يبرز في المشهد الثقافي والصحفي المعاصر اسم الباحث والكاتب نايف عبوش الجبوري كعلامة فارقة، وشخصية موسوعية جمعت بين رصانة البحث الأَكاديمي، وحس الصحافة النابض، وشغف الأَديب الملتزم، إنه المثقف الذي لم يتخذ من الكتابة ترفاً، بل جعل منها رسالة لحفظ الهُوية وتوثيق الذاكرة الشعبية والاجتماعية، فضلاً عن التركيز على ثنائيتهِ الفريدة بين التجدد المعرفي، والتمسك الصارم بأَصالة التراث وقوانين الماضي ضد هجمات الحداثة المشوهة، متفرداً بقدرته على العيش في الحاضر بأدواته المعرفية، مع إبقاء قلبه وعقله حارسين لأسوار الماضي الجميل.
يمتلك نايف عَبُوش ملامح فكرية وشخصية المثقف الموسوعي والكاتب البارع، فقلمه سيالٌ مبدعٌ يجمع بين الجزالة والتبسيط، فكتاباته ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي تفكيك بنيوي للمجتمع وثقافته، فهو يتنقل براحة تامة بين المقالة الصحفية الرشيدة، والبحث (الانثروبولوجي )، أَيّ: علم الإنسان المعمق، مما يجعله كاتباً جامعاً يلبي تطلعات النخبة الأكاديمية والقارئ البسيط على حد سواء.
وتتجلى صفة الصحافي الاستقصائي، والباحث الرصين في نتاجه الأَدبي، فهو يمتلك عينَ الصحافيِّ اللَّمَّاحَة التي تلتقط التفاصيل العابرة وتحولها إلى مادة للنقاش العام، التي يرافقها صبر الباحث وحذره في التدقيق والتوثيق، فهو لم يكن يوماً ناقلاً سطحياً للأخبار، بل غائصٍ في تاريخ المنطقة، وعاداتها، وتقاليدها، موثقاً الذاكرة الشفوية والتراث الإنساني قبل أن يطويه النسيان.
وتتميز مسيرة الكاتب نايف عبوش بفلسفة التوازن بين التجديد، وحذر الحداثة، ويمتلك معادلة دقيقة يحكم بها نتاجه الفكري، فهو شخصية تُماز بفكرها المتجدد ومواكبتها لأدوات العصر وفهمها، وتستوعب التحولات المعرفية والتكنولوجية، غير منغلقة على نفسها في برجٍ عاجي.
ويتمسك الكاتب نايف عَبُوش بقوانين الماضي والتراث أَيما تمسك ؛ فهو يرى في التراث الجذور الأساسية وركائزها التي تحمي الفرد والمجتمع من الضياع، ويعدُّ قوانين الماضي ليست قيوداً، بل هي صمام أَمانٍ قِيميِّ وأخلاقي، فهو حَذِرٌ دقيقٌ في مواجهة هجمات الحداثة، ويقف منها موقف الناقد الحذر من "الحداثة السائلة" أَو تلك الهجمات التي تحاول تجريف الهُوية المحلي، وتسطيح الوعي الاجتماعي، فهو يدقق في كل وافد ثقافي جديد، فيقبل منه ما يُغني العقل، ويحارب - بقلمه - كل ما يهدد بِخَلع المجتمع عن جذوره وأَصالته.
أَما مجالات التميز والاهتمام لدى الكاتب نايف عَبُوش فإِنَّها تتجلى في توثيق التراث الشعبي والريفي، فضلاً عن اهتمامه البالغ بالبيئة المحلية، وتوثيق عاداتها وتقاليدها، ولاسيما الأدب (الفلكلوري) كالعتابة، والنايل، والزهيري، معيداً الاعتبار للحياة الريفية وقيمها الأصيلة، حتى قال فيه الشاعر أبو عبد محمد أحمد الإبراهيم :
- الخل الگطع وصلانا وحضره.
- لا هو من البدو ولا ابن عرب حضره..
- دمع عيني ينايف نهر حضره..
- زاب وخالطو مَيّ الفرّاه..
وبرع الكاتب نايف عَبُوش بمقالاته النقدية والاجتماعية، وقفشاته الرمزية التي يشرّح من خلالها الواقع الاجتماعي بجرأة وموضوعية، داعياً دائماً إلى الحفاظ على السلم الأهلي، والقيم العشائرية الإيجابية، والتكافل الاجتماعي.
والكاتب لديه إِمكانية طيبة في مسك زمام الدقة اللغوية والتعبيرية، ويُعرفُ عنه حذره الشديد ودقته في اختيار الأَلفاظ والتراكيب وبنية النصوص، فلا يترك مجالاً للتأويل، فكأَنَّ عباراته مصبوبة في قالب يحاكي رصانة المخطوطات القديمة وجاذبية الصحافة الحديثة.
وختاما مسكه الكاتب نايف عبوش الجبوري، الذي يمثل نموذجاً للمثقف العضوي الحقيقي؛ فهو ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو حارس بوابة الثقافة والأصالة في زمن تتلاطم فيه أمواج الحداثة العشوائية، ويبقى الجبوري متجدداً في أدواته، صارماً في مبادئه، متمسكاً بتراث أَهله، ليقدم للمشهد الثقافي العراقي والعربي درساً بليغاً في كيفية الانفلاق على العصر دون فقدان الهوية.
***
ا. د. إبراهيم أحمد العميري








