عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

لماذا تعجز بيئتنا عن إنتاج العقل الكلامي الحي؟ 

كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري، وجعلتني أتساءل: لماذا لا تعيد الإمامية إنتاج شخصية مماثلة لها في هذا العصر؟ ولطالما وجدتُ في عبد الجبار الرفاعي شيئًا من هذه الروح، لا من حيث التطابق الكامل بين الشخصيتين، وإنما من حيث الجرأة على فتح الأسئلة المؤجلة، ومحاولة إعادة بناء التفكير الديني بلغة تتجاوز التكرار والانغلاق. فظاهرة ابن قِبَة لم تكن مجرد موهبة فردية عابرة، وإنما كانت ثمرة بيئة علمية حيّة تضجّ بالجدل والأسئلة والاحتكاك الحقيقي بين المدارس الفكرية المختلفة، فقد خرج من وسط كانت فيه المعتزلة والإمامية والفلاسفة وأهل الحديث يتناظرون علنًا، من غير حساسية مفرطة ولا خوف من السؤال، وكان الانتقال بين المدارس الفكرية يُنظر إليه على أنه تحوّل معرفي، لا خيانة للهوية.

 تميّز ابن قِبَة بقدرته على الجمع بين العقل والنص، فلم يكن أسير النقل الجامد، ولا أسير التأمل العقلي المنفصل عن التراث. كما عرف خصومه من الداخل، لأنه مرّ بتجربة الاعتزال واطّلع على مناهجه الكلامية، لذلك جاءت ردوده دقيقة وعميقة، لا تقوم على التشويه أو الكاريكاتير الفكري للطرف الآخر.كان يمتلك شجاعة فكرية في مناقشة القضايا الحساسة، مع لغة جدلية قوية ومنهج استدلالي منظم، جعله من أوائل من منحوا للكلام الإمامي طابعًا عقليًا متماسكًا.

وهنا يكمن أحد أهم وجوه الالتقاء مع عبد الجبار الرفاعي؛ فكلاهما انطلق من داخل المعرفة الدينية، لا من خارجها، وكلاهما حاول أن يفتح نافذة على الفكر الإنساني الأوسع، من غير أن يتعامل مع التراث على أنه كتلة جامدة مغلقة. كما أن الرفاعي، مثل ابن قِبَة، لا يكتفي بالتكرار أو الشرح، وإنما يسعى إلى مساءلة البنى الفكرية السائدة، وإثارة الأسئلة التي يتجنبها الخطاب التقليدي.

كما استفاد ابن قِبَة من أدوات المعتزلة والمنطق الكلامي في بناء رؤيته والدفاع عنها، ينفتح عبد الجبار الرفاعي على الفلسفة والعلوم الإنسانية ليدرس التجارب الروحية، ويستثمر المناهج الحديثة وأسئلتها في إعادة فهم الدين وقراءة نصوصه، والسعي إلى تحريره من الانغلاق الكلامي والفقهي، ليستعيد لغته الروحية والأخلاقية والجمالية، في أفق أكثر إنسانية وعمقًا.

كذلك يشترك الاثنان في أن كليهما أثار حساسية داخل بيئته؛ لأن العقل النقدي يوقظ الأسئلة المؤجلة، ويكشف ما تستتر عليه البنى الفكرية الموروثة، لذلك يُقلق أكثر مما يُطمئن، خاصة في البيئات التي اعتادت اليقين السريع، وأَلِفَت تكرار الأجوبة الجاهزة.

 الشخصيات المؤسسة لا تُستقبل بسهولة، لأن المجتمعات المعتادة على اليقين السريع تضيق غالبًا بمن يعيد فتح الأسئلة، أو يدعو إلى مراجعة طرائق التفكير الموروثة، ذلك أن السؤال النقدي يربك الطمأنينة التي تسكن إليها الذهنيات المغلقة، ويكشف هشاشة كثير من المسلّمات التي ترسخت مع الزمن.

لقد كان علم الكلام في عصر ابن قِبَة علمًا حيًّا، يتصل بأسئلة الإنسان والوجود والمعرفة والسياسة، ويتفاعل مع التحولات الفكرية الكبرى في عصره. أما اليوم فكثيرًا ما ينحدر إلى دفاع عاطفي، أو إعادة تدوير لشروح قديمة، منفصلة عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية العميقة.

لهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تمتلك روح ابن قِبَة وجرأة عبد الجبار الرفاعي؛ شخصيات تنتمي إلى التراث من داخله، من غير أن تستسلم لسلطته المغلقة، وتنفتح على العقل والفلسفة والعلوم الإنسانية وأسئلة الإنسان المعاصر من غير خوف أو ارتياب. شخصيات تجمع بين الإيمان والشجاعة النقدية، وبين الوفاء للمعنى الروحي للدين والقدرة على مراجعة البنى الكلامية والفقهية الموروثة. ذلك أن نهضة الفكر لا تتحقق بالحفظ والتكرار وحدهما، وإنما تبدأ حين يستيقظ السؤال، ويتحرر العقل من رهبة المألوف، ويغدو التفكير مغامرة لا تكرارًا لما قاله الأسلاف.

***

ستار الزهيري – كاتب عراقي

إبتداءً يمكن القول ان الفرق بين الإدارة السهلة والإدارة المعقدة لا يتعلق بحجم المؤسسة فقط، وإنما بطريقة التفكير والتنظيم واتخاذ القرار. فهناك مؤسسات كبيرة تُدار بسهولة، وأخرى صغيرة تغرق في التعقيد.

يمكن بيان الفروق الجوهرية على النحو الآتي:

أولاً: الإدارة السهلة (مرنة/ بسيطة)

هي الإدارة التي تقوم على الوضوح والبساطة والانسيابية (السهل الممتنع)، بحيث تُنجز الأعمال بأقل قدر من التعقيدات والإجراءات.

وهي الغالبة في دولة المؤسسات لا دولة (الفرد المعجزة).

ومن أبرز خصائصها:

1- وضوح الصلاحيات والمسؤوليات.

2- اختصار الروتين والإجراءات غير الضرورية.

3- سرعة اتخاذ القرار.

4- الاعتماد على الكفاءة والثقة المهنية.

5- وجود نظام عمل مفهوم للجميع.

6- قلة المراسلات والتواقيع المتكررة.

7- استعمال التكنولوجيا لتسهيل الإنجاز.

8- التركيز على النتائج لا على الشكليات.

9- في الإدارة السهلة، المواطن واثق بالادارة والموظف يعرف واجباته، ومن المسؤول، وكيف تُنجز المعاملة، وكم تستغرق من وقت.

10- النظام الأساس باق نسبياً، رغم تبدل الؤساء.

ولهذا ترتبط الإدارة السهلة عادةً بـ:

ارتفاع الإنتاجية، تقليل الفساد، رضا الناس،

وتشجيع المبادرة والابتكار.

ثانياً: الإدارة المعقدة (بيروقراطية/ هيكلية).

هي الإدارة التي تُثقل العمل بكثرة الإجراءات والتداخلات والقيود، حتى تصبح العملية الإدارية غاية بحد ذاتها بدل أن تكون وسيلة لخدمة الناس.

وهي في الغالب دولة الافراد (المعجزة) لا دولة المؤسسات

ومن أبرز مظاهرها:

1- تضخم الروتين .

2- تعدد الموافقات والتواقيع.

3- غموض الصلاحيات.

4- تداخل الاختصاصات.

5- بطء اتخاذ القرار وقد يمتد لسنوات.

6- تضارب التعليمات وكثرة تعديلها.

7- الإفراط في المركزية.

8- خوف الموظفين من المبادرة.

9- التفسير الضيق الجامد للقوانين والانظمة والتعليمات وكثرة الاستفسارات عنها.

10- تتبدل الانظمة والقيادات فور تبدل الرؤساء وتبدأ من الصفر نسبياً في كل مرة.

وفي الإدارة المعقدة، قد تنتقل المعاملة بين عشرات المكاتب دون سبب حقيقي، ويصبح الحفاظ على “الإجراء” أهم من تحقيق “النتيجة”.

وغالباً ما تؤدي الإدارة المعقدة إلى:

تعطيل مصالح الناس، زيادة فرص الفساد والابتزاز، قتل الإبداع، هروب الكفاءات،

وضعف الثقة بالدولة أو المؤسسة.

الفرق الفلسفي بينهما

الإدارة السهلة تنطلق من فكرة:

“كيف نُسهّل خدمة الإنسان؟”

ويمكن تلخيص الفكرة بالقول:

الإدارة الناجحة ليست التي تُكثر من الأبواب، بل التي تجعل الوصول إلى الحق سهلاً، والانحراف صعباً

أما الإدارة المعقدة فتنطلق – أحياناً دون قصد – من فكرة:

“كيف نحمي أنفسنا من المسؤولية؟”

(لا تحرك ساكناً ولا توقف متحركاً)

ولهذا فإن الإدارة المعقدة غالباً ما تنتج عن:

الخوف، ضعف الثقة، غياب الكفاءة، التهرب من المسؤولية، تراكم الأنظمة دون مراجعة.

بينما الإدارة السهلة تحتاج إلى:

قيادة واثقة، تشريع واضح، رقابة ذكية،

وثقافة مؤسساتية تؤمن بالإنجاز.

ملاحظة مهمة

التبسيط لا يعني الفوضى، كما أن التعقيد لا يعني الدقة.

فقد تكون الإدارة بسيطة ولكنها صارمة ومنضبطة، كما في كثير من الدول المتقدمة، حيث تُختصر الإجراءات مع بقاء الرقابة الإلكترونية والقانونية فعّالة.

أما التعقيد المفرط فهو غالباً علامة على ضعف النظام لا قوته.

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الأسبق

 

ثمة أوطان لا تسكن الخرائط فحسب، بل تستقر عميقاً في الروح حتى إذا ما أصابها الخراب شعر الإنسان وكأن التصدع قد أصاب قلبه هو. والوطن الذي يبدأ حكاية البشرية لا يستحق كل هذا التعب، ولا يليق به أن يتحول إلى ساحة تتقاسمها الأيدي العابثة والوجوه التي جاءت من ظلام الطمع والجشع لتقتات على أحلام الناس وآلامهم.

إنه شعور بالغ القسوة أن يطول انتظار الإنسان لسنوات وهو يحدق في أفق كان يظنه ممتلئاً بالضوء، ثم يكتشف في النهاية أن الضوء كان يبتعد كلما اقترب منه. كنا ننتظر وطناً يشبه أحلامنا البسيطة قليل من الأمان، شيء من الكرامة، وفسحة للحياة من دون خوف. لكن السنوات مرت ثقيلة، ومع كل صباح كنا نفقد جزءاً من يقيننا القديم بأن الغد سيكون أجمل.

من كان يتخيل أن الأرض التي خطت الحرف الأول، وعلمت الدنيا كيف تبني المدن وتغني للحياة، ستصبح نهباً للخراب؟ كيف لبلاد كانت مهد الحضارات أن تتحول إلى غنيمة يتقاسمها الطامعون وتنهشها أفواه الفاسدين؟ كأن التاريخ نفسه يقف اليوم مذهولاً أمام ما جرى لهذه البلاد التي كانت يوماً تتزين بالفن والشعر والمعرفة.

لقد تعبنا من فرط التفاؤل. نعم، أتعبنا الأمل حين بقينا نتمسك به رغم كل الخيبات. كنا نظن أن الوطن أقوى من الانكسار، وأن الغرباء لن يتمكنوا من اقتلاع جذوره، لذلك كنا نسخر أحياناً من مراثي الشعراء وهم يتحدثون عن زمن يُنفى فيه أهل البلاد ويستوطن الغرباء أمكنتهم. لم نكن نصدق أ يوم نشعر فيه بأننا غرباء في مدننا، وأن الأزقة التي حفظت ستنظر إلينا بوجوه متعبة لا تعرفنا.

أي غفلة تلك التي عبر منها كل هؤلاء ؟ كيف استطاع اللصوص أن يتسللوا إلى بيوت الروح، فيسرقوا أغنياتنا القديمة، ويطفئوا ضحكاتنا، ويزرعوا الخوف في حدائق الطفولة؟ لقد أرعبوا حتى الطيور التي كانت تحط مطمئنة فوق أشجارنا، ولوثوا الحقول التي كانت تتباهى بخضرتها، حتى صار الحزن جزءاً من المشهد اليومي.

ومع ذلك، لا نستطيع أن نتوقف عن حب هذا الوطن. فالأماكن التي منحتنا طفولتنا الأولى لا يمكن التخلي عنها بسهولة، حتى لو تغيرت ملامحها. هنا لعبنا صغاراً، وهنا عرفنا صداقات العمر الأولى، وهنا اكتشفنا معنى الفرح والحزن والانتظار. لهذا يبدو الوطن، مهما ابتعد عنا، جزءاً من ذاكرتنا الشخصية، لا مجرد جغرافيا نسكنها.

لقد شابت رؤوسنا ونحن نلاحق حلم البلاد الجميلة كبرنا تحت شمسها القاسية والحنونة معاً، ورغم كل شيء ما زلنا نتأمل صباحاتها كما لو أننا ننتظر معجزة صغيرة تعيد إليها بعض ما فقدته. فالإنسان قد يشيخ، لكنه لا يتعب من الحنين إلى المكان الذي أحبه بصدق.

إن المأساة الحقيقية ليست في الخراب وحده، بل في اعتياد الخراب. حين يصبح الخوف أمراً عادياً، والفساد خبراً يومياً، والخذلان جزءاً من تفاصيل الحياة، ندرك أن الجرح صار أعمق مما نظن. غير أن الأمم التي صنعت التاريخ قادرة، مهما طال انكسارها، على أن تستعيد عافيتها ذات يوم، لأن الذاكرة الحية لا تموت.

سيبقى هذا الوطن، رغم كل ما أصابه، أكبر من اللصوص والعابرين والطامعين. فهؤلاء يجيئون ويذهبون، أما البلاد فتبقى، تحمل أسماء عشاقها الحقيقيين الذين تعبوا من الحروب، لكنهم لم يتعبوا من محبتها. وربما

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

الحج مؤتمر عالمي يعقد كل سنة يلتقي فيه المسلمون من شتى بقاع العالم باختلافاتهم الفكرية واللغوية والعرقية، يجتمعون في مكان واحد ملبين نداء خالقهم راجين رحمته وغفرانه، يلتقي فيه الغني والفقير الرئيس والمرؤوس، الأبيض والاسود، المثقف وقليل التعليم ، الشباب والشيوخ ، يترك كل هؤلاء اوطانهم و اسرهم متحملين مشقة السفر والنأي عن الأوطان، هذا التلاحم الإنساني والوجداني يعبر عن فلسفة الإسلام العظيمة في توحيد الأمة الإسلامية وتشكيل عقلية المسلم الذي لا يعيش الفردانية والعزلة والابتعاد عن هموم المسلمين ففي الحج تذكير لكل مسلم غافل أنه جزء من أمته، ولكن هذا الفهم العميق لفلسغة الحج غائب عن كثير من المسلمين فهذا الشتات العربي و الاختلاف السياسي والصراع الذي ينخر  الدول العربية ويصيبها في مقتل دليل على غياب المفهوم الحضاري للحج باعتباره طريق إلى نهضة الأمة ووحدتها فالتفرقة غاية العدو الذي لا يريد منا أن نحتل مكانة بين الأقوياء ، نصنع سلاحنا و نوفر غذاءنا و نستثمر في عقول أبنائنا بجودة التعليم من أجل مستقبل مشرق...

وقد بين المفكر الاستراتيجي جاسم سلطان هذه الفلسفة الخاصة بالحج وقد ابدع في ذلك يقول: "إذا نظرنا إلى الحج كنموذج حضاري مكثف نكون قد أعدنا النظر في مجمل حياتنا، ولنحاول أن نقترب من تلك الثروة العظيمة.

الحج كنموذج لإعادة تشكيل الإنسان، فمن اللون والعرق والثروة والديكور الخارجي يتجرد الفرد ليعود لكونه “فاعلًا أخلاقيًا مجردًا” مثله مثل الملايين من حوله، هو حينها ذرة تدور حول معنى الوجود وهو الله.

الحج كنظام مساواة عملي يذكر الإنسان بهدف الرسالات جميعًا (ليقوم الناس بالقسط)، وهو نظام يطرح سؤالًا عمليًا: لماذا لا نحقق ذلك في أوطاننا ومؤسساتنا؟

الحج كإدارة حضارية معقدة تخلق النظام والتنسيق والبنية وتضبط السلوك الجمعي.

الحج كشبكة تواصل عالمية تقرب البعيد وتوزع الخبرات، هي فرصة لمورد استراتيجي ضخم.

الحج ومناسك الحج نموذج لحركة الإنسان ونشاطه، وتربية على بذل الجهد بدل الخمول.

الحج بهذا المعنى العميق لا يطرح سؤال كيف نعبد الله، بل كيف نعيش بالله ونبني إنسانًا ومجتمعًا ونظامًا عالميًا بديلًا… ولذلك فمعنى الحج لغة القصد والاتجاه… وياله من اتجاه."

فهذا الفهم العميق لفلسفة الحج سيعيد تشكيل وعي المسلم فينهض من كبوته وغفلته ويبتعد عن العنصرية والنزعة العصبية فيسعى من أجل وحدة الصف فيكون إنسانا فعالا مؤثرا يزيد في الحياة.

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

في كلِّ عصرٍ ينهض قومٌ يرفعون أصابعهم نحو السماء، لا ليشيروا إلى الله، بل ليشيروا إلى أنفسهم. يخرج أحدهم بثوبٍ طويلٍ ولحيةٍ مدروسة، أو بربطة عنقٍ أنيقةٍ وصوتٍ رخيم، أو برايةٍ حزبيةٍ مطرزة بالشعارات المقدسة، ثم يهمس للناس همسًا يشبه الوحي: “نحن الأقرب إلى الله… نحن أهل النجاة… نحن الناطقون باسم السماء!”

وهكذا، منذ أن عرف الإنسان فكرة المقدس، لم يتوقف بعض البشر عن احتكار الطريق إليه، كأنَّ الله ـ جلّ شأنه ـ صار عقارًا مسجَّلًا بأسمائهم، أو حزبًا سياسيًا يوزّع بطاقات العضوية على العباد.

ولعلّ أعجب ما في الأمر أنَّ هؤلاء المختلفين، المتناحرين، المتبادلين للّعنات والحرمان، يتشابهون تشابها كبيرا. فكلُّ طائفةٍ تزعم أنَّها “الفرقة الناجية”، وكلُّ حزبٍ يعتقد أنَّ الله يقف خلف متراسه، وكلُّ جماعةٍ ترى أنَّ أبواب الجنة لا تُفتح إلا بختمها الرسمي!

ولو هبط ملاكٌ من السماء، وسألهم جميعًا: “أيُّكم يمثّل الله حقًّا؟” لارتفعت ألف يد، وألف راية، وألف صرخة، حتى ليخيَّل للناظر أنَّ السماء نفسها صارت دائرة حكومية تتنازع عليها الأحزاب.

لقد تحوّل الله، في كثيرٍ من الممارسات البشرية، من حقيقةٍ مطلقةٍ متعاليةٍ على الأهواء، إلى شاهد زورٍ يُستدعى عند الحاجة. يُستعمل في الحرب أكثر مما يُستعمل في الرحمة، ويُذكر في الخطب السياسية أكثر مما يُذكر في خلوات الضمير.

ومن الطريف المبكي أنَّ الإنسان كلما ازداد جهلًا بالله ازداد حديثًا عنه. فالعارف الحقيقي غالبًا ما يصمت، لأنَّه يدرك اتساع السرِّ الإلهي وعجز اللغة عن الإحاطة به، أمّا المتاجرون بالمقدّس فيتكلمون بثقةٍ مخيفة، كأنَّهم أعضاءٌ دائمون في مجلس إدارة الكون!

تأمّل مثلًا تاريخ الحروب الدينية.

كم من جيشٍ دخل المدن وهو يهتف باسم الرب!

كم من مذابح ارتكبت والقتلة يظنون أنهم يؤدّون صلاةً كبرى!

بل إنّ بعضهم كان يغسل سيفه من الدم ثم يرفع يديه بالدعاء شاكرًا الله على “النصر المبارك”!

في أوروبا القرون الوسطى، كانت الكنيسة تمنح صكوك الغفران، وكأنّ الجنة مصرفٌ عقاري يمكن شراء أسهمه بالذهب. وكان بعض رجال الدين يبيعون مفاتيح الفردوس للفقراء الذين لا يملكون حتى مفاتيح بيوتهم. وفي المقابل، ظهرت جماعات دينية أخرى ترى أنَّ الخلاص لا يكون إلا عبرها وحدها، وأنَّ البشرية كلّها سائرة إلى الهلاك إلا من انضمّ إلى ناديها المغلق.

وما أشبه الليلة بالبارحة. ففي عالمنا المعاصر، ما أكثر الذين يتحدثون باسم الله في الفضائيات، حتى ليخيَّل للمرء أنَّ السماء افتتحت مكتبًا إعلاميًا دائمًا على الأرض. هذا داعيةٌ يحتكر الحقيقة، وذاك سياسيٌّ يضع صورة الله خلف شعاره الانتخابي، وثالثٌ يوزّع الوطنية والكفر بحسب درجة الولاء الحزبي. حتى الأحزاب الحديثة، التي تزعم المدنية والعقلانية، تقع أحيانًا في المرض نفسه؛ فهي لا تقول “نحن حزب سياسي” بل تقول ضمنًا: “نحن الطريق الأخلاقي الوحيد، وما عدانا ظلامٌ ورجعية!”

إنها غريزة “الاصطفاء” القديمة، ولكن بثيابٍ جديدة. فالإنسان يحبُّ أن يشعر أنَّه مختار، محبوب من السماء، مختلف عن القطيع. ولذلك يسهل على القادة الدينيين والسياسيين أن يمنحوه هذا الشعور الساحر:

“أنت لست مجرد إنسان… أنت جنديُّ الله!”

وهنا يبدأ الخطر. لأنَّ الإنسان حين يظنّ نفسه وكيلًا حصريًا لله، يفقد تواضعه أولًا، ثم يفقد إنسانيته ثانيًا، ثم يصبح مستعدًا لفعل أي شيء وهو مطمئن الضمير. فالقاتل العادي قد يرتجف قبل الجريمة، أمّا القاتل الذي يعتقد أنَّ الله معه، فهو يقتل وهو يبتسم. ومن أعجب مفارقات التاريخ أنَّ معظم الطغاة كانوا يكرهون النقد، لأنهم لم يكونوا يرون أنفسهم بشرًا يخطئون، بل "أصحاب رسالة". فرعون قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾. وكثيرٌ من المستبدين المعاصرين لم يقولوا العبارة نفسها حرفيًا، لكنهم عاشوا معناها حتى النخاع.

إنَّ مشكلة البشر ليست في الدين ذاته، بل في تحويله إلى بطاقة تفويض مطلقة. فالله أكبر من المذاهب، وأوسع من الأحزاب، وأرحم من أن يُختزل في جماعةٍ ترفع شعارًا معيّنًا أو تلبس زيًا مخصوصًا. ولو تأملنا النصوص الروحية العميقة في مختلف الأديان، لوجدنا أنَّها تدعو غالبًا إلى التواضع، لا إلى الغطرسة المقدسة.

لكنّ الإنسان بارعٌ في تحويل الحكمة إلى أداة سلطة. يأخذ النصَّ الذي نزل ليهذّب النفس، فيحوّله إلى سوطٍ على ظهور الآخرين. ويأخذ الفكرة الروحية التي وُلدت لتقريب البشر من بعضهم، فيجعلها خندقًا للحروب والكراهية. حتى المتصوفة ـ وهم أكثر الناس حديثًا عن المحبة ـ لم يسلم بعض أتباعهم من وهم “الخصوصية الإلهية”، حتى صار بعضهم ينظر إلى الآخرين نظرة ازدراءٍ خفي، كأنَّ الطريق إلى الله صار امتيازًا طبقيًا روحيًا. وكذلك بعض الجماعات الأيديولوجية الحديثة، سواء لبست عباءة الدين أو القومية أو الثورة أو التقدّمية؛ فإنها تقع في الشرك النفسي ذاته: شرك اليقين المطلق.

فالإنسان حين يعتقد أنَّه يمتلك الحقيقة كاملةً، يتوقّف عقله عن التفكير، ويتحوّل الحوار عنده إلى محكمةٍ لا إلى بحثٍ عن الحقيقة. ولذلك كان كبار الحكماء أكثر الناس شكًّا بأنفسهم، وأكثرهم حذرًا من الادعاء.

يُروى عن بعض العارفين أنّه قال: "كلما ازددت معرفةً بالله، ازددت يقينًا أنني لا أعرفه." يا لها من عبارةٍ تهدم أبراج الغرور الديني كلّها!

إنَّ الله ليس حزبًا، ولا طائفةً، ولا مؤسسةً إعلامية، ولا شركة استثمار أخروي. الله بحرٌ لا تملكه الأكواب. لكنَّ كلَّ كوبٍ صغير يصرخ: “البحر عندي!”

ومن هنا جاءت مآسي التاريخ. هذا يكفّر ذاك لأنَّه يختلف معه في تفسير نصٍّ غامض، وذاك يلعن هذا لأنَّه يصلّي بطريقةٍ أخرى، وثالثٌ يحتقر البشر جميعًا لأنهم لم يولدوا داخل جماعته. ولو سألتهم عن الرحمة، لحدّثوك عن العقوبات. ولو سألتهم عن المحبة، لحدّثوك عن المؤامرات. ولو سألتهم عن الله، لحدّثوك عن أنفسهم.

إنَّ أخطر الأصنام ليس الصنم الحجري، بل الصنم الفكري الذي يختبئ داخل الإنسان وهو يظن نفسه موحّدًا. ذلك الصنم الذي يقول له همسًا:"أنت وحدك على حق… وغيرك ضالٌّ مهما كان صالحًا". وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح الدين عنده مرآةً لنفسه لا نافذةً على الحقيقة.

إنَّ المتدين الحقيقي ليس من يرفع صوته كثيرًا باسم الله، بل من يصبح أكثر رحمةً وعدلًا وتواضعًا. فالوردة لا تصرخ لتثبت أنها وردة، والعطر لا يحتاج إلى خطبةٍ كي يثبت وجوده. أما الضجيج المبالغ فيه، فكثيرًا ما يكون تعويضًا عن فراغٍ داخلي.

وفي النهاية، سيبقى الله أعظم من كل دعاوى البشر. ستسقط الأحزاب، وتتلاشى الشعارات، وتصدأ المنابر، ويكتشف كثيرون ـ بعد عمرٍ من الصراع ـ أنهم كانوا يدافعون عن ذواتهم أكثر مما يدافعون عن الحقيقة.

وسيظل السؤال القديم معلقًا فوق رؤوس الجميع:

إذا كان كلُّ هؤلاء يدّعون وصلاً بالله…

فلماذا امتلأت الأرض بكل هذا الحقد؟

***

د. علي الطائي

24-5-2026

هي متلازمة قد تنتهي الى الانفجار نتيجة تضخم الشعور بالقهرية وتراكماتها.. والإنفجار القهري الذي تحدث عنه المفكر والفيلسوف الفرنسي "فرانز فانون، قد يودي إلى تضخيم الشعور بالقهرية لتعود الحلقة المفرغة عند صياغة الإشكالية على نحو يتسم بالتكرار ليعاد مناخ التضخيم من جديد.

كيف يتبلور الشعور بالقهرية، وكيف يتكثف الوعي الذاتي بها ؟ إن مرد القهرية، إما جراء الإغتصاب الخارجي أو الاغتصاب عن طريق التسلط الداخلي حيث ينشأ.

