تُعرَف أخلاق الإنسان، وتُختبَر، حين يُستفز، وحين يواجه كلمةً جارحة أو موقفًا مؤذيًا، لا في ساعات الرضا، ولا في مجالس المجاملة. ففي تلك اللحظة القصيرة التي تفصل بين الإساءة والرد، ينكشف معدن الإنسان، وتظهر ما اختزنته نفسه من تربية، وما اكتسبه من حكمة، وما يملكه من قدرة على ضبط انفعالاته.
والإساءة، مهما اختلفت صورها، وسواء كانت بقصد أم بغير قصد، هي اختبار لأخلاق الفرد قبل أن تكون اعتداءً على كرامته. لذلك ينبغي ألا نسمح لمن أساء إلينا بأن يتحكم في مشاعرنا، أو يدفعنا إلى التخلي عن مبادئنا. وقد جاءت الشرائع السماوية لتضع ميزانًا دقيقًا يجمع بين حفظ الكرامة وضبط النفس؛ فأُبيح للمظلوم أن يرد بمثل ما اعتُدي عليه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾. وهو حق يكفل للإنسان ألا يكون مستباحًا، لكنه في الوقت نفسه يقيّده بالعدل، حتى لا تتحول الرغبة في الإنصاف إلى ظلم جديد.
غير أن بعض الناس يتخذون من الإساءة ذريعة للانتقام، فيردون الصاع صاعين، وربما أكثر. هنا لا يتكلم العقل، بل يتكلم الكبرياء الجريح، فيتوهم صاحبه أن قسوة الرد دليل قوة، مع أن التجارب أثبتت أن كثيرًا من الخصومات الكبيرة بدأت بكلمة تجاوزت حدود العدل.
وفي المقابل، يبلغ الإنسان مرتبة أسمى حين يدرك أن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فليس كل استفزاز يستحق جوابًا، وليس كل معركة تستحق أن تُخاض. وليس في ذلك استسلام ولا ضعف، وإنما هو إعلان عن سمو النفس، واختيار واعٍ بعدم السماح للجهل أن يجر الإنسان إلى مستواه. وأفضل رد على بعض المسيئين ألا تمنحهم المكانة التي يبحثون عنها في ذهنك؛ فبعض الناس لا يريدون الانتصار في النقاش بقدر ما يريدون استنزافك نفسيًا وإشغالك بهم.
ومن المواقف التي يمر بها كثير من الناس أنهم يُصابون بالذهول عندما يفاجَؤون بالإساءة، فتنعقد ألسنتهم ويعجزون عن الرد في اللحظة نفسها. ويغادرهم الجواب حين يكونون في أمسّ الحاجة إليه، ثم تتدفق الكلمات بعد انقضاء الموقف، فيلومون أنفسهم لأنهم لم يقولوا ما كان ينبغي أن يُقال.
ويفسر علم النفس هذه الحالة بأن الدماغ، عندما يتعرض لموقف صادم أو مهين بصورة مفاجئة، يدخل في لحظة قصيرة من التوقف المؤقت تعطل سرعة الاستجابة. وهنا يكون الصمت استجابة طبيعية للمفاجأة، لا علامة على الضعف. ويزداد ذلك عند أصحاب النفوس المهذبة الذين لم يعتادوا لغة التجريح، فيجدون أنفسهم عاجزين عن مجاراة المسيء؛ لأن أخلاقهم تأبى أن تنحدر إلى المستوى الذي اختاره لنفسه.
ويكون الصمت أحيانًا خيارًا واعيًا تمليه الحكمة وحسن تقدير العواقب؛ فقد يجد الإنسان نفسه أمام شخص يستقوي بمنصبه الوظيفي، أو بنفوذه السياسي، أو بحماية عشائرية، أو اجتماعية، فيدرك أن أي رد، مهما كان متزنًا، قد يجر عليه أضرارًا لا تتناسب مع حجم الإساءة. وفي مثل هذه المواقف يصبح الصمت قرارًا عقلانيًا، لا استسلامًا، وتأجيلًا للمواجهة إلى وقت تكون فيه العدالة، أو القانون، أو الظروف، أكثر إنصافًا.
فالحكمة لا تكمن في الصمت الدائم، كما لا تكمن في الرد المتسرع، وإنما في معرفة التوقيت المناسب لكل منهما. ومن الحكمة تحكيم العقل في اختيار المعركة التي تستحق أن تُخاض؛ فكسب معركة صغيرة قد يقود إلى خسارة أكبر. فالشجاعة الحقيقية لا تتمثل في الرد على كل إساءة، وإنما في القدرة على التمييز بين موقف تستوجب فيه الكرامة المواجهة، وآخر يكون تجاوزه أكثر حكمة وأقل كلفة.
