أقلام حرة
حميد علي القحطاني: قراءة في سُكر اللحظة وضجيج التاريخ
في لحظات التحوّل الكبرى لا ينهار العالم دفعةً واحدة، بل يختلّ ميزان العقل وهو يحدّق في الانهيار. هناك، في تلك المسافة الدقيقة بين وقوع الحدث وتأويله، يدخل الوعي الجمعي حالةً يمكن تسميتها سُكر اللحظة: تلك الحالة التي تسبق فيها الصدمةُ الفهم، ويُستبدل فيها التفكير بالانفعال، ويغدو الواقع أثقل من أن يُحتمل بلا استعجال المعنى. لا يصنع هذا السُكر النصر وحده، بل تصنعه الصدمة حين تداهم العقل قبل أن يستعيد توازنه، فيتحوّل الفهم من عملية بطيئة إلى ردّ فعل متعجّل، ومن تفكير إلى طمأنة نفسية.
في تلك اللحظة، لا نفكّر بقدر ما نُصاب بالفهم ولا نحلّل بقدر ما نبحث عن يقينٍ سريع يُخفّف وطأة الدهشة. يُعاد ترتيب الواقع على عجل ويُختصر المعقّد في سرديات مريحة، ويُستبدل السؤال المفتوح بإجابات جاهزة لا تفسّر بقدر ما تُسكّن القلق. هكذا يتحوّل اللامفكَّر فيه إلى خبرٍ عاجل، ويغدو البعيد مشهداً راهناً، ويجد العقل نفسه محاصَراً بفيضٍ من الانفعال لا يترك له ترف التريّث. وهنا تحديداً يبدأ الوهم.
يتكرّر هذا المشهد كلما سقط رمز كبير أو تهاوى نظامٌ بدا طويلاً عصيّاً على الزوال. جدارٌ ينهار، دولةٌ تتفكك، تمثالٌ يُسحب من ساحة، وفي كل مرة يُعاد إنتاج السيناريو ذاته: انبهار فجّ بالقوة الصاعدة، تعميم متهوّر لمعنى السقوط وثقة متعالية بتنبؤات تُولد مكتملة ثم تموت سريعاً. في ذروة هذه اللحظة لا نخطئ في قراءة المستقبل فحسب، بل نفقد القدرة على رؤية الحاضر كما هو، لأن ردّ الفعل يطغى على الفعل، والانفعال يزاحم الحكمة، والسرعة تُقدَّم بوصفها فهماً.
يفضّل العقل، حين يُداهمه الحدث، يقيناً ناقصاً على سؤال مفتوح، وتأويلاً متعجّلاً على صمتٍ ثقيل. فالصمت يحتاج شجاعة، والتريّث يحتاج ثقة بالعقل، بينما تمنح الإجابة السريعة شعوراً زائفاً بالسيطرة. وهكذا لا يعود الخطأ في التقدير خللاً معرفياً فحسب، بل يصبح استجابة نفسية تبحث عن الاستقرار ولو كان موهوماً.
تحت وطأة الصدمة يتراجع العقل عن عادته في التفكيك البطيء ويستسلم لأحكام سريعة تُنقذه من عبء التعقيد. في مثل هذا الاضطراب، تُتخذ القرارات الجسيمة في مناخ نفسي خانق، وتغدو المشورة ضرباً من الوهم، لأن المشورة لا تولد في العاصفة الذهنية. وقد قال الإمام علي، بحدسٍ نافذ سبق العلوم:” ليس مع الخلاف مشورة“. فالخلاف هنا ليس اختلاف رأي، بل اختلال توازن، عاصفة داخلية تُفقد الرؤية صفاءها. وحين يغيب هذا الصفاء لا تعود التقديرات ثمرة عقل، بل إفرازاً لحالة تبحث عن الطمأنينة قبل الحقيقة.
