عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

شاكر عبد موسى: الحرب الخوارزمية بدلاً من الحرب التقليدية

هل يمكن أن تكون الصين على أعتاب تحقيق انقلاب استراتيجي في مجال حرب الخوارزميات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؟ هل من الممكن فعلاً أن يتم تعطيل جيش كامل، ليس عبر التشويش على راداراته، بل بخداع الأنظمة الذكية التي تتحكم في عملياته؟.

هذا هو الجوهر الذي تراهن عليه الحرب "الخوارزمية"، آذ كشف بحث جديد صدر عن وحدة الأبحاث العسكرية العليا في الصين جانباً من رؤى جيش التحرير الشعبي حول كيفية مواجهة هذه التحديات الجديدة.

الخوارزمية: ليست سوى مجموعة من التعليمات التي تُدير الذكاء الاصطناعي، بدءاً من تنظيم أسراب الطائرات المسيّرة وانتهاءً بأنظمة التعرف على الأهداف وشبكات القيادة والتحكم.

 أما "حرب الخوارزميات"، فهي طريقة للمنافسة التقنية تتمثل في حماية خوارزمياتك الخاصة والتلاعب بأخرى العدو، سواء عبر إفسادها، خداعها أو حتى سرقتها.

في ورقة بحثية صدرت بتاريخ 7 أبريل، نيسان 2026 في مجلة "تكنولوجيا الصواريخ التكتيكية" الصينية، استعرض فريق من المهندسين بقيادة فينغ ييليو ولي تينغدا من كلية العمليات المشتركة التابعة لجامعة الدفاع الوطني الصينية استراتيجية طموحة لـ"الحرب الخوارزمية".

والكلية، التي تقع في مدينة شيجيانزوانغ، تعد المؤسسة البحثية والتدريبية الرئيسية للجيش الصيني فيما يتعلق بالتكتيكات العسكرية المتعددة المجالات.

يجادل الفريق بأن القدرة على ضرب - الذكاء الاصطناعي - الخاص بالعدو بشكل مباغت توفر ميزة مهمة يمكن أن تحقق نتائج ملموسة دون الحاجة لإنفاق موارد ضخمة على العمليات التقليدية.

 ووفقاً لما ذكره الباحثون، خلال المعارك يمكن للخوارزمية نفسها أن تتعلم وتتأقلم مع استراتيجيات الهجوم الجديدة لتعزيز قدرتها الدفاعية. هنا تكمن الفكرة الأساسية وراء الرؤية الصينية : "أخذ المبادرة في الهجوم والانخراط في لعبة ديناميكية".

الدراسة تُدافع عن نهج مزدوج: أساليب دفاعية تشمل إجراءات أمنية أساسية مثل تشفير البيانات والتحقق المستمر منها، إلى جانب استراتيجيات هجومية تستهدف إضعاف قدرة العدو التكنولوجية بدقة فائقة.

على سبيل المثال، هناك هجمات "تسميم البيانات"، آذ يقوم الجانبان بمحاولات لتلويث البيانات التدريبية للذكاء الاصطناعي الخاص بالخصم. المثال المطروح يتعلق بتقديم بيانات مُضللة تقود الذكاء الاصطناعي إلى تصنيف دبابة عسكرية على أنها مركبة مدنية.

أسلوب آخر هو تنفيذ هجمات "الباب الخلفي"، والتي تتضمن إدخال محفزات خفية خلال مرحلة التدريب تجعل الذكاء الاصطناعي يعمل بشكل طبيعي في الظروف العادية، لكنه يُخطئ عمداً في المواقف الحرجة.

 وهناك طريقة ثالثة، وهي سرقة نموذج الخصم عن طريق قصفه بالبيانات وعكس هندسة المنطق الأساسي لتطوير نسخة مُقلدة منه. كما تشمل الاستراتيجيات التدميرية هجمات دقيقة مثل التلاعب بالبكسلات على الطائرة أو السلاح لجعل الذكاء الاصطناعي الخاص بالخصم غير قادر على تحديد الهدف.

لكن هذه الورقة البحثية لم تدعو إلى الهجوم فقط، بل ركّزت أيضاً على الدفاع. وينصح فريق الباحثين باستراتيجية دفاع متكاملة تتألف من طبقتين: الأولى تشمل الدفاع السلبي الذي يقوم على حماية أسس النظام عبر إجراءات مثل تشفير البيانات وعزل بيئات التدريب. أما الطبقة الثانية فهي الدفاع النشط، وهي نهج يقوم على تغيير مستمر لبنية الخوارزميات من أجل تضليل المهاجمين، واستخدام الفخاخ الرقمية لاستدراجهم إلى شراك زائفة.

رغم هذه الرؤية الطموحة للصين، إلا أن العالم يعيش سباقاً محموماً في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري. فمنذ عام 2017، كانت الولايات المتحدة رائدة في هذا المجال عندما أطلقت وزارة الدفاع الأمريكية - مشروع مافن - لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات مراقبة الطائرات المسيّرة. أما روسيا، فهي أيضًا منافس بارز في هذا السباق، آذ استثمرت بكثافة في التقنيات الذكية لتدعيم قدراتها العسكرية، خاصة فيما يتعلق بأسراب الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.

في النهاية، يتضح أن حرب الخوارزميات قد تصبح واحدة من أخطر أشكال الصراعات المستقبلية، حيث لن تقتصر المواجهات بين الجيوش على القدرات التقليدية المعروفة، بل قد تقرر المعركة أدوات التنقيب والخداع الرقمي.

***

شاكر عبد موسى/ العراق

كاتب وباحث

في المثقف اليوم