يرى " فرانس فانون " ان الأحتلال لا يسلم مفاتيحه بسهولة ويرحل، وإذا ما رحل سيترك شبكة معقدة من البنى والادارات التي تحول الشعوب الى مستهلكين.. فضلا عن أثرياء يتحكمون برأسمال البلاد بدون وطنية..!!

المقاومة العامة الصامتة، لا تنفجر تلقائيا إنما تفجرها قيادة واعية بصوت قد يكون خافتا، ولا ينتظر احدا.. والمشكل ليس في الهيكل الهرمي لها، إنما يكمن في قمة الهرم.. إذ لا تشفى عقود من النهب والسلب والاذلال (بضمادات) الاعلان عن الاستقلال الوطني، إنما تشفى من خلال زوال القهرية عن طريق تكريس الحرية.. وهل تستمر القهرية في مخاضاتها حتى تتحقق الحرية؟ نعم.. وهل تنتهي القهرية حين تتحقق الحرية؟ نعم..

وللحرية أبعاد وتشعبات ومسارات مادية خيالية (ميتافيزيقيا) في معناها الإصطلاحي، كما يراها "فرانز فانون"، فهي لا يجب ان تكون سائبة متحللة أو عشوائية إنما واقعية.. والأكثر أهمية، يكمن في "الذي يجب أن يكون لا في الذي هو كائن"، والمعنى واضح في الكينونة القادرة على خلق البديل.

فالقهرية الناجمة عن التسلط، والأخرى التي تتقبل التسلط القسري بدواعي الهرمية، هما مفتاحان للبديل المغاير الذي يفتح باب التمرد من اجل الحرية..

القسرية الفاضحة تعلن وفاتها في اللحظة التي تتسلق فيها القمة، قمة التسلط القسري. وإن فك التشابك ينحى صوب السلام الذي يقوم على القلق الوجودي (ما دام الأنسان موجود، فوجوده يتسم بالقلق الوجودي)، وهذا ما اشار اليه الفلاسفة كل من هيدجر وسيبنوزا وسورين كريغجورد وسارتر وسيمون دي بفوا وأخرون من علماء الفلسفة.

والقلق الوجودي ناجم عن الشعور بالحتمية النهائية.. ولكن هذه الحتمية لا تساور الكائن البشري دائما

إلا في حالة التركيز الذهني الحاد حيث يرى انه منفصل عن جسده يراقبه من فوق، جثة هامدة مسجية راكدة تنبض بدون حراك..

تحدث "فانون" الى نفسه:

ما الذي سيفعله وهو يراقب جثته من الأعلى، من زاوية الباب ربما من السقف، ليس مهما من أين، المهم حين يستيقظ ماذا سيفعل؟ يدخل الحمام رغما عنه وسيأكل رغما عنه ويشرب رغما عنه ويستمر في الأكل ويتغوط رغما عنه ويضاجع رغما عنه.. وماذا بعد؟ يستهلك الكائن نفسه ويستهلكه الزمان، فهو مستهلك في زمان لا بداية له ولا نهاية، وهو بينهما مشترط ومؤقت، يعكس قلقا وجوديا كلما كان تركيزه الذهني حادا يميل الى الواقعية الصارمة.. فهو جزء من دورة التكرار التي لا تنتهي إلا في حالة إسمها الصمت الأزلي..!!

***

د. جودت صالح

24/ 5 /2026

كم مرة وقفت فيها الكلمات على طرف لسانك، ثم ابتلعتها بحجة: "ليس الآن، سأقولها غداً"؟ كم من اعتذارٍ أجّلناه بانتظار اللحظة المناسبة، وكم من كلمة "أحبك" أو "أنا ممتن لوجودك" أو "أنا فخور بك" بقيت حبيسة الصدور، لأننا افترضنا—بسذاجة شديدة—أن الزمن يقف في صفنا؟

في زحمة الحياة اليومية، نقع جميعاً في فخ تأجيل التعبير عن مشاعرنا. نتعامل مع الوقت وكأنه رصيد بنكي لا ينضب، متناسين أن اللحظة الحالية هي كل ما نملكه حقاً. من منظور علم النفس الحديث، هذا التأجيل ليس مجرد كسل عاطفي، بل هو ظاهرة نفسية معقدة تستحق التفكيك، لنتمكن من تحرير أصواتنا قبل فوات الأوان.

وهم "الغد" وانحياز التفاؤل

في علم النفس المعرفي، يُعرف افتراضنا بأن المستقبل سيمنحنا فرصاً أفضل بـ "انحياز التفاؤل" (Optimism Bias). نحن مبرمجون عصبياً على الاعتقاد بأن الغد سيكون أكثر استقراراً وهدوءاً من اليوم، وأننا سنكون أكثر شجاعة واستعداداً للبوح. هذا الانحياز، رغم أنه يحمينا من القلق الوجودي ويساعدنا على الاستمرار، إلا أنه يسرق منا "الآن".

يخدعنا الدماغ بتصوير الغد كمسرح مثالي خالٍ من التوتر، فنقول: سأخبر والدتي بمدى حبي لها عندما أزورها في العطلة، أو سأشكر صديقي على وقوفه بجانبي عندما نلتقي الأسبوع القادم. ولكن، ماذا لو لم يأتِ هذا الأسبوع؟ إن العبء النفسي للكلمات غير المنطوقة، والذي يُعرف في علم النفس بـ "ألم الندم الاستباقي"، أثقل بكثير من أي حرج قد نشعر به في لحظة البوح.

الخوف من الهشاشة: لماذا نختبئ خلف الصمت؟

السبب الأعمق لتأجيل الكلام ليس الوقت، بل الخوف. تشير أبحاث علم النفس المعاصر إلى أن التعبير عن المشاعر الصادقة يتطلب حالة من "الهشاشة النفسية" (Vulnerability)؛ وهي المخاطرة العاطفية بأن نكشف عن ذواتنا الحقيقية دون ضمانات.

عندما نقول "أنا أفتقدك" أو "لقد أخطأت، سامحني"، فإننا نتخلى عن دروعنا الدفاعية، ونضع قلوبنا على طاولة الآخرين. لتجنب هذا الانكشاف، يخترع العقل حجة "اللحظة غير المناسبة". نحن لا ننتظر الوقت المناسب، بل ننتظر لحظة وهمية نكون فيها محصنين تماماً من الرفض أو الإحراج، وهي لحظة لا تأتي أبداً.

الكلمات التي لا نقولها لا تتبخر في الهواء، بل تترسب في لاوعينا، وتتحول بمرور الوقت إلى جدران عازلة بيننا وبين من نحب.

أمثلة من عيادة الحياة

دعونا نتأمل كيف يمارس هذا الصمت حضوره في حياتنا من خلال مشاهد يومية متكررة. في علاقة الأبناء بالآباء، قد نجد شاباً في الثلاثينيات يشعر بامتنان عميق لوالده الصارم الذي أفنى عمره من أجله. في كل مرة يجلسان معاً، يشعر الشاب برغبة في قول: "شكراً لك يا أبي، أنا أقدر تضحياتك". لكن هيبة الأب وجفاف العلاقة المعتاد يجعله يؤجل الأمر. يرحل الأب فجأة، وتظل تلك الجملة غصة في حلق الابن لا يمحيها الزمن.

أما في صداقات منتصف العمر، فغالباً ما تبتعد صديقتان تدريجياً بسبب مشاغل الحياة. تفكر إحداهن في إرسال رسالة تقول: "حياتي باهتة بدون ضحكاتنا المشتركة". ثم تتراجع قائلة: "قد تبدو رسالتي درامية، سأتصل بها غداً". يمر الغد وتتسع الفجوة حتى يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة بينهما.

ويمتد هذا النمط إلى الخلافات الزوجية؛ حيث ينام زوجان وهما في حالة جفاء. يود أحدهما أن يكسر الجليد ويقول: "أنا آسف، علاقتنا أهم من هذا العناد". لكن الكبرياء يهمس: "انتظر حتى الصباح ليهدأ". وفي الصباح، تبتلعهم روتينيات الحياة، ويبقى الجرح مفتوحاً يتسع بمرور الأيام.

خرافة "اللحظة المثالية"

إن انتظار اللحظة المناسبة للبوح هو كمن يقف على ضفة نهر ينتظر توقف تدفق المياه ليعبر. اللحظة المثالية لا تُكتشف، بل تُصنع. مجرد نطقك للكلمة يحول أية لحظة عادية إلى لحظة عميقة وخالدة.

الاستقرار النفسي والصحة العاطفية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بـ التطابق (Congruence)؛ أي أن يكون ما نشعر به في الداخل مطابقاً لما نعبر عنه في الخارج. عندما نتوقف عن تخزين مشاعرنا في صناديق "الغد"، نصبح أكثر خفة، وأكثر اتصالاً بحقيقتنا الإنسانية.

البوح كفعل حياة

لا تأجّل الكلام. إن شعرت بالحب، أعلنه. إن أخطأت، اعتذر بشجاعة. إن أدهشك أحدهم، امتدحه فوراً. ولا توجد وعود بأن من نحبهم سيكونون بانتظارنا لنقول لهم ما كان يجب أن يقال اليوم. الكلمة الطيبة الصادقة هي أعظم شكل من أشكال تقدير الحياة؛ إنها نبض القلب مسموعاً، فدعه يصدح الآن، وفي هذه اللحظة بالذات.

***

بقلم: ذ. يونس الديدي أستاذ باحث

عندما نتأمل في الساحة الثقافية العربية نجد أمراضا كثيرة منتشرة فيها ومن بين هذه الأمراض التي لم تسلط عليها الأضواء كثيرا هو الحسد الثقافي فعرف العلماء الحسد بأنه هو تمني زوال النعمة عن المحسود وهو مرض قلبي يؤذي صاحبه قبل أن يؤذي غيره وقد تحدث عنه كثير من الفلاسفة والمثقفين

وصف الفيلسوف آرثر شوبنهاور الحسد بأنه «متعة مؤذية في مصائب الآخرين والتي تظل أسوأ سمة في الطبيعة البشرية».

أما الكاتب الكبير عباس محمود العقاد عن فيقول عن الحاسد:

«ليس الحاسد هو الذي يطمع أن يساويك بأن يرقى إليك، بل هو الذي يريد أن تساويه بأن تنزل إليه».

يقول الكاتب السعودي علي حسين السعلي مخاطبا المثقف وناصحا له بترك الحسد والترفع عنه : " أيها المثقف الكريم.. اجعل خاطرك كالنهر لا يتدفق إلا بجمال منظر ورقة حس وصوت شلالا بالحق وبعض مجاملة تفيد لا تضر ، احمل الحسد عاليا واطرحه أرضا وقل له : إليك عني فأنا لدي مهمة تنفع نفسي وغيري ووطني السعودية المثقفة، أنا قوة ناعمة أستغلها للخير، أزل من صدرك الغِلْ والحسد، افرح لنشاط زملائك واحزن إن تعاقبت عليهم الظروف، كن معهم سندا بطلا أخا، افرحوا لنتاج بعض، باركوا لإبداعهم ودعوا الحسد يموت مع جيل مثقف واعٍ، به سواعد فتية تقف بالمرصاد لأعداء الوطن وتناصر حكامه الكرام، هذه مهمتنا جميعا، السعودية خطّ أحمر، بدلا من أن نتحاسد ونتناحر ونتشبث بآرائنا من أجل رواية مثلا.. معها أو ضدها.. والمشكلة حين تسأل المختلف هل قرأت الرواية يقول لك لا فترجع تسأله كيف حكمت ولم تقرأ سطرا وفاصلة ؟!"(1)

وقد صدق الكاتب علي حسين السعلي فقد شخص تجليات هذا الحسد الثقافي و إن كان يتحدث عن الواقع السعودي فالمرض عام يمس كل الوطن العربي ويتجلى هذا الحسد في عدم الفرح بإنجاز أ صدقائك المبدعين وعدم مباركة أعمالهم والفرح لأفراحهم والحزن لأحزانهم و مد يد العون لهم وفي ساحتنا الإبداعية الجزائرية نجد هذا المرض متغلللا في نفوس الكتاب ومؤخرا اصدر الناقد البروفيسور لونيس بن علي صرخة على صفحته الافتراضية مفادها أن بعض الأصدقاء يتعمدون حجبه حتى لا يغطي عليهم و أنا ككاتب منذ ثلاثة عقود عايشت هذا المرض ولاحظت أعراضه تمظهراته و كأمثلة على ذلك إضافة إلى ما قاله الكاتب السعودي علي حسين السعلي فتجاهل الكتاب والصحفيون المبدعين وهم اصدقاء معهم على صفحاتهم فمجرد التفكير في إجراء حوار معك أو الإشادة بكتابك الجديد على المنابر التي يشتغلون فيها هو حلم مستحيل بل هناك كتاب يحظرون أصدقاءهم لأنهم يكتبون باستمرار وينجزون ولكسلهم الإبداعي لا يريدون أن يروهم أمامهم.. فهذا الحسد هو نوع من الاغتيال الثقافي المعنوي...

ويسلط الناشر السوري مجد حيدر نجل الكاتب الروائي حيدر حيدر الأضواء على اسباب ودوافع الحسد فيقول: "لا يختلف اثنان على أن المثقف مثل غيره من الكائنات، ولا تتباين النخبة عن مجتمعها التقليدي والآدمي قبل أن يكون مثقفاً أو كاتباً تطغى عليه خصيصة البشريّة، وتعتريه نوبات الغلّ والحقد والحسد الذي هو أوّل معصية لله في تاريخ بني آدم، ولم ينج فضاء الثقافة من تحاسد مثقفين، بسبب علاقات عاطفية، أو حصد البعض جوائز، أو نيل بعضهم إعجابا من الآخرين أو إشادة. وفي ظل التنافس على مركز الضوء والتهافت على المكاسب تتأجج صراعات معلنة وخفيّة يقف وراءها مثقفون حُسّاد كثيراً ما نادوا بالإخاء والمثالية وسرعان ما انكشف الغطاء وانقلب الأحباء إلى أعداء في ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلا"(2).

أيها الحاسد الثقافي مهما كنت روائيا، قاصا، شاعرا، إعلاميا عالج نفسك وأحب الخير لغيرك فالساحة الإبداعية تسع الجميع والنجاح والشهرة والظهور متاح لكل مُجِد دون أن نلغي بعضنا بعضا...

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

........................

المرجع

1- الكاتب علي حسين السعلي، حسد المثقفين يا سدنة الأدب، جريدة الجزيرة..

2- الناشر مجد حيدر هل ينصب التنافس فخاخ العِداء بين المشتغلين بالفن الواحد؟ مثقفون أم حشاد؟ جريدة عكاظ.

من النادر أن تفوز بقارئ نابه يرى ببصيرة ساطعة، وقد إنتبه الدكتور مصطفى علي إلى تكرار قافية التاء الساكنة، وهي ترمز في فحواها إلى الموت، فالتاء آخر أحرفه (م...و...ت).

الحياة قافيتها الموت، ليس تشاؤما ويأسا، وإنما مواجهة صريحة مع حقيقة نهرب منها، ونتوهم الإنتصار عليها، وهي الحقيقة الكبرى التي تستحضرنا قبل أن نستحضرها.

نعم الموت يتسلل إلى بدن الكلمات بإنسيابية وتدفق عارم، ناجم عن وعي ومواجهات متكررة معه، سواء على جبهات القتال في الحروب أو في ميادين الحياة الحامية.

الموت يزحف إلينا بصمت ويباغتنا بشراسة!!

"دقات قلب المرء قائلة له...إن الحياة دقائق وثواني"!!

و"إعمل لآخرتك كأنك تموت غدا

وإعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا"

فوعي حقيقة الدنيا، وسِفر الحياة، يستحضر قافية التاء، ليذكرنا بأن الموت مصير كل مخلوق حي، ولا مفر منه.

ربما يتجسد جوهر الموت في التائيات الناضحة من الوعي واللاوعي، لترسم لوحة الكينونة المؤقتة فوق تراب يلتهم ما أوجد، وهو الآفة الكبرى التي تأكل كل شيئ حتى الحديد.

لكي نعرف الحياة لابد من وعي الموت.

وملاحظة زميلنا المتبصر ربما أشارت لذلك وفقا لمفاهيم الوعي واللاوعي، ولا يوجد معنى للكتابة إذا لم تلامس الحقيقة وتطعن  قلبها بالنور الساطع، وإلا سيتحول الوجود الأرضي إلى سعير.

ويا زميلي المستنير لا أريد أن أفزعك بالقول أن التاء تشترك بثلاث كلمات ترعبنا هي (الموت، التابوت والتراب)، وهذه ثلاثية الختام البشري!!

"كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلةٍ حدباء محمول"

و"كل نفسٍ ذائقة الموت..."

وبين التاء الثلاثي أو الرباعي الأبعاد تتأرجح أعمارنا!!

هيَ التاءُ التي فينا توالتْ

طوابيرٌ بخنْدَقها توارتْ

إلى مَوتٍ وتابوتٍ وتُربٍ

مَصيرُ وجودِنا كيفَ اسْتدارتْ

فلا تعْجَبْ إذا خُتمتْ بتاءٍ

كأنَّ الأرضَ من شررٍ تعافَتْ

***

د. صادق السامرائي

في عالم مليء بالمعلومات، يظل الجهل حالة بشرية معقدة، لكن أخطر أنواعه ليس الجهل ذاته، بل الجهل بالجهل. هذا ما كشفه تأثير دانينغ-كروجر، الذي أظهر أن غير الأكفاء لا يفتقرون إلى المهارات فحسب، بل يفتقرون أيضاً إلى القدرة على إدراك افتقارهم لها. إنها مفارقة مؤلمة: المهارات اللازمة لتقييم الكفاءة هي نفسها المهارات المفقودة لدى غير الأكفاء.

قصة فلورنس فوستر جنكينز، المغنية التي ملأت قاعة كارنيجي بصوتها النشاز، ليست مجرد حكاية مسلية، بل مرآة تعكس واقعاً أعمق. كانت تؤمن بموهبتها إيماناً مطلقاً، رغم سخرية الجمهور ونقد النقاد. أما ماك آرثر ويلر، اللص الذي اعتقد أن عصير الليمون يجعله غير مرئي لكاميرات المراقبة، فقد جسد بأغرب طريقة ممكنة هذه الظاهرة: شخص واثق جداً من فكرته الخاطئة لدرجة أنه لم يخطر بباله حتى أن يسأل أحداً عن رأيه.

يتساءل الفيلسوف ويليام باوندستون: هل نبالغ في القلق بشأن زيادة الجهل؟ وهل يمكن أن يكون القلق نفسه مبالغاً فيه؟ لكن قصة جنكينز وويلر ترياننا أن الجهل ليس مجرد غياب معرفة، بل هو حالة من الثقة الزائدة التي تجعل صاحبها محصناً ضد النقد والحقيقة. الجاهل لا يعرف أنه جاهل، وهذه هي الكارثة.

الأخطر أن هذا التأثير لا يقتصر على الأفراد العاديين. إنه يتسرب إلى أعلى مستويات السلطة والنفوذ. حين يفتقر "القائد" إلى البصيرة اللازمة لرؤية عيوبه، وحين تحيط به حلقة من الممكّنين والمتملقين الذين يصدّقونه أو يخافون من معارضته، فإنه يصبح نسخة طبق الأصل من فلورنس جنكينز، بل أسوأ. هي كانت تؤذي آذان الحاضرين فقط، أما القائد الجاهل فقراراته قد تدمر مجتمعات.

بعد هذه الاستعراضات لقصة فلورنس وويلر وتأثير دانينغ-كروجر، لا يسعني إلا أن أواجه نفسي وقارئي بسؤال تهكمي لكنه جوهري:

كم في مجتمعنا، وخاصة بين صفوف القادة السياسيين والطبقة الحاكمة، من تنطبق عليه صفات فلورنس جنكينز وماك ويلر؟

السؤال ليس تهكماً محضاً، بل دعوة لمراجعة جادة. ربما يكون الجواب مخيفاً: كثيرون. لكن الخطر الأكبر ليس في كثرتهم، بل في أنهم غالباً لا يدركون جهلهم، ومن حولهم إما يخافون أو يستفيدون من استمرار هذا الجهل. وإذا كان الفيلسوف باوندستون يتساءل عما إذا كنا نبالغ في القلق، فإن السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل حين يصبح الجهل الواثق من نفسه هو من يقود القرارات المصيرية لحياتنا؟.

****

د. محمد الربيعي

 

«أعتقد أنه من الأفضل أن تُختتم حياةٌ كان فيها العمل الفكري مصدر أنقى للفرح، وكانت الحرية الشخصية أثمن ما يمكن امتلاكه على هذه الأرض، في لحظة مناسبة وبكرامة قائمة». تمثل هذه العبارة جزءًا من الكلمات الأخيرة التي دوّنها الكاتب ستيفان تسفايغ (1881–1942). وبعد فترة وجيزة، أقدم هو وزوجته شارلوت إليزابيث ألتمان (1908–1942) على تناول جرعة قاتلة من الباربيتورات، ليُعثر عليهما لاحقًا متوفّيين، متعانقين، على سرير منزلهما في بيتروبوليس بالبرازيل.

ظل تسفايغ متسما طوال حياته بنزعة سلمية واضحة، غير أنّه بلغ درجة عالية من اليأس نتيجة التدهور الذي شهده المشهد الأوروبي، وهو المجال الذي كرّس له جزءًا كبيرًا من إنتاجه الأدبي ذي البعد الاجتماعي والثقافي، إضافة إلى صعود النازية المتسارع. وفي عام 1942، وبعد ما يقرب من تسع سنوات من المنفى، اتخذ مع زوجته قرار إنهاء حياتهما.

في عام 1939، وهو العام الذي تزوّج فيه من رفيقة دربه حتى نهاية حياته، نشر تسفايغ رواية «نفاد صبر القلب». وفي هذا العمل، يعمد المؤلف إلى تفكيك البُنى الذهنية والانفعالية المرتبطة بالتعاطف، كاشفًا عن نتائجه حين لا يكون نابعًا من صدق داخلي، بل مدفوعًا باعتبارات نفعية.

انطلاقًا من حبكة سردية بسيطة، يُدخل تسفايغ القارئ في تعقيدات المشاعر التي تتحكم في سلوك شخصياته. ففي الفترة السابقة للحرب العالمية الأولى، يُدعى الملازم الشاب أنطون هوفميلر إلى قصر أحد الأثرياء، حيث يعيش مع ابنته إديث المصابة بشلل مزمن. تقع إديث في حب أنطون، الذي، رغم تأثره بحالتها، يعجز عن مبادلتها المشاعر نفسها. لذلك يلجأ إلى إخفاء حقيقة موقفه، في الوقت الذي يزرع فيه لديها آمالًا بشأن تحسّن حالتها الصحية وإمكانية بناء حياة مشتركة سعيدة.

يظهر التعاطف بوصفه استجابة إنسانية عند مواجهة حالة من المعاناة، سواء كانت ذات طبيعة جسدية أو نفسية أو اجتماعية-اقتصادية، تعيق الفرد عن تحقيق نموه الكامل. وهذا ما يختبره أنطون عند تعرّفه إلى إديث، غير أنّ تسفايغ، بمهارته التحليلية، يتجاوز هذا المستوى الظاهري ليقدّم تفكيكًا دقيقًا لهذا الشعور.

ويُبرز الكاتب كيف يمكن لبعض أشكال الاستجابة لمعاناة الآخرين أن تؤدي، إلى تفاقم تلك المعاناة بدلًا من الحدّ منها.

يطرح النص سؤالًا محوريًا حول مدى نقاء التعاطف الذي يشعر به أنطون تجاه إديث. فقبل لقائهما، يكشف تسفايغ عن هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للملازم، وهو ما يفسّر دافعه الأساسي لزيارة القصر، إذ يرى في ذلك فرصة لتحسين صورته لدى زملائه في الثكنة. كما يتخيّل ما قد يفتحه هذا الحدث من آفاق للترقي الاجتماعي وربما الاقتصادي. وعند وصوله، يدعو أنطون إديث إلى الرقص، ليكتشف حينها إصابتها بالشلل، فينسحب من القصر بدافع الخجل. غير أنّ هذا الشعور يتفاقم لاحقًا عندما يدرك أنّ سلوكه قد يُفسَّر بوصفه جبنًا، مما قد يزيد من سخرية زملائه.

في محاولة لتدارك الموقف، يرسل أنطون باقة من الزهور إلى إديث، التي تبادر بدورها إلى دعوته لزيارتها مجددًا. وهنا تتبلور المأساة؛ إذ تنجذب إديث إلى شاب لا يبادلها الشعور، بل يسعى، في جوهر الأمر، إلى الحفاظ على توازنه الاقتصادي الهش ومكانته الاجتماعية المحدودة. ومن خلال هذا التوتر، يواصل تسفايغ تحليل التعاطف بوصفه شعورًا يبدو إيثاريًا في ظاهره. يتردد أنطون بين الاقتراب والابتعاد، ممزقًا بين الشفقة والنفور، لكنه، بدافع الأنا، يضاعف من زياراته وتصرفاته العاطفية تجاه إديث، التي أصبحت أسيرة حب لا رجعة فيه.

تتبلور الإشكالية الأساسية في التساؤل عن مقدار الإيثار الحقيقي الكامن في التعاطف مقابل ما ينطوي عليه من أنانية. يذهب تسفايغ إلى أنّ التعاطف يفقد أصالته عندما يتحول إلى وسيلة لحماية الذات من ألم الآخر، إذ يسعى القلب في هذه الحالة إلى التخلّص السريع من الإحساس المؤلم. في المقابل، يتجلّى التعاطف الحقيقي في القدرة على الصبر اللامحدود، وفي الاستعداد لتحمّل التضحية الذاتية، انطلاقًا من إدراك أنّ مساعدة المتألم تُعدّ أولوية أخلاقية تتقدّم على كل اعتبار آخر.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

هذه الحكاية لا تبدأ من حيث تظنون. لا تبدأ من برج عاجي يطِل على نهر السين، ولا من صالون أدبي تفوح منه رائحة العطر الفرنسي والثقة الزائدة، ولا حتى من مدرج جامعة القاهرة حيث يتثاءب الطلبة على صوت أستاذ يشرح نظرية المعرفة. الحكاية تبدأ من مشهد عابر، مشهد لو مررت به في الشارع لما التفت إليه، لكنه يختزل المأساة كلها كأنه ضربة سكين في خاصرة الحقيقة.

شاب عربي، وسيم، يلبس جاكيت جلد، يدرس الفلسفة في أوروبا. يجلس في مقهى باريسي عتيق، يقرأ هيدجر بالألمانية، ويدخن السجائر ببطء، وكأنه يقلد جان بول بلموندو في فيلم من أفلام الموجة الجديدة. يتأمل كتاب "الوجود والزمان" وفي باله أن العالم كله ينتظر أن يفك طلاسمه، بينما بلده الأم يغلي على نار هادئة، نار الفقر والقهر والجهل. وفي اللحظة التي يغلق فيها الكتاب، لا لشيء إلا لأنه سئم، يرفع عينيه في المرآة المقابلة، فيدرك فجأة، بغتة، أنه لا يفهم شيئًا على الإطلاق. لا يفهم بلده الذي تركه خلفه. لا يفهم أمه التي تتصل به آخر الشهر، لا لتسأل عن هيدجر طبعًا، بل لتسأل السؤال الإنساني الحقيقي: "حولت الفلوس ولا لسه؟". لا يفهم لماذا يشعر أن هذه الأفكار الكبيرة التي يحملها في رأسه كبدلة مستعارة من محل أزياء فكرية، يرتديها في المناسبات الأكاديمية، ويخلعها بامتنان شديد حين يعود إلى غرفته، ليبحلق في سقفها ويستمع إلى صوت صمت لا يشبه أي شيء.