ولعل اختيار الإنسان أسلوب الرد تعود جذوره إلى سنوات الطفولة؛ فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يواجه الخلاف والخصومة. فمن نشأ في بيئة يُعاقَب فيها الطفل على مجرد الاعتراض أو الدفاع عن نفسه، يكبر وهو يربط بين المواجهة والخطر، فيميل إلى الصمت والانسحاب كلما وقع في نزاع. أما من تربى على الحوار واحترام الرأي، فإنه يتعلم كيف يرفض الخطأ ويدافع عن حقه من دون أن يتحول هو نفسه إلى مخطئ.
وأستطيع أن ألمس هذا الأثر في تجربتي الشخصية. فقد نشأت في بيت كان الخوف من العقاب، ومن كلام الناس، حاضرًا بقوة، وكان تجنب المشكلات فضيلة لا يُعلى عليها، سواء كنت مخطئًا أم مظلومًا. وبعد سنوات أدركت أن تربية الأبناء على حسن الخلق يجب أن يصاحبها تعليمهم كيف يدافعون عن حقوقهم بأدب، وكيف يضعون للآخرين حدودًا واضحة من غير إساءة أو عدوان. وربما أصبح من الضروري في زماننا أن يتعلم الأبناء فنون الدفاع عن النفس التي تمنحهم الثقة والانضباط، ليكونوا قادرين على حماية أنفسهم عند الحاجة.
وفي واقعنا اليوم، نرى نماذج تتوهم أن الوقاحة شجاعة، وأن رفع الصوت قوة، وأن التجاوز على الآخرين دليل جرأة. والأسوأ من ذلك أنهم يطلقون على هذا السلوك اسم “الصراحة”. وما أبعد الصراحة عن الوقاحة؛ فالصراحة احترام للحقيقة، أما الوقاحة فهي ازدراء للناس وإهانة لمشاعرهم. ومن قيمنا الاجتماعية التي نشأنا عليها احترام الكبير، وتقدير أصحاب المقامات الرفيعة، وأهل العلم والخبرة، وهي قيم لا يستقيم المجتمع السليم إلا بها. ومن يظن أن الانتقاص من الآخرين أو كسر هيبتهم يرفع من شأنه، فإنما يخفي شعورًا بالنقص خلف ضجيج الكلمات.
ويعيش الإنسان صراعًا داخليًا مؤلمًا حين يجد نفسه عاجزًا عن الرد، وربما يحرمه ذلك من النوم وهو يستعيد الموقف مرة بعد أخرى، ويتخيل ما كان يمكن أن يقوله، ويلوم نفسه لأنه لم يقله. وفي مثل هذه الحالات تصبح الكتابة متنفسًا يفرغ فيه الإنسان غضبه، فيحول انفعاله إلى فكرة، وألمه إلى تجربة، وربما إلى مقال يجد فيه الآخرون شيئًا من أنفسهم. ورغم الألم، فإن تأجيل أي رد حتى يهدأ الغضب، بل وحتى الركون إلى النوم، هو الخيار الأسلم؛ فما أكثر الكلمات التي ندمنا عليها لأنها خرجت في لحظة انفعال، وما أكثر الكلمات التي حمدنا الله أننا لم نقلها.
ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان هو انتصاره على نفسه قبل انتصاره على خصمه. فالكرامة تُصان بما يحمله الإنسان من قيم ومبادئ، وبألا يسمح لإساءة عابرة أن تنتزع منه أدبه، أو تدفعه إلى أن يصبح صورة أخرى لمن أساء إليه. فالصمت أمام السفهاء وقار، والرد الحكيم عند الحاجة شجاعة. وليس كل صمت فضيلة، ولا كل رد انتصارًا؛ فالانتصار الحقيقي أن تخرج من الموقف محتفظًا بكرامتك، محافظًا على أخلاقك، مطمئن الضمير، لأنك انتصرت للإنسان الذي تريد أن تكونه. أما انتصار الغضب، فلا يلبث أن يزول. وخير ما اختتم به مقالتي المتواضعة، بيتين للإمام الشافعي:
إِذا نَطَقَ السَفيهُ فَلا تَجِبهُ
فَخَيرٌ مِن إِجابَتِهِ السُكوتُ
*
فَإِن كَلَّمتَهُ فَرَّجتَ عَنهُ
وَإِن خَلَّيتَهُ كَمَداً يَموتُ
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








