اشتهر المتكلمون بانصرافهم إلى معالجة القضايا العقدية والكلامية التي دارت حول ما اصطلح عليه العلماء بـ«جليل الكلام ودقيقه»، حتى غدا هذا اللون من البحث السمة الأبرز في نتاجهم الفكري. غير أن انشغالهم بعلم الكلام لم يحُلْ دون الإفادة من علوم أخرى أو التداخل معها، كالفقه والتصوف والمنطق والأدب، الأمر الذي أضفى على مؤلفاتهم طابعًا موسوعيًا، وجعلها تتجاوز حدود الاختصاص الضيق.
ومن الشواهد على هذا التداخل ما نجده عند الجاحظ (ت255هـ)، الذي جمع بين مباحث الأدب وأصول النظر الكلامي، كما يتجلى ذلك أيضًا عند الشريف المرتضى (ت436هـ)، الذي أقام مشروعه الفكري على المزاوجة بين علم الكلام والشعر، حتى عُدَّ من كبار شعراء القرن الرابع الهجري.
وإذا كان المتكلمون لم يجعلوا العشق موضوعًا مستقلًا من موضوعات علم الكلام، فإن ذلك لا يعني خلوَّ تراثهم من معالجات دقيقة لهذا المفهوم؛ إذ وردت في ثنايا مؤلفاتهم، وفي بعض المختارات الأدبية التي حفظت أقوالهم، نصوصٌ تكشف عن رؤية فلسفية ونفسية عميقة لطبيعة العشق وآثاره في النفس الإنسانية. وتكتسب هذه النصوص أهميتها من كونها صادرة عن أعلام اشتهروا بالبحث الكلامي، لا بالكتابة في الأدب الوجداني، الأمر الذي يمنحها قيمةً خاصةً في دراسة تطور مفهوم العشق في الفكر الإسلامي. وهذا ما زاد شغفي بإبراز هذه النصوص لهؤلاء الأعلام في هذا الجانب.
وقبل استعراض آراء هؤلاء المتكلمين، يحسن الوقوف عند المعنى اللغوي والاصطلاحي للعشق. فالعشق في اللغة هو فرط الحب وشدته، كما ذكر ابن منظور (ت711هـ). أما في الاصطلاح، فهو انجذاب باطن المحب إلى المحبوب حال الوصال؛ طلبًا لازدياد اللذة واستدامتها، وهو التعريف الذي أورده الجرجاني (ت816هـ) في معجم التعريفات.
وقد نقل لنا المسعودي (ت346هـ) في مروج الذهب مجموعةً من التعريفات التي صاغها عدد من هؤلاء المتكلمين، وهي، وإن اختلفت في أساليبها البيانية، فإنها تكشف عن تصور متقارب للعشق بوصفه حالةً نفسيةً وروحيةً تستولي على الإنسان وتؤثر في إدراكه وسلوكه.
ومن أهم هذه النصوص ما يراه هشام بن الحكم (ت179هـ)، أن العشق أشبه بشَرَكٍ ينصبه الدهر، فلا يقع فيه إلا أصحاب الطباع المتوافقة والهمم المتجانسة، فإذا استحوذ على صاحبه استعبد قلبه وعقله، حتى ينقلب السيد خادمًا لما كان يملكه، في تصوير بليغ لسلطان العشق على الإنسان.
أما إبراهيم بن سيار النظام (ت231هـ)، فيقدمه بوصفه حالةً تمتزج فيها الرقة بالعذاب؛ فهو في بدايته لذة عذبة، غير أن الإفراط فيه يقلبه إلى داءٍ قاتل، يورث السهر والقلق، ويجعل صاحبه أسير اللوعة وطول الفكر، فيجمع بين لذة الابتداء ومرارة الانتهاء.
ويصف أبو الهذيل العلاف (ت235هـ) العشق بأنه قوة تستولي على الحواس والمشاعر، فتختم على الأبصار والقلوب، وتغير الأحكام والتصورات، حتى يصبح العاشق أسير أوهامه، فلا يصفو له حاضر، ولا يطمئن إلى مستقبل، ومع ذلك يبقى العشق عنده مقرونًا بما في النفس من رقةٍ وجودٍ وصفاء طبع.
أما علي بن هيثم (من متكلمي الإمامية في القرن الثاني الهجري)، فيربط العشق بالمشاكلة والانسجام بين الأرواح، ويعده ثمرةً لتمازجها وتوافقها، ويصفه بأنه بحر اللطافة وصفاء الجوهر، مع الإشارة إلى أثره في إضعاف الجسد كلما ازداد تمكنه من النفس.
ويذهب أبو مالك الحضرمي (من متكلمي الإمامية في القرن الثاني الهجري) إلى أن العشق قوة خفية نافذة، تشبه في تأثيرها السحر، ولا يتحقق إلا مع توافق الطباع وامتزاج الأمثال، ثم ينفذ إلى القلب نفوذ المطر في الرمل، فيستولي على العقل والإرادة، ويصبح الإنسان منقادًا لأحكامه وآثاره.
وفي الختام، تكشف لنا هذه النصوص، على اختلاف صياغاتها، أن هؤلاء المتكلمين لم ينظروا إلى العشق بوصفه انفعالًا عاطفيًا مجردًا فحسب، وإنما عدوه حالةً مركبةً تتداخل فيها الأبعاد النفسية والعقلية والروحية، وهو ما يفسر استعانتهم بصورٍ بيانيةٍ كثيفةٍ للتعبير عن شدته وآثاره في كينونة الإنسان.
***
د. علاء كاظم الجابري
.................
المصادر
* ابن منظور، لسان العرب، ج10، ص161.
* الجرجاني، معجم التعريفات، ص26.
* المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، ص302-303.