هذا المشهد الذي تصورته الآن ليس استثناء يا صديقي. لا تغالط نفسك. هذا هو القاعدة. هذا هو المدخل الوحيد لمتاهة لا يملك أحد خريطتها، متاهة المثقف العربي الذي تحول، دون أن يدري، إلى ما يمكن تسميته بـ"الكائن الليلي". كائن لا يحتمل الضوء، ضوء الواقع العربي القاسي، الحاد، المباشر، الذي لا يجيد المواربة ولا يفهم لغة المجاز. إنه يعيش في منطقة الشفق الفكري، حيث الأفكار ضباب لطيف، دخان سجائر، لا شفرات حادة تقطع. وحين يضطر، بحكم الظروف، للخروج إلى شمس الواقع الحارقة، تصيبه حساسية مفرطة. يعطس، تدمع عيناه، يشعر بالدوار، ويريد العودة سريعًا إلى كهفه المظلل، إلى حضن النص، إلى حيث الكلمات لا تعض.

علمتني الحياة، وقراءة التاريخ بتركيز، أن أثق في التشخيص البارد، تشخيص الطبيب الذي لا يكذب على مريضه، ولا أثق مطلقًا في الحلول الساخنة التي يقدمها الدجالون. فالمشاكل الكبيرة، من النوع الذي نعاني منه، لا تحل بجرة قلم أو بقصيدة حماسية. المشاكل الكبيرة تدار. ولكن قبل أن ندير، علينا أن نفهم. وفهم مأساة النخبة العربية يتطلب منا أن نقوم بما يشبه التشريح الطبي، أن نفتح الجثة بهدوء، بدون تقزز، ونرى ما بداخلها. وعندما نفعل ذلك، نكتشف شيئًا صادمًا بحق؛ أن الجثة ليست ميتة تمامًا. إنها في حالة موت سريري. القلب ينبض بالنبضات الأولية للحياة البيولوجية، لكن الحياة العاقلة، الواعية، الفاعلة، قد توقفت.

وهذا، يا سادة، هو التعريف الدقيق لكلمة "الزومبي" في أدب الرعب وفي السينما. كائن يتحرك، يأكل، يمشي، يتكلم، يكتب مقالات، يقتبس من دريدا، يردد كلامًا عن التفكيك، ولكنه لا يحيا. لقد مات الجزء المتصل بالواقع فيه، ومات الجزء القادر على الفعل والتغيير، وبقي الجزء القادر على ترديد الكلام وحده، مثل اسطوانة قديمة مشروخة.

المشكلة ليست أن مثقفينا قرأوا كانط وهيجل وهوسرل. لا، فهذا شرف لولا أنهم حولوه إلى عار. المشكلة أنهم قرأوهم كما يقرأ الواحد منا كتالوج أثاث من دمياط، لا كما يقرأ إنسان يبحث عن معنى لوجوده في هذا العالم المعطوب. لقد تعاملوا مع الفلسفة كما تتعامل ربة منزل مع مجلة ديكور، تنظر إلى الصور الجميلة، وتتخيل كيف سيكون شكل بيتها لو امتلكت هذا الكنبة وتلك الأباجورة، ثم تطوي المجلة بأسى، وتعود إلى مطبخها الضيق وموقدها القديم الذي لا يعمل.

 الأفكار، في وجدان هذه النخبة، صارت صورًا للاستهلاك البصري والعقلي، لا أدوات للفعل. صارت ديكورًا عقليًا، لا أسلحة في معركة الحياة اليومية. وهذا هو الانفصال الأول والقاتل: انفصال بين الفكرة كشكل أنيق، والفكرة كمضمون ساخن قد يحرق يديك. لقد حفظوا شكل الفكرة، هيكلها، لكنهم لم يعيشوا حرارتها أبدًا، لم يختبروا ما أسماه الفيلسوف الوجودي كيركجارد بـ"القلق والرجفة". لهذا صار فكرهم بلا حرارة، مجمدًا، وفكر بلا حرارة هو جثة فكرية لا أكثر. هو معلومات مخزنة على قرص صلب، لا موقف من الحياة.

هل تذكرون تلك اللحظة في أفلام الرعب القديمة، حين يفتح البطل بغباء منقطع النظير كتابًا مسكونًا، فتنبعث منه أرواح شريرة تغير حياته إلى الأبد؟ أحيانًا أتخيل أن ما حدث للمثقف العربي هو العكس تمامًا وبكل دقة. لقد فتح كتب الفلسفة الغربية بفضول حذر، فلم تنبعث منها أرواح. بل على العكس، دخلت روحه هو في الكتاب، وبقيت هناك أسيرة. عاد الجسد إلى الوطن، إلى القاهرة، إلى الدار البيضاء، إلى دمشق، لكن الروح ظلت حبيسة في نصوص هايدجر ودريدا وفوكو، تركض بين السطور لا تعرف كيف تخرج. وهكذا، وببساطة شديدة، صار المثقف العربي جسدًا بلا روح، أو روحًا بلا جسد حسب زاوية النظر!. في الحالتين، هو كائن ممزق، نصفه هنا في المقهى الشعبي، ونصفه هناك في السيمنار الأكاديمي. وهذا، إن أردت الدقة، هو التعريف العملي للاغتراب.

ولكن، وكما تعلمنا من القصص البوليسية الجيدة، لا تثق أبدًا في التفسير الوحيد الجاهز. هناك دائمًا احتمال آخر، دافع آخر، بعيد. وهذا الاحتمال الآخر، الذي يزعجني ويقلق نومي ويدفعني للكتابة، هو أن الاغتراب ليس حادثًا عرضيًا أصاب مثقفنا المسكين، بل هو استراتيجية بقاء مقصودة. إنه خيار، ربما غير واعي، لكنه خيار. إنه ميكانيزم دفاع.

المثقف العربي، في أعمق أعماقه، يخاف. يخاف من مواجهة الواقع لأنه لو واجهه حقًا، لو نظر في عينيه مباشرة، لاضطر إلى أمرين كلاهما مر وقاتل: إما أن يفعل شيئًا خطيرًا يهدد راحته وسلامته ومكانته، وإما أن يعترف، في لحظة صدق نادرة، بعجزه الكامل. وكلا الأمرين مرعب. لذا، يختار الطريق الثالث: الانفصال اللذيذ. أن يبني عالماً موازياً من الأفكار الجميلة المصفوفة بعناية، ويقنع نفسه أن هذا العالم هو الحقيقي، وأن العالم الخارجي، عالم الغبار والصراخ ولحمة الجاموس، هو الزائف. هذا، بالضبط، ما يفعله مريض الفصام الذي يخلق واقعًا بديلاً لأنه ببساطة لا يتحمل الواقع الحقيقي. والسؤال المخيف الذي يلح علي هو: هل مثقفونا مصابون بفصام جمعي غير مشخص؟

قد يبدو كلامي هذا قاسيًا، أعرف ذلك. وأنا لا أدعي مطلقًا أنني أفضل منهم. لا يا سيدي، ربما أنا واحد منهم، أكتب مقالاً عن الاغتراب وأنا مغترب، أنظر إلى المشكلة من الخارج وأنا أغرق في داخلها. لكن ما يفرق بين مريض وآخر، كما قال الحكماء، هو أن الأول يعرف أنه مريض، والثاني لا يعرف. والوعي بالمرض هو نصف الشفاء، أو هكذا قالوا لنا لنشعر ببعض الأمل.

لكن مشكلة نخبتنا الثقافية أنهم لا يعرفون أنهم مرضى. يظنون، بثقة تثير الغيرة أحيانًا، أنهم في قمة الصحة الفكرية، وأن المجتمع هو المريض المتخلف الذي يحتاج إلى من يلقنه الدرس. وقد يكون المجتمع مريضًا فعلاً، لا أحد ينكر هذا، لكنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، يصيبهم ما يصيبه، ويصيبونه بما فيهم.

لننتقل إلى النقطة الاقتصادية، التي يخجل منها مثقفنا النبيل. هذا الخجل ذاته عرض من أعراض المرض، بل هو المرض عينه. إنه خجل الأرستقراطي الذي يعتبر الحديث عن المال قلة ذوق، مع أنه يعرف جيدًا أن المال هو عصب الحياة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها أرستقراطينا الفكري، أو يتغافل، هي أن الخبز ليس مجرد مادة. الخبز ليس كربوهيدرات ونشويات. الخبز هو كرامة. هو أمان. هو حق أصيل في الحياة. وحين يبحث الفقير عن الخبز، فهو لا يبحث عن شيء مادي حقير، إنما يبحث عن أساس وجوده الإنساني. وحين يتجاهل المثقف هذا السؤال، أو يعتبره "سؤالاً صغيرًا" لا يليق بعقله الكبير، فهو لا يخطئ فقط في التشخيص، بل يمارس عنفًا رمزيًا دنيئًا، يمارس استعلاءً طبقياً مقنعًا بلغة فلسفية لا يفهمها إلا هو ورفاقه.

هذا المثقف الذي يتحدث عن العدم عند هيدجر بنشوة، هل ذاق طعم العدم الحقيقي في حياته؟ العدم ليس فكرة في كتاب تقرأ على ضوء شمعة. العدم هو أن ينام طفل جائع بمعدة فارغة. العدم هو أن تبحث عن دواء لأمك ولا تجده. العدم هو أن تفقد كل شيء وتقف وحيدًا. هذا هو العدم المعاش، الذي لا يحتاج إلى ترجمة. وهذا هو تحديدًا ما يتهرب منه مثقفنا بكل براعة، حين يلوذ بمفاهيم مجردة تحميه من مواجهة بشاعة الواقع.

ولكن، ومن باب العدل الذي نحاول أن نتعلمه، لابد أن نعطي الفقراء حقهم كاملاً. هم ليسوا مجرد مادة خام للفلسفة، ولا هم موضوعًا للدراسة الاجتماعية الباردة. كما أنهم ليسوا حكماء صامتين كما تحب النخبة أن تصفهم في كتاباتها المليئة بالشفقة الممزوجة بالتعالي. لأن هذا الوصف نفسه، يا سادة، يحمل استعلاء مقيتًا، لأنه يحول الفقر قسرًا إلى فضيلة، وهذا تزييف قبيح للحقيقة. الفقر ليس فضيلة، الفقر لعنة، سوط من نار. والفقراء ليسوا فلاسفة صامتين، هم بشر عاديون، طيبون وأشرار، يريدون أن يعيشوا بكرامة. يريدون تعليماً لائقاً لأولادهم، وصحة لأجسادهم، وعملاً شريفاً يحفظ ماء وجوههم من ماء المذلة. هم لا يحتاجون من المثقف أن يتغنى بحكمتهم الصامتة المزعومة، بل يحتاجون إليه أن ينقلب على نظام ينتج الفقر ويعيد إنتاجه بكل عنفوان. ولكن المثقف، الذي يخاف من الضوء ويحب منطقته الرمادية، لا يستطيع أن يفعل هذا. لأنه لو فعله، لدخل في صراع حقيقي مع السلطة التي تمنحه المكانة، ومع السوق التي تمنحه المال، ومع "الأنا العليا" التي تمنحه الاحترام. لذا، يختار الحل الأسهل والأكثر خسة في أحيان كثيرة: أن يكتب قصيدة عن "جمال البؤس"، بدلاً من أن يحارب البؤس.

في النهاية، ماذا نفعل؟ سؤال قديم، متعب، ومحبط أحيانًا لدرجة البكاء. ليس لدي وصفة سحرية، ولا أؤمن بالوصفات الجاهزة أصلاً. ولكن ما أعرفه، من تجربة الحياة ومن تجربة القراءة، أن الإنقاذ يبدأ من لحظة الصدق. لحظة يقول فيها المثقف لنفسه، بصوت مسموع، أمام المرآة: "أنا خائف. أنا مغترب. أنا لا أفهم شعبي كما ينبغي. أفكاري مستعارة، وغضبي مستعار، وحتى يأسي مستعار. أريد أن أبدأ من جديد. من الصفر. من السؤال الأول: لماذا أنا هنا؟ وما مهمتي الحقيقية؟".

هذه اللحظة مرعبة. إنها تشبه لحظة استيقاظ بطل رواية رعب، حين يكتشف أن الوحش الذي كان يطارده طوال القصة ليس كائنًا فضائيًا، بل هو في الحقيقة بداخله، جزء منه، يسكن في أعماقه ويتحكم في مصيره.

المثقف العربي يحتاج أن يكتشف أن الوحش ليس في الخارج، ليس في الواقع، المجتمع، الدولة، التخلف، بل في الداخل. في طريقة تفكيره هو. في علاقته المريبة بالمعرفة. في خوفه المقيم من المواجهة. وعند هذا الاكتشاف المرعب، قد يحدث شيئان لا ثالث لهما: إما أن ينهار ويدخل في اكتئاب مزمن لا يخرج منه، وإما أن ينهض. ببطء. بتردد. مرتجفًا. ويبدأ أول خطوة في طريق طويل. طريق لا يعرف نهايته، لكنه على الأقل طريق خاص به، حقيقي، لا طريقًا مستعارًا من أحد.

في روايات الرعب، هناك دائمًا تعويذة تطرد الشياطين. في عالم الواقع، لا توجد تعويذات. توجد محاولات. توجد حيوات نحياها بالتجربة والخطأ، بالوجع والفرح النادر. وتوجد لحظات نادرة جدًا، من الصدق التام، قد تغير كل شيء. ربما، فقط ربما، إذا تجرأ مثقفونا على تلك اللحظة، سنرى فجرًا مختلفًا. فجرًا لا يخاف من ضوئه أحد، ولا يهرب منه أحد إلى كهفه.

***

د. عبد السلام فاروق

الطب والأدب (3)

وفي الجزائر برز كثير من الأطباء الشباب في مجال الشعر والقصة منهم الشاعر الطبيب المختص في أمراض القلب حسان عبابسة من ولاية سطيف وسبق أن احتفينا به في ولاية البويرة و اهدى لي دواوينه الشعرية وهي : "مبحر في ذكرياتي"، "صرخة في وجه الموت"، و"مواسم الغاردوشكا والصبّار".

والطبيب الشاب إلياس العرافة المختص في أمراض السرطان والعلاج بالأشعة الذي أبدع في مجال القصة القصيرة ومجموعته القصصية " اثنتا عشر قبامة لعازر "نالت احتفاء كبيرا من طرف النقاد وفاز أيضا بجائزة " دنيا بوحلاسة "الوطنية للنصوص الإنسانية عن نصه " الجمال الخفي للموت " .

ومن الجنوب بولاية ورقلة برز الطبيب والروائي سليم عبادو واشتهر بروايات لرموز ثورية ضحت من أجل الجزائر كرواية " بعيد عن الأعين " التي هي رسالة إنسانية في حق البطل المناوئ للاستعمار الفرنسي الذي فضل ان يضحي بحياته من اجل استقلال الجزائر المدعو "موريس أودان ".

وله أيضا رواية “قلب في أقصى اليسار” الصادرة (2024) عن دار الأمير في الجزائر وتتحدث عن مسيرة الشهيد والمناضل محمد بودية ...بالإضافة إلى رواية الكناس التي تسلط الضوء عن مكابدة تاجر بين واد سوف والعاصمة ..

وفي مجال الشعر برزت الطبيبة والشاعرة والقاصة أمينة حزمون المختصة في المخ والأعصاب ..

ولها حضور أدبي متنوع، إذ أصدرت مجموعة شعرية بعنوان «تفاصيل سمراء» عن دار موزاييك، وكتبت نصًا مسرحيًا بعنوان «ظلال لفصل واحد»، ورواية «المجانين لا يموتون»، إلى جانب مسرحية شعرية بعنوان "مأساة شاعر" ونالت كثيرا من الجوائز

أدبية، من أبرزها جائزة البردة العالمية للشعر الفصيح في الإمارات عام 2018، وجائزة سعاد الصباح للرواية في الكويت عن رواية «المجانين لا يموتون» عام 2017.

وشاركت في مسابقة أمير الشعراء ولها حضور بارز في الملتقيات الشعرية التي تقام عربيا ..

وهناك أسماء كثيرة تحتاج إلى دراسة معمقة ربما نعود إليها لاحقا، هذه الأسماء الجزائرية التي تناولتها هم اصدقاء على هذا الفضاء الافتراضي ..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

أنيس زكي حسن: مترجم وروائي عراقي (1937 - 2017)، تخرج من دار المعلمين العالية في بغداد (1959)، وأمضى حياته في مدينة الكوفة العريقة، وهو قاص من جيل الخمسينيات، وتسنم عدة وظائف منها مديرا لدائرة الصحف الأجنبية في وزارة الخارجية، وعمل في الأمم المتحدة.

مؤلفاته:

 رسائل من تحت الأرض، السقطة، أسطورة سيزيف، اللامنتمي، سقوط الحضارة، المعقول واللامعقول في الأدب الحديث، لوحات تاسيلي، مرتفعات الآهات الجمال، السجين، الأخطبوط.

 قرأت له بعض كتبه في مرحلة الإعدادية، وذكّرني به صديق عندما راح يسألني عن كتاب الأخطبوط الذي طلبه منه أحد الشخصيات البارزة في الحياة السياسية في دول الخليج.

 لا أذكر أني قرأت هذا الكتاب، لكن كتاب اللامنتمي لكولن ولسن قرأته أكثر من مرة.

يبدو أنه كاتب مرموق وكان أنيس منصور الكاتب المصري معجبا به، لكننا نحن العراقيون نبخس بضاعتنا، ونطمر بعضنا، وما أذكر إن كان له حضور في ثقافتنا . كغيره من الكتاب العراقيين الذين أبدعوا وتطامن إبداعهم في غياهب الإهمال والتبخيس.

لم يكن لإسمه حضورا واضحا في مسيرتنا الثقافية، لما يستشري فينا من عاهات تنافرية، وكأننا أقطاب مغناطيس متشابهة. حتى كتبه التي ترجمها بمهارة إبداعية فائقة، كنا نعرف إسم مؤلفيها ولا نعرف إسمه!!. وربما بعضكم سيسمع هذا الإسم لأول مرة.

وكثيرا ما يتم الإستيلاء على إبداعات الأفذاذ المنسيين من أبناء بلادي المهضومين، ويتقمصها المتطفلون على إبداع الآخرين، لعاهة عصية تدبّر شؤون سلوكهم السقيم. فهل لدى أحدكم نسخة من كتاب السجين أو الأخطبوط؟!!

بديعُ عقولِنا منْ دونِ ذكرِ

نواجهُ بعْضنا دوماً بنُكرِ

بإبْداعٍ أصيلٍ لا يُضاهى

أنيسٌ لا يؤانِسُنا بفكرِ

"وما اجْتمعتْ باذوادٍ فُحولٌ"

نوازعُنا بنا فعلتْ وتَبري!!

***

د. صادق السامرائي

اليمن بين اللقطة والمأساة الكبرى

يتضح من ردود فعل المؤثرين على تيك توك ومنصات التواصل الاجتماعي أن لقطة ضرب الطفل، المرتبطة بواقعة الفنانة اليمنية ماريا القحطاني وأخيها وحارسها، والتي حدثت خلال فعاليات افتتاح مجمع سياحي في عدن، كانت ببساطة حادثة اقتراب طفل من الفنانة المشهورة، فكان رد فعل الأخ المرافق دفعة عنيفة وقوية، ثم قام الحارس برأسه الضخم بردع الطفل بوحشية.

لكن هذه الحادثة لم تُقرأ كحادثة إنسانية فقط، بل تحولت سريعًا إلى مادة للترند. خلال ساعات قليلة، امتلأت الصفحات بمئات الفيديوهات، والتعليقات، والتحليلات العاطفية، والمزايدات الأخلاقية، حتى صار المشهد أقرب إلى سوق مفتوح للمشاهدات منه إلى وقفة حقيقية أمام كرامة طفل يمني أُهين أمام الناس.

صحيح أن الغضب كان مفهومًا، وصحيح أن الاعتذار العلني الذي قدمته ماريا في اليوم الثاني جاء تحت ضغط تسونامي هذا الغضب، لكن السؤال الأهم ليس: من اعتذر؟ ولكن: لماذا لا نستيقظ إلا عندما تتحول المأساة إلى فيديو قصير؟

المشكلة ليست في الدفاع عن الطفل. الدفاع عنه واجب أخلاقي وإنساني. المشكلة أن هذا الدفاع نفسه جرى استثماره بطريقة تكشف عطبًا أعمق في وعينا العام. كثير من مشاهير السوشيال ميديا لم يتعاملوا مع المشهد كجرح صغير داخل جرح يمني هائل، بل كفرصة لصناعة محتوى.

كل واحد أراد أن يكون أكثر غضبًا من الآخر، أكثر بكاءً، أكثر بطولة، وأكثر قربًا من “الناس”. لكن هذا القرب المعلن من الناس يصطدم بحقيقة موجعة، ألا وهي: أين هذا الغضب والأطفال ما يزالون يموتون من الجوع؟ أين كانت هذه الأصوات العالية أمام المجاعة اليمنية المستمرة، وانهيار الرواتب، ومرضى المستشفيات، والنازحين، والبيوت التي بلا خبز ولا دواء؟

تقول اليونيسف إن أكثر من ألف طفل يمني دون الخامسة يموتون يوميًا لأسباب مرتبطة بالفقر والمرض ونقص الرعاية. كما تشير تقارير أممية إلى أن نصف أطفال اليمن دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد. هذه الأرقام ليست لقطة عابرة، وليست فيديو مؤلمًا مدته عشر ثوانٍ، بل مأساة مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات. ومع ذلك لا تتحول إلى ترند يومي. لم نرَ مئات الفيديوهات عنها كل صباح. لم يتسابق المؤثرون إلى فتح بثوث مباشرة عن طفل مات لأنه لم يجد الحليب، أو عن أم باعت آخر ما تملك لتشتري علاجًا، أو عن أب فقد كرامته أمام طابور المساعدات.

هنا تتجلى المفارقة القاسية: طفل يُضرب في مكان عام، فيشتعل الفضاء الرقمي. لكن مئات الأطفال يُسحقون يوميًا بالجوع، والمرض، والحرب، واللامبالاة، فلا يحدث الاشتعال نفسه. ليس لأن الطفل المضروب لا يستحق التضامن، بل لأنه يكشف كيف صرنا نرى الألم حين يكون صالحًا للمشاهدة فقط.

الألم الذي يأتي في صورة واضحة، مع وجه مشهور، ولقطة مثيرة، وسردية سهلة: ضحية وجلاد وجمهور. أما الألم البطيء، ألم الجوع، وألم الأمهات، وألم الأجساد الهزيلة، فلا يجلب التفاعل ذاته لأنه لا يمنح المؤثر فرصة بطولة سريعة.

لقد تحولت السوشيال ميديا اليمنية، في جزء كبير منها، إلى ماكينة انتقال من ترند إلى ترند. اليوم طفل مضروب، غدًا خلاف فنانين، بعد غد فضيحة شخصية، ثم قضية عائلية، ثم بكاء مباشر، ثم اعتذار، ثم مصالحة، ثم نسيان كامل. وفي كل مرة تُقدَّم هذه الحركة بوصفها انتصارًا للناس أو دفاعًا عن الوطن. لكن عن أي وطن هذا الذي تُختزل كرامته في موجة تعليقات؟ أي وطن هذا الذي لا يجد مكانًا في خطاب مشاهيره إلا عندما يكون قابلًا للتسويق؟ وأي كرامة تبقى إذا كان الطفل يُدفع بالحارس، ثم يُدفع مرة أخرى إلى شاشة المحتوى، ثم نطلب منه أن يكون سببًا لزيادة المتابعين؟

ما حدث مع هذا الطفل يجب أن يُدان بوضوح. لا يحق لأي حارس، أو مرافق، أو قريب من فنان أو فنانة، أن يتعامل مع طفل فقير أو معجب أو فضولي كأنه شيء زائد في الطريق. الطفل لم يكن عائقًا أمنيًا، وليس جسدًا صغيرًا يمكن دفعه لأن نجمة تمر. لكن الإدانة الحقيقية لا يمكن أن تكتمل إلا عندما نضع الواقعة في سياقها اليمني الأوسع.

هذا الطفل ليس فردًا معزولًا. هو صورة مكثفة لطفولة يمنية كاملة تُردع كل يوم: تُردع بالجوع، وتُردع بالحرب، وتُردع بالفقر، وتُردع بانهيار التعليم، وتُردع حين يصبح مستقبلها مادة للخطابات والمزايدات.

الغريب أن النقاشات لا تذهب غالبًا إلى هذه الجذور. لا تسأل: لماذا يوجد طفل في هذا الوضع؟ لماذا تتحول الطفولة اليمنية إلى هامش؟ لماذا صار الفقر مشهدًا عاديًا؟ لماذا يتصرف بعض المشاهير وكأن الناس مجرد جمهور، لا بشر لهم كرامة؟ بدلًا من ذلك، ينحرف النقاش إلى سباب، وتشهير، ومقاطع رد، ومقاطع رد على الرد، حتى تضيع القضية الأصلية.

يصبح الطفل مجرد ذريعة. يصبح الاعتذار مادة جديدة. ويصبح الغضب نفسه سلعة.

نحن أمام حالة مرضية في علاقة الشهرة بالواقع. بعض مشاهير تيك توك يعيشون في بلد موجوع، أو ينتمون إلى بلد موجوع من الخارج، لكنهم يتعاملون مع هذا الوجع كخلفية بعيدة. يتحدثون باسم اليمن، يرفعون شعارات اليمن، يقولون إنهم يفرحون الناس، أو يمثلون الوطن، أو يفتحون له نافذة على العالم. لكن الوطن ليس رقصة، ولا بثًا مباشرًا، ولا هدية افتراضية، ولا عدد مشاهدات. الوطن طفل جائع، أم مفجوعة، مدرسة مهدمة، طبيب بلا راتب، ومواطن يجر كرامته في الشوارع بحثًا عن دواء أو رغيف.

إن هذه اللحظة هي زمن يسقط فيه الجميع: يسقط الحارس الذي ردع الطفل، ويسقط المشهور الذي لم يفهم معنى الناس، ويسقط المؤثر الذي استغل الوجع، ويسقط الجمهور عندما يستمر في التصفيق لأيام ثم ينسى، ونسقط نحن حين نسمح للترند أن يكون بديلًا عن الضمير.

فالطفل إذن لا يحتاج إلى موجة غضب ليومين فقط، بل إلى مجتمع يحميه. واليمن لا يحتاج إلى نجوم يعتذرون تحت الضغط، بل إلى وعي يعيد للإنسان قيمته قبل الصورة، وللطفولة كرامتها قبل المشاهدة.

إن اليمن الحزين لا تنقصه اللقطات المؤلمة. ما أكثرها. لكنه يحتاج إلى من يرى ما وراء اللقطة. يحتاج إلى من يقول إن ضرب طفل فضيحة، لكن موت الأطفال جوعًا فضيحة أكبر. يحتاج إلى من يرفض أن تتحول المأساة إلى مادة للربح الرمزي والمالي. سنجوع، ونُردع، ونُهان، ثم نصفق لمن يقولون إنهم يتكلمون باسمنا.

هذه هي التراجيديا الطويلة: أن يتحول الضحايا إلى جمهور، وأن يتحول المتفرجون إلى قضاة، وأن يظل الطفل اليمني في النهاية وحيدًا، بين حارس غليظ، ومؤثر جائع للمشاهدات، ووطن لم يعد يعرف كيف يحمي صغاره.

***

حميد عقبي

 

الطفولة أجمل مرحلة يعيشها الإنسان خاصة إذا كانت في بيئة آمنة مستقرة، يجد هذا الطفل من يحتويه ويحتضنه ولكن هيهات هيهات ثمة طفولة بائسة تعيش الحرمان والمعاناة وكتاب عالميون مبدعون عاشوا طفولة محرومة دفعتهم ظروف الحياة الصعبة إلى الشارع فمارسوا أعمالا شاقة ومن هؤلاء المبدعين الكبار تشارلز ديكنز أديب بريطانيا بل أبرز كتابها التاريخيين..