ومع التسرّع يتسلّل انبهار آخر، أشدّ عمقاً وأبعد أثرا: انبهار الغالب في عيون المغلوب. ففي لحظات الانهيار، لا تُقرأ القوة بوصفها واقعة تاريخية عابرة، بل تُفهم كقيمة مطلقة، ويُعاد تفسير العالم من زاوية المنتصر وحده. هنا يتجلّى ما تنبّه له ابن خلدون حين رأى أن المغلوب مولع بتقليد الغالب، لا لقناعته بفضله، بل لانبهاره بقوته. ويأتي القول العلوي مرآةً حادّة لهذا الميل العميق:” إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه“. فالسقوط لا يُسقط النظام وحده، بل يُسقط معه حتى فضائله، بينما يُغدق على المنتصر ما لم يبرهن عليه بعد.
هكذا صُوِّر انهيار الإمبراطورية السوفيتية على أنه انتصار نهائي لفكرة واحدة، وكأن التاريخ بلغ ذروته ولم يعد لديه ما يقوله. وهكذا قُرئ سقوط نظام صدام في العراق بوصفه بداية تلقائية لعصر جديد، وكأن إسقاط الدولة كفيل وحده بولادة المستقبل. في الحالتين، بدا التاريخ خطّاً مستقيماً لا يعرف الالتفاف وبدا الزمن كأنه تعلّم أخيراً كيف يتوقّف عند لحظة واحدة تُختصر فيها المعاني والمصائر.
لكن التاريخ لا يعمل بمنطق الإعلانات، ولا يعترف بلغة الاحتفال. سرعان ما كشف أن ما بدا نهاية لم يكن سوى طور، وأن ما قُدّم بوصفه حتمية لم يكن إلا احتمالاً مُغلَّفاً بلغة اليقين. فالتاريخ لا يتحرّك بالقفزات التي تراها العيون المبهورة، بل بالاحتكاكات الصامتة التي لا تُثير التصفيق، ولا تخضع للسرديات المتعجّلة.
في خضم هذا الضجيج تصبح النجاة المعرفية في المسافة لا في الاصطفاف، في التريّث لا في الاندفاع، في الامتناع عن الذوبان في التيار لا في مجابهته بعصبية معاكسة. من هنا جاءت الوصية العلوية كتعليم أخلاقي للعقل في زمن الفتنة:” كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيُركب ولا ضرع فيُحلب“. ليست هذه دعوة إلى السلبية، بل إلى حيادٍ يحفظ للعقل استقلاله فلا يُستعمل وقوداً للحدث ولا يتحوّل إلى أداة في يد اللحظة.
ويعبّر هيغل عن المعنى ذاته حين يقول إن بومة مينيرفا لا تطير إلا عند الغسق، أي أن الحكمة لا تتجلّى في ذروة العاصفة، بل بعد انقضائها. ويكمل الإمام علي هذا المنطق التاريخي السنني بقوله:” الدول دُول، والدهر يومان: يوم لك ويوم عليك“. بهذه الرؤية ينكسر وهم الديمومة المطلقة ووهم النهاية النهائية للتاريخ، فالمبالغة في التفاؤل زمن النصر، كما الإفراط في اليأس زمن الهزيمة ليسا سوى وجهين لردّ فعلٍ انفعالي، لا ثمرة قراءة واعية لمسارات التحوّل.
وهكذا يتبيّن مرة بعد أخرى، أن الحدث الكبير يفتح العيون بقدر ما يُعميها. نحدّق في وهج الانفجار، فنفقد القدرة على رؤية الحفرة التي يخلّفها. ما يُبنى في لحظة السقوط نادراً ما يكون مستقبلاً حقيقياً، غالباً ما يكون رغبةً أو خوفاً متنكرين في لغة التحليل. أما المستقبل الفعلي، فيُصاغ في التفاعلات الصامتة التي لا تلتفت إليها العيون المنبهرة، تلك التي اعتادت أن ترى ما يلمع لا ما يتجذّر.
ومن هنا يظلّ السؤال معلّقا لا ليُجاب بإجابة نهائية، بل ليُصان بوصفه يقظةً دائمة للفكر وحارسا من الانخداع:
هل نتعلّم، أخيراً، كيف ننجو بعقولنا من سُكر اللحظة، أم سنظلّ نخلط بين الضوء والحقيقة كلما دوّى التاريخ؟.. لأن التاريخ في النهاية، لا يخدعنا… نحن من نُسارع إلى خداع أنفسنا حين نعجز عن الصبر على الفهم.
***
حميد علي القحطاني







