير التطبيع إلى تسوية سياسية، بل إلى إعادة تشكيل الـوعي، وجعل التعامل مع اليهود، بوصفهم كياناً استيطانياً، أمراً اعتيادياً، منزوع الحساسية الأخلاقية والتاريخيّة.

وعندما أشرف الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) على توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد" (1978–1979) بين (أنور السادات) و(مناحيم بيغن)، لم يخفِ الطابع اللاهوتي للخطاب السياسي المصاحب للاتفاق، حين قال: "دعونا نترك الحرب جانباً… دعونا نكافئ كل أبناء إبـراهيم المتعطشين إلى اتفاق سلام شامل في الشرق الأوسط… دعونا نستمتع بتجربة أن نكون آدميين بالكامل، وجيراناً بالكامل، وحتى إخوة وأخوات". لم تكن هذه اللغة تعبيراً عن نزعة إنسانية بريئة، بل كانت تدشيناً مبكراً لاستخدام الرمز الإبـراهيمي بوصفه جسراً رمزياً لتطبيع الاحتلال.

وتتكرّس هذه الاستراتيجية في الخطاب الأمريكي اللاحق، ففي تقرير "بروكينغز" الصادر في الدوحة عام 2013، أشار الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما) إلى وجود حوافز سلبية تدفع المنطقة نحو القبول بالمشترك الإبـراهيمي، وفي مقدمتها الصراع السني–الشيعي. وهو ما أكده لاحقاً تقرير مركز "راند" عام 2017 حول مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط، حين اعتبر أن تفاقم الانقسامات الطائفية يفتح الباب أمام هيمنة الهويات المحلية الضيقة، أو القبول بالمشترك الإبـراهيمي بوصفه مخرجاً من الانسداد الداخلي.

فالمنطق هنا واضح: تعميق الصراع داخل الدين الواحد لإنتاج حالة من النفور الوجودي، تمهيداً لقبول قيم مشتركة مجرّدة، كالتسامح والمحبة والإخاء، بوصفها بديلاً عن العقيدة، ومدخلاً ناعماً لتمرير الفـكر الإبـراهيمي الجديد، الذي يُقدَّم كحل إنساني شامل، بينما يخفي في جوهره إعادة ترتيب للولاءات.

وفي عام 1993، ومع توقيع اتفاقيات "أوسلو" بين (ياسر عرفات) و(إسحاق رابين)، عاد الرمز الإبـراهيمي بقوة إلى الخطاب السياسي الأمريكي، فقد قال الرئيس (بيل كلينتون)، أثناء إشرافه على مراسم التوقيع في البيت الأبيض: "لأجل هؤلاء يجب أن نحقق نبوءة إشعياء… إن أبناء إبـراهيم، أي نسل إسحاق وإسماعيل، انخرطوا معاً في رحلة جريئة". وهنا، يُستدعى النبي مرة أخرى لا بوصفه رمزاً للعدل، بل بوصفه مظلّة لغوية لتسوية غير عادلة.

وعند توقيع اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والأردن عام 1994، خفّف (كلينتون) من الإشارة المباشرة إلى إبـراهيم، لكنه لم يتخلّ عن البعد الديني، إذ استشهد بنصوص من القرآن والكتب اليهودية المقدّسة، تاركاً للملك (حسين) مهمة استحضار الرمز الإبـراهيمي صراحة، حين قال: "سوف نتذكر هذا اليوم… لأجل أجيال المستقبل، كل أبناء إبـراهيم". وهكذا، تتكامل الأدوار بين الراعي الدولي والطرف المحلي في إعادة إنتاج الخطاب ذاته.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

في المثقف اليوم