لندع الكاتب المصري "أحمد منصور " يوضح لنا هذا "كانت مدينة بورتسموث الساحلية في جنوب إنجلترا يوم 7 فبراير/شباط عام 1812 على موعد مع ميلاد تشارلز ديكنز، أبرز أدبائها التاريخيين، وكان الثاني من بين 8 إخوة لوالدين ينتميان إلى الطبقة الكادحة.

وكان الوضع المادي مصدر قلق دائم للعائلة، لأن راتب والده لم يكن كافيا لتغطية نفقات أسرته الكبيرة، نظرا لكونه موظفا بسيطا في مكتب دفع بحري.

انعكست الطفولة البائسة التي عاشها ديكنز على أعماله لاحقا، فكتب عن التجارب المريرة التي مرَّ بها في صغره، وضمت رواياته العديدة قصص أبطال عانوا كثيرا في صغرهم، وذاقوا العذاب وعاشوا في ضياع تام بسبب الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت سائدة في إنجلترا في عصره."(1)

بعد دخول والده السجن بسبب عدم سداد دين كان عليه اصطرته هذه الظروف إلى ترك المدرسة واندمج في أعمال شاقة من إجل إعالة الأسرة

أما أديب وفيلسوف  فرنسا الكبير " ألبير كامو" الذي ولد بقرية الذرعان بمدينة الطارف في أقصى شرق الجزائر في بيئة صعبة قاسية شديدة الفقر فقد قتل والده لوسيان كامو بعد مولده بعام في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى فحرم من حنان الأب وكانت أمه الإسبانية مصابة بالصمم...

وتجلت هذه الطفولة والحياة البائسة في أعماله الإبداعية بل حتى في فلسفته العبثية ونظرته إلى الوجود

أما الأديب الأمريكي إرسكين كالدويل عاش أيصا طفولة معذبة فالمتأمل في سيرة حياته يكتشف هذا الضياع والتيه ..

"كان أبوه قسيساً لم يقدم لابنه شيئا يذكر. عاش كالدويل طفولة معذبة. قضى طفولته متنقلا بين عدة أعمال متواضعة حتى بلغ الخامسة عشرة من عمره ليبدأ الدراسة في المدرسة العليا في جيفرسون في ولاية جورجيا. ومع ذلك، لم يتوقف عن العمل، فتنقل بين أعمال عدة منها جامع قطن ونادلا وسائقا وحارسا ليليا في حانة وطباخا وغير ذلك." (2)

هذا البؤس الذي عاشه في طفولته تجلى في أعماله الروائية والقصصية التي تتحدث عن الواقعية الاجتماعية وما يعيشه الإنسان من تقلبات حياتية فيجد نفسه يصارع الظروف وحده..

فهذه البدايات الصعبة والطفولة البائسة استثمرها الكتاب في فهم الواقع الإنساني و الإحساس بالفقراء والمعدومين والكادحين فتجلى كل ذلك في أعمال سردية خالدة مازلنا نستمتع بقراءتها...

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

.................

1- أحمد منصور، فقر والده وطفولته البائسة سبب عالمية الروائي تشارلز ديكنز، اليوم السابع .

2- وكبيديا.

 

كانت كل امة تجعل من بلادها مركز العالم، فالبابليون اعتبروا بابل مركز العالم ففي اقدم الخرائط التي اكتشفت في العراق رسم البابليون بابل بشكل مستطيل ومن حولها المدن الاخرى على شكل دوائر صغيرة، كما بنى البابليون برج بابل الذي يتكون من سبعة طوابق كي يكون قريبا من السماء مركز الالهة باعتبار بابل مركز الارض وان احد اسباب بناءه تمكن البابليين من التسلق الى السماء والوقوف بوجه الاله اذا اراد ان يفني الجنس البشري مرة اخرى بطوفان جديد وارادوا ان يكون البرج من العلو بحيث تعجز المياه عن اغراقه كما يتسنى للذين يلجأون اليه ان يتجنبوا غضب الاله وعقابه.

وقد جعل اليونانيون من جبال الاولمب مركز الارض واقاموا الالعاب الرياضية فيها كل اربع سنوات كما انهم اعتبروا موقع معبد (دلفي) وهو اقدم معبد ديني يرجع تاريخه الى الالف الثاني قبل الميلاد انه مركز قرص الارض حيث يحجون اليه كل عام لزيارة الكاهنة العذراء التي تجلس على كرسي ذي ثلاث قوائم فوق فوهة جبل ينبعث منه بخار بركاني ويوجه الناس اليها الاسئلة التي تخص مستقبلهم فتجيب عليها عن طريق الاشارة التي يترجمها الكهنة شعرا، وهذا ما يسمى بـ(وحي دلفي).

واعتقد فراعنة مصر ان منطقة الهرم الاكبر (خوفو) تقع في منطقة الوسط بين قارات العالم، كذلك الوسط تماما ليابس كوكب الارض مقسما اياه الى اربعة مربعات صغيرة متساوية في المساحة وهذا ما اثبتته صور الاقمار الصناعية حديثا والتي اظهرت ان خط طول (31) شرق كرنتش هو اطول يابس، اما خط طول (30) شمال خط الاستواء فكان اطول يابس بعرض سطح الكرة الارضية وان الخطين متقاطعان عند الهرم الاكبر. وقد اعطى المصريون ابعاد الهرم اكبر اهمية خاصة وقالوا ان طول كل جانب من قاعدة الهرم يساوي (756 قدم) وان ارتفاع الهرم (481 قدم) وبالتالي تكون نسبة القاعدة الى الارتفاع حوالي (157.7) وهو ما يقارب ما يسمى النسبة الذهبية.

اما الهنود فقد ادلوا بدبوهم بهذا الشان وقالوا ان مدينة (امريستار) في الهند هي مركز العالم لذا فانهم يعتبرونها مدينة مقدسة يزورها كل اسبوع اكثر من (100000) زائر وهي من المدن الشعبية في الهند وقد اتخذها (السيخ) مقرا لهم وبنوا فيها المعابد الكبيرة المزينة بالذهب.

ولاعتبارات عديدة يرى اهل القدس ان مدينتهم هي مركز الكرة الارضية منها: موقعها بين قارات العالم القديم، وانها ارض الدينات السماوية ومولد السيد المسيح في احدى ضواحيها (بيت لحم) بالاضافة الى موقعها الفلكي فهي تقع على خط طول 35.13 شرقا ودائرة عرض 31.52 شمالا.

ويرى المسلمون ان الكعبة هي مركز الارض وان موقعها عبارة عن معجزة الاهية لتوافقه مع ما يطلق عليه اسم (النسبة الذهبية) وقالوا ان زواياها الاربع تشير بالضبط نحو الاتجاهات الاربعة الرئيسية للبوصلة وعليه تسمى كل زاوية طبقا للاتجاه الذي تشير اليه، تتمثل الزاويتان الاساسيتان للكعبة في الحجر الاسود والركن اليماني لانهما وفقا للعقيدة الاسلامية بنيا وفق الاسس الابراهيمية الذي رفع قواعد الكعبة ثم اضافت قريش الزاويتان العراقية والشامية.

ويرى بعض الفلكيين ان المسافة بين الكعبة والقطب الجنوب تساوي 1.236.117كم بينما المسافة بين الكعبة والقطب الشمالي تساوي 763.950كم وعند تقسيم الرقم الاول على الثاني تكون النتيجة 1.671 كم وهي تماما النسبة الذهبية وبذلك يكون موقع الكعبة الوحيد على الارض الذي يحقق النسبة الذهبية طولا وعرضا.

لقد اثبتت الدراسات الجغرافية الحديثة ان كل ما قيل عن هذه المدن التي ذكرت لا تستند الى معطيات علمية حديثة بل هي تستمد اصولها  من اساطير قديمة تقوم على ما يسمى بالمكان القدسي او الكون المقدس والزمان القدسي وهي ما يطلق عليه ايضا اسم المقدسات الازلية كمدينة القدس مثلا (بيت المقدس) فالكعبة اذا ليست في مركز الارض أو في موقع متوسط لليابسة، وقد اثبت العلم الحديث وفقا للقياسات الجغرافية العلمية هو ان مدينة (تشوروم) التركية التي تقع في منتصف هضبة الاناضول هي المركز الجغرافي للارض طبقا لخطوط الطول ودوائر العرض التي تقع عليها هذه المدينة وان ما يسمى بالمكان القدسي أو الزمان القدسي ما هو الا خرافة لا يؤيدها العالم الحديث.

***

غريب دوحي

الدستور: مجموعة القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة ومصادر الأنظمة فيها، ومدى سلطتها إزاء الأفراد.

عندما أكون بين أناس من مجتمعات أخرى ويتحدثون في مواضيع سياسية، أكتشف أن آليات تحاورهم تختلف عما يحصل بيننا عندما نتكلم في السياسة، فما يتحدثون به محكوم بضوابط ومواد دستورية يعرفونها، ويشتركون في فهمها وربما لا يتفقون في تأويل بعضها، أي أن هناك مشترك عام وآلية جامعة على ضوئها يتفاعلون سياسيا.

وهذه الحالة تجدها في مجتمعات الدول المتقدمة، إذ يعرف المواطن الدستور، وما هي حقوقه وواجباته المقررة فيه، فالدستور هو المعيار.

والدساتير تدرَّس في المدارس ليتربى المواطن عليها، وفي مدارسنا أثناء الحكم الملكي كانت الثقافة الدستورية شائعة، وعثرت على دفتر (حياتية أو إجتماعية) لطلبة الصف الرابع إبتدائي لتلك الفترة، وفيه ما يشير إلى تدريس الدستور في المدارس.

ومنذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، تحقق إلغاء الثقافة الدستورية ونشر التربية الكرسوية والحزبية والفئوية والطائفية والفردية وغيرها، وبموجبها تمزقت مجتمعاتنا بدرجات متفاوتة في دولنا، وفقا لنوعية التربية السائدة فيها.

فالتربية الدستورية تعتمد على دستور وطني خالي من الجراثيم المضرة بالوحدة الوطنية والسيادة وقيمة الإنسان وحقوقه، ومواده جامعة محققة لطموحات الأجيال.

وليس عسيرا صياغة دستور قويم، فدساتير الدول المعاصرة متقاربة في موادها، ويمكن إعتمادها مع بعض التعديلات المتوافقة مع خصائص المجتمع.

ومجتمعاتنا قادرة أن تستعيد قيمتها الإنسانية ودورها الحضاري، إذا إعتمدت التربية الدستورية، وهذبت سلوكها وفقا لمعطيات الدستور الوطني، الذي يصون بلادها ويحفظ حقوقها؟

فهل سنتعلم كيف نتربى دستوريا؟!!

وهل لدينا القدرة على التفاعل بدستورية خالصة؟

بدستورٍ قويمٍ إسْتعانَتْ

شعوبٌ لا نُضاهيها تنامتْ

ودستورٌ بمجتمعٍ كحبرٍ

على ورقٍ بأدْراجٍ توارتْ

فصارَ لفرْدِها قولٌ مُطاعٌ

وطغيانٌ يُخمّدُها فنامَتْ

***

د. صادق السامرائي

من يوقف فوضى المحتوى الهابط في العراق...؟

في زمنٍ تحوّلت فيه منصّات التواصل الاجتماعي إلى ساحاتٍ مفتوحة كان من المفترض أن تكون هذه المساحات منابر للوعي وجسورًا للمعرفة ومرايا تعكس تطوّر المجتمعات وثقافتها. غير أنّ ما نشهده اليوم في العراق وعلى وجه الخصوص عبر ما يُعرف بالـ"بلوكرات" و"الفانشستات" يدعو إلى القلق العميق والتوقّف الجاد أمام ظاهرة باتت تُهدّد الذوق العام وتُسيء إلى صورة المجتمع وتُفرغ هذه المنصّات من أي محتوى هادف أو قيمة حقيقية.

لقد تحوّلت هذه الحسابات في كثير من الأحيان، إلى منصّات للصخب والابتذال تُبنى شهرتها على الألفاظ البذيئة والإثارة الرخيصة وإشعال الخلافات والتجريح الشخصي دون أي رسالة تُذكر أو مضمون يُحترم. وكأنّ معيار النجاح أصبح عدد المشاهدات، لا قيمة المحتوى وكأنّ الانحدار الأخلاقي بات وسيلةً مختصرة للوصول إلى الأضواء.

إنّ هذه الظاهرة لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد "حرية تعبير" لأن الحرية لا تعني الفوضى، ولا تُبرّر الإساءة ولا تشرعن الانحدار. الحرية الحقيقية ترتبط بالمسؤولية وتُبنى على احترام الذات والآخرين وعلى تقديم ما يُضيف لا ما يُفسد. وما يحدث اليوم يتجاوز حدود التعبير إلى حالة من التسيّب الرقمي الذي ينعكس سلبًا على فئة الشباب خصوصًا أولئك الذين يتأثرون بسهولة بما يُعرض أمامهم بشكل يومي.

الأخطر من ذلك أنّ هذه المحتويات تُسهم في خلق بيئة مشوّهة للقيم حيث يصبح السبّ والشتم مادة ترفيه، ويُنظر إلى الانحطاط كنوع من الجرأة أو "الواقعية". وهنا تكمن الكارثة حين يُعاد تشكيل الوعي الجمعي على أسسٍ هشة، بعيدة عن الأخلاق ومنفصلة عن تاريخ العراق العريق الذي كان دائمًا منارةً للعلم والأدب والفكر.

العراق هذا البلد الذي أنجب العلماء والشعراء والمفكرين لا يليق به أن تُختزل صورته في مقاطع سطحية أو مشاحنات فارغة أو محتوى هابط يفتقر إلى أبسط مقومات الاحترام. إنّ الحفاظ على الهوية الثقافية والمجتمعية مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند المؤسسات.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى دور فاعل للوزارات والمؤسسات المعنية كوزارة الثقافة ووزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات وغيرها من الجهات ذات العلاقة. لا بد من وضع ضوابط واضحة تُنظّم المحتوى الرقمي وتحدّ من الانفلات الأخلاقي دون المساس بحرية التعبير المسؤولة. كما ينبغي دعم وتشجيع صُنّاع المحتوى الهادف الذين يقدّمون العلم والثقافة والفن الراقي ليكونوا هم الواجهة الحقيقية للمجتمع.

إلى جانب ذلك لا يمكن إغفال دور الأسرة والمدرسة في توعية الأجيال الجديدة وتعزيز الحسّ النقدي لديهم ليميزوا بين الغثّ والسمين وبين ما يُبنى عليه وما يجب تجنّبه. فالمعركة اليوم ليست فقط مع المحتوى بل مع الوعي ذاته.

إنّ ما نحتاجه ليس قمعًا أعمى بل تنظيمًا واعيًا ورؤية واضحة تُعيد التوازن إلى الفضاء الرقمي وتُعيد الاعتبار للكلمة الراقية والفكرة النبيلة. والمحتوى الذي يُحترم.

وفي الختام، يبقى السؤال معلقًا: هل نرضى أن تكون منصّاتنا مرآةً للفوضى والانحدار أم نرتقي بها لتكون منابر تليق بتاريخ العراق ومستقبله...؟

الجواب ليس بيد جهة واحدة بل هو مسؤولية الجميع… لأن الكلمة في نهاية المطاف إمّا أن تبني وطنًا أو تُسهم في هدمه...

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

أما على المستوى العربي برز مصطفى محمود صاحب المؤلفات الكثيرة التي تجاوزت الثمانين كتابا بين فكر ومسرح ورواية منها " رحلتي من الشك إلى الإيمان، حوار مع صديقي الملحد، لغز الحياة ولغز الموت، القرآن محاولة فهم عصري، العنكبوت، المستحيل، رجل تحت الصفر وغيرها من الأعمال الفكرية والروائية الشهيرة والشاعر إبراهيم ناجي صاحب قصيدة الأطلال والقاص يوسف إدريس الذي أبدع في فن كتابة القصة القصيرة وترك بصمته ومن اعماله المشهورة: " ..

والكاتب والطبيب المصري "أحمد خالد توفيق" الذي وصف الطب بأنه "زوجته الشرعية" بينما الأدب "عشيقتُه"، والطبيب والروائي "محمد كامل حسين" والسوري عبد السلام العجيلي

وطبيب الأسنان علاء الأسواني الذي حقق شهرة عالمية واسعة بعد نشر روايته الأشهر "عمارة يعقوبيان" (2002)، والتي تُرجمت لأكثر من 37 لغة وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني ناجح.

وله عدة روايات بارزة تحظى باهتمام نقدي وجماهيري كبير، من أهمها:

رواية "شيكاغو"، "رواية نادي السيارات"

ورواية "جمهورية كأن"..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

تأمل في عقل يبتكر ولا يبني

من التحوير إلى الابتكار: حين يتحرّر العقل العراقي من عبودية الضرورة ثمة مشهد يتكرر كل صباح في أزقة بغداد الصناعية، لا يلفت انتباه المارّ العجول، لكنه يستوقف المتأمل طويلاً ويُقلقه بصمت: فنّي يجلس القرفصاء أمام محرك معطوب، لا يملك القطعة الأصلية ولا يملك ثمنها فيُغمض عينيه لحظة كمن يُصغي إلى صوت داخلي بعيد، ثم يمد يده ببطء واثق ويصنع من لا شيء شيئاً. يُصلح ما أعجز غيره، ثم يمضي دون أن يكتب اسمه على ما صنع ودون ان يعلم ان ما فعله للتو كان يمكن ان يكون بداية حضارة.

هذا المشهد لا يطرح سؤالاً تقنيا، بل يطرح سؤالاً وجوديا في صميم ما تعنيه الحضارة ذاتها.

حين نُمعن النظر في ما يُسمى شعبياً بـ ”التحوير“ - ذلك الإبداع الفطري الذي وُلد من رحم الحصار ونضج في فرن الأزمات المتراكمة - نجد أنفسنا أمام ظاهرة سوسيولوجية نادرة: طاقة خلاقة حقيقية أصيلة غير مستعارة لكنها تعمل في دائرة مغلقة لا تُولّد تراكماً. انها تُطفئ حرائق اليوم وتنتظر حرائق الغد، في حلقة لا ترتفع ولا تتصاعد كمن يبني جداراً من الرمل كل مرة من جديد لأن الموجة التالية لا تترك أثر الجدار السابق.

والسؤال الحضاري الحقيقي هنا ليس: لماذا لا يبتكر العراقيون؟ فهم يبتكرون، وقد أثبتوا ذلك في أقسى الظروف التي تُعجز الآخرين. السؤال الأعمق والأشد إيلاماً هو: لماذا لا يتراكم ابتكارهم؟ لماذا تُشرق الفكرة ثم تغرب دون أن تُورث ضوءها لمن يأتي بعدها؟

الحضارة في جوهرها ليست لحظات عبقرية متفرقة، فتلك تملكها كل الأمم وكل الشعوب في لحظات ألمها الكبرى. الحضارة هي القدرة على تحويل اللحظة العبقرية إلى رصيد مستمر وتحويل الإلهام الفردي إلى ذاكرة جماعية وتحويل الحل العابر إلى مبدأ ثابت يُبنى عليه. إنها فن التراكم، ومن لا يُتقن هذا الفن يظل يُعيد اختراع العجلة في كل جيل ويدفع ضريبة البداية من جديد في كل أزمة.

ما يُعانيه العقل العراقي المبدع اليوم هو ما يمكن تسميته ب ”فخ الضرورة الحضاري“: حين تستنزف الأزمات المتراكمة - حروب متعاقبة وعقوبات خانقة وانهيار مؤسسي مديد وتآكل بطيء للثقة بين الإنسان ومنظومته - كل طاقة المجتمع وتُحوّلها نحو البقاء، تنضب تلقائياً طاقة ”التخيل الحر“، ذلك التخيل الذي يتجاوز ضرورة اليوم نحو إمكان. ينتج عن ذلك أجيال تُحسن الإجابة على مشكلات الحاضر إحساناً بالغا لكنها لم تتعلم كيف تطرح الأسئلة الكبرى التي تصنع المستقبل.

والفارق بين المحوِّر العراقي وصاحب ”الكراج الكاليفورني“ الذي تحوّل إلى إمبراطورية تقنية ليس - كما يُسارع كثيرون إلى الظن - فارقا في شحنة الذكاء الفطري أو عمق الموهبة أو حدة الحدس. كلاهما يرى في القطعة المهملة ما لا يراه غيره وكلاهما يُولّد من الشُح حلاً يُدهش العارفين. الفارق الحقيقي والحاسم كامن في شيء آخر: في البيئة التي تحتضن الفكرة حين تُولد وفي المنظومة التي تحفظها وتُضاعفها أو تتركها تموت في صمت.

المحوِّر العراقي حين يبتكر يبتكر وحيداً وحين ينجح ينجح وحيداً وحين يموت يأخذ سره معه لأنه لا نظام يستقبل ما صنع ويبني عليه. أما صاحب الكراج في سان خوسيه، فحين يبتكر تستقبله منظومة كاملة: قانون يحمي فكرته، جامعة تُطوّرها، مستثمر يُموّلها وسوق يُثمّنها. ليس أذكى منه لكنه ليس وحيداً. وهذا الفارق - بين عبقري وحيد وعبقري محاط - هو بالضبط الفارق بين شرارة تخبو وشعلة تُضيء.

ثمة تجربة واحدة تستحق الوقوف عندها بعمق لأنها الأقرب إلى روحنا وأكثرها إضاءة لمسارنا: الهند حين واجهت المعادلة ذاتها، لم تختر أن تستحي من ارتجالها الفطري المسمى ”جوغاد“، ولم تتركه يتيماً في أزقتها. اختارت أن تُؤسّسه وتُشرعنه، فنقلته من الورشة الى قاعات الجامعات ومن الحاجة الى فلسفة حتى صارت ”الهندسة المقتصدة“  شيئاً تُصدّره الهند إلى العالم لا تستورده. لم يتغير العقل الهندي، بل تغيّر ما يُقال له عن نفسه.

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس وفرة الموارد ولا غياب الأزمات. القاسم المشترك هو قرار واحد بدا بسيطاً لكنه كان في حقيقته تحولاً حضاريا عميقا: أن تذهب المؤسسة إلى المبتكر بدلاً من أن تنتظره وأن تقول له بصدق: ما بين يديك من خبرة هو رأس مال وطني، لا رخيصة اجتماعية.

غير أن الوقوف عند إصلاح المنظومة وحدها خطأ تشخيصي فادح. فالأنظمة المؤسسية المجرّدة من روح المعنى تلك الهياكل الباردة الخالية من إحساس حقيقي بالرسالة والكرامة لا تُنتج حضارة بل تُنتج آلات. ما يحتاجه العراق قبل أي قانون للملكية الفكرية وقبل أي صندوق للاستثمار في الابتكار، هو شيء أكثر عمقاً وأكثر عُسرا في الوقت ذاته: استعادة ”الكرامة المعرفية“ للفني والمحوِّر والمخترع الشعبي. تلك الكرامة التي تعيد له صورته أمام نفسه وأمام مجتمعه، وتُعلن أن ما يفعله ليس مهنة اضطرارية لمن أخطأ الطريق إلى الجامعة، بل هو شكل راق من أشكال المعرفة الإنسانية وإن خلا من الشهادات المؤطّرة على الجدران.

الجامعة العراقية اليوم تُخرّج عقولاً تنتظر وظيفة. الورشة تصنع عقولاً تخلق حلولا. وبين هذين العالمين المتوازيين اللذين لا يلتقيان تضيع طاقة الأمة في ثغرة لا يراها أحد، بينما يحمل كل منهما ما ينقصه الآخر. المهندس يملك المنهجية ويفتقر إلى الحدس الميداني والفنّي يملك الحدس الميداني ويفتقر إلى المنهجية وحين يلتقيان لا يُنتجان موظفاً ولا عاملاً بل يُنتجان مبتكراً.

وفي قلب هذا كله يبرز جيل جديد يرفض الاختيار بين عالمين ويصنع عالماً ثالثا بيده. شباب تعلّموا من الشاشة ما لم تُعلّمهم إياه المدرسة واكتشفوا ما لم يكتشفه الجيل السابق: أن اللابتوب لا يُلغي الورشة بل يُضاعفها، وأن المنهجية الرقمية لا تتناقض مع الخبرة اليدوية بل تُكملها وتُوسّع أفقها. هؤلاء يحملون في أيديهم إجابة جزئية عمّا سألنا عنه، ليس بكلامهم بل بوجودهم ذاته، إذ يُثبتون كل يوم أن الفجوة بين ما نملك وما نريد ليست هوّة في الطبيعة، بل هي مسافة في الإرادة يمكن قطعها بخطوات واعية ومتراكمة

إن الأرض التي كانت يوماً مهد الكتابة الأولى وأم المدن وأرسلت للعالم أول قوانينه المدوَّنة وأولى حساباته الفلكية، لا تحتاج اليوم الى أن تستعير هويتها من أحد ولا الى أن تستورد نموذجها جاهزاً من وادٍ بعيد. هي تحتاج فقط إلى أن تنظر بعيون مفتوحة إلى ما تحمله بين يديها وأن تُدرك أن الفنّي الجالس القرفصاء في أزقة بغداد يحمل في يديه المُلوَّثتين بالزيت بذرة ما تبحث عنه. ومهمة المجتمع والدولة والجامعة والقانون ليست اختراع شيء من العدم، بل هي في مجملها مهمة واحدة بسيطة وعميقة معاً: أن تقف إلى جانب هذا الفنّي وتقول له بوضوح وإنصاف وكرامة أنت لست مصلّحاً للأعطال، أنت مهندس لم نكتشفك بعد.

يوم يُقال هذا الكلام بصدق ويتحوّل من خطاب الى سياسة ومن سياسة الى ثقافة، يومها فقط يُكمل العراق معادلته الحضارية المعلّقة منذ أمد طويل. ويومها يتذكر العالم ما نسيه وتتذكر بغداد ما أنسته إياها الأزمات: أن من علّم الإنسانية كيف تكتب لا يعجزه أن يُعلّمها كيف تبتكر.

***

حميد القحطاني

قد يتساءل القارئ ما العلاقة التي تجمع بين الطب والأدب وما دخل الطبيب الذي يهتم بالأجساد بعوالم الكتابة التي تلامس الروح وتكشف عن انكساراتها وصراعاتها؟..

السؤال مشروع ولكن عندما نتأمل في مهنة الطبيب الذي يعايش يوميا معاناة المرضى ويرى ضعفهم ويرافقهم في لحظاتهم الأخيرة وهم يودعون الحياة فهذه المعايشة تجعله اقرب لفهم الإنسان والإحساس بمعاناته مما يدفعه إلى التعبير الصادق عن هذه المأساة وهذا طبعا بعد التسلح بالموهبة الأدبية وتصقيلها بالقراءة العميقة..

لهذا لا نستغرب عندما نجد كثيرا من الأطباء في العالم برزوا في مجال الطب وابدعوا فيه وتركوا آثارا خالدة.. ومنهم الطبيب القاص والروائي الروسي أنطون تشيخوف.. يقول عنه الطبيب والكاتب أسعد منذر:

"كان يرى أنّ الطبّ وسّع مداركه وأثرى معارفه بطريقة يصعب على غير الطبيب تقديرها، وفي إحدى مذكراته يقول: إن دراستي للطب أسهمت كثيرا في تطوير وإنضاج عملي الادبي فقد وسعت مجال رؤيتي للحياة وزادت معرفتي بها ، وربما من خلال الطب استطعت ان أتجنب كثيراً من الأخطاء، ظلّ تشيخوف يمارس الطبّ حتّى أقعده مرض السل، بل وقضى عليه في عمر الرابعة والأربعين تاركاً إرثاً أدبيّاً خالداً"

ومن اعماله: حكاية رجل مجهول، الفلاحون، حكاية مملة، عنبر رقم 6، دراما في الصيد وغيرها من القصص والمسرحيات...

وبرز أيضا عالميا كل من:

- آرثر كونان دويل (بريطانيا): مبتكر شخصية المحقق الشهير "شارلوك هولمز"، وقد استلهم مهارات التحليل والاستنتاج من أستاذه في كلية الطب.

- فريدريش شيلر (ألمانيا): شاعر وفيلسوف وكاتب مسرحي من كبار أعلام الأدب الألماني، درس الطب وعمل جراحاً عسكرياً قبل أن يتفرغ للأدب.

- خالد حسيني (أفغانستان/أمريكا): طبيب وروائي معاصر، اشتهر عالمياً بروايته الشهيرة "عداء الطائرة الورقية".

-جون كيتس (بريطانيا): من أبرز شعراء الحركة الرومانتيكية في العالم، درس الطب والجراحة ولكنه كرس حياته القصيرة..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

الحرب الدائرة هي حرب ازالة العقبة الاخيرة امام مشروع اسرلة الشرق الاوسط  ومحاولة تامين الاسباب امام الكيانوية الامريكيه  المفتقدة بنيويا باستلهام واعادة بعث  الابراهيمية المزورة، فشلت ابتداء لانها قامت على افتراض استسلام ايران بعد الضربة القاصمة المباغته الاولى بقتل المرشد الاعلى ومن معه، وهو مالم يحصل لابل تحولت الحرب الى  ضربة قاسية  لدول الابار ركيزه الاسرلة عربيا، والى ازمه طاقة كبرى عالميا بعد غلق مضيق هرمز، ومع ماقد تكبدته ايران من خسائر وقد تتكبده فان تكرار سيناريو الحرب على العراق بداية التسعينات وعام 2003 مستبعد كليا، وامكانيه الهجوم بالقوات الارضية شبه مستحيله مايعني واقعا احتمال ان تخرج ايران من الحرب وقد تعززت مكانتها شرق متوسطيا، بينما سيكون المشروع الاسرائيلي في مازق غير عادي.

 هذا لايعني ان ايران تنطوي على مشروع مقابل مضاد للامريكي، او انها يمكن ان تستعيد شيئا من حضورها الامبراطوري التاريخي، فمثل هذه الكيانات  الارضوية اليدوية ومنها الاسرائلي والامريكي انتهت صلاحيتها وماعادت قابلة للاستمرار. من جهة اخرى فان الحرب العراقية لم تنته، ولاهي توقفت، والمسار التشكلي اللاارضوي بدا مع عام 2008 بافتتاحية رؤية هي بالاحرى  بداية النطقية اللاارضوية المؤجله من عشرات القرون، وصولا الى  ثورة تشرين الثالثة غير الناطقة المختلفة عما قبلها اشتراطات وظروف تاريخية، تحولت بعد الاولى غير الناطقة عام 1920 والثانيه في تموز 1958 زمن هيمنه التوهمية الانتقالية  الاوربية، الى اللحظة الرالهنه على مشارف وقرب انبثاق التكنولوجيا العقلية، وانتهاء متبقيات الطور اليدوي وفي مقدمها الكيانات  المحلية والامبراطورية،  والدول المرتهنه للطور الانتاجي اليدوي من التاريخ البشري ونموذجيته الارضوية الجسدية الحاجاتيه.

 واليوم بالمناسبة تلح الدعوة لابناء ارض مابين النهرين ارض اللاارضوية، لان  يفتحوا صفحة التاريخ الاخرى المغيبه، بعدما صار امامهم وفي حوزتهم المنطلق والجزء الهام غير العادي من مكونات النطقية اللاارضوية المنتظرة خاصة بعد صدور "كتاب العراق" اخر ماقد انجز على هذا الصعيد منذ 2008 ابتداء من " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" السابق ذكرهما في حلقات سابقه، والتي هي الان حاجة كونية تقع في صلب الوجود البشري ككل، لابل هي بالاحرى المرتكز الوحيد الذي اليه يحال امر التاريخ البشري بعد الطور اليدوي "الانسايواني"، فالديناميات التاريخيه الوجودية وصلت حدا ماعاد من الممكن معه استمرار النمطية او الشكل الارضي الجسدي من المجتمعات، ووسيلة الانتاج الاخذه بالتبلور  تفرض حضور  لابل غلبة العقل والطور العقلي من التاريخ البشري كما صممت ابتداء، الامر الذي يوجب حكما تجاوز القصورية العقلية المواكبة للطور اليدوي والتي ظلت تحصر الادراكية العقلية للظاهرة  المجتمعية في النموذج اليدوي الارضي واحاديته النموذجية المطلقه.

  ماعاد بعد اليوم من الممكن الاستمرار وبقاء المجتمعات والكائن البشري على وجه الارض الا  بعبور القصورية العقلية والانتقال الى اللاارضوية بصيغتها الثانيه العليّة السببية، بعد الاولى الابراهيمه النبوية الحدسية، التي كانت مصاغه لتحاكي ظروف غلبة الارضوية شبه المطلقة،  ولتفرض رغم ذلك الازدواج المجتمعي، وقد دخلنا منذ اليوم عالم الادراكية اللاارضوية او الفناء.

   يابناء تشرين اعلموا ان العالم والبشرية جمعاء تنتظر "تشرين الناطقة" اي عبور القصورية العقلية  الملازمه للطور اليدوي من التاريخ البشري، وان بلادكم هي بلاد الازدواج المجتمعي السر المجتمعي الاعظم والمجتمعات البشرية ازدواج بدرجات، منها الازدواج الطبقي الاعلى ديناميه مجتمعية ضمن صنفه، كذلك الكائن البشري ازدواج، (عقل / جسد) وانهما ليسا وحدة، والنشوئية الترقوية عقلية لاجسدية محورها العقل، بالاخص بعدما بلغ العضو البشري اعلى اشكاله تطورا مع الانتصاب على قائمتين واستعمال اليدين، ليفترق العقل والجسد فيستمر العقل يتطور والجسد ثابت، والعراق هو تاريخ دورات وانقطاعات، وهو الان في دورته الثالثة المستمرة من القرن السادس عشر، وهي الاخيرة الناطقة، وهو عادة امبراطوري، دينامياته هي الاعلى  الا في هذه الدورة التي تنتهي كما اليوم  ب "فك الازدواج" وغلبة "الريعيه الحثالية"،  والاهم ان كينونة هذا الموضع من المعمورة قائمه كحالة مضادة ومعادية لمايعرف بالدولة وللكيانيه، قبل ان تفرض عليه من خارجه على يد المستعمر الانكليزي.

  كل هذه الموضوعات التي قد تكون رئيسه، هي مجرد مدخل وبدايه  اذا وضعت بازاء التاريخ ومساراته، بالاخص الراهنه منها وما سوف تتطلبه على صعد الادراكية والعملية انما يمكن ان لم من المفترض، البدء بتشكيل  مجموعات "وعي الذاتيه العظمى المطموسة" وهي عملية غير عادية اذا علمنا بان حالة التحول الاكبر الراهنه هي عملية عقلية بالدرجة الاولى،   مجموعات العمل والتي قد تكون سرية فيها خطوة ابتداء تمهيدية لااستغناء عنها، بانتظار التفاعليه الفكرية الادراكية ومايمكن ان يصدر بعد اليوم مع مظاهر البداية الكبرى ومايواكبها، وصولا الى "الموئمر الاعظم"، حيث يجري وضع البرنامج التحولي الهائل المحطات، ونوع المهمات، وكل هذا جهد يجب ان يكون مقرونا بما لايقبل الجدل، بالنزوع الكوني البديهي، فالعراق كيانيه كونية لا محلية، وهو ضد مفهوم الدول المحلية، ومايحدث مع بداية الانتقال الى الطور العملي المفترض من هنا فصاعدا، هو حركة عالمية شاملة متعدية للعراق بذاته، ساعية الى تهيئة الاسباب ل "الموئمر الشرق اوسطي اللاارضوي العظيم" مع فتح الباب للاتصال بالعالم  وبالامريكيين الاكثر حاجة واشتياقا للحل الكياني، كما للايرانيين وقد حلت ساعة انتقالهم على مستوى النظام من ولاية الفقية في زمن اللغيبه حسب النظرية الخمينيه الى مابعد الغيبة ومتطلباتها،  وبالطبع للناشطين على مستوى المعمورة على الطريق نحو " الادارة التحولية العظمى اللاارضوية الشاملة " للعالم الواحد.

 كل هذا  بالطبع هو اشارت لم تكن قبل وقت ليس بالبعيد ممكنه بحد ذاتها، علما بان هنالك على الطريق التنفيذي التحولي الاكبر مالايمكن تخيله الان من القضايا الانتقالية، والترتيبات التي من صنف مايؤدي الى نقل الكائن البشري الى الصيغة العقلية، والى مغادرة الكوكب الارضي الذي انتهت مهمته.

  ***

عبد الامير الركابي

...........................

(1) يراجع طارق متري/ مدينه على جبل : عن الدين والسياسة في اميركا/ دار النهار ـ بيروت.

بداية، أنا لا أنتمي إلى اتحاد الناشرين المصريين، ولا إلى دار الكتب والوثائق القومية، ولا حتى إلى نقابة المهن التمثيلية؛ تلك النقابة التي بدت مشغولة ـ قبل يومين ـ بقضية "حقوق الأداء العلني" أكثر من انشغالها بتاريخ مصر الذي يعاد تشكيله على هوى فيلم سينمائي، هو الأضخم إنتاجًا هذا العام. عمل يقرر أن السود في مصر كانوا ضحايا كما كانوا في أمريكا، وكأن صفحات تاريخنا ـ بيضاء كانت أم سوداء ـ لم تشهد قط أن مصر كانت الملجأ، لا المعتدي.

لكن دعنا من هذا كله، ولنترك السينما قليلًا، ونغوص في مستنقع آخر؛ مستنقع الأرقام المعيارية الدولية للكتب (ISBN)، وملفات “الوورد” القابلة للتحريف، واشتعال المعركة بين "الاتحاد" و"الدار" في أربعة بيانات متتالية خلال 24 ساعة فقط. أربعة بيانات.. اثنان من هنا، واثنان من هناك، كأنهما يتسابقان في الإصدار كما يتسابق الأطفال في لعبة "أنا أسرع منك!".

المعركة: ملخص سريع لمن نام باكرًا

بدأت القصة بالقرار رقم 198 لسنة 2026، الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية. القرار في ظاهره بسيط: أي ناشر يرغب في الحصول على رقم إيداع لكتابه ـ ذلك الرقم السحري الذي يمنح الكتاب شرعية وجوده على الرف ـ عليه أن يقدم نسخة من الكتاب بصيغة "Word".

نعم، عزيزي القارئ، لم تقرأ خطأ "وورد". ذلك الملف الأبيض الذي نفتحه عادة لكتابة قوائم التسوق، أو رسائل الغضب العابرة. ذلك الملف الذي يستطيع طفل في الصف الأول الابتدائي أن يضغط عليه بالزر الأيمن للفأرة، ثم "نسخ"، ثم "لصق". ذلك الملف الذي لو أردت أن تسرق روايةً كاملة وتنسبها لنفسك، لما احتجت لأكثر من ثوان معدودة وسطر أوامر واحد. وقالت دار الكتب: على مرحلتين. أولًا قبل الطباعة النهائية، ثم بعد الإصدار. وكأن الناشر سيسلمهم "مسودة الرواية" قبل أن ينام عليها مؤلفها ليلة كاملة يقلب فيها فاصلة أو حرف عطف!

عندها، استشاط اتحاد الناشرين المصريين، برئاسة الأستاذ فريد زهران، غيظًا. فنزل البيان الأول. ثم ردت الدار ببيان هادئ جميل. ثم رد الاتحاد ببيان أكثر غضبًا. ثم ردت الدار... حسنًا، نحن نتحدث عن أربعة بيانات فقط، لكن الأجواء لا تزال ملتهبة كأننا في غرفة مغلقة يختنق فيها خمسون ناشرًا وموظف حكومي واحد.

ما قاله الاتحاد (وأنا أتفق معه بنسبة 95%)

أولًا، القرار اتخذ دون أي تشاور معهم. صفر تشاور. صفر إعلان مسبق. فجأة وجدوا أنفسهم أمام قرار يمس جوهر عملهم، وما من أحد سألهم. تخيل أن يصدر قرار بتغيير شكل رخصة القيادة دون أن يسأل السائقون؟ لا، لا تقارن؛ فالسائق لا يخشى على سيارته أن تسرق بضغطة زر، أما الناشر فيخاف على روحه.

ثانيًا، والأهم: خطر الوورد. يقول الاتحاد، بحق: "الملف القابل للتعديل والنسخ هو بمثابة دعوة مفتوحة للسرقة الأدبية". وماذا لو تسربت هذه الملفات من دار الكتب؟ أو من جهة أخرى؟ أو من موظف تعصف به أزمة مالية، فعرض على مؤلف ناشئ أن يبيع له رواية بعشرين ألف جنيه؟ نحن في مصر، والمواطن المصري صار خبيرًا في الـ"باك أب" والـ"نسخ الاحتياطي"، بمعناهما غير القانوني.

ثالثًا، هذا إجراء بيروقراطي كان قد أُلغي منذ عام 2017؛ أي في عصر ترامب الأول، كانوا قد اكتشفوا خطأ هذه الفكرة وألغوها. والآن، في عصر الذكاء الاصطناعي وChatGPT، نعيد إحياءها؟ منطق عجيب.

رابعًا، اتهم الاتحاد الدار بتهميش دوره القانوني، وهو دور واضح في قانون النشر المصري: فالاتحاد هو الممثل الشرعي للناشرين، وهو أشبه بالنقابة، وأي قرار يمسهم يجب أن يستطلع رأيهم. لم يحدث.

خامسًا، رفعوا الأمر إلى وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، وطالبوا بالإلغاء الفوري. ومعهم النائبة الدكتورة ضحى عاصي، أمين سر لجنة الإعلام والثقافة والآثار، التي تقدمت بطلب إحاطة عاجل إلى مجلس النواب.

وهنا تتسع دائرة المشهد، لدينا الآن دار الكتب، واتحاد الناشرين، ووزارة ثقافة، ولجنة برلمانية، ونواب، ووزيرة، وجميعهم في حالة استنفار قصوى... حول ملف وورد!

ماذا قال الاتحاد أيضًا عن الإيداع والرقابة؟

وهنا الجزء العميق يا صديقي، الذي يجعلك تدرك أن القصة أكبر من مجرد شخصين يتشاجران حول صيغة ملف.

قال الاتحاد إن الإيداع في الأساس هو مجرد "إثبات نسبة النص إلى كاتبه"، أشبه بشهادة ميلاد أدبية. وهو إجراء ليس رقابيًا. ومصر موقعة على اتفاقيات دولية تمنع الرقابة المسبقة على الكتب، وقد صادقت على ذلك. وفي الدستور المصري نفسه، الرقابة على الكتب لا تكون إلا بعد النشر، إذا تضرر المجتمع من المحتوى، ووفق إجراءات قضائية واضحة، لا قبل النشر. فإذا طلبت مني الدار أن أرسل لها الكتاب بصيغة قابلة للتعديل قبل الطباعة، فقد حولت الإجراء من إيداع إلى مراجعة مسبقة. قد تكون هذه المراجعة بريئة في نيتها، لكنها في التطبيق تتحول إلى رقابة.

ناهيك عن أن الاتحاد حذر من أن هذا القرار قد يؤدي إلى خروج مصر من الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (IFLA)، الذي كنا أعضاء مؤسسين فيه. تخيل.. كنا معهم من البداية، ننادي بحرية المعلومات وتدفق المعرفة، ثم نأتي اليوم بنظام يجبر الناشرين على تسليم مفاتيح مملكتهم قبل أن يبنوها. هذا بالضبط ما وصفه الاتحاد بأنه "خطوة إلى الوراء"، قد تخرجنا أو تطردنا من هذا المحفل الدولي.

ماذا قال بعض الكتاب؟

بعض الكتاب، وهم في العادة لا يتفقون على لون السماء، اتفقوا هذه المرة على أن القرار غير دستوري. الكاتب الكبير سلم سنين من عمره، وليالي من الأرق، وفكرة حملها تسعة أشهر ثم ولدها على الورق. وأخيرًا، حين يذهب ليودعها للناشر ويحلم أنها ستصبح كتابًا حقيقيًا... يكتشف أن دار الكتب تريد الملف الأصلي القابل للتعديل قبل أن يدخل إلى المطبعة! لماذا؟ لأي غرض؟

قال كاتب ساخرًا على فيسبوك: "يعني أنا ككاتب ممكن أصحى ألاقي روايتي منشورة على موقع اسمه 'قصص وردية' باسم شخص آخر، ويقول: أنا اللي كتبتها، وهات إثباتك. وأنا سلمت الملف لدار الكتب. من يضمن لي أن الدار لا تسرب؟ لا أحد. الثقة معدومة". وقال آخر: "التحول الرقمي مهم، لكن ليس بهذه الطريقة. كان يمكن عمل منصة آمنة، أو إرسال ملف PDF محمي بكلمة سر، أو أي شيء آخر، لكن ليس الـWord العاري كما نرسل سيرة ذاتية لشركة".

وأين الفنانون من كل هذا؟

والآن، نصل إلى المفارقة الأكبر، التي جعلتني أكتب هذا المقال أساسًا بينما لا تزال رقبتي تؤلمني. قبل يومين، أو يوم واحد، اجتمع زمرة من الفنانين في البرلمان، وكانت لهم جلسة مطولة، وكانوا غاضبين، ولهم الحق في الغضب. فموضوع "حق الأداء العلني" للأعمال الفنية التي تعرض على منصات المشاهدة قضية شائكة، والفنان المصري لا يحصل على مستحقاته كاملة حين يعرض فيلمه على إحدى المنصات الرقمية. فاجتمعوا، وتحدثوا كثيرًا. ولم يتحدث أحد عن الفيلم. عن ذلك العمل الضخم الذي انقسم عليه المشاهدون بين مؤيد ومعارض، لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أنه يعيد كتابة تاريخ مصر بوقاحة.

الفيلم الذي يريد أن يقنع جيل الألفية وجيل Z بأن السود في مصر كانوا مهمشين ومضطهدين كما كانوا في أمريكا في ستينيات القرن الماضي. الفيلم الذي يخلق "حقوق سود" على الطريقة الأمريكية في بلد عاش فيه السود أحرارًا، وزراء وقادة وجنودًا، منذ أيام محمد علي باشا وحتى الآن. لا أحد في البرلمان انتبه. لا أحد رفع صوته. الجميع مشغول بـ"رقم الإيداع"، و"ملف الوورد"، و"حقوق العرض المباشر"، وبعضهم مشغول بمعركة الكراسي في النقابات.

أما الفيلم الذي يمس تاريخ مصر ووحدة نسيجها الاجتماعي، ويحاول أن يدخل صراعًا عرقيًا مصنوعًا بالكامل في بلد لم يعرف العنصرية بالمعنى الأمريكي قط، فقد مر مرور الكرام. كأن أحدًا لم يشاهده. كأن المخرج أمسك بعصا سحرية، فجعل كل النقاد والسياسيين والفنانين ينسونه فجأة.

في النهاية، أنا مع الناشرين في خوفهم على الملكية الفكرية. وأتفهم رفضهم تقديم ملف وورد سهل الاختراق. وأتفهم أن الدار ربما نوت خيرًا بطلب النسخة الرقمية لأجل رقمنة الإيداع ومواكبة العصر.

لكن الطريقة كارثية، والتوقيت كارثي، وعدم التشاور هو الجريمة الحقيقية هنا. ولكن، وبصراحة شديدة، أنا حزين مثل الناشرين، لكن لسبب مختلف، الناشر حزين على وورد، وأنا حزين على التاريخ. الناشر خائف على كتبه من السرقة، وأنا خائف على هويتنا من التشويه. الناشر يريد أن يلغوا القرار 198، وأنا أريد أن أُلغي فيلمًا واحدًا من الذاكرة الجمعية، لكن لا أستطيع. الجميع في ساحة المعركة، والفنانون في ساحة أخرى، ومصر كلها في ساحة ثالثة، وكل ساحة تنادي: "أنا المظلوم". لكن أين العقل؟ وأين الأولويات؟

أما كتاب الله المجيد، فهو بريء من كل هذا؛ فهو لا يحتاج إلى رقم إيداع لأنه محفوظ في الصدور. لكن كتبنا نحن البشر، من روايات ودواوين ودراسات، تحتاج إلى حماية من السرقات ومن الترهلات البيروقراطية.

الخلاصة: ماذا نريد؟

نريد أن تلغي دار الكتب شرط الـWord فورًا، ثم تجلس مع اتحاد الناشرين لوضع آلية آمنة للإيداع الرقمي باستخدام تقنيات التشفير، وملفات PDF المحمية، وسلاسل الكتل (Blockchain) إن لزم الأمر. نريد أن يتذكر النواب والفنانون ووزارة الثقافة أن تاريخ مصر أغلى من أي قضية فنية أو أدبية. مصر لم تكن يومًا عنصرية، ولا يستطيع أحد أن يثبت العكس بفيلم درامي فارغ.

نريد أن نرتاح... رقبتي تؤلمني من كثرة المتابعة.

***

د. عبد السلام فاروق

 

قُتلت كوثر، ذات الخمسة عشر عاماً، قتلها أهلها لأنها رفضت الزواج مِن ابن عمها، وهذا عُرف عشائري، أن يكون ابن العم أحق بابنة عمه، حتى وإن كان متزوجاً، وهذا ما اتفق عليه بـ«النّهوة»، أن ينهي (يمنع) ابن العم المتقدم للزواج مِن ابنة عمه.

وفي حالة كوثر أنها لم تختر الزواج مِن شخص آخر، إنما رفضت الزواج، واختارت الدراسة، وربما تعنف لرفضها بالمنع مِن الذهاب إلى المدرسة، لكن أن يُعتبر رفضها جريمة «مخلة بالشَّرف»، ويتقدم أهلها على قتلها، بحفلة ابتهاج، هذا ما هو جديد على القرون كافة.

عندما تقرأ تاريخ مدينة مِن مدن العراق، يظهر أمامك التحضر، وأنفاس الماضي (الجميل)، يبدأ من الاسم إلى التفاصيل، فماذا يعكس في ذهنك اسم «النَّهروان»، غير الماء والخضرة، مرة يتداول في الخصب والزراعة، وهو جزء أصيل في تاريخ العراق كافة، وأخرى في حوادث فاصلة في التاريخ، كمعركة «النِّهروان» الشَّهيرة «ذكرها المؤرخون والبلدانيون، قيل في الاسم: «الأكثر ما يجري على الألسنة بكسر النون، وهي ثلاثة نهروانات: الأعلى والأوسط والأسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد وفيها عدة بلاد متوسطة، منها: إسكاف وجرجرايا والصافية ودير قنى وغير ذلك، وكان بها وقعة مشهورة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، مع الخوارج، وقد خرج منها جماعة من أهل العلم والأدب» (الحموي، معجم البلدان). وقيل أصلها «نهروانا» اسم نهر جف ماؤه وعطش القاطنون على شاطئيه، فأعيد إصلاحه، واستقر الاسم «النهروان» (نفسه).

كان لاسم «النِّهروان» نغمة، يعتقد لمن سمع بالاسم وقرأ اللفظ، أنها واجهة حضارية، في عمرانها والعمران البشري، شأنها شأن «أور»، و«بابل»، و«نينوى»، و«بغداد»، وكل اسم آرامي سُبق بحرف الباء، وإذا تنشر وسائل الإعلام ما غطى على رونق «النهروان»، كتاريخ ومكان، أن قوماً قطنوها قطعوا ما بينها وبين تاريخها، فقد طغى الحدث عليها، وتداولت المقالات تحت عنوان «ابنة النّهروان»، وكأن الكُتّاب قصدوا الفصل بين الجريمة والمدينة، فمِن الطبيعي في أذهانهم أن «كوثر» بإصرارها على التعليم، ورفض ما يُراد لمستقبلها، هي «النّهروان»، بذاتها.

صحيح أن قتل النساء بالعراق زاد على حده، لكن لكوثر قصة أخرى، ذات معانٍ موغلة بالظلم والاعتداء على الحاضر، وعلى أمكنة طالما تداولت أسماؤها ضمن تاريخ العراق الحضاري، وفي هذا الظرف، قد يفاجئوك أحد الفازعين لقتل «ابنة النَّهروان» أن يكون سياسياً منتخباً، أو برلمانياً في المستقبل القريب، فهو الذي يملك القانون ويشرّعه ويفرضه بقوة ثقافة قتل النساء، لأي سبب كان، وإن كان رفضاً للزواج، أو رغبة في الدراسة، مثلما يعتقد المشدودون لأسماء وتواريخ المدن، التي نشأت على الماء.

ظهرت معانٍ أخرى لاسم «النهروان» ومنها «ثواب العمل» (التنوخي، نشوار المحاضرة)، وكان مِن أبرز أعلامها المفسر وصاحب اللغة والمؤرخ أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني (390هج)، صاحب كتاب «الجليس الصالح الكافي والأنيس النَّاصح الشَّافي»، الذي أصدرته دار الكتب العلمية (2005) محققاً. لم تعطِ «ابنة النهروان» أو كوثر النهروانية فرصة قراءته، أو ما تركه النهروانيون مِن كتب التاريخ والأدب، وما علق في الأذهان عن «النهروان» تاريخاً ومكاناً.

خلد شعراء الخوارج النهروان، فلهم وقعة شهيرة فيها، مثلما تقدم، وكان أبرزهم عمران بن حِطان، قبل أن يرجع عن رأي الخوارج، وبرز اسمها أيضاً: «فكم بالنهروان مِن قتيل/ تولى الله حكمهم فعادوا». عموماً خارج تاريخ هذه الوقعة تجد واقعة ابنتها كوثر، مع أن النهروان تعني: جداول الماء، وخصوبة الأرض، والقرى والبساتين، والأدب أيضاً، فهي التاريخ والجريمة أيضاً، لمن يريد إعادة كتابة تاريخها وتدوين أخبارها. سلاماً على ابنة النهروان القتيلة.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

الخريطة الجينية للبشرية مهمة جدا للتطور العلمي وحياة البشرية في المستقبل. هذا المشروع يجب ان يكون دوليا وبميزانية دولية تضم جميع الدول دون استثناء . البنك ذو دوافع علمية بحتة ومن اجل البشرية جمعاء. دي ان ئي DNA هو اختصار ل (Deoxyribonucleic Acid)، ويُعرف بالعربية باسم الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين تمثل الخريطة الجينية الوراثيةً الجينية للبشر وتعتبر كدليل كتب فية كل المعلومات حول الكائن الحي.

الهدف الأساسي لإنشاء هذا البنك العالمي ياتي من نظرة مستقبلية لمصير البشرية حيث سيساعد في المستقبل علىً تجنب حدوث العديد من المشاكل المعاصرة من أمراض وأوبئة وحتى الحروب والنزاعات ومن ناحية اخرى ستؤدي إلى تحسين الأداء البشري بصورة عامة وبناء إنسان سليم خالي من الأمراض بجميع أنواعها الطبيعية، النفسية، العقلية والبيئية المرتبطة بالعقائد والأعراف والثقافات.

لست بخبير في المادة، هذه مجرد أمنية ولكن تلك الأفكار راودتني وانا انظر الىً حال العالم ونحن في بدايات القرن الواحد والعشرون والطفرات العلمية الخيالية التي ستأتي بها القرن القادم. كذلك إلى الصورة المرفقة للانتماء الفرد العراقي والتي تثبت ان البشرية نتيجة مباشرة لحوار حضاري بين الشعوب والأمم .2782 tawfiq

ان المعلومات الخيالية التي توفرها اليوم الذكاء الاصطناعي غير نظرة العالم إلى الكثير من الأمور وسيأتي بانفجار معلوماتي كبير وربما يولد معلومات لم تكن البشرية على علم بها. لكن القادم اكثر من ثورة معرفية حين تقوم الأجهزة المعلوماتية الحوار فيما بينهم والتوصل إلى نتائج قد تغير مسار الحياة على الأرض.

المشكلة في كل الأحوال ان الأجهزة خالية من العواطف لهذا تكون قراراتها غير إنسانية رغم صحتها وواقعيتها. كل تلك التطورات في عالم المعرفة يحتاج إلى بناء إنسان جديد واعي، واقعي وخال من الخطأ.

بنك معلومات للخريطة الجينية البشرية مستقبل الإنسانية وربما ستكون جميع وثائقه في شمال السويد قرب القطب الشمالي كنقطة بعيدة عن الصراعات السياسية في العالم.

لست بنفسي متفائلا أن أكون في ذلك العالم القادم ولكني أتمنى ان توفق الإنسانية في بناء عالم اكثر سلاما لما نتركه نحن ابناء القرن العشرين والواحد والعشرين.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - السويد

2026

.............................

إشارة:

الحمض النووي (DNA) بوليمر قطبي يتكون من سلاسل متكررة من النيوكليوتيدات. يبلغ طول سلسلة الحمض النووي من 22 إلى 26 أنغستروم (2.2 إلى 2.6 نانومتر)، وعرضها 3.3 أنغستروم (0.33 نانومتر). يلتف حلزون الحمض النووي دورة كاملة كل 3.4 إلى 3.6 نانومتر، وذلك تبعًا لتسلسله؛ لذا، يوجد ما يقارب 10 إلى 10.5 أزواج من القواعد النيتروجينية في كل دورة.

على الرغم من صغر حجم كل وحدة متكررة من الحمض النووي، إلا أن سلسلة البوليمر الخاصة بها قد تتكون من ملايين النيوكليوتيدات. فعلى سبيل المثال، يبلغ طول أكبر كروموسوم بشري، وهو الكروموسوم رقم 1، 220 مليون قاعدة نيتروجينية متكاملة.

تشكل سلسلتا الحمض النووي بنية معقدة، تشبه الكرمة، على شكل حلزون. تُسمى القاعدة العضوية المرتبطة بجزيء سكر بالنيوكليوزيد، وإذا ارتبط النيوكليوزيد بمجموعة فوسفات عبر قاعدته، فإنه يُشكل نيوكليوتيدًا. وإذا ارتبطت عدة نيوكليوتيدات معًا، كما في الحمض النووي DNA، يُسمى ذلك عديد النيوكليوتيدات.

تتكون خيوط الحمض النووي DNA من وحدات تتألف من السكر ومجموعات الفوسفات المرتبة بالتناوب وبشكل متكرر على طول الخيط.

السكر المستخدم في الحمض النووي DNA هو ديوكسي ريبوز، وهو نوع من البنتوز (سكر خماسي الكربون). وترتبط جزيئات السكر معًا بواسطة مجموعات الفوسفور.

في الحجِّ رسالةٌ للأُمّة الإسلامية، لحلفائها وأنصارها، وحتى لأعدائها؛ ففي أيام الحج يجتمع المسلمون في مكة المكرمة بأعدادٍ عظيمة، وتراهم يصطفون في صفوفٍ موحّدةٍ، وبلباسٍ واحد، وبصوتٍ واحد، يلبُّون اللهَ وحدَه.

الرئيسُ فيهم والمرؤوسُ، الملكُ والمملوكُ، الحاكمُ والمحكومُ، الغنيُّ والفقيرُ، السيّدُ والخادمُ، كلُّهم خاضعون لربّهم، بعد أن زالتْ عنهم تلك المناصبُ الكاذبة، والأسماءُ الخادعة؛ وتساووا جميعًا في تواضعٍ وخشوعٍ لرب العالمين. قويُّهم وضعيفُهم، الصحيحُ منهم والعاجزُ فيهم، لا همَّ لهم سوى التّلبية والتهليلِ: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له).

فبماذا تشعرُ أيُّها القارئُ العزيزُ عندما ترى تلك الجموعَ الهائلةَ تطوفُ بالبيت العتيق، وتلبّي للهَ وحده لا شريك له؟! (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك)؛ شعورٌ لا يُوصَفُ بالكلام، وإنّما يُعَبَّرُ عنه بذرفِ الدموع خشيةً وإجلالاً، ويعبر عنه خشوعٌ وشوقٌ لخالق السماوات والأرض يفيض من الروح فيضًا؛ أمام هذا المشهد العظيم تعلم أنّك آتيه فرداً، وأنك سوف تقف بين يديه عارياً عن الدنيا وزينتِها إلا ما ادّخرتَه لآخرتِك فيها.

ولِتَفهمَ أنّ الإسلامَ دين التواضع والخضوع لخالق هذا الكون ومدبره، وهو كذلك دين القوة والعزة لكل من دخل فيه ودخل الإيمان قلبه؛ لِتَفخرْ بدينك، وتلحقْ بالرَّكبِ الذي سبقك، فلا تخضعْ ولا تلَينْ أمام إغراءات الشياطين، أو أمام خصمِك اللّعين. فما دمت في جيشِ ربِّ العالمين، فلا غلبةَ لأحدٍ عليك من دونه، وهو ينصرك ما دمت ثابتًا على الحق متمسكًا بدينك. فاثبت على ثغرك لأنّك جزء من هذه الأُمّة؛ أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الأمة التي ما زالت الأرضُ بأكملِها تسمع صداها في أشهر الحجّ وأيامه.

وفي الحج رسالة لذلك الذي تخاذلَ عن نصرة الدّين، وظنّ أنّه قد فاز وانتصر لملذاته الدنيئة، وظنَّ أنه قد أحدث فرقاً بخُذلانه وخنوعه؛ فليَرَ كم هم المسلمون في عرفة؟ وكم منهم ذو شأنٍ عظيمٍ قد خلع ثوب المراتب والمفاخر تواضعاً وخشوعاً لمن هو عبدٌ عنده، واستعداداً لتلبية الله وحده! لِيَرَ الخائن أنه ليس شيئاً أمام تلك الجموع، وأنّ المسلمين في غنىً عنه؛ هو لم يفرّقْ بين تلك الصفوف بخيانته، ولم يحدُثْ فراغٌ بينها أو فجوة أبدًا، لكنه هو الوحيدُ الذي خسر بعد أن دلاّه الشيطان بغرور.

ولِيعلمَ أعداءُ الإسلامِ أنَّ المسلمين أكثرَ ممّا يظنّون، وأنهم يزيدون كل عامٍ ولا ينقصون مهما كادوهم أو مكروا بهم؛ باقون ما بقي الخير في الأرض، والإسلام باقٍ ما بقي الحق والصدق في الناس، وما بقيت الأخلاق المحمدية فيهم. لِيَرَ الحاقدون على الدين في الحج عبادَ اللهِ الذين أتَوه طوعاً وخضوعاً، حين حان وقتُ الحجّ فوفدت الوفودُ وانقادتْ لله في كلِّ أمرٍ ونسكٍ وشعيرةٍ من الشعائر العظيمة.

هناك أُمّةٌ بأكملِها بصوتٍ واحدٍ، وزيٍّ واحد، يحجُّون لله الواحدِ الأحد، وهم على استعدادٍ تام للتضحية بأرواحهم في سبيل دينهم ولحماية شعائرهم، فماذا بعد أن أصبحوا متجرّدين عن الحياةِ الدنيا، ولبسوا ثوبَ الموت، واتّجهوا لله وحدَه؟!

لكنّ السؤالَ الذي يبقى يدوي في الأذهانِ دونَ توقُّفٍ: هلِ الأمّةُ تُدركُ عظمةَ هذه الرسالة؟؟ أم أنها غافلةٌ عن مصدر قوَّتِها وعن عظمتها أمام عدوّها؟!

جوهر النسك والمعنى الروحاني لا الشكلي

إنّ الحكمة من مناسك الحج جلية لمن تفكر وتدبر؛ فهي ليست في العدد ولا اللباس أو الطواف الفجّ، بل هي تتجلى في صدق الإيمان؛ هي في اختبار من سيقولون سمعنا وأطعنا، ومن سيجادل في الدين ويتساءل عما وراء الأحكام.

أنت في الحج تسافر إلى الله عز وجل، وهو سبحانه الذي لا يتركك قط حتى في نومك؛ تسافر من بيتك إلى بيت حافظك ورازقك وخالقك العظيم لتعلم كم أنه قريب منك، وكم أنك بعيد عنه. أنت تحتاج إلى شد الرحال وعقد النية لتذهب إليه، يجب أن تهاجر دنياك تاركاً أهلك ومالك وذاهباً لربك، فلا مال ولا بنون؛ لأن كل ما يريده منك أن تأتيه بقلب سليم لا شك عنده في رب العالمين، ولا فيما فرضه عليك في الدين.. لا تفكير ولا تردد، فقط تسليم وتدبر.

ولأنك ستقابل خالقك العظيم فيجب أن تلبس لباسًا يليق بعبد من عباده، ولا يوجد لباس مناسب لتقابل به من خلقك فسواك غير جسدك العاري عن كل زينة، ولفة بيضاء تواري بها سوأتك تأدبًا وحياءً؛ فإن كنت تذكر، فأنت عندما أتيت إلى الدنيا لفوك بلفافة بيضاء، وحتى حين تخرج منها سوف يلفونك بالأبيض أيضًا، لذلك فأنت بين يديه تكون كما خلقك أول مرة.

تطوف حول بيته بجسدك، وقلبك في سمائه يطوف، وروحك ترتقي وتصعد في السماوات العلى بعد أن تركت الدنيا وما فيها؛ ومع هيبة المكان هيبة المشهد.. الناس بالآلاف من كل بقاع الأرض يهللون بصوت مرتفع شهادة وإقراراً منهم على خالص الإيمان، فيخشع قلبك بعد أن خضعت كل الأصوات للرحمن سبحانه، وترتجف روحك وتتدثر بالإيمان.

وعند لمسك للحجر الأسود فأنت تدرك أن ذلك من باب الاتّباع، ومن حبك للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان تقبيل حجرٍ لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله. وحتى عند رمي الجمرات، عندما ترمي الشيطان فأنت تتبرأ من عدوك وعو الرحمن. فأنت تدرك أن العبادة والمناسك كلها ليست في الشكل أو المظهر، بل تتعمق في المعاني الروحية المتجذرة بالإيمان في القلب والكيان.

فالحج رسالة لك تخبرك أن العمل التعبدي ومناسك الحج كلها أعمال جوارح يقودها تصديق القلب وإيمانه الخالص وطاعته لربه؛ رسالة لأمم بأكملها أن لنا ولهم يوماً يجمعهم فيه ربنا وربهم، ويحشرهم جميعاً ويبعثهم حتى وقد أصبحوا تراباً وعظاماً نخرة؛ المسلمون يوقنون بذلك ويأتونه طوعاً، أما الجاحدون فسيأتونه وهم صاغرون ذليلون.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

 

في كتابه الماتع " ال٢٠٠فكرة" يذكر الصحافي الكبير مصطفى أمين كيف يؤثر غلط مطبعي أو لغوي بنقص حرف في تغيير المعنى الكامل للجملة وربما بسبب هذا الغلط يتابع الصحافي قضائيا.. فيقول في مقال له " الغلطة المطبعية" ص 288: (إني لا أنسى غلطة مطبعية كادت أن تذهب بي إلى محكمة الجنايات و أنا محرر صغير في مجلة روز اليوسف لقد كتبت كلمة عن وزير المعارف فسقط حرف الواو وجاء الخبر  بعنوان " زبر المعارف "وكانت مصيبة لأن وزير المعارف هذا كان معروفا بأنه زير نساء).

وهذه بعض الأغلاط التي انتشرت في صحافتنا العربية:

1- استعمال الفعل أثرى متعديًا؛ فيقولون: "وقد أثرى العقاد المكتبة العربية بكثير من الكتب"، مع أن هذا الفعل لم يستعمل في العربية إلا لازمًا؛ تقول: ثرى الرجلُ، وأثرى الرجلُ، أي صار ثريًّا.

2- استعمال الفعل لفَت بمعنى شدَّ وجذب، فيقولون: "لفت فلان انتباه الناس"، مع أنه لا يستعمل إلا بمعنى "صرف" وأبعد، قال تعالى على لسان قوم إبراهيم - عليه السلم -: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: 78].

3- استخدام أسلوب الاستثناء بعد عبارة (على الرغم من)، فيقولون "وعلى الرغم من أنه لم يدرَّب التدريب الكافي إلا أنه حقَّق انتصارًا باهرًا على خصمه"، والصحيح أن نقول: "وقد أحرز انتصارًا.. على الرغم من أنه لم يتدرب...".

4- دخول الباء على المأخوذ مع الفعل استبدال وتبدَّل؛ فيقولون: "استبدلنا الخبيث بالطيب" يقصدون ترك الخبيث، وأخذ الطيب، والعكس هو المقصود؛ لأن الباء لا تدخل إلا على المتروك؛ قال تعالى مُوبِّخًا بني إسرائيل ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61].

5- استعمال الاعتذار لعكس ما يُعتذر عنه، فيقولون: "اعتذر فلان عن حضور الاجتماع"، والصواب: اعتذار عن الغياب، أو اعتذر عن عدم الحضور" (1)

فغياب إسكافي اللغة أو المدقق اللغوي يجعل بعض الصحف والمجلات تقع في هذه الأغلاط اللغوية التي لا ينتبه إليها إلا الملمون باللغة السابحون في عوالمها السحرية الجميلة.

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

...............

1- أ. د. جابر قميحة، أخطاء لغوية في الصحف والإذاعة ' والتلفزيزن - شبكة الألوكة..

في مواسم الحصاد، لا يُقاس الفرح بكمية القمح وحدها، بل بما تحمله تلك السنابل من حكاياتٍ طويلة، تبدأ ببذرةٍ تُغرس في الأرض، وتنتهي بأملٍ يُفترض أن يصل إلى موائد الناس خبزاً وكرامة. لكن في هذا المشهد المتكرر كل عام، ثمة وجعٌ يتسلل بين خطوط الذهب، وجعٌ لا تراه العين سريعاً، لكنه يسكن قلب الفلاح، ويكبر مع كل موسمٍ يُخذل فيه.

يا فرحةً ما دامت…

عبارة تختصر مأساة موسمٍ كامل، حين تتحول لحظة الحصاد من ذروة الفرح إلى بداية القلق. فبدلاً من أن يكون الحصاد نهاية رحلة التعب، يصبح بداية معركةٍ أخرى، معركة التسويق، ومعركة إثبات الحق في بيع محصولٍ هو أساس الحياة.

القمح في هذه البلاد ليس مجرد محصول زراعي، بل هو شريان سيادة. هو ذاكرة الأرض، وهوية الفلاح، وهو الركيزة الأولى للأمن الغذائي. ومع ذلك، يتكرر المشهد ذاته: إنتاج وفير، يقابله ارتباك في الاستلام وتأخير في الإجراءات، وغياب واضح في التخطيط.

الفلاح، الذي يبدأ يومه قبل شروق الشمس لا يطلب أكثر من أن يُقابل تعبه بنظامٍ عادل. لكنه يجد نفسه أمام واقعٍ معقد: منافذ تسويق محدودة، إجراءات بطيئة وأسعار لا تنصف حجم الجهد المبذول. وفي كثير من الأحيان، يقف أمام محصوله كمن يقف أمام حلمٍ مهدد بالضياع.

إن غياب الدعم الحكومي لا يظهر فقط في نقص المال، بل في غياب الرؤية الشاملة.

فحين لا تكون هناك خطة واضحة لاستيعاب الإنتاج، ولا بنية تحتية كافية للتخزين، ولا سياسات تسعير محفزة، فإن الفلاح يُترك وحيداً في مواجهة سوقٍ قاسٍ لا يرحم.

وهنا تتشكل المفارقة المؤلمة:

كلما زاد الإنتاج، زادت المعاناة.

وكلما امتلأت الحقول بالخير، امتلأت القلوب بالقلق.

أي منطقٍ هذا الذي يجعل الوفرة عبئاً...؟

وأي إدارةٍ تلك التي تعجز عن تحويل الإنتاج إلى قوة اقتصادية حقيقية...؟

إن المشكلة ليست في الأرض، فالأرض ما زالت تعطي بسخاء.

وليست في الفلاح، فهو ما زال صابراً متمسكاً بجذوره.

بل المشكلة في حلقةٍ مفقودة بين الإنتاج والتسويق، بين الجهد والنتيجة، بين الحلم والواقع.

ومع مرور الوقت، لا تبقى هذه الأزمة مجرد قضية موسمية، بل تتحول إلى تهديدٍ استراتيجي.

فالفلاح الذي يخسر اليوم، قد لا يزرع غداً.

والأرض التي تُهمل، قد تصمت بعد حين.

وعندها، لا يكون الخطر في فقدان محصول، بل في فقدان القدرة على الإنتاج نفسه.

إن الأمن الغذائي لا يُبنى بالشعارات، بل بالسياسات الفاعلة.

ولا يتحقق بالاستيراد، بل بدعم المنتج المحلي.

ولا يُصان إلا حين يشعر الفلاح أن الدولة تقف معه، لا خلفه فقط، بل إلى جانبه.

ولذلك، فإن معالجة هذا الواقع تتطلب أكثر من حلولٍ مؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة، تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند المخزن عبر الاتي :

١-- آليات واضحة وسريعة لاستلام المحصول دون تأخير.

٢-- تسعير عادل يضمن للفلاح ربحاً يحفزه على الاستمرار.

٣-- توسعة الطاقات التخزينية بما يواكب حجم الإنتاج

٤-- دعم حقيقي لمستلزمات الزراعة من بذور وأسمدة ووقود

٥-- تقليل الروتين الإداري الذي يستهلك وقت الفلاح وجهده

٦-- إشراك المزارعين في صنع القرار الزراعي، لا تهميشهم

إن الفلاح ليس رقماً في معادلة، بل هو حجر الأساس في بناء الاقتصاد الزراعي.

وإهماله لا يعني خسارة فرد، بل خسارة منظومة كاملة من الاستقرار والإنتاج.

يا فرحةً ما دامت…

لكنها لا يجب أن تبقى كذلك.

يمكن لهذه الفرحة أن تكتمل، إذا تحولت السياسة من ردّ فعل إلى فعل، ومن إدارة أزمة إلى بناء نظام. يمكن للسنابل أن تبقى رمزاً للخير، لا بداية لحكاية الخيبة، إذا وُجدت الإرادة الحقيقية للإصلاح.

في النهاية...الحنطة ليست مجرد حبوب بل هي قصة وطن تُكتب كل عام.

إما أن تُكتب بحبر الكرامة، حين يُنصف الفلاح ويُصان إنتاجه أو تُكتب بمرارة الإهمال، حين تُترك السنابل لتواجه مصيرها وحدها.

والسؤال الذي يبقى معلقاً :

كم موسمٍ آخر نحتاج، لندرك أن دعم الفلاح ليس خياراً… بل ضرورة بقاء...؟

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

يوم بدات عملية التحول الالي في الموضع الازدواج الجزئي الطبقي الاوربي، ماكان لها ان تتحقق كاملة، وظلت بدون تحقق بانتظار شرط توفر مادي ينتظر تولده باعقاب الاله بصيغتها الاولى المصنعية كمحطة ثانيه، واخر قد يكون الاهم، عقلي ادراكي جوهر، لامغادرة لليدوية من دونه ظل منذ بدء تبلور المجتمعات والى الساعه غير منظور،  رازحا تحت وطاة حالة من القصورية  العقلية الكبرى، مانعه لمقاربة الحقيقة المجتمعية الاساس الناظمه للوجود، وللاليات والمسار المجتمعي البشري، ومثل هذا القصوركانت له صيغة ادنى في الحالة الاوربية، تمثلت بالعجز التاريخي، عن ادراك ظاهرة الطبقات والصراع الطبقي،  وهو ماقد استمر قائما حتى القرن التاسع عشر، قبل ان تكتشف وتتحول لاحقا الى مفهوم ينحو لان يكون شاملا كنظرية تاريخية مفترضة، من الموحي ايرادها تنويها كمثال رغم قصوريتها وارضويتها هي بالذات، فالاصطراعية الكبرى  التحولية هي بالاحرى اصطراعية مجتمعية بين "ارضية يدوية جسدية"، واخرى "لاارضية عقلية تكنولوجية" هي الحصيلة والمنتهى المقرر للاله ان ترتقي لموجباته، بعد بضع تحولات تطرأ عليها في مجرى الصراع وعملية الانتقال التي  تبدأ اوربيه ثم امريكية في المجتمعية من دون تاريخ، وصولا الى المحطة الاخيرة  الراهنة، حيث الازدواج اللاارضوي التاريخي في ارض البدء الاول، ارض مابين النهرين.

ذلك يعني ان الاتقلاب الالي التحولي بدا بالاحرى  مع القرن السادس عشر في ارض سومر التاريخيه، وهو قد تهيأت اسبابه الاولى ابان الطور العباسي القرمطي الانتظاري الامبراطوري بعد القرن السابع حتى الثالث عشر، ماقبل سقوط العاصمة العالمية ومركز العملية الاقتصادية بغداد عام 1258 و فعل الاقتصاد العالمي التجاري الريعي داخل اوربا، وما تسبب به من تحفيز لعملية الاصطراع  الطبقي الاخير الراهن هناك، وهو عملية لم تكن ذاتية منطلقا، بقدر ماهي برانيه بدات مع وبعد انهيار عاصمة الاقتصاد العالمي، والدورة الازدواجية  العراقية الثانيه التي لم تكن قابله كما الدورة الاول السومرية البابليه الابراهيمية  للتحقق، لنقص الاسباب المادية( وسيلة الانتاج) والادراكية الكبرى، ليعود هذا الموضع من المعمورة الى الانبعاث هذه المرة ذاهبا للتحقق اللاارضوي، مع القرن السادس عشر، في دورة جديده، طورها الاول قبلي ، مع "اتحاد قبائل المنتفك" عام 1530، الذي هو بالاحرى انبعاث  ودورة النطقية  الغائبة المؤجلة مابعد اليدوية، مع الوسيلة المادية الانتاجية المبتدئه  تحولا على الضفة الاخرى من المتوسط،  سيرا الى التكنولوجيا العقلية النهاية والمقصد، هي ومابعدها، حيث الاشتراطات الحتمية للانقلاب التحولي اللاارضوي الانتقالي  بالكائن البشري، من "الانسايوان"  الانتقالي الحالي، الى "الانسان/ العقل"منتهى وغرض العملية الارتقائية النشوئية، لا كما يراها دارون  بحكم قصوريته، على انها عملية جسدية وحسب.

اثرمرورعملية التشكل الحديثة غير الناطقة بالحقبة الاولى القبلية السومرية الجنوبية،  ولدت حقبة انتظارية مستعادة نجفية، بدات مع القرن الثامن عشر، ووقتها  وخلال الحقبتين المشار اليهما لم تكن الديناميات الشامله المتولدة عن الانقلابيه الاليه في اوربا قد صار لها حضور يمكن ان يسهم في  بلورة منظور التشكل العراقي الحديث فوق المحلي "الوطني" بالطبيعه والكينونه، بينما استمرت القصورية العقلية، بالاخص في هذا الموضع من الكرة الارضية سارية، مع العلم انها الموضع المنطوي على الحقيقة المجتمعية  الازدواجية الكبرى، فلما حضر الغرب الاوربي مع القرن العشرين لم يعرف العراق سوى المنظور المستعار خارج الاليات والبنيه الذاتيه، ومنه تولدت ظاهرة الحزبيه المسماة بالوطنيه اعتباطا، واستمرت على مدى يقارب القرن تحت اشتراطات الغرب وتوهميته الاولى  ونموذجيته الليبرالية  ومفاهيمه الكيانويه، وهذة سقطت كليا وانتهى مفعولها بعد ثورة  تموز 1958 ، لتنتهي مع ظهور الدولة الريعيه بعد تاريخ البرانيه المستمر من احتلال هولاكو لبغداد عام 1258 ، حين تحولت عاصمة  الدورة الثانيه الامبراطورية المنهارة  الى موضع لتعاقب الدول واشباه الامبراطوريات، وصولا الى البرانيه الاستعمارية الحداثية، ونموذجيتها المباينه للدول التي سبقتها والتي من دون نموذج  مثل الالي الابتدائي المتغلب على مستوى المعمورة، وان بالوهم، علما بان ماتعاقب من دول على العاصمه المنهارة لم يتعد حكمه بالتتابع، حدود العاصمه، بالاخص مع القرن السادس عشر حين صار العراق كما العادة وكما هي بنيته "دولتان" سفلى قائمه بلا اعلان كيانيه، وعليا بلا سلطة، في حال اصطراع دائم مع الاسفل.

في العشرينات والثلاثينات بعد الاحتلال البربيطاني واقامته مايسمى ب " الدولة " البرانيه من خارج النصاب المجتمعي تحقيقا لمصالحه، ولاستحالة بسطه سيطرته على العراق بعد الثورة الكبرى اللاارضوية غير الناطقة عام 1020  والتي كادت تجبره على الانسحاب من دون "حكومه من اهل البلاد تكون واجهه"، بينما كان هو اصلا يميل لتكريس هيمنته على " اقامه وافتعال الدول" كقاعدة كان يجدها موافقه لاغراضه الهيمنيه مع انها تلعب في العراق دورا اباديا على مستوى النموذج المفرض، عن طريق فرض برانيه احاديا على مجتمعية ازدواجيا بالكينونه، الامر الذي فتح الباب امام شيء من التشكلية الازدواجية الاصطراعية  مع دينامياتها الاعلى، وبالاخص مع الريع النفطي والحزب العقائدي والنواة القرابيه ومع  الاحتدامية الاصطراعية الازدواجية بين التشكل الاسفل والدولة في الاعلى، فلقد اصبح النفط كعامال من خارج الاصطراع( هو بهذا يشبه الالة بدخولها الصراع الطبقي الاوربي من خارجه لتقلب مساراته) ماقد اوحى بحضور حالة غير مألوفه، استثارت  احترابا اقليميا استمر لثمان سنوات انتهت بخروج الريع من الفعل، بسبب كلفة الحرب ماقد وضع الحكم في حال الاختلال اقرب للجنوني وقتها، واخذ الامور نحو خصوصية مستجده لاعلاقة لها بحال ابار النفط، ولا حتى بدول الانهار التي منها العراق بالاصل وتاريخيا، مع انه موضع تشكل امبراطوري نموذجي كوني  من بداياته،   تحكمه الدورات والانقطاعات رغم كل مايحيط به، وماهو شائع نموذجيا، فلقد اقام جيشا هو "الرابع " على مستوى العالم الامر الذي لاعلاقة له برغبات او مايريده صدام حسين بازاء اليات تكوينيه تتجاوزه، وهكذا سيعيش العراق من الثمانينات الى حرب التدمير الساحقة للكيانيه في 2003 ومابعدها، سلسلة من الاصطراعات الدامية، والاحتراب الذي لايهدأ، مكررا ظاهرة "العيش على حافة الفناء " التاريخيه اليوم، بينما العالم يدخل طور التفارق بين عملية التطور الموضوعي الالي، واستمرار وطاة القصورية الادراكيه الباقية ماثلة منذ ابتداء تبلور المجتمعية.

الثورة العظمى، او التحول الاكبر المنتظر، تصوري عقلي يخص ضرورات النظر والفكر، فاذا لم يتمكن الكائن البشري من هنا فصاعدا من تجاوز قصوريته التاريخيه الادراكية، فانه سيذهب بلا مراء نحو الفناء، ذلك لان وسيله الانتاج الاخذه بالتبلور والتي ستغدو فاعلة اساسيه من هنا فصاعدا، هي وسيلة لاعلاقة لها بالحياة والوجود القائم، والذي كان قائما ابتداء من تبلور المجتمعات الجسدية الحاجاتيه نتاج الانتاجية اليدوية، ونوع الكائن البشري والمكتوب له بلوغه، من هنا ياتي الشعور المتزايد بالعجز، او اللاقدرة ازاء ماصارت البشرية تعانيه على الصعد المختلفة، الامر البديهي حين يكون الواقع ومجريات الحياة سائرة باتجاه، والعقل متوقف عند مفاهيم وتصورات من زمن اخر انتهى مفعوله وانقضى امده..

" اما الادراكية وانهاء وعبورالقصورية العقلية، او الفناء"، هذا شعار اليوم الذي انبثقت اولى علامات لفت النظر باتجاهه مع " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ"منذ 2008 بقوه مفعوا الكينونه الازدواجية التاريخيه اللاارضوية، وماقد قاربه العالم  والكائن البشري من انتقال من الجسد الى العقل.

ـ يتبع ـ حلقة أخيرة دعوية.

***

عبد الأمير الركابي

في لحظات الهدوء، يرتدي الجميع أجمل ما لديهم من ثياب الأخلاق؛ نرى اللطف، والحلم، والأناة. لكن المحك الحقيقي لصلابة هذه المنظومة القيمية يكمن في لحظة واحدة.. لحظة الغضب العارم.

إن الغضب ليس مجرد انفعال عابر، بل هو حالة من "التعري الأخلاقي"، حيث يفقد الإنسان في لحظة طيش واحدة كل السمات والفضائل التي ميز الله بها البشر وستر بها نزعات الشرور داخل النفس الإنسانية. في تلك اللحظة، يبدأ المرء بنزع ثوب حلمه، ثم وقاره، ثم حياؤه، تدريجياً وبسرعة فائقة، ليجد نفسه في النهاية عارياً تماماً أمام الملا؛ تظهر عيوب النفس ومساوئها دفعة واحدة دون ساتر.

الوقوف عند السلوك الظاهري لا يكفي، فلحظة الانفجار هذه ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج تراكمات وجذور ضاربة في عمق الطفولة فالتربية العنيفة، واللوم الزائد، والتوبيخ المستمر للطفل، يزرع داخله شعوراً بالدونية وعدم الأمان وهذا العنف واللوم في الطفولة يكبُر مع الإنسان ليتحول إلى آلية دفاعية مشوهة؛ فيصبح سريع الغضب، يشك في نوايا الآخرين، ويحور كلماتهم، متوهماً أن الجميع يتآمر ضده أو يسعى للنيل منه.

فتصبح لديه نزعة للتخلي عن كل ما هو جميل، والاندفاع لتدمير العلاقات عند أول شرارة خلاف.

الوصول إلى هذه المرحلة ليس قدراً محتوماً، والشفاء من هذه الترسبات يبدأ بخطوات واعية ومدروسة:

1. الوعي الذاتي:

إن دراسة وفهم سيكولوجية النفس البشرية، ومعرفة الدوافع وراء انفعالاتنا، يمنح الإنسان قدرة على تفكيك الغضب قبل أن يلتهمه. الوعي هو الخطوة الأولى لترميم شروخ الطفولة.

2. القرب من الله سبحانه وتعالى:

السكينة الحقيقية تنبع من عمق الصلة بالله والثقة المطلقة بتقديره. هذا القرب يورث النفس طمأنينة تجعلها تترفع عن المعارك الوهمية، وتتذكر قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}.

3. التدرب على الهدوء (ضبط النفس)

الحلم بالتحلّم، والهدوء مهارة تُكتسب بالمران. التوقف لثوانٍ قبل إبداء أي رد فعل، وتغيير الوضعية الجسدية عند الغضب، يحول دون نزع الثوب الأخلاقي.

4. تعزيز الثقة بالنفس:

حين يكون الإنسان متصالحاً مع ذاته، واثقاً من قيمته، لن تهزه كلمات الآخرين، ولن يرى في كل نقد أو اختلاف "مؤامرة" تستدعي منه الهجوم والدفاع العنيف.

فالأخلاق ليست زينة نرتديها في الرخاء ونخلعها في الشدة. إنها هوية الإنسان الحقيقية. وحماية هذه الهوية تتطلب منا جهداً مستمراً في تهذيب النفس، ومواجهة رواسب الماضي، لكي لا نقع في فخ "التعري" أمام أنفسنا وأمام مجتمعاتنا في لحظة غضب عابرة.

***

هناء عبد الكريم

ذي قار _ قلعة سكر

 

الكثير من المناسبات التي يُراد منها أن تكون محطةً للفرح وتلطيف النفوس تتحول، بسبب منغصاتٍ وعوارض غير محسوبة، إلى نقيض ما أُريد لها، وهذا ما حدث في حفل عقد قران الشاعر كزار حنتوش.

ففي الثامن عشر من شهر آذار عام 1997 شهدت قاعة الحرية في الديوانية حفلاً جماهيرياً كبيراً بمناسبة عقد قران الشاعر كزار حنتوش على رفيقة دربه الشاعرة رسمية محيبس. وقد تميز الحفل بحضور رسمي وشعبي غير مسبوق؛ فعلى الصعيد الرسمي، وعلى غير العادة، حضر الحفل كبار المسؤولين الحكوميين والحزبيين في المدينة، أما شعبياً فقد غصّت القاعة بطابقيها وممراتها بجمهور واسع من بسطاء المدينة ومثقفيها. وكان الأبرز في الحفل مشاركة الشاعرين عريان السيد خلف وحسن النواب إلى جانب الشاعر علي الشباني الذي تولّى إدارة الحفل، وكذلك ثامر أمين وحاكم الحداد ومحسن دوري، وقد حظي الشاعر عريان باستقبال شعبي لافت، فعلى عكس الاحتفالات الجماهيرية التي لا يُسمع فيها سوى الهتافات التي تمجّد القائد، ذهبت هتافات الجمهور باتجاه كيل المديح لعريان وإظهار مكانته في الوجدان الشعبي، الأمر الذي أثار حفيظة المسؤولين الذين كانوا ينتظرون من الحفل أن يكون مناسبة لتمجيد رأس النظام والهتاف باسمه، إلا أن الجمهور والمشاركين تجاهلوا ذلك، وجرت الرياح بما لا تشتهي سفن المسؤولين فساد التوتر أجواء الحفل، وبدا الحرج واضحاً على كبيرهم. عندها أدرك الشاعر عريان حساسية الموقف والتوتر الذي ساد الصفوف الأولى، فاضطر إلى تهدئة الاحتقان بالتوقف عن قراءاته الشعرية، لينفضّ الحفل وسط غضب المسؤول الحزبي الأول في المدينة، الذي خرج من القاعة مزمجراً، واصفاً الحفل بأنه مؤامرة ضد الحزب والثورة، وداعياً إلى إحضار المشاركين في الحفل إلى مقره الحزبي في الليلة نفسها، ولولا تدخل بعض الوسطاء لتهدئة الموقف وإقناع المسؤول بأن الأمر لم يكن مقصوداً ولا مبيّتاً، لدخلنا تلك الليلة في أزمة كبيرة.

وكانت مشاركتي في ذلك الحفل شهادةً أدبية بحق كزار حنتوش، لا بأس من استذكارها بعد مرور ثلاثة عقود على ذلك الحدث، وقد جاء فيها:

(كتب الشاعر رسول حمزاتوف:

أيها الزمن، لا تتباهَ، فنحن لسنا ظلالاً تلتمع في نورك، فينا يعيش رجال تمنحك فضائلهم بريقك، أبطالنا وشعراؤنا والفلاسفة ينيرون طريقك، وأنت بروعتهم، لا بروعتك، تشعّ كل ساعة وكل يوم.

لم تكن هذه الكلمات، التي تُدين بفضل المبدعين ودورهم في تزيين الحياة، مجرد أحرف مزوقة، إنما شهادة يؤكد صوابها هذا الكرنفال الزاخر بالجمال والمحبة والفرح ، وأيُّ حدثٍ هذا الذي جعل من صحافتنا ومدينتنا، لأيام متواصلة، تُعدّ العدة للاحتفال به؟ وهل كان كزار حنتوش، هذا “الناحل كيخط النمل”، يختلف عن بقية الشعراء؟ وكيف استطاع ابن الديوانية هذا أن يجعل من صحافتنا، هذه الحسناء المترفعة، تمنح وسادتها لرأسه الصغير وتنشغل بأخباره ومشاريعه؟ وأين يكمن السر في هذا الكرنفال البهي، حيث توافد الكثيرون، ومن مسافات بعيدة، لكي يشاركوا أفراح هذا الكائن الأعزل إلا من قصائده النابضة بحب الناس؟

عريان السيد خلف، ومعه حشد من المبدعين والمحبين، يغنون وينشدون القصائد لعرس هذا الشاعر الذي لا يملك سوى قلبه الطيب وسرباً من حمام القصائد المحلّقة في فضاء الإبداع العراقي ، كبيرنا وصغيرنا تركوا وراءهم الكثير، وحضروا لكي يؤكدوا حجم المحبة لشاعر تميز بالبساطة والعفوية؛ شاعرٌ لم يرتدِ يوماً بدلة رسمية، ولم يغسل شعره بالشامبو الفرنسي، ولم يتعطر يوماً بعطر سان لوران، ولم يكن يدخن سجائر “مالبورو”، كما أشك في أنه تناول يوماً وجبة طعام في مطعم “البحر الأبيض”.

ومع هذا الزهد، الذي لم يكن باختياره، فإنه نال كل هذه المحبة، لأنه شاعر نقي السريرة، يكتب الشعر بلغة تتوهج في نفوسنا مثل خبز التنور، ويختار مواضيع قصائده من بيننا فتدخل القلب ضاحكة ، لذا لا نستغرب هذا الحب والاهتمام الجماهيري. فهنيئاً لك يا ابن حنتوش، فعرسك هو عرس الديوانية) .

18/3/1997

***

ثامر الحاج أمين

انطوت يوم السبت السابع عشر، من ايار العام الفائت، واحدة من انصع الصفحات الأدبية الشعرية في بلادنا، مخلفة وراءها ارثا ادبيا شعريا تشبث حتى مقولاته الأخيرة بالتراث العربي العريق. مركزا على اهمية معرفة الذات، اولا وقبل كل شيء، ومتخذا من التراث العربي الخالد انموذجا له، فيما يقوله ويمارسه خلال عمله في مجال التربية وتعليم اللغة العربية خلال ما قارب لأربعة عقود من الزمن، واثناء كتابته الشعر ايضا.

المرة الاولى التي التقيت فيها الشاعر الصديق الراحل جريس دبيات (١٩٥٠/ ١٧-٥-٢٠٢٥)، ابن كفر كنا المحب، الوفي المخلص، كانت برفقة الشاعر الكاتب الصحفي المرحوم ميشيل حداد، ابن مدينتي الناصرة، وقد تم ذلك اللقاء في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات، وتم على ما اذكر في استوديوهات دار الإذاعة، اما المناسبة فقد كانت لغرض تسجيل بعض من القصص والقصائد الشعرية في البرنامج الادبي الذي كان يعده ويحرره الكاتب الاعلامي المثقف المرحوم عرفان ابو حمد، ابن مدينتي الناصرة.. الذي امضى سحابة شبابه وعمره حتى ايامه الاخيرة مقيما مع ابناء اسرته الصغيرة في مدينة حيفا.

منذ اللحظة الاولى شعرت انني عثرت في شاعرنا الراحل، على الصديق المنشود، الدارس الاكاديمي للغة العربية والاسلام، في جامعة حيفا، العامل في مجال تعليم اللغة العربية في بلدته كفر كنا ذات التاريخ الديني والحضاري التليد، لهذا ما ان انتهينا من تسجيل ما سبق واعددناه من مواد ادبية، حتى جلسنا في غرفة اعدت هناك لاستقبال الضيوف، وشرعنا في التحدث، لأتبين، عبر حديث محب متدفق مثل قصيدة، انه عاشق للغة العربية والشعر العربي، لا سيما لدى شاعرنا الخالد ابي الطيب المتنبي، وما زلت اذكر وهل انسى، انشاده ما استظهره عن ظهر قلب لشاعره الاثير ذاك.

هكذا جرى الامر في لقائنا الاول ولم نفترق حينها الا بعد تحديد موعد متجدد للقاء اخر..، لتتواصل فيما بعد اللقاءات، لقاء يتلوه لقاء، وحديثا يوطد العلاقة الأدبية فيما بيننا بعد حديث، وقد ترافقت تلك اللقاءات بزيارات متبادلة هو يزورني في الناصرة، وانا ازوره في المقابل.. في بلدته كفر كنا، او قانا الجليل، بلدة المعجزات. في تلك اللقاءات التي تمت في بيت ذويه، وقد كان يقوم في حينها في مركز البلدة، تعرفت على ابناء اسرته.  اخواته ليلى، عايدة وادما، واخيه الاكبر عيسى، مدير المدرسة ومعلم اللغة العربية ايضا، ووالدته التي سترحل فيما بعد بسنوات مديدة، مخلفة وراءها جرحا اسيا، طالما حدثني عنه، وقد رافقه حتى يومه الاخير في عالمنا، كما كنت استشف كلما التقيت به في هذا المكان او ذاك من مكان سكناي او مكان سكناه.

كما قلت عمل الشاعر الراحل للتو، الصديق جريس دبيات في مجال تعليم اللغة العربية، ولم يكن معلما عاديا كما اشار عدد من تلاميذه وأصدقائه، منهم بلدياته غسان ابو داوود، في تعقيبات سريعة على رحيله، وانما كان معلما يعدي تلاميذه في حبه للغة العربية وشاعره الاثير المحبب ابي الطيب المتنبي، وقد أشار تلميذه الدكتور سمير خطيب، انه حتى بعد تقاعده عن التعليم عام ٢٠٠٦ ، واصل تزويده، واعتقد تزويد اخرين من طلابه، بتوجيهاته وتصويباته اللغوية، فيما كانوا يقعون فيه من هنات وعثرات، ولم يتوقف نشاطه اللغوي التنويري هذا على طلابه خلال تدريسه لهم، وبعد تقاعده من التعليم، وانما تجاوزه ليقوم فيما بعد، بالتعاون مع الاعلامي الصديق فهمي فرح، بإنشاء زاوية إذاعية، تبث من برنامج الاخير، ويقوم الاستاذ جريس دبيات بدوره خلالها بتقديم ارشادات وتصويبات لغوية ملحة وتحتاج الى من يتولى امر كشفها وتقديمها للجمهور العام، لغرض تحسين الاداء اللغوي لمن يحتاج ويرغب.

كان هذا على مستوى العطاء في مجال التربية والتعليم، اما في مجال عشق شاعرنا الاول، وهو الشعر العربي، بشقيه العمودي والتفعيلي، فقد دأب/ شاعرنا على كتابته بصمت واناة ودون جلبة او ضجيج، مركزا على العديد من المواضيع في مقدمتها الارض، الوطن والمرأة، اضافة الى شعر الرثاء، وقد اصدر خلال سنوات عطائه في مجال الشعر عددا من المجموعات الشعري هي: مع إطلالة الفجر، ١٩٩٤، تظلين احلى، ١٩٩٦، ورماديات، ٢٠٠١ ، وقد كان لي شرف الموافقة على طباعتها واصدارها، ابان فترة رئاستي للجنة البحث في طباعة الكتب المقدمة الى دائرة الثقافة العربية. ويذكر ان   شاعرنا الراحل، كان يعد لإصدار مجموعة اخرى اضافية، حملها عنوانا حافلا بالمحبة هو كرمى لعينيها، غير انه لم يتمكن من اصدارها.. فهل يتمكن ورثته؟..

لقد تواصلت علاقتنا الادبية هذه، حتى ايامه الاخيرة، وحتى عندما الزمه المرض بيته، بقي وفيا لهذه العلاقة، فكان يعلق على ما اكتبه وانشره في السوشيال ميديا، تعليق العارف المحب المدرك، وكان رحمه الله معاضدا ومساندا حكيما، واعيا ومدركا، لكل كلمة يعقب بها على كتابة لي، الامر الذي وطد علاقتنا الادبية، وعزز الاحترام الشخصي الادبي المنطلق من فهم الذات اولا وقبل كل شيء، ذلك الاحترام الذي قام على الاحترام المتبادل ووقفت في صميمه المصلحة الأدبية العامة.

***

ناجي ظاهر

منذ سن مبكرة فتحت عيني على الصحافة العربية كانت تستهويني صور الكتاب التي ترافق اعمدتهم وزواياهم الإبداعية فكانت جريدة الأهرام اليومي تجمع في صفحاتها كبار الكتاب والمفكرين من مصطفى محمود واحمد بهجت وأنيس منصور  واحمد بهاء الدين وموسى صبري ويوسف إدريس وغيرهم من الرواد الذين أثروا في وجدان القارئ العربي، فكنت اقبل على الصحف من أجل كاتب تستهويني أفكاره وكم حلمت وأنا صغير ان يكون لي عمود مثلهم انثر فيه افكاري وهواجسي، ومما كان يشد انتباهي ويبهرني تلك الكتابات التي يصف اصحابها تجاربهم في عواصم العالم من باريس إلى لندن فارتبطت الكتابة في ذهني بالشهرة والسفر والمال ومعرفة الشخصيات الكبرى، وكم تمنيت ان تكون صحفنا مثل الصحافة المشرقية تستكتب كبار الكتاب والشعراء فتفتح الجريدة فنجد فيها اسماء لامعة في الثقافة والفكر تتحفنا بتجاربها وخبراتها فيقبل القراء على شراء الجريدة ولكن للاسف تجد صحفنا خالية من هذه الوجبات الفكرية الدسمة وتفتقر إلى هذه الأعمدة لأن كثيرا من الكتاب يزهدون في الكتابة فالصحف لا تدفع مستحقات تليق بمكانتهم الإبداعية وحتى الذين يحاولون تأثيث هذه الصحف بأعمدة مجانية على الصفحات الثقافية يجدون انفسهم يعانون فهذه الصفحات الثقافية تظهر يوما وتغيب أسبوعا أو اكثر وفي كثير يحجب عمود الكاتب من أجل مادة ثقافية تزاحمه أو إشهار يأخذ مكانه..

ماذا لو وجدنا صحيفة تستثمر في هؤلاء الكتاب تفتح لهم مجالات الكتابة وتغدق عليهم بالمال ولم لا تتكفل بطبع كتبهم وتكليفهم بسفريات ورحلات تجمع بين السياحة والثقافة بإحراء حوارات مع شخصيات ثفافية وسياسية في تلك البلدان والمدن ..

إنها مجرد هواجس ينفثها قلمي وأنا أعلم الواقع الثقافي الذي نعيشه، مازلت رغم كل الخيبات والانكسارات اعشق كتابة الأعمدة، مازالت صورة كبار الكتاب في الصحف العربية الشهيرة تسكن مخيلتي، فأنا من جيل تربى على قراءة الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية وعاش اجواء الثقافة الحقة والإعلام الهادف فلا تستغرب عزيزي القارئ تشبثي بهذه الأحلام رغم انحسار الصحافة الورقية وسهولة النشر الالكتروني الذي لا يكلف شيئا ولا يصيبك بدوار النشر الورقي...

***

الكاتب شدري معمر علي

 

ما الذي تكشفه معركة النحو في العراق؟

انّ الضجّة التي أثارها اقتراح أحد الاعلاميين العراقيين تعيين ”مشرف لغوي“ لرئيس الوزراء لم تكن في جوهرها سجالاً نحويا عابرا حول ضمّة أُسقِطت أو فتحة أُسيء موضعها، بل كانت لحظة انكشاف نفسي وثقافي عميق، خرج فيها العراقي المعاصر من نقاش اللغة إلى مساءلة معنى الدولة ذاتها. فما بدا ظاهريا دفاعا عن سلامة الإعراب، كان في العمق صراعا بين صورتين للسلطة: سلطة كانت تستمد هيبتها من فخامة الخطاب وسلطة جديدة يُراد لها ان تُقاس بقدرتها على الإنجاز لا ببلاغة اللسان.

لقد ظلّ البيان في الوعي العربي والعراقي خصوصاً جزءا من هندسة الشرعية السياسية. فالحاكم في المخيال التقليدي لم يكن مجرد مدير للدولة، بل خطيبا يحمل سحر اللغة ورهبة الأداء، حتى غدت الفصاحة قرينة للهيبة وكأنّ الدولة تُحكم بالنحو قبل القوانين. من منابر الجاهلية إلى جمهوريات القرن العشرين كانت البلاغة تُنتج نوعا من السلطة الكاريزمية التي تُخضع الجماهير بالإيقاع قبل المنطق وبالصوت قبل الفعل.

غير أنّ المأساة التاريخية التي عاشها العراق والعالم العربي قلبت المعادلة رأسا على عقب. فالعقود الطويلة من الخطب الرنانة والشعارات الفخمة التي انتهت إلى الحروب والانهيارات والاستبداد، ولّدت داخل الوعي الجمعي ما يشبه الصدمة الحضارية تجاه البلاغة نفسها. لم يعد المواطن يثق باللغة حين تنفصل عن الواقع ولم تعد الفصاحة وحدها قادرة على انتاج الشرعية. وهكذا نشأ ما يمكن تسميته بـالشك الشعبي في البيان، حيث تحوّلت البلاغة من رمز للقيادة إلى احتمال للخداع ومن أداة اقناع إلى قناع قد يخفي الفراغ.

ومن هنا يمكن فهم العنف الرمزي الذي انفجر في التعليقات الرقمية. فالمجتمع لم يكن يناقش أخطاء لغوية بقدر ما كان يفاوض ذاكرته الجماعية. هناك من يرى في اللحن تصدّعا في صورة الدولة الوقورة، لأنّ الحاكم في اللاوعي العربي يُفترض أن يكون صورة للأب الكامل: فصيحاً ومتماسكا ومهابا. وفي المقابل ظهرت نزعة براغماتية ساخرة تكاد تقول: دعوا الحركات لسيبويه وأعطونا كهرباء وماء وعدالة. إنها الثنائية التي وصفها علي الوردي بـ ”ازدواجية الشخصية“، لكنها هنا تعود في نسختها الرقمية الحديثة: صراع بين التوق إلى الرمز وهيمنة الحاجة إلى المنفعة.

والأكثر دلالة أنّ السجال كشف عن جرح حضاري دفين لدى العراقي. فحين يستحضر المعلّقون دول الخليج أو مصر للمقارنة، فهم لا يقارنون أداءً لغويا فحسب، بل يقيسون المسافة المؤلمة بين إرث العراق التاريخي وواقعه الراهن. العراق الذي قدّم للعالم الحرف والنحو والمدارس العقلية الكبرى يجد نفسه اليوم مأزوما حتى في صورة خطابه الرسمي. هنا يتحول نقد الإعراب إلى احتجاج وجودي مكتوم، إذ لا يعود السؤال: لماذا اخطأ المسؤول لغوياً؟ بل: كيف انحدرت الدولة التي كانت مركزاً للمعرفة إلى هذا القدر من التآكل الرمزي؟

لقد منحت الرقمنة المواطن سلطة لم تكن متاحة من قبل. فالحاكم لم يعد محاطا بهالة مقدسة تُمنع مساءلتها، بل أصبح خاضعا لتشريح يومي علني، تُفكّك فيه نبرته وحركاته وحتى مخارج حروفه. انّها نهاية الزعيم المنبر وبداية المسؤول القابل للتقييم. ولهذا لم يعد الجمهور يبحث عن البلاغة بوصفها قيمة مستقلة، بل بوصفها جزءا من كفاءة شاملة، فإن غابت الإنجازات، تحولت الفصاحة إلى استفزاز وإن حضر الفعل غُفرت العيوب اللفظية.

إنّ ما يحدث اليوم ليس أزمة نحو، بل تحوّل في فلسفة الشرعية ذاتها. فالعراقي الذي طالما أُخضع لسحر الخطابة بدأ يتحرر تدريجيا من عبادة الشكل إلى مساءلة الجوهر ومن الانبهار بالنبرة إلى المطالبة بالمؤسسة. إنه انتقال تاريخي من الشرعية اللفظية إلى الشرعية الإنجازية، حيث لم تعد الدولة تُقاس بقدرتها على إنتاج الخطب، بل بقدرتها على إنتاج الحياة.

وهكذا فإن الجدل حول ضمة وكسرة لم يكن حدثاً صغيرا، بل علامة على مخاض فكري عميق يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة في العصر الرقمي، عصر لم يعد فيه البيان وحده يصنع الهيبة، بل أصبح الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي يتقنها الناس جميعا.

***

حميد القحطاني

حبط: بطل، فسد وذهب سدى

أحبط: أفسد، أبطل

الإحباط: إعاقة النشاط المتجه نحو هدف، أما بإيقافه او التهديد بإيقافه، أو الإيحاء إن مآله إلى الهزيمة والخيبة.

ما يعترينا إفساد الصالح فينا، ولدينا طاقة لتثبيط عزائم بعضنا، وهدر طاقاتنا، ومناوأة أي تطلع إستشرافي وثاب.

ولهذا تجدنا بلا قدرة على التأثير والتغيير، ومعظم جمعياتنا وتجمعاتنا مصيرها الفشل، والتأسن في مدارات ما فينا من الأهواء المعجونة بأمّارة السوء المتسيّدة على وعينا الجمعي.

وهذه بعض العوامل المبنية على الملاحظة والتجربة:

أولا: غياب الهدف الجامع

من الصعب في مجتمعاتنا الإعتصام بهدف مشترك جامع، ولهذا فالمصالح المشتركة لا قيمة لها ولا معنى، وكل منا يغني على ليلاه المدنفة (مَن أضناه الحب وأتعبه) في دنياه.

فلكل هدفه ورأيه المتمترس فيه ولا يرى هدفا سواه، فالغلو منطواه، ويكره سواه.

ثانيا: التناحرية

تناحر: تخاصم بعنف وقوة

ينطبق علينا القول "وما اجتمعت بأذواد فحول"، فالروح الغابية فاعلة فينا ومؤثرة في مسيرتنا على كافة المستويات، ولهذا ما أصلح أمر الأمة سُراتها.

التناحر بأنواعه وأساليبه قائم في مجتمعاتنا، والشجاع مَن ينال من غيره ويحط من قدره ويسفه ما يقدمه للبلاد والعباد.

ثالثا: معاداة الناجحين والمتميزين

من عجائب سلوكنا أننا نضع المصدات والعثرات أمام الناجحين من أبناء أمتنا، ولا نريد التصديق بأن لدينا طاقات وقدرات ذات قيمة حضارية معاصرة، بل تجدنا نهرول وراء الآخرين ونحسب أننا دونهم بكثير، ونتوهم أننا في مستنقع وعلينا أن نأكل بعضنا لنبقى إلى حين.

رابعا: نكران التطور والتقدم وعدم الإعتراف بأن الأرض تدورر

ليس غريبا إذا قلنا بأن العديد من أبناء الأمة ينكرون دوران الأرض ولا يتفكرون في توالي الليل والنهار، والعديد من نخب الأمة يتجاهلون أو يتغافلون عن هذه الحقيقة وكأنهم يعيشون في عصر كوبرنيكوس.

أي أنهم يتمترسون فيما بدا لهم راسخا وفاعلا في الحياة وفقا للزاوية العليلة التي يحدقون فيها ومنها، وتلك معضلة خفية ذات آثار سلبية كارثية.

خامسا: القهقرية

أي الإندفاع للتدحرج إلى الوراء، فالميل للخطو إلى الوراء منهج معزز بآليات نفسية وسلوكية، جعل الأجيال تبدو وكأنها تتزحلق على السفوح بتعجيل متسارع نحو وديان الغياب.

فالكل ورائي النظر، وكأن عيونه خلف رأسه، ولا يبصر ما يرى، بل يحسب أنه يرى وفقا لما تمليه عليه مطموراته المتسيدة عليه.

سادسا: تفسير الأحداث المعاصرة بما جرى سابقا بتبريرية فاضحة

لا يوجد حدث معاصر إلا وتحقق تفسيره وفقا لما جرى فيما مضى من العقود والقرون والعصور، وهذه حالة تراجعية تمويتية لا تعترف بالحاضر ومفرداته، وتميل إلى الإتيان بالغوابر وفرضها على زمن لا يعرفها ولا تعرفه.

سابعا: لا يجوز الإعتراف بقدرات بعضنا

من الخطوط الحمراء المفروضة علينا، ونجهل مصادرها، أو نتغاضى عنها خوفا ورهبة، أن لا يسمح لنا بالتفاخر ببعضنا، لأن في ذلك سلوك إيجابي بنّاء، والمطلوب السلوك السلبي الهدام، لنبقى في خنوع وإمتثال لإرادة الآخرين.

ثامنا: الإعلام التقنيطي

إعلامنا مروّج لما يحط من قدراتنا، ويمعن بإلهائنا وتغييبنا وتنويم الأجيال وتخديرها بطروحات متنوعة، ذات إنحدارية عالية نحو تجريدها من دورها الحضاري، وإخراجها من دائرة الحياة، وذلك بتحبيب الموت ونكران الدنيا وما فيها، وفقا لمعتقدات مسوّقة وأضاليل مؤججة للعواطف والإنفعالات.

تاسعا: الفريسة يجب أن تتمرغ بمأساتها

إستلطاف المآسي والويلات مشروع ذو ربحية عالية، ووسيلة ناجعة لصناعة القطيع الرابض في ميادين السمع والطاعة، وإعتبار الأحداث من المسلمات المرسومة والأقدار المحتومة، وعلينا الإستسلام وإستعذاب النكبات والتغني بالتداعيات، واللوذ بالصمت وذرف الدموع الآسيات.

عاشرا: العاطفة عقلنا الفاعل فينا

العواطف المؤججة تقودنا إلى سلوكيات إنعكاسية ذات تداعيات مأساوية، وتترجم في واقعنا الدامي إرادة  " سبق السيف العذل"، ثلاث كلمات تمحق الإثم والخطيئة، وتحررنا من تأنيب الضمير، وتدعونا إلى تكرار ردود أفعالنا الآنية.

حادي عشر: إغماط حق الآخرين شجاعة

أسس تربيتنا وتنشأتنا غابية الأركان ويحكمها القول: " إذا لم تكن ذئبا ذؤوبا بالت عليك الثعالب"، هذا هو المسار المخفي في حياتنا التي نحاول أن ندثرها بأنواع الأقنعة، وخصوصا التي تتصل بالقيم السامية، فالبشر يرتدي أزياء غيره وما فيه لا يبديه بوضوح، بل بمخاتلة ومراوغة معقدة.

ثاني عشر: النفس الطاغية

الطغيان من أهم أركان وجودنا، ويعتمل في دنيانا، ونكون مؤهلين للتعبير عنه عند أية فرصة تعزز فرديتنا وتمنحنا صلاحيات إتخاذ القرار. وهذه الروح الطغيانية تعطل التشاور والتحاور والإنصات للرأي الآخر، وتؤكد على الإستبداد والإنفراد في كل شيئ لتأكيد الذات المكلومة.

ثالث عشر: الجوع النفسي

الحاجات النفسية للبشر في مجتمعاتنا لم يتحقق إرضاؤها، ولهذا فأنه محمّل بكدمات وجراح وأقياح نفسية متنوعة، ما أن تجد فرصة مواتية حتى تنطلق، والمؤلم أن الكثير من أبناء المجتمع يكنزون دمامل محتقنة بالأقياح، والويل لنا من إنفجارها، فالأقياح النفسية المتراكمة فينا تقودنا إلى سوء المصير.

رابع عشر: التنافس المجهول

في واقعنا التنافس يعني التقاتل والإنتقام من بعضنا، فمفهوم التنافس بيننا غير محكوم بضوابط ذات قيمة وطنية أو مجتمعية، إنه تناطح أكباش وصراع ديكة، ومبارزة دامية، الفائز فيها قاتل والخاسر مقتول.

خامس عشر: الإعتصامية الغائبة

نجهل ما يعصمنا ويجمعنا ونقترب منه إن عرفناه بإنفعالية تقضي عليه وتكرهنا به، وبرغم معرفتنا بالآية " واعتصموا بحبل الله جميع ولا تفرقوا..."، لكننا أغفلنا كل حبال الألفة والمودة والرحمة والتمسك براية، قل هو الله أحد، وقديما قال حكماؤنا

"تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا

وإذا افترقن تكسرت آحادا"

سادس عشر: صعوبة العيش كأحرار

فلا بد لنا من شخص نضفي عليه هالة القدسية ليأخذنا إلى حيث يشاء، ونحن نتبع نخنع ومَن يرفع صوته يستحق الرجم والإعدام

سابع عشر: الغدر والخيانة

الغدر شطارة والخيانة بسالة، ولهذا لا نحفظ العهود والمواثيق، والكراسي السلطوية في مجتمعاتنا تدوس على رقبة الدستور والقانون، والعديد من المتنفذين لا يمسهم القانون، ويكون وسيلتهم للنيل من الآخرين.

ثامن عشر: الإذعانية

مجتمعات الإذعان للآخرين لا تمتلك إرادة تقرير المصير، ومن الواضح أن السائد في طروحاتنا، أن ما حصل لنا سببه أن الآخرين قروره وأرادوه، ولا نجرؤ على التساؤل عن إرادتنا، فالحياة صراع إرادات، فلماذا نلغي إرادتنا ونلقي باللوم على غيرنا؟

تاسع عشر: التواكلية

سلوك الإعتماد على الغير يتحرك بنشاط مروع في مجتمعاتنا، ويمثل علاقة الطفل بوالديه، وكأن لكل شيئ في حياتنا أبٌ وأم، وعلينا أن نلقي بأوزارنا عليهما، ومن النادر أن تجد من يعتمد على نفسه ولا يتواكل على غيره.

وهذا واضح في سلوك أنظمة حكمنا التي تغذي الإعتماد عليها لتتمكن من الحكم بالحرمان والقهر والجور المبرر بألف حيلة وحيلة.

عشرون: الإدعائية

لا يوجد بيننا من لا يعرف، ولا مَن يرى أن الله أعلم، وأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا، الجميع يعرفون، وفي جهلهم وغفلتهم يغرقون، وبكل ما لا تعرف يعرفون، وكأننا كرات بليارد متصادمة، والحقيقة الغائبة أو المتجاهلة أننا لا ندري شيئا في خضم الوجود المتسع الأطراف، لكننا ندعي ما ندعيه، ونندس في جلابيب الأوهام.

هذه بعض العوامل التي تساعدنا على فهم تبعثرنا وتناثرنا كالهشيم، رغم ما يجمعنا ويؤسس لقوتنا المتميزة وإبداعنا الأصيل.

فهل لدينا القدرة على إستثمار طاقاتنا وبناء وجودنا الحضاري المنير؟

***

د. صادق السامرائي

 

{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [سورة الحج : 26]

الحج عمل عظيم، والعمل العظيم لا يحتاج جهداً عظيماً، وإنما لإخلاص عظيم؛ فالفرائض والعبادات يجب أن تكون مدفوعة بالإيمان الخضوع لله سبحانه، لتنال شرف العبودية وتكون طائعاً لربك، مؤدياً لرسالتك، ومحافظاً على نقاء قلبك وطهر روحك. إن الله عز وجل غني عن العالمين، ولكنه يمحص المؤمنين ويختبر إيمانهم، وذلك ليصفي قلوبهم عن كل ما دونه، حتى لا يكون عملهم إلا لله وحده؛ هذه هي الحكمة من إخلاص النية قبل كل عمل، فتثبيت الإيمان يبدأ من النية الصادقة الخالصة لله وحده.

وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). فقد يكون العمل ظاهره لله، ودافعه كان حاجة صاحبه به نيل شيء من متاع الدنيا وزينتها؛ هذا العمل صالح في نظر الناس، وغير مقبول عند رب الناس؛ لأنه جل جلاله لا يرضى بالعمل الذي لا يُبتغى به وجهه وحده.

وفي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). فالقلب هو محل نظر الرب سبحانه، والعمل الخالص يُدفع من شغاف القلب ومن عمق الروح بنية خالصة لتعظيم العظيم ظاهراً وباطناً بالخوف منه وحده والرجاء فيه قبل كل شيء، بالسير في سبيله ومراقبته في كل خطوة، وبأن يكون كل عمل في الحياة لله وحده، حتى تعمير الدنيا يُنوى به العون على عبادته، وفي البحث عن رزق يُنوى به العون على ذكره وشكره، والنوم ينوى به الراحة لإعادة النشاط والسعي من جديد في سبيل رب العالمين؛ هكذا يكون العمل خالصاً مخلصاً له وحده.

وعندما نتكلم عن أداء فريضة الحج، فهذا يعني أن عليك أن تفهم كل ما عليك من آداب تجاه نيتك هذه؛ فالحج عظيم؛ لأنك تنوي به زيارة بيت الله الحرام، وما أعظمه من شرف! لذلك عليك أن تستشعر عظمته قبل زيارته.

فلسفة الإحرام والمساواة في حضرة الحرم

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [سورة البقرة : 197]

بعد النية يأتي العمل، وأول أعمال الحج هي الإحرام الذي تخلع فيه أثواب العناء الملوثة بالذنوب، وتتجرد من نفاقك وجحودك وآثامك، وكل ما كان يثقل كاهلك من معاصٍ وذنوب، لتخلع أثواب الغرور التي ألبسك الناس إياها، وثوب الكبر الذي زينه الشيطان لأجلك. فأنت تخلع ثياب الدنيا المبهرجة بزينتها وتلبس ثوباً أبيض لا خياطة فيه، لا شكل له؛ أنت وآلاف المسلمين القادمون إلى بيت الله الحرام ترتدون زياً واحداً، فلا فرق بينكم لمن يراكم من بعيد، ولكن الفرق يعرفه الذي يعلم خفايا قلوبكم وعمق أرواحكم.

لا الأعراف ولا العادات والتقاليد تسمح لك بالتميز أو العصرية في حضرة الحرم الشريف؛ أنت في بيت الله عز وجل، والله ينظر إلى قلوبكم لا لأجسادكم. وفي ضيافة الرحمن، كل عباده متجردين عن التكلف، ملزمون بثوب التواضع والخشوع؛ لأنهم مقبلون على بيت ليس كباقي البيوت، مقبلون على خالقهم ورازقهم، فلا تفضيل بين عباده هناك ولا تمييز بينهم. فغنيهم يترك كل ماله وزينته، ويذهب إليه بثوب أبيض لا يكفي حتى لجسده، ليعلم أنه فقير إليه مهما بلغت ثروته.

وفقيرهم أيضاً يخلع أثواب العجز والذل والكدر، ويلبس ثوباً أبيض، شأنه كشأن غنيهم، ليعلم أن أصحاب الجاه والمال عند الله مجرد عباد مثل أصحاب البلاء والفقر، فلا المال ولا الجاه يرفع مقامهم على مقام غيرهم. فهناك في بيت الله الحرام، لا ينفع مال ولا بنون؛ ليفرح الفقير والعاجز والضعيف بأن العظيم سبحانه لا يفرق بين عباده إلا بتقواهم وإيمانهم، وهذا في علم الغيب عنده؛ لذلك أيها المسكين البائس الحزين فليبقَ أملك بالرحيم عظيماً؛ فلعلّك الأقرب إليه وأنت لا تشعر. إن الإحرام يؤدبك شئت أم أبيت؛ لأنك ذاهب إلى أعظم بيت، وكل ضيوف ربك لا فرق بينهم عنده

من كل فج عميق: الهروب من الذنوب إلى سكينة الغفور

قال الحق سبحانه: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [سورة الحج : 27]

في الحج يأتي الناس من كل بقاع الأرض؛ فمنهم الذي يأتي إلى ربه راكباً، والذي يأتيه مشياً على قدميه وقلبه يسبقه، والذي يأتيه هرولة من شدة شوقه إليه. ومع تقدم العلم وتعاقب الأزمان، أصبح الناس يأتون إليه بوسائل مختلفة -بالطائرات، أو القطارات، أو الحافلات، أو السيارات- لكل منهم فج عميق؛ طريق من بلده إلى بيت ربه، وفج عميق داخله، فيه الهموم والحاجات والأسرار الثقيلة مجتمعة، التي تريد أن تخرج لمكان آمن، لا خوف فيه ولا حزن.

فالكل يأتيه ليتوب عن معاصيه التي أكلت قلبه، وقد أكله ندمه عليها، وهناك عند ربه فقط سيجد الأمان والسكينة التي تعينه وتشجعه على أن يبوح بما يخاف أن يسمعه الناس أو أن يُفضح بينهم، فيتحرر منه عندما يبوح به لمن يعلم سره ويستر أمره، فيتوب عليه الرحمن ربه ويمحوها ويغفر له كل زلة؛ لأن الكريم يكرم ضيوفه بمغفرة عظيمة، أولئك الذين أتوه طامعين بكرمه، خائفين عقابه، راجين رحمته، هاربين منه إليه سبحانه؛ ما أحلمه وما أرحمه!

وتبقى رحلة الحجُّ أعظمَ رحلةٍ يعودُ فيها الإنسانُ إلى حقيقتِه الأولى؛ عبدًا ضعيفًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا بالله.

هناك تتساقطُ عن القلبِ أثقالُ الدنيا، وتنكشفُ للنفسِ حقيقتُها بعيدًا عن الزينةِ والأسماءِ والمكانة، فلا يبقى إلا العبدُ وربُّه.

فالحجُّ ليس انتقالًا من بلدٍ إلى بلد، بل انتقالٌ من الغفلةِ إلى اليقظة، ومن التعلّق بالدنيا إلى التعلّق بالله، ومن ثقلِ الذنب إلى سكينةِ المغفرة وبرد اليقين برحمة ربّ العالمين.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

تُعَدّ اللغة الإنجليزية والعملة الأمريكية (الدولار) من أبرز الأدوات التي أسهمت في تشكيل ملامح العالم الحديث، حيث لعبتا دورًا محوريًا في تعزيز مظاهر العولمة والتواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة.

في هذا السياق، يُمكن إرجاع الهيمنة الحالية لكلٍّ من اللغة الإنجليزية والدولار الأمريكي إلى عوامل تاريخية واقتصادية متشابكة، ساهمت في ترسيخهما كرموز للقوة والتأثير العالمي.. ويمكن استعراض الأسباب الكامنة وراء مثل هذه السيطرة.

1. الإرث الاستعماري: 

شهدت القرون الماضية توسّع الإمبراطورية البريطانية، التي جعلت من اللغة الإنجليزية أداةً لفرض الثقافة والتعليم وحتى التجارة. امتد هذا التأثير إلى مختلف أنحاء العالم، آذ جرى استخدام الإنجليزية كلغة مشتركة في المجتمعات المستعمَرة وأصبحت تدريجيًا جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية والسياقات الرسمية لتلك الدول.

2. هيمنة الاقتصاد العالمي:

برزت الولايات المتحدة كقوة اقتصادية عظمى خلال القرن العشرين، ما أدى إلى انتشار اللغة الإنجليزية على نطاق غير مسبوق، لا سيما في المجالات التجارية والاقتصادية. واستنادًا إلى هذا الواقع، أصبحت الشركات متعددة الجنسيات والبنى الاقتصادية العالمية تعتمد عليها وسيلةً للتواصل وفهم لغات الأسواق المحلية والدولية.

3- الدور المركزي للدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي: 

لا يمكن الحديث عن هيمنة الدولار الأمريكي من دون الإشارة إلى الدور الذي يلعبه كعملة احتياطية عالمية. تتجذّر هذه المكانة القائمة على الثقة بالنظام الاقتصادي الأمريكي والتشابك الاقتصادي العالمي الذي يعتمد بصورة كبيرة على الاقتصاد الأمريكي.

ورغم وجود محاولات مستمرة لبعض الدول الخارجة عن النظام المالي التقليدي لتقليل الاعتماد على الدولار، مثل إيران والصين، إلا أن الانتقال إلى نظام عالمي جديد قد يستغرق وقتًا طويلاً، خاصة مع التأثير الواسع النطاق الذي يتمتع به الدولار.

4- العالم ما بعد الدولار: بين الواقع والطموح:

يتطلع بعض الوطنيين في الصين لأن يصبح الإيوان هو العملة المهيمنة عالميًا بدلاً من الدولار الأمريكي. مع ذلك، يشكك الكثيرون من المحللين حول إمكانية حدوث هذا قريبًا، ويرى البعض أن مثل هذه الطموحات قد تكون أهدافًا بعيدة المنال.

كما أشار الاقتصادي (بول كروغمان) مؤخرًا خلال مقابلة إذاعية إلى أن استبدال الدولار كعملة رئيسة للنظام المالي العالمي أمر بالغ التعقيد ولن يتحقق بسرعة أو بسهولة. وبالفعل، يشير التاريخ إلى أن العملات المهيمنة مثل الجنيه الإسترليني والدولار الأمريكي تتسم بمرونة وقوة لا يمكن التغاضي عنهما.

5- دور اللغة الإنجليزية والتحديات الثقافية في العولمة: 

مع ازدهار التجارة الدولية واستمرار التحولات الاقتصادية، تظل اللغة الإنجليزية لغة الأعمال الرئيسية حول العالم. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها بعض الدول لتعزيز لغاتها القومية في المشهد العالمي، يظل الأثر الموروث الذي كرّسته الإمبراطورية البريطانية والهيمنة الاقتصادية الأمريكية حاضرًا بقوة، حتى في الأماكن التي تتمتع بتقاليد لغوية محلية عريقة مثل الصين والهند.

كما أن التحدث بالإنجليزية لا يزال وسيلة ملائمة للعديد من رجال الأعمال الأجانب الذين يسعون للعمل في الأسواق الصينية أو أماكن أخرى، حيث تسهّل اللغة التواصل وتجاوز الحواجز اللغوية.

أما بالنسبة لتجارب السفر الشخصية وتأثير هذه العوامل في الحياة اليومية، فإن اللغة الإنجليزية تُشكّل الوسيلة الرئيسة للتواصل الدولي بالنسبة للكثيرين، بما في ذلك أصحاب الخلفيات اللغوية غير الناطقة بالإنجليزية مثل الناطقين بالعربية. من جهة أخرى، يُعتبر الدولار الأمريكي العملة الأكثر استخدامًا في التحويلات والسفر والعلاقات الاقتصادية العابرة للحدود.

في الختام، يمكن القول إن هيمنة اللغة الإنجليزية والدولار الأمريكي لا تعكس فقط تاريخ الاستعمار أو قوة الاقتصاد الحديث، بل أيضًا تشكل دعامة أساسية للنظام العالمي الراهن. ومع ذلك، فإن النقاشات المستمرة حول مستقبل هذا النظام تطرح احتمالات تغييرات قادمة قد تعيد تشكيل الميزان اللغوي والمالي على الساحة الدولية.

***

شاكر عبد موسى - كاتب وباحث

 

من الصعب تفسير وفهم ما حصل لجوهرة حضارية ساطعة في ذروة تألق الدولة العباسية، وإشعاع عصرها الذهبي المشرق في أرجاء الدنيا.

مدينة أرادها مؤسسها أن تتفوق على جمال حواضر بلاد الأندلس، التي إشتهرت ببهائها ومنطلقاتها المعرفية المتميزة، وحقق رؤيته، وشيدها وفقا لمعاير جمالية " تسر الناظرين " لكنها وبعد مقتل المتوكل تحولت إلى مدينة "تسوء الناظرين"، فكيف يتحقق ذلك في وقت قصير، وكأنها إنهارت من علو وتبعثرت أجزاؤها، وتهدمت رموزها العمرانية وفي مقدمتها الجامع الكبير بملويته الشماء الذي بدأ البناء فيه سنة (234 ) هجرية.

قتلوا المتوكل سنة (247) هجرية، وبعدها تهاوت معالم المدينة وإنمحقت قصورها، ومواقعها المتنوعة بطرزها العمرانية الفريدة، والتي شكلت ثورة عمرانية إنتشرت في أرجاء الدنيا.

جامع بن طولون في القاهرة بدأ العمل فيه سنة (263) هجرية، متأثرا بفكرة الجامع الكبير في سامراء، وجامع قرطبة في إسبانيا بدأ بناؤه سنة (169) هجرية، أما الجامع الأموي في دمشق، فبدأ بناؤه سنة (86) هجرية، وجميعها باقية إلى يومنا الحاضر، وجوامع سامراء إنمحقت وتحولت إلى ركام، وكذلك قصورها ومعسكراتها ومنشآتها المتنوعة التي كانت تدار الدولة العباسية منها.

ماذا جرى؟

لماذا الإنتقال الحاد من الجمال إلى القبح؟

مَن هي الأقوام التي محقت وجودا فائق الروعة والبهاء؟

كيف يعم الخراب الجامع الكبير وجامع أبي دلف؟

لا قيمة للأجوبة الجاهزة التبريرية التقنيطية التي تتهم الآخرين، بينما الحقيقة المريرة أن مَن كان في المدينة وحولها هم الذين فتكوا بعمرانها، فتعرضت البنايات فيها لهدم متواصل، وخلع لأحجارها وبيعها للناس لبناء بيوتهم، فمعظم بيوت سامراء القديمة مبنية بالطابوق (لفرشي) المخلوع من بناياتها السامقة، ويبدو أن تجارة الناس بالطابوق كانت منتشرة، كما أن بناء السور (1250) هجرية،  قد إستحوذ على معظم طابوق القصور العباسية والمواقع الإدارية.

ومن المفيد ذكر أن العباسيين قد شيدوا معامل للطابوق لتوفير حجارة البناء، وكذلك معامل للجص، كلها تخربت، وإعتاشت المدينة على هدم قصورها لبناء ما يسمى بالبيوت.

التفسير والتحليل لا نفع منهما بعد أن "وقع الفأس بالرأس"

 ويبدو أن المدينة تحت طائلة الهدم والتخريب في معظم العصور، ولم تتمتع بالقدرة على إدامة ما تبقى فيها من معالم آثارية عباسية، إلا في العهد الملكي، رغم هدم ساطع الحصري لسورها (وهو ليس عباسيا) سنة (1936)، أما باقي العهود فخربتها وما عمرتها، ولا يزال ناعور النيل منها يدور ويعبر العصور.

 عند زيارة إسبانيا تحضر سامراء بما قيل عن قصورها الفارهة وجمالها العمراني الخلاب الذي إندثر، وبقيت معالم الأندلس متشامخة تجتذب السائحين من أرجاء الدنيا.

فأين العيب؟

هم حافظوا على آثارنا وإعتنوا بها، ونحن أعداء تأريخنا وقساة على تراثنا ومدمرون لمعالم وجودنا!!

مَعالمُها توارتْ واسْتحالتْ

خرائبُ كمْ نُعاديها فماتَتْ

بها الدنيا تَسامَتْ في رؤاها

وأطلقتِ المَحاسنَ واسْتزانَتْ

بها هَجَعتْ مَعالمُ مُرتقانا

وحينَ بلوغِها مَجْداً تهاوَتْ

***

د. صادق السامرائي

........................

الطابوق الفرشي: طابوقة بمساحة قدم مربع، وسمكها خمسة سنتيمتر.

الفهم عن الله، مفتاح تحويل العوائق إلى معارج

لا شك أن الفهم عن الله هو مطية السالك إلى الله تعالى الحبيب المحبوب ففي رحاب طريق السلوك إلى الله، تتجلى حقيقة كبرى ينبغي الانتباه إليها لأهميتها القصوى حيث ان كل فكرة تخطر على البال، وكل خطوة يخطوها السالك لحضرة الله عز وجل ، هي إما دافع نحو القرب أو مثبط عن الوصول. إنها لحظات فارقة تتطلب وعيا عميقا وفهما عن الله في كل تفصيل، حتى لا تضل النفس في متاهات الأمارة بالسوء، بل تتحول كل عقبة إلى جسر، وكل سلبية إلى إيجابية، وكل خاطر إلى مطية نحو وجه الله الكريم، فالفكرة هي منبع الحركة ومحركها، حيث ان الفكرة هي الشرارة الأولى لكل فعل، وهي البذرة التي تنمو لتثمر سلوكا. فإذا كانت الفكرة مستنيرة بنور الفهم عن الله، كانت الحركة مباركة والخطوة موفقة.

لتتخيل انك أيها القارئ العزيز انك جالس على اريكتك مرتاحا فرن هاتفك ليخبرك المتصل انك فزت صدفة في قرعة أرقام هواتف ففاز رقم هاتفك بسيارة ينبغي أن تلتحق بالمدينة الفلانية حالا، لا شك انك ستنطلق فرحا خصوصا ان تأكدت من المؤسسة التي قامت بالقرعة وان كل المسار المتبعة صحيحة، وقد يحصل ان يتصل مخادعون بشخص آخر لينطلق فرحا هو الآخر فلما وصل لوسط الطريق جاءه اتصال ليخبره انه قد مكر به فإنه ولا شك سيقفل راجعت حزينا.

إن الذي حركك فرحا فكرة، ومن جعله يقفل راجعا بحزن فكرة، الفكرة قراءنا الأعزاء دافع الحركة والفكرة تصطحب معها شعورا، اما حزن او فرح او قلق او حيرة او وسواس.... الخ من تلونات المشاعر المصطحبة الأفكار.

إن السالك الحقيقي هو من يدرك أن الأفكار ليست مجرد خواطر عابرة، بل هي رسائل اما إلهية او شيطانية وهي في كلتا الحالتين اختبارات تتطلب التأمل والتدبر. فالفكرة الإيجابية التي تدعو إلى الخير والعطاء، هي نفحة من نفحات الحق، ينبغي احتضانها وتنميتها.

أما الفكرة السلبية، التي تدعو إلى الكسل أو اليأس أو الغفلة، فهي رسالة نفس أمارة او فكرة شيطانية تتطلب اليقظة والتحويل.

لا غرو ان تلونات النفس الأمارة بالسوء انما هي في الحقيقة تحديات في طريق السلوك فالنفس الأمارة بالسوء هي الحجاب الأكبر بين العبد وربه. حيث تتلون بأشكال شتى، وتتسلل إلى القلب والعقل عبر وساوس خفية، وتسويفات ماكرة، وتصويرات سلبية تهدف إلى إعاقة السالك عن سيره في طريق ابتغاء وجهه الكريم. إنها في غالب الأحيان تدعو إلى الراحة، وتزين المعصية، وتوهم بالاستحقاق، وتثبط العزائم.

هنا يبرز دور ان الفهم عن الله هو الدرع الواقٍ والسلاح النافع، فالوساوس هي همسات شيطانية تحاول زرع الشك والتردد في قلب السالك.

 والفهم عن الله يقتضي إدراك أن هذه الوساوس ليست من ذات السالك، بل هي عوارض خارجية ينبغي دفعها بالاستعاذة والذكر والتفكر في عظمة الله ورحمته. كلما زادت الوساوس، زادت الحاجة إلى التمسك بحبل الله المتين الذي هو في نظرنا مثل قناة تغدق ماء غيبيا زلالا من حوضه الشريف من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فمن سيسقى غدا يوم القيامة من حوضه الشريف هو من شرب اصلا من كاساته صلى الله عليه وسلم عبر قنوات الصلاة وقراءة القرآن الكريم اللذان يشكلان كلاهما حبل الاتصال بين ما هو علوي نوراني وبين ما هو مادي ارضي.

***

د. محمد غاني - كاتب المغرب